صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١).
أو اذكر قصته ﵇ في نفسك لتكون عونا لك على الصبر على مما تلاقيه وتكابده من هؤلاء الضالين المعاندين المشركين - اذكر - أن الشيطان قد وسوس له ليثنيه عن يقينه وينال من طمأنينة قلبه بما يلح في الوسوسة ودعوة أيوب إلى القنوط واليأس من رحمة وبه، وكان هذا الأمر قاسيا وشديدا على أيوب مع مرضه وعلته، فضلا عن تسلط الشيطان على أتباعه حتى فتن بعضهم في دينه، ورده إلى الكفر بعد أن غرس في نفوسهم أن الأنبياء لا يبتلون ولا يمرضون، وأن أيوب ما دام قد أصابه المرض ومسه الضر فليس بني ولا رسول، كما تسلط ذلك اللعين على آخرين حتى قالوا: ما ابتلى الله أيوب إلا لذنب أصاب أو جريمة اقترف، فكان أيوب يعاني من مشقة تسلط الشيطان عليه بالوسوسة بالقنوط من رحمة الله، كما يعاني ويتألم لفتنة أتباعه وتفرقهم عنه وتشككهم في رسالته.
وكان أيوب ﵇ في قمة الأدب مع ربه فجاء هنا حكاية عنه قوله - تعالى -: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ وجاء فى سورة الأنبياء قوله - تعالى - ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٢) فلم يزد ﵇ أن نادى ربه وبسط شكاته فحسب، وفوض أمره إلى ربه راضيا بما يقضيه فيه، وما يقَدَّر عليه، فلطف به - سبحانه - واستجاب إلى ما تتوق إليه نفسه ويطمئن به قلبه من أن يذهب مرضه الذي أتعبه ونال من جسمه وحط من قوته، وأن يصرف الشيطان عنه وإن كان لا ينال من عقيدة الأنبياء ولا من عباد الله الصالحين.
٤٢ - ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾:
أمره - تعالى - أن يضرب الأرض برجله ضربا قويا بقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فامتثل وضربها فنبعت عين، فقال له - سبحانه -: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فاغتسل ﵇ فذهب سقمه وصح بدنه وشرب فأطفأَ ظمأَه.
стр. 4132
٤٣ - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾:
وبعد أن اكتملت له العافية من الله عليه وهب له ما كان قد تفرق عنه من ولده، وبارك له فيهم فضاعفهم له وأعطاه كثير المال وجليل الخير، وكل ذلك كان من رحمة الله وفضله عليه إذ سلط الله عليه البلاء فصبر، ثم أزال عنه ما نزل به ووصله بالآلاء والنعماء، وذلك تنبيها لذوى العقول الرشيدة والبصائر النافذة والقلوب السليمة على أن من صبر ظفر ونال الجزاء الحسن.
٤٤ - ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾:
أبطأت امرأة أيوب ﵇ وهو في مسيس الحاجة إليها، فقد أنهكته العلة وقعد به المرض وألح عليه الشيطان في نفسه وتابعيه، فأَقسم إن شفاه الله وأبرأه ليضربنَّها مائة جلدة، وكان البرْءُ والشفاء والمنة العظيمة بالعافية والرضا من ربه، فكيف يضربها وهي التي رافقته في رحلة مرضه وقاست ما قاست من حزنها عليه، واعتصار قلبها لما كان يكابده من العلة وعانت من تفرق الولد والأهل وذهاب المال، وأيوب ﵇ يعرف لها ما قامت به نحوه وما عانت من أجله، ولهذا كان يود ويرجو مخرجا من هذه اليمين التي التزم أمام ربه أن يبر ولا يحنث فيها، فكان أن جعل الله له مخرجا منه يرضى ربه ولا يضر زوجه، فقال له: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ أمره ﷻ أن يتحلل من قسمه بأهون شيءٍ عليه وعليها، وذلك بأن يعمد إلى حزمة من حشيش أو ريحان أو نحوهما تضم مائة عود فيضربها بها ضربة واحدة، ويكون بذلك قد وفى بقسمه ولم يؤْذ زوجه الوفية له في مرضه.
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾:
стр. 4133
إنا علمنا أيوب صابرا محتسبا حابسا نفسه على إرادة ربه، لم يستطع الشيطان أن يزعزع ثقته بربه أو يقلل من اعتماده عليه - سبحانه.
وقد يقال: كيف يوصف أيوب بالصبر وقد شكا؟
والجواب: أن أيوب شكا إلى الله ولم يشك لأحد سواه، وأن أيوب لجأ إلى الحبيب من العدو، فضلا على أن الشكوى إلى الله ليست منقصة ولا نزولا بالهمة، فإن الله - سبحانه - يحب أن يُدعى ويُسأَل، ونبى الله يعقوب خاطب ربه وشكا إليه: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوبَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (١) وهذا لا يقدح في الصبر.
﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾: أيوب فقد تناهى في الكمالات وتسامى في الدرجات ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: أي: إنه رجاع إلى ربه منيب إليه، لسانه رطب بذكره، وقلبه عامر بالتفكر فيه والتعظيم له والخوف منه.
﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾
للمفردات:
﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾: أصحاب الأعمال العظيمة في طاعة الله.
﴿وَالْأَبْصَارِ﴾ أي: والبصائر النافذة في معرفته.
﴿أَخْلَصْنَاهُمْ﴾: جعلناهم خالصين.
стр. 4134
﴿بِخَالِصَةٍ﴾: بخصلة وصفة خالصة لا شوب فيها ولا كدورة هي:
﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾: تذكر الدار الآخرة، أو التذكير بها، أو الثناء الجميل عليه في الدنيا.
﴿الْمُصْطَفَيْنَ﴾: جمع مصطفى، وهو المختار من بنى جنسه.
التفسير
٤٥ - ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾:
أضافهم إليه - سبحانه - بالعبودية - فقال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا﴾ وذلك تشريف لهم وإعلاءٌ لشأْنهم.
واذكر أيها - الرسول - لقومك أو تذكر أنت إبراهيم وإسحاق ويعقوب - اذكر هؤلاء.
﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ أي: أصحاب الأعمال الطيبة والبصائر النيرة، فقد استعمل - سبحانه - حواسهم في طاعته: فألسنتهم رطبة بذكره، وجوارحهم مشغولة بعبادته، فكان الله سمعهم الذي يسمعون به، وبصرهم الذي يبصرون به، وذلك مع أفئدة بصيرة، وعقول رشيدة، وقلوب سليمة يملؤُها ويعمرها التفكير في الله فقد جمع الله لهم كمال العمل له، مع عظيم معرفته.
وجاء التعبير عن الأعمال الظاهرة بالأيدى؛ لأن أكثر الأعمال تباشر بها فيقال: هذا مما عملت أيديهم، أو هذا ما قدمت يداه، وإن كان هذا العمل لا يتأتى فيه الباشرة بالأيدى.
٤٦ - ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾:
أي: إن الله قد أخلصهم له ونقاهم من كل شوب وكدورة تنال من مكانتهم، وجملهم بتلك الخصلة الطيبة والخلة الحسنة، وهي تذكرهم الدار الآخرة، يعملون لها ويسعون من أجلها، وكان نصيبهم من الدنيا هو عمل الخير وخير العمل الذي يقدمون به على ربهم،
стр. 4135
ويقبلون بصحبته إلى مولاهم، أو أخلصهم وميزهم بتذكرهم الدار الآخرة، أو أنه - تعالى - أبقى لهم الثناء الحميد في الدنيا، وتقبل دعاء إبراهيم ﵇ حيث قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (١).
أو أنهم يذكِّرون الناس بالآخرة ويحثونهم على التجافى عن الدنيا والبعد عن الإغراق في طلبها.
٤٧ - ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾:
أي: وإن هؤلاء الأنبياء ﵈ عند الله لمن الذين اجتباهم واختارهم - سبحانه - فكانوا من صفوة وخيار رسله وأفضل أنبيائه.
﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾
المفردات:
﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾: شرف عظيم وذكر جميل يذكرون به دائمًا.
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: بساتين إقامة دائمة.
﴿مُتَّكِئِينَ﴾: مسندين ظهورهم أو جنوبهم إلى شيء معتمدين عليه في حال قعودهم.
стр. 4136
التفسير
٤٨ - ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾:
واذكر - يا محمَّد - أو تذكر أنت هؤلاء الرسل الذين صبروا وصابروا وأبلوا بلاءً حسنًا في أداء رسالة ربهم، وتحملوا سفه قومهم وجهلهم حتى يُهتدى ويكونوا مثلا صالحة يتأسى بهم سواهم.
وكلهم من الصفوة الكرام البررة الذين انتخبهم ربهم واختارهم.
وقد أفرد - سبحانه - إسماعيل وفصل ذكره عن ذكر أبيه إبراهيم وأخيه إسحاق للإشعار بعراقته وأصالته في الصبر الذي هو المراد فقد صبر إسماعيل على الذبح لولا أن الله فداه بذِبْحٍ عظيم.
والحكمة من ذكر أو تذكر هؤلاءٍ تبدو فيما يأْتي:
أ - أما إبراهيم ﵇ فقد صبر وصابر على إيذاء قومه له فلم يداهنهم على كفرهم، أو تلن قناته أو تضعف عزيمته عندما عزموا على تحريقه وإلقائه في النار ثم ألقوه فيها فكانت عليه بردا وسلامًا.
٢ - وأما إسحاق ﵇ فقد صبر على طمع قومه وجشعهم فكان يحفر الآبار ليسقى دوابه ويروى زرعه، فيأْتى هؤُلاء العصاة أكلة السحت والحرام فيأْخذونها منه فيتركها لهم ويحفر غيرها وهكذا، ثم ما عاناه من تقدم السنن ووهن العظم وفقد البصر.
٣ - وأما يعقوب ﵇ فقد تأسى عن فقد أحب أبنائه إليه وأدناهم إلى قلبه، فكان منه الصبر الجميل، والاستعانة بالله على ما أصابه قال - تعالى -: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (١) ثم ابتلى بأخذ ابنه الثاني شقيق يوسف بدعوى أنه سرق فاشتعل حزنه وتضاعف ألمه على يوسف، ولكنه كان كبير الرَّجاء عظيم الأمل في رحمة
стр. 4137
ربه أن يرد الله إليه ابنيه قال - تعالى -: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ (١) ولم يتسرب اليأس والقنوط إلى قلبه بل كان ينهى أولاده عنه، قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ)﴾ (٢).
هذه المكابدة أذهبت بصر يعقوب ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ (٣) إلى أن جمع الله بينه وبين أولاده ورد عليه بصره.
٤ - وأما إسماعيل ﵇ فقد صبر على الذبح وقال لأبيه: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤) كما كان مثالا للطاعة والبر بأبيه.
٥ - وأما اليسع ﵇ فقد استخلفه إلياس - علية السلام - على بني إسرائيل فصبر على جهلهم وسفاهتهم وظلمهم وكفرهم، ثم كان جزاء الله له أن اصطفاه رسولًا.
٦ - وأما ذو الكفل ﵇ فهو عند الجمهور نبى مرسل وكان من شأْنه أنه جابه الظلم وتصدى لهؤلاء الفجرة الذين طاردوا عددًا كبيرًا من أنبياء بني إسرائيل وتعقبوهم ليقتلوهم فكفلهم ذو الكفل وآواهم غير مبال بعسف الظالمين وكيدهم، كذا قيل، ولعله اسم له والأسماء لا تعلل.
٤٩ - ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾:
﴿هَذَا﴾: إشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسن هؤلاء الأنبياء والدالة على مناقبهم العظيمة ﴿ذِكْرٌ﴾ أي: شرف لهم وذكر جميل يذكرون به أبدًا، أو هو إشارة إلى القرآن لقوله تعالى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ (٥) وهو مشتمل على أنباء الأنبياء ﵈ وعن ابن عباس ﵄ هذا ذكر من مضى من الأنبياء.
﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾:
стр. 4138
بعد أن بين - سبحانه - في الآيات السابقة أن الحكمة تقتضى عدم التسوية بين المتقين والفجار، جاءت هذه الجملة موضحة نعيم المتقين في الآخرة، وسيأتي في الآية التالية بيان هذا النعيم.
٥٠ - ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ أي: بساتين إقامة فتحت لهم فيها الأبواب تهيئة وإعدادًا وإكرامًا لهم يدخلونها على أعز حال وأجمل هيئة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (١).
٥١ - ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾:
أي: معتمدين فيها على أرائك، أو وسائد من ديباج وإستبرق والأرائك: السور المنجدة المزينة، وهذه هي جلسة المطمئن الآمن والفرح المسرور، وهم في هذه الحالة من الحبور يطلبون من ربهم أن يمدهم ويعطيهم من ألوان الفاكهة وأصناف الشراب فيستجيب لهم الله ويعطيهم ما طلبوا ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ (٢).
﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾
المفردات:
﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ الطرف: العين، ولا يجمع كما هنا لأنه في الأصل مصدر، ومن استعماله مفردًا مع الجمع قوله - تعالى -: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. والقصر: الحبس، أي: حابسات عيونهن على أزواجهن، وسيأتى مزيد بيان له في التفسير.
стр. 4139
﴿أَتْرَابٌ﴾ أي: لِدَات على سِنٍّ واحدة، تشبيهًا لهن في التساوى والتماثل بالترائب التي هي ضلوع الصدر، وهي جمع ترب، وسيأتى لذلك مزيد بيان.
﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ أي: ليس له انقطاع أبدا.
التفسير
٥٢ - ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾:
لا يزال الكلام متصلًا في نعيم المتقين، فهذه الآية تبين أن لهؤلاء المتقين في الجنة زوجات قاصرات أبصارهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى سواهم، أو قاصرات أبصار أزواجهن عليهن، فلا ينظرون إلى سواهن لجمالهن الفائق، وهؤلاء الزوجات أتراب أي: متساويات في السن، فكلهن شباب وليس بينهن عجوز، وذلك يستدعى محبة بعضهن لبعض، وفي ذلك راحة لأزواجهن، فإن تباغض الضرائر بسبب الفوارق في الحسن بينهن ينغص عيش الأزواج، فلذا تشابهن في الحسن والطباع، حتى تصفو الحياة في الجنة، وقيل: إن التساوى بينهن وبين أزواجهن، وذلك أشمل وأكمل، وأبعث على قصر الزوجات أبصارهن على أزواجهن.
وجاء في وصفهن في سورة الصافات قوله - تعالى -: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ (١). ومعنى (عين): واسعات العيون حسانها، ومفرده عيناء، وقد شبهن ببيض النعامة تكنها النعامة بريشها من الريح والغبار، فلونها أبيض في صفرة، وهو أحسن ألوان النساء (٢)، وجاء في وصفهن أنهن في سن ثلاث وثلاثين سنة، والآية في الزوجات الآدميات كما قال ابن عباس:
стр. 4140
٥٣ - ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾:
أي: هذا الجزاءُ الذي وعدتم به - أيها المتقون - في يوم الحساب، فاللام في قوله: ﴿لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ بمعنى في، ويصح أن تكون للتعليل، أي: هذا ما وعدتم به لأجل يوم الحساب.
٥٤ - ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾:
إن هذا الذي ذكر من ألوان النعم وأصناف الكرم لرزقنا الذي أعطيناكموه ماله من انقطاع أبدًا، وفيه دليل على أن نعيم الجنة أبدى لا نهاية له.
﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوالنَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾
المفردات:
﴿لِلطَّاغِينَ﴾: المراد بهم الكفار.
﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾: لقبح مرجع.
﴿الْمِهَادُ﴾: الفراش وزنا ومعنى.
﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾: الحميم: الماءُ الشديد الحرارة، والغساق: عصارة أهل النار، وعن ابن عباس أنه الزمهرير، أخرجه عنه ابن جرير وابن المنذر.
