﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: وقت سمَّاها الله ينتهى به عمرها.
﴿لَآيَاتٍ﴾: لَعِظِاتٍ بالغات.
التفسير:
٤٢ - ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾:
روي عن ابن عباس ﵁ قال: "إن في ابن آدم نفسا وروحًا، بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس هي التي بها العقل والتمييز، والروح هي التي بها التنفُّس، والتحرك، فيتوفَّيان معا عند الموت، ونتوفى النفس وحدها عند النوم".
هكذا روي عن ابن عباس، ولكن الظاهر أن هذه الآية الكريمة تمثل صورتين عجيبتين من صور قدرة الله - تعالى - على الخلائق، صورة تحدث لكل حي مرة واحدة ولا تتكرر، وهي الموت عند انتهاء الأجل، وصورة تتكرر مع الحياة وتلازمها، وهي النوم في جميع حالاته وأوقاته: فهذا هو مضمون قوله - تعالى -: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا … الآية﴾.
والمعنى: الله يستوفي الأرواح ويسيطر عليها حين موتها وحين نومها، فيمسك التي قضى عليها الموت ويقطع صلتها بالبدن، ويرد النفس الأخرى النائمة التي منعها عن التصرف وقت نومها ولم يحن أجلها - يرد تصرفها إلى بدنها فتحصل اليقظة بسبب ذلك، ويجرى ذلك عليها إلى أجل مسمى هو انتهاء عمرها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: إن في ذلك التصرف العجيب، والنمط الغريب الذي يجرى على نفوس الخلائق، ويتكرر في حاليه بينهم، وتحت أبصارهم، وأسماعهم، لآيات بالغات، وشواهد بيِّنات دالات على بليغ قدرة الله - تعالى - ودقة حكمه، القوم يتفكرون في كيفية تعلق النفس بالأبدان، وتوفِّيها عنها تارة بالكلية عند الموت، واستبقائها عند الله بين السعادة والشقاوة، وتوفِّيها تارة أخرى توفيا ظاهرا عند النوم، وإرسالها إلى البدن ليعود إلى نشاطه، حتى يحين أجلها.
стр. 4202
٤٣، ٤٤ - ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾:
أي: بل أتخذوا: فأم هنا منقطعة تتضمن معنى بل وهمزة الاستفهام.
والمعنى: بل أتخذ المشركون آلهة من دون الله، ومن غير إذن منه شفعاء تشفع عنده - تعالى - لهم في أمورهم الدنيوية والأُخروية.
قل لهم أيها الرسول (أولًا) تسفيهًا وتبكيتًا: أيستقيم في تفكيركم، ويصح في عقولكم أن تتخذوا أصنامكم شفعاء يشفعون لكم عند الله، وترجون عندهم ذلك، ولو كانوا لا يملكون شيئًا أصلًا، فضلًا عن أن يملكوا الشفاعة التي هي المنزلة العليا، والغاية القصوي، التي لا يرقى إليها إلاَّ الأنبياء والمرتضون. وكذلك لا يعقلون أمرا من الأمور، ولا يرجو أحد منهم الشفاعة إلاَّ المغرقون في الجهل والضلال.
وقيل لهم (ثانيًا) إثباتًا للحق وتأكيدًا: لله وحده الشفاعة جميعًا بكل صورها، وكافة أغراضها هو الذي يملكها ويملك الإذن بها إذا كان الشفيع مرتضى مأذونًا له، وأصامكم تفقد أساسًا كل مقوماتها فضلًا عن الارتضاء لها والإذن لها.
وقوله - تعالى -: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تأكيد لمضمون ما قبله وتقرير له.
والمعنى: لله وحدد ملك السموات والأرض وملك ما بث فيهما من دابة، ومن حق المالك ألا يتكلم أحد في أمر من أمور ملكه إلاَّ بإذنه، ثم إليه وحده وليس لغيره استقلالًا أو اشتراكًا ترجعون يوم القيامة، فتعلمون الأُمور على حقيقتها، وتتبينون ضلالكم وجهلكم باتخاذكم هذه الأصنام آلهة، ورجائكم في نفعها وشفاعتها فتندمون، ولات ساعة مندم.
стр. 4203
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾
المفردات:
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾: دون ذكر الأصنام.
﴿اشْمَأَزَّتْ﴾: انقبضت ونفرت.
﴿مِنْ دُونِهِ﴾: من دون الله.
﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: يفرحون ويسرون.
﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق.
﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: عالم السر والعلن.
﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾: لقدموه فداءً لهم من العذاب.
﴿بَدَا﴾: ظهر.
﴿يَحْتَسِبُونَ﴾: يدخل في تقديرهم وحسابهم.
стр. 4204
التفسير:
٤٥ - ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾:
تصور هذه الآية تصرفًا من تصرفات هؤلاء المشركين ناشئًا عن تماديهم في الشرك، وإيغالهم في تأليه أصنامهم، وتمثل حالين من أحوالهم القبيحة تنعكسان على وجوههم انقباضا وعبوسًا إذا سمعوا ذكر الله، وبشْرا وفرحا إذا سمعوا ذكر آلهتهم، وذلك من إيغالهم في الجهل وانحطاطهم في سفاهة العقل وسوء التفكير.
والمعنى: قد كان من حالهم في الدنيا أنه إذا ذكر الله وحده دون ذكر الأصنام انقبضت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة من المشركين، وظهر ذلك على وجوههم إنكارًا واشمئزازا، وإذا ذكر الذين من دونه من أصنامهم وآلهتهم فرادى أو مع ذكر الله - تعالى - أسرع الفرح والسرور إليهم، وظهر البشر على وجوههم، لفرط افتتانهم بآلهتهم، وتعصبهم لها، ونسيان حق الله - تعالى -.
٤٦ - ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾:
هذا أمر وتوجيه من الله لرسوله بالدعاء والالتجاء إلى الله - تعالى - لما قاساه في أمر دعوة هؤلاء المشركين، ولما ناله من شدة شكيمتهم في المكابرة والعناد، فإنه - تعالى - هو المبدع للسموات والأرض بجملتها، والعالم بالأحوال برمتها، والفاصل بين المحقين والمبطلين، وفيه تعليم للعباد أن يلجؤا إلى الله عند الشدائد.
والمعنى: قل أيها الرسول: اللهم يا فاطر السموات والأرض ومبدع صنعتهما على غير مثال سبق، يا عالم كل سر وعلانية، وكل غائب وشاهد، لا يخفى عليك شأن من الشئون أنت وحدك تحكم بين عبادك، وتقضي بينهم فيما كانوا يختلفون فيه في الدنيا قضاءً يحسم كل خلاف، ويخضع له كل مكابر، ويستسلم له كل عات متجبر، فيبهت بذلك كل ظالم، وينصف كل مظلوم.
стр. 4205
هذا، وأصل الفطر: ابتداء الخلق وابتداعه، قال ابن عباس ﵄: "كنت لا أدرى ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا (فطرتها) أي: ابتدأتها".
٤٧ - ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾:
ولو كان للذين ظلموا أنفسهم بالشرك، والإسراف في العناد والمعارضة - لو كان لهم - ما في الأرض جميعًا من الخيرات، والكنوز والأموال ومثله معه، لهان عليهم أن يبذلوه افتداء لهم وخلاصًا من سوء العذاب يوم القيامة، لهول ما يشاهدون، وفظاعة - ما يلاقون - وهيهات - وفي هذا قمة الوعيد، وغاية الإقناط لهم من الخلاص والنجاة ما داموا به كافرين.
وفي قوله - تعالى -: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾: ارتفاع بالوعيد إلى أقصى ما يتمثله متمثل، أو يدخل تحت حِذْرٍ وتقدير. أي: وظهر لهم من الله من ضروب العذاب، وصور العقاب والانتقام، ما لم يخطر على بالهم، ولم يدخل في تقديرهم وحسابهم.
