المتقدمين، ويغرق التابعين، فمعنى (متبعون): يتبعكم فرعون وجنود، ليلحقوا بكم فيغرقوا، فإن الله - تعالى - قدر عليهم الغرق، قال القرطبي: وسير الليل في الغالب إنما يكون عن خوف، والخوف يكون بوجهين: إما من العدو فيتخذ الليل سترًا مسدلا فهو من أستار الله تعالى، وإما من خوف المشقة على الدواب والأَبدان بحرٍّ أو جدب فيتخذ السرى لذلك، وكان النبي ﷺ يسرى ويُدلج، ويترفق ويستعجل بحسب الحاجة وما تقتضيه المصلحة، وفي الصحيح عن النبي ﷺ : "إذا سافرتم في الخِصْب فأَعطوا الإبل حظَّها من الأَرض، وإذا سافرتم في السَّنةِ (١) فبادروا بها نِقْتها (٢)، ولهذه المعانى ذكر الليل، مع أَن السرى لا يكون إلاَّ ليلًا، وليدل ذكره على أَن ذلك كله وقع في جزء من الليل. ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ هذا تعليم لموسى ﵇ بما يفعله في سيره قبل أن يسير، وقبل أَن يلج البحر، وعبارة الخطيب: "واترك البحر" أَي: إذا سرت بهم، وتبعك العدوّ ووصلت البحر، وأَمرناك بضربه بالعصا ودخلتم فيه ونجوتم منه فاتركه بحاله، ولا تضربه بعصاك ليلتئم، بل أَبقه على حاله ليدخله فرعون وقومه فينطبق عليهم، وقيل: كان ذلك الأَمر بعد أن خرج من البحر وأَراد أَن يضربه ليلتئم.
والمعنى: واترك البحر بعد ولوجك فيه وخروجك منه - اتركه - مفتوحًا أَو ساكنًا ثابتا على هيئته عند دخولك فيه، ليلجه فرعون وقومه خلفكم فيغرقوا ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أَي: أَنهم جماعة قدر الله عليهم الغرق في البحر، عقوبة لهم على عنادهم وإصرارهم على الكفر، وتماديهم في التجبر والضلال.
٢٧،٢٦،٢٥ - ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾:
هذه الآيات انتقال بالحديث عما وقع لفرعون وقومه من عذاب وجزاء بالإغراق - انتقال من ذلك - إلى خسارتهم ما كانوا فيه من نعمة وشرف، تعظيمًا لعقابهم.
стр. 4482
والمعنى: كثيرًا جدًّا كانت لهم أَموال وخيرات متعددة الأَصناف والأَنواع تركوها في مصر من بساتين كثيرة وجميلة، وعيون ثَرَّة يجرى ماؤُها في قنواتٍ بين الزروع والأَشجار فتزيدها بهجة وروعة، وكم تركوا فيها من زروع مختلفة الأَلوان والمطاعم متفاوتة الأشكال والمظاهر، ومجالس شريفة، ومحافل غاصّة، ونواد خاصّة، وغير ذلك من صنوف النعم وأَلوان الخيرات التي كانوا يتنعمون بها فاكهين متمتعين مسرورين لا يزعجهم إقلال ولا يخافون حرمانا، وقريءَ (فَكِهِينَ) بمعنى أَشِرِين بطرين لم يشكروا هذه النعم ولم يَحمْدُوا عليها.
٢٨، ٢٩ - ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾:
أَي: مثل ذلك التنعيم نعمناهم وأَترفناهم فلم يقيموا لها وزنًا فحرمناهم من هذه النعم كلها وأورثناها قومًا آخرين وهم بنو إِسرائيل كما في قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (١) أَي: أَنهيناها إليهم سهلة سائغة في غير جهد ولا مشقة، وصارت لهم بعد أَن كانوا مستعبدين فيها، وصدق الله العظيم: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (٢).
والمقصود من هذه الآية أَنهم ورثوا من ملك فرعون في أَرض الشام، التي هاجروا إليها وكانت متابعة لمصر في عهد فرعون، ولم يثبت تاريخًا أَنهم عادوا إلى مصر بعد أَن هاجروا إلى الشام، ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ المعنى: أَنزلنا بفرعون وقومه ما أَنزلنا من إِهلاك وإِغراق واستئصال أموال وأحوال، وأَورثنا ما كان لهم من جنات وعيون وزرع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين أورثناها قوما ليسوا منهم في دين ولا قرابة ولا ولاء، فما بكت عليهم أَرض ولا سماء، لظلمهم وعدوانهم، والمقصود من عدم بكائهما عليهم هوانهم على الله وسائر العالمين، فالآية تمثيل للمبالغة في تهوين شأنهم وتحقير أَمرهم
стр. 4483
وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ معناه: وما كان فرعون وقومه ممهلين ولا مؤَجَّلِين من وقوع العذاب بهم حين جاءَ حينه وحضر وقته - ما كانوا مؤجلين - إلى وقت آخر أَو إلى يوم القيامة بل عُجِّل لهم عذاب الاستئصال في الدنيا لشدة جرمهم.
﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾
المفردات:
﴿الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾: العذاب البالغ الحد في الإهانة.
﴿عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: متكبرا من المسرفين في الظلم.
﴿عَلَى عِلْمٍ﴾: على معرفة بحالهم.
﴿الْآيَاتِ﴾: المعجزات.
﴿بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾: امتحان كاشف واختبار واضح.
التفسير
٣٠، ٣١ - ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾:
هذه الآيات تمثل مرحلة أُخرى من قصة قوم فرعون تقرر معانى الآيات السابقة. وتصرح بمفهومها؛ فإن هلاك فرعون وقومه، ومآل ملكهم إلى بنى إسرائيل نجاة أَية نجاة لهم.
стр. 4484
والمعنى: ولقد كان في إهلاكنا فرعون وقومه أَن نَجَّينا بنى إسرائيل، وخلصناهم من الاستعباد والتسخير والعذاب الممعن في المهانة بقتل الأَبناء واستخدام البنات وغير ذلك مما كان يقع عليهم من فرعون ذلك الطاغية المتجبِّر المتناهى في الشدة، المسرف في صنوف الإجرام.
وفي التصريح باسم فرعون ما يشعر بأَن مجرد ذكره كاف في تصور ما يصدر منه من العنت والفساد، والتجبر والطغيان.
٣٢، ٣٣ - ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾:
تضيف هذه الآيات إلى بني إسرائيل فضلا آخر زائدا على فضل إنجائهم من عذاب فرعون.
والمعنى: لم يقف أمرنا مع بني إسرائيل على تخليصهم من فرعون، بل اصطفيناهم واخترناهم عالمين استحقاقهم لذلك بما يصدر عنهم من العدل والإحسان، والفهم والإيمان بعد أَن استقام أَمرهم في أَواخر عهد موسى وفي عهد يوشع بعده، حيث فتح بهم أَريحا، وأَطاح بالشرك في هذا الإقليم، وغير ذلك من حسن السيرة، ولكنهم لم يحافظوا على هذه الاستقامة التي تأَدبوا بها بعد عقابهم في التيه أَربعين عاما، فبغوا في الأرض فسلط عليهم غيرهم، ومعنى ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أَي: عالمى زمانهم، فلا يلزم اصطفاؤهم على أُمة سيدنا محمَّد ﵊ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (١) وقوله - تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٢).
وقيل: اصطفيناهم على العالمين بكثرة أَنبيائهم.
﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ أي: وأَنزلنا عليهم من المعجزات والبراهين كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغيرها من الآيات ما فيه بلاء مبين
стр. 4485
أَي: اختبار ظاهر وامتحان واضح من النعمة أَو الشدة؛ لأَن البلاءَ يكون بالشدة والرخاء، والحرمان والعطاء ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (١) وما كان من هذه الآيات لموسى ﵇ فهو لهم، أيضًا، ومن أَجل هدايتهم وإِيمانهم، فهو من جملة ما أُوتوه في الجملة.
