← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: وقد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده، والنذر: جمع نذير. التفسير ٢١ - ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: لما كان أهل مكة مستغرقين في الكفر معرضين عن الإيمان وما جاء به الرسول ﷺ ناسب تذكيرهم بما جرى لعادٍ، وقد كانوا أكثر أموالا وأشد قوة وأعظم جاهًا منهم؛ فسلط الله عليهم العذاب العظيم بسبب شركهم وطغيانهم، وفي ذلك تسلية للنبي ﷺ عن تكذيب من كذبه من قومه، وإنذارٌ لقريش لكفرهم. والمعنى: واذكر - أيها النبي - لهؤلاء المشركين قصة هود ﵇ وقت إنذاره قومه عادًا عاقبة الشرك - وهي العذاب العظيم - ليعتبروا بها، وقيل: أمره بأن يتذكر في نفسه قصة هود ﵇ ليقتدى ويهون عليه تكذيب قومه له. وكان قومه بالأحقاف وهي مساكنهم، وكانت رمالًا عظيمة مشرفة على البحر بأرض يقال لها: الشِّحْر، والشِّحر قريب من عدن، يقال: شحر عُمان، وهو ساحل البحر بين عُمَان وعدن، وقال ابن إسحاق: مساكنهم من عمان إلى حضر موت، أي: في الجنوب الشرقي من جزيرة العرب. وبعض المنقبين في الزمن القريب يرى أن مساكنهم شرق العقبة، معتمدين على كتابات خطية عثروا عليها في خرائب معبد كشفوا عنه في جبل إرم، ووجدوا في جانب الجبل آثارا جاهلية قديمة، فرجحوا أن هذا المكان هو موضع إرم التي ذكرها القرآن الكريم (١) ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: وقد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده، أي: واذكر زمان إنذار هود قومه بما أنذر به الرسل قبله وبعده، وهو

стр. 4552

أن لا تعبدوا إلا الله، إيذانًا باشتراك المنذرين جميعًا في معنى العبارة المحكية، وتنبيهًا على أنه إنذار ثابت قديمًا وحديثًا، اتفقت عليه الرسل في دعوتهم إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له. ﴿إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم﴾ وهو يوم القيامة إن عبدتم غير الله، والجملة تعليل للنهي، أي: لا تعبدوا إلا الله؛ لأني أخاف عليكم أشد العذاب وأقساه. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المفردات: ﴿لتأفكنا عن آلهتنا﴾ أي: لتصرفنا وتمنعنا عن عبادة آلهتنا. ﴿فأتنا بما تعدنا﴾ من العذاب، وهذا يدل على أن الوعد قد يوضع موضع الوعيد، فكما يقال: وعده خيرا وبالخير، يقال: وعده شرا وبالشر. ﴿قومًا تجهلون﴾ أي: تتّصفون بالجهل وعدم الإدراك في سؤالكم استعجال العذاب ممن بعث إليكم منذرا.

стр. 4553

﴿فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم﴾: جمع واد، وهو كل منفرج بين جبال أو آكام يكون منفذا للسيل. ﴿ريح فيها عذاب أليم﴾ أي: بل الذي زعمتموه سحابًا ممطرًا هو ريح متكاثفة فيها عذاب مؤلم لكم. ﴿فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم﴾ أي: فاجأتهم الريح فدمرتهم ولم يبق شيء يرى إلا مساكنهم. ﴿كذلك نجزي القوم المجرمين﴾ أي: مثل هذه العقوبة نعاقب من أجرم مثل جرمهم. التفسير ٢٢ - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: أي: قال قوم هود إنكارا عليه: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا - كما قال الضحاك - من الأفْك بمعنى الصرف، وقد وعدتنا بإنزال العذاب بنا عقابًا لنا على الشرك في الدنيا فعجل بهذا العذاب إن كنت صادقًا في وعدك بنزوله بنا. ٢٣ - ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: أي: فأجابهم ﵇ قائلا: إنما العلم بوقت نزول العذاب، أو بجميع الأشياء التي من جملتها ذلك عند الله وحده، فيعلم إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب فيفعل ذلك بكم ويأتيكم به في وقته، وأما أنا فلا علم لي بوقت نزوله ولا مدخل لي في اقتراح إتيانه وحلوله. ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ من مقاصد الرسالة التي من جملتها بيان نزول العذاب إن لم تنتهوا عن الشرك، من غير وقوف على وقت نزوله ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أي: شأنكم الجهل حيث تقترحون عليَّ ما ليس من وظائف الرسل من الإتيان بالعذاب وتعيين وقته، ولو كنتم على شيء من العلم لأدركتم أن الرسل بعثوا منذرين لا مقترحين ولا سائلين غير ما أُذن لهم فيه.

стр. 4554

٢٤، ٢٥ - ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾: أي: فأتاهم العذاب الذي استعجلوه، فلما رأوه سحابًا ممتدًا في عرض الأُفق متوجها نحو أوديتهم حسبوه سحابًا ممطرًا، وكان المطر قد أبطأ عليهم فاستبشروا به، حيث ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ فرحًا به، ولا سيما أنه قد جاء من واد جرت العادة أن ما جاء منه يكون غيثًا - قاله ابن عباس وغيره - ولكن ما توقعوه تبين لهم أنه سراب خادع حين قال لهم هود ﵇: ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم﴾ أي: هو العذاب الذي استعجلتموه لما قلتم: ﴿فائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين﴾ أتاكم متمثلًا في ريح كثيفة عاصفة تحل الفساطيط (١) وترفع الظعينة (٢) بين السماء والأرض ثم تضرب بها الصخور، وقد اعتزل هود ومن معه في حظيرة - كما روى عن ابن عباس - ما يصيبهم من الريح إلا ما تلين به الجلود وتلذه الأنفس، وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة. ونقل القرطبي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: أول ما رأوا العارض قاموا فمدوا أيديهم وأول ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجًا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح ما بين السماء والأرض مثل الريش، وأمر الله الريح فأمالت عليهم الرمال فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، ولهم أنين، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال، واحتملتهم فرمتهم في البحر، فهي التي قال الله فيها: ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها﴾ اهـ. أي: تهلك هذه الريح كل شيء مرت عليه من نفوسهم وأموالهم بإذن ربها وتقديره، وفي ذكر الأمر والرب والإضافة إلى ضمير الريح من الدلالة على عظمة شأنه ما لا يخفى، وكان الرسول ﷺ إذا عصفت الريح قال: "اللهم إني أسألك خيرها وخير

стр. 4555

ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به" فإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا أمطرت سُرِّى عنه، فسألته السيدة عائشة فقال: لعله يا عائشة كما قال قوم هود: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ أخرج الحديث مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة. ﴿فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم﴾ أي: فجاءتهم الريح فدمرتهم عن آخرهم فأصبحوا بحيث لا يرى إلا مساكنهم وقد بقى منها ما يدل عليها، وقرأ الجمهور "ترى" بالتاء ونصب مساكنهم خطابًا لكل أحد يتأتى منه الرؤية تنبيها على أن حالهم بحيث لو حضر كل أحد بلادهم لا يرى فيها إلا مساكنهم، أو الخطاب لسيد المخاطبين ﷺ . ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: مثل تلك العقوبة التي نزلت بعاد، يجزي الله كل من كذب رسله. ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾

стр. 4556

المفردات: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ أي: جعلنا لهم سلطانًا وقدرة على التصرف في الذي ما مكناكم فيه ولا سخرناه لكم. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: لم تنفعهم تلك الحواس أي نفع في دفع العذاب عنهم؛ حيث أهملوا الانتفاع بها فانغمسوا في الضلال. ﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: يكفرون بها. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: أحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه استهزاءً به. ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾ أي: كررنا الحجج والدلالات لكي يرجعوا عن كفرهم. ﴿قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ القربان: كل ما يتقرب به إلى الله - تعالى - من طاعة ونسيكة - قاله الكسائي - وجمعه: قرابين، أي: اتخذوا الآلهة متقربًا بها إلى الله - تعالى -. ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أي: غابوا عن نصرتهم. ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: وضلال آلهتهم عنهم وامتناع نصرتهم إياهم هو دليل كذبهم وافترائهم في قولهم: إنها تقربهم إلى الله زلفى. التفسير ٢٦ - ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: خطاب لأهل مكة على سبيل التهديد، والمعنى: ولقد مكنا الأمم السابقة في الدنيا وأعطيناهم من القوة والسعة وطول الأعمار وسائر التصرفات ما لم نعطكم مثله يا أهل مكة، وجعلنا لهم سمعًا وأبصارا وأفئدة ليستعملوها فيما جعلها الله له فيعرفوا بكل منها مختلف النعم التي يستدلون بها على شئون الخالق المنعم في تفضله عليهم فيؤمنون به ويداومون على شكره. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: أنها لم تغن عنهم أي شيء من الإغناء، ولم تُذهب عنهم شيئًا من عذاب الله،

стр. 4557

لم يستعملوا سمعهم في استماع الوحي ومواعظ الرسل، وأبصارهم في اجتلاء الآيات الكونية الناطقة بقدرة الله ووحدانيته، وقلوبهم في التأمل طلبًا لمعرفة الله. وإفراد السمع في النظم الكريم وجَمْعُ غيره لاتحاد المدرك به وهو الأصوات، وتعدد مدركات غيره، وقد تأتي الإضافة إلى جمع مرادا بها الجمع، فكأنه قيل: أسماعهم. ﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: تعليل لما سبق من عدم إغناء سمعهم عنهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم، أي: لأنهم كانوا يكفرون بالله وينكرون آياته المنزلة على رسله إعراضًا عنهم، وتكذيبًا لهم. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: ونزل بهم العذاب الذي أحاط بكل جهاتهم، وكانوا يستعجلونه بطريق السخرية والاستهزاء فلم يبق منهم ولم يذر أحدا. ٢٧ - ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: تهديد آخر لكفار مكة وتخويف لهم بذكر سوء عاقبة أمثالهم السابقين. والمعنى: ولقد أهلكنا القرى المجاورة لكم والمحيطة بكم كقرى عاد وحِجر ثمود ومساكن سبأ وقرى قوم لوط، وكانوا يمرون بها في أسفارهم وكانت أخبارها متواترة عندهم، وكررنا الحجج وأنواع البينات والعظات ووضحناها لأهل ثلاث القرى ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لكي يرجعوا عما هم فيه من الكفر والمعاصي إلى الطاعة والإيمان. ٢٨ - ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: الآية تهكم بالمشركين، والمعنى: فهلاَّ نصرهم الذين اتخذوهم آلهة يتقربون بها إلى الله تعالى لتشفع لهم، حيث كانوا يقولون: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، فهلاَّ منعوهم من الهلاك الواقع بهم؟! ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أي: غابوا عنهم ولم ينصروهم؛ لأنهم آثمون بعبادتهم فكيف ينصرونهم أو يشفعون لهم؟ هذا إذا

стр. 4558

كانت معبوداتهم عاقلة كالبشر أو الملائكة، فإن كانت غير عاقلة كالأصنام والكواكب كان المعنى: غاب عنهم نفعهم لعدم فائدتهم، فهم جمادات فكيف ينصرونهم؟ وقيل المعنى: ترك المشركون الأوثان وتبرأوا منها، أو هلكت معبوداتهم فاستحال نصرها لهم ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: وضلال آلهتهم عنهم في الدنيا ويوم القيامة هو أثر كذبهم في قولهم: إنها تقربنا إلى الله، وإنها شفعاؤنا عنده. ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ المفردات: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: وجهنا إليك نفرا من الجن، والنفر: من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة من الرجال. ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ أي: فرغ من تلاوته.

стр. 4559

﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: رجعوا إليهم مخوفين من عذاب الله. ﴿كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾: وهو القرآن الكريم. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: لما قبله من التوراة؛ لأنهم كانوا مؤمنين بموسى. ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا يفوت الله طلبًا. ولا يعجزه هربًا، وإن هرب كل مهرب من أقطارها أو دخل في أعماقها. ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: أولئك الذين لا يستجيبون لله في خسران واضح بيِّن بحيث لا يخفى على أحد. التفسير ٢٩ - ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: في القصة المذكورة توبيخ لمشركي قريش حيث إن الجن سمعوا القرآن فآمنوا به، وعلموا أنه من عند الله، وهؤلاء معرضون عنه مصرون على الكفر به، مع أنهم من أهل اللسان الذي نزل به، ومن جنس الرسول الذي جاء به، والجن ليسوا كذلك. والمعنى: واذكر - أيها النبي - لقومك الوقت الذي صرفنا فيه ووجهنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن منك وهم - كما قال ابن عباس - سبعة نفر من جن نصيبين، وقال زر بن حبيش: كانوا تسعة أحدهم زوبعة، وقيل: كانوا سبعة، ثلاثة من أهل نجران وأربعة من أهل نصيبين، كذلك قيل - والله أعلم - فلما بلغوا تهامة اندفعوا إلى بطن نخل، فوافوا رسول الله ﷺ وهو قائم يصلى في جوف الليل، وقيل: يؤم أصحابه في صلاة الفجر، فلما حضروا تلاوته قال بعضهم لبعض: أنصتوا تمكينًا لنا من سماعه وتأدبًا معه، وحينما قُضِي القرآن وفُرِغ من تلاوته ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أي: انصرفوا قاصدين من وراءهم من قومهم منذرين لهم عاقبة مخالقة القرآن، ومخوفين إياهم بأس الله إن لم يؤمنوا.

стр. 4560

وروى عن سعيد بن جبير ما يشير إلى أن رسول الله ﷺ ما قرأ على الجن ولا رآهم وإنما كان يتلو في صلاته فوقفوا مستمعين وهو لا يشعر بهم فأنبأه الله تعالى باستماعهم حيث أوحى إليه قوله تعالى: ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن .. ﴾ وقيل: بل أمره الله - تعالى - أن ينذر الجن ويقرأ عليهم القرآن، فصرف إليه نفرا منهم ليستمعوا منه وينذروا قومهم. فقد روى أنه ﷺ قال: "إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فمن يتبعني؟ قالها ثلاثًا، فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود ﵁ قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة في شعب، خطَّ لي خطا فقال: لا تخرج منه حتى أعود إليك ثم افتتح القرآن، وسمعت لغطا شديدًا حتى خفت على رسول الله ﷺ إلى أن قال: ثم انقطعوا كقطع السحاب، فقال رسول الله: هل رأيت شيئًا؟ قلت: نعم، رجالًا سودا، مستشعري ثيابٍ بيضٍ. فقال: أُولئك جن نصيبين" وكانت هذه القصة قبل الهجرة بثلاث سنين على ما صح عن ابن عباس. وهذه الرواية لا تعارض الرواية التي تقول: إنهم صادفوا وقت قراءته ﷺ فإن ذلك كان في واقعة أُخرى، بل قيل: إن وفادة الجن كانت ست مرات، ولتعدد الوقائع اختلفت الروايات في عدد الجن الذين حضروا وفي المكان والزمان لاستماعهم القرآن. ويستفاد من الآية: أن في الجن نذرًا وليس فيهم رسلًا - تعالى -: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم من أهل القرى﴾ (١) وأما قوله - تعالى -: ﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ (٢) فالمراد من مجموع الجنسين فيصدق على أحدهما، وتعلق قوم بظاهر النص فقالوا: إن الجن كانت لهم رسل منهم - انظر تفسير الآية في الكشاف. ٣٠ - ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أي: قال الجن لقومهم حينما رجعوا إليهم: يا قومنا إنا سمعنا كتابًا عظيم القدر رفيع الشأن أنزل على رسول من بعد موسى، وقد ذكروا بعديته لموسى دون بعديته لعيسى؛ لأن عيسى كان مأمورًا بالعمل بمعظم ما في التوراة أو بكله، حيث أنزل عليه

