← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. المفردات: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾: أهل الباطل وهم الكفار. ﴿جاثية﴾: باركة على الرُّكب مستوفزة، وعن ابن عباس: جاثية: مجتمعة، وعن السّدى جاثية: خاضعة بلغة قريش. ﴿كتابها﴾: صحيفة أعمالها، وأفرد على الجنس. ﴿ينطق﴾: يشهد. ﴿نستنسخ﴾: نستكتب الملائكة أعمالكم. التفسير ٢٧ - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾: بيان للاختصاص المطلق والتصرف الكلي في السموات والأرض وفيما بينهما بالله إثر بيان تصرفه تعالى بالإحياء والإماتة والجمع والبعث للمجازاة؛ فهو تعميم للقدرة بعد تخصيص، يخبر الله تعالى أنه - وحده - مالك السموات والأرض والحاكم فيهما والمسيطر عليهما في الدنيا والآخرة، ولذا قال: ﴿ويوم تقوم الساعة﴾ أي: وفي هذا اليوم - وهو يوم القيامة - يخسر أهل الباطل وهم الكافرون بالله المكذِّبون بما أنزله على رسله من الآيات، المنكرون للبعث.

стр. 4517

٢٨ - ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: وترى - أيها المكلف - كل أمة عن الأمم المجموعة باركة على ركبها متحفزّة وهي هيئة المذنب الخائف المنتظر لما يكره، وذلك من عظم الموقف وهول المحشر، كل أمة تُدعى إلى صحيفة أعمالها التي كتبها الحفظة لتحاسب على ما فيها، ويقال لهم: اليوم تستوفون جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا من خير أو شرّ، ففي الدنيا كان العمل، واليوم يوم الجزاء في هذا العمل، والمراد من كتاب كل أُمة: كتاب كل واحد من مكلفيها. ٢٩ - ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: هذا القول من تمام ما يقال لم حينئذ. والمعنى: ويُقال لهم: هذا كتابنا الذي سجّلنا فيه أعمالكم، يشهد عليكم بالعدل وينطق بالصّدق، ويستحضر جميع ما عملتم من غير زيادة ولا نقصان، وعلَّل لشهادته عليهم بالحق فقال: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: إنا كنا نأمر الملائكة الحفظة أن تكتب أعمالكم لتحاسبوا عليها.

стр. 4518

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ المفردات: ﴿في رحمته﴾: في جنته. ﴿ما الساعة﴾: أي شيء الساعة؟ ما حقيقتها؟. ﴿وحاق بهم﴾: وأحاط بهم ونزل. ﴿ننساكم﴾: نترككم في العذاب ترك المنسى. ﴿كما نسيتم لقاء يومكم هذا﴾: كما تركتم الاستعداد للقاء ربكم في هذا اليوم بالإيمان، والعمل الصالح.

стр. 4519

﴿آيات الله﴾: القرآن. ﴿هُزُوًا﴾: سخريا. ﴿وغرَّتكم الحياة الدنيا﴾: وخدعتكم فاطمأننتم إليها. ﴿ولا هم يستعتبون﴾: ولا هم يُطلب منهم العُتبى وهي أن يرضوا ربهم بالتوبة والاعتذار. ﴿العالمين﴾: ما سوى الله، وجُمع لاختلاف أنواعه. ﴿وله الكبرياء﴾: وله وحده العظمة والجلال والسلطان. التفسير ٣٠ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾: هذه الآية والتي بعدها تفصيل للجزاء المترتب على قوله - تعالى - فيما تقدم: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أو ﴿اليوم تجزون ما كنتم تعملون﴾: لما فيه من الوعد والوعيد. والمعنى: فأما الّذين آمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة الموافقة للشرع فيُدخلهم ربهم في رحمته وهي الجنة، كما ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" ذلك الجزاء وهو الإدخال في الجنة هو الفوز الظاهر كونه فوزا لا فوز وراءه. ٣١ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾: أي: وأما الذين كفروا فيقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: ألم تأتكم رسلي فلم تكن آياتي تقرأ عليكم فاستكبرتم عن اتِّباعها، وأعرضتم عن سماعها، وتعاليتم عن قبولها، وكنتم قومًا كافرين لتكذيبكم إياها؟!

стр. 4520

٣٢ - ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾: وإذا قال لكم رسول الله المبلِّغ عن ربه - أيها المنكرون للبعث -: إن ما وعدكم الله به من البعث والجزاء حقٌّ ثابت وواقع، والساعة لا شك في مجيئها ووقوعها قُلتم استغرابًا، وتكذيبا: ما نعلم ما الساعة؟ أي شيء هي؟ وما حقيقتها؟ ما نتوهَّم وقوعها إلاَّ توهمًا مرجوحًا وما نحن بمتحققين أنها آتية. وقيل: المعنى: وما نحن بمستيقنين إمكان الساعة، أي: لا نتيقن إمكانها أصلًا فضلًا عن تحقق وقوعها المدلول عليه بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ فقولهم هذا ردٌّ لذاك. قال الآلوسي: ولعل المُثْبتين لأنفسهم الظن من غير إيقان بأمر الساعة غير القائلين: ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا .. ﴾ الآية فإن ذلك ظاهر في أنهم منكرون للبعث جازمون بنفي الساعة، فالكفرة صنفان: صنف جازمون بنفيها كأئمتهم، وصنف مترددون متحيرون فيها، فإذا سمعوا ما يُوثر عن آبائهم أنكروها، وإذا سمعوا الآيات المتلوة تقهقر إنكارهم فترددوا، ويحتمل اتحاد قائل ذاك وقائل هذا إلا أن كل قول في وقت وحال، فهو مضطرب مختلف الحالات، تارة يجزم بالنفي فيقول: ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا .. ﴾ الآية، وأخرى يظن فيقول: ﴿إن نظن إلا ظنا﴾ إ هـ: آلوسي بتصرف. ٣٣ - ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: وظهر حينئذ لهؤلاء الكفار سيئات ما عملوا، أي: قبائح أعمالهم، فإن العقوبة دليل على ذلك، أو سيئات ما عملوا، أي: جزاء أعمالهم السيئات وأحاط بهم من كل جانب العذاب والنكال جزاء استهزائهم بآيات الله وسخريتهم منها. ٣٤ - ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾:

стр. 4521

وقيل لهؤلاء المشركين من قبل رب العزة توبيخًا وتقريعًا: اليوم نترككم في العذاب كما تركتم الاستعداد للقاء ربّكم في هذا اليوم بالتقوى والإيمان، ونجعلكم بمنزلة الشيء المنسى الذي لا يبالى به كما لم تُبالوا أنتم بلقاء ربكم هذا ولم تخطروه ببال فأنتم كالشيء الذي يطرح نسيا منسيا، ومقرّكم ومنزلكم النار، وليس لكم من ناصرين ينقذونكم من عذابها ولا مانعين لكم ومدافعين عنكم من ويلاتها وعقابها. وقد ثبت في الصحيح أن الله يقول لبعض العباد: ألم أزوّجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسَخِّر لك الخيل والابل؟ فيقول: بلى يا ربّ، فيقول: أظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا فيقول الله - تعالى -: "فاليوم أنساك كما نسيتني" ذكره ابن كثير. ٣٥ - ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾: ذلكم العذاب الذي نزل بكم والجزاء الذي جازيناكم به لأنكم كفرتم باللهِ واتخذتم قرآنه وحججه ومُعجزاته سخريًّا، تسخرون منها وتهزءون بها، وخدعتكم الحياة الدنيا بزينتها وزخرفها فاطمأننتم إليها ووثقتم بها، وحسبتم أن لا حياة سواها ولا حياة لكم بعدها، فاليوم لا يستطيع أحد إخراج هؤلاء من النار ولا هم يُطلب منهم أن يُعتبوا ربهم سبحانه، أي: ولا هم يطلب منهم إرضاؤه بالتوبة والاعتذار لفوات الأوان، والالتفات في قوله - تعالى -: ﴿لا يخرجون منها﴾ إلى الغيبة للإيذان بإسقاطهم من رتبة الخطاب استهانة بهم. ٣٦ - ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: هذه الآية تفريع على ما اشتملت عليه السورة الكريمة، فقد احتوت على آلاء الله وأفضاله واشتملت على الدلائل الكونية، وانطوت على البراهين السّاطعة والنّصوص القاطعة في المبدأ والمعاد.