وهكذا عرضت الآيات الشريفة في ثنايا الكلام عن مشركى مكة فتنة قوم فرعون - ونظمتها - في مراحل ثلاث:
(الأُولى): إرسال موسى ﵇ إِليهم ودعوته إِياهم من قوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾.
(الثانية): دعاؤه عليهم بعد أَن استيأَس من طاعتهم، وضاق بعنادهم وكفرهم واستئصالهم بالغرق وانتقال أَموالهم إلى بنى إسرائيل، من قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾.
(الثالثة): ما كان نتيجة طبيعية لهلاك فرعون وقومه من نجاة بني إسرائيل واصطفائهم على عالمى زمانهم أَو بكثرة أَنبيائهم، وإيثارهم بملك فرعون في الأرض المباركة بالشام على علم وبصيرة بأَحوالهم. من قوله - تعالى -: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾.
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾
стр. 4486
المفردات:
﴿هَؤُلَاءِ﴾: مشركى مكة.
﴿مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾: الموتة التي نموتها في الدنيا ثم لا نحيا ولا نبعث بعدها.
﴿بِمُنْشَرِينَ﴾: بِمُعادين ولا مبعوثين مرة أُخرى.
﴿تُبَّعٍ﴾: لقب لملك سبأ كلقب كسرى لملوك الفرس، ولقب قيصر لملوك الروم والمراد تبع الحميرى الأكبر.
التفسير
٣٤، ٣٥ - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾:
عادت الآيات إلى ما بدأت به في أَول السورة من الحديث عن مشركى مكة وعنادهم بعد أَن ذكرت طرفا من أَحوال قوم فرعون، ومعارضتهم لموسى ﵇ ومناهضتهم لدعوته، وما حاق بهم من عذاب، تحذيرًا لقريش أَن يصيبهم بسوء صنيعهم ما أَصاب قوم فرعون، وتأسية للرسول ﷺ فهي موصولة بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ قبلها، وبقوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ بعدها.
والمعنى: إن هؤلاء الشركين من قريش ومن غيرهم ليصرون على الكفر والعناد وينكرون في إصرار أَمْرَ البعث والجزاء ويقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أَي: ما العاقبة وما نهاية أَمرنا إلا الموتة الأُولى أَي الوحيدة بعد حياتنا والتي نفارق بها الدنيا ثم لا نعود بعدها، ولا يكون لنا نَشْرٌ ولا عود كما يخبر المؤْمنون وصاحبهم، فالمقصود بقولهم الموتة الأُولى: الموتة الوحيدة التي لا تتكرر، ولا يقصدون إثبات موته ثانية.
٣٦، ٣٧ - ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾:
قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾ استمرار في الحديث عن إنكارهم البعث، قيل: إن مشركى مكة طلبوا من الرسول ﵊ تصديقا لأَخبار البعث أَن يدعو
стр. 4487
الله ليُحيى لهم قصى بن كلاب - وكان في أَيامه كبيرهم ومستشارهم في النوازل - ليشاوروه في صحة النبوة والبعث، فيدل ذلك على صدقكم إِذا أَحييتموه، أَو إِذا سأَلناه فصدقكم، والخطاب في قوله: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾ لمن وعدوهم بالبعث والنشور من الرسول والمؤمنين، أي: فأَحيوا لنا مَنْ مات مِن آبائنا إن كنتم صادقين في دعوى قيام الساعة وبعث الموتى.
ولما كان قولهم هذا ينطوى على جهل، وتجبر واستعلاء بعيدًا عن الحجة جاءَ قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ يهددهم بأَنهم ليسوا أَعظم قوة ولا أَعز منعة من هؤُلاء الأَقوام الذين أَهلكهم الله بسبب إجرامهم.
والمعنى: أَهؤُلاء المشركون المنكرون للبعث خير في القوة والمنعة والجاه والسلطان، أَم قوم تبع الأَكبر الحميرى من أَهل سبأَ الذين كانت بساتينهم عن يمين وشمال والذين من قبلهم من عاد وثمود وأَضرابهم.
وقوله تعالى: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ استئناف لبيان عاقبة أَمرهم، ونهاية بغيهم، كما أَن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ تعليل لإهلاكهم ليعلم أَن أَولئك حيث أُهلكوا بسبب إجرامهم مع ما كانوا فيه من غاية القوة والمنعة فأَنتم بالاستئصال أَهون منهم، لأنكم أَضعف منهم قوة، وأَوهن شأْنًا.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾
стр. 4488
المفردات:
﴿لَاعِبِينَ﴾: لاهين عابثين.
﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾: يوم القيامة الذي يفصل الله بين عباده فيه.
﴿مِيقَاتُهُمْ﴾: موعدهم.
﴿مَوْلًى﴾: صاحب يتولى معونة صاحبه، أَو ولى يتصرف في أُمور وليه، من الولاية.
﴿الْعَزِيزُ﴾: الغالب الذي لا يعجزه شيء.
﴿الرَّحِيمُ﴾: الواسع الرحمة.
التفسير
٣٨، ٣٩ - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
هذه الآيات دخول في بيان حكمة البعث، وإيضاح غايته تعميقا لإيمان المؤْمنين وتسفيها لإِنكار المنكرين.
والمعنى: وما خلقنا السموات والأَرض وما بينهما من عوالم - ما خلقناهما - لاهين بخلقهما لغير غرض، عابثين به في غير غاية - ما خلقناهما وما بينهما - إلا بالحق. ملتزمين بصدق الغاية وتحقيق الحِكمة، وهو أَن ينال كل إنسان جزاء عمله، الخير بالخير والشرّ بالشرّ ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، ولكن أَكثر الناس من الجهل وسفاهة العقل لا يعلمون أن الأمر كذلك فينكرون، مع أَنهم يعلمون أَن الله خالق كل ذلك وأَنه حكيم، وليس من الحكمة أَن لا يبعث الخلائق حتى يأْخذ للمحق حقه، ويعاقب المسئ.
ويجوز أن يكون الاستثناء من عموم الأَسباب، والمعنى: ما خلقنا السموات والأَرض وما بينهما بسبب من الأَسباب إلا بسبب الحق، وهو عبادة الله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ثم بعثهُم وحسابُهم وجزاؤُهم.
стр. 4489
٤٠، ٤١، ٤٢ - ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾:
هذه الآيات تهديد بملاقاة الجزاء بعد تقرير إمكان البعث، وأَنه سيكون، أي: إن يوم القيامة الذي يفصل الله فيه بين الحق والباطل، وبين الحق والبطل، هو موعد الخلق وميقاتهم أجمعين، المؤْمن والكافر، والبر والفاجر، ليواجه كلٌّ جزاءَ ما قدم فإما نارًا وزقومًا وإما جنات ونعيما.
﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: يوم الفصل هذا يوم لا يغنى صاحب عن صاحبه، ولا يعين قريب قريبه، ولا يغنى والد عن ولده ولا ولد عن والده ولا يدفع حليف عن حليفه، ولا تتعصب قرابات، ولا تتناصر صلات ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ (١) لا تجد نصيرًا ولا مجيرًا ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾:
أي: لا يمنع من عذاب يوم الفصل شيء، ولا يمتنع عليه أحد إلا من يتجلَّى الله عليه بالرحمة والعفو وقبول الشفاعة فيه من المؤْمنين، إن الله هو العزيز الغالب الذي لا ينصر أَحدٌ من أَراد عذابه، الواسع الرحمة لمن أَراد أَن يرحمه.
وفي هذا الاستثناء تنفيس لهول الكربة، وانفراج لِبَابِ الرحمة حتى لا ييئس عائذ، ولا ينقطع رجاء لائذ.
стр. 4490
﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾
المفردات:
﴿شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾: شجرة مرة.
﴿الْأَثِيمِ﴾: كثير الإثم، والمراد: الكافر.
﴿الْمُهْلِ﴾: ما يمهل ويصهر في النار حتى يذوب، وقيل: دُرْدِىُّ الزيت.
﴿فَاعْتِلُوهُ﴾: فجروه بعنف ومهانة.
﴿سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾: وسط النار.
