﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوإِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُورَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
المفردات:
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ أي: شدة من البلاء والفقر.
﴿مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ أي: راجعا إلى الله منصرفا عما كان يدعوه من دون الله .
﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ أي: أعطاه وملكه نعمة عظيمة من لدنه يقال: خولك الله الشيء، أي: أعطاك إياه. والأصل أعطاك خولا - بفتحتين - أي: عبيدا وخدما. أو أعطاك ما تحتاج إلى تعهده والقيام عليه. ثم عُمِّم لمطلق العطاء.
﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ القانت: المطيع، قاله ابن مسعود. وفي القاموس: أقنت: دعا على عدوه، أو أطال القيام في صلاته.
﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: ساعاته أوله ووسطه وآخره، وعن ابن عباس: آناء الليل: جوفه.
التفسير
٨ - ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوإِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾:
стр. 4167
الآية وصف للجنس بحال بعض أفراده كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (١).
واستظهر أبو حيان أن المراد بالإنسان جنس الكافر. وقيل: المراد به معين وهو عتبة ابن ربيعة، وأبو جهل، أي: وإذا مس الكافر بلاءٌ ونزلت به شدة دعا ربه راجعا إليه، منصرفا عما كان يدعوه من دون الله في حال الرخاء لعلمه أنه بمعزل عن القدرة على كشف ضره.
﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: إذا أعطاه نعمة عظيمة من لدنه أذهبت عنه شدته، وأعادت إليه رخاءه، نسى الضر الذي كان يدعو الله إلى إزالته وكشفه. أو نسى الدعاء الذي كان يتضرع به من قبل التخويل والإعطاء. (فما) واقعة على الضر أو على الدعاء الذي كان يتضرع به. ويجوز أن يراد من لفظ (ما) في قوله: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أن يراد بها الله - تعالى - كما في قول : ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ وقوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: نسى ربه الذي كان يدعوه متضرعا إلى كشفه.
﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: وجعل لله أمثالا وشركاء في العبادة في حال العافية.
﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أي: قل يا محمَّد تهديدا لذلك الذي جعل لله أندادا: تمتع بكفرك تمتعًا قليلًا أو زمانا قليلًا في الدنيا ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أي: ملازميها والمعذبين فيها على الدوام. والجملة تعليل لقلة التمتع. وفيه من الإقناط من النجاة وذم الكفر ما لا يخفى. كأنه قيل: قد أبيت ما أُمرت به من الإيمان والطاعة. فاستمتع بهذا الكفر الذي أنت فيه تمتعًا قليلًا لا ينجيك من عذاب الآخرة فمتاع الدنيا قليل.
٩ - ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُورَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾:
стр. 4168
بين - سبحانه - بهذه الآية أن المؤمن ليس كالكافر الذي مضى ذكره فلا يستويان عند الله
"وأم" المدغمة إما متصلة قد حذف قبلها ما يقابل ما بعدها ثقة بدلالة مساق الكلام عليه. كأنه قيل له تأكيدا للتهديد وتهكما به: أأنت أيها الكافر الذي تدعو ربك في الضراء وتنساه في السراء أحسن حالا ومآبا، أم الذي هو قانت يقوم بمواجب الطاعات، ويداوم على وظائف العبادات في ساعات الليل التي فيها العبادات أقرب إلى القبول، وأبعد عن الرياء، ويدعو في حالتى السراء والضراء ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾) أي: جامعا بين الوصفين المحمودين. وتقديم السجود على القيام لأنه أدخل في العبادة لحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".
﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾: استئناف وقع جوابا عما نشأ من حكايته حاله، فكأنه قيل: ما باله يفعل هذا؟ فقيل: يحذر الآخرة. أي: عذاب الآخرة ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه﴾ فينجو بذلك مما يحذر، ويفوز بما يرجوه وهو الجنة كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الربوبية. مع الإضافة إلى ضمير الراجى. وجواب هذا الاستفهام أن المطيع هو الأحسن حالا ومآلا.
وإما أن تكون (أم) منقطعة وما فيها من الإضراب الانتقالي من التهديد بقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾) إلى التبكيت بتكليف الجواب الملجئ إلى الاعتراف بما بينهما من التباين البين كأنه قيل: بل الذى قانت من أصحاب الجنة.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: قل لهم يا محمَّد - بيانا للحق وتنبيها على شرف العلم والعمل -: هل يستوي الذين يعلمون حقائق الأحوال فيعملون بمقتضى علمهم كالقانت المذكور، والذين لا يعلمون ما ذكر فلا يعلمون؟ كلا لا يستوون والاستفهام للتنبيه على كون الأولين في أعلى مدارج الكمال. وكون الآخرين في أقصى مدارج البشر.
стр. 4169
قال الزجاج: كما لا يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كذلك لا يستوى المطيع والعاصى فهو وارد على سبيل التشبيه، أي: كما لا يستوى العالمون والجاهلون لا يستوى القانتون والعاصون ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ كلام مستقل غير داخل في الكلام المأمور به، وارد من جهته - تعالى - بعد الأمر بما ذكر من القوارع الزاجرة عن الكفر والمعاصي بيان عدم تأثيرها في قلوب الكفرة لاختلال عقولهم ولا يتعظ بوعظ الله وبياناته الواضحة إلا أصحاب العقول الخالصة من شوائب الخلل من المؤمنين. وهؤلاء بمعزل عن ذلك.
﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾: احذروا معاصيه وامتثلوا أوامره.
﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾: فهاجروا فيها ولا تقيموا مع من يعمل المعاصي.
﴿إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال الأوزاعى: لا يوزن لهم ولا يكال وإنما يغرف لهم غرفًا لصبرهم على كل بلاءٍ. ويشمل الصبر على الهجرة شمولا أوليا.
التفسير
١٠ - ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ … ﴾ الآية:
أمر الله رسوله ﷺ أن يذكر المؤمنين ويحملهم على التقوى والطاعة إثر تخصيص التذكر بأولى الألباب. أي: قل لهم هذا بعينه وهو ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ وفيه تشريف لهم بإضافتهم إلى ضمير الجلالة، ومزيد اعتناء بشأن المأمور به، هو التقوى فإنَّ نقل عبارة أمر الله - تعالى - أدخل في إيجاب الامتثال به.
стр. 4170
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ تعليل للأمر بالتقوى، أو لوجوب الامتثال به أي: قل للمحسنين في هذه الدنيا على وجه الإخلاص، وهو الذى عبر عنه رسول الله ﷺ حين سئل عن الإحسان بقوله ﵇: أنْ تعْبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
لهؤلاء المحسنين حسنة في الآخرة عظيمة لا يدرك كنهها وهي الجنة، وقيل المعنى: للذين أحسنوا في الدنيا. حسنة في الدنيا زيادة على ثواب الآخرة، والحسنة الزائدة في الدنيا الصحة والعافية والظفر والغنيمة، قال القشيرى: والأول أصح لأن الكافر قد نال نعم الدنيا.
ويقول القرطبي تعليقًا على ذلك: وينالها معه المؤمن ويزاد الجنة إذا شكر تلك النعم وقد تكون الحسنة في الدنيا الثناء الحسن، وفي الآخرة الجزاء الحسن.
﴿وأرض الله واسعةٌ﴾ أي: فهاجروا فيها ولا تقيموا مع من يعمل المعاصي. وقيل المراد: أرض الجنة رغهم في سعتها، وسعة نعيمها، والجنة قد تسمى أرضًا، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ (١) والأول أظهر فهو أمر بالهجرة. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ترغيب في التقوى المأمور بها، أي: إنما يوفى الذين صبروا على دينهم، وحافظوا على حدوده، ولم يفرطوا في مراعاة حقوقه حين امتحنوا بالآلام والبلايا التي من جملتها مهاجرة الأهل، ومفارقة الأوطان. هؤلاء يوفون أجرهم بمقابلة ما كابدوا من الصبر، يوفونه بغير حساب، والمراد المبالغة في الكثرة وهو المقصود بقول ابن عباس: "لا يهتدى إليه حساب الحساب ولا يُعرف" أي: بغير تقدير.