стр. 4522

والآية إخبار عن استحقاقه - تعالى - الحمد وحده؛ لأنه رب السموات والأرض ورب العالمين، ويجوز أن يراد بها الإنشاء وهو طلب الحمد لله، والمعنى: فلله وحده الحمد والثناء فاحمدره وحده فهو خالق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما ورب ذلك كله، وهذه الربوبيّة تُوجب تخصيص الحمد باللهِ على نعمه الكثيرة وآلائه العظيمة. ٣٧ - ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: وله - وحده - العظمة والملك والسلطان والكماله، فهو سبحانه الذي كل شيء خاضع لديه فقير إليه، وقيل الكبرياء: كمال الذات وكمال الوجود، وخُصّ ذلك بالسموات والأرض لظهور آثار الكبرياء وأحكامها فيها، وقد ورد في الحديث الصحيح: "العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منها، أسكنته ناري" ذكره ابن كثير. ﴿وهو العزيز﴾ الذي لا يقهر ﴿الحكيم﴾ في كل ما قضى وقدّر، يضع الشيء في موضعه. وفي هذه الجمل إرشاد - على ما قيل - إلى أوامر جليلة، كأنه قيل: له الحمد فاحمدوه، وله الكبرياء فكبّروه، وهو العزيز الحكيم فأطيعوه وجعلها بعضهم مجازا أو كنايات عن الأوامر المذكورة. والله أعلم.

стр. 4523

طبع بالهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية رئيس مجلس الإدارة رمزي السيد شعبان رقم الإيداع بدار الكتب ١٦٧٩/ ١٩٨٧ الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية ٢٥٩٠ - ١٩٨٧ - ٢٥٠٠٤

стр. 4524

" سورة الأحقاف" هذه السورة مكية وآياتها خمس وثلاثون صلتها بما قبلها تحدثت كلتا السورتين - الجاثية والأحقاف - عن القرآن الكريم، وأنه منزل من عند الله العزيز الحكيم في خلقه وتدبيره، كما أن كلا من السورتين ذكرت نموذجًا شريرًا من البشر؛ ففي سورة الجاثية جاء ذكر اليهود وما أفاء الله عليهم من الخير ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ولكنهم اختلفوا فيه بعد ما جاءهم العلم وبغى بعضهم على بعض؛ حسدًا وعنادًا، وكذلك الأمر في سورة الأحقاف حيث عاند الكفار واستكبروا عن الحق، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾. بعض مقاصد هذه السورة: ١ - أنها - كشأن السور المكية - تدعو إلى العقيدة الصحيحة من توحيد الله - تعالى - إلى تصديق رسالة الرسل ﵈ إلى الإيمان باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب. ٢ - أنها تؤكد صحة رسالة رسولنا ﷺ وصدق ما جاءهم به عن الله - تعالى -. ٣ - أنها أوضحت ضلال الكفاد وبهتانهم وخطأهم في عبادة الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع. ٤ - أنها ردت على المشركين وسفَّهَتهم في زعمهم أن القرآن سحر مبين، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾. ٥ - أنها جاءت بمثالين: أحدهما للولد الصالح البار بوالديه وقد بلغ كمال عقله ورشده فقاله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ وثاني المثالين جاءت به للولد الفاجر العاق لوالديه الذي يقابل نصحهما

стр. 4525

له وحرصهما عليه بالسخرية والاستهزاء، وذلك عندما يدعوانه إلى الإيمان بالله فيقول: ﴿أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ إلى أن يقول: ﴿ما هذا إلا أساطير الأولين﴾. ٦ - عرضت السورة لأولئك النفر من الجن الذين صرفهم الله ووجههم إلى رسول الله ﷺ لسماع القرآن الكريم فأنصتوا إليه عند سماعه، ثم ذهبوا إلى قومهم منذرين ومخوفين لهم من أن يخافوه؛ لأن القرآن مصدق لما جاء به موسى ﵇ ولأنه يهدي إلى الحق الثابت والصراط المستقيم، وآمرين لهم باتباع ما جاء فيه ليغفر الله لهم ذنوبهم وينجيهم من عذاب أليم، وذلك تنبيه وتوبيخ للمشركين، حيث آمن به الجن وكفر به المشركون وعاندوا. ٧ - جاء في هذه السورة أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يصبه إعياءٌ أو ضعف أو تعب هو - سبحانه - قادر على إحيائهم بعد موتهم، وحسابهم على ما اقترفوا من كفر ومعاصٍ في الدنيا، وهذا تهديد لهم. وكانت نهايتها أمرًا من الله لرسوله أن يصبر على تكذيب قومه وإيذائهم له كما صبر أصحاب العزائم العالية من الرسل ﵈ ونهاه - جل شأنه - أن يستعجل لم العذاب فإنه آتيهم لا محالة، و ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾. سبب تسمية السورة بهذا الاسم: أنه قد ذكر فيها كلمة الأحقاف، وهي اسم للمكان الذي كانت فيه مساكن عاد قوم هود، وقد دمرهم الله بالريح الصرصر العاتية جزاء كبرهم وطغيانهم، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾.

стр. 4526

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾. المفردات: ﴿وأجل مسمى﴾: زمان محدود تنتهي عنده؛ وهو مدة بقاء الدنيا. ﴿أنذروا﴾: خُوِّفوا. ﴿معرضون﴾: مولون ومضربون عنه، من أعرضت عنه: أضربت ووليت عنه. ﴿أرأيتم﴾: أخبروني. ﴿شرك﴾ أي: مشاركة وإسهام. ﴿أثارةٍ من علم﴾: بقية من علوم الأولين، وقيل غير ذلك، وسيأتي بيانه في الشرح. التفسير ١ - ﴿حم﴾: هما حرفان من حروف المعجم تقدم الكلام فيهما وفيما يماثلهما من الحروف الواردة في أوائل بعض سور القرآن الكريم كسورة البقرة وغيرها، وكل ما قيل

стр. 4527

في هذا الشأن مبني على فهم واجتهاد، وليس لا سند قاطع من كتاب الله - تعالى - أو من سنة رسوله ﷺ والأسلم والأحكم أن نترك أمر المراد منها إلى علم الله فنقول: الله أعلم بمراده. ٢ - ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. أي: هذا القرآن العظيم منزل من عند الله العزيز الذي لا يغالب ولا يقهر، بل هو القاهر فوق عباده وهو - سبحانه - الحكيم في خلقه وتدبيره، وليس لأحد من الخلق دخل في تأليف هذا القرآن الكريم على آية صورة من الصور. ٣ - ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾: أي: ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما مما يعلمه وما لا يعلمه المخلوقون جميعًا إلاَّ خلقًا ملازما للحق لا ينفك عنه ولا سبيل إلى العبث فيه؛ قال تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا باطلًا﴾ (٢) وقال جل شأنه: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعبين. ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ (٣) فهذا الخلق منه - سبحانه - قد ارتبط بالتدبير الحكيم، والتقدير العظيم ليدل به - تعالت عظمته - على تفرّده ووحدانيته وكمال قدرته، وأنه هو الذي يجب أن يعبد دون سواه كما أن هذا الخلق للسموات والأرض وما بينهما مقدر بأجل وزمان ينتهى عنده، ثم بعده يكون فناء الدنيا وقيام الساعة: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات﴾ (٤). وإن هؤلاء الكفار عن الهول والنكال الذي أنذروا وخوفوا به من أهوال الآخرة من الحشر والحساب والصراط والميزان وما ينتهى إليه أمرهم من العذاب المقيم - إن هؤلاء الكفار - معرضون عنه لا يلتفتون إليه ولا يفكرون فيه جهلا وكبرًا واستهزاءً ..