стр. 4141
﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾: وعذاب آخر من مثله أصناف.
﴿فَوْجٌ﴾: جمع كثير.
﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أي: داخل معكم.
﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: دعاءٌ من المتبوعين على أتباعهم.
﴿صَالُوا النَّارِ﴾ أي: داخلون فيها.
﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾: فبئس المقر جهنم.
التفسير
٥٥، ٥٦ - ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾:
لما ذكر الله فيما تقدم نعيم المتقين في الجنة، عقبه بذكر ما للطاغين من سوء المصير، ولفظ ﴿هَذَا﴾ خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر هذا، أو مبتدأ خبره محذوف أي: هذا كما ذكر. قال ابن الأنبارى: "هذا" وقف حسن، ثم تبتدئ: وإن للطاغين، وهم الذين كذبوا الرسل، وقال الجبائي - من المعتزلة: المراد بهم أصحاب الكبائر، سواء أكانوا كفارًا أم لا، وأهل السنة على أن هذه الآيات في الكفار، وهو رأى ابن عباس.
ومعنى الآيتين: الأمر هذا الذي ذكر في جزاء المتقين، وإن للطغاة الذين كذبوا الرسل لَشَرَّ مرجع يئوبون إليه: جهنم يدخلونها ويقاسون لهيبها، فبئس الفراش جهنم.
٥٧، ٥٨ - ﴿هذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾:
الحميم: الماء الشديد الحرارة، قال - تعالى -: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (١) والغساق: صديد أهل النار يسيل من أجسادهم، وقيل: الغساق: عذاب لا يعلمه إلاَّ الله، وقيل: هو البارد المنتن والمقصود من لفظ: "آخَرُ" عذاب الزمهرير كما فسره ابن مسعود.
ولكن ابن عباس يفسر الغساق بالزمهرير، وعليه يكون معنى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾: وعذاب آخر من شكل الغساق أو من شكل ما ذكر أصناف.
стр. 4142
والمعنى: العذاب هذا فليذوقوه، منه حميم شديد الحرارة، ومنه غساق صديد أهل النار، أو الزمهرير ولهم عذاب آخَر من شكل هذا العذاب في الشدة والفظاعة أصناف وأجناس.
٥٩، ٦٠ - ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوالنَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾:
الاقتحام: الدخول في شدة، والآيتان حكايته لما يقوله أهل النار بعضهم لبعض، من التلاعن والتكذيب. كما قال - تعالى - ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ (١).
تقول طائفة الرؤساء التي تدخل قبل طائفة الأتباع - نقول - إذا لحقوا بهم مع الخزنة من الزبانية: هذا فوج داخل معكم لا مرحبًا (٢) بهم، إنهم داخلون النار معنا لأنهم كفروا مثلنا، فيرد الأتباع قائلين لرؤسائهم: بل أنتم أحق بما قلتم فلا مرحبًا بكم، لأنكم ضالون مضلون، فأنتم قدمتم العذاب لنا بإغوائنا وإغرائنا على العقائد الزائغة، والأعمال القبيحة، فبئس المقر والمنزل جهنم التي نصلاها سويا.
٦١ - ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾:
أي: يقول الأتباع أيضًا: يا ربنا من تسبب في عذابنا وقدمه إلينا فزده في النار عذابًا مضاعفًا، وقد جاء مثل ذلك في سورة الأعراف، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ (٣).
стр. 4143
﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾
المفردات
﴿سِخْرِيًّا﴾: مسخورًا ومُسْتهزَأً بهم.
﴿زَاغَتْ﴾: مالت.
﴿تَخَاصُمُ﴾ أي: تنازع.
التفسير
٦٢ - ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾:
أي: وقال الطاغون الكافرون بعضهم لبعض على سبيل التعجب والتحسر: ماذا جرى لنا، حيث لا نرى معنا في النار رجالًا كنا نعدهم في الدنيا من الأشرار الأراذل الذين لا خير فيهم ولا منفعة لهم، يعنون بذلك فقراء المؤمنين، وكانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم لفقرهم ومخالفتهم لهم في الدين.
واستظهر بعضهم أن الضمير في "قَالُوا" عائد على أتباع الرؤساء، فإن الكلام متصل بمقالهم عن الرؤساء، وكانوا - أيضًا - يسخرون من فقراء المؤمنين تبعًا لرؤسائهم.
وقيل: إن الضمير راجع إلى صناديد قريش: كأبي جهل وأمية بن خلف وغيرهما، والرجال الذين كانوا يسخرون منهم، هم عمار بن ياسر، وصهيب، وسلمان الفارسي، وخبَّاب بن الأرت، وبلال ونحوهم ﵃ على ما روى عن مجاهد من أن الآية نزلت فيهم، والصواب: أن ذلك التحسر والتندم عام في جميع الكفار، السابقين، واللاحقين، فهم يتندمون على ما حدث منهم في فقراء جميع الأديان، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
стр. 4144
٦٣ - ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾:
الهمزة في ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ للاستفهام الإنكارى المصحوب بالتعجب، والكلام في هذه الآية موصول بتعجبهم في الآية السابقة بقولهم: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ أي: ماذا جرى لنا حيث لا نرى معنا في النار رجالا كنا نعدهم من الأشرار لفقرهم ومخالفتهم لنا في الدين، أتخذناهم مسخورًا بهم في دنيانا وهم على حق فلذلك لا نراهم معنا في النار؟ أم مالت عنهم أبصارنا وهم في النار فلا نراهم فيها؟.
٦٤ - ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ (١) أَهْلِ النَّارِ﴾:
أي: أن ذلك الذي حُكِي عن الكفار - متبوعين وتابعين - لحق تخاصم أهل النار وتنازعهم، فلابد من حصوله يوم القيامة في جهنم.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
المفردات
﴿الْقَهَّارُ﴾: الغالب.
﴿الْعَزِيزُ﴾: الغالب.
стр. 4145
﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾: خبر عظيم.
﴿بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾: جماعة الملائكة اختصموا مع إبليس في شأن آدم، وسنبين الآراء في ذلك.
التفسير
٦٥، ٦٦ - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾
بعد أن بين الله حظوة المتقين عند ربهم يوم الدين، وشقاء الكافرين يوم يقوم الناس لرب العالمين، أمر الله نبيه أن يبين للمشركين أن مهمته فيهم هي الإنذار والبلاغ، وأنه لا ينبغي مغنمًا منهم ولا أجرًا، وأنه لا يوجد إله لهم سوى الله الواحد القهّار، فلا وجه لعبادتهم سواه، فالله هو الغالب الذي لا يقهر، وهو رب السموات السبع والأرض، وما بينهما من الكواكب التي هي زينة للسماء الدنيا، ومن الشهب والهواء والقوى الكونية التي بين السماء والأرض، وهو العزيز الغالب لمن ناوأه في أُلوهيته، الغفار لمن تاب من كفره، وأناب إلى ربه، مع عزته وقهره.
وفي هذه الأوصاف التي وُصِفَ الله بها في الآيتين تقرير لتوحيده - تعالى - ووعد للمؤمنين ووعيد للمشركين على نحو ما بيناه.
٦٧ - ٦٩ - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾:
قل - أيها الرسول - للمشركين: ما أخبرتكم به من أنني نذير لكم مِنْ عقوبة من هذه صفاته من أنه - تعالى - إله واحد قهار، رب السموات والأرض عزيز - قل لهم -: ما أخبرتكم به من ذلك خبر عظيم أنتم عنه معرضون لا يحرك همتكم، لتمادى غفلتكم وجهالتكم، فإن اليقظ العاقل لا يعرض عن مثله، وقد قامت عليه الحجج الواضحة، أما على توحيد الله فما مرَّ من صفاته التي لا تمارون فيها وهو وحيد في الاتصاف بها، وأما على نبوة محمَّد ﷺ
стр. 4146
فهو ما أخبرهم به من أن الملأ الأعلى اختصموا في شأن آدم، وما كان له من علم بذلك إلاَّ بطريق الوحى لأنه أُمي لا يقرأ ولا يكتب وهو من أمة أمية، فلولا أنه نبي ما كان له أن يعرف ذلك، وسيأتى بيان اختصام الملأ الأعلى.
وروى عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، أن الضمير في قوله: ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ راجع إلى القرآن، ويدخل فيه ما ذكر في الرأى السابق دخولًا أوليًّا، واختار هذا الرأى بعض الأجلة، ويرشحه ما جاء في أول السورة من قوله - تعالى -: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾.
وعلى أي حال فالكلام بجملته تحسير للمشركين، وتنبيه على مكان الخطأ منهم، وإظهار لغاية الرأفة والعطف الذي يقتضيه مقام الدعوة.
والمراد بالملأ الأعلى: الملائكة وآدم وإبليس؛ لأنهم كانوا في السماء، فالعلو حِسِّيٌّ، وكان اختصامهم وتقاولهم في شأن السجود لآدم، وسيأتي بيان ذلك قريبًا في قصة آدم.
٧٠ - ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾:
إن: نافية بمعنى ما، أي: ما يوحى إليَّ حال الملأِ الأعلى، وما يوحى إليَّ من الأمور الغيبية التي من جملتها حالهم - ما يوحى إليَّ ذلك - إلا لأني نذير مبين من جهته تعالى.
ويصح أن يعود الضمير في (يوحى) إلى القرآن الكريم الذي اشتمل على ما تقدم وأعجز البُلغاء ببلاغَتِه وغيرها من فنون إعجازه.
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾
стр. 4147
المفردات:
﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾: هم أجسام نورانية قادرة على التشكل لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
﴿بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾: هو آدم ﵇.
﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾: هذا في البلاغة يسمى تمثيلًا، فلم يكن هناك نفخ، ولا منفوخ، والمقصود: منحته الحياة ببث الروح فيه، وإضافة الروح إلى الله من إضافة المملوك إلى مالكه، كقلمى وكتابى، وليس من إضافة الجزء إلى الكل، وسيأتى إيضاح أكثر في التفسير.
﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ أي: فاسقطوا له ساجدين تحية له.
التفسير
٧١ - ٧٤ - ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾:
شروع في بيان الاختصام والتقاول الذي جرى بين الملأ الأعلى، فهو بدل من "إذ يختصمون" بدل كل من كل، وصح إسناد الاختصام إلى الملائكة لأنه بمعنى القول الذي قالوه بشأن خلقه آدم، وهو قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (١). وقد قالوا ذلك بعد قوله - تعالى - لهم: ﴿جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: راجع القصة في تفسيرنا لها في سورة البقرة.
والاختصام وقع بينهم، وبين إبليس وآدم ﵇ وهم الذين عُبِّر عنهم بالملإ الأعلى في الآية السابقة؛ لأنهم كانوا في الجنة وقت الاختصام، فالمقصود من العلو علو المكان لا علو المكانة والمنزلة، وقد يقال: إن إبليس كانت له منزلة عليا لعبادته قبل أن
стр. 4148
يطرده الله من الجنة لكبريائه وإبائه تنفيذ أمر الله بالسجود لآدم، فقد كان يعبد الله - تعالى - مع الملائكة قبل غضب الله عليه، والاختصام الذي وقع من إبليس قوله لله تعالى: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ (١).
وما ترتب على طرده من الجنة، من وعيده لآدم وذريته بالإغواء فيما حكاه الله - تعالى - في سورة الأعراف بقوله: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ إلى غير ذلك من سائر قصته.
والاختصام الذي وقع من آدم هو إنباء الملائكة بأسماء المسميات المختلفة التي علمه الله إياها، بعد أن عجزت الملائكة عن معرفتها بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢).
ويلخص ابن كثير قصة آدم مع الملائكة وإبليس تعليقا على ما جاء في هذه الآيات بشأنها فيقول ما يلي:
هذه القصة ذكرها الله - تعالى - في سورة "البقرة" وفي أول "الأعراف"، وفي سورة "الحجر، وسبحان، والكهف" وها هنا، وهي أن الله - سبحانه - أعلم الملائكة قبل خلق آدم ﵇ بأنه - سبحانه - سيخلق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون، وتقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه وتسويته أن يسجدوا له إكرامًا له وإعظامًا واحترامًا لأمر الله فامتثل الملائكة سوى إبليس، ولم يكن منهم جنسًا، بل كان من الجن، فخانه طبعه وجبلته، فاستنكف عن السجود لآم، وخاصم ربه فيه، وادعى أنه خير منه، فإنه مخلوق من نار، وآدم خلق من طين، والنار خير من الطين في زعمه، وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله وكفر بذلك، فأبعده الله وأرغم أنفه، وطرده عن باب رحمته ومحلِّ أنسه وحضرةِ قدسه، وسماه إبليس إعلامًا له بأنه قد أبلس - أي: يئس - من
стр. 4149
الرحمة، وأنزله من السماء مذمومًا مدحورًا إلى الأرض، فسأل الله النَّظِرَةَ إلى يوم البعث، فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كما قال ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) وهؤلاء المستثنون في الآية الأخرى، وهي قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (٢). انتهى مع تصرف يسير.
وقال البيضاوى: أن قصة آدم اختصرت في هذه السورة اكتفاء بما مر في سورة البقرة، واقتصارًا على ما هو المقصود منها، وهو إنذار المشركين على استكبارهم على النبي ﷺ بمثل ما حاق بإبليس على استكباره على آدم ﵇ ومن - الجائز أن تكون مقاولة الله - تعالى - إياهم بواسطة ملك، وأن يفسر الملأ الأعلى بما يعم الله والملائكة. انتهى بتصرف يسير.
وإضافة الروح إلى الله - تعالى - في قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ من إضافة المملوك إلى مالكه، وليس المقصود أنه جزء من روح الله تعالى، بل المقصود تشريف الروح التي أفاضها الله على آدم وخلقها له، وقد كفر النصارى في تفسير إضافة روح عيسى إلى الله - تعالى - في كتبهم، بأنه جزء من روح الله، فوصفوه بأنه ابن الله لذلك، ثم تمادوا وتطاودوا فجعلوه هو الله - تعالى - وهم يجادلون المسلمين فيما جاء بالقرآن من نحو قوله - تعالى -: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ (٣). وقد ضلوا بذلك سواء السبيل، فإن معنى الآية: فنفخنا فيها مبتدئين النفخ من روحنا وهو جبريل ﵇ بدليل قوله - تعالى -: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (٤)، وهو الذي سماه الله في القرآن الروح الأمين في قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٥).
стр. 4150
ثم يقال لهم: لو كان الأمر كما زعمتم في الآية لوجب عليكم اعتقاد أن آدم جزء من روح الله، حيث جاء فيه هنا: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾. ووجب أن لا تقصروا بنوة الله على عيسى وحده، تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.
واعلم أن كل شيء في هذا الكون مضاف إلى الله، فالسماء سماء الله والأرض أرض الله، وروح الإنسان روح الله، أي: مملوكة له، وداخلة تحت أمره، فمتى يعقل هؤلاء الكافرون؟.
ومعنى هذه الآيات إجمالًا مع ما قبلها: ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون في شأن آدم، إذ قال ربك - أيها الرسول - للملائكة: إني خالق بشرًا من طين، فإذا عدلت خلقته وصورته، وأحييته بخلق الروح فيه فخروا له ساجدين تحية وتبجيلًا وامتثالًا لأمر الله - تعالى -.
فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلاَّ إبليس تعاظم وصار من الكافرين، باستنكاره أمْر الله - تعالى - واستكباره على المطاوعة.
قد يقول قائل: إن الأمر بالسجود لآدم كان موجهًا إلى الملائكة، فكيف يعاقب إبليس على عدم السجود له وهو غير مأمور به؟.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أنه كان موجودًا بين الملائكة وليس منهم فإذا كان أشرف منه قد أُمر بالسجود لآدم فإن عليه أن يسجد له مثلهم من باب أولى.
وثانيهما: أن من ينزل على قوم فلابد أن يخضع لتكاليفهم وقوانينهم، وإلَّا فإنه يستحق الطرد؛ لأنه مستوطن غير صالح للاستيطان.
стр. 4151
﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾
المفردات:
﴿إمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أي: لمن خلقته بنفسي من غير توسط أب ولا أم.
﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾: أتكبرت من غير استحقاق أم كنت ممن علا واستحق التفوق، وللكلام بقية في التفسير.
﴿رَجِيمٌ﴾: مطرودٌ من الرحمة.
التفسير
٧٥ - ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾:
معلوم أنه - تعالى - لا يشبهه شيء لقوله - تعالى -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فالتعبير باليدين في خلق آدم ليس مرادًا الحقيقة عند أهل التأويل من الخلف، فهو عندهم كما قال الآلوسي: تمثيل لكون آدم ﵇ معتنى بخلقه، فإن من شأن المعتنى به أن يُعْمل باليدين، والمقصود أنه خلقه بنفسه من غير توسط أب ولا أم، وجعله جسمًا صغيرًا انطوى فيه العالم الأكبر، وكونه أهلًا لأن يفاض عليه ما لا يفاض على غيره من مزايا الآدمية، وعند بعض آخر من أهل التأويل: أن اليد مجاز عن القدرة، والتثنية للتأكيد على مزيد عناية الله بخلفه، حيث طوى فيه العالم الأكبر. انتهى بتصرف يسير.
стр. 4152
وقال القرطبي: أضاف خلقه إلى نفسه تكريمًا له، وإن كان خالق كل شيء، وهذا كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد، فخاطب الناس بما يعرفونه في تعاملهم، فإن الرئيس من المخلوقين لا يباشر شيئًا بيده إلاَّ على سبيل الإعظام والتكريم، فذكر اليد هنا بمعنى هذا. قال مجاهد: اليد ها هنا بمعنى التأْكيد والصلة أي: لما خلقت أنا (١)، ثم قال القرطبي: وقيل: أراد باليد القدرة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد، وما لي بالحمل الثقيل يدان، ويدل عليه أن الخلق لا يقع إلاَّ بالقدرة بالإجماع، وقال الشاعر:
تحملت مِن عفراء ما ليس لي به … ولا للجبال الراسيات يدان
وقيل: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾: لما خلقت بغير واسطة. انتهى كلام القرطبي بتصرف يسير.
ومعنى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ أتكبرت من غير استحاق، أم كنت مستحقًّا للعلو فائقًا فيه؟ وقيل معناه: أحدث لك الاستكبار، أم لم تزل منذ كنت من المستكبرين، فالتقابل على الأول باعتبار الاستحقاق وعدمه، وعلى الثاني باعتبار الحدوث والعدم، ولذا قيل: أم كنت دون أم أنت (٢).
والمعنى الإجمالي للآية: قال الله - تعالى - لإبليس على لسان ملك: أي شيء منعك من أن تسجد لمن خلقته بنفسي بغير توسط أب وأم، عناية بخلق من طويت فيه العالم الأكبر، أتكبرت من غير استحقاق؟ أم كنت مستحقا للعلو فائفًا فيه؟.
٧٦ - ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾:
هذا جواب الاستفهام الأخير ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ (٣) يعني أنه من العالمين حقيقة، وليس متصنعًا للعلو، فهو مخلوق من نار، وآدم مخلوق من طين، والنار - في نظره - أشرف من الطين وأعلى منه، فكيف يسجد الأعلى للأدنى.
стр. 4153
٧٧، ٧٨ - ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾:
قال الله لإبليس ردًّا على كبريائه على آدم، وتكبره على تنفيذ أمر خالقه: اخرج من الجنة التي أنت فيها، أو من صورة المتقين التي كنت فيها إلى صورة العصاة الممقوتين، فإنك مطرود من كل خير، فالرجم كناية عن الطرد؛ لأن المطرود يرجم بالحجارة، أو: اخرج منها فإنك شيطان يرجم بالشهب، أو: الرجم كناية عن الذلة، وهذا وجه حسن، ليوافق قوله - تعالى - في سورة الأعراف: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: (١) وإن عليك إبعادى عن الرحمة إلى يوم الجزاء والعقوبة حيث تلقى يومئذ عاقبة طردك من رحمتى.
ويرى ابن عباس: أن الجنة التي كان فيها روضة في عدن وليست جنة الخلد، وبهذا الرأي أخذ كثير من العلماء (٢). وعلى هذا يكون المراد من إخراجه منها: إخراجه من صورة المتقين إلى صورة المردة العصاة، ويدل على ذلك أنه وسوس لآدم فيها حتى حمله على الأكل من الشجرة، والله أعلم.
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾
المفردات:
﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾: رب فأمهلنى.
﴿يُبْعَثُونَ﴾: آدم وذريته.
﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾: إلى يوم الوقت الذي عينته لفناءِ الخلق.
стр. 4154
التفسير
٧٩ - ٨١ - ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾:
أراد إبليس اللعين أن لا يموت؛ بأن يبقى حيًّا إلى يوم البعث، فلم يجبه الله إلى ذلك، وأخره إلى الوقت المعلوم لله - تعالى - وحده، وهو يوم يموت الخلق فيه، فأخر إليه تهاونا به، وإمهالًا له. والمعنى: قال إبليس: رب فأخرنى إلى يوم يبعث فيه الخلائق للحساب والجزاء، يريد بذلك الحصول على وعد ببقائه دون أن يلحقه الموت الذي قضى به على سواه، قال الله له: إنك من جملة المؤخرين الذين قضيت أزلا بتأخير موتهم إلى يوم الوقت المعلوم لي وحدى، لحكمة أردتها، وهذا اليوم هو يوم النفخة الأولى التي يصعق فيها الخلائق.
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾
المفردات:
﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾: فبسلطانك وقهرك ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: لأغرينهم بالمعاصى.
التفسير
٨٢، ٨٣ - ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾:
قال إبليس لما سمع وعيده باللعنة إلى يوم الدين: إذا كان عقابي ما ذكر فبسلطانك وقهرك لأُزينن المعاصي لآدم وذريته أجمعين، إلاَّ عبادك منهم الذين أخلصتهم لطاعتك، وعصمتهم من الغواية، فلن يتأثروا بغوايتي.
стр. 4155
٨٤ - ٨٥ ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾:
قال الله متوعدًا إبليس: فالأمر الثابت ولا أقول سوى الحق. والله لأملأن جهنم من جنسك وممن تبعك من ذرية آدم أجمعين.
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾
المفردات:
﴿مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾: من المتصنعين.
﴿ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾: تذكير ووعظ لهم.
التفسير
٨٦ - ٨٨ - ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ *إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ *وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾:
قل أيها الرسول لأمتك: ما أسألكم على تبليغ القرآن والوحى أي أجر حتى تكذبونى من أجله، فلم أطلب الملك، ولا الزعامة، ولا المال حتى تبتعدوا عني، وتناوئونى، وما أنا من المتصنعين بما ليسوا من أهله على ما عرفتم من حالى فأنتحل النبوة وأتقول القرآن، فما عرفتموه من سيرتى قبل النبوة يشهد لي بالصدق فيما دعوتكم إليه، ما القرآن إلا تذكير ووعظ للعالمين من الإنس والجن، والله لتعلمن نبأه من الصدق بعد حين، حين ينتشر الإسلام ويدخل الناس فيه أفواجًا، وعندما تموتون وحين تبعثون، حيث تندمون ولات ساعة مندم.
стр. 4156
سورة الزمر
مكية وآياتها خمس وسبعون
وتسمى سورة الغرف لقوله تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ وهي مكية كلها، أخبرني ابن الضريس، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل: عن ابن عباس: أنها نزلت بمكة ولم يستثن.
ووجه اتصال أولها بآخر (ص) أنه - تعالى - قال في آخر (ص) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ وقال هنا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ قال الآلوسي: وفي ذلك كمال الالتئام بحيث لو أسقطت البسملة لم يتنافر الكلام، ثم إنه ذكر آخر (ص) قصة خلق آدم وذكر في صدر هذه قصة خلق زوجه منه، وخلق الناس كلهم منه، وذكر خلقهم في بطون أُمهاتهم خلقًا من بعد خلق، ثم ذكر أنهم ميتون، ثم ذكر - سبحانه - القيامة والحساب، والجنة والنار، وختم بقوله - سبحانه - ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فذكر - جل شأنه - أحوال الخلق من المبدأ إلى آخر المعاد، متصلًا بخلق آدم المذكور في السورة قبلها، وبين السورتين أوجه أخرى من الربط تظهر بالتأمل: انتهى كلام الآلوسي.
مقاصد السورة
بين الله - تعالى - في هذه السورة أنه هو الذي أنزل الكتاب بالحق وطلب إلى عباده أن يخلصوا له العبادة ولا يشركوا به أحدًا، وبين أنه لو أراد أن يتخذ ولدًا لاصطفى مما يخلق ما يشاء - سبحانه - هو الله الواحد القهار، وأتبع ذلك ببيان خلقه للسموات والأرض .. وما فيهما من الآيات الشاهدة بوحدانيته، وأنه خلق عباده كلهم من نفس واحدة، وبين أنه لا يرضى لعباده الكفر، ولكنه يرضى منهم الشكر، وفرق بين العلماء وغيرهم فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ثم خوف المشركين من سوء المصير بقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ وبشر الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت وكانوا يستمعون
стр. 4157
القول فيتبعون أحسنه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ثم بين أنه تعالى: ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ وأنه ضرب للناس في هذا القرآن من كل مثل، وأنه لا يوجد أظلم ممن كذب على الله، وكذب بالصدق إذ جاءه، ثم بين أنهم يعترفون بخلق الله للسموات والأرض، فلا وجه لعبادته غيره ممن لا يرفع ضرًّا ولا يجلب نفعًا، ثم بين أنه - تعالى - هو الذي يتوفى الأنفس حين موتها، وأنه ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ثم فتح الله - تعالى - أبواب الرحمة لجميع التائبين من الكفار والعصاة فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا .. ﴾ ثم قال: ﴿وأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ ثم بين أن الذين كذبوا على الله تسود وجوههم يوم القيامة، ومصيرهم جنهم ففيها مثوى المتكبرين، وأنه - تعالى - ينجى الذين اتقوا بمفازتهم من العذاب ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ثم بين أن الأرض يومئذ تشرق بنور ربها ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ثم ذكر أن خزنة النار يوبِّخون أهلها قائلين: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وأن الذين اتقوا يساقون إلى الجنة زمرا ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ ثم قال: ﴿وتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾.
стр. 4158
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾
المفردات:
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ خبر لمبتدأ مقدر، أي هذا تنزيل الكتاب، أو مبتدأ خبره ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ وهو على الأول متعلق بتنزيل، والظاهر أن الكتاب علي الأول مراد به السورة، وعلى الثاني القرآن كله.
﴿زُلْفَى﴾ أي: قربة ومنزلة، وهي اسم مصدر من أزلفه إزلافًا أي: قربه تقريبًا.
﴿كَفَّارٌ﴾: مبالغ في الكفر.
﴿لَاصْطَفَى﴾: لاختار.
﴿الْقَهَّارُ﴾: الشديد القهر، يَغْلِب ولا يُغْلَب.
стр. 4159
التفسير
١ - ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾:
هذه الآية نزلت لإحقاق الحق، والرد على مزاعم قريش من أن القرآن من تأليف محمَّد وأنه يعلمه بشر.
والمعنى: تنزيل القرآن كائن من الله الغالب الحكيم فيما يقول، وأثر الغلبة والحكمة واضح في القرآن العظيم، فقد أعجز البشر أن يأتوا بمثله، وغلبت أحكامه وتشريعاته سواه، لما اشتمل عليه من الدقة والصدق، ومراعاة مصلحة البشر دنيا وأخرى، وكل ذلك شاهد بأنه من الله العزيز الحكيم، وليس في قدرة البشر أن يأتوا بمثله، وقد أكد الله نزوله من العزيز الحكيم بقوله:
٢ - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾:
إنا أنزلنا إليك - أيها الرسول - القرآن ملتبسًا بالحق أو بسبب إظهار الحق وتفصيله، فاعبد الله أنت ومن آمن معك: اعبده مخلصًا له الدين، فلا تشرك معه في العبادة أحدًا، فإنه لا رب سواه.
وقد دَلَّ الأمر بإخلاص الدين لله على وجوب تجريد العبادة من كل شرك، ففي الحديث القدسى: "من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشريكه".
وروى الحسن: عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله، إنى أتصدق بالشيء وأصنع الشيء أريد به وجه الله وثناء الناس، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفس محمَّد بيده لا يقبل الله شيئًا شورك فيه، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.
ونقل القرطبي عن ابن العربى: أن هذه الآية دليل على وجوب النية في كل عمل، وأعظمه الوضوء الذي هو شطر الإيمان، خلافا لأبى حنيفة، والوليد بن مسلم، فإنهما يقولان: أن الوضوء يكفى من غير نية. قال ابن العرب: وما كان ليكون من الإيمان شطرًا، ولا ليخرج الخطايا من بين الأظافر والشعر بغير نية.
стр. 4160
٣ - ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾:
قال قتادة: كانوا إذا قيل لهم: من ربكم وخالقكم، ومن خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء؟ قالوا: الله، فيقال لهم: ما معنى عبادتكم الأصنام؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى، قال الكلبي: جوابه في سورة الأحقاف: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ (١).
وجملة ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ مقول لقول مقدر، أي: قالوا: ما نعبدهم وبه قرأ ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد.
ومعنى الآية: ألا لله الطاعة الخالصة من شوائب الشرك، فإنه المنفرد بصفات الأُلوهية والاطلاع على الأسرار والضمائر، والذين اتخذوا من دون الله أربابًا ونصراء، قالوا في تبرير عبادتم لهم: ما نعبدهم إلاَّ ليقربونا إلى الله تقريبًا، يقولون ذلك مع أن الله أقرب إليهم من حبل الوريد، إن الله يحكم بينهم وحده يوم القيامة فيما هم فيه مختلفون مع أهل الحق، فيقضى بإدخال أهل الحق الجنة، وأهل الباطل النار.
وقيل المعنى: يحكم بينهم وبين معبوديهم، فإنهم يرجون شفاعتهم وهم يلعنونهم؛ أن الله لا يوفق من هو كاذب كفار إلى الاهتداء للحق، لإصراره على الكذب، ومبالغته في الكفر.
٤ - ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾:
هذه الآية للرد على من زعم أن الملائكة بنات الله وأن عيسى ابن الله.
وحاصل معنى الآية: لو أراد الله أن يتخذ ولدا ويسميه بهذا الاسم ما جعل هذه التسمية لهم، وكان يصطفى مما يخلق ما يشاء ويسميه بهذا الاسم، لكنه لا يصطفى من المخلوق الحادث ولدًا لاستحالة الولدية عليه - تعالى - ولأن الحادث لا يصلح ولدا للقديم، وحيث بطلت الولدية للحادث، فيستحيل على الله أن يريد اتخاذ الولد، وهذا معنى ما يقوله علماء المنطق: إذا بطل التالى بطل المقدم.
стр. 4161
ونحو هذا المعنى قال الآلوسي: وجوز أن يكون المعنى في الآية: لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لجعل المخلوق ولدًا، إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوق له - تعالى - والتالى محال للمباينة التامة بين المخلوق والخالق، والولدية تأبى هذه المباينة (١) فالمقدم مثله، ويكون معنى ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ لاتخذه ابنًا على سبيل تقدير المستحيل … انتهى بتصرف.
ثم ختم الله الآية بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ تنزيهًا له - تعالى - عن أن يتخذ ولدًا أو شريكًا في الألوهية، هو الواحد القهار الذي لا يشركه في الأُلوهية شريك، فلا يصلح ما سواه أن يكون له ولدًا فإنه مخلوق لله، والمخلوق لا يسمى ولدًا لخالقه، ولا يصلح لذلك، فضلا عن أن يكون له شريكًا، والقهارية المطلقة تنافى قبول الزوال المحوج إلى الولد أو الشريك.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾
стр. 4162
المفردات
﴿بِالْحَقِّ﴾: بالحكمة والصواب.
﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ أي: يلفُّه فيخفِيه، من: كار العمامة وكَوَّرها على رأسه إذا لفها (١).
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: وذلَّلَهُما لمراده.
﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: كل يسير لمنتهى دوره، أو لمنقطع حركته.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: حواء، وسيأتي الكلام في هذا الجعل.
﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ الأنعام: الإبل والبقر والغنم والمعز، وكانت ثمانية أصناف، لأن كلا منها ذكر وأنثى، وإنزالها قضاؤها.
﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ ظُلُمات البطن، والرحم، والمشيمة.
التفسير
٥ - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾:
هذه الآية مسوقة ثبات وحدانية الله وقهره لما سواه، والمراد من تكويره الليل على النهار وعكسه: أن يُذْهِب أحدهما ويأتي بالآخر ليحل محله، وقد عبر عن ذلك بالصورة البلاغية الموجودة في الآية على سبيل الاستعارة، فاطلب شرح ذلك من المطولات إن أردت.
ومعنى الآية: خلق الله هذا العالم المشاهد وغير المشاهد، ملتبسًا بالحق والحكمة والصواب، يغشى الليل مكان النهار، فتحل به الظلمة، فيسكن الناس وينامون ويستريحون من كدِّ النهار، ويغشى النهار مكان الليل، فيحل به النور، فينشط الخلائق ويعملون لما خلقوا من أجله، وسخر الشمس والقمر حيث جعلهما يجريان في مداريهما، فيترتب على تذليلهما وجود النهار تارة، والليل تارة أخرى، والفصول الأربعة: الربيع،
стр. 4163
فالصيف، فالخريف، فالشتاء، لمصلحة الإنسان والحيوان والنبات، وهذا الجريان لأجل سماه الله - تعالى - لانتهاء دورة كل منهما في مداره، أو لانقطاع حركته عند فناء العالم، ألا هو العزيز القادر على عقاب المصرين على الكفر والمعاصي، الغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا.
٦ - ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾:
وهذا دليل آخر على وحدانية الله وقهره لسواه، وترك عطفه على خلق السموات والأرض، للإيذان باستقلاله في الدلالة على وجود الله وسائر كمالاته.
والمراد بالنفس الواحدة التي خلقنا منها: نفس آدم ﵇ فقد خلقت منه زوجه، ثم حدث التوالد بعد ذلك على النحو المعلوم، وبدأ بخلق الإنسان؛ لأنه أقرب وأعجب بالنسبة إلى غيره، باعتبار ما فيه من العقل وقبول الأمانة الإلهية وغير ذلك حتى قيل فيه:
وتزعم أنك جسم صغير … وفيك انطوى العالم الأكبر
واختلف في معنى خلق حواء من آدم، فمعظم العلماء على أنها خلقت من قصيرى ضلعه اليسرى وهي أسفل الأضلاع، وقيل: إنه بمعنى أنها خلقت من جنسه ليسكن إليها، وقيل: إنها خلقت من بقية طينته، والله أعلم.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ فهو استدلال بنوع آخر من العالم السفلى، والأنعام هي: الإبل، والبقر، والضأن، والمعز، وكانت ثمانية أزواج أي: أصناف، باعتبار الذكر والأُنثى في كل منها، وفي ذلك يقول الله في سورة الأنعام: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ ثم قال: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ (١)، ومعنى إنزال هذه الأنعام الثمانية قضاؤها، وإنزال الملائكة لتنفيذه، فالكلام على سبيل المجاز.
стр. 4164
وأما قوله - تعالى -: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ .. ﴾ فهو بيان لخلق من ذكر من بني آدم والأنعام.
والمعنى الإجمالي للآية: خلفكم من نفس واحدة هي نفس آدم، خلقها أولًا ثم جعل من جنسها زوجها ليسكن إليها، وقضى لكم من الأنعام ثمانية أصناف: الإبل، والبقر، والغنم، والمعز، ذكورها وإناثها، يخلقكم، ويخلق الأنعام خلقا مدرجا، خلقا من بعد خلق، حيوانا سويًّا مِنْ بعْدِ عظام مكسوة باللحم مصورة داخل الرحم، منْ بعْد مُضغٍ، من بعد علق، من بعد نُطَف، ويتم كل ذلك في ظلمات ثلاث، ظلمة البطن، وظلمة الرحم وظلمة المشيمة، أو الصلب، والرحم، والبطن، ذلكم الذي أباع هذه العظائم هو الله ربكم المستحق وحده لعبادتكم، له الملك على الإطلاق في الدنيا والآخرة، ليس لغيره شريك في ذلك كله، لا إله إلاَّ هو، فكيف تصرفون عن عبادته مع وفور موجباتها ودواعيها، وانتفاء الصارف عنها - كيف تصرفون - إلى عبادة غيره مع كثرة الصوارف عن هذا الغير.
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
المفردات:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: ولا تحمل نفس حاملة إثمها ذنب نفس أخرى، وقال الأخفش:
لا تأثم نفس آثمة بإثم نفس أخرى: اهـ. في معناه قوله - تعالى -: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (١):
стр. 4165
التفسير
٧ - ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾:
يخاطب الله عباده المصرين على الكفر بقوله: إن تظلوا على كفركم، فإن الله غنى عنكم وعن إيمانكم، وقد جاء في الحديث القدسى أنه - تعالى - قال: "يا عِبادِى لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئًا" أخرجه الإِمام مسلم.
ومع كونه - تعالى - غنيًّا عن إيمان عباده، وغير محتاج إليه، ولا إليهم، فإنه لا يرضى لعباده الكفر ولا يحبه لهم لسوء عاقبته، وما قدره عليهم إلا لسوء اختيارهم وإصرارهم عليه، وإن تشكروا نعمه عليكم بالإيمان والعمل الصالح فإنه - تعالى - يرضاه ويحبه لكم لحسن عاقبته.
ولا تحمل نفس آثمة بعملها إثم نفس أخرى، فكل امرئ بما كسب رهين، ما لم يتسبب في إثم النفس الأخرى، كالآباء الذين يسيئون تربية أولادهم، فينشئون على المعاصى مثل آبائهم، فإنهم يتحملون إثم إضلالهم منضما إلى إثم ضلالهم، من غير أن ينقص ذلك من إثم الأولاد المكلفين شيئًا، فكلٌّ مسئول عن ضلاله، وفي وجوب وقاية الأولاد من المعاصي التي تدخلهم النار، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١).
ويختم الله الآية منذًرا ومتوعدًا بقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾) أي: ثم إلى الله - تعالى - رجوعكم بالبعث والنشور، فيخبركم بما كنتم تعملون في دنياكم من خير فيثيبكم عليه، أو شر فيعاقبكم عليه إنه عليمٌ بما انطوت عليه الصدور من النوايا والأسرار من طاعة أو معصية فلا تخفى عليه خافية.
стр. 4166
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوإِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُورَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
المفردات:
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ أي: شدة من البلاء والفقر.
﴿مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ أي: راجعا إلى الله منصرفا عما كان يدعوه من دون الله .
﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ أي: أعطاه وملكه نعمة عظيمة من لدنه يقال: خولك الله الشيء، أي: أعطاك إياه. والأصل أعطاك خولا - بفتحتين - أي: عبيدا وخدما. أو أعطاك ما تحتاج إلى تعهده والقيام عليه. ثم عُمِّم لمطلق العطاء.
﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ القانت: المطيع، قاله ابن مسعود. وفي القاموس: أقنت: دعا على عدوه، أو أطال القيام في صلاته.
﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: ساعاته أوله ووسطه وآخره، وعن ابن عباس: آناء الليل: جوفه.
التفسير
٨ - ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوإِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾:
стр. 4167
الآية وصف للجنس بحال بعض أفراده كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (١).
واستظهر أبو حيان أن المراد بالإنسان جنس الكافر. وقيل: المراد به معين وهو عتبة ابن ربيعة، وأبو جهل، أي: وإذا مس الكافر بلاءٌ ونزلت به شدة دعا ربه راجعا إليه، منصرفا عما كان يدعوه من دون الله في حال الرخاء لعلمه أنه بمعزل عن القدرة على كشف ضره.
﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: إذا أعطاه نعمة عظيمة من لدنه أذهبت عنه شدته، وأعادت إليه رخاءه، نسى الضر الذي كان يدعو الله إلى إزالته وكشفه. أو نسى الدعاء الذي كان يتضرع به من قبل التخويل والإعطاء. (فما) واقعة على الضر أو على الدعاء الذي كان يتضرع به. ويجوز أن يراد من لفظ (ما) في قوله: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أن يراد بها الله - تعالى - كما في قول : ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ وقوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: نسى ربه الذي كان يدعوه متضرعا إلى كشفه.
﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: وجعل لله أمثالا وشركاء في العبادة في حال العافية.
﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أي: قل يا محمَّد تهديدا لذلك الذي جعل لله أندادا: تمتع بكفرك تمتعًا قليلًا أو زمانا قليلًا في الدنيا ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أي: ملازميها والمعذبين فيها على الدوام. والجملة تعليل لقلة التمتع. وفيه من الإقناط من النجاة وذم الكفر ما لا يخفى. كأنه قيل: قد أبيت ما أُمرت به من الإيمان والطاعة. فاستمتع بهذا الكفر الذي أنت فيه تمتعًا قليلًا لا ينجيك من عذاب الآخرة فمتاع الدنيا قليل.
٩ - ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُورَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾:
стр. 4168
بين - سبحانه - بهذه الآية أن المؤمن ليس كالكافر الذي مضى ذكره فلا يستويان عند الله
"وأم" المدغمة إما متصلة قد حذف قبلها ما يقابل ما بعدها ثقة بدلالة مساق الكلام عليه. كأنه قيل له تأكيدا للتهديد وتهكما به: أأنت أيها الكافر الذي تدعو ربك في الضراء وتنساه في السراء أحسن حالا ومآبا، أم الذي هو قانت يقوم بمواجب الطاعات، ويداوم على وظائف العبادات في ساعات الليل التي فيها العبادات أقرب إلى القبول، وأبعد عن الرياء، ويدعو في حالتى السراء والضراء ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾) أي: جامعا بين الوصفين المحمودين. وتقديم السجود على القيام لأنه أدخل في العبادة لحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".
﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾: استئناف وقع جوابا عما نشأ من حكايته حاله، فكأنه قيل: ما باله يفعل هذا؟ فقيل: يحذر الآخرة. أي: عذاب الآخرة ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه﴾ فينجو بذلك مما يحذر، ويفوز بما يرجوه وهو الجنة كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الربوبية. مع الإضافة إلى ضمير الراجى. وجواب هذا الاستفهام أن المطيع هو الأحسن حالا ومآلا.
وإما أن تكون (أم) منقطعة وما فيها من الإضراب الانتقالي من التهديد بقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾) إلى التبكيت بتكليف الجواب الملجئ إلى الاعتراف بما بينهما من التباين البين كأنه قيل: بل الذى قانت من أصحاب الجنة.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: قل لهم يا محمَّد - بيانا للحق وتنبيها على شرف العلم والعمل -: هل يستوي الذين يعلمون حقائق الأحوال فيعملون بمقتضى علمهم كالقانت المذكور، والذين لا يعلمون ما ذكر فلا يعلمون؟ كلا لا يستوون والاستفهام للتنبيه على كون الأولين في أعلى مدارج الكمال. وكون الآخرين في أقصى مدارج البشر.
стр. 4169
قال الزجاج: كما لا يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كذلك لا يستوى المطيع والعاصى فهو وارد على سبيل التشبيه، أي: كما لا يستوى العالمون والجاهلون لا يستوى القانتون والعاصون ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ كلام مستقل غير داخل في الكلام المأمور به، وارد من جهته - تعالى - بعد الأمر بما ذكر من القوارع الزاجرة عن الكفر والمعاصي بيان عدم تأثيرها في قلوب الكفرة لاختلال عقولهم ولا يتعظ بوعظ الله وبياناته الواضحة إلا أصحاب العقول الخالصة من شوائب الخلل من المؤمنين. وهؤلاء بمعزل عن ذلك.
﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾: احذروا معاصيه وامتثلوا أوامره.
﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾: فهاجروا فيها ولا تقيموا مع من يعمل المعاصي.
﴿إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال الأوزاعى: لا يوزن لهم ولا يكال وإنما يغرف لهم غرفًا لصبرهم على كل بلاءٍ. ويشمل الصبر على الهجرة شمولا أوليا.
التفسير
١٠ - ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ … ﴾ الآية:
أمر الله رسوله ﷺ أن يذكر المؤمنين ويحملهم على التقوى والطاعة إثر تخصيص التذكر بأولى الألباب. أي: قل لهم هذا بعينه وهو ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ وفيه تشريف لهم بإضافتهم إلى ضمير الجلالة، ومزيد اعتناء بشأن المأمور به، هو التقوى فإنَّ نقل عبارة أمر الله - تعالى - أدخل في إيجاب الامتثال به.
стр. 4170
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ تعليل للأمر بالتقوى، أو لوجوب الامتثال به أي: قل للمحسنين في هذه الدنيا على وجه الإخلاص، وهو الذى عبر عنه رسول الله ﷺ حين سئل عن الإحسان بقوله ﵇: أنْ تعْبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
لهؤلاء المحسنين حسنة في الآخرة عظيمة لا يدرك كنهها وهي الجنة، وقيل المعنى: للذين أحسنوا في الدنيا. حسنة في الدنيا زيادة على ثواب الآخرة، والحسنة الزائدة في الدنيا الصحة والعافية والظفر والغنيمة، قال القشيرى: والأول أصح لأن الكافر قد نال نعم الدنيا.
ويقول القرطبي تعليقًا على ذلك: وينالها معه المؤمن ويزاد الجنة إذا شكر تلك النعم وقد تكون الحسنة في الدنيا الثناء الحسن، وفي الآخرة الجزاء الحسن.
﴿وأرض الله واسعةٌ﴾ أي: فهاجروا فيها ولا تقيموا مع من يعمل المعاصي. وقيل المراد: أرض الجنة رغهم في سعتها، وسعة نعيمها، والجنة قد تسمى أرضًا، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ (١) والأول أظهر فهو أمر بالهجرة. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ترغيب في التقوى المأمور بها، أي: إنما يوفى الذين صبروا على دينهم، وحافظوا على حدوده، ولم يفرطوا في مراعاة حقوقه حين امتحنوا بالآلام والبلايا التي من جملتها مهاجرة الأهل، ومفارقة الأوطان. هؤلاء يوفون أجرهم بمقابلة ما كابدوا من الصبر، يوفونه بغير حساب، والمراد المبالغة في الكثرة وهو المقصود بقول ابن عباس: "لا يهتدى إليه حساب الحساب ولا يُعرف" أي: بغير تقدير.
ولأهل البلايا نصيب أوفر ففي الحديث أنه "تنصب الموازين لأهل الصلاة والصدقة والحج فيؤتون بها أجورهم ولا تنصب لأهل البلايا، بل يصب عليهم الأجر صبا حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل النبلاء من الفضل".