← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ المفردات: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ﴾: أفننحى ونبعد عنكم، وهو مأخوذ من قولهم: ضرب غرائب الإبل، إذا نحاها وأبعدها إذا دخلت على إبله عند الورد والشرب. ﴿الذِّكْرَ﴾: القرآن الكريم. والذكر في اللغة بمعنى الشرف، وكذلك القرآن، فهو شرف للعرب. ﴿صَفْحًا﴾ أي: إعراضًا عنكم، وأصل الصفح أن تولى الشيء صفحة عنقك أو جانبك إعراضًا عنه. ﴿مُسْرِفِينَ﴾: متجاوزين الحد في الكفر والضلال. ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا﴾: كم: يراد بها هنا التكثير أي: كثيرًا أرسلنا. ﴿بَطْشًا﴾: شدة وعنفا. ﴿مَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾: سبق في غير موضع من القرآن الكريم قصتهم العجيبة. التفسير ٥ - ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾: بيّن الله - سبحانه - أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب لكي يعقلوه ويتدبروا آياته، ولكنهم مع هذا كله ظل أكثرهم على الإسراف في العناد والضلال، فقال لهم الله: ﴿أَفَنَضْرِبُ

стр. 4412

عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أي: أنهملكم فننحِّى عنكم إنزال القرآن الكريم الذي فيه شرفكم ورفعتكم، أنصرفه عنكم لأنكم لا زلتم مستمرين ومنهمكين وغارقين في الإسراف والضلال متجاوزين الحد في الكفر مصرين عليه أنفعل ذلك بكم؟ ولكن حكمتنا تقتضى أن نُذَكركم وننزل القرآن الكريم عليكم، ولا نترك ذلك بسبب أنكم تعرضون عنه ولا تلتفتون إليه، بل نفعل ذلك حتى لا يكون للناس على الله حجة: وقيل - المعنى - إن حالكم من الإعراض والغلو في الإسراف والكفر وإن اقتضى ترككم وشأنكم حتى تموتوا على الكفر وتمكثوا في العذاب الدائم، لكننا لسعة رحمتنا ومزيد فضلنا لا نفعل ذلك بكم بل نرشدكم وندلكم على الحق والصراط المستقيم. وهذا الرأى موافق في المراد لما سبقه. قال قتادة: والله لو كان هذا القرآن رفع حين ردّته أوائل هذه الأُمة لهلكوا، ولكن الله ردّده وكرّره عليهم برحمته. ٦، ٧ - ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: أي: وكثيرًا ما أرسلنا وبعثنا أنبياء ورسلا قبلك في أُمم سبقت وأقوام سلفت كانت تأتيهم رسلهم بالبينات والذكر، فقابلوهم بالسخرية والاستهزاء وشتى ضروب الأذى. ولكن أنّى لهم أن يفلتوا من عقابنا أو يسبقونا ويعجزونا عن أن ننكل بهم، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ٨ - ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: فأنزلنا عذابنا الشديد المهلك المستأصل بهؤلاء القوم الذين كانوا أقوى وأشد من قومك بأسًا وأكثر عنفًا وبطشًا وأصلب عودًا وأوفر جمعًا وعددًا، ولم يغنهم ذلك أو يمنعهم من عذابنا شيئًا، فمنهم من أرسل الله عليه الحصى والحجارة ومنهم من أخذه الله بالزلزال والصيحة وصاعقة العذاب الهون، ومنهم من خسف الله به وبداره الأرض، ومنهم من أغرقه الله وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون. وفي هذا مزيد من إدخال السرور والطمأنينة على قلبه ﷺ ووعد له بأن الله ناصره على قومه، كما فيه من الوعد بالويل والهلاك لهؤلاء الذين عاندوا رسول الله وكذبوه واستهزءوا به وسخروا منه.

стр. 4413

﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: سبق وسلف في القرآن الكريم في غير موضع منه قصصهم العجيبة في التكذيب والعقوبة التي أنزلها الله بهم، والتي من حقها أن تسير سير المثل شهرة وذيوعًا. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ المفردات: ﴿الْعَزِيزُ﴾: الذي لا يقهر ولا يغلب، وقيل: الذي لا نظير له. ﴿مَهْدًا﴾: مكانًا مبسوطًا موطأ. ﴿سُبُلًا﴾: جمع سبيل أي: طرقًا تسلكونها. ﴿بِقَدَرٍ﴾: بمقدار تقتضيه حكمته. ﴿فَأَنْشَرْنَا﴾: أحيينا. ﴿مَيْتًا﴾: خالية من النبات فهن كالميت.

стр. 4414

﴿تُخْرَجُونَ﴾: تبعثون وتنشرون من قبوركم. ﴿الْأَزْوَاجَ﴾: جمع زوج وهو الصنف والنوع. ﴿الْفُلْكِ﴾: السفينة ويستعمل مع المفرد والجمع، وهو في الجمع بمعنى السفن. ﴿لِتَسْتَوُوا﴾: لتستقروا. ﴿سَخَّرَ﴾: ذلل وطوع. ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين. ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾: لراجعون إلي الله في الآخرة. التفسير ٩ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾: أي: ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض؟ ليقولن دون تردد ولا تشكك: خلقهن وبدأهن ﴿الْعَزِيزُ﴾: الذي لا يقهر ولا يغلب ولا رادّ لقضائه ولا معقب لحكمه ﴿الْعَلِيمُ﴾: الواسع العلم المحيط بكل شيء، فهو قيوم السموات والأرض، فألسنتهم ناطقة وفطرتهم شاهدة وقلوبهم موقنة بأنه - سبحانه - خالق السموات والأرض وأنه هو العزيز العليم، ولكنهم مع هذا الإقرار يشركون معه في الربوبية، ما لا يستطيع جلب الخير ولا دفع الشر، وليزيدهم الله - سبحانه - تذكيرًا وعلمًا به وتبيانًا لبعض نعمه وآلائه عليهم قال: ١٠ - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: أي: أنه - سبحان - مع كونه قد خلقكم وبرأكم لم يترككم سدى دون عناية أو رعاية بل هو - جل شأنه - قائم على كل أسباب حياتكم عظيمها ودقيقها ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾. أي: بسط لكم الأرض ووطَّأها لكم تستقرون عليها وتترددون فوقها بيسر وسهولة ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ أي: خلق لكم فيها سبلا وطرقا لتمشوا فيها وتسلكوها في ظعنكم وإقامتكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: لكي تهتدوا وترشدوا إلى ما تقصدون من أماكن، وما تريدون من متاع.

стр. 4415

أو لتتفكروا في ذلك فيرشدكم ويهديكم تفكركم إلى توحيد الله وتمجيده. ١١ - ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾: هذه الآية الكريمة استمرار وامتداد لبيان أنعم الله وآلائه عليهم فبين لهم أنه - تعالت عظمته - نزَّل من السحاب ماءً بمقدار معلوم حسب إرادته ومشيئته الحكيمة، لا هو بالماء القليل الذي تشق أو تستحيل معه الحياة، ولا هو بالكثير الذي يتلف ويؤذى، بل قد يقتل ويفنى، وإنما هو بحسب ما يحتاجه الناس لهم ولدوابّهم واستنبات الزرع من أرضهم، ولذا قال تعالى: ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي: فأحيينا به أرضًا قحلاء جرداء حيث جعلناها تنبت الزرع والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (١) ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي: مثل إحياء الأرض الجرز التي لم يكن فيها كلأ ولا نبات ثم أنبتت من كل زوج بهيج أي مثل هذا الإخراج والإحياء نخرجكم من قبوركم أحياء وننشركم بعد موتكم، وما ذلك على الله بعزيز فهو - سبحانه - خلقكم بدءًا، وكما بدأكم تعودون. ١٢ - ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾: أي: وهو الذي - جل شأنه - خلق الأصناف كلها من جبال متنوعة الألوان والأحوال والأحجام، إلى أناس يختلفون في ألوانهم وألسنتهم، إلي حيوان تتباين أنواعه، إلي عوالم في البر والبحر وفي السموات وفي الأرض، لا يعلم حقيقتها إلا هو - سبحانه - ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ ومنّ عليكم وسخر وأجرى لكم من السفن ما يحملكم في جوفها، وذَلل لكم الأنعام من الإبل وغيرها ما تركبونه وتعلون ظهره. ١٣ - ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: أي: لتستقروا على ظهورها وتتمكنوا منها ثم تذكروا بقلوبكم وألسنتكم نعمة ربكم وعطاءه لكم وتقولوا: سبحان الذي سخر لنا هذا، أي: تجعلون ألسنتكم ترجمانا على ما ملأَ

стр. 4416

قلوبكم معلنا ما انطوت عليه جوانحكم، فتقولون بلسان ذاكر عن قلب شاكر: تنزهت وتقدست يا ربنا عن أي وصف لا يليق بك، أنت الذي ذللت لنا هذه المخلوقات التي تفوق قدرتنا ويستعصى علينا قيادها، فلو أردت لمنعت حركة السفن فلا تغادر مكانها ولا تبرح موضعها كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ (١) ولو شئت ألا تمكننا من هذه الدواب والأنعام التي لا حول لنا معها ولا قوة إلا بك - لو شئت - لفعلت ولكنك يسَّرتها لنا وملكتنا أمرها، أخرج أحمد وأبو داود والترمذى وصححه، والنسائى وجماعة عن علي - كرم الله وجهه - أنه أُتى بدابة فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله - ثلاثًا، والله أكبر - ثلاثًا ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ سبحانك لا إلله إلاَّ أنت ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبى إنه لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت، ثم ضحك فقيل له: عمَّ تضحك يا أمير المؤمنين؟ فقال: رأيت رسول الله ﷺ فعل كما فعلتُ ثم ضحك فقلت: يا رسول الله ممَّ ضحكت؟ فقال "يتعجب الرب من عبده إذا قال: رب اغفر لي فيقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيرى" كما روى أن رسول الله ﷺ كان يقول أيضًا: "اللهم إلى أسألك في سفرى هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوّن علينا السفر، واطْوِ لنا البعيد، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا" وكان ﷺ إذا رجع إلى أهله قال: "آيبون تائبون إن شاء الله عابدون لربنا حامدون": كما روى الإمام أحمد وغيره أنه ﵊ قال: "ما من بعير إلا في ذروته شيطان فاذكروا اسم الله - تعالى - عليه إذا ركبتموه كما أمركم" وظاهر النظم الكريم أن تَذَكُّر النعمة والقولَ المذكور لا يخصان الأنعام بل يشملان الأنعام والفلك، وذكر عن بعضهم أنه يقال عند ركوب السفينة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) ويقال عند النزول منها: "اللهم أنزلنا منزلا مباركًا وأنت خير المنزلين".

стр. 4417

وقيل المراد من النعمة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾: هو الهداية للإسلام وتفضله - سبحانه - علينا برسول الله ﷺ وجعلنا خير أمة أخرجت للناس. أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي مِجّلز قال: رأى الحسين بن عليّ ﵄ وكرم وجهيهما - رجلًا يركب دابة فقال: سبحان الذي سخر لنا هذا، فقال الحسين: أو بذلك أُمِرْتَ. فقال الرجل فكيف أقول؟ قال: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، الحمد لله الذي مَنَّ علينا بمحمد ﷺ ، الحمد لله الذي جعلنا خير أمة أخرجت للناس، ثم تقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أَي: وما كنا أبدًا مطيقين ذلك ولا قادرين عليه، فأَنت يا ربنا بيدك نواصى الأمور. ١٤ - ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: أي: وإنا لراجعون وصائرون إلى الله ربنا بعد مماتنا، وفي ذلك تنبيه للعاقل الأريب أن يتخذ من أُمور الدنيا عبرة يعتبر بها وينظر من خلالها إلى الآخرة، فإذا ركب الأنعام والفلك ذكر ركوبه ورحيله إلى الآخرة، وإذا تزود للدنيا تنبه إلى زاد الآخرة، وهو التقوى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١) وإذا تزين بلباس الدنيا دفعه ذلك إلى أن يتحلى ويتجمل بالتقوى لباس الآخرة ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٢). ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾

стр. 4418

المفردات: ﴿جُزْءًا﴾: أي ولدًا. ﴿لَكَفُورٌ﴾: لشديد الكفر. ﴿مُبِينٌ﴾: ظاهر الكفران أو مظهر له. ﴿وَأَصْفَاكُمْ﴾: وآثركم واختار لكم. ﴿بُشِّرَ﴾: أخبر. ﴿مَثَلًا﴾: مماثلا وشبيها. ﴿كَظِيمٌ﴾: مملوءٌ بالكرب والغم. ﴿يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾: يربي ويَشِبّ في الزينة. ﴿فِي الْخِصَامِ﴾: في الجدال. ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾: غير قادر على إظهار حجته. التفسير ١٥ - ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾: أي نسب هؤلاء الكافرون إلى الله الولد وجعلوا هذا الولد من خلقه وعباده، وهذا دليل على عنادهم وأنهم مناقضون لما يقولون، حيث اعترفوا بأن الله - جلت قدرته - خالق السموات والأرض، ثم وصفوه - سبحانه - بصفات المخلوقين التي تناقض كونه خالقا للسموات والأرض وخالقًا لما فيهما، وهذا يدل على فرط جهلهم وسخافة عقولهم، فربنا - سبحانه - لا تناله الوحشة فيحتاج إلى أنيس، ولا يصيبه الذل فيتعزز ويتقوى بولى أو نصير، ولا يعتريه الضعف فيفتقر إلى معين، ولا يموت فيحتاج إلى من يرثه بل إنه - جل شأنه - الغنى فلا يفتقر، العزيز فلا يذل، القوى فلا يضعف، الباقي فلا يعتريه فناء وصدق ربنا القائل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ (١) وعبر عن الولد بالجزء لأنه بضعة ممن هو ولد له كما قيل: اولادنا أكبادنا تمشى على الأرض، والمقصود من الجزء هنا البنات، ولهذا عقبه الله بقوله:

стр. 4419

﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أي: إن هذا الصنف والنوع من المخلوقات المنكر لأنعم ربه أشد الإنكار مبالغ في ذلك، يبدو ذلك الإنكار منه واضحًا جليا أو يعلنه ويجاهر ويذيع به. ١٦ - ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾: أي: بل اتخذ لنفسه - سبحانه - ممن خلقه أخسَّ النوعين شأنًا وأدناهما منزلة، وهو البنات وآثركم واختار لكم أفضلا وهو الذكور مع أنكم أشد خلق الله نفورا من الإناث وأمقتكم لهن حتى بلغ بكم المقت أشده، واستبد بكم البغض فاقترفتم في حقهن أبشع أنواع التنكيل، إنكيم وأدتموهن ودفنتموهن أحياء ولم تتحرك في قلوبكم رحمة الأبوة ولم تتردد في جوانحكم عواطف الإنسانية إنكم بزعمكم هذا وافترائكم قد فقدتم الحياء كله فلم تخجلوا من الشطط والجور في القسمة التي صورها فكركم السقيم وعقلكم المريض. ١٧ - ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: في هذه الآية يصور الله حالهم وشأنهم أنهم إذا ما أُخْبِرَ أحدهم أنه قد ولد له أنثى، إذا أُخبر بذلك ارْبَدّ واغتم واسودّ وجهه من سوء ما بشر به إن بعض هؤلاء السفهاء كان يغاضب زوجه إذا ولدت أنثى. روى أن بعضهم هجر لذلك البيت الذي فيه امرأته فقالت: ما لأبي حمزة لا يأتينا … يظل في البيت الذي يلينا غضبان أن لا نلد البنينا … ليس لنا من أمرنا ما شينا وإنما نأخذ ما أُعطينا ١٨ - ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾: في هذه الآية تكرير لإنكار الله عليهم زعمهم أنه - تعالى - اتخذ لنفسه بنات وأصطفاهم بالبنين أي: أو جعلوا لله - تعالى - من شأنه أن يتربى في الزينة من الذهب والفضة والحرير ونحوها مع أنه في الجدال غير قادر على تقرير دعواه بالحجة والبرهان، ولذا يلجأ إلى البكاء إذا عجز عن الدفاع، أيليق أن ينسب هذا الصنف إلى الله تعالى؟ ألا ساء ما يحكمون إن زعمهم هذا يدل على خفة أحلامهم وسفاهة عقولهم.

стр. 4420

﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ المفردات: ﴿وَجَعَلُوا﴾: سَمَّوا. ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾: أحضروا خلق الله الملائكة فشاهدوهن إناثا. ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾: ستسجل في ديوان أعمالهم. ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: ما هم إلا يظنون ويكذبون. ﴿أُمَّةٍ﴾: دين وملة وطريقة. ﴿مُتْرَفُوهَا﴾: المنعمون المنغمسون في الشهوات. التفسير ١٩ - ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾: أي: إن هؤلاء المشركين سَمُّوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا وقد أنكر عليهم ذلك السفه والجهل ووبخهم على افترائهم فقال - جل شأنه -: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾:

стр. 4421

أي: أحضروا خلق الله إياهم فشاهدوهم إناثا؟ إنهم لم يشهدوا خلقهم، ولم يقفوا على أمرهم حتى يحكموا هذا الحكم، إذ لا سبيل إلى معرفة أنوثة الملائكة إلا عن طريق المشاهدة ولم يشاهدوا خلقهم، فلم يبق إلا طريق العقل أو النقل. والعقل بدوره عاجز وقاصر عن معرفة ذلك قطعا، لأن هذا الأمر ليس من الأمور التي يحكم فيها العقل ولم يأت بها النقل فدعواهم هذه لا سند لها من رؤية أو عقل أو نقل وقد هددهم الله وتوعدهم - سبحانه - بقوله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾: أي: أنها ستسجل وترصد في صحائف أعمالهم قال - تعالى - ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١) ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾: عن دعواهم سؤال تقريع وإهانة، ويحاسبون على ذلك حسابا ينتهى بالعذاب الأليم؛ لأن هذه الدعوى ما هي إلا افتراء على الله وفحش في حق - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. ٢٠ - ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: وقال الكفار: لو شاء الله ألا نعبد الملائكة ما عبدناهم، ولكننا عبدناهم بمشيئته وإرادته، ويبنون على ذلك أنهم ما داموا قد عبدوا الملائكة بإرادة الله ومشيئته فلا يعاقبهم الله على ذلك لأنهم إنما فعلوا ما فعلوا على مقتضى مشيئة الله فرد الله عليهم بقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: أي ما هم إلا يتوهمون ويتقولون على الله زورا وبهتانا بدعوى أنه - تعالي - راض عن عبادتهم للملائكة فإنه - تعالى - واحد أحد فرد صمد، لم يلد ولم يولد، وقد بين لهم ذلك بآياته الكونية، وبرسالات رسله، ولذا عقبه بقوله: ٢١ - ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾: أنكر الله - سبحانه - على المشركين عبادتهم للملائكة بلا دليل ولا برهان وأبطل دعواهم أي: بل أنزلنا عليهم وجئناهم بكتاب من قبل القرآن أو من قبل الرسول ﷺ نطق بصحة ما يدعون من هذا الباطل فهم بهذا الكتاب متمسكون وعليه يعولون؟ لم يثبت أن لديهم كتابا بذلك يستمسكون به. ٢٢ - ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾:

стр. 4422

هذا إبطال لما يزعمون، أي أنهم لم يأتوا بحجة أو دليل من النفل أو العقل يؤيد ما ذهبوا إليه وزعموه، بل إنهم اعترفوا بأنه لا سند لهم ولا حجة لديهم ولا أثارة من علم عندهم سوى أنهم قلدوا آباءهم وأسلافهم فيما اعتقدوه، وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على ملة وطريقة وإنا تابعناهم وسايرناهم على نهجهم وطريقتهم، وهؤلاء بهذا التقليد قد تركوا التبصر والتدبر فيما يحيط بهم من آيات بينات وحجج واضحات تملأ السموات والأرض بل إنها في أنفسهم أفلا يبصرون! ولو تأملوا لهداهم ذلك إلى أن الله - جلت قدرته - هو الحقيق أن يعبد وحده دون سواه، وأن ينزه عن الأولاد ذكورًا أو إناثا. ٢٣ - ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾: أي: وكما سار هؤلاء الكفار على نهج آبائهم وطريقتهم في عبادة غير الله ولم يأتوا بدليل ولا حجة تؤيد ما زعموا، كذلك كان الشأن بالنسبة للأمم السابقة، أي إن هؤلاء ليسوا بدعًا في هذا الزعم الكاذب، فما بعثنا قبلك من نذير يحذر قومه مغبة كفرهم وضلالهم، ويدعوهم إلى توحيد ربهم إلا قال مترفو هذه الأُمم الذين أبطرتهم النعمة وأعمتهم الشهوات عن النظرة فيما جاء به المرسلون وأنفوا أن يكونوا تبعًا لغير شهواتهم قالوا: إنا وجدنا أباءنا وأسلافنا على دين وطريقة وإنا مقتدون ومتأسون بهم، ولم يكلفوا أنفسهم مشقة البحث في طلب الحق والوقوف عنده بل آثروا الدعة والنعيم في الدنيا، ولم يتفكروا فيما يصيبهم من خزى الآخرة وعذابها. وتخصيص المترفين بالذكر مع أن غيرهم مثلهم في عبادتهم وتقليدهم لآبائهم - تخصيصهم بالذكر - لأنه يفيد بطريق الأولى أن غيرهم ممن هم دونهم تبع لهم.

стр. 4423

﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ المفردات: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾: قال: أتقلدون آباءكم ولو جئتكم بأكثر هدى مما وجدتموهم عليه؟! وسيأتى في الشرح مزيد إيضاح. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: فتأمل كيف كانت عاقبتهم. التفسير ٢٤ - ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾: حكى الله قبل هذه الآية أنه - تعالى - ما أرسل في قرية من نذير إلاَّ قال مترفوها: إنا بما أُرسلتم به كافرون، وجاءت هذه الآية وما بعدها لحكاية بقية ما جرى بين الرسل المنذرين السابقين وبين أممهم، تسلية لنبيه محمَّد ﷺ عن قول قريش في آية سبقت هذه القصة مباشرة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١). ومعنى الآية: قال كل نذير من الرسل السابقين لقومه: أتهتدون بآبائكم ولو جئتكم بدين أهدى مما وجدتم عليه آباءكم من الضلالة؟ قالوا لرسلهم: إنا ثابتون على دين آبائنا ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.

стр. 4424

وعبر بقوله: ﴿بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ مع أنهم ليسوا على شيء من الهدى مجاراة لقولهم: إنهم على هدى، أو أفعل التفضيل هنا على غير بابه، والمراد أن ما جاءهم به هو الهدى دون ما عليه الآباء. ٢٥ - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: فانتقمنا من الأُمم المكذبة لرسلها بعذاب الاستئصال، فتأمل - أيها الرسول - كيف كانت عاقبة المكذبين لرسلهم، وسوف يلاقى قومك مثل جزائهم إن أصروا على كفرهم فلا تحزن عليهم. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ المفردات: ﴿بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾: براء: مصدر بَرِئ، بمعنى تباعد، والوصف منه: برئ، ويستعمل براء بدلًا من برئ للمبالغة في البراءة، ولا يثنى ولا يجمع كشأن المصادر، فيقال: رجلان براء ورجالٌ بَرَاء، أما بَرِيء فيثنى ويجمع فيقال: بريئان وبريئون وبرآءُ. ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (١) أي: ابتدأنى واخترعنى، قال ابن عباس ﵄: كنت لا أدرى ما فاطر السموات حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها. ولفظ "إلاَّ" في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ بمعني لكن. ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾: وجعل الله، أو جعل إبراهيم كلمة التوحيد المفهومة من قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ - جعلها - كلمة باقية في ذرية إبراهيم.

стр. 4425

التفسير ٢٧،٢٦ - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾: الكلام في قصة إبراهيم ﵇ مع أبيه وقومه، تمهيد لما فيه أهل مكة من العناد والحسد والابتعاد عن تدبر الآيات، وأنهم لو قلدوا آباءهم لكان الأولى بالتقليد الأفضل الأعلم الذي يفتخرون بالانتماء إليه، وهو إبراهيم ﵇ فكأنه بعد لومهم على التقليد لغيرهم يلومهم على تخصيص آبائهم الوثنيين بالتقليد، وترك تقليد أبيهم إبراهيم الذي ترك فيهم كلمة التوحيد. ومعنى الآيتين: واذكر أيها الرسول - لقومك وقت قول إبراهيم ﵇ لأبيه آزر وقومه: إنني بريء أشد البراءة مما تعبدونه من دون الله، لكن الذي خلقني وابتدعني فإنه سيهدينى بعد توحيده إلى سواه من المعارف الإلهية. ٢٨ - ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: وجعل الله - أو إبراهيم - كلمة التوحيد التي دان بها إبراهيم بين أبيه وقومه الوثنيين - جعلها - باقية في ذريته، حيث أوصى به بنيه ويعقوب، وفي ذلك يقول الله - تعالى - في سورة البقرة: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الآية ١٣٢. وقد قامت ذريته من الأنبياءِ والصالحين والمتأملين في آيات الله في الجاهلية - قامت ذريته - بالدعوة إلى التوحيد، لكي يرجع من أشرك منهم بدعاء من وحد الله - تعالى - ومن هؤلاء الموحدين في الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل، فقد دان بالتوحيد مخالفًا قومه، وفي ذلك يقول: أربًّا واحدًا أم ألفَ رب … أَدِينُ إذا تقسمت الأُمور

стр. 4426

تركت اللَّات والعُزَّى جميعًا … كذلك يفعل الرجل الخبير فَلَا العُزَّى أدين ولا ابْنَتَيهَا … كذلك يفعل الرجل الخبير وَلَا هُبَلًا أَزور وكان ربًّا … لنا في الدهر إذ حُلمِي (١) صغير وقال أُمية بن أبي الصَّلت: إله العَالَمِين وكل أَرض … وربُّ الرَّاسيات من الجبال بناها وابتنى سبعا شِدَادا … بلا عمد يُرَينَ ولا رجال وسواها وزينها بنور … من الشمس المضيئة والهلال ومن شُهُب تلألأُ في دجاها … مراميها أشد من النصال وشق الأرض فانبجست عيونًا … وأنهارًا من العذب الزلال وبارك في نواحيها وزكَّى … بها ما كان من حَرْث ومال وكل مُعَمَّر لا بد يومًا … وذى دنيا يصير إلى زوال وسيق المجرمون وهم عراة … إلى ذات المقامع والنكال وحل المتقون بدار صدق … وعيش ناعم تحت الظلال لهم ما يشتهون وما تمنوا … من الأفراح فيها والكمال …

стр. 4427

﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ المفردات: ﴿جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾: القرآن. ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾: ورسوله ظاهر الرسالة، من أبان، بمعنى: اتضح وظهر، ويستعمل لازمًا كما جاء هنا، ومتعديا كقولك: أبنت الكلام، أي: أوضحته. ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾: على رجل من إحدى القريتين عظيم بالمال والجاه، والمراد بالقريتين مكة والطائف. ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾: أهم يعطون النبوة التي هي نعمة ربك - أهم يعطونها - لمن يشاءُون، فأي شأن لهم بها؟! ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾: ليسخر بعضهم بعضًا في مصالحهم، فيكون بعضهم سببًا لمعاش بعض.

стр. 4428

التفسير ٢٩ - ﴿بَلْ (١) مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾: أي: بل متعت أهل مكة المعاصرين للرسول ﷺ وآباءهم بالإمهال في الدنيا والنعمة، وهم على ما هم عليه من الوثنية، حتى جاءهم القرآن بالتوحيد وهو الحق من ربهم، وجاءهم رسول ظاهر الرسالة من عند الله تعالى، بما أيدناه به من المعجزات الباهرات، وكان عليهم أن يتركوا ما هم عليه من الوثنية والاشتغال بمتاع الحياة الدنيا، بعد أن جاءهم الحق الذي كان عليه إبراهيم ﵇ على لسان الصادق الأمين، ولكنهم عكسوا فجعلوا ما هو سبب للطهر من أدران الماضى والرجوع عنه - جعلوه - سببًا للتوغل فيما كانوا عليه من ضلال مبين، ووصف هذا الحق بأنه سحر مبين، وكفروا به، كما حكاه الله بقوله: ٣٠ - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾: وحين جاء قريشًا القرآن الذي هو حق من ربهم ليخلصهم من ضلالهم، ويرشدهم إلى التوحيد ازدادوا شرًّا، وضموا إلى شركهم معاندة الحق والاستخفاف به، فسموا القرآن سحرا وكفروا به، واحتقروا رسول الله ﷺ وذلك ما حكاه الله بقوله: ٣١ - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾: مكة والطائف. ﴿عَظِيمٍ﴾: في قومه بالرياسة والجاه والمال، يعنون بهذا الرجل الوليد بن المغيرة المخزومى من مكة، وحبيب بن عَمرو بن عُمَيْر الثقفى من الطائف. وقال قتادة: الوليد بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفي، وكان الوليد رجلًا ثريًّا له رياسة وجاه في قومه بمكة، وكانوا لذلك يسمونه ريحانة قريش، وكان يقول: لو كان ما يقوله محمَّد حقًّا لنزل عليَّ أو على أبي مسعود - يقصد بأبي مسعود عروة بن مسعود الثقفى، وكان يكنَّى بأبى مسعود.

стр. 4429

وهذا لون آخر من إنكارهم للنبوة، وذلك أنهم أنكروا أولًا أن يكون النبي بشرًا، ثم لما بُكِّتوا بتكرير الحجج على أن النبوة لا يصح أن تكون من الملائكة، بل يجب أن تكون من البشر، ولم تعد لهم حجة على دعواهم أن يكون الرسول مَلَكًا - لمَّا حدث ذلك - جاءُوا بالإنكار من وجه آخر، فتحكموا على الله أن يكون الرسول أحد هذين الرجلين. وتعبيرهم عمَّا جاء به الرسول بكونه قرآنًا، ليس من باب اعترافهم به، بل هو من باب الاستهانة، وكأنهم قالوا: لو كان هذا الذي يدعيه محمَّد قرآنًا حقًّا من عند الله لنزل على أحد هذين الرجلين. وما كان محمَّد ﷺ بأقل منهم شرفًا، فهو من أعظمهم حسبًا، ولا ينقص من قدره أنه كان قليل المال، وقد غفل هؤلاء المنكرون عن أن الرسالة إنما تستدعى عظيم النفس، بالتخلى عن الرذائل والتحلي بالفضائل وعلو الهمة، دون التزخرف بالزخارف الدنيوية، ولذا دانت لمحمد ﷺ الجزيرة العربية في حياته، ومكن الله لدينه في أنحاء الأرض، واستخلف أُمته على كثير من بقاعها، وفاءً بوعده تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لهم … ﴾ (١). ٣٢ - ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: في هذه الآية استنكار وتعجيب من تحكمهم بنزول القرآن على من أرادوا، والرحمة يجوز أن يكون المراد منها عمومها وتدخل النبوة فيها، ويجوز أن يراد منها النبوة، وعلى هذا يكون المراد من قسم الرحمة إعطاءها لا تقسيمها، أَما على المعنى الأول فالمراد من قسمها تقسيمها وهو الظاهر. والمعنى: ألَهُمْ حَقُّ في تقسيم رحمة ربك فيجعلوا قسمًا منها وهو النبوة لمن أرادوا؟ نحن قسمنا من رحمتنا أسباب معيشتهم في الحياة الدنيا، قسمة تقتضيها الحكمة، ولم نفوض

стр. 4430

أمرها إليهم، لعجزهم عن تدبيرها، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات متفاوتة في الرزق وغيره من مظاهر الحياة، فمنهم ضعيف وقويٌّ، وغنيٌّ وفقير، ورئيس ومرءُوس، وحاكم ومحكوم، ليسخر بعضهم بعضًا في مصالحهم، ويستخدموهم في مهنهم حتى يتعايشوا، لا لكمال في الموسع عليه، ولا لنقص في المقتر عليه، فنحن الذين نقسم رحمتنا لا هم، ولو فوضنا ذلك إلى تدبيرهم لهلكوا. فإذا كانوا في تدبير خاصة أمرهم بهذا العجز، فما ظنهم بتدبير أمر الدين؟! ومن أين لهم البحث عن أمر النبوة التي هي من رحمة الله، واختيار مَنْ يصلح لها ويقوم بأمرها، ورحمة ربك بالنبوة وما يتبعها من سعادة الدارين، أو رحمته بالهداية إلى الإيمان خير ممَّا يجمعون من حطام الدنيا، فالعظيم من رُزق تلك الرحمة دون حطام الدنيا، فلا وجه لتعاليكم على محمد بمال أو بجاه. ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ المفردات: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾: ومصاعد عليها يصعدون إلي عوالى قصورهم. ﴿وَسُرُرًا﴾: جمع سرير، ويطلق على مكان النوم المعروف، وعلى الكرسى الذي يجلس عليه، وهو المراد هنا، ولذا جاءَ بعد السرر. قوله - سبحانه -: ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾.

стр. 4431

﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ أي: يتربعون، ومنه قوله ﷺ : "أنا لا آكل متَّكئًا" أي: متربعًا على الهيئة التي تدعو إلى كثرة الأكل، وكان يأكل مستوفزًا غير متربع ولا متمكن، وليس المراد به الميل على شق كما يظنه بعض عوام الطلبة. انتهى من القاموس. ويطلق السرير أيضًا على الملك والنعمة وخفض العيش، إلى غير ذلك من المعانى التي ذكرها صاحب القاموس. ﴿وَزُخْرُفًا﴾ أي: نقوشًا وتزاويق، أو ذهبًا، وسيأتي في الشرح ما قيل في ذلك. ﴿لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: لمَّا هنا بمعنى إلاَّ. التفسير ٣٣ - ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾: الآية استئناف مبين لحقارة متاع الدنيا عند الله، ودناءة قدره عنده جل وعلا. ومعنى الآية: ولولا أن يكون الناس أُمة واحدة مجتمعة على الكفر، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفًا من فضة، ومصاعد عن فضة عليها يصعدون إلى طبقات قصورهم؛ لأنهم يحبون الدنيا ويؤثرونها على الآخرة، وما ذلك إلَّا متاع الحياة الدنيا وهو مع كونه نعمة حقير عند الله فيمنحه الحقير عنده وهو الكافر، وإن كان لا يستحق النعمة، ولكننا لم نفعل ذلك حتى لا يكون الناس أمة واحدة مجتمعة على الكفر، حيث يفتن المؤمنون الفقراء بغناهم فيكفرون كما كفر هؤلاء، لهذا جعلنا في كل من الكفار والمؤمنين أغنياء وفقراء، حتى يعلم الناس أن الغنى ليس دليلًا على رضوان الله وحبه، وإن الفقر ليس دليلًا على سخط الله وكراهيته، وحتى يكون الناس طبقات ليتخذ بعضهم بعضًا سُخْريًّا. ٣٤ - ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾: أي: ولجعلنا لبيوت الكفار أبوابًا من فضة وسررا من فضة عليها ينامون أو يجلسون (١)، لهوان متاع الدنيا عندنا فلا نعبأُ بأَن نعطيه من لا يستحقه، لينالوا عذابهم في الآخرة.

стр. 4432

٣٥ - ﴿وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: قال الحسن: الزخرف: النقوش والتزاويق، وقال ابن زيد: هو أثاث البيت وتجملاته وقال ابن عباس: الزخرف: الذهب، وقال الراغب: الزخرف: الزينة المزوقة، ومنه قيل للذهب: زخرف، وقال صاحب المختار: الزخرف: الذهب، ثم يشبه به كل مُمَوَّه مزوق. والمعنى: ولجعلنا لبيوت الكفار نقوشًا وزينة من ذهب وغيره، وما كل ذلك من البيوت وزخارفها إلاَّ متاع الحياة الدنيا، والآخرة بما فيها من نعيم يعجز الواصفون عن وصفه، خالصة للمتقين الذين اجتنبوا الكفر وسائر المعاصى. وفي الآية تزهيد في متاع الدنيا وزخارفها، والحث على التقوى، وقد أخرج الترمذي وصححه وابن ماجة عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كانت الدنيا تساوِى عندَ اللهِ جناح بعوضةٍ ما سقَى منها كافرا شَربةَ ماءٍ". وفي صحيح الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الدنيا سجن المؤمن وجنّةُ الكافِر". وعن علي - كرم الله وجهه -: الدنيا أحقر من ذراع خنزير ميت بال عليه كلب في يد مجذوم. وقال بعض الشعراء: فلو كانت الدنيا جزاءً لمحسن … إذًا لم يكن فيها معاش لظالم قد جاع فيها الأنبياءُ كرامة … وقد شبعت فيها بطون البهائم وقال آخر: إذا أبقت الدنيا على المرءِ دينه … فما فاته منها فليس بضائر فلا تزن الدنيا جناح بعوضة … ولا وزن رَقِّ من جناح لطائر فلم يرض بالدنيا ثوابًا لمحسن … ولا رضى الدنيا عقابًا لكافر

стр. 4433

﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ المفردات: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ - بضم الشين - أصله: يعشو مضارع عشا فجزم بحذف واوه (١)، ومعناه ومن يَتَعَامَ ويعرض وليس بأَعمى، وقرئ ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ (بفتع الشين) وماضيه غَشِىَ كرضى يرضى، ومعناه يعمى لفقد بصره، انظر الآلوسي. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾: نُتِحْ ونسبب له شيطانًا جزاءً على كفره. ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾: مشرق الشتاء ومشرق الصيف فإنهما متباعدان، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ (٢) وقال الفراء: أراد المشرق والمغرب، فغلب اسم أحدهما كما يقال: القمران للشمس والقمر، والعُمَران لأَبى بكر وعمر. ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾: فبئس الصاحب. التفسير ٣٦ - ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: المراد بالذكر هنا إما القرآن، وإضافته إلى الرحمن، للإيذان بنزوله رحمة للعالمين،

стр. 4434

وإما مصدر ذكر، أي: ومن يَتَعَامَ عن أن يذكر الرحمن نُتِحْ ونسبب له شيطانًا يستولى عليه استيلاء القَيْضِ على البيض، والقيض: قشر البيضة الخارجى. ومعنى الآية: ومن يَتَعَامَ ويعرض عن القرآن الذي أنزله الرحمن، أو عن أن يذكر الرَّحمن وألوهيته ونعمه، فانغمس في كفرهم ومعاصيه، نجعل له شيطانًا جزاءً له على كفرهم، فهو قرين له في الدنيا، يمنعه من الواجب والحلال، وينهاه عن الطاعة ويأمره بالمعصية، فهو مصاحب له في الدنيا لإغوائه، وفي الآخرة حتى يدخل معه النار، جزاءً له عن تعاميه أو عماه عن ذكر الرحمن. وقد جاء في الخبر: "إن الكافر إذا خرج من قبره يشفع بشيطان لا يزال معه حتى يدخلا النار، وإن المؤمن يشفع بملك حتى يقضى الله بين خلقه". ٣٧ - ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾: ذكر ضمير الكافر هنا بلفظ الجمع؛ لأن (من) في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ جَمعٌ في المعنى وإن كان مفردًا في اللفظ. والمعنى: وإن الشياطين ليصدون في الدنيا قرناءهم من كفرة الإنس، ويحسب هؤلاء الكفار أنفسهم أنهم مهتدون، وقيل: ويحسب الكفار أن الشياطين مهتدون فيطيعونهم. ٣٨ - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾: أي: ويستمر هؤلاء الكفار معرضين عن ذكر الله، حتى إذا جاءَنا كل واحد منهم مع قرينه قال الكافر للشيطان المقارن له: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين (١)، حتى لا أستمع إغواءك فبئس الصاحب أنت. ٣٩ - ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾: هذه الآية حكاية ما يقال لهم من جهة الله تعالى.

стр. 4435

والمعنى: ولن ينفعكم يوم القيامة تمنيكم بُعْدَ الشياطين عنكم في الدنيا بُعدَ المشرقين، - لن ينفعكم ذلك - حين تبين لكم أنكم ظلمتم أنفسكم باتباعكم إياهم، لأنكم في العذاب مشتركون كما كنتم مشتركين في سببه في الدنيا. وقال سيبويه: (إذ) في قوله: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ حرف جئ به للتعليل وليست ظرفًا، والمعنى عليه: ولن ينفعكم تمنيكم بُعْدَ الشياطين المقارنين لكم - لن ينفعكم - يوم القيامة في أنكم وإياهم في العذاب مشتركون، لأنكم جميعًا ظلمتم أنفسكم في الدنيا بالكفر والمعاصي. والكلام في هذا الموضوع طويل، وحسب القارئ ما تقدم. ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ المفردات: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾: فَدُمْ على العمل بالقرآن الذي أُوحى إليك. ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: فإنك على طريق لا عوج فيه. ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾: وإن القرآن لشرف لك ولقومك.

стр. 4436

التفسير ٤٠ - ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: كان رسول الله ﷺ في دعوة قومه إلى الحق ويبذل في ذلك جهده، وهم لا ينفكون عن شركهم، بل يتوغلون في غيهم وتعاميهم عمَّا يشاهدونه من شواهد النبوة، ويَتَصامون ويتعامون عن بينات القرآن، فهم كالصم العمى، فنزلت هذه الآية لتسلية النبي ﷺ عن همه وضيقه لعدم استجابتهم. ومعنى الآية: أفي قدرتك هداية هؤلاء المعاندين، فأنت تسمع الصم الذين لا يسمعون أو تهدى العمى الذين لا يبصرون ومن كان في بعد عن الطريق المستقيم، أن ذلك ليس لك أيها النبي، بل هو لله العلى القدير، فهو الذي يرد السمع للصم الذين لا يسمعون ويرد البصر للعمى الذين لا يبصرون، ويهدى أهلَ الضلال إلى الصراط المستقيم، فلا يضق صدرك بتصاممهم وتعاميهم وضلالهم، فقد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة على أتم وجه، فما عليك إلا البلاغ المبين، وقد فعلت. ٤١، ٤٢ - ﴿فَإِمَّا (١) نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾: أي: فإما أن نقبضك إلينا - كما تمنوا - قبل أن نُبَصِّرك عذابهم، ونشفى بذلك صدرك وصدور المؤمنين فإنا لا محالة منهم منتقمون في الدنيا والآخرة، أو نتركك حيًّا نُبَصِّرك بالعذاب الذي وعدناهم فإنا عليهم من مقتدرون، بحيث لا مناص لهم من تنفيذ وعدنا ولا ملجأ يقيهم من قدرتنا وقهرنا. وهكذا كان، فإنه لم يفلت أحد من صناديدهم في غزوة بدر وغيرها إلاَّ من اعتصم بالإيمان.

стр. 4437

٤٤،٤٣ - ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾: خطاب للنبى ﷺ ولأُمته تبعًا له، لأَنه إِمامهم، وفيه تسلية له ﷺ على ما يرى من عناد قومه، وتقوية لما هو عليه من الاستمساك بوحى ربه. والمعنى: إذا كان أحد هذين الأَمرين واقعًا بقريش المعاندين لك، فدم على الاستمساك بالقرآن الذى أوحى إليك من ربك، لأنك على صراط مستقيم يوصلك إلى مرضاة الله ﵎، ولا تهتم بمعارضتهم، واستمر على دعوتهم. وإن القرآن لشرف لك ولقومك وللعرب جميعًا، فقد نزل بلغتهم على نبى منهم، وكل من آمن من الشعوب غير العربية تعلموا لغة العرب لكى يفهموا لغة القرآن والمرادَ منه أَمرًا ونهيًا، وجميع ما فيه من الأنباءِ، فشرفوا بذلك. وكما أنه شرف للعرب فهو شرف لكل من آمن به، فإِنه دستور الحق الإِلهى، أَخرج الطبرى عن ابن عباس قال: أَقبل النبى ﷺ من سرية أَو غزاة، فدعا فاطمة فقال: "يا فاطمة اشترى نفسك من الله، فإني لا أُغنى عنك من الله شيئًا" وقال مثل ذلك لنسوته، وقال مثل ذلك لعترته، ثم قال نبى الله ﷺ : "ما بنو هاشم بأَولى الناس بأُمتى، إِن أَولى الناس بأُمتى المتقون، ولا قريش بأَولى الناس بأُمتى، إن أَولى الناس بأُمتى المتقون، ولا الأنصار بأَولى الناس بأُمتى، إن أَولى الناس بأُمتى المتقون، ولا الموالى بأَولى الناس بأُمتى، إن أولى الناس بأُمتى المتقون، إنما أَنتم من رجل وامرأة (١) وأَنتم كجِمام (٢) الصاع، ليس لأَحد فضل على أَحد إلَّا بالتقوى". وأَخرج الطبري أَيضًا عن أَبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لينتهينَّ أَقوام يفتخرون بفحم من فحم جهنم، أَو يكونون شرًّا عند الله من الجعْلان (٣) التى تدفع النتن

стр. 4438

بأنفها، كلكم بنوآدم، وآدم من تراب، إن الله أذهب عنكم عَيْبةَ الجاهلية (١) وفخرها بالآباء، الناس مؤمن تقى وفاجر شقى". وفسر بعضهم الذّكر بالتذكير، أي: وإن القرآن لتذكير لك ولقومك. ثم ختم الله الآيتين بقوله: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ أي: وسوفَ تسألون يوم القيامة عن القرآن الذي شرف الله به قومك، أي: تُسأَلون عن القيام بحقوقه. ٤٥ - ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾: كانت قريش تعبد الأوثان زاعمة أنهم يتقربون بعبادتها إلي الله، وذلك ما حكاه الله بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢). وقد كذبوا، فأى صله بين أحجار لا تضر ولا تنفع وبين الله الخالق الرازق، حتى يتقربوا بعبادتها إليه سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٣) والله أقرب إلى عباده من حبل الوريد. ولما دعاهم النبي ﷺ أن يتركوا عبادتها إلى عبادة الله تعالى وحده، عجبوا من ذلك وقالوا ما حكاه الله عنهم في سورة ﴿ص﴾ بقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٤). ولما أفهمهم أن الله لا يرضى عن ذلك وأن الكتب السماوية مجمعة على تحريم عبادتها وتكفير من يعبدها قالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ (٥) وقصدوا بالملة الآخرة النصرانية، وأهلُها يتعبدون بالعهد القديم الشامل للتوراة، والعهد الجديد الذي هو الإنجيل، وقد كذبوا فالتوراة والإنجيل حرما عبادة غير الله تعالى، وقد أمر موسى قومه بمحاربة الوثنيين في الأرض المقدسة، فامتنعوا لجبروت هؤلاء الوثنيين، وقالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (٦) فحبسهم الله في التيه

стр. 4439

أربعين سنة يتيهون في الأرض، حتى نشأ جيل جديد أقوى إيمانًا وإقدامًا من آبائهم، ففتح بهم أريحا وسائر البلاد المقدسة. والأمر في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ موجه إلى الرسول ﷺ والمعنى على هذا: واسأل أيها الرسول أُمم من أرسلنا قبلك من رسلنا، أو على جعل سؤَال الأُمم لكم بمنزلة سؤَال المرسلين، قال الفراءُ: إنما يخبرون عن كتب الرسل، فإذا سألهم النبي ﷺ ، فكأنه سأل المرسلين ﵇ وعلى الوجهين السؤال موجه إلى الأمم، ولكنه بمنزلة سؤَال الرسل؛ لأنهم يحكون ما جاء في كتبهم. وروى ذلك عن الحسن ومجاهد وقتادة والسدى وعطاء، وهو إحدى روايتين عن ابن عباس ﵄. وأخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة أنه قال في بعض القراءات: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾، وروى أن في قراءة عبد الله بن مسعود ﴿واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا﴾ والقراءتان المذكورتان شارحتان للمراد من هذه القراءة. ومعنى الآية على هذا الوجه: واسأل أيها الرسول المرسلين قبلك في شخص أُممهم لتسمع قريشًا إجابتهم - اسألهم - أجعلنا في كتبهم من غير الرحمن آلهة يعبدون، فسيقولون: لا معبود في كتبنا سواه، فأنت لم تأت قومك حين دعوتهم إلى التوحيد - لم تأتهم - بأمر ابتدعته أنت، بل هو أمر مجمع عليه من سائر المرسلين. وأمر الرسول ﷺ بسؤالهم، كناية عن أمر قريش بسؤالهم، فهو من باب قولهم: إياك أعنى واسمعى يا جارة. ويصح أن يكون الأمر بالسؤال موجهًا إلى كل واحد من قريش وليس موجهًا إلى الرسول ﷺ وكأنه قيل: وليسأل كل واحد منكم أمم من أرسلنا قبلك من رسلنا: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ليعلموا الحقيقة حتى لا يقولوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾.

стр. 4440

وعلى هذا يكون أسلوب القرآن مع قريش في هذا الموضوع له طريقتان: (إحداهما) أن يكون الخطاب موجهًا إلي جماعتهم، وذلك في قول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١). (وثانيهما) أن يكون موجهًا إلى كل واحد منهم، وذلك في قوله تعالى هنا: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾. وفي كلا الوجهين من البلاغة ما فيه، فقد جعل سؤال أمم الرسل سؤالًا لنفس الرسل، لأنهم سيجيبون من كتبهم، والله تعالى هو الموفق. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾ المفردات: ﴿وَمَلَئِهِ﴾ أي: وأشراف قومه، وخصوا بالذكر؛ لأنهم بطانته وجلساؤه، وغيرهم تبع لهم، وقد يطلق الملأ على الجماعة كما في المختار. ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: بعهده عندك أننا إن آمنا كشف عنا العذاب. ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ أي: في المستقبل. ﴿يَنْكُثُونَ﴾: ينقضون العهد.

стр. 4441

التفسير ٤٦، ٤٧ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾: لمَّا أعلم الله النبي ﷺ أنه منتقم له من أعدائه، وأقام لهم الحجة باستشهاد الأنبياء السابقين واتفاق الكل على التوحيد، أكد ذلك بقصة موسى وفرعون، وأنه دعاه وقومه إلى التوحيد، فلما كذبوه أغرقهم الله - تعالى -، كما فيه إبطال قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ لأن موسى لم يكن لديه من زخارف الدنيا شيء ومع ذلك بعثه الله إلى فرعون وهو ملك جبار، وإلى قومه وهم أيضًا جبابرة - بعثه الله إليهم - ليدعوهم إلى التوحيد كما يدعو محمَّد قومه إليه، فليس الفقر بمانع من إرسال أصحاب النفوس الزكية برسالات ربهم. والمعنى: ولقد أرسلنا موسى ﵇ مع أنه كان فقيرًا - أرسلناه - إلى ملك جبار هو فرعون، وإلى قومه: ولم تبلغوا أنتم يا أهل مكة شيئًا يذكر مما كانوا فيه من العظمة، فقال لهم: إني رسول رب العالمين إليكم، فلما جاءهم بآياتنا التسع (١) المؤيدة له، فاجئوا أول ما رأوها بالضحك استهزاء وسخرية ولم يتأملوا فيها، يوهمون أتباعهم أنها سحر وتخييل، وأنهم قادرون على إبطالها. ولعلهم كانوا يضحكون من الآية الأُولى قبل أن يروا آثارها ويعلموا جديتها، فلما ابتلعت عصاه سحرهم لم يكن هناك سبب لضحكهم، وبخاصة بعد أن غمرهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، واتضح لهم أَنه حينما ينذرهم يقع إنذاره أن لم يسلموا، ولذا كانوا يتضرعون إليه ليزيل عنهم ما نزل بهم، كما سيجيءُ. ٤٨ - ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾:

стр. 4442

السابقة عليها، وقيل: معناه أن الأُولى تقتضى علمًا والثانية تقتضى علمًا، فبضم الثانية إلى الأُولى يزداد الوضوح، ومعنى أُخوة الآية للأُخرى أنها قريبة منها في المعنى، ومشاكلة لها فيه. وقد ختم الله الآية بقوله: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: وأَخذناهم بالعذاب المتدرج المتكرر الذي تشتمل عليه تلك الآيات، لكي يرجعوا عما هم فيه من الكفر، ولم نعاجلهم بالعذاب المستأصل. ٤٩ - ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾: نادوا موسى في الأعراف باسمه، كما حكاه الله تعالى فيها بقوله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (١) ونادوه هنا بقولهم: ﴿يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ ويحمل ذلك على أنهم نادوه مرة باسمه، ونادوه مرة أُخرى بـ ﴿يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ أو أَن فريقًا منهم ناداه بغير ما ناداه به فريق آخر. وكان علم السحر هو العلم العظيم عندهم، وكانوا يعظمون السحرة لذلك، فنادوه بـ ﴿يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ تعظيمًا له، فكأنهم قالوا: يأيها العالم، قال ابن عباس: ﴿يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ يا أيها العالم، وهذا هو رأى الجمهور. وقيل: هو من قولهم: ساحَرْتُه فسحرتُه، أي: غلبته بالسحر، كما يقال: خاصمته فخصمته، أَي: غلبته في الخصومة، وعلى هذا يكون معنى الآية: يا أيها الذي غلبنا بسحره، وقيل: خاطبوه بما كانوا يخاطبونه من قبل، وكان مقتضى طلبهم منه رفع الرِّجز عنهم بدعاء ربه أن لا يخاطبوه بذلك، إلَّا أنهم سبق لسانهم إلى ما تعودوه في خطابهم له، وقيل غير ذلك، والمعنى الأول أرجح. ومعنى الآية: يأيُّهَا العالم: ادع لنا ربك بما أخبرتنا عن عهده إليك أننا إن آمنا يكشف عنا العذاب - ادعه - لينفذ وعده؛ إننا لمهتدون مستقبلا بعد زوال العذاب.

стр. 4443

وقد فسر هنا اهتداؤهم بأنه يكون في المستقبل، بعد زوال العذاب، ليطابق ما جاءَ في سورة الأعراف: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ أي: إننا لمؤمنون لك مستقبلا على سبيل الاستمرار الذي يقتضيه التعبير بالاسم ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾. ٥٠ - ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾: أي: فدعا موسى ربه فكشف العذاب عنهم، فلما كشفه فاجئوا بنقض العهد الذي قطعوه على أنفسهم فلم يؤمنوا. ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾ المفردات: ﴿مِنْ تَحْتِي﴾: من تحت قصرى، وسيأتى لذلك مزيد بيان. ﴿مَهِينٌ﴾: ضعيف حقير، أو مبتذل ذليل، فهو من المهانة بمعنى الذلة والحقارة، والابتذال. ﴿يَكَادُ يُبِينُ﴾: ولا يكاد يفصح عمَّا في فؤاده. ﴿أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾: جمع سوار، وهو كالحلقة من ذهب أو فضة تزين به الأيدى. التفسير ٥١ - ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾:

стр. 4444

نداءُ فرعون في قومه إن كان على الحقيقة فيكون قد جمع أشراف قومه، ورفع صوته بما قاله، والأشراف يبلغون نداءه إلى أتباعهم، وإن كان على المجاز كان المعنى: نادى رجاله في قومه بأمره، وذلك كقولهم: هزم الأمير أعداءه - وهو في قصره - يعنون أن جنوده هم الذين هزموا الأعداء، ولكونه هو الآمر للجنود أُسند الفعل إليه. ومعنى قوله: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ أن بيده تصريف أُمورها، ويعنى بمصر القطر كله، من الإسكندرية إلى أُسوان - كما في البحر - والأنهار كنهر الملك ونهر دمياط ونهر تنيس ونهر طولون، وهو نهر قديم كان قد اندرس، فجدده أحمد بن طولون، وكان قصره عند مبدأ هذه الخلجان، فلذلك قال: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ أي: من تحت قصرى وقال قتادة: كانت له جنان وبساتين بين يديه تجرى فيها الأنهار. وفسر الأنهار بعضهم بالأموال، يريد أن أمواله تشببه الأنهار في كثرتها، وجريانُها من تحته كناية عن خروجها وانتشارها من تحت أَمره، أو من خزائنه التي وضعها في قصره تحت سكنه. ولا يخفى ما بين افتخار هذا اللَّعين بملك مصر ودعواه الربوبية من البعد البعيد. ومعنى الآية: نادى فرعون في قومه أهل القطر المصري متباهيًا ومفتخرًا: أليس لي ملك مصر بأقاليمها وهذه الأنهار تجرى من تحتى، أتغفلون فلا تبصرون عظمتى وقوتى وضعف موسى وفقره، فلا يغرنَّكم ما يأتي به من السحر. ٥٢ - ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾: بل أنا في عظمة ملكى خير من هذا الذي هو ضعيف حقير ولا يكاد يفصح عما في فؤاده، وكان موسى ﵇ به عقدة في لسانه منذ طفولته، ولازمته إلى ما قبل النبوة، فلما جاءته الرسالة طلب من ربه حلها بقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (١) فاستجاب الله له وحلَّ عقدته، فعيره اللعين بالحبسة التي كانت في لسانه أيَّام كان عنده،

стр. 4445

ولمَّا حلت عقدته كان يناظر فرعون ويقيم عليه الحجة، وكان أخوه هارون ﵉ يصدقه ويؤازره في مناظرته ودعوته. ٥٣ - ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾: قال القرطبي: إنما قال ذلك لأنه كان عادة الوقت وزى أهل الشرف، ثم نقل عن مجاهد وله: كانوا إذا سوَّدوا رجلًا (١) سوروه بسوارين، وطوقوه بطوق من ذهب علامة لسيادته، فقال فرعون: هلَّا ألقى رب موسى عليه أسورة من ذهب إن كان صادقًا. والمعنى: هلَّا جعل رب موسى لموسى أسورة من ذهب ليستحق السيادة والشرف الذي يدعيه، أو ضمّ إليه الملائكة التي يزعم أنها عند ربه، حتى يتكثر بهم ويصرفهم علي أمره ونهيه، فيكون ذلك أهيب في القلوب وأدعى إلى تصديقه، يريد فرعون بهذا الكلام أن رسل الله ينبغي أن يكونوا كرسل الملوك، تبدو عليهم مظاهر الرياسة وتكون معهم حاشية تقوى رسالتهم وتعظم شأنها، ولم يعلم أن رسل الله إنما أُيدوا بالجنود السماوية، وكل عاقل يعلم أن حفظ الله لموسى مع تفرده ووحدته - حِفْظَه - من فرعون مع كثرة أتباعه وقوتهم، وأن إمداد موسى بالعصا واليد البيضاء من غير سوء وغيرهما من المعجزات، كان أبلغ من أن يكون له أسورة من ذهب أو ملائكة تكون له حاشية وأعوانًا دليلًا على صدقه. وليس يلزم للرسل ما ذكره فرعون؛ لأن الإعجاز كاف، وقد كان من الجائز أن يُكذِّب موسى مع وجود الأسورة الذهبية وحضور الملائكة، كما كذبه مع ظهور الآيات. وذكر فرعون الملائكة حكاية عن لفظ موسى بأن لله ملائكة، وليس عن عقيدة، لأن من لم يعرف خالقه لا يؤمن بأن له ملائكة.

стр. 4446

﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ المفردات: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ أي: طلب منهم الخفة في مطاوعتهم فأطاعوه، ومعنى الخفة السرعة في إجابتهم ومطاوعتهم، كما يقال: هم خفاف إذا دُعُوا، أومعناه: وجد عقولهم خفيفة، أو استجهلهم، يقال: استخفه: حمله على الجهل، ومنه ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾. ﴿آسَفُونَا﴾: أغضبونا. ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾: وعبرة لمن يكفر بعدهم. التفسير ٥٤ - ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: فحمل فرعون قومه على الجهل لخفة عقولهم، فطلب منهم الكفر بموسى، فأطاعوه ولم يخالفوه لأنهم كانوا قومًا خارجين عن الحق. والمراد من قوم جنوده؛ لأن الانتقام كان منهم، كما جاء في قوله - تعالى -: ٥٥ - ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: فلما أَغَضَبَنَا فرعونُ وجنوده انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين؛ لأنهم تبعوه وأيدوه في كفرهم، وخرجوا معه لإجبار بني إسرائيل على العودة إلى خدمتهم.

стр. 4447

٥٦ - ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ أي: فجعلنا فرعون وقومه المغرقين متقدمين إلى النار - كما قاله ابن عباس وزيد ابن أسلم وقتادة - أو متقدمين إلى العقاب، وجعلناهم عبرة للكفار المتأخرين عنهم، يتعظون بما أصابهم، أو مثلًا يضرب لمن كفر بعدهم. ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)﴾ المفردات: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾: ترتفع لهم جلبة وضجيج فرحًا وسرورًا. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ أي: شداد الخصومة مجبولون على اللجاج، يقال: خصم الرجل من باب تعب: إذا أحكم الخصومة فهو خصيم. ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أمرًا عجيبًا، كالمثل في غرابته حيث كان من غير أب. ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾: علامة لها، بنزوله من السماء يُعلم قرب وقوعها.

стр. 4448

﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ أي: فلا تشكّن في قيامها. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ظاهر العداوة لكم. التفسير ٥٧ - ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾: نزلت هذه الآية والتي بعدها بيانًا لعناد قريش بالباطل والرد عليهم. وقد روى أن الضارب لهذا المثل عبد الله بن الزِّبعرى السلمى قبل إسلامه، قال للنبي ﷺ وقد سمعه يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (١) … الآية. أهذا لنا ولآلهتنا أم لجميع الأُمم؟ فقال ﵇ هو لكم ولجميع الأمم، فقال: خصمتك ورب الكعبة، أليس النصارى يعبدون المسيح وأنت تقول عنه: كان نبيًّا وعبدًا صالحًا من عباد الله؟ فإن كان في النار فقد رضينا أَن نكون وآلهتنا معه، فعجبت قريش من مقالته وظنوا أن الرسول ﵇ قد ألزم الحجة فضجوا وارتفعت أصواتهم فرحًا وبهجة، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ فأنزل سبحانه عندئذ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٢) ردا عليهم وتقبيحًا لقولهم. وحاصل المعنى: ولما ضرب ابن الزِّبعرى عيسى بن مريم مثلا وحاجك أيها الرسول بعبادة النصارى إياه إذا قومك من ذلك المثل ولأجله ترتفع لهم جلبة، ويعلو منهم ضجيج وضحك حيث زعموا أن ابن الزبعرى ألزمك الحجة. فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية تأييدًا وإبطالًا لحجته؛ لأن عيسى ﵇ من الذين سَبَقَت لهم الحسنى فأُبعدوا عن النار، والحجة إذا كانت تسير سير الأمثال شهرة قيل لها: مثل. وقريءَ ﴿يَصِدُّونَ﴾ بضم الصاد، من الصدود بمعنى الإعراض، وروى ذلك عن علي - كرم الله وجهه - والمعنى عليها: إذا قومك يعرضون عن الحق بالجدال كحجة داحضة واهية.

стр. 4449

٥٨ - ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾: حكايته لطرف من المثل المضروب، أي: أآلهتنا خير أم عيسى؟ يعنون أن الظاهر عندك أن عيسى خير من آلهتنا، فحيث كان عيسى في النار فلا بأس أن نكون مع آلهتنا فيها ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ أي: ما ضربوه لك - هذا المثل - إلا لأَجل الجدل والخصام والغلبة في القول لا لطلب الحق حتى يذعنوا له عند ظهوره، وفي ذلك إبطال لباطلهم إجمالًا. اكتفاءً بما فصل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ … الآية، ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ أي: لُدٌّ شداد الخصومة، مجبولون على المكابرة وحب المغالبة بحق أو بباطل ولو تأمل ابن الزِّبعرى الآية ما اعترض عليها لأنه تعالى قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ولم يقل ومن تعبدون؛ لأنه أراد الأصنام ونحوها مما لا يعقل، ولم يرد المسيح ومن عُبد مثله كعزير والملائكة. ٥٩ - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: ما عيسى بن مريم إلا عبد كسائر العبيد، أنعمنا عليه بالنبوّة، فهو رفيع المنزلة على المكانة، ولكنه لا يستحق أن يكون معبودًا لكونه عبدًا من عباده تعالى، ولم يكن إلها أو ابن إله كما زعمت النصارى ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أمرا عجيبا حقيقا بأن يسير ذكره كالأمثال السائرة حيث كان آية يستدل بها على قدرة الله تعالى، فإنه كان من غير أب ثم جعل الله له من المعجزات إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك مما لم يجعل لغيره في زمنه مما حمل بعض الناس على الافتتان به، والحق أنه بشر جعله الله دليلًا على قدرة الله تعالى شأنه، حيث وجد من غير أب وهو بشر وكان مثلا لبنى إسرائيل يستدلون به على قدرة خالقه. ٦٠ - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾: الآية تذييل لتحقيق أَن مثل عيسى ﵇ ليس ببدع من قدرة الله، وأنه قادر على أبدع من ذلك وأبرع من خلق عيسى عليه - السلام - مع التنبيه على أن الملائكة أَيضًا

стр. 4450

لا تصح عبادتهم من دون الله؛ لأنهم مخلوقون لله، ولا فرق بين المخلوقين توالدًا وإبداعًا في عدم الصلاح للمعبودية. أي: لو نشاءُ - لقدرتنا على عجائب الأُمور وبدائع الفطر - لجعلنا بدلا منكم ملائكة مستقرين في الأرض كما جعلناهم مستقرين في السماء، أو لجعلنا بدلكم ملائكة يخلف بعضهم بعضًا أو يخلفونكم في عمارة الأرض. ٦١ - ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ لعيسى ﵇ لأن السياق في ذكره، أي: بنزوله يعلم قرب مجيئها؛ لأنه شَرَطٌ من أشراطها، واعتباره عِلْمًا لها على المجاز بتسمية ما يعلم به علمًا، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدى وقتادة: إنه خروج عيسى ﵇ وذلك من أعلام الساعة؛ لأن الله ينزله قبل قيامها، ويؤيد ذلك القراءة الأخرى وإنه لَعَلَمٌ للساعة - بفتحتين - أي: أمارة ودليل على وقوعها، وقد تواترت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لينزلن ابن مريم حكمًا عدلًا، فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير … " إلخ، إلى غير ذلك من الأحاديث المذكورة في كتب الصححاح (١) ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ أي: فلا تشُكُّن في وقوعها، وقال السدى: فلا تكذبون بها ولا تجادلون فيها فإنها كائنة لا محالة ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ أي: واتبعوا أيها المجادلون هداى أو شرعى أو رسولي. وقيل: هو قول رسول الله ﷺ على تقدير (قل) أي: قل لهم: اتبعون في التوحيد وفيما أُبلغكم به عن الله ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أدعوكم إليه طريق قويم يوصل إلى الجنة. ٦٢ - ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: أي: ولا يَحُولَنَّ الشيطان بينكم وبين اتباعى لأنه عدو لكم بيّن العداوة حيث أخرج أباكم من الجنة، ونزع عنه وعن زوجته لباسهما، وعرَّضكم للمحن والبلايا.
следующие страницы →