وهذا الوعيد غاية في التخويف والتحذير يقابلها في الترغيب والتبشير قول الله - تعالى -: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
٤٨ - ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾:
تمضى الآيات في ترديد الوعيد وتبديء فيه وتعيد، لتقطع الحجة على كل مكابر، وتعقد لسان كل عنيد، فيقول الله - تعالى -: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أي: وظهر - للمشركين يوم القيامة حين عرضت عليهم صحائف أعمالهم، وأخذوا كتبهم بشمائلهم، وقالوا وفي عيونهم عبرة، وقلوبهم في غمرة: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا … الآية﴾ (٢) - بدا لهم يومئذ - سيئات ما عملوا في دنياهم
стр. 4206
وما اكتسبوا من فرطات وآثام، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: نزل وأحاط بهم من صنوف العداب وضروب العقاب ما كانوا به يستهزئون ويسخرون عند توعدهم به في الدنيا، ويستعجلون نزوله سخرية وإنكارًا، وعتوا واستكبارًا، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١).
﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾
المفردات:
﴿مَسَّ﴾: أصاب وتمكن.
﴿خَوَّلْنَاهُ﴾: أعطيناه وملكناه تفضلًا.
﴿عَلَى عِلْمٍ﴾: على معرفة بوجوه الكسب، أو على استحقاق وجدارة بما عندي من العلم.
﴿فِتْنَةٌ﴾: محنة وابتلاء.
﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: بغائبين من العذاب ناجين منه.
стр. 4207
﴿يَبْسُطُ﴾: يوسع ويزيد.
﴿وَيَقْدِرُ﴾: يضيِّق وينقص.
التفسير
٤٩ - ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
تحكى هذه الآية لونًا من سلوك الإنسان الذي لم يتمكن من قلبه دين يهديه، ولم يتوفَّر فيه عقل يرشده، ولا تحكمه قيم أو تقيده، فتضطرب أحواله، وتختلف نزعاته، وينعكس ذلك على سلوكه.
ويتمثل سلوكه تارة في عقيدته، وتارة في أحواله وتصرفاته، فإذا أصابته ضراء أو نزل به مكروب عرف الله ولجأ إليه بالدعاء، ثم إذا كشف الله ضره، ورفع كربه نسى ما كان يدعو إليه، وعاد لما كان عليه من الزعم بأنه أوتيه على علم.
وهذه الآية التي بين أيدينا تحكى كفر الإنسان بالنعمة طغيانًا واستعلاء.
والمعنى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾ أي: إذا أصاب الإنسان ضر في مال أو أهل أو عافية أو غير ذلك من الكوارث - إذا أصابه شيءٌ من ذلك - دعانا وحدنا ولجأ إلينا ولم يدع لكشف ضره، ودفع شره سوانا، ملحًّا في الدعاء، مستمرًّا في الرَّجاء، ثم إذا تجلَّينا عليه بالإجابة، وأعطيناه سؤله، وملكناه وخوَّلناه منَّا نعمة تعاظم وتعالى، وادعى لنفسه القدرة والجدارة وقال: إنما أوتت ما أوتيته على علم عندي بوجوه الكسب ومهارة في التصرف واستحقاق للنعمة، ناسيًا فضل الله عليه، وتضرعه إليه، ولم تكن مقالته
هذه عن حق أو عقل (بل هي فتنةٌ) وابتلاء ومحنة، وكفر بالنعمة، ولكن هؤلاء المذكورين لا يعلمون أن ما يجري عليهم من النعم اختبار من الله يتمحص به الشاكر والكافر، والحامد والجاحد، أوْ لا يعلمون سبل الإخلاص، ووسائل النجاة.
وفي قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بصيغة الجمع، مع الإفراد قبله - فيه - دلالة على أن المراد بالإنسان الجنس، وأن أكثره يسلك هذا السبيل.
стр. 4208
وصدرت هذه الآية بالفاء دون الواو لترتبها على حال سابقة من مناقضتهم، وتعكيسهم في التسبب حيث يشمئزون إذا ذكر الله وحده، ويستبشرون بذكر آلهتهم مع الله أو فرادى فإذا مسهم ضر دعوا من اشمأزوا من ذكره وضاقوا باسمه دون من استبشروا بذكره وهشُّوا له.
٥٠ - ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾:
أي: قد قال هذه المقالة وهي: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ الذين تقدموهم، وسبقوا أيامهم وأزمانهم، فلم تكن مقالتهم بدعًا، ولا كفرهم حدثًا - قال هذه المقالة: قارون موسى الذي آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة، فلما طلب منه أن يبتغى الدار الآخرة مع دنياه اعترافًا للمنعم، وشكرًا للنعمة ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (١).
وقالها فرعون تألُّهًا وتجبُّرًا: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ (٢) وتطاول على مقام النبوَّة فقال في شأن موسى ﵇: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ (٣).
وقال النمرود في محاجة إبراهيم ﵇: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (٤). وهكذا كانت النعم على طول الزمن سبيلًا للإنسان إلى التجبر والطغيان. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ معناه: فما دفع عنهم ولا أفادهم ما كانوا يجمعونه في الدنيا، ويحرصون على كسبه، ما أغنى عنهم ذلك ولا دفع ما نزل بهم من العذاب، مما ينبئ عنه قوله تعالى:
٥١ - ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾:
والمعنى: فأصاب هؤلاء جزاء سيئات ما كسبوه، فأغرق الله فرعون وجنوده، وخسف بقارون وبداره الأرض، والذين أفرطوا في الظلم من هؤلاء المشركين، وأسرفوا في العباد
стр. 4209
سيصيبهم في الآخرة جزاء سيئاتهم، وعقاب ظلمهم وإشراكهم، فوق ما أصابهم أشد إصابة في الدنيا من القحط والقتل والذل والهوان، فقد قحطوا عدة سنين، ولقوا ما لقوا من القتل والأسر يوم بدر، ومن الذُّل والهوان يوم فتح مكة، حيث دانوا للإسلام، وتحطمت كبرياؤهم.
﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: بفائتين ولا ناجين من العذاب في الآخرة كما وقع بهم في الدنيا.
٥٢ - ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
المعنى: أغفل هؤلاء وأولئك من المشركين والذين سبقوهم ممن أبطرتهم النعم، وأفسدهم الترف والغنى، فراحوا يتطاولون، ويتكاثرون - أغفلوا - ولم يعلموا أن المنعم على جميع خلقه مؤمنهم وكافرهم، صالحهم وطالحهم هو الله - تعالى - وأنه يبسط الرِّزق لمن يشاء من عباده ويقدر، ويضيِّق الرِّزق على من يشاء منهم، لحكمة لا يعلمها إلاَّ هو .
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في ذلك الذي ذكر لآيات بينات وشواهد واضحات لقوم يستعدون للإيمان بالتفكر في حكمته وبديع صنعته، وكمال قدرته، فيهتدون بهديها، ويسلكون سبيل الخلاص والنجاة، وما أروع معنى، ولا أبدع نسقًا أن ينزل بعد هذه الآيات قول الله تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ … الآية﴾.
﴿فَرَّطْتُ﴾: ضيعت وقصرت.
﴿جَنْبِ اللَّهِ﴾: حقه.
﴿السَّاخِرِينَ﴾: المستهزئين بدين الله.
﴿كَرَّةً﴾: رجعة إلى الدنيا.
التفسير
٥٣ - ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾:
ذكر القرآن في الآيات السابقة ما أعد الله للظالمين والمشركين من العذاب الأليم، وجاءت هذه الآية للمؤمنين المفرطين في المعاصي لبعث الأمل في نفوسهم حتى لا يقنطوا من رحمة الله.
والمراد بمغفرة الذنوب: التجاوز عنها وعدم المؤاخذة بها، وهو المراد بسترها، وقيل: المراد بها محوها من الصحائف، كأن لم كن فضلًا منه - تعالى - وكرمًا.
واستظهر بعضُ المفسرين إطلاق المغفرة للتائبين وغيرهم، بدليل قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فهو ظاهر في الإطلاق فيما عدا الشرك، ويشهد للإطلاق أمور:
الأول: نداؤهم بعنوان العبودية فإنها تقتضي المذلَّة وهي أنسب بحال المعاصي إذا لم يتب، واقتضاؤها لرحمة ظاهر.