стр. 4561

الإنجيل مشتملًا علي كثير من المواعظ، وقليل من التحليل والتحريم. فهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة، أو لأن الجن كانت يهودًا - كما قال عطاء - ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: أن القرآن مصدق لما تقدمه، وأرادوا به التوراة أو جميع الكتب الإلهية السابقة. ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: أنه يرشد إلى العقائد الصحيحة وإلى طريق مستقيم من الأحكام الفرعية، أو ما يعمها وغيرها من الأركان والقواعد على أنه من ذكر العام بعد الخاص. ٣١ - ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: يحتمل أنهم أرادوا بداعي الله ما سمعوه من القرآن الذي طلبوا الاستجابة له والإيمان به، ووصفوه بالهداية إلى الحق والصراط المستقيم لتلازمهما. ويحتمل أنهم أرادوا به محمدًا ﷺ حيث دعاهم إلى الله وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين - الإنس والجن - وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم وهي سورة الرحمن فطلبوا الاستجابة له والإيمان به، وهذا يدل على أنه كان مبعوثًا إلى الجن والإنس، قال مقاتل: لم يبعث الله نبيًّا إلى الجن والإنس قبل محمد ﷺ ويؤيد هذا ما في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود إلى آخر الحديث" قاله مجاهد: الأحمر والأسود: الجن والإنس، وفي رواية من حديث أبي هريرة: "بعثت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون". ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: يغفر لكم بعض ذنوبكم وهو الذنوب السالفة، وقيد الخطاب معهم بما يدل على التبعيض دفعًا لتوهمهم أنهم إذا أجابوا داعي الله - تعالى - وآمنوا به يغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر، وقال أبو السعود: أي: بعض ذنوبكم وهو ما كان في خالص حق الله تعالى؛ فإن حقوق العباد لا تغفر بالإيمان.

стр. 4562

﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ مُعَدٍّ للكفرة، ويدل هذا على أن الجن مكلفون، واختلف في أن لهم أجرًا غير غفران الذنوب والإجارة من العذاب الأليم أولا، والأظهر أنهم في حكم بني آدم ثوابًا وعقابًا، قال ابن عباس: لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها. وقال الآخرون: إنهم كما يعاقبون في الإساءة يجازون في الإحسان مثل الإنس، وإليه ذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلى وغيرهم، وقال الضحاك: يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون لقوله تعالى: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ (١) ولعل الاقتصار على ما ذكر من غفران الذنوب لهم والإجارة من العذاب الأليم؛ لأن المقام مقام إنذار، فلذا لم يذكر فيه شيء من الثواب، وقيل: لا ثواب لمطيعهم إلا النجاة من النار قال الحسن: ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار، فيقال لهم: كونوا ترابًا فيكونون ترابًا، وبه قال أبو حنيفة، وعلق القشيري على هذا الخلاف فقال: والصحيح أن هذا مما لم يقطع فيه بشيء والعلم عند الله، على أن ما ذكر من الجزاء على الإيمان بتكفير الذنوب والإجارة من العذاب يستلزم دخول الجنة؛ لأنه ليس في الآخرة إلا الجنة أو النار، فمن أجير من النار دخل الجنة لا محالة. ٣٢ - ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: إيجاب للإجابة بطريق الترهيب بعد إيجابها بطريق الترغيب، أي: ومن لا يؤمن بالله استجابة لداعيه، فإنه لا يفوت الله طلبًا، ولا يعجزه هربًا، لبالغ قدرته وعظيم سلطانه، وقد نجح هذا الأُسلوب في كثير منهم، فجاءوا إلى رسول الله يبتغون سبيل الهدى والرشاد، وتقييد الإعجاز بكونه في الأرض لتوسيع الدائرة، بمعنى أنه ليس بمعجز - له تعالى - بالهرب وإن هرب كل مهرب من أقطارها أو دخل في أعماقها. ﴿وليس له من دونه أولياء﴾ إبراز لاستحالة نجاته بمعاونة أنصار يمنعونه من عذاب الله بعد بيان استحالة نجاته بنفسه، وعاد الضمير مفردًا في قوله - تعالى -: ﴿وليس له﴾ باعتبار لفظ ﴿من﴾ والمراد به الجمع، ويؤيد ذلك قراءة ابن عامر: ﴿وليس لهم﴾ بضمير الجمع ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: أولئك الموصوفون

стр. 4563

بعدم إجابة داعي الله في ضلال واضح بيِّنٍ لا يخفى على أحد كونه ضلالًا؛ لبعده عن الحق ومجافاته له، وجمع ﴿أولئك﴾ باعتبار معنى ﴿من﴾. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوالْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ المفردات: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: أو لم يعلموا؛ لأن المراد بالرؤية هنا العلم. ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أي: لم يتعب به أصلًا. ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ أي: يوقفون عليها ويمررون بها. ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ أي: كأنهم حين يرونها لم يمكثوا في الدنيا إلا وقتًا يسيرًا من نهار لشدة العذاب وطول مدته. ﴿بَلَاغٌ﴾ أي: أن ما وعظوا به كفاية في الموعظة، أو تبليغ من الرسول.

стр. 4564

﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة الله، أو عن الاتعاظ بما وعظوا به. التفسير ٣٣ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: الهمزة في ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ للإنكار، والمعنى: أغفل هؤلاء الكفار المنكرون للبعث ولم يعلموا علمًا جازمًا أن الله العظيم أبدع خلق السموات والأرض ابتداء من غير مثال يحتذيه، ولم يلحقه بذلك تعب أصلًا، أو لم يعجز عنه - أو لم يرده - ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ أي: أنه - سبحانه - وقد أبدع خلق السموات والأرض في الابتداء قادر قدرة بالغة على أن يحيى الموتى بعد الفناء، ويعيدهم بعد تفرق الأشلاء. ودخلت الباء هنا في خبر أنَّ تأكيدًا للمعنى لاشتمال النفي في أول الآية على أن وما في حيزها كأنه قيل: أو ليس الله قادر على أن يحيى الموتى؟ ولذلك أجيب عنه بقوله تعالى: ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تقريرًا للقدرة على وجه عام ليكون كالبرهان على المقصود، فكأنه قيل: إحياء الموتى شيء، وكل شيء مقدور له - تعالى - فينتج عنه أن إحياء الموتى مقدور له، ويلزمه أنه قادر على إحياء الموتى: تفسير الآلوسي. ٣٤ - ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: أي: وذكِّر الكفار يوم يوقفون على النار فيقال لهم تقريعًا: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ إشارة إلى ما يشاهدونه من حيث هو من غير لفظ يدل عليه إذ هو اللائق بتهويله وتفخيمه، أو إشارة إلى العذاب الذي كانوا يكذبون به بدليل التصريح به بعد في قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ وفي ذلك توبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله ووعيده، وكان جوابهم مؤكدًا بالقسم حيث قالوا: ﴿بَلَى وَرَبِّنَا﴾ كأنهم يطمعون في الخلاص من العذاب بالاعتراف بحقية ذلك، وأنى لهم ذلك؟! ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: فيقول المقرِّر: فذوقوا العذاب بسبب استمراركم على الكفر في الدنيا.