ولأهل البلايا نصيب أوفر ففي الحديث أنه "تنصب الموازين لأهل الصلاة والصدقة والحج فيؤتون بها أجورهم ولا تنصب لأهل البلايا، بل يصب عليهم الأجر صبا حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل النبلاء من الفضل".
стр. 4171
وإيثار الصابرين على المتقين للإيذان بأنهم حائزون لفضيلة الصبر كحيازتهم لفضيلة التقوى مع ما فيه من زيادة حث على المصابرة والمجاهدة في تحمل مشاق المهاجرة ومتاعبها واحتمال البلايا في طاعة الله.
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾
المفردات:
﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ أي: من كل ما ينافيه من الشرك والرياء وغير ذلك.
﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وأسلم لله، وآمن به.
﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أي: طاعتى وعبادتى.
﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾: أمر تهديد وتوبيخ، أي: ستلقون حتما جزاء كفركم.
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾ عن ابن عباس: ليس من أحد إلا خلق الله له زوجة في الجنة، فإذا دخل النار خسر نفسه وأهله.
стр. 4172
﴿ألا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أي: الواضح الظاهر.
﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ أي: لأُولئك الخاسرين طبقات كثيرة من النار فوقهم كهيئة الظلل: جمع ظلة، وأصلها: السحابة تظل ما تحتها.
﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾: وسمى ما تحتهم ظللا لأنها تظل من تحتهم (١) والمراد أن النار محيطة بهم إحاطة تامة من جميع الجوانب.
التفسير
١١ - ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾:
أمر رسول الله ﷺ ببيان ما أُمر به من الإخلاص في عبادة الله الذي هو عبارة عما أمر به المؤمنون من التقوى مبالغة في حثهم على الإتيان بما كلفوه وتمهيدا لما يعقبه مما خوطب به المشركون.
وعدم التصريح بالآمر لتعين أنه الله - تعالى -.
١٢ - ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾:
أي: وأمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له لأجل أن أكون مقدم المسلمين في الدنيا والآخرة. وكذلك كان ﷺ فإنه كان أول من خالف دين آبائه، وخلع الأصنام وحطمها وأسلم لله وآمن به، ودعا إلى عبادته، وكأن له إحراز السبق في الدين بالإخلاص فيه، وإخلاصه ﵊ أتم من إخلاص كل مخلص، فلم تكن له صفة الملوك الذين يأمرون بما لا يفعلون.
١٣ - ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾:
أي: قل يا محمد لمن دعاك بالرجوع إلى دين آبائك، وذلك أن كفار قريش قالوا له ﵊: ألا تنظر إلى أبيك وجدك، وسادات قومك يعبدون اللات والعزى فنزلت
стр. 4173
ردا عليهم. أي: قل إني أخاف ترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك، أو الميل إلى أي شيءٍ من المعاصي؛ لأني أخاف (عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) وهو يوم القيامة، ووصفه بالعظمة لعظمة ما فيه من الدواهي والأَهوال. والمقصود تهديدهم والتعريض لهم بأَنه ﵊ مع عظمته لو عصى الله - تعالى - ما أمن العذاب فكيف بهم.
١٤ - ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾:
أي قل لهم: أعبد الله لا غيره - سبحانه - لا استقلالا ولا اشتراكا، مخلصًا له دينى عن الشرك الظاهر والخفى، أو مخلصا له دينى بعبادته - سبحانه - لذاته من غير طلب شيء منه - تعالى - كقول رابعة: سبحانك ما عبدتك خوفًا من عقابك ولا رجاء ثوابك.
أُمر ﵊ أولًا ببيان كونه مأْمورا بعبادة الله - تعالى - بإخلاص الدين له، ثم الإِخبار بخوفه من العذاب على تقدير عصيانه. ثم الإِخبار بامتثاله الأَمر على أبلغ وجه وآكده إظهارا لتصلبه ﷺ في الدين، وحسما لأَطماعهم الفارغة في الرجوع إلى دينهم، وتمهيدا لتهديدهم بقوله :
١٥ - ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾:
بدأت الآية بأمر تهديد ووعيد وتوبيخ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ أي: فاعبدوا ما شئتم أن تعبدوه من دون الله، وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى كأَنهم لما لم ينتهوا عما نهوا عنه أمروا به كى يحل بهم العقاب.
ولكونه أمر تهديد عقبه بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾:
أي: قل لهم أيها الرسول: إن الخاسرين الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه وأسبابه الذي هو عبارة عن إضاعة ما يهمهم، وإتلاف ما لا بد منه هم الذين خسروا أنفسهم وأَهليهم باختيارم الكفر لهما فأضاعوهما وأتلفوهما يوم القيامة حين يدخلون النار، حيث عرضوهما للعذاب السرمدي، وأوقعوهما في هلكة ما بعدها هلكة، والمراد بالأهل الأَتباع الذين أضلوهم وقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وقيل المراد بالأهل: من أعده الله - تعالى - لمن
стр. 4174
يدخل الجنة من الحور العين أي: خسروا أهليهم الذين يكونون لهم في الجنة لو آمنوا فبعدم إيمانهم ذهبوا عنهم ذهابًا لا إياب بعده.
أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد: عن قتادة قال: ليس أحد إلا قد أَعد الله - تعالى.
له أهلا في الجنة إن أطاعه.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس أنه قال في الآية: خسروا أهليهم من أهل الجنة وكانوا قد أُعدوا لهم لو عملوا بطاعة الله.
﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾: جملة مستأنفة. وتصديرها بحرف التنبيه والإشارة تنبيه إلى بعد منزلة المشار إليه في التفسير، وأنه لعظمه بمنزلة المحسوس، وفي توسيط ضمير الفصل وتعريف الخسران ووصفه بالمبين من الدلالة على كمال هوله وفظاعته، وأنه لا خسران وراءه ما لا يخفى، حيث استبدلوا بالجنة نارا وبالدرجات دركات.
١٦ - ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾:
الآية: بيان لخسرانهم بعد تهويله بطريق الإبهام، أي: لهم من فوقهم أطباق بعضها فوق بعض من النار، ومن تحتهم أطباق كثيرة بعضها تحت بعض وتسميتها ظللا للمشاركة والمراد: أن النار محيطة بهم إحاطة تامة من جميع الجهات، والتعبير جار بظلل مجرى التهكم، ولذلك قيل لهم: من فوقهم ظلل … إلخ.
﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ أي: ذلك العذاب الفظيع الذي يخوف الله به عباده ويحذرهم إياه بآيات الوعيد ليبتعدوا عما يكون سببًا في إيقاعهم فيه. ثم وعظهم - تعالى - عظة بالغة منطوية على غاية اللطف والرحمة فقال مناديا لهم: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي عليكم، وغضبي منكم حتى تتحقق عبوديتكم لي التي هي عنوان الرضا عنكم، والتشريف لكم، والمراد في الآية المؤمنون لأنهم المنتفعون بالتخويف، وعممه آخرون في المؤمن والكافر. وقيل: هو خاص بالكافر.
стр. 4175
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾
المفردات:
﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الطاغوت: هو البالغ أقصى غاية الطغيان، ويطلق على الواحد والجمع، والمراد به: الشيطان. وقال الضحاك والسدى: هو الأوثان، ويجمع الطاغوت على طواغيت وطواغ.
﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: رجعوا إليه وتابوا.
﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾: الثواب على ألسنة الرسل أو الملائكة عند حضور الموت، وحين يحشرون والبشرى: اسم لما يعطاه المبشِّر.
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾: هم الذين يسمعون الحسن والقبيح فيتحدثون بالحسن، ويكفون عن القبيح فلا يتحدثون به.
﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ﴾: أصحاب العقول السليمة.
