← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ المفردات: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ أي: طلب منهم الخفة في مطاوعتهم فأطاعوه، ومعنى الخفة السرعة في إجابتهم ومطاوعتهم، كما يقال: هم خفاف إذا دُعُوا، أومعناه: وجد عقولهم خفيفة، أو استجهلهم، يقال: استخفه: حمله على الجهل، ومنه ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾. ﴿آسَفُونَا﴾: أغضبونا. ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾: وعبرة لمن يكفر بعدهم. التفسير ٥٤ - ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: فحمل فرعون قومه على الجهل لخفة عقولهم، فطلب منهم الكفر بموسى، فأطاعوه ولم يخالفوه لأنهم كانوا قومًا خارجين عن الحق. والمراد من قوم جنوده؛ لأن الانتقام كان منهم، كما جاء في قوله - تعالى -: ٥٥ - ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: فلما أَغَضَبَنَا فرعونُ وجنوده انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين؛ لأنهم تبعوه وأيدوه في كفرهم، وخرجوا معه لإجبار بني إسرائيل على العودة إلى خدمتهم.

стр. 4447

٥٦ - ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ أي: فجعلنا فرعون وقومه المغرقين متقدمين إلى النار - كما قاله ابن عباس وزيد ابن أسلم وقتادة - أو متقدمين إلى العقاب، وجعلناهم عبرة للكفار المتأخرين عنهم، يتعظون بما أصابهم، أو مثلًا يضرب لمن كفر بعدهم. ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)﴾ المفردات: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾: ترتفع لهم جلبة وضجيج فرحًا وسرورًا. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ أي: شداد الخصومة مجبولون على اللجاج، يقال: خصم الرجل من باب تعب: إذا أحكم الخصومة فهو خصيم. ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أمرًا عجيبًا، كالمثل في غرابته حيث كان من غير أب. ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾: علامة لها، بنزوله من السماء يُعلم قرب وقوعها.

стр. 4448

﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ أي: فلا تشكّن في قيامها. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ظاهر العداوة لكم. التفسير ٥٧ - ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾: نزلت هذه الآية والتي بعدها بيانًا لعناد قريش بالباطل والرد عليهم. وقد روى أن الضارب لهذا المثل عبد الله بن الزِّبعرى السلمى قبل إسلامه، قال للنبي ﷺ وقد سمعه يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (١) … الآية. أهذا لنا ولآلهتنا أم لجميع الأُمم؟ فقال ﵇ هو لكم ولجميع الأمم، فقال: خصمتك ورب الكعبة، أليس النصارى يعبدون المسيح وأنت تقول عنه: كان نبيًّا وعبدًا صالحًا من عباد الله؟ فإن كان في النار فقد رضينا أَن نكون وآلهتنا معه، فعجبت قريش من مقالته وظنوا أن الرسول ﵇ قد ألزم الحجة فضجوا وارتفعت أصواتهم فرحًا وبهجة، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ فأنزل سبحانه عندئذ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٢) ردا عليهم وتقبيحًا لقولهم. وحاصل المعنى: ولما ضرب ابن الزِّبعرى عيسى بن مريم مثلا وحاجك أيها الرسول بعبادة النصارى إياه إذا قومك من ذلك المثل ولأجله ترتفع لهم جلبة، ويعلو منهم ضجيج وضحك حيث زعموا أن ابن الزبعرى ألزمك الحجة. فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية تأييدًا وإبطالًا لحجته؛ لأن عيسى ﵇ من الذين سَبَقَت لهم الحسنى فأُبعدوا عن النار، والحجة إذا كانت تسير سير الأمثال شهرة قيل لها: مثل. وقريءَ ﴿يَصِدُّونَ﴾ بضم الصاد، من الصدود بمعنى الإعراض، وروى ذلك عن علي - كرم الله وجهه - والمعنى عليها: إذا قومك يعرضون عن الحق بالجدال كحجة داحضة واهية.

стр. 4449

٥٨ - ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾: حكايته لطرف من المثل المضروب، أي: أآلهتنا خير أم عيسى؟ يعنون أن الظاهر عندك أن عيسى خير من آلهتنا، فحيث كان عيسى في النار فلا بأس أن نكون مع آلهتنا فيها ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ أي: ما ضربوه لك - هذا المثل - إلا لأَجل الجدل والخصام والغلبة في القول لا لطلب الحق حتى يذعنوا له عند ظهوره، وفي ذلك إبطال لباطلهم إجمالًا. اكتفاءً بما فصل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ … الآية، ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ أي: لُدٌّ شداد الخصومة، مجبولون على المكابرة وحب المغالبة بحق أو بباطل ولو تأمل ابن الزِّبعرى الآية ما اعترض عليها لأنه تعالى قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ولم يقل ومن تعبدون؛ لأنه أراد الأصنام ونحوها مما لا يعقل، ولم يرد المسيح ومن عُبد مثله كعزير والملائكة. ٥٩ - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: ما عيسى بن مريم إلا عبد كسائر العبيد، أنعمنا عليه بالنبوّة، فهو رفيع المنزلة على المكانة، ولكنه لا يستحق أن يكون معبودًا لكونه عبدًا من عباده تعالى، ولم يكن إلها أو ابن إله كما زعمت النصارى ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أمرا عجيبا حقيقا بأن يسير ذكره كالأمثال السائرة حيث كان آية يستدل بها على قدرة الله تعالى، فإنه كان من غير أب ثم جعل الله له من المعجزات إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك مما لم يجعل لغيره في زمنه مما حمل بعض الناس على الافتتان به، والحق أنه بشر جعله الله دليلًا على قدرة الله تعالى شأنه، حيث وجد من غير أب وهو بشر وكان مثلا لبنى إسرائيل يستدلون به على قدرة خالقه. ٦٠ - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾: الآية تذييل لتحقيق أَن مثل عيسى ﵇ ليس ببدع من قدرة الله، وأنه قادر على أبدع من ذلك وأبرع من خلق عيسى عليه - السلام - مع التنبيه على أن الملائكة أَيضًا

стр. 4450

لا تصح عبادتهم من دون الله؛ لأنهم مخلوقون لله، ولا فرق بين المخلوقين توالدًا وإبداعًا في عدم الصلاح للمعبودية. أي: لو نشاءُ - لقدرتنا على عجائب الأُمور وبدائع الفطر - لجعلنا بدلا منكم ملائكة مستقرين في الأرض كما جعلناهم مستقرين في السماء، أو لجعلنا بدلكم ملائكة يخلف بعضهم بعضًا أو يخلفونكم في عمارة الأرض. ٦١ - ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ لعيسى ﵇ لأن السياق في ذكره، أي: بنزوله يعلم قرب مجيئها؛ لأنه شَرَطٌ من أشراطها، واعتباره عِلْمًا لها على المجاز بتسمية ما يعلم به علمًا، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدى وقتادة: إنه خروج عيسى ﵇ وذلك من أعلام الساعة؛ لأن الله ينزله قبل قيامها، ويؤيد ذلك القراءة الأخرى وإنه لَعَلَمٌ للساعة - بفتحتين - أي: أمارة ودليل على وقوعها، وقد تواترت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لينزلن ابن مريم حكمًا عدلًا، فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير … " إلخ، إلى غير ذلك من الأحاديث المذكورة في كتب الصححاح (١) ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ أي: فلا تشُكُّن في وقوعها، وقال السدى: فلا تكذبون بها ولا تجادلون فيها فإنها كائنة لا محالة ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ أي: واتبعوا أيها المجادلون هداى أو شرعى أو رسولي. وقيل: هو قول رسول الله ﷺ على تقدير (قل) أي: قل لهم: اتبعون في التوحيد وفيما أُبلغكم به عن الله ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أدعوكم إليه طريق قويم يوصل إلى الجنة. ٦٢ - ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: أي: ولا يَحُولَنَّ الشيطان بينكم وبين اتباعى لأنه عدو لكم بيّن العداوة حيث أخرج أباكم من الجنة، ونزع عنه وعن زوجته لباسهما، وعرَّضكم للمحن والبلايا.