стр. 4565

ومعنى أمرهم بذوق العذاب: الاستهانة بهم والتهكم والتوبيخ لهم، وذوق العذاب تمثيل لإدراك آثاره الأليمة والإحساس بها إحساسًا لا شك فيه. ٣٥ - ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوالْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾: أي: إذا كانت عاقبة أمر الكفرة إنزال العذاب بهم بسبب كفرهم فاصبر - أيها النبي - على الدعوة إلى الحق ومكابدة الشدائد بما يصيبك من أذى قومك الذي أنزلوه بك وبمن اتبعك. اصبر كما صبر أُولو العزم والثبات من الرسل المجتهدين في تبليغ الوحي فلم يصرفهم عنه صارف، ولم يعطفهم عنه عاطف، وإنك من جملتهم بل من عليتهم. فكل الرسل كانوا أُولى عزم كما قال ابن عباس، ولفظ (من) على هذا للتبيين، وقيل: هي لا تبعيض، والمراد من أُولي العزم: أصحاب الشرائع الذين اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها، وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاغين فيها، وقد اختلفوا في تعيينهم على أقوال: أشهرها أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتم الأنبياء محمَّد ﷺ فهم خمسة - قاله مجاهد - وقال مقاتل: هم ستة: نوح صبر على أذى قومه مدة طويلة، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق (١) صبر على الذبح ويعقوب صبر على فقد الولد، وذهاب البصر، ويوسف صبر على البئر والسجن، وأيوب صبر على الضر، وهناك أقوال أخرى كثرة ذكرها القرطبي وغيره فمن أرادها فليرجع إليها. ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أي: لا تدْعُ على كفار مكة بتعجيل العذاب لهم فإنه على شرف النزول بهم يوم القيامة وهو قريب لا شك فيه ﴿إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا﴾ (٢). ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذاب الذي أمروا بذوقه لم يمكثوا في الدنيا حتى جاءهم هذا العذاب. أو في قبورهم حتى بعثوا للحساب - كما قال النقاش لم يمكثوا - إلا وقتًا يسيرًا

стр. 4566

يقدر بساعة من نهار في جنب يوم القيامة لما يشاهدون من شدة العذاب وطول مدته حتى أنساهم هولُ ذلك طول مكثهم في الدنيا أو في قبورهم، وهذا الذي وعظتم به ﴿بلاغٌ﴾ أي: كاف في الموعظة، أو هذا القرآن بلاغ للناس - قال الحسن - بدليل ﴿إن في هذا لبلاغًا لقوم عابدين﴾ ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: لا يكون الهلاك والدمار إلا للكافرين الخارجين عن الاتعاظ بأمر الله، أو عن الطاعة، وفي الآية من الوعيد والإنذار ما فيها.

стр. 4567

سورة محمد هذه السورة مدنية وعدد آياتها ثمان وثلاثون، ولها اسمان سميت بهما، أحدهما: سورة محمَّد، لقوله - تعالى - في أول السورة: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ وثانيهما: القتال لقوله - تعالى - فيها: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾ من الآية رقم ٢٠. ومناسبتها للسورة التي قبلها أن حديثها عن الكفار الذي بدئت به متصل بما ختمت به سابقتها التي ذكرت حالهم يوم يعرضون على النار، بسبب كفرهم وإيذاء الرسول وإنكار البعث، وقررت مصيرهم بقول - تعالى -: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ حتى قال ابن كثير: لا يخفى قوة ارتباط أولها بآخر السورة قبلها واتصاله وتلاحمه بحيث لو سقطت من البين البسملة لكانا كلامًا واحدًا لا تنافر فيه، كالآية الواحدة آخذًا بعضها بعنق بعض. أهم أهداف السورة: ١ - بينت في بدايتها أن الله أبطل أعمال الكافرين لإعراضهم عن الحق واتباع الباطل، والوقوف في وجه الدعوة ليصدوا الناس عن دين الله، وأنه - سبحانه - كفّر عن المؤمنين سيئاتهم؛ لأنهم نصروا الحق وسلكوا طريقه واتبعوا ما أنزل على محمد ﷺ . ٢ - بينت - بإطناب - وجوب الدفاع عن الحق وما يتطلبه ذلك عند لقاء الكفار في بدء المعركة ونهايتها، وذكرت جزاء من قتل في سبيل الله ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ الآيات: ٤، ٥، ٦. ٣ - وعدت المؤمنين المدافعين عن دين الله بالتأييد والنصر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ … ﴾ الآية، وأوضحت أن للكافرين الشقاء والخسار ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ لأنهم كرهوا ما أنزل الله فأبطل أعمالهم. ٤ - حذرت كفار مكة سوءَ المصير فضربت لهم الأمثال بالطغاة المتجبرين من الأمم السابقة، وبينت أن الله دمر عليهم بسبب إجرامهم وطغيانهم. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ

стр. 4568

فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية، ثم ذكرت جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وعاقبة الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم، وأشارت إلى أن سنة الله إهلاك القرى الظالمة التي هي أشد من قريتك التي أخرجتك ﴿فلا ناصر لهم﴾. ٥ - ذكرت أنهار الجنة التي ينعم بها المؤمنون، وشراب الكافرين الذي يقطع أمعاءهم. ٦ - تحدثت بإسهاب عن المنافقين، وعما جبلوا عليه من الإنكار لما يسمعون من الرسول حيث كانوا يقولون لأولى العلم: ماذا قال آنفًا؟ تماديًا في الإعراض عن الحق وعلى جهة الاستهزاء، واستمرت آيات السورة تعدد مساوئهم مع تحذير المؤمنين أن يكونوا بينهم حتى لا يستمعوا لتثبيطهم، وهددتتم بهتك أستارهم بإظهار الرسول على أحقادهم التي يخفونها حيث كانوا يقولون ما لا يفعلون. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾. ٧ - ثم ختمت السورة مؤكدة أن الذين صدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما وضح الحق وتبين الهدى لن يضروا الله شيئًا، وسيحبط أعمالهم، وأنهم إذا ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم، وذمَّت البخلاء في الإنفاق وبينت استغناء الحق، وفقر الخلق في قوله: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ .. ﴾ الآية.

стр. 4569

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ المفردات: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: أعرضوا عن الإِسلام وامتنعوا عن الدخول فيه، من: صد صدودًا، أو منعوا الناس عن الدخول فيه، من: صده صدًّا. ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: أبطل كيدهم ومكرهم وتدبيرهم. ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: أزالها ومحاها بالإيمان والعمل الصالح. ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ أي: حالهم في الدين والدنيا، والبال كالمصدر ولا يعرف منه فعل. ﴿اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ أي: الشرك أو الشيطان. ﴿اتَّبَعُوا الْحَقَّ﴾: التوحيد والقرآن. التفسير ١ - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: قال ابن عباس: نزلت في المطعمين يوم بدر وهم اثنا عشر رجلًا من أهل الشرك منهم أبو جهل، والحارث بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبيُّ وأُمية ابنا خلف كانوا يمنعون

стр. 4570

الناس عن الإِسلام ويأمرونهم بالكفر، وقد أنفقوا في سبيل ذلك نفقة كثيرة، وقيل: المراد بهم أهل الكتاب الذين كفروا وصدوا من أراد منهم ومن غيرهم أن يدخل في الإِسلام، وقيل: هم أهل مكة الذين كفروا بتوحيد الله وصدوا عن الإِسلام من أراد الدخول فيه، والحق أن الآية عامة لكل من كفر وأعرض عن الإِسلام، أو كفر ومنع الناس من الدخول فيه (١) ويدخل في العموم كل ما نقل من أقوال دخول أوليا، هؤلاء أبطل الله أعمالهم وجعلها ضائعة ليس لها من يثيب عليها، ولا أثر لها أصلًا، بمعنى أنه حكم ببطلانها وضياعها لا بمعنى أنه أبطلها وأحبطها بعد أن لم تكن كذلك، وبطلانها بإبطال كيدهم ومكرهم بالنبي ﷺ حيث جعل الدائرة تدور عليهم، أو بإبطال ما عملوه في كفرهم مما كانوا يسمونه مكارم من صلة الأرحام، وترى الأضياف، وحفظ الجوار وعمارة المسجد الحرام ونحوها من كل مكرمة لهم وفخر. ٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾: قال ابن عباس فيما صح عنه: هم أهل المدينة الأنصار، وقيل: هم ناس من قريش، وقيل: من أهل الكتاب، والحق أن الآية عامة ويدخل فيها من ذكر دخولا أوليا، وتخصيص الإيمان بما نزل على محمَّد مع دخوله فيما قبله تنبيه على سمو مكانته بين الكتب السابقة التي جاء بها الرسل قبله. والمعنى: والذين آمنت قلوبهم، وانقادت جوارحهم فعملوا الأعمال الصالحة، وآمنوا بما أنزله الله على رسوله محمد ﷺ وهو القرآن الكريم، أولئك المؤمنون الذين وصفوا بما ذكر ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ التي حدثت منهم قبل الإيمان فأزالها ولم يؤاخذهم بها. ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ أي: حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمور الدين، والتسليط على الدنيا بما أعطاهم من النصر والتأييد على عدوهم حتى دانت لهم مشارق الأرض ومغاربها.