﴿تَمْتَرُونَ﴾: تشكُّون.
التفسير
٤٣، ٤٤، ٤٥، ٤٦ - ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾:
هذه الآيات تصوير لنوع من العذاب الذي يتجرعه الكافر في نار جهنم.
والمعنى: إن شجرة الزقوم هذه الشجرة المرة التي تنبت في أَصل الجحيم، طلعها كأَنه رءُوس الشياطين، إن هذه الشجرة طعام الكافر كثير الإثم يطعمها فتنزل في جوفه
стр. 4491
غاية في الحرارة كدُرْدِيِّ الزيت، أَو دردى القطران يغلى في جوفه كغلى الماء الذي بلغ أَعلى درجات الحرارة فيقطع أَمعاءَه.
٤٧، ٤٨ - ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾:
يقال لزبانية جهنم: جرّوه في عنف وشدة واحتقار ومهانة فارموه وسط النار، ثم ضاعفوا عليه العذاب فصبوا فوق رأْسه من هذا العذاب ما يحرق جلده، فيجتمع عليه من العذاب عذاب الباطن والظاهر.
٤٩ - ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾:
وقولوا له - زيادة في الامتهان، وإمعانا في الإِذلال والتقريع والتوبيخ -: ذق وتجرع من صنوف العذاب وألوانه، فلطالما ادّعيت لنفسك في كفرك وغُلَوَائك أَنك أَنت العزيز الذي لا يُذل، الكريم الذي لا يُمتهن ولا يبتذل.
روى أن أبا جهل عمرو بن هشام قال لرسول ﷺ : ما بين جبليها أَعز ولا أكرم مني، فوالله ما تستطيع أنت ولا ربّك أَن تفعلا بى شيئًا. فقد علمت أَنى أمنع أَهل البطحاء وأَنا العزيز الكريم، فنزلت:
٥٠ - ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾:
أي: إن هذا العذاب الذي تقاسون، والجزاء الذي تلاقون، إن هذا ما كنتم تنكرون وتشكُّون فيه، وعدل الأُسلوب من الإِفراد إلى الجمع باعتبار المعنى؛ لأَن المراد جنس الأَثيم.
стр. 4492
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
المفردات:
﴿أَمِينٍ﴾: يأمن صاحبه الآفات، أَو فناءَ نعيمه ونعمه.
﴿سُنْدُسٍ﴾: هو الحرير الرقيق.
﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾: هو الديباج الغليظ شديد البريق.
﴿حُورٍ﴾: جمع حَوْراء، من الحور: وهو شدة سواد العين في شدة بياضها.
﴿عِينٍ﴾: جمع عيناء وهي واسعة العينين.
﴿وَوَقَاهُمْ﴾: وحفظهم.
﴿فَضْلًا﴾: تفضلا.
التفسير
٥٣،٥٢،٥١ - ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾:
حكت الآيات السابقة عذاب الآثمين الكافرين، وعددت ألوانه وصوره، وجاءَت هذه الآيات تعرض نعيم المتقين وهناءَتهم، لتتأَلف سورة متكاملة تمثل هوان الآثمين في
стр. 4493
عذابهم وذلِّهم ومهانتهم، وبهجة المتقين في نعيمهم وعزّهم ومكانتِهم، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة.
والمعنى: إن المؤمنين المتقين الذين حققوا لأنفسهم الأمن، وزكوها بعمله الصالحات الباقيات فَوَقَوْها من العذاب - إن هؤُلاء المؤمنين - ينزلون يوم القيامة في مقام أمين يأمنون فيه من الآفات والمنغصات، ومن كل ما يكرهون، لا يخافون من حرمان أو إقلال أَو فوات.
وقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ بيان للمقام الأمين، وما يحتويه من ألوان النَّعِيم من بساتين مثمرة مورقة، وعيون من الماءِ ثرة، بين الأشجار والزهور دافقة، وملابس متنوعة متفاوتة من رقيق الحرير، وغليظ الديباج الأَخاذ البرّاق مما كانوا يتحاشون استعماله في الدنيا طاعة، وتواضعا، وعزوفًا عن نعيمها، وهم بين هذا كله يتنعّمون بالجلوس على الأرائك متقابلين ينظر بعضهم وجوه البعض ولا يُعْرِض عنه، زيادة في التكريم والنَّعيم.
٥٤، ٥٥ - ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)﴾:
لا تزال الآيات موصولة في وصف نعيم التقين، أَي: الأَمر كذلك، أَو مثل هذه الإِثابة أَثبناهم، وقَرَنَّاهم زيادة في النعيم بحور عين كثيرات، من حور الجنة الجميلات اللاتى ترغب النفس في النظر إلى وجوههن وعيونهن الجميلة.
وقوله تعالى -: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ إشارة إلى أن نعيمهم لا يقف عند ما بين أيديهم وتحت نظرهم،، إنما هو شامل لكل ما يخطر ببالهم من كل ما يشتهون، أَي: يدعون ويطلبون كل ما يحبون وما يشتهون من كل فاكهة فتتوفّر لهم، لا يتخصص شيء منها بزمان أو مكان، آمنين لا يخافون من تعاطيها مضرَّة أَو وجعا أَو قلة أَو نفادا.
٥٦، ٥٧ - ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾:
стр. 4494
أَي: ومن جملة ما يتنعمون به الخلود الدائم في الجنَّة لا يذوقون فيها الموت، ولا يلحقهم إلا الموتة الأُولى التي فارقوا بها الحياة لينعموا بعدها بنعيم الآخرة، والمقصود أَنهم لا يذوقون فيها الموت أَبدا، ولفظ (إلاَّ) بمعنى لكن، أَي: لكن يذوقون الموتة الأولى فحسب.
﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ أي: حقق الله لهم هذا النعيم كله وحفظهم من العذاب وجنبهم دار الجحيم، وفيه الإشارة إلى أَن وقايتهم من عذاب جهنم وحدها أعظم نعمة، وأجلّ تكريم، فكيف إذا انضم إليها كل هذا النعيم.
وإنما خصمهم بذلك، وإن كان أهل الآخرة كلهم لا يموتون، لما في ذلك من البشارة لهم بالحياة الهنيئة في الجنة، فأَمّا من يكون في النار، وفيما هو فيه من الشدة والهول فإنه لا تطلق عليه هذه الصفة؛ لأَنه يموت موتات كثيرة بما يقياسيه من أَهوال، وما يعانيه من عذاب ونكال، ثم يحيى بعد كل موتة ليعود إليه العذاب، وقوله تعالى: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ معناه: هذا الذي نالوه من ألوان النعيم في الجنة نالوه وأعطوه تفضلا من الله وتكرُّمًا، فإِن جمع أعمالهم الصالحة لا تكافيءُ أَبسط نعم الله عليهم في الدنيا. ذلك الذي نالوه هو الفوز المظيم الذي لا فوز وراءَه، لأنه خلاص من المكاره والمعاطب، وتحقيق للمطالب والرغائب.
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾
المفردات:
﴿يَسَّرْنَاهُ﴾: سهلناه.
﴿بِلِسَانِكَ﴾: بلغتك العربية.
﴿فَارْتَقِبْ﴾: فانتظر.
стр. 4495
التفسير
٥٩،٥٨ - ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾:
تنتهى هذه السورة المباركة بمثل ما بدأت به من الحديث عن القرآن الكريم وإنزاله في ليلة مباركة، ليكتمل فيها شرف البدء والختام بالحديث عن أَعظم كتاب وأَصدق كلام.
أي: فإنما أَنزلنا الكتاب المبين بلغتك وسهَّلناه بنزوله قرآنًا عربيا بلسانك ولسان قومك ليسهل فهمه وتدبّره لكي يتذكروا، وينتفعوا بهديه، فيعملوا بموجبه، وإن لم يستجيبوا ويتعظوا فانتظر عاقبة أمرهم، وما يحلّ بهم، فإنهم منتظرون عاقبة أمرك وما يحل بك، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، والعاقبة عند ربك للمتقين.