стр. 4451

﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾ المفردات: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الآيات الواضحة كإحياء الموتى ونحوها من المعجزات، وقيل: المراد بها هنا الإنجيل. ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾ أي: بالنبوّة، أو الإنجيل، أو بكل ما يؤدى إلى الإحسان. ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾: من الأُمور الدينية؛ لأن الأنبياء إنما يبينون أُمور الدين لا أُمور الدنيا. ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: طريق لا عوج فيه، موصل إلي جنات النعيم. التفسير ٦٣ - ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: استمرار في رد شبه المجادلين ببيان أن عيسى ﵇ لما جاء من عند ربه بالآيات الواضحات وهي - كما قال ابن عباس - إحياء الموتى وإبراء الأسقام والإخبار بكثير من الغيوب، أو هي آيات الإنجيل، أو بما تقتضيه الحكمة من الشرائع، ولا مانع من إرادة الجميع - لما جاءهم بذلك - قال: قد جئتكم من عند ربي بالحكمة ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ من أُمور الدين وما يتعلق بالتكليف مما اختلفتم فيه بعد تبديل التوراة. أما ما يختلفون فيه

стр. 4452

من أُمور الدنيا فليس بيانه من وظائف الأنبياء ﵇ كما يشير إلى ذلك قوله ﷺ في قضية تأبير النخل: "أنتم أعلمُ بأمور دنياكم". ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أي: فاتقوا الله من مخالفتى وافعلوا ما يقيكم من عذابى وأطيعون فما أبلغكم عن الله - تعالى - وفيما أدعوكم إليه من التوحيد وغيره. وحاصل المعنى: أن عيسى ﵇ ليس معبودًا كما زعم المجادلون؛ لأنه لما جاءهم بالآيات الواضحة والمعجزات البينة قال: قد جئتكم بالإنجيل لأدعوكم الي عبادة الله وحده لا شريك له وإلى امتثال أوامره، واجتناب نواهيه. ولأُبين لكم ما اختلفتم فيه من الأمور الدينية، فاتقوا الله واحذروا من مخالفته وأطيعوه فيما دعاكم إليه من التوحيد وغيره مما تستقيم به أموركم. ٦٤ - ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: بيان لما أمرهم بالطاعة فيه وهو اعتقاد أنه - سبحانه - لا شريك له، والتعريف بالشرائع التي جاء بها الأنبياء ﵈ وهذا المأمور به طريق إلى الله لا عوج فيه ولا يضل سالكه ولا يشقى. ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾ المفردات: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي: تفرقوا. والأحزاب جمع حزب، وهي الفِرقةُ المتحزبة.

стр. 4453

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: فهلاك للذين كفروا وأشركوا، وويل: كلمة عذاب، أو واد في جهنم. ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة على غرة. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: وهم غافلون عنها. التفسير ٦٥ - ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾: لما ذكر - تعالى - أمر عيسى ودعوته إلى الدين الحق أتبعه ذكر ضلال الفرق المتحزبة من اليهود والنصارى الذين بُعث إليهم، وهم أُمة دعوته، فقد خالف بعضهم بعضًا في شأنه. وقيل: المراد فرق النصارى الذي تفرقوا في شأنه شيعًا وأحزابًا: من النسطورية والملكانية واليعقوبية، وقد اختلفوا فيه. فقالت النسطورية: هو ابن إله. وقالت اليعقوبية: هو الله. وقالت الملكانية: ثالث ثلاثة أحدهم الله - فسره الكلبي ومقاتل - وهم أُمة دعوته ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: فهلاك للذين ظلموا حيث إنهم ظلموا أنفسهم بالكفر والإشراك. ولم يقولوا عنه ﵇ إنه عبد الله ورسوله ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وهو يوم القيامة ووصف يوم بأليم على المجاز، أي: أليم عذابه. ٦٦ - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: الاستفهام للإنكار، وإلا بمعنى غير. والمعنى: ما ينتظر الأحزاب الذين ذكروا في الآية السابقة - ما ينتظرون - شيئًا غير إتيان الساعة فجأة وهم غافلون عنها غير مترقبين لها، مشتغلون بأمور الدنيا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وفي هذا تهكم بهم حيث جعل إتيان الساعة كالمنتظر الذي لابد من وقوعه، ومع ذلك فهم عنها غافلون وبها غير مكترثين، وقيل: المعنى لا ينتظر مشركو العرب إلا إتيان الساعة، ويكون المراد على هذا الذين تحزبوا على رسول الله وكذبوه من المشركين. وأُيِّد بما أخرجه ابن مردويه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "تقوم الساعة والرجلان يحلبانِ النعجة، والرجلان يطويان الثوبَ، ثم قرأ ﵊: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾:

стр. 4454

﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾ المفردات: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: الأصدقاء يوم القيامة جمع خليل وهو الصديق الصميم الذي تخللت المحبة قلبه. ﴿تُحْبَرُونَ﴾ أي: تفرحون وتسرون سرورا عظيمًا يظهر أثره على وجوهكم حُسنًا ونضرة. ﴿بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ الصحاف: جمع صحفة وهي إناء كالقصعة، وقال الزمخشرى: قصعة مستطيلة وهي للطعام، والأكواب للشراب، جمع كوب وهي كوز لا عروة له. وقال قتادة: إنها الآنية المدورة الأفواه. ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾: جعلها لكم ميراثًا.

стр. 4455

التفسير ٦٧ - ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾: الآية تذكر حالًا من أحوال القيامة، وقد نزلت في أُمية بن خلف الجمحى وعقبة بن أبي معيط كانا خليلين وكان عقبة يجالس النبي ﷺ فقالت قريش: قد صبأ عقبة بن أبي معيط فقال له أمية: وجهى من وجهك حرام إن لقيت محمدًا ولم تتفل في وجهه، ففعل عقبة ذلك، فقتله النبي يوم بدر، وقتل أمية في المعركة: حكاه النقاش. والمعنى: المتحابون في الأمور الدنيوية لغير الله يعادى بعضهم بعضًا يوم القيامة لانقطاع علائق المحبة والتواد التي كانت تربط بينهم، لظهور كونها أسبابًا للعذاب، قال ابن كثير: كل خلة وصداقة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ فإن صداقتهم لما كانت في الله فإنها تبقى على حالها في الدنيا، وتزداد في الآخرة قوة لما يراه كل منهم من آثارها من الثواب ورفع الدرجات. ٩٨ - ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾: حكايته لما ينادى به المتقون المتحابون في الله يوم القيامة تشريفًا لهم، وتطييبا لقلوبهم، وذلك بتقدير القول، أي: فيقال لهم: يا عباد، أو فأقول لهم: يا عباد، بناءً على أن المنادي هو الله تعالى. والمعنى: لا خوف عليكم - أيها المتقون - في هذا اليوم العصيب، ولا أنتم تحزنون فيه على ما فاتكم في الدنيا؛ رَوَى المعتمر بن سليمان عن أبيه: ينادى مناد في العَرَضَات: يا عبادى لا خوف عليكم اليوم، فيرفع أهل العرصات رءُوسهم على الرَّجاء، فيقول المنادى: ٦٩ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: فييأَس أهل الأَديان الباطلة وينكسون رءُوسهم، ويستبشر الذين آمنت قلوبهم وبواطنهم. وانقادت ظواهرهم وجوارحهم. وقوله - تعالى -: ﴿وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ يفيد أنّ تلبسهم بالإيمان في الماضي اتصل بزمان الإيمان في الآخرة واستمر عليه، والكلام على هذا أبلغ.

стр. 4456

٧٠ - ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾: أي: يقال لهم: يا عبادى الذين آمنوا ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم المؤمنات أو أنتم وقرناؤكم من المؤمنين تسرون سرورًا عظيمًا يظهر حَباره - بفتح الحاء وكسرها - أي: أَثره على وجوهكم نضرة وحسنا، كقوله - تعالى -: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ (١) وقيل: تكرمون: قاله ابن عباس والكرامة في المنزلة: الحُسْن. ٧١ - ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: أي: بعد دخول المؤمنين الجنة حيث فعلوا ما أمروا به: يطاف عليهم بأطعمة في صحاف من ذهب وبأشربة في أكواب من ذهب، وجواز استعمالها خاص بأهل الجنة لزيادة أسباب النعيم لهم، أما لأهل الدنيا فلا يجوز، روى الأئمة من حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تَشرَبُوا في آنيةِ الذهبِ والفضةِ ولا تأكلوا في صحافِهما" وهذا يقتضي التحريم ولا خلاف في ذلك كما قال القرطبي، ولم تذكر في الآية الأطعمة ولا الأَشربة حيث إنه لا معنى للإطافة بالصحاف والأكواب من غير أن يكون فيها شيءٌ، واستغنى بوصف الصحاف بقوله (من ذهب) عن الإعادة مع الأكواب، كما في قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (٢) ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ تعميم ببيان أن فيها كل ما تشتهيه الأنفس من الطيبات وتلذ الأعين بمشاهدته من أنواع الجمال، وذلك شامل لكل نعيم ولذة، أما الإطافة عليهم بأوانى الذهب والفضة فهو بمعنى أنواع التنعيم والترفيه، قال سعيد بن جبير: المراد من قوله: ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ النظر إلى الله كما في الخبر: "أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم" ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: باقون دائمون في الجنة أبد الآبدين، قال القرطبي: لأنها لو انقطعت لتبغضت؛ فإن كل نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ، ومُستَعقِب للحسرة عند فقده. والالتفات من الغيبة إلى الخطاب للتشريف.

стр. 4457

٧٢ - ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾: أي: يقال لهم على سبيل الامتنان والتفضل: تلك الجنة التي كانت توصف لكم في الدنيا جعلت لكم كالميراث (بما كنتم تعلمون) أي: بسبب ما كنتم تعملون من الأعمال الصالحة، حيث شبه ما استحقوه بسبب أعمالهم من الجنة ونعيمها الباقي لهم - شُبِّه - بما يخلفه المرء لوارثه من الأملاك والأرزاق، وأيًّا ما كان فدخول الجنة بسبب العمل لا يتم إلا بفضل الله ورحمته والمراد بقوله ﷺ : "ليس يدخل أحدكم الجنةَ عملُه" أن إدخال العمل الجنة لا يكون على سبيل الاستقلال والسببية التامة، فلا تعارض، وقال ابن عباس: خلق الله لكل نفس جنة ونارًا، فالكافر يرث نار المسلم، والمسلم يرث جنة الكافر، وذلك قوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا … ﴾ الآية. ٧٣ - ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: أي: لكم أيها المؤمنون في الجنة سوى الطعام والشراب فاكهة كثيرة بحسب الأنواع والأصناف لا بحسب الأفراد فقط، قال ابن عباس: هي الثمار كلها رطبها ويابسها، لا تأكلون إلا بعضها في كل نوبة. وأما الباقي فعلى الأشجار دائمًا بحيث لا ترى شجرة منها خلت من ثمرها لحظة؛ فهي مزينة بالثمار أبدا، خلاف أشجار الدنيا التي تخلو منها كثيرًا، وفي الحديث: "لا ينزع رجلٌ في الجنة من ثمرها إلا نبت مكانها مثلها".

стр. 4458

﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ المفردات: (إن المجرمين) أي: الكافرين؛ لذكرهم في مقابلة المؤمنين. (لا يفتر عنهم العذاب) أي: لا يخفف. (وهم فيه مبلسون): آيسون من تخفيف العذاب، من الإبلاس: وهو الحزن من شدة اليأس. (ليقضِ علينا ربك) أي: ليميتنا فنستريح، من قضى عليه: أماته. (إنكم ماكثون) أي: مقيمون متلبثون، من باب قتل. (أم أبرموا أمرًا) أي: أحكموا كيدهم، من الإبرام: وهو الإحكام والإتقان، يقال: أبرم الحبل: أتقن فتله. (سرهم ونجواهم) أي: الحديث الذي حدثوا به أنفسهم، والذي تحدثوا به فيما بينهم ولم يطلع عليه أحد سواهم.

стр. 4459

التفسير ٧٤، ٧٥، ٧٦ - ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾: لما ذكر - سبحانه - أحوال أهل الجنة أتبعها ذكر أحوال أهل النار؛ ليبين فضل المطيع على العاصى. والمعنى: إن المجرمين الذين تمادوا في الإجرام، ورسخوا فيه، وهم الكفار حسبما ينبئ عنه إيرادهم في مقابلة المؤمنين: في عذاب جهنم خالدون ماكثون فيها أبدا، وعليه فلا تدل الآية على خلود عصاة المؤمنين فيه كما ذهب إليه المعتزلة والخوارج. حيث تبين أن المراد بالمجرمين الكافرون، وخلودهم في النار بسبب كفرهم أي: لا يخفف عنهم وهم فيه مبلسون، أي: لا يخفف عنهم العذاب لحظة بل يستمر على شدته، وقوة حدته ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل أمل ورجاء في أن يفتر عنهم العذاب أو يخفف ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ بمعنى: وما ظلمناهم بعقابنا لهم ولكن كانوا هم الذين ظلموا أنفسهم بسوء اختيارهم لما يؤدى إلى العذاب الخالد لهم وهو الشرك. ٧٧ - ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾: المعنى: لما اشتد بهم العذاب: ويئسوا من فتوره، ووقع عليهم من الجوع ما يعدل ما هم فيه من العذاب. كما في بعض الآثار، حينئذ نادوا مالكا وهو خازن جهنم، خلقه الله لغضبه إذا زجر النار زجرة أكل بعضها بعضًا، نادوه فقالوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: سل ربك أن يميتنا حتى نستريح مما نحن فيه؛ أي: قال لهم مالك: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ في العذاب أبدا لا خلاص لكم منه بموت ولا بغيره، كما قال - تعالى -: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا (٣٦)﴾ (١) قال بعض الأجلة: في الجواب استهزاء بهم؛ لأنه أقام المكث مقام الخلود.

стр. 4460

٧٨ - ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾: يحتمل أن يكون هذا من تمام قول مالك لأهل النار. أي: إنكم ماكثون في النار لأننا جئناكم في الدنيا بالحق فلم تقبلوا، والمقصود من قوله: (جئناكم) الملائكة لأنهم رسل الله وهو واحد منهم. ويحتمل أن يكون من كلام الله لهم. أي: جئناكم في الدنيا بالحق بإرسال الرسل وإنزال الكتب فأعرضتم وكذبتم، وهو خطاب توبيخ وتقريع لهم من جهته تعالى، مقررًا لجواب مالك لهم بقوله: (إنكم ماكثون) ومبيِّنا لسبب مكثهم، ولا مانع من خطابه - سبحانه - للكفرة تقريعًا (ولكن أكثركم للحق كارهون) أي: ولكن أكثركم للحق - أيِّ حق كان - كارهون لا تقبلونه وتنفرون منه، وفسر الحق بذلك دون تفسيره بالحق المعهود وهو التوحيد أو القرآن؛ لأنهم كانوا كارهين لكل حق مشمئزين منه سواء أكان الخطاب لقريش أم لأهل النار. وقد يقال: المراد بالحق الحقُّ المعهود، وعُبِّر بالأكثر؛ لأن من الأتباع من يكفر تقليدًا. ٧٩ - ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)﴾: قال مقاتل: نزلت في تدبير المشركين المكر بالنبي ﷺ في دار الندوة حين استقرَّ أمرهم على ما أشار به أبو جهل عليهم أن يبرز من كل قبيلة رجل ليشتركوا في قتله ﷺ فتضعف المطالبة بدمه، ولفظ (أمْ) معناه بل والهمزة الإنكارية، وبل للإضراب الانتقالى من توبيخ أهل النار إلى حكايه مؤامرة قريش على الرسول. المعنى: بل أأحكم مشركو مكة بالفعل أمرًا من كيدهم برسول الله ﷺ في دار الندوة حيث تآمروا على قتله، كلا لم يحكموا أمرهم فلذا نجا منهم، فإنا مبرمون ومحكمون ردَّ كيدهم، وحمايته منهم، فلذا أخرجناه من بينهم وهم له راصدون، ولم ينفعهم كيدهم ولم يغن عنهم شيئًا كقوله تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ (١). وقال قتادة: أم أجمعوا على التكذيب، فإنا مجمعون على الجزاء بالبعث.

стр. 4461

وكانوا يتناجون في أنديتهم، ويتشاورون في أمره ﷺ ويتحيلون في رد الحق بالباطل بحيل يسلكونها، فكادهم الله وردَّ وبال ذلك عليهم حيث قال - سبحانه -: ٨٠ - ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: أي: بل أيظن هؤلاء المشركون أنا لا نسمع سرهم في أنفسهم، ولا نسمع نجواهم مما يتحدثون به فيما بينهم على سبيل التناجى ولم يطلع عليه أحد سواهم (بلى) نسمعها ونطلع عليها (ورسلنا لديهم يكتبون) وهم الحفظة الذين يحفظون عليهم أعمالهم ويلازمونهم حيثما كانوا. فهم عندهم دائمًا يكتبونها وكل ما صدر عنهم من أقوال وأعمال صغارها وكبارها. ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)﴾ المفردات: (فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) أي: المنقادين، وهو جمع عابد، ويجمع عابد أيضًا على عُبّاد وعبدة. (سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: تنزيهًا له وتقديسًا. نزه الله نفسه وأمر النبي بالتنزيه عما لا يليق به. (عما يصفون) أي: عما يقولون من الكذب. التفسير ٨١ - ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: رد لباطل المشركين بتنزيهه - جل شأنه - عما نسبوه إليه من اتخاذ الولد.

стр. 4462

والمعنى: قل - أيها النبي - للمشركين تحقيقًا للحق، وتنبيهًا لهم على أن الدافع لك على مخالفتهم في عبادة الملائكة ليس لغضبك وعداوتك لهم أو لمعبوديهم، وإنما هو لجزمك باستحالة ما نسبوه إليهم وبنوا عليه عبادتهم من كونهم بنات الله. قل لهم: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾: أي: إن صح ذلك وثبت ببرهان واضح تأتون به، وحجة صحيحة تدلون بها ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي: أول من يعظم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه، وهذا كلام وارد على سبيل الفَرْض، والمراد نفى الولد، وذلك لأنه على العبادة على كينونة الولد لله، وهي محال في نفسها فكان المعلق عليها محالا مثلها. ونظيره قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١). وقال ابن الأعرابي: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي: الآنفين من أن يكون له - سبحان - ولد، وقال ابن عباس والسدى: المعنى ما كان للرحمن ولد، يجعل (إن) بمعنى (ما) ويكون الكلام على هذا تامًّا. ثم يبتدئ ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي: الموحدين من أهل مكة على أنه لا ولد له، والوقف على العابدين تام. ٨٢ - ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)﴾: أي: تنزيها وتقديسا لله - تعالى - عما يصفونه به من كونه - سبحانه - له ولد، وتعاليا عن كل ما يقتضي الحدوث؛ لأنه واحد أحد فرد صمد. وفي إضافة رب إلى أعظم الأجرام وأقواها تنبيه على أنها وما فيها من المخلوقات تحت ملكوته وربوبيته ، فكيف يصور أن يكون شيء منها جزءا منه، وفي إعادة الاسم الجليل تفخيم لشأن العرش. ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾

стр. 4463

المفردات: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ أي: فاتركهم يدخلوا في باطلهم، يقال: خاض في الأمر: دخل فيه. (ويلعبوا) بكل ما يريدون، واللُّعْبَةُ وزن غرفة: ما يُلعب به، والفعل من باب فرح. ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ وهو يوم القيامة الذي وعدوه. التفسير ٨٣ - ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾: هذه الآية أُخرجت مخرج التهديد لكفار مكة حين كذبوا بعذاب الآخرة. والمعنى: فاتركهم - أيها النبي - حيث لم يذعنوا للحق - اتركهم - يدخلوا في باطلهم وضلالهم ويلعبوا في دنياهم ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ وهو يوم القيامة الذي وعدوه، وسوف يلاقون فيه مصيرهم حيث تحل بهم الشدائد والأهوال التي هي فوق الاحتمال، وقال عكرمة وجماعة: إنه يوم بدر وقد وُعِدُوا الهلاك فيه. ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾

стр. 4464

المفردات: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ أي: الحكيم في تدبير خلقه، العليم بمصالحهم ما كان وما يكون. (وتبارك) من: البركة واليمن، أي: هو سبحانه المتصف بهما. (إلا من شهد بالحق) وهو التوحيد. (فأنى يؤفكون) أي: فكيف ينقلبون وينصرفون عن عبادته تعالى؟! من أفَكَ يأفِك إفْكا، بمعنى كذب … إلخ. (وقيله يا ربِّ): القيل والقول والقال والمقال واحد. ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ أي: فأعرض عنهم. ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾ أي: تَسَلُّم منكم ومتاركة، وليس المراد أمره ﷺ بإلقاء السلام عليهم. التفسير ٨٤ - ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾: هذا تكذيب للمشركين في أن لله شريكًا وولدا، وتقرير لوحدانيته - تعالى - والمعنى: أنه - سبحانه - هو المستحق للعبادة في السماء وفي الأرض؛ فكل من فيهما خاضعون له أذلاء بين يديه. وفي ذلك نفى للآلهة السماوية والآلهة الأرضية، وإثبات الأُلوهية لله وحده مختصة به لا تتعداه إلى غيره. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ أي: الحكيم في تدبير شئون خلقه العليم بأحوالهم، ما كان منها وما يكون، وهذا بيان لاختصاص الألوهية به - تعالى - ونفيها عن سواه لأن من لا يتصف بكمال الحكمة والعلم لا يستحق الألوهية. ٨٥ - ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾:

стр. 4465

استمرار في تقرير وحدانيته - تعالى - وأنه لا شريك له في شئون الكون خلقًا وملكًا وتدبيرا وتصرفا. والمعنى: تعظَّم وتعالى الذي له وحده كمال التصرف في السموات والأرض وفيما بينهما من مخلوقات الجوِّ المشاهدة وغيرها ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: وقت قيامها ويراد بها يوم القيامة، أي: وعنده العلم بالزمان الذي تقوم فيه القيامة. وفي تقديم الخبر في قوله - سبحانه -: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إشارة إلى استئثاره بعلم ذلك ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للجزاء على ما اقترفتم من آثام، والالتفات إلى الخطاب للتهديد. ٨٦ - ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: بيان لعجز آلهتهم وإشادة بمكانة التوحيد. والمعنى: ولا يملك آلهتهم الذين يدعون من دون الله الشفاعة كما زعموا أنهم شفعاؤهم يوم القيامة ونصراؤهم عند الشدائد والأهوال ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ وهو التوحيد؛ فإن هؤلاء هم الذين يشفعون عند الله في المؤمنين المقصرين، وقال ابن عباس: أي: إلا من شهد بأنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فيشفعون للمؤمنين إذا أذن لهم، ويراد بهم عيسى وعزير والملائكة وأضرابهم ﵇ فإنهم يشهدون بالحق والتوحيد لله ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ حقيقة ما شهدوا به واعتقدوه، والآية تفيد أن الشهادة على غير علم بالمشهود به لا يعوَّل عليها، وقال مجاهد وغيره: المراد بمن شهد بالحق المشفوع فيهم كأنه قبل: ولا يملك هؤلاء الملائكة وأضرابهم الشفاعة في أحد إلا فيمن وحد عن إيقان وإخلاص.

стр. 4466

وإفراد الضمير في قوله: (شهد بالحق) وجمعه في قوله: (وهم يعلمون) باعتبار لفظ مَنْ ومعناها. ٨٧ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾: أي: ولئن سألت العابدين والمعبودين عمن خلقهم ليقولن: خلقنا الله لا الأصنام ولا الملائكة لتعذر المكابرة في ذلك مع فرط ظهوره ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: أي: فكيف يُصرفون عن عبادته ويصرفون عنها إلى عبادة غيره، ويشركونه معه مع إقرارهم بأنه - تعالى - خالقهم جميعًا، أو مع علمهم بإقرار آلهتهم بذلك والمراد التعجب من إشراكهم مع رجاء شفاعتهم لهم وهم يعترفون بأن الله خالقهم، وقيل المعنى: ولئن سألت الملائكة وعيسى (من خلقهم) لقالوا: الله، ومعنى (فأنَّى يؤفكون) أي: فكيف يؤفك هؤلاء المشركون ويصرفون وينقلبون عن الحق في ادعائهم إياهم آلهة. ٨٨ - ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾: الكلام خارج مخرج التحزن والتحسر والتشكى من عدم إيمان أولئك الذين أشركوا بالله، أي: وعند الله علم الساعة، وعدم قول الرسول ﷺ -: (يارب إن هؤلاء .. ) الآية بعطف قيله علي الساعة من قوله - تعالى -: (وعنده علم الساعة) وقيل: إن الواو للقسم، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ جوابه، وفي الإقسام به من رفع شأنه ﵇ وتفخيم دعائه والتجائه إليه - تعالى - ما لا يخفى. وخلاصة المعنى: أن رسول الله ﷺ التجأ إلى ربه يشكو قومه الذين كذبوه، وعبدوا غير الله. بما يشير إلى التحسر والتحزن والتشكّى من عدم إيمانهم، وأشار ﵇ إليهم بهؤلاء، دون قومى، تحقيرًا لهم، وبراءة منهم لسوء حالهم. والمراد من الإخبار بعلمه أنهم لا يؤمنون وعيده إياهم حيث تمسكوا بشركهم، وأبوا أن ينقادوا لدعوة الإيمان.

стр. 4467

٨٩ - ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾: أي: فأعرض - أيها النبي - عن هؤلاء الكفار من مشركى مكة، ولا تطمع في إيمانهم لشدة كفرهم وعنادهم، وقل لهم: أمرى تسلُّم منكم ومتاركة لكم، فليس ذلك أمرا بتحيتهم والسلام عليهم، وإنما هو أمر بالتباعد عنهم، والتبرؤ منهم … ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: فسوف يعلمون عاقبة إجرامهم وتكذيبهم بما يلاقونه من جزاءٍ عادل ينزل بهم حين يسأل المرء عما قدمت يداه، وهو وعيد وتهديد للمشركين، وتسلية للرسول ﷺ .

стр. 4468

" سورة الدخان" هذه السورة مكية وآياتها تسمع وخمسون، وسميت بسورة الدخان لقوله - تعالى - فيها: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ وهي تناسب ما قبلها في أنه ختم ما قبل بالوعيد والتهديد حيث قال تعالي: (وقل سلام فسوف يعلمون) وافتتح هذه بالحديث عن القرآن الكريم ثم عقب بالإنذار الشديد لهؤلاء المشركين بقوله تعالى: (إنا كنا منذرين) وقوله - سبحانه -: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ كما ذكر - تعالى - هناك قول الرسول ﷺ : (يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون) وهنا نظيره فيما حكى عن موسى ﵇ (فدعا ربه أن هؤلاء قوم لا يؤمنون) إلى غير ذلك من المناسبات بين السورتين. أهم أهداف السورة: تحدثت عن نزول القرآن الكريم في ليلة مباركة وهي ليلة القدر، وبينت شرف تلك الليلة العظيمة التي تُفصل فيها أمور الخلق وتقدر، وقد اختارها الله لإنزال آيات التنزيل هُدًى لعباده ورحمة بهم وذكرت آيات التوحيد، والآيات التي تكشف عن أحوال الكفار، وعرضت حديث موسى وبنى إسرائيل وفرعون. وكشفت عما حل بقوم فرعون وبينت عاقبة أمرهم وردت على منكرى البعث من مشركى قريش. وأشارت إلى أن هؤلاء الكذبين ليسوا بأكرم على الله من الأمم الطاغية التي تعرضت لانتقام الله وإهلاكه جريا على سنته - سبحانه - مع الطغاة المجرمين، ثم أكدت أن يوم القيامة هو موعد الفرق بين جميع الخلائق، وختمت السورة بتسجيل ذل الكفار بالعقوبة وبيان ما يحيق بهم. وعزّ المؤمنين في الجنة بتفصيل ما ينالونه من نعمة وكرم، ومنزلة الرسول ﷺ وشرفه بتيسير القرآن على لسانه في قوله - تعالى -: (فإنما يسرناه بلسانك) كما بدأت بالحديث عنه.

стр. 4469

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)﴾ المفردات: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أي: والقرآن الواضح للمتدبرين، من أبان: بمعنى اتضح. ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾: كثيرة البركة، هي ليلة القدر على الأصح. ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: يفصل ويبين كل أمر ذي حكمة وهو ما قضاه الله من أحوال العباد وحاجاتهم في هذه الليلة المباركة، ومن أعظمها نزول القرآن. (إن كنتم موقنين) أي: تريدون اليقين وتطلبونه. كما يقال: فلانٌ يُتْهِمُ أي: يريد تِهَامة. (بل هم في شك يلعبون) أي: في تردد ولعب فيما يظهرونه من الإيمان والإقرار بأن الله خالقهم.

стр. 4470

التفسير ١ - (حم) سبق الحديث مفصلًا عن حروف المعجم التي افتتحت بها أوائل بعض السور ولا سيما أول سورة البقرة. ٢، ٦ - ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾: أقسم الله سبحانه بالقرآن المظيم تشريفا له وتنويها بعلو قدره حيث قال: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ وأشار جواب هذا القسم إلى أن إنزاله في ليلة ذات فضل وبركة لما ينزل الله على عباده فيها من البركات والخيرات بنزوله المستتبع للفوائد الدينية والدنيوية بأجمعها حيث قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وهي ليلة القدر على الأصح بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١) وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٢) ويراد من إنزاله فيها أنه ابتدئ إنزاله كما قيل، أو أُنزل جملة فيها إلى السماء الدنيا من اللوح المحفوظ، ثم نزل به جبريل ﵇ على الرسول منجما في ثلاث وعشرين سنة علي حسب الأسباب، وقيل: كان ينزل منه في كل ليلة من ليالى القدر إلى سماء الدنيا ما ينزل في سائر السنة. وفي تعيين هذه الليلة من شهر رمضان أقوال كثيرة، أشهرها: أنه أنزل في إحدى ليالى الوتر من العشر الأخير منه، ومنهم من قال: إنها ليلة السابع والعشرين منه، وهو المشهور بين الناس. ومن العلماء من قال: إن الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان، وقال القرطبي نقلا عن الزمخشرى: وليس في ليلة النصف من شعبان حديث في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليها، وفي البحر قال الحافظ أبو بكر ابن العربي: لا يصح فيها شيء ولا نسخ الآجال فيها، وعلق الآلوسي على ذلك بأنه لا يخلو من مجازفة، والله أعلم. (إنا كنا منذرين): استئناف مبين لما يقتضي الإنزال كأنه قال: إنا أنزلناه لأن من شأننا ألا نترك الناس دون إنذار وتحذير من العذاب رحمة بهم لنلزمهم الحجة

стр. 4471

﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: استئناف كالذى قبله، فإن كونها مفرق الأُمور المحكمة يستدعي أن ينزل فيها القرآن الذي هو من عظائمها، ومعنى يفرق أنه يكتب ويفصل فيها كل أمر حكيم بمعنى محكم أو منزل على ما تقتضيه الحكمة من بيان أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم، فهي مبتدئة من هذه الليلة إلى الليلة الأخرى من السنة القابلة. وهذا الأمر لا يغيّر ولا يبدل بعد إبرازه للملائكة، بخلافه قبله وهو في اللوح المحفوظ، فإن الله يمحو منه ما يشاءُ ويثبت، قال ابن عباس: يحكم الله أمر الدنيا إلى قابل في ليلة القدر ما كان من حياة أو موت أو رزق، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ربيعة بن كلثوم قال: كنت عند الحسن فقال له رجل: يا أبا سعيد ليلة القدر في كل رمضان هي؟ قال: إي والله إنها لفي كل رمضان، وإنها لليلة يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضى الله تعالى كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها، وروى هذا التعميم عن غير واحد من السلف، قال ابن عيسى: هو ما قضاه الله في الليلة المباركة من أحوال عباده ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ منصوب علي الاختصاص، أي: أعنى بهذا الأمر أمرا عظيما حاصلا من عندنا. والمراد بالعندية أنه أمر على وفق الحكمة والتدبير، فهو بيان لفخامته الإضافية بعد بيان فخامته الذاتية بقوله - سبحانه -: ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. وحاصل المعنى: أن جميع ما نقدره في تلك الليلة، وما نوحى به إلى الملائكة من شئون العباد أمر من جهتنا علي مقتضى حكمتنا وتدبيرنا. فزاد بذلك فخامة وجلالا. ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ بدل انتقال من (إنا كنا منذرين) لتفصيله أي: إنا أنزلنا القرآن؛ لأن من شأننا إرسال الرسل بالكتب إلى العباد لأجل إفاضة رحمتنا عليهم، أو لاقتضاء رحمتنا بهم التي سبقت إرسالهم بالشرائع، ووضع الرب موضع الضمير فقيل: رحمة من ربك. ولم يقل مِنَّا للإيذان بأن الربوبية تقتضى الرحمة على المربوبين وإضافته إلى ضميره ﵊ لتشريفه. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: إنه هو السميع لكل مسموع من أقوال العباد، العليم بكل معلوم من أحوالهم وذلك تحقيق لربوبيته وأنها لا تكون إلا لمن هذه أوصافه.

стр. 4472

وحاصل المعنى للآيات السابقة: أنه تعالى أنزل القرآن على رسوله ﷺ في ليلة القدر المباركة التي يبين فيها للملائكة كل أمر حكيم من الأمور المتعلقة بعباده، التي تصدر من جهته - تعالى - وفق الحكمة والتدبير، ومن أجلِّها وأعظمها القرآن، وقد أنزله الله على رسوله ﷺ رحمة بالعباد جريا على سنته في خلقه حيث أرسل الرسل بالكتب لإفاضة رحمته سبحانه بهم، وهو يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم. ٧ - ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧)﴾: أي: إن كنتم موقنين في اعترافكم بأنه تعالى رب السموات والأرض وما بينهما وخالقهن، إذا سئلتم من خلقهن يلزمكم الاعتراف بأن من حقه إرسال الرسل وإنزال الكتب؛ لإرشاد الخلق بأنه لا معبود سواه، ولذا عقبه بقوله: ٨ - ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾: الآية مستأنفة مقررة لما قبلها، أي: لا رب غيره، ولا معبود سواه يحيى الأموات ويميت الأحياء وهو خالقكم وخالق من تقدم من آبائكم. وإليه المرجع والمآب، فإذا كان هذا شأنه فما لكم أيها المشركون لا تتقون تكذيب محمَّد ﷺ حتى لا ينزل بكم العذاب الأليم حيث تفقدون الولى والنصير. ٩ - ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)﴾: إضراب إبطالي أبطل به إيقانهم المزعوم في قوله تعالى: (إن كنتم موقنين) لعدم جريانهم على مقتضاه، أي: ما قالوا ذلك عن جد وإذعان، وإنما قالوه تقليدا لآبائهم، وهم في شك مما ذكر من شئونه تعالي، لعدم التفاتهم إلى البراهين القاطعة، وقيل: يلعبون. يضيفون إلى النبي ﷺ الافتراء استهزاءً. شأنهم شأن الصبى الذي يلعب فيفعل ما لا يدرى عاقبته. والالتفات عن خطابهم إلى الغيبة إعراض عنهم لفرط عنادهم وعدم التفاتهم.

стр. 4473

﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُوالْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ المفردات: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ أَي: فانتظر أَيها النبي. ﴿بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ أَي: واضح بيّن، ويراد به الغبار المتصاعد بسبب الجَدْب. ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ أي: يشملهم ويحيط بهم. ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أَي: من أَين لهم الاتعاظ بشئٍ مما شاهدوه، والذكرى والذكر بمعنى واحد. ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾: أَعرضوا مكذبين. ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ أي: نعاقب بشدة، من بَطَش يبطِشُ - بكسر الطاءِ وضمها - إذا أَخذه بعنف وقوة. التفسير ١٠، ١١ - ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: تسلية للرسول ﷺ وتهديد ووعيد للمشركين. والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ لترتيب الارتقاب أَو الأَمر به على ما قبلها. فإن كونهم في شك ولعب مما جاءَهم به رسولهم

стр. 4474

يقتضي ترقب عذابهم، والمعنى: فانتظر أَيها النبي عذابهم يوم تأتي السماءُ بجدب ومجاعة، فإن الجائع جدا يرى بينه وبين السماءِ كهيئة الدخان، وهي ظلمة تعرض للبصر لضعفه، فيتوهم ذلك، فهو كناية عنه، وفسر أَبو عبيدة الدخان به، وبعض العرب تسمى الشر الغالب دخانا، ووجه ذلك أَن الدخان مما يتأَذى منه فأُطلق على كل مؤذ. وسبب نزول الآية: أَن قريشا لما استعصت على الرسول ﷺ وأبى أكثرهم الإسلام. دعا عليهم فقال: "اللهم أَعِنى عليهم بسبع كسبع يوسف". فأَصابهم قحط شديد وبلاءٌ حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام. وكنى عنه بالدخان لِمَا تقدم بيانه، وكلما اشتد الجدب اشتد الدخان تكاثفًا. فكان الرجل يحدث الرجل فيسمعه ولا يراه وذلك قوله - سبحانه -: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ أي: يضمهم ويحيط بهم. وقيل: هو يوم فتح مكة كما في البحر عن عبد الرحمن الأعرج أَنه قال: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ﴾ هو يوم فتح مكة، ويُروى عن أبي هريرة أَنه قال: كان يوم فتح مكة دخان وهو قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ وقال الآلوسي: يحسن على هذا القول أن يكون كناية عما حلَّ بأَهل مكة في ذلك اليوم من الخوف والذل ونحوهما، وقيل: إنه دخان يأْتي من السماء قبل يوم القيامة، وهو شَرَط من أشراطها. قاله عليّ - كرم الله وجهه - وابن عمر وابن عباس وغيرهم ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: يقول الله لهم ذلك تهويلا وتقريعا. وقيل: إن الناس هم القائلون لذلك حينما يرون الدخان، أَي: أَنه عذاب شديد الأَلم بالغ الأَثر. والإِشارة بهذا للدلالة على قرب الوقوع وتحققه. ١٢ - ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾: الآية - كما صرح به غير واحد من المفسرين - وعد منهم بالإيمان إن كشف عنهم - جل وعلا - العذاب، وكأَنهم قالوا: ربنا إِن كشفت عنا العذاب آمنا. ولكنهم عدلوا عنه إلى ما في النظم الكريم حيث قالوا: ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ إظهارا لمزيد الرغبة في الإِيمان. كما في بعض الروايات أَنه لما اشتد القحط بقريش مشى أَبو سفيان ومعه نفر إلى رسول الله ﷺ

стр. 4475

يناشدونه الله تعالى والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وزال عنهم ما بهم أَن يؤْمنوا، وذلك قولهم: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ وهذا قول ابن عباس وابن مسعود ﵄ وبه أخذ مجاهد ومقاتل وهو اختيار الفراء والزجاج. ١٣، ١٤ - ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾: رد لكلامهم بنفى صدقهم في الوعد بالإيمان. حيث إن غرضهم هو كشف العذاب عنهم والخلاص منه فحسب، أَي: من أَين لهم التذكر والاتعاظ والوفاءُ بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب عنهم ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أي: والحال أَنهم شاهدوا من دواعى التذكر، وموجبات الاتعاظ ما هو أعظم وأَدخل في الادكار من كشف العذاب، حيث جاءَهم رسول بَيِّن الرسالة مؤَيد بالآيات الواضحة. والمعجزات القاهرة التي تخر لها صم الجبال، لبيان مناهج الحق وشواهد التوحيد، ومع هذا لم يؤْمنوا به بل كذبوه ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ أي: ثم انصرفوا عن ذلك الرسول المؤَيد من الله وظلوا كافرين بعد ما شاهدوا منه ما شاهدوه من العظائم الموجبة للإقبال عليه، والتعبير بثم للاستبعاد أو التراخى الرُّتْبى، ولم يكفهم التولى عنه، والإعراض عن اتباعه، بل بهتوه ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ يعلمه غلام أعجمى لبعض ثقيف، كما قالوا عنه: مجنون لا يعى ما يقول، فهل يتوقع من قوم هذه طبيعتهم أن يتأثروا بالعظة والتذكير؟!. ١٥، ١٦ - ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾: والمعنى: أَننا نكشف عنكم العذاب كشفا قليلًا، أَو زمانا قليلًا، لأَنكم عائدون إلى ما كنتم عليه من العتو والثبات على الكفر، وقد تحقق كلاهما حيث كشف الله عنهم العذاب بدعاءِ النبي ﷺ ، فما لبثوا أن عادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، ومن قال إن الدخان يكون قبل يوم القيامة وهو شَرَط من أَشراطها قال بإمكان الكشف وعدم انقطاع التكليف.

стр. 4476

﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ أي: واذكر يوم نبطش بالكفار البطشة الكبرى حيث يؤْخذون بقوة وشدة. أخرج ابن جرير وعبد بن حميد بسند صحيح عن عكرمة قال: قال ابن عباس: البطشة الكبرى: يوم بدر لما وقع فيه من قَتْلٍ وأَسْر وتَشْريد لمشركى قريش، واختار ابن كثير أَنها يوم القيامه وكونها يراد منها يوم القيامة هو الأَنسب. قال الرازى: القول الثاني أَصح؛ لأَن يوم بدر لا يبلغ هذا المبلغ الذي يوصف به هذا اليوم العظيم، ولأن الانتقام التام إنما يحصل فيه. ولمّا وصفت البطشة بأَنها الكبرى وجب أَن تكون أَعظم أَنواع البطش على الإِطلاق، ولا شك أَنها لا تكون إلا يوم القيامة ﴿إنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ أي: يومئذ ننتقم من هؤلاء المشركين انتقامًا قويا شديدا يظهر أَثره فيهم. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ المفردات: ﴿فَتَنَّا﴾: اختبرنا وامتحنا. ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾: أن أسلموا لي بني إسرائيل. أَو أَجيبوا دعوتى وصدقوا رسالتى. ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾: ألاَّ تتجبروا وتتكبروا على الله بالاستهانة بوحيه ورسوله. ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: حجة واضحة لا سبيل إلى إنكارها. ﴿عُذْتُ بِرَبِّي﴾: التجأْت إليه، وتوكلت عليه.

стр. 4477

﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾: أَن تقتلوني رجمًا بالحجارة؛ أَو بغير ذلك. ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾: فخلونى واتركونى كفافا لا لِيَ ولا عليّ. التفسير ١٧ - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: حكت الآيات السابقة على هذه الآيات أحوال مشركى مكة، وما كان منهم من معارضة دعوة النبي ﷺ وتورطهم في العناد وإلحاق العذاب بالمؤمنين، وتماديهم في ذلك حتى استحقوا ما وقع عليهم من عذاب أَليم، بدخان مبين غشيهم من كل صوب وناحية، واضطرهم أَن يلجئوا إلى الرسول ﷺ ليدعو لهم برفع العذاب عنهم فقد آمنوا وتابوا؛ وقد كشف الله عنهم العذاب قليلا، وهو عليم بحقيقتهم. وسوء طويَّتهم إمهالًا لهم إلى الانتقام الأَعظم والبطشة الكبرى يوم القيامة إِن أَصروا على كفرهم ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ وجاءت هذه الآيات تقرِّر أن فتنة مشركى مكة لم تكن بدعا من النفوس البشرية ولا حَدَثا فريدًا في الطبيعة الإنسانية، وإنما جرت فيهم على سنن ما جرت عليه في قوم فرعون وغيرهم من الأُمم السابقة. والمعنى: ولقد امتحنا واختبرنا قبل مشركى مكة قومَ فرعونَ بإرسال موسى ﵇ إليهم فلم يكن منهم إلاَّ التمرد والعصيان، وأَصل الفتنة: وضع المعدن في النار وَصَهْرُه لِتُعرف جودته وينفى خبثه، أَي: عاملناهم معاملة المختبر الممتحن ليظهر حالهم، وتتضح حقيقتهم، فأمهلناهم، ووسعنا عليهم في الرزق ووفرة النعمة، فيكون معنى الفتنة ما يفتن به الشخص ويغترَّ به فيصرفه عما فيه صلاحه، كما في قوله - تعالى -: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (١) ومعنى ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ أي: وشاهدوا من دواعى التذكر، وموجبات الاتعاظ ما يوجب السمع والطاعة حيث جاءَهم موسى ﵇ وهو كريم على الله، كريم في نفسه، متصف بالخصال الحميدة، والصفات الجليلة حسبًا ونسبًا،

стр. 4478

لأَن الله تعالى لم يبعث نبيًّا إلاَّ في أَحساب قومه، وأَشرف أَنسابهم، جامعًا لأَنواع المحامد، وكريم المنافع. ١٨، ١٩ - ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: هذا مقول على لسان موسى ﵇ لفرعون وقومه. والمعنى ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ وطلب منهم فقال: ﴿أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ أَي: أَطلقوا معى بنى إسرائيل، وخلصوهم من الاستعباد والذُّل، والعذاب والتسخير، فهو كقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (١) والتعبير عنهم بعباد الله للإشارة إلى أَن استعبادهم ظلم وطغيان، ويجوز أَن يكون المعنى: أَدوا إلي ما آمركم به، وأَدعوكم إليه من الإيمان. وقبول الدعوة، فيكون المقصود بعباد الله قوم فرعون. وقوله - تعالى -: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ تعليل لوجوب المأْمور به، أَي: أَدوا إِلي مما أَدعوكم إليه، فإِني رسول من الله، أمين على ما أُؤَديه، وأدعوكم إليه، قد ائتمننى ربي - جل شأْنه - على وحيه وصدقنى بالآيات الباهرة، والمعجزات الظاهرة. ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: أَدُّوا إلى عباد الله ولا تتجبروا ولا تتكبروا على الله بالاستعلاء على أَمره، والاستهانة بوحيه ورسوله، لأَنى آتيكم من جهته - تعالى - بسلطان مبين، وحجة واضحة في ذاتها. موضحة صدق دعواى لا سبيل إلى إنكارها، ولا إلى الإنكار عليّ في تبليغها. وقال قتادة: "لَا تبغوا عَلَى الله" وقال ابن عباس: "لا تفتروا على اللهِ" والفرق بين البغى والافتراء أَن البغْىَ بالفعل والافتراءَ بالقول. وفي ذكر الأَمين بعد الأَمر بالأَداءِ، والسلطان بعد النهي عن العلو والاستكبار - فيه - من روعة الأُسلوب وجزالة التنسيق ما لا يخفى.

стр. 4479

٢٠، ٢١ - ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾: قيل إنه لمَّا قال: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ توعدوه بالقتل فقال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي .. ﴾ الآية. أي: التجأْت إليه وتوكلت عليه ليحفظنى من شركم، ويعصمنى من كيدكم، فلا ينالنى منكم أذى من شتم أَو ضرب أَو رجم بالحجارة، وإِن دمتم على كفركم، وعنادكم؛ ولم تؤمنوا لي وتصدقوا دعوتى فاعتزلونى واجتنبونى وامنعوا عني شركم وكفوا أَذاكم فليس ذلك جزاء من يدعوكم إلى ما فيه فلا حكم. ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ المفردات: ﴿فَأَسْرِ﴾: أمر من أَسْرَى، أَي: فَسِرْ بهم ليلًا، وسرى من غير همز بمعنى سار ليلًا. ﴿رَهْوًا﴾: مفتوحا، ويصح أن يكون ﴿رَهْوًا﴾ بمعنى (ساكنًا) أَي: اترك البحر ساكنا على هيئته بعد ما جاوزته، من رها البحر: إذا سكن، وبابه عدا. ﴿جَنَّاتٍ﴾: بساتين.

стр. 4480

﴿وَعُيُونٍ﴾: جمع عين، والمراد عين الماء. ﴿وَنَعْمَةٍ﴾ النعمة - بالفتح -: التنعيم، يقال: نَعَمَ الله فلانا فتنعم، والنِّعمة - بالكسر -: ما أنعم الله به عليك، واليد والصنيعة والمنة، وكذلك النُّعمى. ﴿فَاكِهِينَ﴾: متنعمين، (وقرئَ فَكِهِينَ) بمعنى أشِرِين بطرين لا تؤَدون حق النعمة. التفسير ٢٢ - ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾: لما أَدرك موسى ﵇ تناهى قومه في الكفر وإصرارهم على التكذيب واستيأَس من هدايتهم، وانقطع رجاؤُه في إيمانهم، مع تماديهم في الإيذاء، دعا ربَّه أن يعذبهم وينتقم منهم وينزل بهم ما يستحقون، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ تعريض بالدعاء عليهم بذكر سبب ما يستحقون العقاب، ولذلك سُمِّى دعاء، أَي: دعا رَبَّه بأَن هؤُلاء قوم مجرمون يستحقون تعجيل العذاب، قيل: كان دعاؤُه: "اللهم عجل لهم ما يستحقون بإجرامهم" وقيل: هو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١) ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (٢). ٢٣، ٢٤ - ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾: قوله - تعالى - فأَسر بعبادى على تقدير جملة قولية بعد الفاء، أَي: فقال له ربه عند دعائه: أَسر بعبادى ليلًا، وهم بنو إسرائيل، أَو على تقدير القول قبلها، أي: إذْ كان الأَمر كما تقول فأَسر ببنى إسرائيل ليلا، فقد دبَّر الله أَن تتقدموا ويتبعكم فرعون وجنوده فينجى الله

стр. 4481

المتقدمين، ويغرق التابعين، فمعنى (متبعون): يتبعكم فرعون وجنود، ليلحقوا بكم فيغرقوا، فإن الله - تعالى - قدر عليهم الغرق، قال القرطبي: وسير الليل في الغالب إنما يكون عن خوف، والخوف يكون بوجهين: إما من العدو فيتخذ الليل سترًا مسدلا فهو من أستار الله تعالى، وإما من خوف المشقة على الدواب والأَبدان بحرٍّ أو جدب فيتخذ السرى لذلك، وكان النبي ﷺ يسرى ويُدلج، ويترفق ويستعجل بحسب الحاجة وما تقتضيه المصلحة، وفي الصحيح عن النبي ﷺ : "إذا سافرتم في الخِصْب فأَعطوا الإبل حظَّها من الأَرض، وإذا سافرتم في السَّنةِ (١) فبادروا بها نِقْتها (٢)، ولهذه المعانى ذكر الليل، مع أَن السرى لا يكون إلاَّ ليلًا، وليدل ذكره على أَن ذلك كله وقع في جزء من الليل. ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ هذا تعليم لموسى ﵇ بما يفعله في سيره قبل أن يسير، وقبل أَن يلج البحر، وعبارة الخطيب: "واترك البحر" أَي: إذا سرت بهم، وتبعك العدوّ ووصلت البحر، وأَمرناك بضربه بالعصا ودخلتم فيه ونجوتم منه فاتركه بحاله، ولا تضربه بعصاك ليلتئم، بل أَبقه على حاله ليدخله فرعون وقومه فينطبق عليهم، وقيل: كان ذلك الأَمر بعد أن خرج من البحر وأَراد أَن يضربه ليلتئم. والمعنى: واترك البحر بعد ولوجك فيه وخروجك منه - اتركه - مفتوحًا أَو ساكنًا ثابتا على هيئته عند دخولك فيه، ليلجه فرعون وقومه خلفكم فيغرقوا ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أَي: أَنهم جماعة قدر الله عليهم الغرق في البحر، عقوبة لهم على عنادهم وإصرارهم على الكفر، وتماديهم في التجبر والضلال. ٢٧،٢٦،٢٥ - ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾: هذه الآيات انتقال بالحديث عما وقع لفرعون وقومه من عذاب وجزاء بالإغراق - انتقال من ذلك - إلى خسارتهم ما كانوا فيه من نعمة وشرف، تعظيمًا لعقابهم.

стр. 4482

والمعنى: كثيرًا جدًّا كانت لهم أَموال وخيرات متعددة الأَصناف والأَنواع تركوها في مصر من بساتين كثيرة وجميلة، وعيون ثَرَّة يجرى ماؤُها في قنواتٍ بين الزروع والأَشجار فتزيدها بهجة وروعة، وكم تركوا فيها من زروع مختلفة الأَلوان والمطاعم متفاوتة الأشكال والمظاهر، ومجالس شريفة، ومحافل غاصّة، ونواد خاصّة، وغير ذلك من صنوف النعم وأَلوان الخيرات التي كانوا يتنعمون بها فاكهين متمتعين مسرورين لا يزعجهم إقلال ولا يخافون حرمانا، وقريءَ (فَكِهِينَ) بمعنى أَشِرِين بطرين لم يشكروا هذه النعم ولم يَحمْدُوا عليها. ٢٨، ٢٩ - ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾: أَي: مثل ذلك التنعيم نعمناهم وأَترفناهم فلم يقيموا لها وزنًا فحرمناهم من هذه النعم كلها وأورثناها قومًا آخرين وهم بنو إِسرائيل كما في قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (١) أَي: أَنهيناها إليهم سهلة سائغة في غير جهد ولا مشقة، وصارت لهم بعد أَن كانوا مستعبدين فيها، وصدق الله العظيم: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (٢). والمقصود من هذه الآية أَنهم ورثوا من ملك فرعون في أَرض الشام، التي هاجروا إليها وكانت متابعة لمصر في عهد فرعون، ولم يثبت تاريخًا أَنهم عادوا إلى مصر بعد أَن هاجروا إلى الشام، ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ المعنى: أَنزلنا بفرعون وقومه ما أَنزلنا من إِهلاك وإِغراق واستئصال أموال وأحوال، وأَورثنا ما كان لهم من جنات وعيون وزرع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين أورثناها قوما ليسوا منهم في دين ولا قرابة ولا ولاء، فما بكت عليهم أَرض ولا سماء، لظلمهم وعدوانهم، والمقصود من عدم بكائهما عليهم هوانهم على الله وسائر العالمين، فالآية تمثيل للمبالغة في تهوين شأنهم وتحقير أَمرهم

стр. 4483

وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ معناه: وما كان فرعون وقومه ممهلين ولا مؤَجَّلِين من وقوع العذاب بهم حين جاءَ حينه وحضر وقته - ما كانوا مؤجلين - إلى وقت آخر أَو إلى يوم القيامة بل عُجِّل لهم عذاب الاستئصال في الدنيا لشدة جرمهم. ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ المفردات: ﴿الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾: العذاب البالغ الحد في الإهانة. ﴿عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: متكبرا من المسرفين في الظلم. ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾: على معرفة بحالهم. ﴿الْآيَاتِ﴾: المعجزات. ﴿بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾: امتحان كاشف واختبار واضح. التفسير ٣٠، ٣١ - ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: هذه الآيات تمثل مرحلة أُخرى من قصة قوم فرعون تقرر معانى الآيات السابقة. وتصرح بمفهومها؛ فإن هلاك فرعون وقومه، ومآل ملكهم إلى بنى إسرائيل نجاة أَية نجاة لهم.

стр. 4484

والمعنى: ولقد كان في إهلاكنا فرعون وقومه أَن نَجَّينا بنى إسرائيل، وخلصناهم من الاستعباد والتسخير والعذاب الممعن في المهانة بقتل الأَبناء واستخدام البنات وغير ذلك مما كان يقع عليهم من فرعون ذلك الطاغية المتجبِّر المتناهى في الشدة، المسرف في صنوف الإجرام. وفي التصريح باسم فرعون ما يشعر بأَن مجرد ذكره كاف في تصور ما يصدر منه من العنت والفساد، والتجبر والطغيان. ٣٢، ٣٣ - ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾: تضيف هذه الآيات إلى بني إسرائيل فضلا آخر زائدا على فضل إنجائهم من عذاب فرعون. والمعنى: لم يقف أمرنا مع بني إسرائيل على تخليصهم من فرعون، بل اصطفيناهم واخترناهم عالمين استحقاقهم لذلك بما يصدر عنهم من العدل والإحسان، والفهم والإيمان بعد أَن استقام أَمرهم في أَواخر عهد موسى وفي عهد يوشع بعده، حيث فتح بهم أَريحا، وأَطاح بالشرك في هذا الإقليم، وغير ذلك من حسن السيرة، ولكنهم لم يحافظوا على هذه الاستقامة التي تأَدبوا بها بعد عقابهم في التيه أَربعين عاما، فبغوا في الأرض فسلط عليهم غيرهم، ومعنى ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أَي: عالمى زمانهم، فلا يلزم اصطفاؤهم على أُمة سيدنا محمَّد ﵊ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (١) وقوله - تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٢). وقيل: اصطفيناهم على العالمين بكثرة أَنبيائهم. ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ أي: وأَنزلنا عليهم من المعجزات والبراهين كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغيرها من الآيات ما فيه بلاء مبين

стр. 4485

أَي: اختبار ظاهر وامتحان واضح من النعمة أَو الشدة؛ لأَن البلاءَ يكون بالشدة والرخاء، والحرمان والعطاء ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (١) وما كان من هذه الآيات لموسى ﵇ فهو لهم، أيضًا، ومن أَجل هدايتهم وإِيمانهم، فهو من جملة ما أُوتوه في الجملة. وهكذا عرضت الآيات الشريفة في ثنايا الكلام عن مشركى مكة فتنة قوم فرعون - ونظمتها - في مراحل ثلاث: (الأُولى): إرسال موسى ﵇ إِليهم ودعوته إِياهم من قوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾. (الثانية): دعاؤه عليهم بعد أَن استيأَس من طاعتهم، وضاق بعنادهم وكفرهم واستئصالهم بالغرق وانتقال أَموالهم إلى بنى إسرائيل، من قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾. (الثالثة): ما كان نتيجة طبيعية لهلاك فرعون وقومه من نجاة بني إسرائيل واصطفائهم على عالمى زمانهم أَو بكثرة أَنبيائهم، وإيثارهم بملك فرعون في الأرض المباركة بالشام على علم وبصيرة بأَحوالهم. من قوله - تعالى -: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾
следующие страницы →