стр. 4528

وبعد أن بين الله - سبحانه - أنه منزل الكتاب الحكيم وأنه - وحده - خالق السموات والأرض وما بينهما على مقتضى حكمته، وأن هؤلاء الكفار مع هذا كله معرضون ومدبرون عما خوفوا به من العذاب جاء قوله تعالى. ٤ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: جاء هذا القول الحكيم تسفيهًا لهم، وقاطعًا عليهم سبيل اللجاج والجدل، أي: قل - يا محمد - لهؤلاء الضالين المكذبين الذين يعبدون غير الله من مخلوقاته أو مما تصنعه أيديهم - قل لهم -: أخبروني عما تعبدون من دون الله وتزعمون أنها آلهة تنزلفون إليها وتتقربون منها - أعلموني وأرشدوني - عن المكان الذي استقلت آلهتكم بخلقه من الأرض أخلقوا الماء أو اليابس؟ الشرق أو الغرب؟ السهل أو الجبل؟ الحيوان أم الجماد؟ عالم البر أو عالم البحر؟ دقيق المخلوقات أم عظيمها؟. إن هذه المعبودات أقل شأنًا وأدنى منزلة من أن تخلق شيئًا، إنها مخلوقة لله، أو مصنوعة بيد الإنسان الذي خلقه الله، إنها لا تملك لكم رزقًا في السموات ولا في الأرض، إنها لا تضر ولا تنفع ولا تملك موتًا ولا حياة ولا نشورًا. قل لهم - أيها الرسول على سبيل التدرج معهم -: ﴿أم لهم شرك في السموات﴾ أي: بل ألهم شركة وإسهام مع الله - جل شأنه - في خلق السموات؟ هل ساعدوا الله وأعانوه في شيء من ذلك؟ - قل لهم يا محمد -: ﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم﴾ أي: هاتوا لي الدليل وأقيموا لديَّ الحجة، هل عندكم من كتاب من الكتب المنزلة من عند الله قبل القرآن نشهد لكم بذلك؟ أو هل لديكم بقية من علوم الأولين تنطق باستحقاقهم العبادة وأنهم خلقوا شيئًا من الأرض، أو اشتركوا في خلق السموات، أو هل اختصكم الله وحدكم بعلم من عنده يؤيد ما تدعون ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي: إن كنتم محقين في دعواكم فهاتوا ما لديكم من الأدلة؛ فإن الدعوى لا تصح ما لم يقم عليها برهان عقلي أو دليل نقلي، وحيث لم يقم عليها شيء من العقل أو النقل فقد تبين بطلانها، وأُقيمت الحجة عليكم وظهر ضلالكم وبهتانكم.

стр. 4529

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُومِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ المفردات: ﴿غافلون﴾: أصله من: غفل عن الشيء: تركه وسها عنه، والمراد هنا أنهم لاهون لا يسمعون. ﴿حشر الناس﴾: جمعوا يوم القيامة في صعيد واحد. ﴿افتراه﴾: نسبه كذبًا إلى الله. ﴿تفيضون فيه﴾: تندفعون وتخوضون فيه. التفسير ٥، ٦ - ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُومِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ الاستفهام هنا لإنكار أن يكون في الضالين كلهم من هو أشد ضلالا من عبدة غير الله، أي: ليس هناك من هو أبلغ ضلالا وأبعد إفكًا وانحرافًا عن الحق من هؤلاء الذين يعبدون غير الله من المخلوقات: أوثانًا أو ملائكة أو جنًّا أو بشرًا، ويتركون عبادة السميع العليم القادر على كل شيء، إنهم يعبدون معبودات لا ينفعون ولا يضرون، قال

стр. 4530

- تعالى -: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ (١). إن هذه الآلهة المزعومة لا تستجيب ولا تلبي ما يطلبونه منها مدة بقاء السموات والأرض وإلى أن تقوم الساعة، إذ لا قدرة لها على ذلك فهي لا تسمع ولا تدري، قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٢). فإذا قامت القيامة وحشر الناس وجمعوا في صعيد واحد واشتد كربهم كانت هذه المعبودات أعداء لمن عبدوهم، وكانوا عليهم ضدًّا يخالفونهم ويلحقون بهم الذل والهوان، بعد أن اتخذوهم في الدنيا ليكونوا لهم مجدًا وعزًّا وذخرًا، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ (٣) وقال أيضًا: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (٤). كما أن العابدين الضالين ينكرون - يوم القيامة - أنهم عبدوا هذه المخلوقات، ويزعمون أنهم ما أشركوا بالله شيئًا، قال - تعالى - حكاية عنهم: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٥). والمعنى: لا أحد أضل ولا أشقى ممن يعبدون آلهة غير الله لا تستجيب ولا تلبي نداءهم في الدنيا؛ إذ أنها لا تسمع ولا تبصر، فهي جماد، أما إذا كانت من الجن أو الإنس أو الملائكة فإنهم مشغولون بأمر أنفسهم، أو أن الله يحمي أسماعها عن أن تسمع دعاء هؤلاء، فضلًا عن أنها لا تملك شيئًا، وفي يوم الحشر تكون هذه المعبودات أعداء لعابديهم كذبهم وتتبرأ منهم، كما يتبرأُ العابدون من معبوداتهم ويقولون: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ فيجمعون بين الشرك بالله والكذب، وكل ذلك لا يغنيهم من الله شيئًا.

стр. 4531

٧ - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: أي: وإذا تقرأ - يا محمد - كل هؤلاء الكفار المعاندين آياتنا المنزلة عليك - وهي واضحات ظاهرات لا لبس فيها ولا غموض، أو مظهرات ومُبيِّنَات لما أنزلت في شأنه من الأمور التي يلزم إظهارها وبيانها، قال الذين كفروا وجحدوا هذه الآيات دون تدبر وتأمل -: ﴿هذا سحر مبين﴾ أي: ما جئت به - يا محمد - سحر واضح بين، وذلك لأنهم عجزوا عن الإتيان بمثلها، وإذا سمعها غير المعاند آمن بها، فلهذا قالوا عنها: إنها سحر بين؛ لأنها تأخذ بألباب العقلاء فيؤمنون. ٨ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: في هذه الآية الكريمة ينكر الله عليهم ويوبخهم على شناعة قولهم: إنه ﷺ افترى وكذب على الله - جل شأنه - ونسب إليه القرآن. أي: بل أيقولون افترى محمَّد على ربه القرآن ونسبه إليه؟ قل لهم - مسفها -: لو افتريتُه ونسبتُه زورًا وبهتانًا إلى ربي - كما تزعمون - لعاجلني الله بعقوبة هذا الكذب، وأنتم لا تقدرون على منع ربي - جل شأنه - وكفه عن معاجلتي، ولا تستطيعون دفع شيء من عقابه عني، فكيف أفترى القرآن على الله وأتعرض لعقابه؟ أيفعل ذلك من لديه بقية من عقل؟!. ﴿هو أعلم بما تفيضون فيه﴾ أي: هو - سبحانه - عليم بالذي تأخذون وتندفعون بحماقة وتسرع في القدح والذم والطعن فيه، وتسميته سحرًا تارة وافتراءً تارة أخرى إلى غير ذلك من ضروب النيل من كتاب الله. ﴿كفى به شهيدًا بيني وبينكم﴾ أي: يكفيني ويملأُ قلبي اطمئنانًا أن الله - سبحانه - شهيد بيني وبينكم، يشهد لي بالصدق فما أُبلغه لكم عنه، ويشهد عليكم بالجحود، والنكران والكفر.

стр. 4532

وفي هذه الآية الكريمة ما لا يخفى من التهديد والوعيد على إفاضتهم واندفاعهم في تنقيص ما أوحى الله به إلى رسوله. ﴿وهو الغفور﴾ أي: وهو وحده الذي يغفر الذنوب ويتجاوز عن السيئات، بل قد يبدلها حسنات، وهو ﴿الرحيم﴾ بعباده يفتح لهم أبواب رحمته وييسر لهم طرق الخير، وينعم عليهم بنعمه الدقيقة التي لا يفطن إليها إلا من جعل الله له نورًا في قلبه. وفي ختم وتذييل الآية الكريمة بهذين الوصفين الجليلين له - سبحانه - فتح لِبَاب الرَّجاء في الله، وسدٌّ لبابِ اليأس والقنوط من رحمته، أي: هلم أيها العاصون والكافرون إلى ساحة رضواني، تتوبون فأتوب عليكم، وتستغفرون فأغفر لكم، وتلجأون إلى رحابي فأضمكم إلى جنابي وأشملكم بفيض رحماتي. ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. المفردات: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾: ما كنت مستحدثًا في الدين، وهو من قولهم: فلان بدْعٌ في هذا الأمر، أي: هو أول من فعله، فيكون المعنى: قل: ما أنا أول من جاء بالوحي من الله.