стр. 4571

٣ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾: بدئت الآية بالإشارة إلى ما مر من إضلال أعمال الكافرين، وتكفير سيئات المؤمنين وإصلاح بالهم. والمعنى: أن إضلال أعمال الذين كفروا بسبب أنهم اتبعوا الباطل وهو الذي لا أصل له أو اتبعوا الباطل وهو الشيطان - قال مجاهد - ففعلوا ما فعلوا من الكفر والصد عن سبيل الله، وأن رعاية المؤمنين بسبب أنهم اتبعوا الحق الذي لا محيد عنه كائن من ربهم، فآمنوا به وعملوا الأعمال الصالحة ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ أي: مثل هذا البيان الواضح يبين الله للناس أحوال الفريقين المؤمنين والكافرين وأوصافهما الجارية في الغرابة مجرى الأمثال، وهي اتباع المؤمنين الحق وفوزهم وفلاحهم، واتباع الكافرين الباطل وخيبتهم وخسرانهم. ويجوز أن يراد بضرب الأمثال التمثيل والتشبيه بأن جعل - سبحانه - اتباع الباطل مثلًا لعمل الكفار، والإضلال مثلًا لخيبتهم، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين، وتكفير السيئات مثلا لفوزهم.

стр. 4572

﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ المفردات: (فشدوا الوثاق) أي: فأحكموا قيد من أسرتموهم بعد إثخانهم بكثرة القتل وإضعافهم بالجراح. والوثاق - بالفتح والكسر -: اسم لما يوثق به كالقيد والحبل ونحوهما، والجمع وُثُق. ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ المن: إطلاق الأسير بغير عوض، والفداء: إطلاقه بعوض. ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي: آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح، والكُراع (١) وغير ذلك، وإسناد الوضع للحرب وهو لأهلها على سبيل المجاز. ﴿لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أي: لانتقم منهم فأهلكهم بغير الحرب كالزلزلة. ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: أمركم بالحرب ليختبر بعضكم ببعض فيمتحن المؤمنين بالكافرين تمحيصا للمؤمنين، ويمتحن الكافرين بالمؤمنين تمحيقًا لهؤلاء الكافرين.

стр. 4573

﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: فلن يضيعها وإنما يجازيهم بها أحسن الجزاء. ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ أي: يهدى أهل الجنة إلى مساكنهم فلا يخطئونها، وذلك إلهامٌ منه تعالى. التفسير ٤ - ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: بدئت الآية بالفاء لترتيب ما في حيزها من الأمر بجهاد الكافرين على ما قبلها من ضلال أعمال الكفرة وخيبتهم، وصلاح أحوال المؤمنين وفوزهم، مما يقتضي أن يترتب على كل من الجانبين ما يليق به من الأحكام. والمراد بالذين كفروا - كما قال ابن عباس. -: المشركون عبدة الأوثان، وقيل: كل من خالف دين الإِسلام من مشرك أو كتابى إذا لم يكن صاحب عهد ولا ذمة، ذكره الماوردى، واختاره ابن العربي وقال: وهو الصحيح لعموم الآية فيه. وهؤلاء الكافرون أنتم مأمورون بضرب رقابهم في الحرب، وهو كناية عن قتلهم في أي موضع، وعبر به عنه لتصوير القتل بأبشع صورة وهو حز العنق، وفصل العضو الذي هو رأس البدن وأشرف أعضائه، ومجمع حواسه، وفي بقاء الجسد ملقى بدون رأسه شناعة ما بعدها شناعة. ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ بأن أكثرتم فيهم القتل، وأخذتم من لم يقتل منهم أسرى بعد أن أوهنتموهم بالجراح. ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ أي: فأحكموا قيدهم حتى لا يفلتوا منكم، وعندما يتم التحفظ عليهم تكون عاقبة أمرهم التخيير فيهم. ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ وظاهر الآية على ما ذكره السيوطي في أحكام القرآن العظيم -: امتناع القتل بعد الأسر، وبه قال الحسن، وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه أنه قال: أتى الحجاج بأُسارى فدفع إلى ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - رجلًا يقتله فقال ابن عمر: ليس بهذا أمرنا، إنما قال

стр. 4574

الله - تعالى -: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ذكر ذلك الآلوسي. ويقول القرطبي: وليس في تفسير المن والفداء منع من غيره مع الأسرى، فقد بين الله في الزنى حكم الجلد، وبين الرسول حكم الرجم، ولهذا اختلف العلماء في حكم الأسارى، فذهب الأكثرون إلى أن الإمام بالخيار إن شاء قتلهم إن لم يسلموا؛ لأن النبي ﷺ قتل - صبرا - عقبة بن أبي معيط وطعيمة بن عدى والنضر بن الحارث؛ لأن في قتلهم حسمًا لمادة فسادهم بالكلية، وليس لواحد من الغزاة أن يقتل أسيرا بنفسه فذلك من حق الإمام، ما لم يتوقع شرًّا منه، وإن شاء الإِمام استرقهم؛ لأن فيه دفع شرهم مع وفور المصلحة لأهل الإِسلام، وإن شاء تركهم أهل ذمة كما فعل ذلك عمر مع أهل السواد إلاَّ أسارى مشركى العرب والمرتدين فإنه لا تقبل منهم جزية ولا يجوز استرقاقهم، والحكم فيهم إما الإسلام أو السيف، وعن سعيد بن جبير: لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف لقوله - تعالى -: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (١) فإذا وقع بعد ذلك أسر فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل وغيره، وتفصيل هذه الأحكام تكفل بها الفقهاء. ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي: آلاتها وأثقالها من السلاح وغيره مما لا تقوم الحرب إلاَّ به، وإسناد وضع الأوزار إليها - وهو لأهلها - إسناد مجازى، والمراد من هذا الرأى أن هؤلا الكافرين يصلون حتى تنتهى الحرب، فيكون بعدها إما الأسر وإما الفداء، وتستمر الأحكام السابقة جارية فيهم إلى أن يظهر الإِسلام على الدين كله، ولا يبقى للمشركين شوكة بهزيمتهم أو بالموادعة وإلقاء السلاح، أو حتى يترك المشركون شركم ومعاصيهم ويسلموا. (ذلك) أي: ذلك حكم الكفار، أو: افعلوا ذلك، وهي كلمة يستعملها الفصيح عند الخروج من كلام إلى كلام. ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ بغير قتال، بأن يهلكهم بخسف ونحوه كرجفة وغرق وريح صرصر عاتية، وقال ابن عباس: ولو يشاء لأهلكهم بجند من الملائكة.

стр. 4575

﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: ولكن أمركم بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوهم، فينالوا الثواب العظيم، ويُخلَّد في صحف الدهر ما لهم من الفضل الكبير، وليبلو الكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم ببعض انتقامه، فيتعظ به بعض منهم ويكون سببا لإسلامه. ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: والذين استشهدوا في قتال المشركين، فلن يضيع الله ثواب أعمالهم، وهم عنده أحياء ينعمون برزق دائم، ونعيم مقيم، فرحين بما آتاهم ربهم من فضله. قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد، ورسول الله ﷺ في الشعب وقد فشت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون: اعْلُ هبل، ونادى المسلمون: الله أعلى وأجل، وقال المشركون: يوم أحد بيوم بدر والحرب سجال، فقال النبي ﷺ : "قولوا: لا سواء؛ قتلانا أحياء عند ربهم يرزقون، وقتلاكم في النار يعذبون. فقال المشركون: إن لنا العزى ولا عزى لكم، فقال المسلمون: الله مولانا ولا مولى لكم. ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ المراد: هداية هؤلاء الشهداء إلى الجنة بإرشادهم إلى مسالكها والطرق المفضية إليها ليصلوا إلى ثواب أعمالهم من النعيم الخالد والفوز الدائم والفضل العظيم، أو سيحقق الهداية لمن بقى منهم بصونهم عمَّا يورث الضلال ويحبط الأعمال، وكما أنه تكفل بأنه سيهديهم فقد تكفل كذلك بأن يصلح بالهم، أي: شأنهم، قال الطبرسى: المراد إصلاح ذلك في العقبى. ولا تكرار لذلك مع قوله - سبحانه -: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ لأن المراد به هناك إصلاح شأنهم في الدين والدنيا، فاختلف المراد. ٦ - ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾: أي: إذا دخلوها يقال لهم: تفرقوا إلى منازلكم التي حددت لكم، وهديتم إليها، أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أنه قال: يهدى أهل الجنة إلى بيوتهم ومساكنهم كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدا، وفي الحديث: "لأحَدُكم بمنزله في الجنة أعرف منه بمنزله في الدنيا" وذلك إلهامٌ منه أو طيبها لهم بأنواع الملاذ