وفي الآية تكريم للرسول والعرب بنزول القرآن بلسانهم أي تكريم.
стр. 4496
" سورة الجاثية"
سورة الجاثية من جملة سور "آل حم" لباب القرآن وعرائس آياته، وهي سورة مكية، وآياتها سبع وثلاثون آية.
نزلت بعد سورة الدخان على ما هو معروف من نزول سور "آل حم" جملةً مرتبة متتابعة.
وسميت سورة الجاثية لقوله - تعالى - فيها: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ أَي: باركة على الرُّكب مستوفرة، وتسمّى أَيضا سورة الشريعة، وسورة الدهر لذكر هذه الألفاظ فيها، والأصل أن تسمى السورة باسم أَمر ذي بال مذكور فيها، وغلب عليها هذا الأمم لما جاء فيها من الأهوال التي يلقاها الناس يوم الحساب حيث تجثو الخلائق على الرّكب في انتظار الحساب، ويغشاهم من الفزع ما لا يخطر على بال.
وبدأت بالحديث عن القرآن جريا على أسلوب السور التي تبدأُ بِسَرْدِ حروف المعجم، وليتصل أَولها بآخر السورة التي قبلها.
أهدافها:
تناولت هذه السورة العقيدة الإسلامية، وأفاضت في الحديث عنها، والتوسع في تحقيقها، فتكلمت عن الإِيمان، والوحدانية، والرسالة المحمدية، والقرآن والبعث والجزاء.
وقد بدأَت كغيرها من سور "آل حم" بالكلام عن القرآن، وإِنزاله من العزيز الحكيم، ثم غرضت لذكر آيات الله في خلق السموات والأرض، وما بثَّ فيهما من إنسان وحيوان، وبدائع صنع، وروائع حكمة، وتجلَّى هذا في اختلاف الليل والنهار، وتسخير الرياح والأمطار، وإنبات الزرع والأَشجار، وجرى البحور والأَنهار، ثم عرضت لأَحوال الكافرين الذين يصمّون أسماعهم، ويعطلون عقولهم، فلا يتدبرون في هذه الكائنات ولا يتَّعظون بهذه الآيات، ثم تنتقل إلى الحديث عن نعم الله تعالى على العباد، وتسخير ما في السموات وما في الأرض جميعا لتيسير حياتهم، وتسهيل معاشهم، وتُعَقِّب ذلك بأَن لكل واحد جزاءه ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾.
стр. 4497
ثم تتحدث عن بني إسرائيل وما أَفاء الله عليهم من النبوات والحكمة، وما يسّره لهم من الطيبات، وآتاهم من البينات والآيات فلم يكن منهم إلا الخلاف، والاندفاع في الطغيان والانحراف.
ثم تتجه الآيات إلى نبوّة سيدنا محمد ﷺ وأنها جاءت على منهاج واضح، وشريعة مستقيمة يجب اتباعها، والسلوك على هديها، والبعد عن الأَهواء وسلوك سبيل الطغاة الجاحدين الذين لا يفلتون من عذاب الله، ولا يكونون أَبدا كالذين آمنوا وعملوا الصالحات.
ثم خوّفت الآيات في أسلوب شديد من اتباع الهوى والضلال على علم؛ فيختم على السمع والقلب، ويغشى النظر فلا يكون لصاحبه هداية، ويندفع ضلاله فينكر البعث والجزاء، وإذا تتلى عليه آيات الله ولَّى مستكبرا معرضا عن الاتعاظ والاعتبار خلودا إلى الدنيا، وغرورا بها، وكفرا بالله الذي خلقهم، وأحياهم ثم يميتهم ويجمعهم إلى يوم القيامة لا ريب فيه، وتدعى كل أُمة إلى كتابها لتلقى جزاءَها، فأَما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته، وأَما الذين كفروا فيقال لهم: أَلم تكن آياتى تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم مجرمين. فاليوم جزاؤُكم جهنَّمُ لا تخرجون منها ولا تستعتبون.
ثم تنتهى آيات السورة بإثبات الحمد والكبرياء لله ربِّ السموات والأرض العزيز الحكيم.
стр. 4498
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾
المفردات:
﴿حم﴾: حرفان من المعجم.
﴿الْكِتَابِ﴾: القرآن.
﴿الْعَزِيزِ﴾: القوى الغالب.
﴿الْحَكِيمِ﴾: العالم المتقن للأُمور الذي يضع الشيءَ في موضعه.
التفسير
١، ٢ - ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾:
ختمت سورة الدخان بقوله - تعالى -: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ ثم بدأت هذه السورة بالحديث عن القرآن أَيضا تنويها بفضله، وإبرازا لمنزلته ومكانته، وقوله تعالى: ﴿حم﴾ سرد لحرفين من المعجم لا تشكيل على أَواخرهما، والكلام عنهما مثل الكلام عن سوابقهما من السور المبدوءة بحروف المعجم معنى وموقعا وإعرابا وبخاصة سورة البقرة.
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾: أضاف الله تنزيل القرآن إلى نفسه في مواضع من السور استفتاحا بتعظيم شأْنه، وتفخيم قدره، وما اقتضى هذا المعنى لا يكون تكريرا.
стр. 4499
﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾
المفردات:
﴿يَبُثُّ﴾: ينشر ويفرّق.
﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: وتعاقبهما وتفاوت أَحوالهما.
﴿رِزْقٍ﴾: مطر يتسبب عنه الرزق.
﴿أَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾: أحياها بالزروع.
﴿مَوْتِهَا﴾: جفافها ويبسها.
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: اختلاف أحوالها.
التفسير
٣ - ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾:
كلام مستأْنف مسوق للتنبيه على الآيات التكوينية، الآفاقية والنفسية، أي: إِن في خلق السموات وما حوت من كواكب وأَفلاك، وفي خلق الأَرض وما يجرى في جوّها من طيور وسحب، وما يختلف عليها من صحو وغيم، وما يسمع فيها من رعد، ويُرى من برق، وفي خلق الأرض وبسطها وما بث فيها من خلائق وأَجرى فيها من أنهار، وأنبت من زروع، وأَرسى من جبال، وأَبدع من عجائب - إن في هذا كله - لآيات وحججا تدل
стр. 4500
على أَن لها خالقا قادرا. ومدبّرا حكيما، وعالما بصيرا - لآيات - ينتفع بها الذين يطلبون الإِيمان، وينشدون الهداية، ويحسنون التدبّر في الآيات، والإِذعان للمعجزات.
٤ - ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾:
المعنى: وفي خلق الله إياكم، وما ينطوى عليه هذا الخلق من بدائع الصنعة، وعجائب الخلقة، واختلاف الأشكال والأَلوان، والأَلسن والأَجناس، وما يتعاقب عليكم من أحوال وأطوار، منذ أول نشأَتكم، وأَنتم أَجنَّة في بطون أُمهاتكم حتى انتهاء آجالكم، وفي خلق ما يبثّ من دابة، وما ينتشر على الأَرض من أَجناس الحيوانات، وأَصناف الحشرات مما يمشي على بطنه، وما يمشي على رجليه، وما يمشي على أربع أو أكثر، مع اختلاف منافعها، والمقاصد المطلوبة منها - إن في هذا كلِّه - دلائل وبراهين لقوم يطلبون الاطمئنان على وجود الصانع الحكيم، وينشدون اليقين والاستقرار ليصل بهم ذلك إلى الإيمان والتوحيد، والتزام الطاعة، والسلوك السديد.
٥ - ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾:
أَي: وفي اختلاف أَحوال الليل والنهار من التعاقب والطول والقصر، والحرّ والقرّ والنور والظلمة، وما يتبع ذلك من تغاير الفصول، واختلاف المنافع، والمقاصد، وفيما ينزل من السماء من مطر تحيا به الأَرض بعد يبسها وجفافها، فينبت الزرع، ويَحْفُل الضرع، وتجرى الأَرزاق، وتعمر الآفاق، وفي تصريف الرياح فتهب مرة جنوبا وأُخرى شمالا، وحينًا صَبًا بالرحمة وماءِ السحاب، وحينًا دَبُورا تبعث العذاب، وفيما تؤَديه من تزاوج النبات، وتيسير سير السفن في الأَنهار والمحيطات - إن في هذا كله - شواهد صدق وآيات حق لقوم يعقلون الآيات والأدلة، ويحسنون الانتفاع بالعقل فيديرون فيها الفكر والرأْى، ليعلموا أن لهذه الأشياء صانعا حكيما، وخالقا قادرا عظيما.