стр. 4533

التفسير ٩ - ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: قيل في سبب نزول هذه الآية الكريمة: إن الكفار كانوا يقترحون على رسول الله ﷺ آيات عجيبة، ويسألونه عمَّا لم يوح به الله من الغيوب - عنادًا ومكابرة - فأمر الله رسوله أن يقول لهم: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الكفار المنكرين الظالمين: ما أنا أول من جاء بالوحي من عند الله، بل قد أرسل الله الرسل قبلي مبشرين، أو منذرين ومبلغين ما أنزل إليهم من ربهم؛ ولا يقترحون على الله الآيات، ولا يتحدثون عن الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فكيف أقترح على الله تلك الآيات التي تريدونها: أو أخبركم بالغيب الذي استأثر الله بعلمه، فكيف تستنكرون وتستبعدون بعثتي إليكم وأنا على هداهم وطريقتهم؟ ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ أي: لا أعلم ما يحدث بي، أأخرج من بلدي وأهلي كما أُخرجت الأنبياء ﵈ قبلي؟ أم أقتل كما قتل بعض الأنبياء قبلي؟ ولا أدري ما يفعل بكم؟ أأمتي المكذبة أم أمتي المصدقة؟ أأمتي المرمية بالحجارة من السماء قذفًا أم المخسوف بها خسفًا؟ أو المراد: أتؤمنون فتدخلوا الجنة، أم تكفرون فتعذبوا، وتُستأصلوا بكفركم وشرككم؟ ثم أنزل الله بعد ذلك قوله تعالى: ﴿إن ربك أحاط بالناس﴾ (١) فعرف أنه لا يقتل، ثم أنزل: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾ (٢) فعرف أن دينه سيظهر على الأديان كلها، ثم أنزل: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ (٣) فأخبره الله بما يصنع به وما يصنع بأمته. ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ﴾ أي: ما أنا إلا متبع وممتثل وحي الله أُبلغه إليكم، وليس لي من الأمر شيء فيما تقترحون وتطلبون.

стр. 4534

﴿وما أنا إلا نذير مبين﴾ أي: لست إلاَّ منذركم ومخوفكم عقاب الله حسبما يوحي إليّ مظهرا ومبيِّنًا ذلك لكم بالحجج القاطعة والمعجزات الباهرة التي يؤيدني الله بها. والمعنى الإجمالي: لست أول رسول جاء بالوحي من الله، بل قد سبقني الرسل إلى أقوامهم مبشرين الطائعين، ومنذرين ومخوفين الكافرين والعاصين، ولست أعلم ما يحصل لي في الدنيا من البقاء في بلدي أم أخرج إلى غيرها وأهاجر إلى سواها، أم أُقتل كما قتل بعض الأنبياء قبلي، ولا أدري ما يحصل لكم: أتكذبون فتعذبوا وتستأصلوا أم تصدقون فتنصروا ثم تدخلوا الجنة، ولست إلا متبعا وممتثلًا أمر ربي، فليس لي من الأمر شيء فيما تقترحون وتطلبون من الآيات الغريبة والمعجزات العجيبة، وما أنا إلا منذر لكم ومخوف عقاب الله وَفق ما يأمرني به ربي مؤيدًا منه - سبحانه - بالحجج والبراهين الساطعة. وحسبكم القرآن في الدلالة على صدقه، فإنه آية الآيات. ١٠ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: روى البخاري ومسلم والنسائي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام ﵁ وفيه نزلت: ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾ وعلى هذا تكون الآية مدنية. وقد روى أنه (لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نظر عبد الله بن سلام إلى وجهه ﷺ فعلم أنه ليس وجه كذَّاب، وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر، وقال له: أني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أوَّل أشراط الساعة؟ وما أوَّل طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال ﵊: أما أول أشراط الساعة

стр. 4535

فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأمّا أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأنا الولد فإذا سبق ماءُ الرجل نزعه وإذا سبق ماء المرأة نزعته، فقال عبد الله: أشهد أنك رسول الله حقًّا، ثم قال: يا رسول الله إن اليهود قومٌ بهت، وإذ علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني (١) عندك، فجاءت اليهود فقال لهم رسول الله ﷺ : أي رجل عبد الله فيكم؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، فقال الرسول ﷺ : أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ فقالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لَا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله وأحذر). وعلى هذا فالشاهد هو عبد الله بن سلام. والمعنى: قل - يا محمد لهؤلاء اليهود -: أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمعت شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله ومسارعته ومبادرته إلى الإيمان به مع استكباركم عليه، وعن الإيمان بالذي جاء به، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟ والمراد من قوله - تعالى -: ﴿على مثله﴾ هو التوراة؛ فإن كلاًّ منهما مُنزل من عند الله، أو على مثل القرآن الكريم في المعنى، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعاني القرآن من التوحيد والوعد والوعيد، ويدل على ذلك قوله - تعالى -: ﴿وإنه لفي زبر الأولين﴾ (٢)، وقوله: ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى﴾ (٣)، وقيل: ﴿مثل﴾ في قوله تعالى: ﴿على مثله﴾ كناية عن القرآن نفسه مبالغة، ويكون المعنى: وشهد شاهد على القرآن بأنه من عند الله، وقيل: الشاهد موسى ﵇ وشهادته بما في التوراة من بعثة النبي ﷺ وبه قال الشعبي. ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي: والله - تعالى - لا يأخذ بيد الظالم فيرشده ويهديه إلى سواء السبيل؛ فأنتم بظلمكم أنفسكم واستعلائكم على الإذعان للحق لا يهديكم الله، وستمكثون في الحيرة والضلال ومأواكم النار وبئس المصير.

стр. 4536

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ المفردات: ﴿إفك﴾: كذب وبهتان. ﴿إمامًا﴾: قدوة وأسوة يؤتم ويقتدى به. التفسير ١١ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾: ورد في سبب نزول هذه للآية الكريمة أقوالٌ منها: أنها نزلت في بني عامر وغطفان وتميم وغيرهم لمَّا قالوا ذلك في شأن من أسْلَمَ منهم، وقيل: إنها نزلت في اليهود لما أسلم عبد الله ابن سلام، وقيل: نزلت لما أسلمت زنيرة - وكانت أمة لعمر بن الخطاب وقد أسلمت قبله وكان يضربها لإِسلامها - فأُصيبت في بصرها، فقال المشركون لها: أصابك اللاَّت والعزى، فرد الله عليها بصرها، فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمدٌ خيرا ما سبقتنا إليه زنيرة. أي: قال الذين كفروا بالقرآن الكريم وبالرسول العظيم - استكبارا واستعلاء - قالوا في شأن المؤمنين الذين آمنوا برسول الله وبما أُنزل عليه: لو كان خيرا وهداية ما سبقنا في الإيمان به هؤلاء الأدنوْن الأراذل والمستضعفون والعبيد والإماء.

стр. 4537

وما دفع هؤلاء الكافرين المكذبين إلى ما ذهبوا إليه إلا أنهم يظنون أن لهم عند الله وجاهة ومنزلة ومكانة، فهم يبنون أمر الدين على أمر الدنيا، وقد حكى القرآن الكريم ذلك عنهم فقال - تعالى -: ﴿لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ والكفار بظنهم هذا قد أخطأوا خطأ بينا؛ فقد غاب عنهم، بل أعماهم كبرهم فلم يهتدوا إلى أن الميل إلى الخير والانعطاف نحو الرسل واتباعهم إنما يكون ذلك منوطًا بكمالات نفسية وملكات روحية، مبناها الإعراض عن زخارف الدنيا والإقبال على الآخرة وما يقرب منها: ﴿وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم﴾ أي: أنهم لمَّا لم يصيبوا الهدى والرشاد بالقرآن الكريم مع وضوح إعجازه عادوه ونسبوه إلى الكذب، وقالوا: هذا كذبٌ قديم وأساطير مأثورة نسبها محمد إلى الله. وقيل لبعضهم: هل في القرآن: (من جهل شيئا عاداه؟) قال: نعم، قال الله - تعالى -: ﴿وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم﴾، ومثله: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه﴾ (١). ١٢ - ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾: أي: ومن قبل القرآن كانت التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵇ إمامًا يقتدى به في شرائعه - سبحانه - ورحمة لمن صدق به وعمل بما جاء فيه؛ وأنتم أيها الكفرة المكذبون لا تنازعون في ذلك؛ فالتوراة التي تؤمنون بها مشتملة على البشارة بمحمد ﷺ فإذا سلمتم أنها من عند الله - وأنتم مقرون بذلك - فاقبلوا حكمها بأن محمدًا رسولٌ - حقا - من عند الله. ﴿وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا﴾ أي: وهذا القرآن كتاب رفيع القدر عظيم الشأن مصدق لما نزل قبله من الكتب، وقد جاء لسانا عربيا فصيحا نازلا بلغتكم التي برعتم في

стр. 4538

فنونها وضروبها، فكيف تنكرونه وتجحدونه؛ وهو أفصح بيانا وأظهر برهانا وأبلغ إعجازا من التوراة؟ ﴿لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين﴾ أي: ليكون القرآن الكريم إنذارًا وتخويفًا متجددًا للذين ظلموا غيرهم بالافتراء والكذب عليهم، كما ظلموا أنفسهم بحرمانها من الخير العظيم والنعيم المقيم في الآخرة، مع تعريضها للعذاب الأليم والهوان والذل في النار، كما يكون القرآن بشارة وإخبارًا بالمنزلة الكريمة عند الله للذين أحسنوا وأخلصوا أعمالهم وراقبوا مولاهم في سرهم وعلانيتهم. وفي هذا تحذيرٌ للمؤمنين أن يسلكوا مسالك الذين ظلموا؛ ودعوة إلى الكافرين أن يتوبوا إلى الله ويرجعوا إليه ليعمهم بإحسانه وفضله، فباب التوبة مفتوح، والله - سبحانه - يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ التفسير ١٣ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: أي: إن الذين قالوا بلسانهم تعبيرًا عما اشتملت عليه قلوبهم، ودلالة على ما اطمأنت به نفوسهم، وأذعنت له أفئدتهم، قالوا: ربنا الله رعانا بإحسانه وحفَّنا بلطفه، وتكفل

стр. 4539

- سبحانه - تفضلا منه بأسباب حياتنا، ثم استقاموا على شريعته فامتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه ولزموا محجته فلا يلحقهم ما يخافونه ويكرهونه في الآخرة، ولا يُرَوَّعون؛ لأنهم خافوه - سبحانه - في الدنيا فأمنهم في الآخرة؛ إذ لا يجمع الله على المؤمن خوفين: خوف الدنيا وخوف الآخرة، كما أنه لا يصيبهم حزن ولا أسف على ما خلفوه في الدنيا من مال أو ولد أو جاه، فكل نعيم دون الجنة زائل. ١٤ - ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: أولئك الذين سمت بهم أعمالهم، وعلت منزلتهم لدى ربهم هم أصحاب الجنة الذين يمكثون فيها أبدًا، ويقيمون بها سرمدًا، يتفضل الله عليهم بهذا النعيم الدائم كفاءً وجزاء على ما كانوا يعملونه - بتوفيق الله - في دنياهم من خير، ويقدمون من برّ، ويبذلون من طاعة. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾

стр. 4540

المفردات: ﴿ووصينا الإنسان﴾: ألزمناه وأمرناه. ﴿حملته أمه كرها ووضعته كرها﴾: بكره ومشقة وتعب في الحمل والوضع. ﴿وفصاله﴾ الفصال: الفطام، وهو مصدر (فَاصَل) فكأن الولد فاصل أمه والأم فاصلته. ﴿أشده﴾: كمال قوته وعقله ورشده. ﴿أوزعني﴾: ألهمني ووفقني. مناسبة هذه الآيات لما قبلها: لما كان أمر الأولاد يختلف مع والديهم برًّا وعقوقًا كما يختلف أمر الأمم مع أنبيائهم استجابة لهم وإعراضًا عنهم كانت هذه الآيات متصلة بما قبلها. التفسير ١٥ - ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا … ﴾ الآية: سبب النزول: هذه الآية الكريمة نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ روى ذلك عن ابن عباس وعلي ﵃. قال عليّ - كرم الله وجهه -: هذه الآية نزلت في أبي بكر الصدايق ﵁ أسلم أبواه جميعًا، ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره فأوصاه الله بهما ولزم ذلك. وعند قوله - تعالى -: ﴿وأن أعمل صالحا ترضاه﴾ قال ابن عباس ﵄: فأجاب الله أبا بكر فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله، منهم: بلال، وعامر بن فهيرة. ولم يدع شيئًا من الخير إلا أعانه الله عليه.

стр. 4541

وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ " قال أبو بكر: أنا. قال: "من تَبِع منكم اليوم جنازة؟ " قال أبو بكر: أنا. قال: "من أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ " قال أبو بكر: أنا. قال: "فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ " قال أبو بكر: أنا. قال رسول الله ﷺ : "ما اجتمعن في امريء إلاَّ دخل الجنة". وقال ابن عباس ﵄: ودعا أبو بكر أيضًا فقال: ﴿وأصلح لي في ذريتي﴾ فأجابه الله تعالى؛ لم يكن له ولد إلا آمنوا، وقد أدرك أبواه وولده عبد الرحمن وولده أبو عتيق النبي ﷺ وآمنوا به، ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة ﵃ أجمعين -. وقد استدل الإمام عليّ - كرم الله وجهه - بهذه الآية الكريمة مع التي في سورة لقمان: ﴿وفصاله في عامين﴾ مع قوله - تعالى - في سورة البقرة: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ استدل ﵁ بذلك على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوى صحيح. ووافقه على ذلك عثمان وجماعة من الصحابة ﵃ فعن معمر بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت له لتمام ستة أشهر، فذُكر ذلك لعثمان ﵁ فأمر عثمان برجمها فبلغ ذلك عليًّا - كرم الله وجهه - فأتاه فقال له: ما تصنع؟ قال: ولدت تمامًا لستة أشهر وهل يكون ذلك؟ فقال له عليّ: أما تقرأ القرآن؟ فقال: بلى. قال: أما سمعت الله يقول: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾ وقال: ﴿حولين كاملين﴾ فما نجده بقي إلاَّ سته أشهر. قال عثمان ﵁: والله ما فطنت بهذا. قال معمر: فوالله ما الغراب بالغراب ولا البيضة بالبيضة أشبه منه بأبيه، فلما رآه أبوه قال: هذا ابني ولا أشك فيه. وفي هذا إشارة إلى أن مدة الحمل والرضاع معًا لا تتجاوز الثلاثين شهرا؛ فعن ابن عباس ﵄ قال: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع واحد وعشرون