التفسير
١٧ - ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾:
قال ابن إسحاق: نزلت في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص وطلحة، والزبير ﵃ سألوا أبا بكر ﵁ فأخبرهم بإيمانه وذكرهم بالله فآمنوا. وقيل: نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر، وغيرهما ممن وحدوا الله - تعالى - قبل مبعث النبي ﷺ . والمراد بالطاغوت هنا: ما يعبد من دون الله. وقال الزمخشرى: لا يطلق لفظ الطاغوت في هذه السورة على غير الشيطان، وكل
стр. 4176
من عبد غير الله - تعالى - فهو يعبد الطاغوت، أي: الشيطان؛ لأن عبادة غير الله عبادة له فهو الآمر بها، والداعى إليها.
والمعنى: والذين باعدوا أنفسهم، ونزهوها عن عبادة الطاغوت البالغ الغاية في الطغيان.
﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: أقبلوا إليه إقبالا كليا معرضين عما سواه ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ بالثواب، وحسن العاقبة عند حضور الموت، وحين يحشرون ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ أي: فبشر - أيها الرسول - عبادي الذين هم أهل للبشرى بالثواب، وهم المعنيون بقوله - سبحانه -:
١٨ - ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾:
أي: هم الموصوفون باجتناب الطاغوت والإنابة إلى الله بأعيانهم. على أن مدار اتصافهم بالوصفين الجليلين كونهم نُقَّادًا في الدين يميزون بين الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل، فهذا اعترضهم أمران حرصوا على ما هو أقرب عند الله وأكثر ثوابا.
وقيل: هم الذين يستمعون أوامر الله فيتبعون أحسنها نحو القصاص والعفو والانتصار والإغضاء. والإبداء والإخفاء لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (١) ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢).
وقيل: يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن، إلى غير ذلك مما قيل في: القرطبي وغيره.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ لدينه ولما يرضاه، والإشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت الجليلة ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: وهؤلاء هم أصحاب العقول السليمة عن منازعة الهوى، ومعارضة الوهم لا غيرهم. وفيه دلالة على أن الهداية تحصل بفعل الله، وقبول النفس لها.
стр. 4177
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠)﴾
المفردات:
﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾: إشارة إلى نحو قوله - تعالى -: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ أي: طبقات قد أعد بناؤها قبل يوم القيامة.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: مبنية على صورة يتأتى معها جرى الأنهار من تحتها لتكمل المتعة بها.
التفسير
١٩ - ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾:
بيان لأحوال أضداد السابقين على طريق الإجمال. وهؤُلاء هم عبدة الطاغوت ومتبعو كهنتها. والآية كما قيل: نزلت في أبي جهل وأضرابه وكان النبي ﷺ يحرص كل الحرص على إيمانهم، وأعلمه الله أن من سبقت له الشقاوة، وحق عليه القضاء بأنه من أهل النار، لا يستطيع ﷺ أن ينقذه منها ويجعله مؤمنا.
والمعنى: أأنت مالك أمر الناس فمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه؟ أَي: لا يستطيع أحد أن ينقذ من أضله الله، وسبق في علمه أنه من أهل النار، لسوء اختياره؛ لأنه لا يقدر على الإنفاذ إلا المالك القادر، والهمزة للإنكار. أي: النفي.
стр. 4178
والهمزة الثانية في الآية هي الأولى كررت مع الجزاء لتوكيد معنى الإنكار. ثم وضع من في النار موضع ضميرهم لمزيد تشديد الإنكار والاستبعاد، والتنبيه على أن المحكوم عليه بالعذاب بمنزلة الواقع في النار، وقد جعل اجتهاده ﵊ في دعائهم إلى الإيمان وحرصه على إيمانهم - جعل - سعيا في إنقاذهم من النار، والآية تسلية للنبي ﷺ عن حزنه على كفرهم وإصرارهم عليه.
٢٠ - ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾:
لما بيَّن - سبحانه - أن للكفار ظللا من النار فوقهم، ومن تحتهم، بيَّن أن للمتقين غرفا فوقها غرف؛ لأن الجنة درجات يعلو بعضها بعضا. ولفظ (لكن) الانتقال من قصة إلى قصة أخرى مخالفة للأولى وليست للاستدراك: ذكر ذلك القرطبي.
والمعنى: أن الذين اتقوا ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهم الذين خوطبوا بقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ ووصفوا بما عدد من الصفات الفاضلة، وبأن لهم درجات عالية في جنات النعيم، بمقابلة ما للكفرة من دركات سافلة في الجحيم، أي: لهم علالي بعضها فوق بعض مبنيات محكمات عاليات. وحسبك إشارة إلى رفعة شأْنها أن الله جل شأنه - بانيها، وماذا يقال في بناءٍ هو من صنع مبدع السموات والأرض دون غيره، تلك الغرف تجرى من تحتها الأنهار فتزيدها رونقا وبهاءً من غير تفاوت في العلو والسفل. وهي مهيأة ومعدة لهم، قد فرغ من أمرها كما هو ظاهر الوصف لا أنها تبنى يوم القيامة. وفي ذلك من تعظيم المتقين وعلو شأنهم ما فيه.
روى الإِمام أحمد بسنده: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ في الجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا أَعَدَّها لمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ وألانَ الكَلام، وصَلَّى والنَّاسُ نِيَام".
﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد لقوله تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ … إلخ﴾ فإنه وعد وأي وعد ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ مع الفريقين لاستحالته عليه - سبحانه - لما في خلفه من النقص المستحيل عليه .
стр. 4179
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾
المفردات:
﴿اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بها: السحاب.
﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ﴾ أي: فأدخله في عيون وأنهار من الأرض. يقال: سلكت الشيء في الشيء أنفذته. والينبوع: عين الأرض ومجرى الماء، جمعه ينابيع، وفعله من باب قعد أو نفع. والمراد: أن الماءَ بعد هبوطه في الأرض يخرج من العيون والأنهار.
﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يَصْفَرُّ. يقال: هاج البقل يهيج: اصفَرَّ. اهـ: مصباح.
﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ أي: متكسرا، يقال: حطم حطما من باب تعب فهو حَطِم إذا تكسر. اهـ: مصباح.
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ الشرح في الأصل: البسط والمد للحم ونحوه، ويكنى به عن التوسيع. قال ابن عباس: وسَّع صدره للإسلام حتى ثبت فيه. ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: فهو على هدى منه - سبحانه -.
﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ قال المبرد: يقال: قسا القلب إذا صلب. وقلب قاس. أي: صلب لا يرق ولا يلين.
﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: من أجل ذكره - سبحانه - الذي حقه أن تلين منه القلوب.
стр. 4180
التفسير
٢١ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾:
الآية استئناف وارد: إما لتمثيل الحياة الدنيا في سرعة زوالها، وقرب اضمحلالها بما ذكر من أحوال الزرع تحذيرا من الاغترار بها، وتنفيرا من التشبث بأذيالها، بعد أن وصفت الجنة بما يرغب فيها، ويشوق إليها، وإما للاستشهاد على تحقق الموعود من الأنهار الجارية تحت الغرف بما يشاهد من إنزال الماء من السماء، وما يترتب عليه من آثار قدرته - سبحانه - وآيات حكمته ورحمته.
والمعنى: ألم تر أيها المخاطب أن الله أنزل بعظيم قدرته من السحاب ماء المطر أنزله بأسباب أرادها الله. فإن تصعيد الأبخرة من البحار بسبب حرارة الشمس وتكوين الغيوم ونحو ذلك من الأسباب الجوية التي أنشأها الله - جل وعلا - لإنزال المطر على الجبال والسهول والأودية، وسائر الأنحاء؛ أنزله - سبحانه - فأدخله في مسارب وينابيع في الأرض كالعروق في الأجساد ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾ ثم يخرج الله بالمطر ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أي: أنواعه وأصنافه من بر وشعير وغيرهما، أو مختلفا ألوانه المُدْرَكَةُ بالبصر من خضرة وحمرة وغيرهما، ويشمل الزرع المقتات للبشر وغيره ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ أي: يتم جفافه بعد أن انتقل في أطواره نموا ونضارة فتراه بعد خضرته مصفرا ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ أي: فتاتا متكسرا.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ إن فيما ذكر تفصيلا من إنزال الماء، وإخراج الزرع لتذكيرا عظيما لأصحاب العقول الخالصة من شوائب الخلل، وتنبيهًا لهم على حقيقة الحال، يتذكرون بذلك أن حال الحياة الدنيا في سرعة التقضي والانصرام، كما يشاهدونه من حال الحطام كل عام، فلا يغترون ببهجتها ولا يفتنون
стр. 4181
بفتنتها، أو يجزمون بأن من قدر على إنزال الماء من السماء وإجرائه في ينابيع الأرض قادر على إجراء الأنهار من تحت الغرف في الجنة.