وفي تنكير الآيات في المواضع الثلاثة تنبيه إلى كثرتها، تفخيمها كمًّا وكيفا،
﴿مِنْ وَرَائِهِمْ﴾ الوراء: اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف وقدام.
﴿الرِّجْزُ﴾: أشد العذاب - ويطلق أَيضًا على القَذر كالرجس.
التفسير
٦ - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾:
هذه الآيات وعيد لمن لم يصدق الآيات السابقة فلا يؤمن بالله وملائكته واليوم الآخر، وبكل ما تجئ به والنبوات من الشرائع.
والمعنى: تلك الآيات من القرآن أَو السورة أَو ما ذكر من السموات والأَرض وما فيهما الناطقة بالبراهين على وجود الله ووحدانيته، وكمال قدرته نقرؤها عليك ونتلوها مقرونة بالصدق، لتبلِّغها وتقرأها عليهم، فلا ينبغي أَن يكون منهم إلاَّ تصديقها والإيمان بها، فإنه ليس وراءها غاية، ولا بعدها بيان، وإذا لم يؤمنوا بها فبأَى حديث بعد حديث الله وآياته المفصلات يؤْمنون ويصدقون، فإنه لا أَبين من هذا البيان، ولا آيات أَوضح من هذه الآيات في صدق الدلالة ونصوع البرهان.
فالمقصود بالحديث القصص القرآنى الذي يستخرج منه عبر تميز الحق من الباطل، والصحيح من الفاسد، عن إلالهيات وأَحوال الآخرة.
٧، ٨ - ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾:
أَيْ: هلاك وعذاب لكل مبالغ الكذب دائم عليه، كثير الإثم ملازم للمعصية.
وقوله - تعالى -: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ بيان لحال الأَفاك المستحق للويل، أو صفة له، أَي: يسمع هذا الأَفاك الأَثيم آيات الله من القرآن الكريم تتلى عليه وتقرأ ثم لا يلبث بعد سماعها أَن يغلبه جهله ويشده عناده وكفره فيعرض عنها ويصرّ على إنكارها، ويقيم على هذا الكفر ويلازمه مستكبرا عن الإيمان بما سمعه متعظَّما في نفسه عن الانقياد للحق مثل غير السامع أَصلًا.
стр. 4503
﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أَي: فأَخبره ساخرا مستهزئا بعذاب بالغ أَقصى غايات الإيلام والإيجاع على إصراره ذلك.
٩، ١٠ - ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾:
كان النضر بن الحارث يشترى أحاديث الأعاجم يلهى بها عن القرآن، ويعارضه، ولما سمع أبو جهل قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ سخر واستهزأ، وأحضر تمرا وزبدا فجمع بينهما، وأَكل منهما وهو يقول في سخرية: هذا هو الزقوم الذي يخوفنا محمَّد به، نحن نتزقمه، أَي: نملأ به أفواهنا، والمعنى: وإذا علم هذا الأَفاك الأَثيم وبلغه شيء من آياتنا من حجج أَو وعيد بادر إلى الاستهزاء بالآيات كلها ولم يقتصر على الاستهزاء بما علمه.
أولئك الكذابون الآثمون لهم عذاب بالغ المهانة توفية لحق استكبارهم واستهزائهم، وقوله - تعالى -: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ الآية:
أَي: من قدامهم جهنَّم؛ لأَنهم متوجهون إليها، وإلى ما أُعدَّ لهم فيها، أو من خلفهم بعد موتهم، فإِن الوراءَ اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أَو من قدّام، ولا يغنى عنهم ما كسبوا من الأولاد والأموال ولا يدفع شيئا من عذاب الله، كما لا يغنى عنهم ما اتخذوا من دون الله من الأصنام شيئًا، وإن زعموا غير ذلك. ولهم عذاب عظيم لا يقادر قدره، واختلاف الفواصل للترقى في وصف العذاب تبعًا لتعاظم الذنب، فالعذاب الأليم جزاءُ الإِصرار على الإِعراض عن الآيات، والعذاب المهين جزاء للاستهزاء بها أَشد وأَبلغ، والعذاب العظيم جزاء أَوفى لاتخاذ آلهة غير الله.
١١ - ﴿هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾:
بهذه الآية تختم آيات الوعيد.
والمعنى: أن القرآن الكريم في غاية الكمال من الهداية كأَنه الهداية نفسها، والذين كفروا به وبآياته لهم عذاب بن أَشد العذاب وأَقساه وقعا وأَلما.
стр. 4504
وتنكير عذاب في المواقع الثلاثة للتهويل، وزيادة التخويف، كما أن وضع آيات ربهم موضع الضمير لزيادة تشنيع كفرهم، وتفظيع حالهم مع التنويه بمنزلة القرآن الكريم.
* ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾
المفردات:
﴿سَخَّرَ﴾: ذلَّل.
﴿بِأَمْرِهِ﴾: بإذنه وتسخيره.
﴿يَغْفِرُوا﴾: يعفوا ويصفحوا.
﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾: لا يتوقَّعون وقائعه بأَعدائه ونقمته فيهم.
﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾: لِيُكَافِئ المؤمنين الغافرين
﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ أي: ومن أساء فعلى نفسه أَساء.
التفسير
١٢ - ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:
بعد أن ساق القرآن فيما تقدم من الآيات أَدلَّة كونية وعقلية على عقيدة الإيمان وتوعد المخالفين الآثمين بما توعّد. ذكر هُنَا بعض نِعَم الله وآلائه، وفضله الَّذى
стр. 4505
منَّ به على عباده، ليشكروه على ما به أَنعم، وليتفكَّروا في بديع صُنْعه، وعظيم قُدرته فقال - سبحانه -: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ … ﴾ إلخ.
والمعنى: الله وحده - لا شريك له - هو الَّذى ذلَّل لكم البحر وهيأَه وأَعده سائلا يطفو عليه ما يتخلخل كالأخشاب، لِتَسير السفن فيه مَاخِرَة عُبَابه، حاملة النَّاس وأَرزاقهم ومتاعهم بأمره - سبحانه - وإذنه، ولتطلبوا من فضله من خيرات البحر ومنافعه بالتّجارة والصيد واستخراج المعادن، ولكى تشكروه على حصول المنافع المجلوبة لكم من الأَقاليم النَّائية، فتُخْلِصُوا له الدين والعبادة.
١٣ - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾:
أي: وذلَّل لكم ما في السموات من شمس وقمر ونجوم لتنتفعوا بحرارتها وضوئِها، وسخر لكم ما في الأرض من دابة وشجر وزرع وبحار وأَنهار وغيرها من جميع ما تنتفعون به ويُسَهِّل لكم سُبُل الحياة، هذه الأَشياء وغيرها كائنة منه، وحاصلة من عنده، فهو مُكَوِّنها ومُوجِدها بقدرته وحكمته ثم سخَّرها لخلقه.
إنَّ فيما ذُكر من نِعَمٍ لآيات عظيمة الشأْن كثيرة العدد لقوم يتفكَّرون ويتدبرون في بدائع صنعه تعالى وعظائم شئونه - جلَّ شأْنه - فإنَّ ذلك يدعوهم إلى الإيمان به والشُّكر له.
١٤ - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾:
سبب النزول:
حكى النَّحاس والمهدوى عن ابن عباس أَنَّها نزلت في عمر ﵁ شتمه مُشرك من غفَارٍ (١) بمكة قبل الهجرة فهم أَنْ يَبْطِش به فنزلت، ورُوِى ذلك عن مقاتل، وهذا ظاهر في كونها مكِّية كأخواتها من آيات السورة (ذكر ذلك الآلوسي والزمخشرى).