стр. 4542

شهرا، وإذا وضعته لسبعة أشهر كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرًا، وإذا وضعته لستة أشهر فحولان كاملان؛ لأن الله - تعالى - يقول: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾. والمعنى: وألزمنا الإنسان وأمرناه أن يحسن إلى والديه إحسانًا عظيمًا وأن يبرهما برًّا كريمًا، فالإحسان إلى الوالدين هو ثاني أفضل الأعمال، فعن ابن مسعود ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أيّ؟ قال: "بر الوالدين" قلت: ثم أيّ؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" متفق عليه. كما عد رسول الله ﷺ عقوقهما ثاني أكبر الكبائر، فعن أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ - ثلاثًا - قلنا: بلى يا رسول الله، فقال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت" متفق عليه. ﴿حملته أمه كرها﴾ أي: قاست بسببه في حال الحمل به مشقة وتعبًا من رحم وغثيان وثقل وكرب ﴿ووضعته كرهًا﴾ أي: بمشقة أيضًا من الطلق وشدته ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ أي: أنهما لم تقف مشقتها وتعبها عند الوضع بل استمر ذلك في مدة رضاعه وفطامه؛ فقد سهرت عليه وقامت على أمره وعانت من تربيته في تلك الفترة الدقيقة من حياته ما جعلها تتعب ليستريح، وتشقى ليسعد، وتسهر لينام، كل ذلك مع حسن رعاية وكمال عناية رجاء أن تستمر حياته ويمتد به العمر وتنعم به كبيرًا كما سعدت به صغيرًا. ﴿حتى إذا بلغ أشده﴾ أي: حتى إذا قوى وشهب واكتهل واستحكمت قوته ﴿وبلغ أربعين سنة﴾ أي: تناهى عقله وكمل فهمه وحمله؛ فسنُّ الأربعين تمام النضج وتمام الحلم، فعنده تكمل الملكات وتتناهى الكمالات، ولا يرجى لأحد بعد أن يبلغ هذا العمر أن يزاد في عقله، فهذا بلغ هذه السن ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ أي: اتجه إلى ربه الذي دعاه وربَّاه وجعله يتقلب في منِّه وكرمه وإنعامه قائلا: يا رب رغبني وألهمني أن أقوم بحق نعمتك العظيمة التي أنعمت بها علي، واهدني إلى القيام بصرفها

стр. 4543

وتوجيهها إلى ما خلقتها له، فنعمُك يا رب وفيرة وآلاؤك جليلة؛ فقد وفقتني إلى نعمة الإِسلام، وجعلتني من خير أمة أخرجت للناس، وأنعمت علي بالصحة والعافية والغنى عن الناس، ورزقتني الولد ولم تجعلني فردا منقطع الذرية، وأسألك أن تديم عليّ شكر النعمة التي أنعمت بها على والديّ من الإيمان بك وبرسولك، وبالتحنُّن والشفقة عليّ حتى ربياني صغيرًا ﴿وأن أعمل صالحا ترضاه﴾ أي: اجعل عملي كثيرا عظيما سالما من عدم قبولك له، وذلك بأن يكون خالصًا من الرياء والعجب حتى يكون على وَفق رضاك ﴿وأصلح لي في ذريتي﴾ أي: اجعل الصلاح والبر وعمل الخير ساريا في ذريتي راسخا فيهم حتى يكونوا لك عبيد حق، ولي خَلَفَ صِدق. ﴿إني تبت إليك وإني من المسلمين﴾ أي: إني رجعت عما كنت عليه مما لا ترضاه أو يشغلني عنك، وإني من الذين أسلموا إليك أمرهم وأخلصوا أنفسهم لك وأفردوك بالعبادة. جاء في كتاب الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي: وكان مالك بن أنس يقول: اشتكى أبو معشر ابنه إلى طلحة بن مصرِّف؛ فقال له: استعن عليه بهذه الآية وتلا: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: نقول: هذا توجيه سديد وإرشاد حكيم؛ فخير الدعاء ما كان بالمأثور من كتاب الله - تعالى - أو من السنة النبوية المطهرة. ١٦ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾: أي: أولئك الموصوفون بتلك الصفات الجليلة التي بها علت منزلتهم وسمت مكانتهم عند ربهم يتقبل الله - سبحانه - منهم أفضل أعمالهم وأحسنها - من الأعمال المفروضة والمندوبة - فيجازيهم عليها أفضل جزاء وأكمل ثواب، أما الأعمال المباحة فليست محل ثواب إلا إذا اقترنت بها نيَّة الطاعة والقربى لله وذلك كمن يأكل ناويًا أن

стр. 4544

أن يتقوى بذلك على أمر مفروض أو مندوب ونحو ذلك، فإن الله يثيبه عليه، والحكم عكس ذلك إذا اقترنت بالمباح ولا بسته نية المعصية فإن الله يعاقب عليه "وإنما لكل امريء ما نوى". ﴿ونتجاوز عن سيئاتهم﴾ أي: يتجاوز الله عن سيئات المذنبين؛ لتوبتهم المشار إليها بقوله - تعالى - في الآية السابقة: ﴿إني تبت إليك وإني من المسلمين﴾ أو لغلبة حسناتهم على سيئاتهم، لقوله - تعالى -: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (١) أو لاجتناب الكبائر، لقوله - تعالى - في سورة النساء: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾، أما أصحاب السيئات الذين لم يكونوا من هؤلاء وهم مسلمون مؤمنون، فأمرهم مفوض إلى الله تعالى، فإما أن يعفو عنهم أو يعاقبهم. وهؤلاء الذين يتجاوز الله عن سيئاتهم ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ أي: في عداد أصحاب الجنة منتظمون في سلكهم يحقق الله لهم وعد الصدق الذي كانوا يوعدون به في الدنيا على ألسنة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - من الجزاء الحسن والنعيم المقيم في جنة عرضها السموات والأرض، ويتمتعون فيها بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فسبحانه من إله كريم بر رحيم. ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾.

стр. 4545

المفردات: ﴿أفٍّ لكما﴾ الأفِّ: صوت يصدر عن المرء عند تضجره، وأصله: الوسخ الذي حول الظفر، وقيل: الأُف: وسخ الأذن، يقال ذلك عند استقذار الشيء ثم استعمل ذلك عند كل شيء يتضجر ويتأذى منه (١). ﴿أخرج﴾: أُبعث من القبر بعد الموت. ﴿وقد خلت القرون﴾: وقد مضت الأزمان. ﴿وهما يستغيثان الله﴾: وهما يلجآن إلى الله أن يدفع الكفر عن ولدهما. ﴿ويلك﴾: هلاكا لك، وأصل الويل: دعاءٌ بالهلاك يُقام مقام الحث على الفعل أو الترك؛ إشعارًا بأن ما هو مرتكب جدير أن يهلك مرتكبه، والمراد هنا: الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الدعاء بالهلاك. ﴿أساطير الأولين﴾: أباطيل وأكاذيب السابقين التي سطروها في الكتب من غير أن يكون لها حقيقة. ﴿حق عليهم القول﴾: ثبت ووجب. التفسير ١٧ - ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا … ﴾ الآية: هذه الآية الكريمة عامة تتناول كل كافر عاق لوالديه منكر للبعث؛ فقد جاء في الآية التالية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ .. ﴾ فدل ذلك على أن الحكم عام لكل من يقول ذلك لوالديه، ونزولها في شخص معين لا ينافي العموم؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالمراد من الذي قال لوالديه أف لكما: كل من يقول ذلك لهما.

стр. 4546

وجاء في كتاب روح المعاني للعلامة الآلوسي: وزعم مروان - عليه ما يستحق - أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ وردت عليه السيدة عائشة ﵂ أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله [بن المدائني] قال: إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال: إن الله - تعالى - قد أرى لأمير المؤمنين - يعني معاوية - في يزيد رأيًا حسنًا، أن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر، فقال عبد الرحمن ابن أبي بكر: أهرقلية؟ إن أبا بكر ﵁ والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا لأحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية إلا رحمة وكرامة لولده. فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه: ﴿أف لكما﴾؟ فقال عبد الرحمن: ألستَ ابن اللعين الذي لعن رسولُ الله ﷺ أباه؟ فسمعت عائشة ﵂ فقالت: مروان، أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا؟ كذبت - والله - ما فيه نزلت. نزلت في فلان بن فلان. ومعنى الآية: أن هذا الولد الكافر باللهِ المنكر للبعث، قال لوالديه وقد دعواه إلى الإيمان بالبعث: إني أتضجر منكما، وأضيق بما تُلقيان على مسامعي من سقط القول وسخف الكلام، أتعدانني وتخبرانني أن أُخرج حيا من قبري، وأبعث بعد موتي؛ وقد مضت القرون والأزمان ولم يبعث أحد من قبره يخبرنا بذلك؟ وكأن هذا العاق قد تمثل بقول القائل: ما جاءنا أحد يُخبرُ أنه … في جنَّةٍ لما مضى أو نارٍ ولكن شفقة الوالدين وفرط حنانهما عليه دفعهما إلى الالتجاء إلى الله والاستغاثة به رجاء أن يغيثه بالتوفيق حتى يرجع عما هو فيه من الضلال والكفر وإنكار البعث؛ وحملهما ذلك أيضًا على أن يحضانه على الإيمان باللهِ ويحذرانه مغبة ما هو مقيم عليه، فيقولان له: ﴿ويلك آمن إن وعد الله حق﴾ أي: هلاكًا لك إن أصررت على ما أنت عليه من الكفر، صدق بالله وبالبعث، فإن وعد الله حق لا يتخلف، فأولى لك أن تقبل على ما دعوناك إليه من الإيمان، ولكن هذا الشقي الفاجر - مع الحث والتحذير له من والديه - يصر ويقول: ﴿ما هذا إلا أساطير الأولين﴾ أي: ما هذا الذي تسميانه وعد الله إلا إباطيل وأكاذيب السابقين الأولين قد كتبوها وسطروها من غير أن يكون لها حقيقة. ١٨ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِين﴾:

стр. 4547

أي: هؤُلاء الكفار الذين بعدوا من الحق وعن الصراط المستقيم قد وجب عليهم القول والوعيد الذي قاله الله لإبليس ومن تبعه - عليهم اللعنة -: ﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ (١) وسيكونون في عداد أُمم وجماعات من الجن والإنس كانوا على شاكلتهم كذبوا كما كذبوا وعاندوا واستكبروا وساروا على نهجهم فباءوا بالخسران والحرمان من الجنة التي خسروها بسوء معتقدهم وفحش عملهم. ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾. المفردات: ﴿الهون﴾: الهوان والذل. التفسير ١٩ - ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: أي: ولكل فريق من الأبرار الأتقياء، والعاقين الأشقياء لكل منهما منازل ينزلون فيها في أخراهم، فأهل الجنة لهم درجات ونعيم يتقلبون فيه، في سعادة غامرة، وقلوب بالرضا عامرة، ونفوس مطمئنة في جنات تختلف منازلها رفعة وعلوا، فالذين رفعتهم أعمالهم إلى درجات أعلى لا يجدون في نفوسهم على مَنْ دونهم في الجنة استكبارا أو استعلاء، كما لا يجد الذين منحهم الله في جناته دون ذلك في صدورهم غلا ولا حقدا على من فوقهم منزلة في الجنة، قال - تعالى -: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (٢).

стр. 4548

أما الفريق العاق العاصي فإنه يتدنَّى ويتسفل في دركات النار يلقى سعيرها ويعذب بأليم عقابها يتلاومون فيها ويلقى كل على صاحبه التبعة، ويتبرأ الذين اتُّبعُوا من الذين اتَّبعوا، وهم يومئذ بعضهم لبعض عدو. وهذا النعيم المقيم، وذاك العذاب الأليم يجزيهم الله - سبحانه - به جزاءً وفاقًا على أعمال عملوها في الدنيا فلا ينقص الله من أجر الطائعين، ولا يزيد في عقاب العاصين: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ (١). ٢٠ - ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا … ﴾ الآية: لما ذكر أحوال بعض الأشقياء ومآلهم أردفه - جل وعلا - بذكر حال الكافرين عامة في أُخراهم، أي: ذكِّر يا محمَّد هؤلاء المعاندين المكابرين - ذكرهم - يوم يظهر الله للكفار نار جهنم فينظرون إليها ويعلمون أنهم ملاقوها فيقال لهم - تقريعا وتوبيخًا وتسفيهًا لهم عما قدموا -: استنفدتم طيباتكم من المآكل والمشارب والملابس، والمفارش وأنواع المتع والشهوات، وتمتعتم بتلك اللذائذ واستعجلتموها في الدنيا، فليس لكم حظٌّ ولا نصيبٌ منها في الآخرة؛ لأنكم لم تكونوا مؤمنين حتى تنالوا النعيم الأبدي الخالد، بل اشتغلتم بشهوات الدنيا ولذائذها، وقضيتم حياتكم في لهو الشهوات وحمأة المعاصي، وعميت أبصاركم عما ينفعكم في الآخرة من الإيمان باللهِ والعمل في مرضاته، ففي هذا اليوم - وهو يوم القيامة - يُجازيكم الله عذاب الذُّل وعقاب الهوان؛ لأنكم كنتم في الدنيا تستعلون وتتكبرون بغير استحقاقٍ لكم في ذلك الصلف والكبر، وتستنكفون أن تعترفوا بأنكم خلق الله وعباده؛ فترفعتم عن الإيمان بالله إلها واحدًا، ومع هذا الكفر الصريح الدائم منكم كنتم مستمرين على الفسق خارجين عن طاعته - سبحانه - فقد جمعتم بين ذنب القلب بالكفر، وذنب الجوارح بالعصيان والفسق.

стр. 4549

هذا، والترفع والزهد في الاستمتاع بلذائذ الحياة سمة الصالحين وحلية الأولياء، وأُسوتهم في ذلك رسولنا ﷺ فقد ورد في صحيح مسلم وغيره أن عمر ﵁ دخل على النبي ﵊ في مشربته حين هجر نساءه، قال عمر: فالتفت فلم أر شيئًا يرد البصر إلا أُهُبًا (١). (جلودًا معطونة قد سطع ريحها)، فقال: يا رسول الله؛ أنت رسول الله وخيرته، وهذا كسرى وقيصر في الديباج والحريير؟ فقال: فاستوى جالسًا وقال: "أفي شك أنت يا بن الخطَّاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا"، فقلت: استغفر الله لي، فقال: "اللهم اغفر له". وقال حفص بن أبي العاص: كنت أتغدى عند عمر بن الخطاب ﵁ الخبز والزيت، والخبز والخلّ، والخبز واللبن، والخبز والقديد، وأقل ذلك اللحم الغريض (الطري غير المجفف)، وكان يقول: لا تنخلوا الدقيق فإنه طعام كله، فجيء بخبز متفلع (مشقق غليظ) فجعل يأكل ويقول: كلوا، فجعلنا لا نأكل، فقال: ما لكم لا تأكلون؟ فقلنا: والله يا أمير المؤمنين نرجع إلى طعام ألين من طعامك هذا: فقال: يا بن العاص، أما ترى بأني عالم أن لو أمرت بعناق (٢) سمينة فيلقى عنها شعرها ثم تخرج مصليَّة (مشوية) كأنها كذا وكذا، أما ترى بأني عالم أن لو أمرت بصاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء ثم أشنّ عليه من الماء فيصبح كأنه دم غزال، إلى أن قال: والله الذي لا إله إلا هو لولا أني أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة لشاركناكم العيش، ولكني سمعت الله - تعالى - يقول لأقوام: ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾. وقال جابر: اشتهى أهلي لحمًا فاشتريته لهم فمررت بعمر بن الخطاب ﵁ فقال: ما هذا يا جابر؟ فأخبرته، فقال: أو كلما اشتهى أحدكم شيئًا جعله في بطنه؟ أما يخشى أن يكون من أهل هذه الآية: ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾

стр. 4550

قال ابن العربي: وهذا عتاب منه على التوسع بابتياع اللحم والخروج عن جلف الخبز والماء؛ فإن تعاطى الطيبات من الحلال تستشره له الطباع وتستمرئه العادة، فإذا فقدتها استسهلت في تحصيلها بالشبهات حتى تقع في الحرام المحض بغلبة العادة واستشراه الهوى على النفس الأمارة بالسوء، فأخذ عمر الأمر من أوله وحماه من ابتدائه كما يفعله مثله. والذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه: على المرء أن يأكل ما وجد طيبا أو قفارًا (طعام بلا أُدم) ولا يتكلف الطيب ويتخذه عادة؛ وقد كان النبي ﷺ يشبع إذا وجد، ويصبر إذا عدم، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها، ويشرب العسل إذا اتفق له، ويأكل اللحم إذا تيسر، ولا يعتمد أصلًا ولا يجعله ديدنًا، ومعيشة النبي ﷺ معلومة، وطريقة الصحابة - رضوان الله عليهم - منقولة، فأما اليوم عند استيلاء الحرام وفساد الحطام فالخلاص عسير، والله يهب الإخلاص، ويعين على الخلاص برحمته. وقيل: إن التوبيخ واقع على ترك الشكر لا على تناول الطيبات المحللة، وهو حسن؛ فإن تناول الطيب الحلال مأذون فيه؛ فإذا ترك الشكر عليه واستعان به على ما لا يحل فقد أذهبه. ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ المفردات: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾: هو هود ﵇ وكانت أخوته لعاد في النسب لَا في الدين. ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾: وهي جمع حقف، وهو: ما استطال من الرمل العظيم واعوج ولم يبلغ أن يكون جبلًا، من احقوقف الشيء: إذا اعوج.