стр. 4576

- كما قال ابن عباس - من العَرْف: وهو الرائحة الطيبة، ومنه: طعام معرف، أي: مطيب، وعن الجبائى أن التعريف في الدنيا، وهو بذكر أوصافها، والمراد أنه - تعالى - لم يزل يمدحها لهم حتى عشقوها، فاجتهدوا فيما يوصلهم إليها. وقال الحسن: وصف الله - تعالى - لهم الجنة في الدنيا فلما دخلوها عرفوها بصفتها. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ المفردات: ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾: عند القتال، أو على حجة الإسلام، أو على الصراط. ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ أي: هلاكا، والتعس كما يطلق على الهلاك يطلق على العثار والسقوط والشر والبعد والانحطاط كما في القاموس. والفعل من باب (منع)، وجوز قوم تَعِسَ - بكسر العين - من باب فَرِح، ومنه حديث أبي هريرة: "تعس عبد الدينار والدرهم". ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: أبطلها؛ لأنها كانت للشيطان وفي سبيله. ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: أهدرها وكانت في صور الخيرات كعمارة المسجد وقرى الضيف وأصناف القُرب. التفسير ٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾: أي: إن تنصروا دين الله ورسوله ﷺ بتحمل مشاق الدعوة وما تتطلبه من بذل وتضحية ينصركم على أعدائكم، ويفتح لكم؛ إذ هو- سبحانه - المعين الناصر، وغيره هو المُعَان

стр. 4577

المنصور، ويثبت أقدامكم في مواطن الحرب ومواقفها، أو على محجة الإسلام، ويمدكم دائمًا بالتمسك بالطاعة والتوفيق. ٨ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: دعاء على الذين كفروا باللهِ وأعرضوا عن دينه، أي: فهلاكًا لهم وشقاء، وهو منصوب بفعل من لفظه محذوف وجوبا سماعا، وعن ابن عباس ﵄ يريد في الدنيا القتل، وفي الآخرة التردى في النار، وقيل غير ذلك. ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ لأنها كانت للشيطان الذي زين لهم الضلال، وحبب إليهم الفسوق والعصيان وبذلك استحبوا العمى على الهدى. ٩ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾: أي: ما ذكر من التعس وضلال الأعمال بسبب أنهم كرهوا ما أنزل الله من القرآن الكريم لما فيه من التوحيد وسائر الأحكام التي تخالف ما ألفوه واشتهته أنفسهم الأمارة بالسوء، فأهدر الله لأجل ذلك أعمالهم التي كانت موطن فخرهم من صور الخيرات كعمارة المسجد الحرام وقِرَى الأضياف، وأصناف القرب الأُخرى، إذ الإيمان شرط للإثابة على الأعمال فلا يقبل الله العمل إلا من مؤمن، وقيل: أحبط أعمالهم، أي: عبادة الأصنام. وفي الآية تخصيص وتصريح بسببية الكفر بالقرآن الكريم للتعس والإضلال.

стр. 4578

* ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤)﴾ المفردات: (عاقبة): آخرة، وعاقبة كل شيء: آخره. (دمر الله عليهم): أهلك الله عليهم ما يختص بهم، يقال: دمرهم، أي: أهلكهم، ودمر عليهم، أي: أهلك عليهم ما يختص بهم وهو أبلغ. (مولى): ناصر. (مثوى): منزل ودار إقامة.

стр. 4579

التفسير ١٠ - ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾: بينت الآيات السابقة في مستهل هذه السورة شيئًا من أحوال الكافرين، والمؤمنين، ووعدت المؤمنين بالنصر والتمكين في الأرض، والتثبيت على محجة الإسلام، إذا نصروا الله ورسوله ونَعَتْ على الكافرين كفرهم وما يجرى عليهم من التعس والخسران وبطلان الأعمال، ثم جاءت هذه الآية التي تدعو إلى النظر في عاقبة الأمم السابقة التي سلكت مسالك الكفر فوقعت في متاهات الضلال. والمعنى: أقَعَدَ هؤلاء الكفار فلم يسيروا في نواحى الأرض، ولم يضربوا في مناكبها فيروا عاقبة الذين كانوا من قبلهم على مثل حالهم من الكفر والعناد، وما نزل بهم من عذاب، وحلَّ بديارهم من تدمير وخراب؟! أهلكهم الله ودمر عليهم كل ما لهم من أموال ومنازل. ولكم - أيها الكافررن - أمثال ما لهؤلاء السابقين فإنكم جميعا في الكفر سواء. ووضع الظاهر موضع الضمير لإبراز الجزاء مع الإشارة إلى استحقاقه بذكر سببه. ١١ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾: أي: ذلك الجزاء الذي مضى به قضاء الله، وجرت عليه سنته من تدمير الكافرين، واستئصال المفسدين مع نصر الموحدين والتمكين للطائعين - ذلك كله - جار على سنة أنه - تعالى - ولى المؤمنين يهديهم وينصرهم، ويصلح حالهم، وأن الكافرين ضائعون، لا ناصر ينصرهم، ولا معين يعينهم أو يدفع عنهم. ولا يخالف هذا قوله - تعالى -: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ (١) فإن المولى فيه بمعنى المالك، وفي الآية التي نحن بصددها بمعنى الناصر.

стр. 4580

سأل أبو سفيان يوم أُحد عن النبي ﷺ وعن أبي بكر، وعمر ﵄ فلم يجب، قال: أمَّا هؤلاء فهلكوا، وأجابه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: كذبت يا عدو الله، بل أبقى الله - تعالى - ما يسوؤك، وإن الذين عددت أحياء، فقال أبو سفيان: يومٌ بيوم، والحرب سجال، أما إنكم ستجدون مُثْلَةً (١) لم آمر بها ولم أنْهَ عنها، ثم ذهب يرتجز ويقول: اعل هبل - اعل هبل. فقال النبي ﷺ : ألا تجيبوه؟ قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجلّ. ثم قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال ﷺ : ألا تجيبوه؟ قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. ١٢ - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾: هذه الآية بيان لثمرة ولايته - تعالى - للمؤمنين الأخروية بعد بيان ثمرتها في الدنيا بالنصر، والتمكين في الأرض. والمعنى: إن الله - تعالى - يتفضل على عباده الذين آمنوا به والتزموا طاعته بفعل المأمورات وترك المنهيات - يتفضل عليهم - في الآخرة فيدخلهم جنات تزدهى بألوان الجمال من أشجار تجرى من تحتها الأنهار، ومناظر تعجب الأبصار، زاخرة بأطايب الخيرات، والثمار، وأصناف من الفواكه كثيرة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش مرفوعة. والذين كفروا وركنوا إلى الدنيا، وغرتهم زخارفها، وجرفهم متاعها فاندفعوا وراء شهواتهم يأكلون كما تأكل الأنعام نهِمِين غافلين، لا يهمهم إلا إشباع بطونهم، وإرضاء غرائزهم، لا يفكرون في حساب، ولا يتدبرون في عاقبة هواهم - هؤلاء في الآخرة - النار مثواهم ودار إقامتهم، يطعمون زقُّومها، ويشربون حميمها، ويصطلون بلهيبها جزاء غفلتهم في دنياهم، وبعدهم عن سواء السبيل.