стр. 4212
الثاني: الاختصاص الذي تُشعر به الإضافة إلى ضميره - تعالى - فإن السيد من شأنه أن يرحم عبده ويشفق عليه.
الثالث: إضافة الرحمة إلى الاسم الجليل المحتوى على جميع معاني الأسماء على طريق الالتفات فإن ذلك ظاهر في سعتها، وهو ظاهر في شمولها التائب وغيره.
الرابع: وضع الاسم الجليل في موضع الضمير لإشعاره بأن المغفرة من مقتضيات ذاته لا شئ آخر من توبة وغيرها.
الخامس: تعريف الذنوب فإنه في مقام التمدح ظاهر في الاستغراق فشمل الذنب الذي تعقبه التوبة والذي لا تعقبه التوبة.
السادس: التأكيد بلفظ (جميعًا).
السابع: التعبير بالغفور فإنه صيغة مبالغة وهي إن كانت باعتبار الكم شملت المغفرة جميع الذنوب، أو باعتبار الكيف شملت الكبائر بدون توبة.
الثامن: حذف معمول الغفور فإن حذف المعمول يفيد العموم، إلى غير ذلك مما قالوه.
وقال آخرون: إنها وردت في غير موضع من القرآن الكريم مُقَيَّدَة بالتوبة، فإطلاقها هنا يحمل على التقييد بها، لأن المطلق يحمل على المقيد ما لم ينسخ، ولا نسخ في عقاب المؤمن المذنب، وأيدوا ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ فإنه عطف على ﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ كأنه قيل: لا تقنطوا من رحمة الله فتظنوا أنه لا يقبل توبتكم وأنيبوا إليه - تعالى - وأخلصوا له .
وقال بعض أجلة المحققين: إن قوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ خطاب للكافرين والعاصين وإن كان المقصود الأول: الكفار لمكان القرب وسبب النزول.
فقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: إن أهل مكة قالوا: يزعم محمَّد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلهًا آخر، وقتل النَّفس التي حرم الله، لم يُغْفَرْ له، فكيف نُهَاجر ونسلم؟ وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك؟ فأنزل الله - تعالى - ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ … الآية﴾.
стр. 4213
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر ﵄ قال: نزلت الآيات في عياش ابن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر من المسلمين كانوا أسلموا ثم فتنوا وعذبوا، فافتتنوا (١) فكنا نقول: لا يقبل الله - تعالى - من هؤلاء صرفًا ولا عدلًا أبدًا: أقوام أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوه!! فنزلت هذه الآيات، وكان عمر ﵁ كاتبًا فكتبها بيده، ثم كتب بها إلى عياش، وإلى الوليد، وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا.
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت هذه الآيات الثلاث: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ﴾ إلى ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ بالمدينة في وحشيٍّ قاتل حمزة؛ لأنه ظن أن الله لا يقبل إسلامه.
وقد فرح النبي ﷺ بنزول هذه الآية، أخرج الإِمام أحمد في سنده وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهم عن ثوبان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخر الآية".
وأصل الإسراف: الإفراط في صرف المال، ثم استعمل فيما ذكر مجازًا، وقال الراغب: هو تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر، وهو ظاهر في أنه حقيقة فيما ذكرنا.
٥٤ - ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾:
حث الله ﵎ عباده على المسارعة إلى التوبة فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ إلى آخر الآية - أي: وارجعوا أيها المسرفون على أنفسهم إلى ربكم ومالك أمركم بالإعراض عن معاصيه، والندم عليها، وأسلموا له بالإخلاص في طاعته، والامتثال لأمره، والخضوع له بالعبادة، والإقرار بوحدانيته، قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا ينصركم أحد من الله ويدفع عنكم عذابه.
ولقد فرق بعض العلماء بين الإنابة والتوبة: بأن التائب قد يرجع من خوف العقوبة، والمنيب يرجع استحياء لكرمه - تعالى - وذكر الإخلاص بعد الإنابة ليعلم العبد أن نجاته بفضل الإخلاص لله في توبته.
стр. 4214
٥٥ - ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾:
أي: واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم وهو القرآن، أو العزائم دون الرخص، وقال ابن زيد: يعني المحكمات وكِلُوا المتشابه إلى علمه.
ولعل الأحسن ما هو أنجى وأسلم كالإنابة والمواظبة على الطاعة من قبل أن يجيئكم العذاب فجأة وعلى غير استعداد، وأنتم لا تشعرون، أي: لا تعلمون أصلًا بمجيئه فتتداركون ما يدفعه عنكم.
٥٦ - ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾:
أي: أنيبوا إلى ربكم وأسلموا له، واتبعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربكم كراهة أن تقول نفس آثمة مذنبة: يا ندامتى ويا حسرتي وأسفى على ما ضيعت وتصرف في جنب الله أي: في حق الله - تعالى - حال أن كنت من المستهزئين بكتابه ودينه ورسله.
قال الراغب: أصل الجنب الجارحة، ثم استعير للناحية والجهة - والمراد هنا: الجهة مجازًا، والكلام على تقدير مضاف أي: في جنب طاعة - الله أو في حقه - تعالى - أي: ما يحق له - سبحانه - ويلزم وهو طاعته - عز رجل - والتفريط في جهة الطاعة كناية عن التفريط في الطاعة نفسها؛ لأن من ضيع جهة ضيع ما فيها بطريق الأولى.
وتنكير (نفس) في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ للتكثير بقرينة المقام، ويجوز أن يكون تنكيرها للتبغيض؛ لأن القائل بعض الأنفس، واستظهره أبو حيان.
٥٧ - ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾:
أو تقول تلك النفس المذنبة: لو أن الله هداني بالإرشاد والدلائل المؤصلة، لكنت من الذين وقوا أنفسهم من عذاب الله وعقابه بالإيمان والعمل الصالح، وفسر أبو حيان الهداية بخلق الاهتداء.
٥٨ - ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾:
أو تقول تلك النفس المذنبة حين تشاهد العذاب وتعاين أهواله وشدائده: ليت لي رجعة إلى الحياة الدنيا فأكون من المحسنين في العقيدة والعمل، المؤمنين العاملين بما نزل، وهكذا
стр. 4215
يتمنون في الآخرة الرجوع إلى الدنيا مرة ثانية ليحسنوا، ولقد كانوا فيها فما أحسنوا، بل أساءوا إلى خالقهم بعبادة غيره وعدم طاعته. ولذا جاء قوله - تعالى -:
٥٩ - ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾:
جوابًا من الله لما تضمنه قول القائل: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ من نفي أن يكون الله قد هداه - أي: بلى أيها النادم على ما كان منه في الحياة الدنيا المتمني الرجوع إليها لتكون من المحسنين فيها - بلى - قد جاءتك آياتي وتعاليمى على لسان رسلى، وقامت حججي عليك، فكذبت بها واستكبرت عن اتباعها، وكنت من الكافرين بها والجاحدين لها، وآثرت الكفر على الإيمان والضلالة على الهدى.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾
المفردات:
﴿كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾: وصفوه بما لا يليق به.
﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾: حقيقة أو لما يعلوها من الكآبة.
﴿مَثْوًى﴾: مأوى ومقامًا.
﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾: بفوزهم وظفرهم ببغيتهم.
التفسير:
٦٠ - ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾:
المراد بالذين كذبوا على الله: كل من افترى على الله ووصفه بما لا يليق به - سبحانه -
стр. 4216
نفيًا أو إثباتًا، بأن نزهه - سبحانه - عمَّا يجب أن يضاف إليه، أو نسب إليه ما يجب تنزيهه عنه ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ بما ينالهم من الشدة التي تغير ألوانهم حقيقة، ويجوز أن يكون ذلك من باب المجاز لما يعلو وجوههم من الكآبة، ويلحقها من الهم والحزن، ويظهر عليها من آثار الجهل بالله في هذا اليوم العصيب.
والظاهر أن الرؤية بصرية؛ لأن ذلك أبلغ في التشهير بهم وبيان قبح حالهم، والخطاب للرسول، أو لكل من تتأتى منه الرؤية ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: أن في جهنم مقرًّا ومقامًا للمتكبرين الذين جاءتهم آيات الله فكذبوا بها واستكبروا عن قبولها، والانقياد لها.
٦١ - ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
أي: وينجي لله الذين جعلوا لهم وقاية من عذاب الله بالتوحيد وفعل الطاعات - ينجيهم - بمفازتهم من العذاب لاختيارهم الهدى على الضلال ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ أي: لا ينالهم من أذى جهنم شيءٌ، وهذا وما بعده بيان للمفازة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: ولا يحزنهم الفزع الأكبر، بل هم آمنون من كل فزع، ناجون من كل شر، نائلون كل خير، أو المعنى: ولا هم يحزنون على ما فاتهم من متاع الدنيا أو ذهاب نعيم كانوا يؤملونه في الآخرة.
والمفازة مَفْعَلَةٌ من الفوز مصدر ميمي، أو اسم مكان من فاز به: ظفر، أو من فاز منه: نجا.
وعن النبي ﷺ في تفسير هذه الآية من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشر الله مع كل امرئ عمله فيكون عمل المؤمن معه في أحسن صورة وأطيب ريح، فكلما كان رعب أو خوف قال له: لا تُرَعْ فما أنت بالمراد به، ولا أنت بالمعنى به، فإذا كثر ذلك عليه قال: فما أحسنك فمن أنت؟ فيقول: أما تعرفنى؟ أنا عملك الصالح حملتنى على ثقلي فوالله لأحملنك ولأدفعنَّ عنك فهي التي قال الله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ذكره القرطبي.
стр. 4217
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾
المفردات:
﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مفاتيحها، وهو كناية عن ملكه لهما وتصرفه فيهما.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: القرآن أو حجج الله وبراهينه.
﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ أي: على سبيل الفرض.
﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾: ليبطلن وليفسدن.
التفسير
٦٢ - ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾:
الله خالق كل شيءٍ من خير وشر وإيمان وكفر، لكن لا بالجبر، بل بمباشرة المتصف بهما لأسبابهما. فالآية رادة على المعتزلة (١) ردًّا ظاهرًا ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ يتولى التصرف
стр. 4218
فيهما كيفما يشاء حسبما تقتضيه الحكمة، ولك أن تقول: إنه - تعالى - يتولى حفظ كل شيءٍ خلقه، فيكون ذلك إشارة إلى احتياج الأشياء إليه - تعالى - في بقائها، كما أنها محتاجة إليه في وجودها؛ فهو ربها ومليكها والمتصرف فيها، وكل تحت تدبيره، وقهره وكلاءته.
٦٣ - ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾:
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مفاتيحها كما قال ابن عباس، والحسن، وقتادة وغيرهم و (مَقَالِيدُ) قيل: جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: جمع مقليد أو مقلاد، أي: مفتاح.
ومقاليد السموات والأرض مجاز عن كونه مالك أمرهما ومتصرفًا فيهما لعلاقة اللزوم، أو كناية عن القدرة والحفظ، قال البيضاوى: كناية عن قدرته - تعالى - وحفظه لها، وفيه مزيد دلالة على الاستقلال والقهر لمكان اللام والتقديم، ولم يقل: ويهلك الذين كفروا بخسرانهم كما قال سبحانه: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ … ﴾ الآية للإشعار بأن العمدة في فوز المؤمنين فضله - تعالى - فلذا جعل نجاتهم مسندة إليه - تعالى - حادثة له يوم القيامة غير ثابتة قبل ذلك بالاستحقاق والأعمال، بخلاف هلاك الكفرة فإنهم قدموه لأنفسهم بما اتصفوا به من الكفر والضلال. ولذا لم يسند له - تعالى - على طريقة القرآن من إسناد الخير لله؛ لأنه أصل كل خير، ومنبع كل فضل، وإسناد الشر للناس بما كسبت أيديهم.
٦٤ - ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾:
أي: أبعد هذه الآيات الواضحات القاضية بعبادته - تعالى - وحده، تأمروننى أن أعبد غير الله - تعالى - فقد قالوا له ﷺ : استلم بعض آلهتنا ونؤمن بإلهك، وذلك لفرط جهالتهم، ولذا نودوا بعنوان الجهل.
стр. 4219
٦٥ - ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾:
ولقد أُوحِيَ إليك وإلى الذين من قبلك من الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لئن أشركت بالله شيئًا على سبيل الفرض ليحبطن عملك ويبطلن ويفسدن ولتكونن من الخاسرين.
وقال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ على التوحيد مع أن الموحى إليهم جماعة؛ لأنه على تأويل أُوحى إليك وإلى كل واحد من الرسل قبلك ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ … ﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ عبر بهذا الكلام مع علمه - تعالى - بأن رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم؛ لأنه كلام على سبيل الفرض لبيان شناعة الشرك بحيث ينهى عنه من لا يكاد يباشره فكيف بمن عداه.
ومذهب الشافعي: أن الردة لا تحبط العمل السابق عليها ما لم يستمر المرتد على الكفر إلى الموت، وترك التقييد هنا اعتمادًا على التصريح به في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١). ويكون ذلك من حمل المطلق على المقيد ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ بسبب حبوط العمل.
٦٦ - ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾:
رد لما أمروه به من استلام بعض آلهتهم كأنه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته، بل إن كنت فاعلًا فاعبد الله وأخلص له العبادة وحده لا شريك له، وكن من الشاكرين إنعام الله عليك الذي يضيق عنه نطاق الحصر، ومنه أن جعلك سيد ولد آدم، وبما أن النبي ﷺ إمام أُمته، فأمره بعبادة الله وشكره - تعالى - وحده أمر لأُمته تبعا له.
стр. 4220
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾
المفردات:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: وَمَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ حين أشركوا به غيره.
﴿قَبْضَتُهُ﴾ القَبْضَةُ: المرَّةُ من القبض، وتطلق على المقدار المقبوض، كالقُبْضَةِ بضم القاف أي: أنها ملكه وفي مقدوره.
﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾: مجموعات.
﴿بِيَمِينِهِ﴾: بقدرته.
التفسير
٦٧ - ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه والقادر على كل شيءٍ، والمالك لكل شيءٍ، وكل شيءٍ تحت قبضته وقدرته.
ويقول الزمخشرى في كتابه (الكشاف) في معنى هذه الآية وهو يمثل رأى الخلف: "لما كان العظيم إذا عرفه الإنسان حق معرفته، وقدره في نفسه حق قدره، وعظمه حق تعظيمه، قيل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ على معنى وما عظموه حق تعظيمه، ثم نبههم على عظمته وجلالة شأنه على طريقة التخييل والتمثيل فقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ والغرض من هذا الكلام إذا
стр. 4221
أخذته كما هو بجملته وموضوعه تصوير عظمته لا غير، وكذلك حكم ما يروي مثل ذلك من الأحاديث .. ثم قال: والخلاصة هي الدلالة على القوة الباهرة: وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأفهام والأذهان ولا تكنهها الأوهام هيئة عليه هوانًا لا يوصل السامع إلى - الوقوف عليه إلَّا إجراء العبادة في مثل هذه الطريقة من التخييل والتمثيل، ولا ترى بابًا في علم البيان أدق ولا أرق ولا ألطف من هذا الباب ولا أنفع وأعون على تعاطى تأويل المشتبهات من كلام الله - تعالى - في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ المراد بالأرض: الأرضون السبع يشهد لذلك شاهدان قوله: ﴿جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾، ولأن الموضع موضع تفخيم وتعظيم فهو مقتض للمبالغة.
﴿قَبْضَتُهُ﴾ القبضة: المرة من القبض، والقبضة - بالضم - المقدار المقبوض بالكف، ويقال - أيضًا -: أعطنى قَبْضَةً من كذا، يريد معنى (القُبْضَة) تسمية بالمصدر، وكلا المعنيين محتمل، والمعنى: أن الأرضين مع عظمهن وبسطتهن لا يبلغن إلاَّ قبضة واحدة من قبضاته كأنه يقبضها قبضةً بكف واحدة (١)، وإذا أريد معنى القُبْضة - بضم القاف - فظاهر؛ لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ من الطى الذي هو ضد النشر، أي: مجموعات. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ وَعَادَة طاوي السجل أن يطوي بيمينه، والمراد من قبضته ملكه بلا ممانع ولا منازع، وبيمينه بقدرته ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ما أبرأ من هذه قدرته وعظمتُه ومما أعلاه عما يضاف إليه من الشركاء، فسبحان للتعجب. اهـ كشاف بتصرف (ج ٣ ص ٣٥٦،٣٥٥).
وقال الآلوسي في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أصل القدر: اختصاص الشيء بعظم أو صغر أو مساواة، قيل المعنى: وما وصفوه تعالى حق صفاته، بل وصفوه بأنه خلق الخلق عبثًا، وأنه لا يبعث الخلق؛ لأنه لا يقدر على ذلك، وعليه يكون للتمهيد لأمر النفخ في الصُّور الآتي، وضمير الجمع في ﴿وَمَا قَدَرُوا﴾ لكفار قريش كما روى عن ابن عباس، وقيل: الضمير لليهود فقد تكلموا في صفات الله وجلاله فألحدوا وجسَّموا وجاءوا بكل تخليط فنزلت الآية ردًّا عليهم.
стр. 4222
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾ المفردات:
﴿الصُّورِ﴾ لغة: البوق، والمراد به القَرْن الذي ينفخ فيه إسرافيل، وهو من عالم الغيب لا يعلم كنهه إلاَّ الله.
﴿فَصَعِقَ﴾: مات.
﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ﴾: أضاءت.
﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾: نوره سبحانه حين يتجلى لفصل القضاء، وقيل: بما يقيمه في الأرض من الحق والعدل.
﴿الْكِتَابُ﴾: صحائف الأعمال.
﴿بِالْحَقِّ﴾: بالعدل.
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ أي: أعطيت جزاء ذلك كاملًا.
التفسير
٦٨ - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾:
يقول الله ﵎ مخبرا عن شدائد يوم القيامة وما يكون فيه من الآيات
стр. 4223
العظيمة والأهوال الجسيمة ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وهي نفخة الصعق، والمشهور أن النافخ فيه ملك واحد، وأنه إسرافيل، بل حكى القرطبي الإجماع على ذلك، وهذه النفخة هي التي يموت بها الأحياء من أهل السموات والأرض إلاَّ من شاء الله، قال الإمام الآلوسي: لم يرد في تعيين المستثنى - إلاَّ من شاء الله - خبر صحيح. انتهى.
ثم يقبض الله أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولًا وهو الباقي آخرًا بالديمومة والبقاء، ويقول: ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ (١) ثم يجيب نفسه فيقول: ﴿لِلهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٢) أنا الذي كنت وحدي وقد قهرت كل شيء وحكمت بالفناء على كل شيء، ثم يحيى أول من يحيى إسرافيل ويأمره أن ينفخ في الصور نفخة أُخرى، وهي نفخة البعث، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أي: فإذا هم قائمون من قبورهم أحياء بعد أن كانوا عظامًا ورفاتًا ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، وقيل: ينظرون، أي: ينتظرون ما يؤمرون به أو ينظرون ماذا يفعل بهم. قال - جل شأنه -: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ (٣).
٦٩ - ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾:
﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي: أضاءت الأرض بنور خالقها ومالكها، والمراد بالأرض: أرض المحشر وهي الأرض المبدلة من الأرض المعروفة، وذلك يوم القيامة إذا تجلى الحق ﷻ لفصل القضاء، وعن الحسن والسدى: تفسير نور الرب بالعدل وهو من باب الاستعارة، وقد استعير لذلك بالقرآن في مواضع متعددة منه، أي: وأشرقت الأرض بما يقيمه ربها فيها من الحق والعدل ويبسطه - سبحانه - من القسطاس في الحساب، ووزن الحسنات والسيئات، واختار الزمخشرى هذا الرأى وحقق "أَوَّلًا" تلك الاستعارة. بتكررها في القرآن العظيم، وحققها ثانيًا، بإضافة النور إلى اسمه - تعالى - لأنه - سبحانه -
стр. 4224
الحق العدل، "وعيَّنها ثالثًا" بإضافة اسمه - تعالى - (رَبٌّ) إلى الأرض "ربها" لأن العدل هو الذي تزين به الأرض، "ورابعًا" بما عطف على إشراق الأرض من وضع الكتاب والمجئ بالنبيبين والشهداء والقضاء بالحق؛ لأنه كله تفصيل الحق، "وأيدها خامسًا" بالعرف العام فإن الناس يقولون للملك العادل: أشرقت الآفاق بعدلك وأضاءت الدنيا بقسطك، "وسادسًا" بقوله ﷺ : "الظلم ظلمات يوم القيامة" فإنه يقتضي أن يكون العدل نورًا، "وسابعًا" بأنه ختم الآية بنفي الظلم.
وقال الآلوسي: ولعل الأوفق ما يشعر به كثير من الأخبار أن قوله : ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ إشارة إلى تجليه على خلقه يوم القيامة لفصل القضاء، وقد يعبر عنه بالإتيان، وقد صرح به في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (١). ولا يبعد أن يكون هذا النور الوارد في الحديث الصحيح: "إن الله لا ينام ولا ينبغي أن ينام يخفض قِسْطَهُ ويرفعه، ويُرْفَعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور". ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ أي: وضعت صحائف الأعمال بأيدى الملائكة للحساب، ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ لِيُسألوا هل بلغوا أممهم، وقيل: ليحضروا حسابهم، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ أي: جميع الشهداء من الملائكة. وأمة محمَّد والجوارح والمكان.
وأيًّا ما كان فالشهداء جمع شاهد ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: وقضى بين العباد بالعدل ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقص ثواب أو زيادة عقاب، على ما جرى به وعده - تعالى - لعباده، على أن الظلم لا يتصور في حقه تعالى، فإن الأمر كله له وهو أحكم الحاكمين قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا (٢) … ﴾ الآية.
٧٠ - ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾:
أي: وأعطيت كل نفس جزاء عملها من خير أو شر كاملًا غير منقوص، وهو - سبحانه - أعلم بفعلهم فلا يفوته شيءٌ من أعمالهم.
стр. 4225
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾
المفردات:
﴿زُمَرًا﴾: جماعات متفرقة متتابعة.
﴿حَقَّتْ﴾: وجبت وثبتت.
﴿مَثْوًى﴾: مأوى ومسكن.
التفسير
٧١ - ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾:
بدأت الآية الكريمة تفصيل توفية كل نفس ما عملت بيانًا لكيفيتها، ويخبر الله فيها عن حال الكفار وكيف يساقون إلى النار، والسُّوق يقتضي الحث على المسير بعنف وإزعاج، وهو الغالب، ويشعر بالإهانة وهو المراد هنا، أي: سيقوا إليها بالعنف والإهانة أفواجًا متفرقة متتابعة بعضها في أثَر بعض مرتبة حسب ترتيب طبقاتهم في الضلال والكفر والفساد: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ ليدخلوها، وكانت قبل مجيئهم غير مفتوحة، فهي كسائر أبواب السجون، لا تزال مغلقة حتى يأتي أصحاب الجرائم الذين يسجنون فيها،
стр. 4226
فتفتح ليدخلوها، فإذا دخلوها أغلقت عليهم ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ أي: وقال لهم حراسها وزبانيتها الغلاظ الشداد على سبيل التقريع والتوبيخ والتنكيل: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾؟ سفراء عن الله من نوعكم تفهمون ما ينبئونكم به، ويسهل عليكم مراجعتهم والأخذ عنهم ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ أي: يقرءون عليكم آيات ربكم المنزلة لمصلحتكم في القرآن وغيره، ويقيمون عليكم الحجج والبراهين الدالة على صحة ما دعوكم إليه وأمروكم به ونهوكم عنه ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ ويخوفونكم ويحذرونكم لقاء عذاب يومكم هذا، وهو وقت دخولكم النار؛ لأن المنذر به في الحقيقة العذاب ووقته.
وقد شاع استعمال اليوم والأيام في أوقات الشدة والمحنة، وقيل: المراد يه يوم القيامة لاشتماله على هذا الوقت.
واستدل بالآية على أنه لا تكليف قبل الشرع؛ لأنهم وبّخوهم بكفرهم بعد تبليغ الرسل للشرائع وإنذارهم، ولو كان قبح الكفر معلومًا بالعقل دون الشرع لقيل: ألم تعلموا بما أودع الله فيكم من العقل قبح كفركم، ولا وجه لتفسير الرسل بالعقول لإباء الأفعال المسندة إليها عن ذلك.
ولمن قال بوجوب الإيمان عقلًا أن يقول: إنما وبخوهم بالكفر بعد التبليغ؛ لأنه أبعد عن الاعتذار وأحق بالتوبيخ والأنكار، ولأن معرفة الله تجب أولًا بالعقل، ثم يتلوها الإيمان برسله ﴿قَالُوا بَلَى﴾ أي: قال الكافرون مقرين معترفين: قد أتانا رسل ربنا، وتلوا علينا آيات ربنا وأنذرونا لقاء يومنا هذا ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: وجبت وثبتت كلمة الله - تعالى - المقتضية للعذاب على الكافرين. وهذا الكلام منهم اعتراف لا اعتذار، والمراد بكلمة العذاب: كلام الله الذي حكم عليهم بالشقاوة، وأنهم من أهل النار لسوء اختيارهم، أو قوله تعالى لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١). ووضع الكافرين موضع ضميرهم للايماء إلى عِلِّيَّة استحقاقهم العذاب، والزُّمَر جمع زمرة وهي الجماعة كما تقدم في المفردات.
٧٢ - ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾:
أي: قيل لهم يوم القيامة: ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، أي: ماكثين فيها لا خروج
стр. 4227
لكم منها ولا زوال لكم عنها، والقائل يحتمل أن يكون الخزنة، وترك ذكرهم للعلم بهم ممَّا قيل، ويحتمل أن يكون غيرهم، ولم يذكر، لأن المقصود ذكر هذا القول الذي يبعث في النفوس الخوف والرعب من غير نظر إلى قائله، وقال بعض الأجلة: أبهم القائل لتهويل المقول ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: قَبُحَ وساء مكان الكافرين جهنم لتكبرهم، وفي التعبير بالمتكبرين إيماء إلى أن دخولهم النار لتكبرهم عن قبول الحق والانقياد للرسل المنذرين لهم - عليهم الصلاة والسلام - وهو في معنى التعليل بالكفر، لأنه سبب كفرهم، ولا ينافى التعليل قبل ذلك بثبوت كلمة العذاب عليهم؛ لأن حكمه وقضاءه عليهم بدخول النار بسبب تكبرهم وكفرهم لسوء اختيارهم المعلوم له - سبحانه - في الأزل، وكذا قوله : ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ … الآية﴾. فهناك سببان قريب وبعيد والتعليل بأحدهما لا ينافى التعليل بآخر.
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾
المفردات:
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: أمان عظيم عليكم.
﴿طِبْتُمْ﴾: طهرتم من دنس المعاصي وطاب مثواكم.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: كُلُّ الثناء لله وحده.
﴿صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾: حققه بالبعث والجنة.
﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾: ملَّكنا أرض الجنة.
стр. 4228
التفسير
٧٣ - ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾:
هذا إخبار من الله عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون بلطف وتكريم إلى الجنة زمرًا، أي: جماعة بعد جماعة متتابعة، المقربون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم، كل طائفة مع من يناسبهم، الأنبياء مع الأنبياء، والصديقون مع أمثالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف يناسبه.
والمراد بالسوق هنا: الحث على السير بالإسراع إلى الإكرام، بخلافه فيما تقدم فإنه لإهانة الكفرة وتعجيلهم إلى العقاب والآلام، كما أنه للمشاكلة أيضًا.
وقوله - سبحانه -: ﴿إِلَى الْجَنَّةِ﴾ يدفع إيهام الإهانة، على أنه قد يقال: إنهم لما أحبوا لقاء الله أحب الله لقاءهم، فلذا حثوا على دخول دار الكرامة.
واختار الزمخشرى أن المراد بسوقهم سوق مراكبهم؛ لأنهم لا يذهب بهم إلاَّ راكبين، وتعقب بأن كون جميع المتقين لا يذهب بهم إلاَّ راكبين يحتاج إلى دليل، بل ورد العكس، ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة ويركب أخرى وتَسْفَعُهُ النار مرة (١) فإذا ما جاوزها التفت إليها فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله - تعالى شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة فيقول: أي رب أَدْنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها، فأشرب من مائها، فيقول الله تعالى: يا بن آدم لعلى إن أعطيتكها سألتنى غيرها، فيقول: لا يا رب ويعاهده أَلاَّ يسأَله غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه). اهـ: آلوسى.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ حتى إذا بلغوها وقد فتحت لهم أبوابها كما قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ (٢). ويدل ذلك على تقديم الفتح، كأَن
стр. 4229
حراس الجنة فتحوا أبوابها ووقفوا منتظرين لهم، كما تفتح الخدم باب المنزل للمدعو للضيافة قبل قدومه وتقف منتظرة له، وفي ذلك من الاحترام والإكرام ما فيه ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ أي: قال لهم حفظتها وحراسها: أمان عظيم عليكم طهرتم في الدنيا من فعل المعاصي وكرمتم في الآخرة بما نلتم من النعيم والكرامة، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ عطف على فتحت أبوابها وجواب إذا مقدر أي: حتى إذا جاءوها وكانت هذه الأمور من فتح الأبواب وتلقى الملائكة لهم بالسلام - حتى إذا كان هذا - سعدوا وفرحوا بقدر ما يلقون من نعيم وإكرام، وإذا حذف الجواب في مقام التكريم والإنعام ذهب الذهن كل مذهب في الرجاء والأمل.
واستدل المعتزلة بقوله تعالى: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا﴾ حيث رتب فيه الأمر بالدخول على الطيب والطهارة من دنس المعاصي، على أن أحدًا لا يدخل الجنة إلاَّ وهو طيب طاهر من المعاصي، إما لأَنه لم يفعل شيئًا منها أو لأنه تاب عما فعل توبة مقبولة في الدنيا، أما من لم يتب عن معاصيه فلاحظ له في دخولها.
ورد بأنه وإن دل على أن أحدًا لا يدخلها إلاَّ وهو طيب لكن قد يحصل ذلك بالتوبة المقبولة، وقد يكون بالعفو عن أو الشفاعة له أو بعد تمحيصه بالعذاب فلا متمسك فيها للمعتزلة.
٧٤ - ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾:
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ عطف على: ﴿قَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ أو على الجواب المقدر أي: دخلوها، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾.
والمعنى: يقول المؤمنون إذا عاينوا في الجنة ذلك الثواب الوافر، والعطاء العظيم، والنعيم المقيم، والملك الكبير، يفولون عند ذلك: الثناء لله وحده الذي حقق لنا ما سبق إن وعدنا به على ألسنة رسله الكرام، ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ أرض الجنة التي أقاموا فيها واتخذوها مقرًّا ومتبوأ، وإيراثُها تمليكها وتمكينهم من التمتع فيها تمكين الوارث فيما يرثه، وقيل: ورثوها من أهل النار، فإن كل منهم مكانًا في الجنة كتب له بشرط الإيمان، ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء﴾
стр. 4230
أي: ينزل ويسكن كلٌّ منا في أي مكان أراده من جنته الواسعة ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ من كلام الداخلين عند الأكثر، والمخصوص بالمدح مقدر، أي: فنعم أجر العاملين هذا الأَجر أو الجنة، ولم يقولوا: فنعم أجرنا، بل قالوا: فنعم أجر العاملين للتعريض بأَهل النار أنهم غير عاملين، وقال مقاتل: هو من كلام الله، أي: قال الله: فنعم أجر العاملين هذا الأجر العظيم الذي نلتموه.
﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾
المفردات:
﴿حَافِّينَ﴾: محيطين محدقين.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾: فصل بين الخلائق بالعدل.
التفسير
٧٥ - ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
لما ذكر الله حكمه في أهل الجنة والنار، وأنه أنزل كلا في المحل الذي يليق به ويصلح له وهو العادل في ذلك الذي لا يجور، أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول العرش المجيد محيطون به من كل جانب، يسبحون بحمد ربهم ويمجدونه ويعظمونه، ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور، وقد فصل في قضايا الخلق وقضى الأمر وحكم بالعدل، ولهذا قال : ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: حكم بين الخلائق بالعمل، ثم قال: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: نطق الكون جميعه: الحمد لله رب العالمين الذي عدل في
стр. 4231
حكمه، قال قتادة: افتتح الخلق بالحمد في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (١) واختتم بالحمد في قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
قيل: إنهم يحمدونه إظهارًا للرضا والتسليم، وقال ابن عطية: هذا الحمد خَتْمٌ للأمر يقال عند انتهاء فصل القضاء، أي: إن هذا الحاكم العدل ينبغي أن يحمد الله عند تمام حكمه وكمال قضائه، ومن هذه الآية جعلت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ خاتمة المجلس في العلم.
стр. 4232
سورة غافر
مكية وآياتها خمس وثمانون
تسمى هذه السورة أيضًا سورة المؤمن؛ لأن الله - تعالى - ذكر فيها قصة رجل مؤمن من آل فرعون، وتسمى سورة الطَّوْل لقوله تعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾.
وهي أُولي الحواميم السبع التي قال فيها ابن عباس ﵄: "إن لكل شئٍ لبابًا ولباب القرآن آل حم أو قال: الحواميم".
وكان يقال لهن: (العرائس) كما قال مِسْعَر بن كِدَام، رواه القاسم بن سلام في كتاب فضائل القرآن.
وروى عن عبيد الله قال: "إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلًا، فمر بأثر غيث، فبينما هو يسير ويتعجب منه، إذ هبط على روضات دَمِثَاتٍ (١) فقال: عجبت من الغيث الأول، فهذا أعجب وأعجب، إن مثل الغيث الأول مثل عُظْم (٢) القرآن. وإن مثل هؤلاءِ الروضات الدَّمثات، مثل آل حم في القرآن" أورده البغوي (٣).
مقاصد السورة
بدأت هذة السورة بوصف القرآن العظيم بأنه منزل من عند الله العزيز العليم، وأنه لا يجادل في آيات الله إلاَّ الذين كفروا.
ثم بينت أن تكذيب نبينا محمَّد ﷺ ليس أمرًا خاصا به، بل هو أمر عام لكل الأنبياء والمرسلين، وأن الله عاقب كل أولئك المكذبين.
ثم بينت أن الملائكة الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للمؤمنين، وأنه - تعالى - يُرى عباده آياته، ويرزقهم من السماء، وأنه رفيع الدرجات ذو العرش يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده، لينذرهم يوم التلاقى والحساب.
стр. 4233
وبينت أنه - تعالى - أمر رسوله أن ينذر قومه: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ وأنه - تعالى - يقضى بين عباده بالحق.
ثم بينت أن الله - تعالى - أهلك من قبل قريش من القرون المكذبة من هم أشد منهم قوة وآثارًا في الأرض، وأن عليهم أن يمروا بأرضهم ليتعظوا بما أصابهم، ثم حكى قصة فرعون مع موسى ﵇ وتكذيبه له، وقصة مؤمن آل فرعون ووعظه لقومه، وطلب فرعون من هامان أن يبنى له صرحًا، لعله يبلغ أسباب السموات فيطلع إلى إله موسى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ حيث وقى الله - تعالى - موسى سيئات ما مكر فرعون وقومه، وحاق بآل فرعون سوءُ العذاب.
ثم ذكرت أن الله - تعالى - أمر نبيه ﷺ بالصبر ووعده النصر فقال: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.
وبينت أنه لا يستوى الكافر والمؤمن، كما لا يستوى الأعمى والبصير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله تعالى قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وذكرت بعض آيات الله في كونه، حيث جعل الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرًا، وجعل الأرض قرارًا. والسماء بناءً، وصوَّركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات، وأنه خلق عباده من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم أطفالًا ثم ليبلغوا أشدهم؛ ثم ليكونوا شيوخًا، ومنهم من يتوفى - من قبل.
ثم توعدت المكذبين والمجادلين في آيات الله بالأغلال في أعناقهم، والسلاسل يسحبون في الحميم، ثم في النار يسجرون.
ثم ذكرت أن الله أرسل رسلًا من قبل نبينا محمَّد ﷺ منهم من قصه الله عليه ومنهم من لم يقصصه عليه، وما كان لرسول أن يأتى بآية إلاَّ بإذن الله.
ثم بينت في ختامها أن الله عاقب مكذبي الرسل من قبل نبينا ﷺ وأنهم لما رأوا بأس الله آمنوا بالله وحده، وكفروا بما كانوا به مشركين: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُون﴾.
стр. 4234
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾
المفردات:
﴿قَابِلِ التَّوْبِ﴾: قابل التوبة والرجوع عن المعاصي إلى الطاعة.
﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: صاحب الغنى والسعة - كما قال مجاهد -.
التفسير
١، ٢ - ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾:
تقدم الكلام على مثل ﴿حم﴾ من الحروف المقطعة التي بدئ بها بعض السور كالبقرة، وآل عمران، فارجع إليه إن شئت.
ووجه مناسبة أولها لآخر الزُّمر، أنه - تعالى - لمَّا ذكر هناك ما يؤول إليه حال الكافرين وحال المؤمنين، ذكر ﷻ هنا أنه غافر الذنب وقابل التوب، ليكون ذلك استدعاءً للكافرين إلى الإيمان وترك ما هم فيه.
وبَيْنَ السورتين أوجهٌ عديدة من المناسبة، وحسبك في ذلك أنه ذُكِرَ في كلتيهما أهوال يوم القيامة، وأحوال الكفرة فيه وهم في المحشر وفي النار، وقد فُصِّل في هذه ما لم يفصل في تلك.
وفي تناسق الدرر: وجه إيلاء الحواميم السبع لسورة الزمر، تآخى المطالع في الافتتاح بتنزيل الكتاب - انظر الآلوسي.
стр. 4235
٣ - ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾:
هذه كلها صفات للفظ للجلالة في الآية التي قبلها.
ومعني الآيتين: تنزيل القرآن كائن من الله الغالب فلا يقهر، العليم بكل شيء فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، غافر الذنب الذي سلف، وقابل التوبة في الحاضر والمستقبل، من كل من تاب عنه معاصيه من عباده، شديد العقاب لمن طغى وآثر الحياة الدنيا على مرضاة ربه، صاحب الخير الكثير، فلا يليق بعاقل أن ينصرف عن مرضاته، لا إله إلا هو إليه المرجع والمآب، فيحاسب كل امرئ على ما قدمت يداه.
وهذه الآية تفتح باب المتاب للتائبين مهما كانت ذنوبهم، وفي سعة رحمة الله يقول - سبحانه -: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١) فليبادر كل عبد بالتوبة من ذنبه قبل أن يلتحق بربه بمعاصيه وآثامه؛ ليفوز بغفرانه ويتقى سوء عذابه.
وينبغى أن ينصح المؤمن التقى غيره حتى ينصلح حاله، أخرج ابن أبي حاتم عن يزيد ابن الأصم قال: كان رجل من أهل الشام ذا بأس، وكان يَفِد إلى عمر بن الخطاب، ففقده عمر فقال: ما فعل فلان بن نلان، فقالوا، يا أمير المؤمنين يتابع في الشراب - قال: فدعا عمر كاتبه فقال: اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، سلام عليك: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلاَّ هو ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن يُقْبِل بقلبه، وأن يتوب الله عليه.