стр. 4551

﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: وقد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده، والنذر: جمع نذير. التفسير ٢١ - ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: لما كان أهل مكة مستغرقين في الكفر معرضين عن الإيمان وما جاء به الرسول ﷺ ناسب تذكيرهم بما جرى لعادٍ، وقد كانوا أكثر أموالا وأشد قوة وأعظم جاهًا منهم؛ فسلط الله عليهم العذاب العظيم بسبب شركهم وطغيانهم، وفي ذلك تسلية للنبي ﷺ عن تكذيب من كذبه من قومه، وإنذارٌ لقريش لكفرهم. والمعنى: واذكر - أيها النبي - لهؤلاء المشركين قصة هود ﵇ وقت إنذاره قومه عادًا عاقبة الشرك - وهي العذاب العظيم - ليعتبروا بها، وقيل: أمره بأن يتذكر في نفسه قصة هود ﵇ ليقتدى ويهون عليه تكذيب قومه له. وكان قومه بالأحقاف وهي مساكنهم، وكانت رمالًا عظيمة مشرفة على البحر بأرض يقال لها: الشِّحْر، والشِّحر قريب من عدن، يقال: شحر عُمان، وهو ساحل البحر بين عُمَان وعدن، وقال ابن إسحاق: مساكنهم من عمان إلى حضر موت، أي: في الجنوب الشرقي من جزيرة العرب. وبعض المنقبين في الزمن القريب يرى أن مساكنهم شرق العقبة، معتمدين على كتابات خطية عثروا عليها في خرائب معبد كشفوا عنه في جبل إرم، ووجدوا في جانب الجبل آثارا جاهلية قديمة، فرجحوا أن هذا المكان هو موضع إرم التي ذكرها القرآن الكريم (١) ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: وقد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده، أي: واذكر زمان إنذار هود قومه بما أنذر به الرسل قبله وبعده، وهو

стр. 4552

أن لا تعبدوا إلا الله، إيذانًا باشتراك المنذرين جميعًا في معنى العبارة المحكية، وتنبيهًا على أنه إنذار ثابت قديمًا وحديثًا، اتفقت عليه الرسل في دعوتهم إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له. ﴿إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم﴾ وهو يوم القيامة إن عبدتم غير الله، والجملة تعليل للنهي، أي: لا تعبدوا إلا الله؛ لأني أخاف عليكم أشد العذاب وأقساه. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المفردات: ﴿لتأفكنا عن آلهتنا﴾ أي: لتصرفنا وتمنعنا عن عبادة آلهتنا. ﴿فأتنا بما تعدنا﴾ من العذاب، وهذا يدل على أن الوعد قد يوضع موضع الوعيد، فكما يقال: وعده خيرا وبالخير، يقال: وعده شرا وبالشر. ﴿قومًا تجهلون﴾ أي: تتّصفون بالجهل وعدم الإدراك في سؤالكم استعجال العذاب ممن بعث إليكم منذرا.

стр. 4553

﴿فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم﴾: جمع واد، وهو كل منفرج بين جبال أو آكام يكون منفذا للسيل. ﴿ريح فيها عذاب أليم﴾ أي: بل الذي زعمتموه سحابًا ممطرًا هو ريح متكاثفة فيها عذاب مؤلم لكم. ﴿فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم﴾ أي: فاجأتهم الريح فدمرتهم ولم يبق شيء يرى إلا مساكنهم. ﴿كذلك نجزي القوم المجرمين﴾ أي: مثل هذه العقوبة نعاقب من أجرم مثل جرمهم. التفسير ٢٢ - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: أي: قال قوم هود إنكارا عليه: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا - كما قال الضحاك - من الأفْك بمعنى الصرف، وقد وعدتنا بإنزال العذاب بنا عقابًا لنا على الشرك في الدنيا فعجل بهذا العذاب إن كنت صادقًا في وعدك بنزوله بنا. ٢٣ - ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: أي: فأجابهم ﵇ قائلا: إنما العلم بوقت نزول العذاب، أو بجميع الأشياء التي من جملتها ذلك عند الله وحده، فيعلم إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب فيفعل ذلك بكم ويأتيكم به في وقته، وأما أنا فلا علم لي بوقت نزوله ولا مدخل لي في اقتراح إتيانه وحلوله. ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ من مقاصد الرسالة التي من جملتها بيان نزول العذاب إن لم تنتهوا عن الشرك، من غير وقوف على وقت نزوله ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أي: شأنكم الجهل حيث تقترحون عليَّ ما ليس من وظائف الرسل من الإتيان بالعذاب وتعيين وقته، ولو كنتم على شيء من العلم لأدركتم أن الرسل بعثوا منذرين لا مقترحين ولا سائلين غير ما أُذن لهم فيه.

стр. 4554

٢٤، ٢٥ - ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾: أي: فأتاهم العذاب الذي استعجلوه، فلما رأوه سحابًا ممتدًا في عرض الأُفق متوجها نحو أوديتهم حسبوه سحابًا ممطرًا، وكان المطر قد أبطأ عليهم فاستبشروا به، حيث ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ فرحًا به، ولا سيما أنه قد جاء من واد جرت العادة أن ما جاء منه يكون غيثًا - قاله ابن عباس وغيره - ولكن ما توقعوه تبين لهم أنه سراب خادع حين قال لهم هود ﵇: ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم﴾ أي: هو العذاب الذي استعجلتموه لما قلتم: ﴿فائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين﴾ أتاكم متمثلًا في ريح كثيفة عاصفة تحل الفساطيط (١) وترفع الظعينة (٢) بين السماء والأرض ثم تضرب بها الصخور، وقد اعتزل هود ومن معه في حظيرة - كما روى عن ابن عباس - ما يصيبهم من الريح إلا ما تلين به الجلود وتلذه الأنفس، وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة. ونقل القرطبي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: أول ما رأوا العارض قاموا فمدوا أيديهم وأول ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجًا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح ما بين السماء والأرض مثل الريش، وأمر الله الريح فأمالت عليهم الرمال فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، ولهم أنين، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال، واحتملتهم فرمتهم في البحر، فهي التي قال الله فيها: ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها﴾ اهـ. أي: تهلك هذه الريح كل شيء مرت عليه من نفوسهم وأموالهم بإذن ربها وتقديره، وفي ذكر الأمر والرب والإضافة إلى ضمير الريح من الدلالة على عظمة شأنه ما لا يخفى، وكان الرسول ﷺ إذا عصفت الريح قال: "اللهم إني أسألك خيرها وخير

стр. 4555

ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به" فإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا أمطرت سُرِّى عنه، فسألته السيدة عائشة فقال: لعله يا عائشة كما قال قوم هود: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ أخرج الحديث مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة. ﴿فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم﴾ أي: فجاءتهم الريح فدمرتهم عن آخرهم فأصبحوا بحيث لا يرى إلا مساكنهم وقد بقى منها ما يدل عليها، وقرأ الجمهور "ترى" بالتاء ونصب مساكنهم خطابًا لكل أحد يتأتى منه الرؤية تنبيها على أن حالهم بحيث لو حضر كل أحد بلادهم لا يرى فيها إلا مساكنهم، أو الخطاب لسيد المخاطبين ﷺ . ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: مثل تلك العقوبة التي نزلت بعاد، يجزي الله كل من كذب رسله. ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾
следующие страницы →