стр. 4581

١٣ - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾: الخطاب في هذه الآية إلى الرسول ﷺ تسلية له وتهوينا عليه أمر هجرته من بلدته، وتهديدا للمشركين بالهلاك والدمار كما هلك من كانوا قبلهم من الطغاة المتجبرين الذين كانوا أشد منهم بطشا، وأعظم قوة ومنعة فأقفرت منهم الدنيا، وخلت الديار. والمعنى: وكم من قرية كان أهلها أشد قوة، وأعتى بطشا، وأعز سلطانا ومنعة من أهل قريتك: مكة التي أخرجك منها أهلها بتتابع أذاهم، وتلاحق كيدهم، وسوء مكرهم، وتدبيرهم، فكانت نهاية أمرهم الهلاك بأنواع العذاب، فلم يكن لهم دافع يدفع عنهم، ولا ناصر ينصرهم، فهؤلاء المشركون من أهل مكة لهم نهاية كنهايتهم إن استمروا على كفرهم. أخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مودويه، عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما خرج من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال: "أنت أحبّ بلاد الله - تعالى - إلى الله وأنت أحبّ بلاد الله - تعالى - إليّ، ولولا أن أهلك أخرجونى منك لم أخرج منك". ١٤ - ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤)﴾: هذه الآية تستحث العقل وتستنهض الفكر إلى ضرورة النظر، والتمييز بين الحق، والباطل، والصحيح والفاسد، والضار والنافع، والتسامى عن الانقياد الأعمى للآباء، واتباع الشهوات، بعد بيان نعيم المؤمنين، وشقاء الكافرين. والمعنى: أيستقيم في العقل السليم، والفكر القويم أن يستوى من كان على حجة ظاهرة وبرهان نيّر من الله مالك أمره ومربِّيه، فأيده بالقرآن وسائر المعجزات والحجج العقلية - أفمن كان كذلك - يماثل من زيّن له الشيطان سوء عمله، وحسن له سبل غوايته، فأمعن في الشرك الذي هو أقبح القبائح، وانغمس في المعاصي والنكرات، وجرى مع الغواة والمفسدين فاتبعوا أهواءَهم الفاسدة، ونزواتهم الطائشة، وانهمكوا في الملذات، وذابوا في الضلالات؟!! وجمع الضمير في قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ مراعاة لمعنى (مَنْ) وأفرد مع قوله: (أفمن كان) مراعاة للفظها.

стр. 4582

﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ المفردات: (مثل) المثل: الوصف العجيب الشأن. (آسن): متغير الطعم والرائحة. (لم يتغير طعمه): لم يصر فيه حموضة كألبان الدنيا ولا ما يكره من الطعوم. (مصفى): خال من الشمع ومن جميع العلائق والمخلفات. (حميمًا): حارا بالغ الحرارة. (أمعاءهم): جمع مِعًى. وهي ما ينتهى إليها الطعام في البطن. التفسير ١٥ - ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ … ﴾ الآية: هذه الآية كلام مستأنف مسوق لشرح محاسن الجنة الموعودة للمؤمنين في قوله - تعالى - آنفا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ … ﴾ وتصوير نعيمها، وتعداد خيراتها، ومقارنة نعيم أهلها بعذاب أهل الجحيم.

стр. 4583

والمعنى: مثل الجنة الموعودة للمؤمنين، وشأنها العجيب ما يتلى عليكم من جلائل النعم، في هذه الجنة أنهار من الماء النقى المتجدد الذي لم يداخله كدر، ولم يلحقه تغير في لون أو طعم لطول مكثه، وأنهار من لبن لم تطرأ عليه حموضة ولم يستكره له طعم، كما يحدث في ألبان الدنيا، وأنهار من خمر لذيذ الطعم مستساغ المذاق ليس فيها كراهية ريح، ولا غائلة سكر، ولا يجد شاربها إلاَّ اللذة والمتعة، وأنهار من عسل خالص صرف مصفى من الشمع، ومن جميع الشوائب وفضلات النحل، وفيها غير هذا من كل الثمرات، وأصناف المطعومات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وكل ذلك من الوفرة والكثرة بحيث لا يخاف منه حرمان، ولا إقلال. ولهم قبل هذا مغفرة واسعة من ربهم تمحو ذنوبهم، وترفع درجاتهم. وقوله تعالى: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ معناه: أمَثَل الجنة التي أعدت للمتقين وعلمتم أوصافها كمثل جزاء من هو خالد في النار متهاوٍ في دركاتها، شرابُهم فيها الحميم الشديد الحرارة، فإذا شربوا منه قطع أمعاءهم؟! والتعبير عن فريق المؤمنين بالمتقين يؤذن بأن الإيمان والعمل الصالح من باب التقوى الذي هو عبارة عن فعل الواجبات بأسرها، وترك السيئات عن آخرها ليتقى عذاب الله على تركها. كما أن التعبير عن فريق الكافرين بمن هو خالد في النار، لإبراز مهانتهم بسوء مآلهم، وتأبيد عذابهم.

стр. 4584

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ المفردات: ﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: الصحابة الذين وعوا حديث رسول الله ﷺ . (آنفا) أي: سابقا، وهو اسم للساعة التي قبل الساعة التي أنت فيها، وهو اسم فاعل على غير قياس؛ لأنه لم يسمع له فعل ثلاثى. ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: طمس الله على قلوبهم وختم عليها. (بغتة): فجأة. (أشراطها): علاماتها. ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ أي: مكان تقلبكم في الدنيا، وموطن إقامتكم في الآخرة. التفسير ١٦ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ … ﴾ الآية: تحكى هذه الآية صورة من صور بعض المشركين، ونموذجًا من سلوكهم في مجلس النبي ﷺ وأصحابه الذين يجلسون إليه، ويتلقون عنه، ثم تمضى الآيات بعدها في مقارنة

стр. 4585

بين الذين طبع الله على قلوبهم، وبين المهديين من المؤمنين لتُبرز مقدار سفه المشركين، ورشد المؤمنين. والمعنى: ومن هؤلاء الكافرين المتورطين في نعيم الدنيا بغير اعتبار ولا تدبر للعاقبة - من هؤلاء - من يحضر إلى مجلسك ليستمع ما تقرؤه على أصحابك من قرآن، وما توجههم إليه من هَدْى، حتى إذا خرجوا من عندك وفارقوا المجلس قالوا لمن حضرك وكان معهم من الصحابة رضوان الله عليهم - قالوا - فور خروجهم: ماذا قال محمَّد سالفا في المجلس الذي كنا فيه؟ يقولون ذلك سخرية واستهزاء كأنَّهم لم يفهموا ما قال الرسول، أو كأنه كلام لا ينهض إلى درجة الفهم، أو لا ينبغي سماعه فضلًا عن فهمه - أولئك القائلون هذا القول - هم الذين طمس الله على قلوبهم، وأظلم بصيرتهم بسوء اختيارهم، واتبعوا أهواءهم الفاسدة، ونزعاتهم الطائشة فقالوا ما قالوا، وفعلوا ما فعلوا مما لا خير فيه. ١٧ - ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾: أي: الذين طلبوا الهداية وحرصوا عليها حتى نالوها، وهداهم الله إلى طريق الحق وثبتهم عليها - هؤلاء - زادهم الله هدى بالتوفيق والفهم وآتاهم تقواهم، أي: أعانهم على العمل الصالح الذي يقيهم عذاب الله، ويدنيهم من ثوابه: وقوله - تعالى -: (وآتاهم تقواهم) مقابل لقوله - تعالى - في شأن الكافرين: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ ومن بديع التنسيق وإحكام الإعجاز أن أغلب الآيات في هذه السورة جار على هذا التقابل؛ كما في قوله - تعالى -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ ومن ذلك أيضًا: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. مقابل: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾. ١٨ - ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾: أي: فهل ينتظر هؤلاء الغافلون اللاهون إلا القيامة تباغتهم، وتأتيهم فجأة وهم في غفلة

стр. 4586

لا يتذكرون بذكر أحوال الأمم الخالية، ولا بالإخبار بإتيان الساعة وما فيها من عظائم الأهوال فقد جاء أشراطها، وظهرت أماراتها فلم يرفعوا لها رأسًا، ولم تنبه فيهم غافلا، ولم يعدوها من مبادئ إتيانها مع مشاهدتهم لها كانشقاق القمر، وغير ذلك من الأشراط التي أهمها بعثة الرسول ﷺ ولهذا جاء في أسمائه أنه نبيّ التوبة، ونبي الملحمة، والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه، وقال البخاري: حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا أبو رجاء حدثنا سهل بن سعد ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي تليها: "بعثت أنا والساعة كهاتين". وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ معناه: فكيف للكافرين المنكرين الانتفاع بالتذكير إذا جاءتهم القيامة، وأى سبيل لهم إليه؟ وهر حكم بخطئهم وفساد رأيهم في تأخير التذكر إلى إتيانها ببيان استحالة نفعه حينئذ كقوله - تعالى -: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾. (١) ١٩ - ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾: قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أمر مسبب عن مجموع القصة من مفتتح السورة حتى هنا، على معنى: إذا علمت أن الأمر كما ذكر من سعادة هؤلاء وشقاوة أولئك فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله، فهو من موجبات السعادة ولا يهمك كفر هؤلاء بوحدانيته، فقلوب العباد ونواصيهم بيده، ومصادر الأمور ومواردها بأمره، يضل من يشاء ويهدى من يشاء، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، واستغفر لذنبك، وتضرع إلى الله أن يغفر لك في كل حال ما هو دونه، فقد ذكر العلماء أن لنبينا ﵊ في كل لحظة عروجًا إلى مقام أعلى مما كان فيه، فيكون ما عرج منه في نظره الشريف ذنبًا بالنسبة لما عرج إليه فيستغفر منه، وحملوا على ذلك قوله ﵊: "إنه ليران على قلبى".

стр. 4587

ويجوز أن يكرن استغفاره ﷺ من قبيل ترك الأولى بالنسبة إلى منصبه الجليل مما يمكن أن يكون بالنسبة لغيره من أجلّ الحسنات، من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. ومهما يكن أو يُقَلْ فإن النبي ﷺ يؤدى لله جميع الطاعات، ويتضرع برفع الدعوات أداء لشكر آلائه، ورفعًا لدرجاته، وإرشادًا للمؤمنين. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾: والله يعلم أطواركم في الدنيا ومراحلكم فيها، فإنها أطوار ومراحل لابد من قطعها لا محالة، يستقيم فيها من يستقيم، ويضل من يضل، ويعلم مثواكم ومستقركم في الآخرة، أهل النعيم في دار النعيم، وأهل العذاب في الجحيم، فإن الآخرة هي العقبى، وهي منازلكم، ومواطن إقامتكم فلا يأمركم إلا بما هو خير لكم فيهما فبادروا إلى الامتثال بما أمركم به في المقامين، فإنه زادكم عند من لا تخفى عليه أحوالكم. وخص المتقلب في الدنيا، والمثوى في الآخرة، لأن الدنيا دار حركة دائبة، وتقلب مختلف لطلب الرزق وغيره، أما الآخرة فدار سكون واستقرار، لا تقلب فيها ولا مدار. فالرزق فيها موفور والنعيم مقيم.

стр. 4588

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ المفردات: (سورة): طائفة من آيات القرآن تأذن بالجهاد. (محكمة): مبينة قاطعة لا تأول فيها. (مرض): ضعف إيمان ونفاق. (المغشى عليه من الموت): من حضرته أعراض الموت وغشيته. (أولى لهم): هلاك وعذاب لهم. (عزم الأمر): جد الأمر. (عسيتم): قاربتم. (أقفالها): جمع قفل: وهو ما يحكم به الغلق.

стр. 4589

التفسير ٢٠ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾: عرضت الآيات السابقة شيئًا من أحوال الكافرين، واختصت منهم طائفة تسمع إلى الرسول ﷺ في مجلسه ثم تنكر ما سمعت فور خروجها من المجلس، وتتساءل عنه سخرية واستهزاء، وإمعانًا في العناد، ثم جاءت هذه الآيات بعدها على سنن هذا النسق تتناول الذين اهتدوا وبارك الله هداهم، وآتاهم تقواهم، واختصت منهم جماعة يتعجلون تنزيل آيات من القرآن قاطعة في الإذن بالجهاد ليضربوا على أيدى المشركين، ويردوا كيدهم، وينهنهوا (١) جبروتهم، فإذا أنزلت هذه الآيات أشفق من نزولها مرضى القلوب وضعاف الإيمان، وشملهم الضجر، وتغشَّاهم الخوف حتى أفزع قلوبهم، ونظروا إلى الرسول نظر المغشى عليه من الموت. وفسر بعض المفسرين (الذين في قلوبهم مرض) بالمناففين، والسورة مكية والمجتع المكي كان صريحًا لا نفاق فيه ولا ضعف إيمان، اللهم إلا أن يكون ذلك مما سبق حُكْمَهُ نزولُهُ، أو تكون الآية مدنية. والمعنى: ويقول الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله وأجابوا دعوته - يقولون - حرصا على الجهاد، وتحمسا لنصرة الدعوة، وتوعدا للمشركين: هلَّا أنزل الله طائفة من القرآن بينة قاطعة بمشروعية الجهاد، والإذن به حتى ننتصر لدعوتنا، ونرد كيد أعدائنا، فإذا أنزلت سورة محكمة لا تشابه فيها، وذكر فيها الإذن بالجهاد، والأمر به صراحة بحيث لا يحتمل التأويل بوجه آخر - وكل آيات الجهاد محكمة كما قال قتادة - إذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض من ضعاف الإيمان والمنافقين خائفين مشفقين، ينظرون - إليك - أيها الرسول الكريم - نظر من حضرته أعراض الموت، وغشيته أماراته فشخص بصره جبنا وهلعا، وقوله - تعالى -: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ تهديد ووعيد

стр. 4590

بمعنى فأهلكهم الله - تعالى - هلاكا أقرب لهم من كل شر وهلاك، أو الكلام على تقدير مبتدأ وأولى خبره، أي: فأولى لهم الهلاك. ٢١ - ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: كلام مستأنف، أي: أمرهم طاعة، أو طاعة وقول معروف خير لهم، ويجوز أن يكون حكاية لقولهم؛ ويؤيده قراءة أبي: (يقولون طاعة) أي: أمرنا طاعة، وقولنا معروف ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: إذا جدَّ الأمر بالقتال وأخذ طريق التنفيذ خالفوا وتخلفوا، أو ناقضوا، أو كرهوا، فلو صدقوا الله في الحرص على الجهاد، ورجاء مشروعيته لكان الصدق خيرا لهم مما صاروا إليه وظهر عليهم، وقيل: لو صدقو الله في الإيمان، وتأكد في يقينهم، ويجوز أن يكون جواب "إذا" جملة ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ على طريقة قولك: إذا حضرنى طعام فلو جئتنى لأطعمتك. ٢٢ - ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾: الخطاب للذين في قلوبهم مرض، والمعنى: فهل عسيتم إن أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه أن تعودوا إلى جاهليتكم الأولى من الإفساد في الأرض وقتل بعضكم بعضًا، وتقطيع الأرحام بينكم تناصرًا على الباطل، وتهالكا على الدنيا، فإنه ضعفكم في الدين، والحرص على الدنيا جعلكم حين أمرتم بالجهاد الذي هو السبيل إلى إحراز كل خير وصلاح، ودفع كل شر وبلاءٍ جعلكم حين أمرتم به تشفقون على أنفسكم، وتنقضون عهدكم، ومن كان كذلك لا يبعد عنه التولى عن الإيمان والعودة إلى الشرك لكي تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، كعادتكم في الجاهلية. ويصح أن يكون المعنى: فهل عسيتم إن توليتم أُمور الناس وتأمَّرتم عليهم أن تفسدوا في الأرض، وترجعوا إلى التناهب والقتل وقطع الأرحام ووأد البنات: كما كنتم في الجاهلية. وتخصيص الأرحام بالذكر تأكيد لحقها، وذم لما يشيع بين كثير من الناس من جفائها، وتحذير منه، وقد قال - تعالى -: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.
следующие страницы →