فلما بلغ الرجل كتاب عمر جعل يقرؤه ويردده ويقول: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ قد حذرنى الله عقوبته، ووعدنى أن يغفر لي.
ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث جعفر بن برقان، وزاد: "فلم يزل يرددها على نفسه ثم بكى، ثم نزع فأحسن النَّزْع (٢)، فلما بلغ عمر خبره قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم زلّ زلّة فسددوه ووفقوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه".
стр. 4236
﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾ المفردات:
﴿مَا يُجَادِلُ﴾: ما يخاصم.
﴿فَلَا يَغْرُرْكَ﴾: فلا يخدعك.
﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾: تنقلهم فيها للتجارة.
﴿وَالْأَحْزَابُ﴾: الذين تحزبوا على الرسل في كل أمة.
﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي: ليبطلوه ويزيلوه به.
التفسير
٤ - ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾:
الجدال: الخصام والنقاش، وهو نوعان: جدال بالباطل، وجدال بالحق، وقد سجل الله في هذه الآية الكفر على الذين يجادلون في آيات الله بالباطل، بالطعن فيها، يريدون إدحاضها، وإبطالها، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾. أما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها وحلِّ مشكلها، واستنباط معانيها وأحكامها، ورد أهل الزيغ عنها فهو جهاد عظيم في سبيل الله.
стр. 4237
وعندما نجادل أهل الكتاب في عقائدهم ونصوص كتبهم، نجادلهم بدون اعتداءٍ، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١).
وقد كانت قريش تجادل في القرآن غرورًا بما هم فيه من السعة والتجارة، من مكة إلى الشام وإلى اليمن وبالعكس، فأوصى الله نبيه ﷺ أن لا يغره ولا يخدعه تقلبهم في تجارتهم في البلاد، وسلامتهم من العقاب مع كفرهم، فإنه متاع في الدنيا قليل، عاقبته الهلاك في الدنيا، ثم العذاب يوم القيامة عقوبة لهم إن بقوا على كفرهم، "إن الله ليُمْلِي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته".
والمعنى الإجمالي للآية: ما يجادل في آياتنا الواضحة البيان، المؤيدة بالبرهان، إلاَّ الذين كفروا بالحق مع وضوحه، فلا يغررك أيها الرسول ولا يخدعك تقلبهم في التجارة من بلد إلى بلد، وما هم فيه من الغنى والسعة، فإن ذلك متاع قليل بعده الهلاك وسوء العقاب، كما قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (٢).
وكما قال في سورة لقمان: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (٣).
ثم سلى الله نبيه بما حدث للرسل قبله من أقوامهم فقال:
٥ - ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾:
القوم قد يؤنث بتأويل الجماعة، وهو هنا كذلك، ولذا أُنث له الفعل في كذبت والأخذ يستعمل بمعنى الحبس والمنع تارة، وبمعنى الإهلاك تارة أُخرى.
والمعنى: كذبت قبل قريش قوم نوح والأحزاب من بعدهم - كذب هؤلاء جميعًا - رسلهم الذين دَعَوْهم إلى نبذ الأوثان، وعبادة الواحد الديان، وحاولت كل منهم حبس رسولهم ليقتلوه، وهموا بذلك، ومنهم من قتلوه، وخاصموا بالباطل من القول ليقضوا
стр. 4238
به على الحق، فأهلكتهم واستأصلتهم، فكيف كان عقابى لهولاء؟ كان عقابًا مستأصلا رادعًا لسواهم، وإذا كان الأمر كذلك فلا يَغْرُرْكَ تقلب قومك في البلاد وما هم فيه من الحرية والسعة، فهم أهون على الله من أولئك.
٦ - ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾:
أي: ومثل قضائه على الذين تحزبوا على رسلهم من قبلك يا محمد - مثل قضائه ذلك - حقت كلمة ربك وقضاؤه بالإهلاك للمشركين من قومك - إن بقوا على كفرهم وشركهم، لأنهم أصحاب النار مثل سابقيهم، فالعلة واحدة، وهي أنهم أصحاب النار وأهلها مثلهم، لكونهم كفارًا معاندين، مهتمين بقتل نبيهم اهتمام أولئك بقتل أنبيائهم.
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾
المفردات:
﴿الْعَرْشَ﴾ العرش في اللغة: بمعنى سرير الملك، وسيأتي الكلام عليه في التفسير.
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: بساتين إقامة، من عَدَن بالمكان أقام به.
стр. 4239
التفسير
٧ - ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا … الآية﴾:
يقول القرطبي: وأقاويل أهل التفسير على أن العرش هو السرير، وأنه جسم مجسم خلقه الله وأمر ملائكته بحمله، وتعبدهم بتعظيمه والطواف به، كما خلق في الأرض بيتًا وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله في الصلاة.
ويقول الآلوسي: هو جسم عظيم له قوائم الكرسى، وما تحته بالنسبة له كحلقة ملقاة في فلاة: اهـ.
وقد جاء في وصفه ووصف أجسمام حملة العرش آثار متعارضة، لا نرى داعيا لذكرها في تفسيرنا هذا.
والذي ينبغي أن نؤمن به هو أن لله عرشا عظيما هو مصدر أوامره لملائكته، ليقوموا بما يكلفون به في كون الله - تعالى -.
وإذا كان العرش هو الكرسي فإنه أكبر من السموات والأرض، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. ولابد أن يكون تكوينه أعجب وأعظم من السموات والأرض، وأن تكون فيه الهيمنة عليها والارتباط بها، وهو حادث أوجده الله بعد أن لم يكن، فقد جاء في الحديث الصحيح: "كان الله ولا شيء معه، وكان عرشه على الماء".
ويجب الإيمان بأن العرش ليس موضعا لجلوس الله - تعالى - فإنه - تعالى - ليس كالأجسام حتى يحتاج إلى مكان ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
ولم أر حديثا صحيحا في كون العرش له قوائم، فإذا كان العرش يسع السموات، والأرض فما حاجته إلى القوائم، وعلى أي شيء يرتكز والسموات دونه كحلقة ملقاة في فلاة، إنه حينئذ يكون شأنه كشأن السموات في أنها بغير عمد ترونها، فهو مرفوع مثلها
стр. 4240
في الفضاء الكوني بقدرة الله التي ربطت بين الكون برابطة الجاذبية، وبما هو فوق مستوى العقول، فسبحان العزيز الحكيم القدير العليم.
ومن العلماء من قال: إنه غير الكرسي وإنه أعظم منه، استنادا إلى حديث أخرجه ابن مردويه بسنده عن أبي ذر قال: قال ﷺ : "والذي نفسى بيده ما السموات السبع عند الكرسى إلاَّ كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسى، كفضل الفلاة على تلك الحلقة".
وظاهر الآية أن الملائكة يحملون العرش حقيقة، ونحن نقول: ما المانع من أن يكون المراد من حملهم إياه كونهم الرؤساء الذين يحملون مسئولية تبليغ أوامر الله لسائر ملائكته في كونه. والله تعالى أعلم.
والملائكة الذين حول العرش كثيرون لا يحصى عددهم سوى الله - تعالى - وقيل: هم سبعون ألف صف يطوفون مهللين مكبرين، ومن ورائهم سبعون ألف صفٍّ قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم، رافعين أصواتهم بالتكبير والتهليل، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم واحد إلاَّ وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر، وقيل غير ذلك.
ولكننا نقول: إن محاولة ضبط أعدادهم من الرجم بالغيب، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (١).
والمعنى الإجمالي للآية: الملائكة الذين يحملون عرش الرحمن ويبلغون أوامر ربهم منه، والملائكة المنبثون حول العرش، ينزهون الله - تعالى - عن كل ما لا يليق به، قائمين بحمد ربهم على نعمه التي لا غاية لها، ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا قائلين في استغفارهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ فرحمتك تتسع لذنوبهم وعلمك محيط بجميع أعمالهم، فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عن معاصيهم وآثامهم، واتبعوا ما أمرتهم به من الطاعات، واحفظهم من عذاب الجحيم.