وقيل: إنَّ النبي ﷺ وأصحابه نزلوا في غزوة بنى المُصطَلِق على بئر يقال لها (المُرَيْسِيع) فأَرسل ابن أُبيٍّ غلامه ليستقى فأَبطأَ عليه، فلما أَتاه قال له: ما حبسك؟
стр. 4506
قال: غلام عمر قعد على طرف البئر فما ترك أَحدا يستقي حتى مَلأَ قِرَبَ النبي ﷺ وقرب أَبي بكر، فقال ابن أُبي: ما مثلُنا ومثل هؤُلاء إِلا كما قيل: سَمِّن كلبك يأْكُلْك فبلغ ذلك عمر ﵁ فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه فأَنزل الله الآية، وحكاه الإِمام عن ابن عباس أيضًا، وهو يدل على أَنَّها مدنية، وكذلك ما روى عن ميمون بن مهران قال: لما أنزل الله قوله - تعالى -: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا … ﴾ إلخ قال فِنْحَاصُ اليهودى: آحتاج رب محمد؟ فسمع بذلك عمر فاستلَّ سيفه وخرج فبعث النبي ﷺ في طلبه حتى رده، ونزلت الآية. (ذكره الآلوسي).
والمعنى: قل - أيها النبي الكريم - للمؤمنين: اغفروا لمن أَساءَ إليكم فيغفروا ويصفحوا عن الأَذى الذي أَصابهم من الذين لا يتوقعون وقائع الله تعالى، ولا يخافون نقمته عليهم لكفرهم، ولو عقلوا لخافوها وبدلوا بكفرهم إيمانا حتى لا تنزل بهم وقائعه ونقمه، وقد أَمر الله رسوله أن يبلغ المؤمنين أمره - تعالى - بأَن يغفروا لمن أَساءَ إليهم حتى لا يشغلوا أَنفسهم بقتالهم قبل أَوانه ويتركوا أَمر عقابهم لله تعالى فيجزيهم بما كانوا يكسبون.
١٥ - ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾:
الآية مستأْنفة لبيان الجزاء المذكور في الآية السابقة: والمعنى: من عمل صالحًا فلنفسه الأَجر والثواب على عمله، ومن أَساءَ بفعل القبائح وعمل السيئات فَعَلَى نَفْسِه أَسَاء، فعليه وزْرُ عمله وقُبْح فعله، ثم إلى مُرَبِّيكم وخالقكم ومالك أُموركم تُرجعون وتعودون يوم القيامة فيُجَازيكم على أعمالكم خيرًا على الخير، وشرًّا على الشَّر.
стр. 4507
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾
المفردات:
﴿الْكِتَابَ﴾: التَّوراة، أَو هي والزَّبور والإنجيل.
﴿وَالْحُكْمَ﴾: والقضاءَ بين الناس، أَو الفقه في الدين.
﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: وفضَّلناهم بكثير من نِعَم الدنيا على العالمين، أَو فضَّلناهم في الدين على عَالَمِى زمانهم الوثنيين.
﴿بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾: أَدلَّة في أَمر الدِّين ويندرج فيها المعجزات.
﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: ظلما وعداوة وحسدا.
﴿شَرِيعَةٍ﴾: منهاج وطريقة.
стр. 4508
﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ولا تَتَّبع ما لا حجة عليه من آراء الجهال التابعة للشهوات.
﴿هَذَا﴾ أَي: القرآن.
﴿بَصَائِرُ﴾: بينات واضحات.
التفسير
١٦ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾:
والمعنى: ونقسم لقد أَعطينا بنى إسرائيل التَّوراة والزَّبور والإِنجيل والقضاءَ بين النَّاس والحكم بما في هذه الكتب، والنُّبوة المُعْطاةَ من عند الله، حيث أَرسل فيهم كثيرًا من الأَنبياء ﵈ لكثرة أَمراضهم الخلقية وشدة مُخالفتهم، ورزقناهم من المُسْتَلَذَّات والخيرات المتنَوِّعة كالمنِّ والسلوى وغيرهما من خيرات الشام، وفضَّلناهم بكثير من النِّعم في الدنيا - فضلناهم - على العالمين حيث آتيناهم ما لم نُؤْت غيرهم من فلق البحر وإظلال الغمام ونظائرهما، فما رَعَوا هذه النِّعم حق رعايتها، وما شكروا الله عليها، فالمراد تفضيلهم على العالمين من بعض الوجوه، فلا ينافى ذلك تفضيل أُمَّة مُحَمَّد ﷺ عليهم من جهة المرتبة والشَّرف والثَّواب، قال - تعالى -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (١) وقيل: المراد بالعالمين عَالمُو زمانهم.
١٧ - ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾:
وأعطيناهم دلائل ظاهرة وحججًا واضحة في أمر الدين كمعجزات موسى ﵇ وعن ابن عباس: آيات من أَمر النَّبي ﷺ وعلامات مبيِّنة لصدقه، ككونه يُهَاجر
стр. 4509
من مَكَّة إلى يثرب ويكون أَنصاره أَهلها إلى غير ذلك مِمَّا ذكر في كُتُبهم، فما وقع بينهم اختلاف في ذلك الأَمر إِلاَّ من بعد ما جاءَهم العلم، فجعلوا ما يُوجب زوال الخلاف مُوجبا لحُدُوثه وحصوله ظلما وعداوة وحسدا منهم للنبي ﷺ ، وفي ذلك يقول الله - تعالى - في سورة البينة: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ إنَّ رَبك - أَيْهَا الرسول - سيفصل بينهم يوم القيامة بحكمه العدل فيما كانوا فيه يتنازعون ويتفرقون من أمر الدين، وسينال كل ما يستحقُّه من الجزاء، وفي هذا تحذير لأُمَّة محمَّد أَنْ تسلك مَسْلكهم وتنهج منهجهم لئلاَّ يصيبها ما أَصابهم وما سيُصيبهم، ولهذا قال سبحانه.
١٨ - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
ثم جعلناك - أَيهَا الرسول، بعد اختلاف أَهل الكتاب - على طريقة واضحة، ومنهاج قويم من أَمر الدِّين الَّذِي شرعناه لك ولِمَنْ سَبَقَك مِنْ رُسلنا، فاتَّبع ما يُوحى إليك مِنْ ربِّك وهو شريعتك الحقَّة الثَّابتة بالدلائل والحُجَج، ولا تتَّبع ما لا دليل عليه مِنْ آراء الجهال في دينهم الباطل المبنيِّ على البدع والأَهواء.
قيل: المرُاد بهم بنو قريظة والنَّضير، وقيل: رؤساء قريش كانوا يقولون له ﷺ : ارجع إلى دين آبائك، واللَّفظ عام يصدق على كل مُعَوِّق طريق الحقِّ مُضِلِّ عن الصِّراط المستقيم.
ولقد جاءَ في البحر: الشَّريعة في كلام العرب: الموضع الذي يَرد منه النَّاس في الأَنهار ونحوها، فشريعة الله حيث يرد النَّاس منها أمر الله - تعالى - ورحمته والتقرب منه : (ذكره الآلوسي).
١٩ - ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾:
الجملة مستأْنفة وهي تعليل للنَّهى السابق في قوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَي: أَنَّ الطَّامِعِين في اتِّباعك لهم، الباذلين في سببيل ذلك كل نفيس، لن يدفعوا عنك من عذاب الله شيئًا لو اتَّبَعْتهم، وإِنَّ الظَّالمين المتجاوزين حدود الله
стр. 4510
بعضهم أَنصار بعض وأَعوان لهم على الباطل، فلا تُوَالهم باتِّباع أَهوائهم، ودم على ما أَنت عليه مِنْ مُوَالَاتك لله - سبحانه - والإعراض عمن سواه واتِّباع شريعته، فذلك خُلُق المتقين وأنت قدوتهم وإمامهم، والله ناصرهم وَوَلِيهم، وشَتَّان بَيْنَ مَنْ كان وليُّه الشَّيطان ومَنْ كان وليّه الرَّحمن وما أَبْيَن الْفَرْق بين الولايتين.