٢٢ - ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾:
استئناف جار مجرى التعليل لما قبله من تخصيص الذكرى بأولي الألباب.
فالصدر محل للقلب الذي هو منبع الروح، وانشراحه مستدع لاتساع القلب واستضاءته بنور الله.
والمعنى: أكلُّ الناس سواء؟ فمن شرح الله صدره واهتدى. أي: خلقه متسع الصدر مستعدا للإسلام فبقى على الفطرة الأصلية، ولم يتغير بالعوارض السيئة المكتسبة ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: فهو بموجب ذلك مستقر على نور عظيم من ربه، وهو اللطيف الإلهي الفائض عليه عند مشاهده الآيات الكونية والتنزيلية والتوفيق بها إلى الاهتداء إلى الحق. وسئل رسول الله عن الشرح فقال: (إذا دخل النورُ القلبَ انشرح وانفتح. فقيل: هل لذلك من علامة؟ قال: نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت).
أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن قسا قلبه وحرج صدره بسبب تبديل فطرة الله بسوء اختياره، وقد استولت عليه ظلمات الغي والضلالة فأعرض عن الآيات بالكلية حتى لا يتذكر بها ولا يغتنمها.
﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: من أجل ذكر الله الذي حقه أن تلين منه القلوب بمعنى: أنهم إذا ذكر الله عندهم أو آياته اشمأزوا من ذلك وزادت قلوبهم قساوة كقوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ وكانوا أهلا للويل وسوء المصير.
وأسند الشرح إلى الله - تعالى - إيذانا بأنه على أتم الوجوه؛ لأنه فعل قادر حكيم، وقابله بالقساوة مع أن مقتضى المقابلة أن يقابل بالضيق؛ لأن القساوة كما في الصخرة الصماء تقتضى عدم قبول شيء بخلاف الضيق فإنه يشعر بقبول شيء قليل، وذلك غير مقصود.
стр. 4182
وإسناد القساوة إلى القلوب دون الصدور للتنصيص على فساد هذا العضو الذي إذا فسد فسد الجسد كله.
﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: أولئك البعداء الموصوفون بما ذكر من قساوة القلوب في بعد عن الحق ظاهر لا يخفى كونه ضلالا على أحد.
والآية قيل: نزلت في علي وحمزة ﵄ وأبي لهب وابنه. وقيل: نزلت في عمار بن ياسر، وأبي جهل وذويه، والمراد منها العموم في كل من شرح الله صدره بخلق الإيمان فيه، وكل من زادته الآيات رجسا وقساوة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾
المفردات:
﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ المراد به: القرآن الكريم.
﴿مُتَشَابِهًا﴾: يشبه بعضه بعضا في الصدق والبيان والوعظ والحكمة وغير ذلك.
﴿مَثَانِيَ﴾: جمع مُثَنَّى (١) بمعنى مُرَدَّد ومكرَّر من التكرير والإعادة لما كرر من قصصه وأنبائه وأحكامه ويثنى للتلاوة فلا يمل.
﴿تَقْشَعِرُّ﴾ أي: تضطرب وتتحرك بالخوف مما فيه من الوعيد ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ المراد بذكر الله: الإِسلام وآية الرحمة ونحو ذلك.
стр. 4183
التفسير
٢٣ - ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾:
عن ابن عباس أن قوما من الصحابة قالوا: يا رسول الله، حدثنا بأحاديث حِسَان، وبأخبار الدهر فنزلت، وعن ابن مسعود: أن الصحابة ملُّوا ملَّة فقالوا له ﵊: حدثنا فنزلت إرشادا لهم إلى ما يزيل ملَلَهُم وهو تلاوة القرآن الكريم واستماعه منه ﷺ غضا نضيرا.
والمعنى: أن الله نزَّل أحسن الحديث، وهو القرآن العظيم - نزله كتابًا متشابهًا -، يشبه بعضه بعضا في الصدق والحق والوعظ والحكمة والإعجاز واستتباع منافع العباد في المعاش والمعاد وجعله مثاني (١) أي: مرددًا ومكررا وكرر من قصصه وأنبائه وأحكامه، وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، ومواعظه.
وقيل: هو مثاني لأنه يثنى في التلاوة فلا يمل، ووقوع مثاني وهو جمع صفة لكتاب وهو مفرد باعتبار تفاصيله، وتفاصيل الشيء هي جملته ألا تراك تقول: إن القرآن سور وآيات، وأسباع وأخماس. فكذلك تقول: هو أحكام ومواعظ وأقاصيص ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ استئناف مسوق لبيان آثاره الظاهرة في سامعيه بعد بيان أوصافه في نفسه، ولتقرير كونه أحسن الحديث، ومن هيبته تقشعر منه جلود الذين يخشون الله حقّ خشيته، بمعنى تتقبض تقبضا شديدا. والمراد: إما بيان خشيتهم بطريق التمثيل والتصوير، أو بيان حصول تلك الحالة وعروضها بطريق التحقيق.
والمعنى: أنهم إذا سمعوا القرآن وقوارع آيات وعيده أصابتهم رهبة وخشية تقشعر منها جلودهم، وإذا ذكروا رحمة الله - تعالى - تبدلت خشيتهم رجاء، ورهبتهم رغبة
стр. 4184
وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: تلين ساكنة مطمئنة إلى ذكر رحمته - تعالى - وإنما لم يصرح بها لأنها أول ما يخطر بالبال عند ذكره - تعالى - لأصالته كما يرشد إليه خبر (سبقت رحمتى غضبي) وليس في الآية أكثر من نعت أوليائه باقشعرار الجلود من القرآن ثم سكونهم إلى ذكر رحمته ولم ينعتهم الله بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع وهو من الشيطان.
عن أسماءَ بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: (كان أصحاب النبي ﷺ إذا قرئَ عليهم القرآن كما نعتهم الله تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم، قيل لها: فإن أناسا اليوم إذا قرئ القرآن عليهم خرَّ أحدهم مغشيا عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).
وقال سعيد بن عبد الرحمن الجمحى: مر ابن عمر برجل من أهل القرآن ساقط، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرئ عليه القرآن وسمع ذكر الله سقط. فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط. ثم قال: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم. وقال ابن سيرين: بيننا وبين هؤلاء الذين يصرعون عند قراءة القرآن أن يجعل أحدهم على حائط باسطا رجليه ثم يقرأ عليه القرآن كله فإن رمى بنفسه فهو صادق.
فهذه أخبار ناعية على بعض المتصوفة صعقتهم وضرب رءُوسهم بالأرض عند سماع القرآن.
﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: ذلك الكتاب الذي شرحت أحواله هو هدى الله الذي يهدى به من يشاء من عباده، الذين علم منهم اختيار الاهتداء بتأمُّلِه، والاتعاظ بما في تضاعيفه من شواهد الحقية، ودلائل كونه من عند الله - تعالى -.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي: ومن يخلق - سبحانه - فيه الضلال لإعراضه عما يرشده إلى الحق بسوء اختياره، فليس له من أحد يهديه إلى الحق ليخلصه من ورطة الضلال.
стр. 4185
وقيل: الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ إلى المذكور من الاقشعرار واللين أي: ذلك الذي ذكر من الخشية والرجاء أثر هداه - تعالى - يهدى بذلك الأثر من يشاء من عباده، ومن لم يؤثر فيه الهدى لقسوة قلبه، وإصراره على فجوره، فما له من هاد يؤثر فيه حتى يهتدى.
﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾
المفردات:
﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾: وهو الذي يرمي به مكتوفًا في النار، فيتقي بوجهه العذاب الشديد، لأنه أول شيء تمسه النار.
﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾ أي: وتقول الخزنة للكفار: ذوقوا جزاء كسبكم من المعاصي وهو العذاب والنكال.
﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي: فأصابهم العذاب الدنيوى.
﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: من الجهة التي لا يخطر ببالهم إتيان الشر منها.
﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ يقال كل ما نال الجارحة: قد ذاقته. أي: وصل إليها كما تصل الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما. قال المبرد: والخِزْي من المكروه والخزاية من الاستحياء.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كان من شأْنهم أن يعلموا شيئًا لعلموا ذلك.
стр. 4186
التفسير
٢٤ - ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾:
استئناف جارٍ مجرى التعليل لما قبله من تباين حال المهتدى والضال. وقد نزلت - كما قيل - في أبي جهل.
والمعنى: أَكُلُّ الناس سواء؟ فمن شأْنه أن يتقي بوجهه الذي هو أشرف أعضائه - يتقي - به - العذاب السيء الشديد. كمن هو آمِن لا يعتريه مكروه ولا يحتاج إلى اتقائه بوجهه، فالوجه على حقيقته.
ويشير هذا إلى أن الإنسان إذا لقى مكروهًا من المخاوف استقبله بيده وطلب أن يتقي بها وجهه؛ لأنه أعز أعضائه عليه، والذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه، فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلاَّ بوجهه الذي كان يتقى المخاوف بغيره وقاية له ومحاماة عليه. قال عطاء، وابن زيد: يرمى به مكتوفًا في النار، فأول شيء تمس منه النار وجهه، وقال مجاهد: يجر على وجهه في النار، وجوز أن يراد من الوجه الجسم كله.
ويقال للظالمين من جهة الخزنة: ذوقوا وبال ما كنتم تكسبونه في الدنيا من الكفر والمعاصي، ووضع المظهر في مكان المضمر - فقيل للظالمين، ولم يقل لهم - لتسجيل الظلم عليهم والإشعار بعلية الأمر في قوله تعالى: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ وصيغة الماضي مع أن قول الخزنة مستقبل للدلالة على تحقق الوقوع.
٢٥ - ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾:
استئناف مسوق لبيان ما أصاب بعض الكفرة من العذاب الدنيوى إثر بيان ما يصيب الجميع من العذاب الأُخروي.
والمعنى: كذب الذين من قبل قريش من الأمم السابقة عليهم، فأتاهم العذاب المقدر لكل أمة منهم من الجهة التي لا يحتسبون ولا يدور بخلدهم إتيان الشر منها؛ لأن ذلك أقسى على النفس وأشد إيلامًا لها.
стр. 4187
٢٦ - ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾:
أي: فأَذاقهم الله الذل والصغار بمعنى أنهما وصلا إليهم كما تصل الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما، ولعذاب الآخرة المعد لهم أكبر وأنكى ممَّا أصابهم في الدنيا لشدته وسرمديته.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كان من شأنهم أن يعلموا شيئًا لعلموا ذلك واعتبروا به.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾
المفردات:
﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: يحتاج إليه الناظر في أمور دينه.
﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي: غير مختلف وهو قول ابن عباس. والعوج - بكسر العين وفتحها - مصدر عوج كتعب. قال ابن الأثير: إن مكسور العين مختص بما ليس مرئيًّا كالرأى، والقول. والمفتوح مختص بما هو مرئي كالأجساد. وعن ابن السكيت: أن المكسور أعم من المفتوح، واختار المرزوقى أنه لا فرق بينهما.
التفسير
٢٧ - ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾:
أي: ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن الرفيع الشأن من كل مثل يحتاجون إليه، للنظر في شئون دينهم، بمعنى بينا لهم ذلك بضرب الأمثال كى يتذكروا بها ويتعظوا.
٢٨ - ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾:
أي: وأنزلناه قرآنًا عربيًا سلم مبناه ومعناه لا اختلال فيه بوجه من الوجوه ولا انحراف.
ونفى مصاحبة العوج عنه يقتضي نفي اتصافه به بالطريق الأولى فهو أبلغ من ﴿غَيْرَ عِوَجٍ﴾
стр. 4188
ولما كان العوج (بالكسر) يقال فيما يدرك بالعقل والبصيرة والعوج (بالفتح) يقال فيما يدرك بالحس، عبر بالأول ليدل على أنه أبلغ إلى حد لا يدرك العقل فيه عوجًا فضلا عن الحس.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: الكفر والكذب بترك الاختلاق عليه والشك فيه.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾
المفردات:
﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي: شرسو الطباع.
﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أي: خالصًا لسيد واحد.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: الحق فيتبعونه.
التفسير
٢٩ - ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
هذا مَثَلٌ من الأمثلة القرآنية بعد بيان أن الحكمة في ضرب الأمثال هو التذكر والاتعاظ بها، وتحصيل التقوى. والمراد هنا بضرب المثل تشبيه حالة عجيبة بأُخرى مثلها.
والمعنى: ضرب الله للمشرك الذي يعبد آلهة كثيرة - ضرب له - مثلًا عبدا مملوكًا لجماعة
стр. 4189
متشاحنين يتجاذبونه ويتعاورونه لا يلقاه رجل منهم إلاَّ جرَّه واستخدمه، فهو يلقى منهم العناء والنصب والتعب العظيم، وهو مع ذلك كله لا يُرضى واحدًا منهم بخدمته، ولا يدري على أيهم يعتمد في حاجاته ولا أيهم يرضي بخدمته، فهمُّه شعاع، وقلبه أوزاع.
وضرب لمن يعبد الله وحده مثلا رجلا خالصا لفرد واحد، وليس لغيره سبيل عليه، وذلك الفرد يَعُولُهُ ويعرف له صدق بلائه، فهو في راحة من الحيرة وتوزع القلب.
﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ أي: هل تستوي صفتاهما وحالاهما، وهو إنكار واستبعاد لاستوائهما، ونفي له على أبعد وجه وآكده. وإيذان بأن ذلك من الجلاء والظهور بحيث لا يقدر أحد أن يتفوه باستوائهما، أو يتلعثم في الحكم بتباينهما، كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد مع الله آلهة، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له.
والسر في إبهام الفاضل والمفضول الإشارة إلى كمال الظهور عند من له أدنى شعور.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: تقرير لما قبله من نفي الاستواء بين المثلين، وتنبيه للموحدين على أن ما لهم من المزية بتوفيق الله - تعالى - وأنها نعمة جليلة تقتضي الدوام على حمده وعبادته أو الحمد لله على إقامة الحجة عليهم.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: إضراب وانتقال من بيان عدم الاستواء على الوجة المذكور إلى بيان أن أكثر الناس وهم المشركون لا يعلمون ذلك مع كمال ظهوره فيقعون في ورطة الشرك والضلال.
стр. 4190
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾
المفردات:
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ مع التشديد: من لم يمت وسيموت، ومع التسكين: من فارقته الروح.
﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ أي: يتخاصم فيه الكافر والمؤمن، والظالم والمظلوم، قاله ابن عباس وغيره.
يقال: اختصم القوم: خاصم بعضهم بعضًا. اهـ: مصباح.
التفسير
٣٠ - ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾:
تمهيد لما يعقبه من الاختصام يوم القيامة، وهو خطاب للنبي ﷺ أخبر فيه - سبحانه - بموته. ويدخل معه مؤمنو أمته. والمقصود من الضمير في "إنهم ميتون" الكفار. وقد احتمل خطابه كما قال القرطبي خمسة أوجه:
أحدها: أن يكون ذلك تحذيرًا من الآخرة.
الثاني: أنه ذكره حثًّا على العمل.
الثالث: أنه توطئة للموت.
الرابع: لئلا يختلفوا في موته كما اختلفت الأمم في غيره حتى أن عمر ﵁ لما أنكر موته احتج أبو بكر ﵁ بهذه الآية مع قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ … الآية.
стр. 4191
الخامس: ليعلمه أن الله - تعالى - سوى فيه بين خلقه مع تفاضلهم في غيره لتكثر فيه السلوة وتقل فيه الحسرة.
وفي البحر: لما لم يلتفتوا إلى الحق ولم ينتفعوا بضرب المثل أخبر - سبحانه - بأن مصير الجميع بالموت إلى الله - تعالى - وأنهم يختصمون يوم القيامة ببن يديه وهو الحكم العدل فيميز هناك المحق من المبطل.
وقيل: كانوا يتربصون موت رسول الله ﷺ فأخبروا بأنهم جميعًا سواء بصدد الموت، فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني.
وتأكيد الحملة في ﴿إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ للإشعار بأنهم في غفلة عظيمة عن الموت، وتأكيد الأُولى دفعًا لاستبعاد موته ﷺ .
٣١ - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾:
يعني تخاصم الكافر والمؤمن، والظالم والمظلوم قاله: ابن عباس وغيره.
وقيل: إن الخصومة تبلغ يوم القيامة إلى أن يحاج الروح الجسد، أي: ثم إنك وإياهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أي: عند مالك أمركم (تخَتَصِمُونَ) فنحتج عليهم بأنك بلغت ما أُرسلت به من الأحكام والمواعظ التي من جملتها ما في تضاعيف هذه الآيات فكذبوا ولجوا في المكابرة والعناد معتذرين بما لا طائل تحته، تقول الأتباع: أطعنا سادتنا وكبراءنا، ويقول السادة: أغوتنا الشياطين وآباؤُنا الأقدمون وغلبت علينا شقوتنا.
стр. 4192
وقال جَمْعٌ: المراد بذلك الاختصام العام فيما جرى في الدنيا بين الأنام لا خصوص الاختصام بينه ﵊ وبين الكفرة الطغام.
أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن عساكر: عن إبراهيم النخعي قال: نزلت هذه الآية ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ … ﴾ الخ، فقالوا: وما خصومتنا ونحن إخوان؟ فلما قتل عثمان بن عفان قالوا: هذه خصومة ما بيننا.
وقال الزبير: لما نزلت هذه الآية قلنا: يا رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: نعم، ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه. فقال الزبير: والله إن الأمر لشديد، وقال ابن عمر: لقد عشنا برهة من دهرنا ونحن نرى هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ وكيف نختصم ونبينا واحد وديننا واحد حتى رأيت بعضا يضرب وجوه بعض بالسيف فعرفت أنها فينا نزلت.
وقال أبو سعيد الخدرى: كنا نقول: ربنا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم "صفين" وشد بعضنا على بعض بالسيوف. قلنا: نعم هو هذا.
وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من كانت له مظلمة من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألاَّ يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحُمِل عليه ثم طرح في النار".
стр. 4193
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾
المفردات:
﴿بِالصِّدْقِ﴾: الذي هو عين الحق، وهو ما جاء به النبي ﷺ ، وفي ذروته القرآن الكريم.
﴿مَثْوًى﴾: مقام ومسكن، من: ثوى بالمكان يثوي ثواءً وثُويًّا إذا أقام به.
التفسير
٣٢ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾:
ذكرت الآية السابقة تخاصم المشركين عند الله يوم القيامة، إذ يقول النبي ﷺ لهم إني بلَّغت فكذبتم، واجتهدت في الدعوة فلججتم في الخصومة والعناد، فيعتذرون بما لا طائل تحته، وجاءت هذه الآية بعدها بيانًا لحكم الله عليهم وعلى غيرهم من سائر المكذبين للرسل.
والمعنى: لا أحد أشد ظلمًا، ولا أقبح افتراءً واختلافًا ممن اجترأ على مقام الأُلوهية، وكذب كل الله فادَّعى معه الشريك أو نسب له الولد، أو غير ذلك من أنواع الشرك، وَغَلَا في هذا وتجاوز مفاجئًا من غير رويَّة ولا تأَمُّل فكذَّب بالأمر الذي هو عين الحق،
стр. 4194
وذات الصدق واليقين، ممَّا جاء به رسول الله ﷺ من الدعوة إلى توحيد الله، والقرآن الكريم الذي هو أقوى برهان، وأصدق بيان، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ بأسلوب الاستفهام الداخل على النَّفي لينفيه تقريرٌ وتأكيدٌ للجزاء الذي ينتظر هؤلاء المكذِّين، أي: أن في جهنم مثوى لهم أي: مقامًا متسعًا ومسكنًا دائمًا خالدًا جزاء ما افتروا على الله - سبحانه - وما سارعوا إليه من تكذيب رسوله ﷺ .
ووضع الظاهر في قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ موضع الضمير أي: (لهم) لتسجيل الكفر عليهم وتأكيد استحقاقهم للخلود فيها لا ينفكُّون عنها ولا تنفكُّ عنهم.
٣٣ - ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾:
الذي جاء بالصدق وصدق به هو محمَّد ﷺ كما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس، والمؤمنون داخلون بحكم التبعية له فهو إمامهم، ولذلك أخبر عنه بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. ومثل ذلك مثل دخول الجند في الأمير بالتبعية في قولك: نزل الأمير بموضع كذا، أي: نزل وتبعه جنوده، وقيل: هو على تقدير: والفريق الذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون، وحمل بعضهم الموصول على الجنس، والمراد به حينئذ الرسول والمؤمنون، وأُيد هذا الرأى بقراءَة ابن مسعود.
﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾:
والمعنى: ومحمد الذي جاء بالقرآن الحق، وصدق به هو ومن آمن معه - أولئك الموصوفون بما ذكر - هم المتقون أي: الذين وقوا أنفسهم من الشرك ومن مثوى المشركين.
стр. 4195
٣٤ - ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾:
هذه الآية بيان لما يستحقه المصدقون المتقون من الكرامة والمنزلة، أي: لهؤلاء المتقين المصدِّقين لما جاء به الرسول ﷺ لهم ما يشاءون عند ربهم - من تكفير السيئات، والأمن من الفزع أكبر وسائر أهوال يوم القيامة، ومن خيرات الجنَّة ونعيمها، وطيب المقام فيها بعد دخولها، إلى جانب ما نالوه في الدنيا من مختلف أنواع النعم.
﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: ذلك الذي ذكر من حصول ما يشاءُون في الدنيا والآخرة جزاءُ المحسنين الذين أخلصوا إيمانهم وأحسنوا أعمالهم.
ووضع المحسنين موضع ضميرهم للإشادة بحسن أعمالهم، وإبراز فضلهم.
٣٥ - ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
قول الله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ … الآية﴾ متعلق بمضمون ما قبله.
والمعنى: وعدهم الله ما يشاءُونه من دفع المضار، وقيل المسارِّ، وحسن العاقبة، ليكفِّر عنهم بموجب ذلك الوعد أسوأ الأعمال التي عملوها وخافوا عقابها (١) وليجزيهم أَكرم جزاء، ويثيبهم أوفى ثواب بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعات، حيث يرفع درجة الحسن من أعمالهم إلى درجة أحسنها، ويثيبهم عليه ثواب أحسنها.
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧)﴾
المفردات:
﴿بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾: بحافظ ومانع رسوله مِمَّا يخَوِّفُونَهُ به.
стр. 4196
﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: يحذرونك ويهددونك بضرر الأصنام.
﴿عَزِيزٍ﴾: غالب لا يغالب، منيع لا يمانَع ولا ينازَع.
﴿انْتِقَامٍ﴾: عقوبة.
التفسير:
٣٦ - ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾:
دخول همزة الاستفهام على النفى يقتضي التقرير والإثبات، وقد جاءت هذه الآية لتؤكد مضمون الآيات السابقة من توعُّد الظالمين الكذَّابين والمكذِّبين، وصدق الوعد للصادقين والمصدِّقين.
والمعنى: الله - تعالى - بقوته وقدرته حافظ رسوله، ومانعه من كل أذى يصيبه، ومن كل مؤذ يريده بسوء.
وقوله تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ تسفيه لما كان المشركون يُهدِّدُون به الرسول ﷺ من ضرر أصنامهم. ويتوعدونه به.
روى أنَّهم كانوا يقولون له: إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا، وتصيبك مضرتها لعيبك إياها، فنزلت الآية. وفي رواية أُخرى قالوا: "لتكُفَّنَّ عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منها خبل أو جنون كما قال قوم هود له: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾.
وقال قتادة: مضى خالد بن الوليد إلى العُزَّى ليكسرها بالفأس، فقال له سادنها: أُحذركها يا خالد فإن لها شدة لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إليها فهشم رأسها بالفاس". وتخويفهم لخالد تخويف لرسول الله ﷺ لأنه الذي وجهه إليها.
ولما كان اتخاذهم الأصنام آلهة، وتخويفهم بها وهي أحجار لا تدفع ضرًّا ولا تجلب نفعًا لنفسها فضلًا عن أن تنفع أو تضرُّ غيرها - لما كان هذا - ضلًالا منهم وإضلالًا من الله لهم لإصرارهم على الباطل، جاء قول الله - تعالى -: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾
стр. 4197
أي: ومن يصرفه الله عن الهداية، ويعمى قلبه عن اتباع الحق لسوء اختياره، فهو ضال وما له من هادٍ أبدًا يهديه إلى الخير، أو يوجهه إلى الحق ونور الإيمان.
٣٧ - ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ أي: ومن يوفِّقه الله إلى الهداية ويرشده إلى الحق ونور الإيمان فليس له من مضل يصرفه عن مقصده السَّويِّ، ويدفعه إلى الغواية ومسالك السوء، إذ لا راد لقضائه - تعالى - ولا معارض لإرادته. كما ينطق بذلك قوله - تعالى -: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ أي: أليس الله بغالب لا يغالب، منيع لا يمانع ولا ينازع، ذي انتقام وعقوبة بالغة لمن يتمرد على أمره وينهيه.
وفي هذا تسلية للرسول، وتثبيت للمؤمنين، وتأمين لهم على مسالكهم في الطاعة، ومسيرتهم في الاهتداء.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾
المفردات:
﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾: دافعات ضره ورافعاته.
﴿مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾: مانعات رحمته وحابسات لها.
﴿حَسْبِيَ اللهُ﴾: كافيني في جميع أموري.
стр. 4198
﴿مَكَانَتِكُمْ﴾: حالتكم التي أنتم عليها من العداوة التي تمكنتم فيها.
﴿يُخْزِيهِ﴾: يذله ويهينه. ﴿مُقِيمٌ﴾: دائم لا ينقطع.
التفسير
٣٨ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾:
كان المشركون مع إشراكهم، وعبادتهم الأصنام، وادعائهم قدرتها وتأثيرها يعترفون أن خالق السموات والأرض هو الله لا يمارون في ذلك، ولا يجادلون فيه، وجاءت هذه الآية توجِّه الرسول ﷺ إلى سؤالهم عن ذلك لينتزع هذا الاعتراف فيكون حجة عليهم تبهتهم وتسفه أحلامهم.
والمعنى: ولئن سألت هؤلاء المشركين المعاندين مَنْ خلق السموات والأرض، وأبدع صنعتهما وأحكم نظامهما، وسخر في السماء كواكبها، وأجرى في الأرض أنهارها، وأرسى جبالها، وأنبت أشجارها، وبثَّ فيها من كل دابَّة ليقولن: خلقهن الله لوضوح الدليل، وسنوح السبيل، وما وجدوا سوى ذلك ردًّا ولا حاروا جوابًا.
قل لهم يا محمد بعد هذا الاعتراف منهنم تسفيهًا وتبكيتًا: أفكَّرتم بعد هذا الاعتراف والإقرار فرأيتم أن آلهتكم التي تدعونها من دون الله، وتزعمون لها التسلُّط والتأثير - إن أرادني الله بضرٍّ وأذى هل هنَّ قادرات على أن تدفعه عنِّي، وتحول بينه وبينى، أو أرادني برحمة ونعمة هل هنَّ قادرات أن تمنعها مني أو تحبسها عنِّي، وعبر عن آلهتهم بصيغ المؤنث في (كَاشِفَاتُ، مُمْسِكَاتُ) لأنها مؤنثات الأسماء وهي اللاَّت والعزى ومناة.
روى أنه ﷺ لمَّا سألهم سكتوا فنزل قوله - تعالى -: ﴿قُلْ حَسْبَيَ الله﴾ أي: قل لهم أيها الصادق الأمين: حسبى الله وكافيني في جميع أموري من إصابة الخير، ودفع الشر، عليه وحده لا على أحد غيره يتوكل المتوكلون في كل أمورهم، ويعتمدون على حوله وقوته في جميع شئونهم، لعلمهم أن كل ما سواه تحت ملكوته - تعالى -.
стр. 4199
٣٩، ٤٠ - ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾:
أي: قل لهم أيها الصادق الأمين بعد أن سجَّلوا على أنفسهم باعترافهم بقدرة الله - تعالى - السفه والعناد - قل لهم -: اعملوا على مكانتكم وحالتكم التي أنتم عليها من العداوة التي تمكنت منكم، إني عامل على منهجى وطريقى التي لا تزال تزداد قوة تروع أمنكم، بنصر الله لي وتأييده إياي، إحقاقا للحق وإعلاءً لكلمته، وإذا كنتم الآن من هذا في شك فسوف تعلمون في مستقبل الأيام وعلى امتداد الزمن، وتتابع الأحداث من يأتيه عذاب يخزيه ويذلُّه في الدنيا ويهينه، ويحلُّ عليه في الآخرة عذابٌ مقيم دائم لا ينقطع، وقد صدق فيهم عذاب الدنيا بالقتل والأسر يوم بدر، والذُّل والهوان يوم فتح مكَّة، وينتظرهم في الآخرة عذابٌ أفظع، ونكال أبشع لمن بقى منهم على كفره.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)﴾
المفردات:
﴿بِالْحَقِّ﴾: متلبسًا بالصدق.
﴿بِوَكِيلٍ﴾: مسلَّط تجبرهم على الهداية.
التفسير:
٤١ - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾:
تتجه هذه الآية إلى تقرير أمر الرسالة، وإنزال القرآن الكريم، وما يحتويه من
стр. 4200
إرشادات وعظات، يُسَلي بها نبيه ﷺ ويهون عليه عناد قومه ومعارضتهم فيقول - الله تعالى مخاطبا نبيَّه ﷺ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي: إنا أنزلنا عليك أيها الرسول العظيم القرآن الكريم بالحق والصدق لأجل الناس فإنه مناط مصالحهم في المعاش وفي المعاد، وإن مهمتك فيه إبلاغه للناس بأمانة وصدق، كما أنزلناه إليك ليهتدى به من يريد الله له الهداية ومجانبة الشرك والضلال، فمن أجابك إليه واهتدى به، وعمل بما فيه فلنفسه؛ لأن نفعه عائد عليها، وحسن عاقبته لها، ومن أعرض، وضل عن الانتفاع بهديه، ولم يعمل بما فيه، فإنما ضلاله على نفسه؛ لأن وبال ذلك، وسوء عاقبته حائق بها، وما أنت على الناس بوكيل ولا مسلَّط تجبرهم على الإيمان والتصديق، وتلجئهم إلى الهداية والتوفيق، فإنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء.
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾
المفردات:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ أي: يستوفيها ويسيطر عليها.
﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾: يحفظها ولا يردُّها إلى البدن.
﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾: يرد النفس النائمة إلى البدن عند اليقظة.
стр. 4201
﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: وقت سمَّاها الله ينتهى به عمرها.
﴿لَآيَاتٍ﴾: لَعِظِاتٍ بالغات.
التفسير:
٤٢ - ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾:
روي عن ابن عباس ﵁ قال: "إن في ابن آدم نفسا وروحًا، بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس هي التي بها العقل والتمييز، والروح هي التي بها التنفُّس، والتحرك، فيتوفَّيان معا عند الموت، ونتوفى النفس وحدها عند النوم".
هكذا روي عن ابن عباس، ولكن الظاهر أن هذه الآية الكريمة تمثل صورتين عجيبتين من صور قدرة الله - تعالى - على الخلائق، صورة تحدث لكل حي مرة واحدة ولا تتكرر، وهي الموت عند انتهاء الأجل، وصورة تتكرر مع الحياة وتلازمها، وهي النوم في جميع حالاته وأوقاته: فهذا هو مضمون قوله - تعالى -: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا … الآية﴾.
والمعنى: الله يستوفي الأرواح ويسيطر عليها حين موتها وحين نومها، فيمسك التي قضى عليها الموت ويقطع صلتها بالبدن، ويرد النفس الأخرى النائمة التي منعها عن التصرف وقت نومها ولم يحن أجلها - يرد تصرفها إلى بدنها فتحصل اليقظة بسبب ذلك، ويجرى ذلك عليها إلى أجل مسمى هو انتهاء عمرها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: إن في ذلك التصرف العجيب، والنمط الغريب الذي يجرى على نفوس الخلائق، ويتكرر في حاليه بينهم، وتحت أبصارهم، وأسماعهم، لآيات بالغات، وشواهد بيِّنات دالات على بليغ قدرة الله - تعالى - ودقة حكمه، القوم يتفكرون في كيفية تعلق النفس بالأبدان، وتوفِّيها عنها تارة بالكلية عند الموت، واستبقائها عند الله بين السعادة والشقاوة، وتوفِّيها تارة أخرى توفيا ظاهرا عند النوم، وإرسالها إلى البدن ليعود إلى نشاطه، حتى يحين أجلها.
стр. 4202
٤٣، ٤٤ - ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾:
أي: بل أتخذوا: فأم هنا منقطعة تتضمن معنى بل وهمزة الاستفهام.
والمعنى: بل أتخذ المشركون آلهة من دون الله، ومن غير إذن منه شفعاء تشفع عنده - تعالى - لهم في أمورهم الدنيوية والأُخروية.
قل لهم أيها الرسول (أولًا) تسفيهًا وتبكيتًا: أيستقيم في تفكيركم، ويصح في عقولكم أن تتخذوا أصنامكم شفعاء يشفعون لكم عند الله، وترجون عندهم ذلك، ولو كانوا لا يملكون شيئًا أصلًا، فضلًا عن أن يملكوا الشفاعة التي هي المنزلة العليا، والغاية القصوي، التي لا يرقى إليها إلاَّ الأنبياء والمرتضون. وكذلك لا يعقلون أمرا من الأمور، ولا يرجو أحد منهم الشفاعة إلاَّ المغرقون في الجهل والضلال.
وقيل لهم (ثانيًا) إثباتًا للحق وتأكيدًا: لله وحده الشفاعة جميعًا بكل صورها، وكافة أغراضها هو الذي يملكها ويملك الإذن بها إذا كان الشفيع مرتضى مأذونًا له، وأصامكم تفقد أساسًا كل مقوماتها فضلًا عن الارتضاء لها والإذن لها.
وقوله - تعالى -: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تأكيد لمضمون ما قبله وتقرير له.
والمعنى: لله وحدد ملك السموات والأرض وملك ما بث فيهما من دابة، ومن حق المالك ألا يتكلم أحد في أمر من أمور ملكه إلاَّ بإذنه، ثم إليه وحده وليس لغيره استقلالًا أو اشتراكًا ترجعون يوم القيامة، فتعلمون الأُمور على حقيقتها، وتتبينون ضلالكم وجهلكم باتخاذكم هذه الأصنام آلهة، ورجائكم في نفعها وشفاعتها فتندمون، ولات ساعة مندم.
стр. 4203
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾
المفردات:
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾: دون ذكر الأصنام.
﴿اشْمَأَزَّتْ﴾: انقبضت ونفرت.
﴿مِنْ دُونِهِ﴾: من دون الله.
﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: يفرحون ويسرون.
﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق.
﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: عالم السر والعلن.
﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾: لقدموه فداءً لهم من العذاب.
﴿بَدَا﴾: ظهر.
﴿يَحْتَسِبُونَ﴾: يدخل في تقديرهم وحسابهم.
стр. 4204
التفسير:
٤٥ - ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾:
تصور هذه الآية تصرفًا من تصرفات هؤلاء المشركين ناشئًا عن تماديهم في الشرك، وإيغالهم في تأليه أصنامهم، وتمثل حالين من أحوالهم القبيحة تنعكسان على وجوههم انقباضا وعبوسًا إذا سمعوا ذكر الله، وبشْرا وفرحا إذا سمعوا ذكر آلهتهم، وذلك من إيغالهم في الجهل وانحطاطهم في سفاهة العقل وسوء التفكير.
والمعنى: قد كان من حالهم في الدنيا أنه إذا ذكر الله وحده دون ذكر الأصنام انقبضت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة من المشركين، وظهر ذلك على وجوههم إنكارًا واشمئزازا، وإذا ذكر الذين من دونه من أصنامهم وآلهتهم فرادى أو مع ذكر الله - تعالى - أسرع الفرح والسرور إليهم، وظهر البشر على وجوههم، لفرط افتتانهم بآلهتهم، وتعصبهم لها، ونسيان حق الله - تعالى -.
٤٦ - ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾:
هذا أمر وتوجيه من الله لرسوله بالدعاء والالتجاء إلى الله - تعالى - لما قاساه في أمر دعوة هؤلاء المشركين، ولما ناله من شدة شكيمتهم في المكابرة والعناد، فإنه - تعالى - هو المبدع للسموات والأرض بجملتها، والعالم بالأحوال برمتها، والفاصل بين المحقين والمبطلين، وفيه تعليم للعباد أن يلجؤا إلى الله عند الشدائد.
والمعنى: قل أيها الرسول: اللهم يا فاطر السموات والأرض ومبدع صنعتهما على غير مثال سبق، يا عالم كل سر وعلانية، وكل غائب وشاهد، لا يخفى عليك شأن من الشئون أنت وحدك تحكم بين عبادك، وتقضي بينهم فيما كانوا يختلفون فيه في الدنيا قضاءً يحسم كل خلاف، ويخضع له كل مكابر، ويستسلم له كل عات متجبر، فيبهت بذلك كل ظالم، وينصف كل مظلوم.
стр. 4205
هذا، وأصل الفطر: ابتداء الخلق وابتداعه، قال ابن عباس ﵄: "كنت لا أدرى ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا (فطرتها) أي: ابتدأتها".
٤٧ - ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾:
ولو كان للذين ظلموا أنفسهم بالشرك، والإسراف في العناد والمعارضة - لو كان لهم - ما في الأرض جميعًا من الخيرات، والكنوز والأموال ومثله معه، لهان عليهم أن يبذلوه افتداء لهم وخلاصًا من سوء العذاب يوم القيامة، لهول ما يشاهدون، وفظاعة - ما يلاقون - وهيهات - وفي هذا قمة الوعيد، وغاية الإقناط لهم من الخلاص والنجاة ما داموا به كافرين.
وفي قوله - تعالى -: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾: ارتفاع بالوعيد إلى أقصى ما يتمثله متمثل، أو يدخل تحت حِذْرٍ وتقدير. أي: وظهر لهم من الله من ضروب العذاب، وصور العقاب والانتقام، ما لم يخطر على بالهم، ولم يدخل في تقديرهم وحسابهم.
وهذا الوعيد غاية في التخويف والتحذير يقابلها في الترغيب والتبشير قول الله - تعالى -: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
٤٨ - ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾:
تمضى الآيات في ترديد الوعيد وتبديء فيه وتعيد، لتقطع الحجة على كل مكابر، وتعقد لسان كل عنيد، فيقول الله - تعالى -: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أي: وظهر - للمشركين يوم القيامة حين عرضت عليهم صحائف أعمالهم، وأخذوا كتبهم بشمائلهم، وقالوا وفي عيونهم عبرة، وقلوبهم في غمرة: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا … الآية﴾ (٢) - بدا لهم يومئذ - سيئات ما عملوا في دنياهم