٢٠ - ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾:
أَي: هذا القرآن الَّذى أُنزل عليك معالم للنَّاس ودلائل تبصِّرهم بالدِّين الحقّ، وهو هُدى يعصمهم من الضَّلالة ويُرْشدهم إلى طريق الخير ومسالك البرّ، ورحمة من العذاب لقوم يطلبون اليقين، فإذا عرفوا دليل الحق آمنوا به ولم يجادلوا فيه.
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾
المفردات:
﴿اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾: اكتسبوا الكفر والمعاصي.
والاجتراح: الاكتساب، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أَهله، أَي: كَاسِبُهم.
стр. 4511
﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: قَبُح ما يقضون به.
﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ أَي: أَنظرت من هذه حالُه فرأَيت (١).
﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾: من اتخذ هواه معبودًا له فخضع له وأَطاعه.
﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أَي: تخلى الله عن هدايته لعلمه أَنه يستحقُّ ذلك، لاخياره له بعد بلوغ العلم إليه وإعراضه عنه.
﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾: وأَغلق سمعه فلا يقبل ما ينفعه، وختم على قلبه فلا يعتقد حقا لإصراره على كفره.
﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾: غطاءً أو ظُلْمَةً فلا يُبصر دواعى الهدى.
﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾: فيمن يهديه من بعد إعراض الله عنه؟ أَي: لا أَحد يهديه.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أَي: أَتتبركون النظر فلا تتعظون.
التفسير
٢١ - ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾:
استئناف مسوق لاستنكار التَّسوية بين حال المسيئين والمحسنين.
سبب النزول:
جاءَ في البحر عن الكلبي أَن عُتبة وشيبة والوليد بن عُتبة قالوا لعليّ - كرم الله وجهه - ولحمزة ﵁ وللمؤمنين: والله ما أنتم على شيء ولئن كان ما تقولون حقًّا لَحَالُنَا أَفضل من حالكم في الآخرة كما هو أَفضل في الدَّنيا، و (أَمْ) في الآية بمعنى بل والهمزة لإنكار الحسبان، أي: بل أحَسِب.
стр. 4512
والمعنى: بل أَحسب الَّذين اكتسبوا ما يسئ إليهم من الكفر والآثام أن نُصَيِّرهم كالذين آمنوا وعملوا الصَّالحات ونُسَوِّى بين الفريقين بعد الممات بالجنة ونعيمها كما يزعم الكافرون؟! قَبُحَ ما يَقْضُون به مِن الحُكْم الجائر الَّذى يُسَوِّى بين المحسنين والمسيئين، فإنهم وإن تساووا محيا في نحو الرزق والصحة لا يستوون مماتا، فالمؤمنون في روضة يحبرون، والكافرون في النار خالدون، وقال الزَّمخشرى: المعنى إنكار أَن يستوى المحسنون والمسيئون محيا وأَن يستووا مماتا لافتراق أَحوالهم في ذلك، والآية مُتَضَمِّنة للرد على الكفَّار كما يُعرف بأدنى تدبّر؛ لأَنَّ الله إِذا أَنكر عليهم المُساواة فكيف بالأَفضليّة؟! قال ابن عطيّة: إنَّ لفظ الآية يعطى أنَّ اجتراح السيئات هو اجتراح الكفر لمعادلته بالإيمان.
٢٢ - ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾:
الآية الكريمة دليل على إنكار حسبانهم السابق؛ لأَن خلق العالم بالحقّ المقتضى للعدل يستدعى انتصاف المظلوم من الظَّالم والتَّفَاوت بين المسئ والمحسن، وإذا لم يكن في الْمَحْيَا كان بعد الممات حقًّا، والمعنى: وخلق الله السَّموات والأرض بالحكمة والصّواب دون العبث والباطل، وأَقام نظامهما على العدل والإِنصاف لتظهر دلائل أُلوهيته وأمارات قدرته وحكمته، ولتُجْزى كلّ نفس بما فعلت من خير أَو شرّ وهم لا يُظْلمُون بنقص ثواب أَو زيادة عقاب، وذلك منه تفضُّل وكرم؛ لأَنَّ الخلق عبيده يفعل بهم ما يشاء، ولكن شاءَت حكمته وعدله ذلك ووعد به، ووعده لا يتخلَّف.
٢٣ - ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾:
стр. 4513
هذا القول الكريم تَعْجِيب مِنْ حال مِنْ ترك مُتَابعة الهُدى إلى مُطاوعة الْهَوَى فكأَنه يعبد الهوى، فالكلام على التَّشبيه.
والمعنى: أَنظرت فرأَيت - أَيها الرسول - حال من اتَّخَذَ إِلهه هواه، فهو مطواع لهوى النَّفس، يتبع ما تدعوه إليه، فكأَنَّه يعبده كما يعبد الرجل إلهه: وقرئ (آلِهَةً هَوَاهُ) لأَنه كان يستحسن الحجر فيعبده، فإِذا وجد ما هو أَحسن منه رفضه إليه أَو أَبقى عليه فكأَنَّه اتَّخذ هواه إلها أو آلهةً شَتَّى يعبد كلّ وقت واحدا منها، وأَضلَّه الله فصرفه عن الهداية وخذله عن طريق الحقّ على علم منه - تعالى - بذلك؛ لأَنَّه علم أَنَّ ذلك اختياره وإِرادته وإصراره علية، أَو أَضلَّه الله بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه وأَغلق الله سمعه وقلبه فَحِيلَ بينه وبين أَن يسمع ما ينفعه مِنَ الهُدَى، أَو يَعى شيئًا بعقله ويهتدى به، وجعل على بصره غطاء وغشاوة، فلا يُبصر الحقّ ولا يرى حجّةً يستضئ بها؛ لأَنه محجوب عن الاستبصار والاعتبار، والكلام على التمثيل كما يُقرِّر ذلك العلاَّمة الآلوسي، فمن يهديه من بعد إِضلال الله إياه وإعراضه عنه وخذلانه له لاستحقاقه ذلك بإِصراره على الكفر؟ أَي لا أحد يهديه، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أَي: أَتتركون التفكر والنَّظر فلا تتذكَّرون ولا تتعظون؟.
﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾
стр. 4514
المفردات
﴿ما هي إلا حياتنا الدنيا﴾: ما الحياة إلا حياتنا الدنيا التي نحياها.
﴿نموت ونحيا﴾: يموت بعض ويولد آخرون ولا معاد ولا قيامة، وسيأتي في التفسير زيادة إيضاح.
﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾: وما يهلكنا إلاَّ مرور الزمان.
﴿إن هم إلا يظنون﴾ أي: ما هم إلاَّ قوم يتوهمون.
﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ﴾ أي: ما كان قولهم الذي ساقوه مساق الحجّة وليس بحجة.
﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾: أحضروا آباءنا أحياء في هذه الدنيا بعد أن ماتوا.
﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾: يُخرجكم إلى الوجود بعد أن كنتم نطفا.
﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: ثم يجمعكم أحياءً في يوم القيامة لا في هذه الدنيا.
التفسير
٢٤ - ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾:
وقال المشركون: ما الحياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها ولا حياة سواها.
﴿نموت ونحيا﴾ أي: تموت طائفة وتحيا أُخرى ولا حشر أصلًا، وقيل المعنى: نحيا ونموت، يزعمون أن الحياة في الدنيا والموت بعدها وليس وراء ذلك حياة بالبعث، وقيل: أرادوا بالحياة بقاء النَّسل والذرية مجازًا، كأنهم قالوا: نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا وذرارينا، وقيل: نكون مواتا نُطفا في الأصلاب ونحيا بعد ذلك. ﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾ أي: وما يفنينا إلاَّ طول الزمان ومرور الليالي والأيام، وينكرون بذلك ملك الموت وقَبْضَه الأرواح بأمر الله.
стр. 4515
وما يقولون ذلك القول وهو قصر حياتهم على الحياة الدنيا ونسبة الإهلاك إلى الدهر، ما يقولونه عن علم صحيح ويقين معتمد على عقل أو نقل ولكن عن ظن وتخمين وتوهم وتخيُّل.
٢٥ - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾:
أي: وإذا قرئت عليهم آيات الله واضحات الدلالة على قدرته تعالى على البعث ما كانت حجتهم في رد البعث إلا قولهم ائتوا بآبائنا أحياء في هذه الدنيا إن كنتم صادقين في أننا نُبْعَثُ بعد الموت، وتسمية القرآن قولهم هذا حجة لسوقهم إياه مساق الحجة، وعلى سبيل التهكم بهم، أي: ما كان حجتهم إلاَّ ما ليس بحجة، والخطاب في قوله تعالى: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ للرسول والمؤمنين، إذ هم قائلون بمقالته من البعث طالبون من الكفرة الإقرار به، ويجوز أن يكون للرسول وللأنبياء قبله الّذين يقولون مقالته.
٢٦ - ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
أي: قل - أيها الرسول - لهؤلاء المنكرين للبعث: الله يحييكم ابتداءً كما تشاهدون ذلك إذ يُخرجكم من النُّطف إلى هذا الوجود، ثم يُميتكم عند انقضاء آجالكم - لا الدهر كما تزعمون - ثم يجمعكم أحياء في يوم القيامة للحساب، لا شك في هذا الجمع.
ودليل إمكانه: أنَّ من قدر كل الخلق ابتداء قادر على الإعادة، وهي عليه أهون، ودليل وقوعه وحصوله: أن البعث أمر ممكن - كما قدّمنا - وتقتضيه الحكمة لإعطاء كل ذي حق حقه، وأخبر به الرسول الصادق، وكل ما هو كذلك واقع لا محالة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون قدرة الله على البعث لإعراضهم عن التفكُّر في الدّلائل، والقادر على البعث قادر على الإتيان بآبائكم، وهو من تمام الكلام الذي أُمر به الرسول، أو كلام مسوق من جهته تعالى تحقيقًا للحقّ، وتنبيهًا لهم على أنَّ ارتيابهم لجهلهم وعجزهم عن النظر والتّفكّر.
стр. 4516
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
المفردات:
﴿الْمُبْطِلُونَ﴾: أهل الباطل وهم الكفار.
﴿جاثية﴾: باركة على الرُّكب مستوفزة، وعن ابن عباس: جاثية: مجتمعة، وعن السّدى جاثية: خاضعة بلغة قريش.
﴿كتابها﴾: صحيفة أعمالها، وأفرد على الجنس. ﴿ينطق﴾: يشهد.
﴿نستنسخ﴾: نستكتب الملائكة أعمالكم.
التفسير
٢٧ - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾:
بيان للاختصاص المطلق والتصرف الكلي في السموات والأرض وفيما بينهما بالله إثر بيان تصرفه تعالى بالإحياء والإماتة والجمع والبعث للمجازاة؛ فهو تعميم للقدرة بعد تخصيص، يخبر الله تعالى أنه - وحده - مالك السموات والأرض والحاكم فيهما والمسيطر عليهما في الدنيا والآخرة، ولذا قال: ﴿ويوم تقوم الساعة﴾ أي: وفي هذا اليوم - وهو يوم القيامة - يخسر أهل الباطل وهم الكافرون بالله المكذِّبون بما أنزله على رسله من الآيات، المنكرون للبعث.
стр. 4517
٢٨ - ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
وترى - أيها المكلف - كل أمة عن الأمم المجموعة باركة على ركبها متحفزّة وهي هيئة المذنب الخائف المنتظر لما يكره، وذلك من عظم الموقف وهول المحشر، كل أمة تُدعى إلى صحيفة أعمالها التي كتبها الحفظة لتحاسب على ما فيها، ويقال لهم: اليوم تستوفون جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا من خير أو شرّ، ففي الدنيا كان العمل، واليوم يوم الجزاء في هذا العمل، والمراد من كتاب كل أُمة: كتاب كل واحد من مكلفيها.
٢٩ - ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
هذا القول من تمام ما يقال لم حينئذ.
والمعنى: ويُقال لهم: هذا كتابنا الذي سجّلنا فيه أعمالكم، يشهد عليكم بالعدل وينطق بالصّدق، ويستحضر جميع ما عملتم من غير زيادة ولا نقصان، وعلَّل لشهادته عليهم بالحق فقال:
﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: إنا كنا نأمر الملائكة الحفظة أن تكتب أعمالكم لتحاسبوا عليها.
﴿آيات الله﴾: القرآن. ﴿هُزُوًا﴾: سخريا.
﴿وغرَّتكم الحياة الدنيا﴾: وخدعتكم فاطمأننتم إليها. ﴿ولا هم يستعتبون﴾: ولا هم يُطلب منهم العُتبى وهي أن يرضوا ربهم بالتوبة والاعتذار.
﴿العالمين﴾: ما سوى الله، وجُمع لاختلاف أنواعه.
﴿وله الكبرياء﴾: وله وحده العظمة والجلال والسلطان.
التفسير
٣٠ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾:
هذه الآية والتي بعدها تفصيل للجزاء المترتب على قوله - تعالى - فيما تقدم: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أو ﴿اليوم تجزون ما كنتم تعملون﴾: لما فيه من الوعد والوعيد.
والمعنى: فأما الّذين آمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة الموافقة للشرع فيُدخلهم ربهم في رحمته وهي الجنة، كما ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" ذلك الجزاء وهو الإدخال في الجنة هو الفوز الظاهر كونه فوزا لا فوز وراءه.
٣١ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾:
أي: وأما الذين كفروا فيقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: ألم تأتكم رسلي فلم تكن آياتي تقرأ عليكم فاستكبرتم عن اتِّباعها، وأعرضتم عن سماعها، وتعاليتم عن قبولها، وكنتم قومًا كافرين لتكذيبكم إياها؟!
стр. 4520
٣٢ - ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾:
وإذا قال لكم رسول الله المبلِّغ عن ربه - أيها المنكرون للبعث -: إن ما وعدكم الله به من البعث والجزاء حقٌّ ثابت وواقع، والساعة لا شك في مجيئها ووقوعها قُلتم استغرابًا، وتكذيبا: ما نعلم ما الساعة؟ أي شيء هي؟ وما حقيقتها؟ ما نتوهَّم وقوعها إلاَّ توهمًا مرجوحًا وما نحن بمتحققين أنها آتية.
وقيل: المعنى: وما نحن بمستيقنين إمكان الساعة، أي: لا نتيقن إمكانها أصلًا فضلًا عن تحقق وقوعها المدلول عليه بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ فقولهم هذا ردٌّ لذاك.
قال الآلوسي: ولعل المُثْبتين لأنفسهم الظن من غير إيقان بأمر الساعة غير القائلين: ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا .. ﴾ الآية فإن ذلك ظاهر في أنهم منكرون للبعث جازمون بنفي الساعة، فالكفرة صنفان: صنف جازمون بنفيها كأئمتهم، وصنف مترددون متحيرون فيها، فإذا سمعوا ما يُوثر عن آبائهم أنكروها، وإذا سمعوا الآيات المتلوة تقهقر إنكارهم فترددوا، ويحتمل اتحاد قائل ذاك وقائل هذا إلا أن كل قول في وقت وحال، فهو مضطرب مختلف الحالات، تارة يجزم بالنفي فيقول: ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا .. ﴾ الآية، وأخرى يظن فيقول: ﴿إن نظن إلا ظنا﴾ إ هـ: آلوسي بتصرف.
٣٣ - ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾:
وظهر حينئذ لهؤلاء الكفار سيئات ما عملوا، أي: قبائح أعمالهم، فإن العقوبة دليل على ذلك، أو سيئات ما عملوا، أي: جزاء أعمالهم السيئات وأحاط بهم من كل جانب العذاب والنكال جزاء استهزائهم بآيات الله وسخريتهم منها.
٣٤ - ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: