← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

لا يتذكرون بذكر أحوال الأمم الخالية، ولا بالإخبار بإتيان الساعة وما فيها من عظائم الأهوال فقد جاء أشراطها، وظهرت أماراتها فلم يرفعوا لها رأسًا، ولم تنبه فيهم غافلا، ولم يعدوها من مبادئ إتيانها مع مشاهدتهم لها كانشقاق القمر، وغير ذلك من الأشراط التي أهمها بعثة الرسول ﷺ ولهذا جاء في أسمائه أنه نبيّ التوبة، ونبي الملحمة، والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه، وقال البخاري: حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا أبو رجاء حدثنا سهل بن سعد ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي تليها: "بعثت أنا والساعة كهاتين". وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ معناه: فكيف للكافرين المنكرين الانتفاع بالتذكير إذا جاءتهم القيامة، وأى سبيل لهم إليه؟ وهر حكم بخطئهم وفساد رأيهم في تأخير التذكر إلى إتيانها ببيان استحالة نفعه حينئذ كقوله - تعالى -: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾. (١) ١٩ - ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾: قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أمر مسبب عن مجموع القصة من مفتتح السورة حتى هنا، على معنى: إذا علمت أن الأمر كما ذكر من سعادة هؤلاء وشقاوة أولئك فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله، فهو من موجبات السعادة ولا يهمك كفر هؤلاء بوحدانيته، فقلوب العباد ونواصيهم بيده، ومصادر الأمور ومواردها بأمره، يضل من يشاء ويهدى من يشاء، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، واستغفر لذنبك، وتضرع إلى الله أن يغفر لك في كل حال ما هو دونه، فقد ذكر العلماء أن لنبينا ﵊ في كل لحظة عروجًا إلى مقام أعلى مما كان فيه، فيكون ما عرج منه في نظره الشريف ذنبًا بالنسبة لما عرج إليه فيستغفر منه، وحملوا على ذلك قوله ﵊: "إنه ليران على قلبى".

стр. 4587

ويجوز أن يكرن استغفاره ﷺ من قبيل ترك الأولى بالنسبة إلى منصبه الجليل مما يمكن أن يكون بالنسبة لغيره من أجلّ الحسنات، من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. ومهما يكن أو يُقَلْ فإن النبي ﷺ يؤدى لله جميع الطاعات، ويتضرع برفع الدعوات أداء لشكر آلائه، ورفعًا لدرجاته، وإرشادًا للمؤمنين. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾: والله يعلم أطواركم في الدنيا ومراحلكم فيها، فإنها أطوار ومراحل لابد من قطعها لا محالة، يستقيم فيها من يستقيم، ويضل من يضل، ويعلم مثواكم ومستقركم في الآخرة، أهل النعيم في دار النعيم، وأهل العذاب في الجحيم، فإن الآخرة هي العقبى، وهي منازلكم، ومواطن إقامتكم فلا يأمركم إلا بما هو خير لكم فيهما فبادروا إلى الامتثال بما أمركم به في المقامين، فإنه زادكم عند من لا تخفى عليه أحوالكم. وخص المتقلب في الدنيا، والمثوى في الآخرة، لأن الدنيا دار حركة دائبة، وتقلب مختلف لطلب الرزق وغيره، أما الآخرة فدار سكون واستقرار، لا تقلب فيها ولا مدار. فالرزق فيها موفور والنعيم مقيم.

стр. 4588

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ المفردات: (سورة): طائفة من آيات القرآن تأذن بالجهاد. (محكمة): مبينة قاطعة لا تأول فيها. (مرض): ضعف إيمان ونفاق. (المغشى عليه من الموت): من حضرته أعراض الموت وغشيته. (أولى لهم): هلاك وعذاب لهم. (عزم الأمر): جد الأمر. (عسيتم): قاربتم. (أقفالها): جمع قفل: وهو ما يحكم به الغلق.

стр. 4589

التفسير ٢٠ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾: عرضت الآيات السابقة شيئًا من أحوال الكافرين، واختصت منهم طائفة تسمع إلى الرسول ﷺ في مجلسه ثم تنكر ما سمعت فور خروجها من المجلس، وتتساءل عنه سخرية واستهزاء، وإمعانًا في العناد، ثم جاءت هذه الآيات بعدها على سنن هذا النسق تتناول الذين اهتدوا وبارك الله هداهم، وآتاهم تقواهم، واختصت منهم جماعة يتعجلون تنزيل آيات من القرآن قاطعة في الإذن بالجهاد ليضربوا على أيدى المشركين، ويردوا كيدهم، وينهنهوا (١) جبروتهم، فإذا أنزلت هذه الآيات أشفق من نزولها مرضى القلوب وضعاف الإيمان، وشملهم الضجر، وتغشَّاهم الخوف حتى أفزع قلوبهم، ونظروا إلى الرسول نظر المغشى عليه من الموت. وفسر بعض المفسرين (الذين في قلوبهم مرض) بالمناففين، والسورة مكية والمجتع المكي كان صريحًا لا نفاق فيه ولا ضعف إيمان، اللهم إلا أن يكون ذلك مما سبق حُكْمَهُ نزولُهُ، أو تكون الآية مدنية. والمعنى: ويقول الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله وأجابوا دعوته - يقولون - حرصا على الجهاد، وتحمسا لنصرة الدعوة، وتوعدا للمشركين: هلَّا أنزل الله طائفة من القرآن بينة قاطعة بمشروعية الجهاد، والإذن به حتى ننتصر لدعوتنا، ونرد كيد أعدائنا، فإذا أنزلت سورة محكمة لا تشابه فيها، وذكر فيها الإذن بالجهاد، والأمر به صراحة بحيث لا يحتمل التأويل بوجه آخر - وكل آيات الجهاد محكمة كما قال قتادة - إذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض من ضعاف الإيمان والمنافقين خائفين مشفقين، ينظرون - إليك - أيها الرسول الكريم - نظر من حضرته أعراض الموت، وغشيته أماراته فشخص بصره جبنا وهلعا، وقوله - تعالى -: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ تهديد ووعيد

стр. 4590

بمعنى فأهلكهم الله - تعالى - هلاكا أقرب لهم من كل شر وهلاك، أو الكلام على تقدير مبتدأ وأولى خبره، أي: فأولى لهم الهلاك. ٢١ - ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: كلام مستأنف، أي: أمرهم طاعة، أو طاعة وقول معروف خير لهم، ويجوز أن يكون حكاية لقولهم؛ ويؤيده قراءة أبي: (يقولون طاعة) أي: أمرنا طاعة، وقولنا معروف ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: إذا جدَّ الأمر بالقتال وأخذ طريق التنفيذ خالفوا وتخلفوا، أو ناقضوا، أو كرهوا، فلو صدقوا الله في الحرص على الجهاد، ورجاء مشروعيته لكان الصدق خيرا لهم مما صاروا إليه وظهر عليهم، وقيل: لو صدقو الله في الإيمان، وتأكد في يقينهم، ويجوز أن يكون جواب "إذا" جملة ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ على طريقة قولك: إذا حضرنى طعام فلو جئتنى لأطعمتك. ٢٢ - ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾: الخطاب للذين في قلوبهم مرض، والمعنى: فهل عسيتم إن أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه أن تعودوا إلى جاهليتكم الأولى من الإفساد في الأرض وقتل بعضكم بعضًا، وتقطيع الأرحام بينكم تناصرًا على الباطل، وتهالكا على الدنيا، فإنه ضعفكم في الدين، والحرص على الدنيا جعلكم حين أمرتم بالجهاد الذي هو السبيل إلى إحراز كل خير وصلاح، ودفع كل شر وبلاءٍ جعلكم حين أمرتم به تشفقون على أنفسكم، وتنقضون عهدكم، ومن كان كذلك لا يبعد عنه التولى عن الإيمان والعودة إلى الشرك لكي تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، كعادتكم في الجاهلية. ويصح أن يكون المعنى: فهل عسيتم إن توليتم أُمور الناس وتأمَّرتم عليهم أن تفسدوا في الأرض، وترجعوا إلى التناهب والقتل وقطع الأرحام ووأد البنات: كما كنتم في الجاهلية. وتخصيص الأرحام بالذكر تأكيد لحقها، وذم لما يشيع بين كثير من الناس من جفائها، وتحذير منه، وقد قال - تعالى -: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.

стр. 4591

٢٣ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾: الإشارة في ﴿أُولَئِكَ﴾ للمخاطبين في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ بأسلوب الالتفات تحقيرًا لشأنهم، وحكاية لفظائع أحوالهم. والمعنى: أولئك المذكورون آنفًا لعنهم الله فطردهم من رحمته، وأبعدهم عن مغفرته فأذهب أسماعهم لتصامِّهم عن سماع الحق، والإذعان له، وأعمى أبصارهم لتعاميهم عن مشاهدة الآيات الكثيرة الماثلة في أنفسهم، وفي الآفاق المنصوبة حولهم، فعلوا كل ذلك باختيارهم فتركهم الله ولم يُنقذهم، وأبقاهم في صممهم عن آيات الحق، وعماهم عن دلائله. ٢٤ - ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾: أي: أغفل هؤلاء، وضلوا فلا يتدبرون القرآن، ولا يراجعون ما فيه من المواعظ والزواجر حتى يُخلصوا في إيمانهم، ويمتثلوا أمر الله بالجهاد كما امتثله المؤمنون، إنهم لم يتدبروا ولم يتفكروا، بل قلوبهم مقفلة محكمة الغلق بالأقفال والمغاليق، فلا يكاد يصل إليها ذكر، ولا يتحرك فيها تأمل أو فكر فتحولوا عن التفكر إلى الطمس والتحجر. وتنكير القلوب: إما لتهويل حالها بإبهام أمرها في القساوة والجهالة فهي قلوب منكرة لا يُعْرَف مثل حالها، ولا يُقادر قدرها في الغفلة والجمود، وإما لأن المراد منها قلوب بعضهم، فالتنكير للتقليل. وإضافة الأقفال إلى القلوب للدلالة على أنها أقفال مخصوصة بها مناسبة لحالها من القسوة والفظاظة غير مجانسة لسائر الأقفال المعهودة. واستدل عمر بن الخطاب ﵁ بالآية على منع بيع الجارية إذا ولدت، أخرج الحاكم وصححه وابن المنذر عن بريدة قال: كنت جالسًا عند عمر إذ سمع صائحًا، فسأل، فقيل: جارية من قريش تباع أمها، فأرسل يدعو المهاجرين والأنصار، فلم تمض ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة، فحمد الله - تعالى - وأثنى عليه ثم قال: أما بعد:

стр. 4592

فهل تعلمون أن كان مما جاء به محمد ﷺ القطيعة؟ قالوا: لا، قال: فإنها قد أصبحت فيكم فاشية، ثم قرأ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أُم امرئ فيكم؟ قالوا: فاصنع ما بدا لك، فكتب في الآفاق: أن لا تباع أمُّ حُرٍّ، فإنها قطيعة رحم وإنه لا يحل. ويلاحظ أن الجارية تعتق بعد وفاة سيدها من أجل ولدها منه ذكرا كان أو أنثى، فلا يحل له بيعها ويحرمها من حريتها المرتقبة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)﴾ المفردات: ﴿ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾: رجعوا إلي ما كانوا عليه من الكفر. ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾: سهل لهم وحسن.

стр. 4593

﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾: أمهلهم ومد في الأمانى. ﴿أَسْخَطَ اللَّهَ﴾: أوجب غضبه وعقابه. ﴿فَأَحْبَطَ﴾: أبطل وأذهب. ﴿أَضْغَانَهُمْ﴾: أحقادهم جمع ضغن. ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: بعلامتهم المميزة لهم. ﴿لَحْنِ الْقَوْلِ﴾: فحواه ومعاريضه من لحنت له، بمعنى قلت له قولًا فهمه عني وخفى على غيره، وفيه: لحِن - بالكسر - من باب طرب بمعى فطن، ولحنَ - بالفتح - من باب نفع بمعنى أخطأ. التفسير ٢٥ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾: هذه الآيات امتداد للحديث عن مرضى القلوب ضعاف الإيمان، تكشف دخائلهم، وتفضح سرائرهم، وتهددهم بإظهار أمرهم، وسوء عاقبتهم، قال الآلوسي: وفي إرشاد العقل السليم: هم المنافقون الذين وصفوا فيما سبق بمرضى القلوب وغيره من قبائح الأحوال فإنهم قد كفروا به ﵊ وقال ابن عباس وغيره: نزلت في منافقين كانوا قد أسلموا ثم نافقت قلوبهم، وما قاله ابن عباس لا يخالف ما جاء في إرشاد العقل السليم الذي تقدم ذكره، فهم جميعًا ارتدوا عن الإسلام، وهم جميعًا مرضى القلوب الذين سبق وصفهم بقبائح الأعمال، وقيل: هم اليهود، وقيل: هم أهل الكتاب جميعًا. والمعنى: إن الذين رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وارتكاب المعاصي، وإشاعة الفساد من بعد ما تبين لهم الهدى، واتضح أمامهم السبيل والقصد، والسلوك السوى بالدلائل الباهرة، والمعجزات القاطعة القاهرة - إنهم - وقعوا في حبائل الشيطان الذي سهل لهم سبل الغواية، ويسر أسباب الكفر، وأمهلهم في هذا السبيل، ومد لهم فيه ما شاء من إضلال وإغواء، وما شاءوا من قبائح وجوامح أهواء.

стр. 4594

٢٦ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾: المعنى: ذلك الارتداد إلى الكفر، والنكسة إلى الجاهلية بسبب أن هؤلاء المرتدين قالوا للذين كرهوا ما نزل الله من القرآن على سيدنا محمَّد ﷺ حقدا وحسدا مع علمهم أنه من عند الله، وطمعا في إنزاله عليهم، وهم يهود بني قريظة والنضير الذين قال لهم المرتدون: سنطيعكم في بعض الأمر، أي: في بعض أُموركم وأحوالكم، وهو ما حكى عنهم في قوله - تعالى -: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١)﴾ (١) أي: سنطيعكم في بعض ما تأمرون به كالقعود عن الجهاد، والموافقة على الخروج معهم إذا خرجوا، والتناصر مع اليهود، وغير ذلك مما بيَّتوه سرًّا، ودبروه خفية ففضحه الله، والله يعلم إسرارهم وإخفاءهم فيكشفه في الدنيا، ويعذبهم عليه في الآخرة. ٢٧ - ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾: المعنى: هؤلاء المرتدون يفعلون ما يفعلون، ويحتالون بحيلهم الخسيسة في الدنيا، فكيف يكون حالهم، وأي شيء يفعلون إذا حضرهم الموت، وغلَّلتهم أعراضه وغشيتهم أهواله، فلم تبق لهم حيلة، ولم يستطيعوا فكاكًا أو وسيلة، وتتوفاهم الملائكة على أهول الوجوه وأفظع الحالات، يضربون وجوههم احتقارًا وأدبارهم امتهانًا واستصغارًا. وضرب الوجوه والأدبار زيادة في المهانة والإذلال، وعن ابن عباس ﵄: "لا يتوفى أحد على معصية إلا تضرب الملائكة في وجهه وفي دبره". ٢٨ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾: ما تزال الآيات تمضي في أحوال المرتدين وتكشف سلوكهم.

стр. 4595

والمعنى: ذلك الذي يجرى عليهم من المهانة عند الموت من ضرب وجوههم وأدبارهم إذلالا واستهزاء بسبب أنهم اتبعوا ما أسخط الله واستوجب غضبه من الكفر وارتكاب المعاصي وكرهوا ما يرضاه - جلّ شأنه - من الإيمان وعمل الطاعات، وما يقتضي مغفرته ورضوانه فأحبط الله أعمالهم، أي: أبطل ثواب الأعمال الطيبة التي عملوها حال إيمانهم. وفي تعليل ضرب الوجوه والأدبار باتباع ما أسخط الله وكراهة رضوانه ما يشير إلى أن اتباع ما أسخط الله يقتضى التوجه والتحول فيناسبه ضرب الوجه، وكراهة رضوان الله يقتضي الإعراض والتولى فيناسبه ضرب الأدبار. ٢٩ - ٣٠ - ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)﴾: المعنى: بل أحَسِبَ الذين في قلوبهم مرض، فأخفوا كفرهم وأسروا ضغنهم وعداوتهم أنه لن يخرج الله أحقادهم فيظلوا مستورين مجهولين لا يفضح الله أحقادهم، ولا يعلن أضغانهم للرسول ﷺ وللمؤمنين؟ كلا، فهو حسبان باطل، وظن خاطئ، ولو نشاء إعلامك لأعلمناك بهم، ولعرفناكهم بدلائل تعرفهم بها بأعيانهم فلعرفتهم بسيماهم وبعلاماتهم التي نسمهم بها، والله لتعرفنَّهم في فحوى القول ومعاريضه، دون حاجة إلى تعريفك بسيماهم والعلامات المميزة لهم، والله يعلم أسراركم وخفاياكم فيجازيكم - أيها المنافقون - عليها لا يخفى على الله منها شيء. والالتفات إلى نون العظمة في قوله - تعالى -: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ لإبراز العناية بالإراءة، وعن أنس ﵁: "ما خفي على رسول الله ﷺ بعد هذه الآية شيء من المنافقين".

стр. 4596

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ المفردات: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾: لنختبرنكم. ﴿شَاقُّوا الرَّسُولَ﴾: عادوه وعاندوه. ﴿سَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾: سيبطل أعمالهم ويمحو ثوابها. التفسير ٣١ - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾: هذه الآية الكريمة بمثابة التذييل الشامل للآيات السابقة التي تناولت طوائف المؤمنين، والكافرين، والمنافقين الذين في قلوبهم مرض، توضح أن حكمة الله - تعالى - تقتضى أن يعامل خلقه وعبيده معامله الممتحن لهم، المختبر لأحوالهم لتنكشف حقائقهم، ويظهر - واقعًا وعملًا - ما يعلمه الله أزلا. فيجرى عليهم جزاؤه على مقدار ما يكون من أحوالهم وما يجنيه عليهم اختيارهم السيئ في سلوكم وأعمالهم. والمعنى: ولنعاملنكم معاملة الممتحن لكم، المتطلب معرفة أخباركم وأسراركم حتى نعلم من واقع أعمالكم، ونعرف من ظواهر أحوالكم، ومشاهد سلوككم فيما فرض عليكم من

стр. 4597

التكاليف والأوامر والنواهى، التي من جملتها الجهاد، ونعلم الصابرين على مشاقها، الصادقين في أدائها، وتظهر أحوالكم وأخباركم فيترتب على هذا جزاؤكم العادل الذي تشهد به أعمالكم، وتصدقه جوارحكم، يوم تشهد عليكم ألسنتكم وأيديكم وأرجلكم بما كنتم تعملون. ٣٢ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾: هذه الآية وعيد لمن يكشف الامتحان حقيقة كفره، ويفضح قبح طويته. والمعنى: إن الذين كفروا فأنكروا وحدانية الله، وعارضوا رسالة محمَّد ﷺ وصدوا الناس عن اتباعه وشاقوه، وبالغوا في عداوته وعناده حتى صاروا في شق غير شقه من بعد ما تبين لهم الهدى في معجزاته الحاسمة في صدقه، القاطعة برسالته، ومن بعد ما علموا من نعوته ﷺ التي صرَّحت بها كتبهم، وتحدثوا بها هم أنفسهم، إن هؤلاء أيًّا كانوا ومهما كانوا لن يضروا الله بكفرهم ومشاقتهم وعنادهم شيئًا من الأشياء، أو شيئا من الضرر، والله بالغ أمره لأنه هو القادر الغالب، وسيبطل مكايدهم التي نصبوها لإبطال دينه، ومشاقة رسوله، ويضيع ثواب ما عسى أن يكونوا عملوه من صالحات في دنياهم. ٣٣ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾: هذه الآية من جملة ثمرة الابتلاء وغايته، فكما هددت الآية قبلها الكافرين وأوعدتهم جاءت هذه الآية تنبه المؤمنين إلى مداومة الطاعات والحرص على سلامتها. والمعنى: يا أيها الذين صدقوا في إيمانهم وتمحيص عقيدتهم، وسلكوا مسالك الطاعة، داوموا على هذه الأعمال الصالحة واحرصوا على سلامتها لتنالوا ثوابها، فلا تُلْبِسُوها غشًّا ولا نفاقًا، ولا تخلطوها بِعُجْب أو رياء، ولا تذهبوا بها مذهبا يأكل الحسنات من منٍّ أو أذى. قيل: إن ناسًا من بني أسد قد أسلموا، وقالوا لرسول الله ﷺ : قد آثرناك، وجئناك بنفوسنا وأهلينا. كأنهم يمنُّون، فنزلت.

стр. 4598

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾ المفردات: ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾: فلا تضعفوا ولا تزلوا. ﴿السَّلْمِ﴾ - بفتح السين وكسرها -: الصلح والمهادنة. ﴿الْأَعْلَوْنَ﴾: القاهرون الغالبون. ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾: والله ناصركم ومعينكم. ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾: ولن ينقص أعمالكم ولن يضيعها. التفسير ٣٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾: في الآية السابقة أمر الله ﵎ عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، ونهاهم عن الارتداد عن الدين؛ لأن الارتداد مبطل للأعمال فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ وهنا يذكر صفة الكفار ونهايتهم فيقول - سبحانه -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. قيل: نزلت هذه الآية في أهل القليب، وحكمها عام في كل من مات على كفره؛ لأن مدار عدم المغفرة هو الإصرار على الكفر حتى الموت. والمعنى: إن الذين امتنعوا عن الدخول في الإِسلام وسلوك طريقه والاهتداء بهديه وصدوا الناس عنه، ومنعوهم من الانضواء تحت لوائه، ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم.

стр. 4599

٣٥ - ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾: الخطاب هنا للمؤمنين، أي: إذا علمتم أن الله - تعالى - مبطل أعمال الكافرين ومعاقبهم وخاذلهم في الدنيا والآخرة، فلا تبالوا بهم ولا تظهروا ضعفًا أمامهم وتدعوا إلى المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبينهم، فأنتم الذين قدر الله لهم النصر والغلبة. قال ابن كثير: أما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمامُ في المهادنة والمعاهدة مصلحة فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله ﷺ عام الحديبية، حين صده كفار قريش عن دخول مكة للعمرة، ودعوه إلى الصلح ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين فأجابهم ﷺ إلى ذلك، بل وسمى الله ذلك الصلح فتحًا مبينا، وقوله - جلت قدرته -: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ بشارة عظيمة بالنصر على الأعداء والظفر بهم؛ لأن من كان في معية الله ومصاحبته لا يخذل ولا يذل ولا ينتصر عليه مخلوق. وقوله - تعالى -: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ أي: ولن يحبط أعمالكم ويبطلها ويسلبكم إياها، بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئًا. ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾

стр. 4600

المفردات: ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾: فيجهدكم بطلب كل المال ويلحف عليكم في المسألة. ﴿أَضْغَانَكُمْ﴾: أحقادكم الدفينة. التفسير ٣٦ - ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾: أي: ما الحياة الدنيا إلا كاللعب واللهو، فلا ثبات لها ولا استقرار، ولا اعتداد بها، شأنها كذلك إلا ما كان - منها لله وإن تؤمنوا بما أنزل عليكم، وتتركوا المعاصي والآثام، وتفعلوا ما أمركم الله به من أنواع البر والخير وقاية لأنفسكم، يؤتكم ثواب إيمانكم وتقواكم بعمل الباقيات الصالحات التي يتنافس فيها المتنافسون، ولا يطلب منكم التصدق بكل أموالكم، فهو - سبحانه - يعطيكم كل الأجور على أعمالكم ولا يسألكم إلا بعض المال، وهو ما شرعه الله من الزكاة وغيرها لمواساة البائسين والتنفيس عن الفقراء والمحتاجين. وقيل: معنى ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾: لا يسألكم ما هو مالكم حقيقة وإنما يسألكم ماله فهو المالك الحقيقى لهذه الأموال التي أنعم بها عليكم. وقيل: ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ أي: ولا يسألكم أموالكم لحاجته إليها بل ليرجع ثواب إنفاقكم إليكم في يوم أنتم في أشد الحاجة إلى هذا الثواب. ٣٧ - ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾: أي: إن يسألكم الله أموالكم فيجهدكم بطلب كل الأموال تبخلوا بالأموال وتمتنعوا عن بذلها لمستحقيها ويظهر الله أحقادكم لمزيد حبكم لهذه الأموال، وحرصكم عليها وكراهيتكم لإنفاقها.

стр. 4601

قال ابن كثير: قال قتادة: إن في طلب إخراج المال إخراج الأضغان. وصدق قتادة؛ فإن المال محبوب ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه. وذكر الزمخشرى في تفسير قوله - تعالى -: ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ أي: تحقدون على رسول الله وتضيق صدوركم لذلك، وتظهرون كراهتكم ومقتكم لدين يذهب بأموالكم. وقال سفيان بن عيينة: أي: لا يسألكم كثيرا من أموالكم، إنما يسألكم ربع العشر، فطيِّبوا أنفسكم. ٣٨ - ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أي: أنتم أيها المخاطبون هؤلاء الموصوفون بما تضمنه قوله - تعالى -: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا﴾ … إلخ. وكررت هاء التنبيه للتأكيد. ﴿تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: استئناف مقرر ومؤكد لا قبله لاتحاد معناهما، فإن دعوتهم للإنفاق معناه سؤال الأموال منهم، وأنَّ بخل ناس منهم معناه عدم الإعطاء المذكور، والإنفاق في سبيل الله الذي دعى المخاطبون إليه هو الإنفاق المطلوب شرعًا مطلقًا، فيشمل النفقة للعيال والأقارب، والجهاد في سبيل الله وإطعام الضيوف والزكاة، وليس خاصا بالإنفاق في الغزو أو بالزكاة كما قيل. ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: فمنكم ناس يبخلون ويمتنعون عن الإنفاق في سبيل الله وأوجه الخير، والذي يبخل عن بذل المال وإنفاقه في سبيل الله لا يضر إلا نفسه؛ لأنه سيحرمها من ثواب البذل، ثم أخبر - سبحانه - أنه لا يأمر بالإنفاق ولا يدعو إليه لحاجته له، ولكن لحاجتكم أنتم واحتياجكم للثواب وقال: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾: أي: والله - سبحانه - هو الغني الحقيقى بالذات لا غيره، وأنتم الفقراء بالذات الكاملون في الفقر، فما يأمركم به - سبحانه - فهو لخيركم ومصلحتكم لاحتياجكم

стр. 4602

إلى ما فيه من المنافع في الدنيا والآخرة، فإن امتثلتم فلكم، وإن تعرضوا عن الإيمان وطاعة الله واتباع شرعه بالإنفاق وغيره من أنواع الخير يخلق مكانكم قومًا آخرين، وهذا كقوله - تعالى -: ﴿ويأت بخلق جديد﴾ (١) ثم لا يكون هؤلاء القوم أمثالكم في التولى عن الإيمان وطاعة الله، بل يكونون راغبين فيهما، مطعين لأوامر الله، قيل: هم الأنصار، وقيل: أهل اليمن وقيل: كندة والنخع، وقيل: الرُّوم، وقيل: غير ذلك، والخطاب لقريش أو لأهل المدينة: قولان. والشرطية غير واقعة، أي: قوله - تعالى - -: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ فعن الكلبي: شرط في الاستبدال توليهم، لكنهم لم يتولوا فلم يستبدل - سبحانه - قومًا غيرهم. اهـ: آلوسى بتصرف.

стр. 4603

سورة الفتح (وهي مدنية وآياتها تسع وعشرون) مناسبتها لما قبلها قال العلامة الآلوسي: حسن وضعها هنا بعد سورة محمَّد (القتال): ١ - لأن الفتح بمعنى النصر رتب على القتال. ٢ - ولأنه ذكر في كل منهما المؤمنين المخلصين والمنافقين والمشركين. ٣ - ولأنه قد جاء في السورة الأُولى محمَّد (القتال) الأمر بالاستغفار، قال - تعالى -: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية ١٩ من سورة محمَّد، وذكر هنا في سورة الفتح وقوع المغفرة في قوله - تعالى -: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الآية رقم ٢، إلى غير ذلك من المناسبات المتعددة. مقدمة: جاء في حديث صحيح أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما ما يدل على أن سورة الفتح نزلت بعد مُنصَرَفه ﷺ من الحديبية، وأن ذلك عند كراع الغميم (مكان قرب مكة) فقرأها ﵊ وهو على راحلته، ومثل ذلك يعد مدنيًّا على المشهور، وهو أن المدنى ما نزل بعد الهجرة. ولقد بدئت السورة الكريمة بالبشارة بالفتح المبين، وبما أفاء الله به على رسوله والمؤمنين من نصر عزيز وتأييد، وبما أنزله من سكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم، وذكرت جزاء المؤمنين وعذاب المشركين والمنافقين الذين تشككوا في انتصار الرسول على أعدائه، ثم تمضى الآيات مبينة أن الله أرسل محمدا للناس شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، ليتحقق الإيمان بالله ورسوله، ويعم الخير والحق بين الناس بطاعته وتعظيمه ومحدثة عن قدر الذين بايعوا الرسول وعاهدوه على نصرته، والاستشهاد في سبيل دعوته، وأنهم بعملهم هذا ومبايعتهم له إنما يبايعون الله، ويد الله فوق أيديهم بالنصر والتأييد، فمن نقض منهم العهد بعد ميثاقه فضرر ذلك عليه، ومن أوفى بالعهد فسيؤتيه الله أجرًا عظيمًا.

стр. 4604

ووضحت الآيات صورة الموقف المخزى للأعراب الذين تخلفوا عن القتال مع رسول الله حينما دعاهم إلى النفير، وأعذارهم الواهية الكاذبة في ذلك، وفضحتهم وكشفت عن نفاقهم وسوء طويتهم، وأنهم تخلفوا عن القتال لظنهم السيء أن الله لن ينصر نبيه - وذكرت طلبهم الخروج معه بعد ذلك لا حبًّا في القتال والجهاد، ولكن حبًّا للغنائم وابتغاء متاع الحياة الدنيا. وتناولت الآيات أصحاب الأعذار الذين يباح لهم التخلف عن القتال لعجزهم عن مباشرته وأنهم لا إثم عليهم في ذلك، كما بينت السورة الخير العظيم الذي حظى به من ﵃ في بيعة الرضوان، وذكرت منَّة الله في كف الكافرين عن المؤمنين، والمؤمنين عن الكافرين يوم فتح مكة بعد أن نصرهم الله وأقدرهم عليهم، وختمت السورة ببيان أن الله صدق رسوله الرؤيا بالحق، وكان الرسول قد رأى في منامه أنه يدخل هو ومن معه من المؤمنين المسجد الحرام آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين لا يخافون، وبيان خُلُقِ محمد وأصحابه: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ وببيان نعتهم وصفتهم في التوراة والإنجيل، وبذكر ما أعده الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات من المغفرة والأجر العظيم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ المفردات: ﴿فَتَحْنَا﴾ أصل الفتح: إزالة الإغلاق، وفتح البلد - كما في الكشاف -: الظفر به عنوة أو صلحًا بحرب أو بغيرها؛ لأنه منغلق ما لم يُظْفر به، فإذا ظفر به فقد فتح. ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾: يقل وجود مثله ويصعب مناله.

стр. 4605

التفسير ١ - ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾: المعنى: إنا فتحنا لك يا محمد فتحًا عظيما بينا ظاهرا بانتصار الحق وأصحابه وخذلان الباطل وأربابه، وقال قتادة: معناه: حكمنا وقضينا لك قضاء بينًا على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل لتطوفوا بالبيت الحرام، يعني في عمرة القضاء. فالفتح على هذا من الفتاحة: وهي الحكومة. وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ هو إخبار عن صلح الحديبية عند الجمهور سنة ست من الهجرة وروى ذلك عن ابن عباس وأنس، قال ابن عطية: وهو الصحيح. وقال الزهرى: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، اختلط المشركون بالمسلمين وسمعوا كلامهم، وتمكن الإِسلام من قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر، بهم سواد الإِسلام قال القرطبي: فما مضت تلك السنون إلا والمسلمون قد جاءوا إلى مكة في عشرة آلاف ففتحوها. وقد خفى كون ما في الحديبية - فتحًا على بعض الصحابة حتى بيَّنه ﵊. أخرج البيهقي عن عروة قال: أقبل رسول الله ﷺ من الحديبية راجعا فقال رجل من أصحاب رسول الله: والله ما هذا بفتح، لقد صُدِدْنا عن البيت وصُدَّ هدينا، وعكف رسول الله بالحديبية، وردَّ رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله ﷺ ذلك - فقال: "بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألونكم القضية، ويرغبون إليكم في الأمان، وقد كرهوا منكم ما كرهوا، وقد أظفركم الله عليهم، وردكم سالمين غانمين مأجورين فهذا أعظم الفتح، أنسيتم يوم أُحُد؟ إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؛ أنسيتم يوم الأحزاب؟ إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا"؟ قال المسلمون: صدق الله ورسوله، هو أعظم الفتوح، والله يا نبي الله ما فكرنا

стр. 4606

فيما ذكرت ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا. وذهب جماعة إلى أن المراد بالفتح الوارد في السورة فتح مكة وهو- كما في زاد المعاد -. الفتح الأعظم الذي أعزّ الله به دينه، واستنقذ به بلده وطهّر حرمه، واستبشر به أهل السماء، ودخل الناس بعده في دين الله أفواجًا، وأشرق وجه الأرض به ضياء وابتهاجًا. وعلى هذا الرأى ففي مجئ المستقبل بصيغة الماضى في قوله - تعالى -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ تنزيله منزلة المحقق، وفيه من الفخامة والدلالة على علوّ شأن المخبر ما لا يخفى - كما في الكشّاف - وذلك - على ما قيل - لأنه يدل على أنَّ الأزمنة كلها عند الله على السواء وأن منتظره كمحقَّق غيره، وأنه - سبحانه - إذا أراد أمرا تحقق لا محالة، وأنه - لجلالة شأنه - إذا أخبر عن حادث فهو كالكائن لما عنده من الأسباب القريبة والبعيدة. ولم يذكر المفعول للقصد إلى نفس الفعل والإيذان بأنَّ مناط التبشير نفس الفتح الصادر عنه - سبحانه - لا خصوصية المفتوح، وذكر لفظ (لك) في الآية لبيان مقام الرسول الرفيع عند الله . ٢ - ٣ - ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ أي: ليغفر لك الله ما تقدم وما تأخر مما يعد ذنبا لمثلك، فهو من قبيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. أو ليغفر لك ما هو ذنب في نظرك، وإن لم يكن ذنبا ولا خلاف الأولى عنده - تعالى - كما ترشد إلى ذلك الإضافة في لفظة (ذنبك) وقد صح أنه ﷺ لما نزلت صام وصلى حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: "أفلا أكون عبدًا شكورا" ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي: ويكمّل نعمته عليك بإعلاء الدين وانتشاره في البلاد، وغير ذلك مما أفاضه الله - تعالى - عليه من النعم الدينية والدنيوية بعد الفتح.

стр. 4607

﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: ويرشدك إلى الطريق المستقيم في تبليغ الرسالة وإقامة الحدود وبما يُشَرِّعه الله لك من الشرع العظيم والدين القويم. وهذا وإن كان حاصلا قبل الفتح لكن حصل بعد ذلك من اتِّضاح سبل الحق واستقامة مناهجه ما لم يكن حاصلا من قبل. ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أي: وينصرك الله على أعداء الرّسالة والكافرين بالدعوة والمحاربين لها نصرا يعز وجود مثله ويصعب مناله ويرفع في قدرك وذلك بسبب تواضعك وشدة خضوعك لأمر الله كما جاء في الحديث الصحيح: "ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، قال الآلوسي: وفي الكشاف: لم يجعل الفتح علَّة للمغفرة، لكن لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة وهي: ١ - المغفرة. ٢ - وإتمام النعمة. ٣ - وهداية الصراط المستقيم. ٤ - والنَّصر العزيز كأنه قيل: يَسّرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عزّ الدارين وأغراض العاجل والآجل. وحاصله أن الفتح علة لمجموع المتعاطفات، لا لكل واحدة منها على حدة. وقال الصدر: أظهر الاسم الجليل في الصّدر في قوله - تعالى -: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ وهنا في قوله: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾؛ لأن المغفرة تتعلق بالآخرة والنصر يتعلق بالدنيا فكأنه أُشير بإسناد المغفرة والنَّصر إلى صريح اسمه - تعالى - إلى أن الله هو الذي يتولى أمرك في الدنيا والآخرة، وقال الإِمام: أُظهرت الجلالة في قوله: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ إشارة إلي أن النَّصر لا يكون إلا من عند الله، كما قال - تعالى -: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١).

стр. 4608

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾ المفردات: ﴿السَّكِينَةَ﴾: الطمأنينة والثبات والسكون. ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾: ظن الأمر الفاسد المذموم، وهو أن الله لا ينصر نبيّه والمؤمنين. ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: دعاء عليهم بالهلاك والدمار الذي يتربصونه بالمؤمنين. التفسير ٤ - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: بيان لما أنعم الله به عليهم من مبادئ الفتح، أي: هو وحده - سبحانه - الذي أنزل

стр. 4609

الطمأنينة في قلوب المؤمنين بسبب الصلح والأمن؛ ليعرفوا فضل الله عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف والهدنة بدل القتال، ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم ويقينًا مع يقينهم برسوخ العقيدة واطمئنان النفس عليها. أو: هو الذي أنزل في قلوب المؤمنين السُّكون والاطمئنان إلى ما جاء به الرسول من الشرائع ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم بالله واليوم الآخر، والرأى الأول أظهر. وبهذه الآية الكريمة وبنصوص كثيرة أخرى، ومنها ما روى عن ابن عمر ﵄: قلنا: يا رسول الله، إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: "نعم، يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتى يدخل صاحبه النار" أقول: بهذا وبأمثاله استدل جمهور الأشاعرة والفقهاء والمحدثين والمعتزلة على أن الإيمان يزيد وينقص، ونقل ذلك عن الشافعى ومالك، وقال البخاري: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت واحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. وهذه قولة حقٍّ، وإلا لكان إيمان آحاد الأمة المنهمكين في الفسق والمعاصي مساويًا لإيمان الأنبياء والصديقين. وقال جماعة من العلماء أعظمهم الإمام أبو حنيفة وتبعه صحبه وكثير من المتكلمين: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، واحتجوا بأنه اسم للتصديق البالغ حدّ الجزْم، والإذعان وهذا لا يُتصَور فيه زيادة ولا نقصان، واختار هذا الرأى إمام الحرمين، وفي هذا الموضوع كلام كثير ذكره العلامة الآلوسي وغيره فليرجع إليه في الموسوعات من أراد التوسّع في هذا المقام. ثم ذكر سبحانه - أنه لو شاء لانتقم من الكافرين فقال: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: ولله جنود السموات والأرض يدبِّر أمرها كيفما يريد، فيسلِّط بعضها على بعض تارة، ويجعل السّلم بينها تارة أخرى حسبما تقتضيه مشيئته، ومن ذلك ما وقع في الحديبية، ولو أرسل علي الكفار ملكا واحدا لأباد خضراءهم ولكنّه - سبحانه - شرع لعباده المؤمنين الجِهاد والقتال ليثيبهم عليه، وكان الله

стр. 4610

ولا يزال - محيطا علمه بجميع الأُمور، ذا حكمة بالغة يضع الشيء في موضعه اللائق على مقتضى حكمته. ٥ - ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾: أخرج بن جرير وجماعة عن أنس قال: أنزلت على النبي ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ في مرجعه من الحديبية، فقال: "لقد أُنزلت عليّ آية هي أحب إليّ مما على الأرض" ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئًا مريئا يا رسول الله، قد بيّن الله - تعالى - ذلك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ .... ) حتى بلغ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ آلوسى. وهذه الآية وما بعدها علَّة لما دلّ عليه قوله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من التصرف والتدبير أي: دبّر ما دبر من تسليط المؤمنين ونصرهم على الكافرين، ليعرفوا نعمة الله في ذلك ويشكروها، فيدخلهم ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار دائمين فيها باقين أبدا، ويمحو عنهم سيئاتهم ولا يؤاخذ عليها بل يعفو ويرحم ويصفح ويغفر، وكان ذلك الجزاء عند الله فوزا بالغ العظم؛ لأنه منتهى ما تصبو إليه النفوس، وتهوى الأفئدة. وذكر المؤمنات في الآية بعد المؤمنين دفعا لتوهم اختصاص الحكم بالذكور، لأن الجهاد والفتح على أيديهم، وهكذا في كل موضع يوهم الاختصاص يصرِّح بذكر النساء. وتقديم الإدخال في الذكر على التكفير - مع أن الترتيب في الوجود على العكس للمسارعة إلي بيان ما هو المطلوب الأعلى، قال الآلوسي: ويجوز عندي أن يكون التكفير في الجنة، على أنَّ المعنى: يُدخلهم الجنة ويُغطى سيئاتهم ويسترها عنهم فلا تمرّ لهم ببال ولا يذكرونها أصلًا؛ لئلا يخجلوا فيتكدر صفو عيشهم.

стр. 4611

٦ - ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾: قوله - تعالى -: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ عطف على قوله - تعالى -: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: فعل الله ما فعل ودبر ما دبر ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار، ويعذب المنافقين الّذين يُظهرون خلاف ما يبطنون والمنافقات، والمشركين مع الله غيره والمشركات الظانين بالله ظنا سيئا، وهو أنَّه - سبحانه - لن ينصر رسوله والمؤمنين، وكذلك سائر ظنونهم الفاسدة من الشرك وغيره - عليهم وحدهم دائرة السوء والهلاك والدّمار، وما يظنون ويتربّصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم لا يفلتون منه، وسخط الله عليهم وطردهم من رحمته وأبعدهم عن نعيمه وجَنته، وأعدّ لعذابهم جهنم وساءت جهنَّم نهاية، وقبُحت مرجعًا ومآلا لهم. ٧ - ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾: أي: ولله جنود السموات والأرض يدبر أمرها بقدرته وحكمته وبأسه وسطوته وكان الله غالبا على كل شيء، ذا حكمة بالغة في تدبير كل شأن. وقوله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ذكرت هذه الآية سابقا، على أن المراد أنه المدبر لأمر المخلوقات بمقتضى حكمته، فلذلك ختمت الآية السابقة بقوله - تعالى -: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وأُعيد ذكرها هنا للتهديد بأنهم في قبضة الله المنتقم، ولذلك ختمت الآية بقوله - تعالى -: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فلا تكرار كما قال الشِّهاب.

стр. 4612

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ المفردات: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾: وتنصروه. ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾: وتعظِّموه وتُبجِّلوه. ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾: وتنزِّهوه، وتصلوا له. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: غدوة وعشيا. ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾ (١) يعاهدونك على الجهاد والانتصار لدعوتك وذلك في بيعة الرضوان بالحديبية. ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ أي: إنما يعاهدون الله؛ لأنّ المقصود من البيعة إطاعة الله وامتثال أمره. ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: قدرته وقوته فوق قدرتهم وقوّتهم.

стр. 4613

﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾: فمن نقض العهد والبيعة. ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: فإنه يضر نفسه ويوردها موارد الهلكة، فلا يعود وبال نقضه وضرر نكثه إلا عليه. التفسير ٨ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾: هذا توضيح وبيان لما بعث من أجله الرسول ﷺ والمعنى: إنا أرسلناك يا محمد شاهدا على أُمتك لقوله - تعالى -: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١) وعن قتادة: شاهدا على أمتك وشاهدا على الأُمم التي قبلك، وعلى الأنبياء الذين سبقوك بأنهم قد بلَّغوا، ومبشرا المتّقين بحسن الثواب على الطاعة، ونذيرا للعصاة بالعذاب على المعصية. ٩ - ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: الخطاب للنبي ﷺ ولأمته كقوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٢). فيفيد أن النبي مخاطب بالإيمان برسالته كالأمة، وقال الواحدى: الخطاب في ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ وما بعدها للأُمة. والمعنى: أرسلناك يا محمَّد شاهدا ومبشرا ونذيرا، لكي تؤمنوا يا أمته بالله ورسوله وتنصروا الله بنصر دينه وتعظموه - سبحانه - وتنزِّهوه عما لا يليق به أول النهار وآخره. وقيل: البكرة والأصيل جميع النهار، ويكنى بالتعبير عن جميع الشيء بطرفيه. وقال ابن عباس: المراد بهما صلوات الفجر والظهر والعصر. ١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى (٣) بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: المعنى: إن الذين يعاهدونك يا محمَّد يوم الحديبية على الجهاد في سبيل نصرتك

стр. 4614

إنما يُعاهدون الله؛ لأنّ المقصود من بيعة الرسول وإطاعته: إطاعة الله - تعالى - وامتثال أوامره لقوله - تعالى -: ﴿من يُطِع الرسول فقد أطاع الله﴾ (١). ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾: استئناف مؤكد لما قبله، والمراد بيد الله: قدرته ونصره، أي: قدرة الله معك وتأييده فوق قدرتهم وتأييدهم، فَثِق بنصرة الله - تعالى - قبل نصرتهم وإن صدقوا في مبايعتك. والسَّلف يأخذون بظاهر الآية كما جاءت مع تنزيه الله - تعالى - عن الجوارح وصفات الأجسام، وكذلك يفعلون في جميع المتشابهات يقولون: إن معرفة حقيقة ذلك فرع معرفة حقيقة الذات، وأنّى ذلك وهيهات هيهات!! ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: فمن نقض عهدك بعد ميثاقه ورجع في بيعته بعد تأكيدها وتوثيقها فلا يرجع وبال نقضه إلاَّ على نفسه، ولا يعود ضرر نكثه إلا عليه ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي،: ومن أوفى بالعهد الذي عاهد عليه الله بإتمام بيعتك وألزم نفسه تحقيقها والقيام بأعبائها فسيُعطيه الله ثوابا بالغ العظم وهو الجنة وما يكون فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. من حديث البيعة: بعث الرسول ﷺ عثمان بن عفان ﵁ إلى أشراف قريش بمكة يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا للبيت الحرام ومُعظِّما له، واحتبسته قريش عندها، وبلغ الرسول أن عثمان قد قُتِل فقال رسول الله: (لا نبرح حتى نُنَاجز القوم) ودعا الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة على الموت في سبيل الله، أو على ألا يفرّوا من قريش، فبايع النَّاس ولم يتخلف أحدٌ من الحاضرين إلا الجد بن قيس أحد بني سلمة، فكان جابر يقول: لكأنِّى أنظر إليه لاصِقًا بإبْطِ ناقته قد صبأ إليها يستتر بها من النَّاس، وضرب الرسول بإحدى يديه على الأخرى مُبَايعا عن عثمان، وقال: "اللهم إنّ عثمان في حاجة الله - تعالى - وحاجة رسوله" ثم أتى رسول الله أن الذي كان من أمر عثمان باطل. اهـ: ملخصا بتصرف عن محمَّد بن إسحاق في السير وذكره ابن كثير.

стр. 4615

﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾ المفردات: ﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾ (١) قال الطبرى: المخلفون هم الذين تخلفوا في أهليهم عن صحبة رسول الله يوم الحديبية، جمع مُخلَّف. ﴿الْأَعْرَابِ﴾ في المشهور: سكّان البادية من العرب لا واحد له. ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ﴾: استفهام بمعنى النفى أي: لا أحد يملك لكم. ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾: وهو ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا بل يقتلون.

стр. 4616

﴿بُورًا﴾ (١)؛ هالكين لفساد عقيدتكم. ﴿سَعِيرًا﴾: نارا موقدة ملتهبة، ونكّرت للتهويل أو التنويع. التفسير ١١ - ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: أي: سيقول لك من خلّفهم النِّفاق من أهل البادية وهم قبائل جُهينة ومُزينة وغِفار وغيرهم، استنفَرهم رسول الله ﷺ حين أراد المسير إلى مكّة عام الحديبية ليخرجوا معه حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدّوه عن البيت، وأحرم رسول الله ﷺ وساق معه الهدي ليعلم أنه لا يريد حربا، ورأى أولئك الأعراب أنه ﵇ يستقبل عدوا قويا من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة وهم الأحابيش، ولم يكن الإيمان لدى الأعراب قد تمكن في قلوبهم، فقعدوا عن الخروج مع النبي ﷺ وتخلفوا عن الجهاد معه، وقالوا: نذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة وقتلوا أصحابه فنقاتلهم؟ وقالوا: لن يرجع مُحمد ولا أصحابه إلى المدينة من هذه السفرة ففضَحهُم الله في هذه الآية وأعلم رسوله بقولهم واعتذارهم قبل أن يصلوا إليه، وحين جاءوا معتذرين إليه قائلين: شغلتنا أموالنا وأهلونا عن الذهاب معك، إذ لم يكن لنا من يقوم بحفظها ويحميها من الضياع، فاستغفر لنا الله ليغفر لنا تخلُّفَنا عنك، حيث لم يكن عن تكاسل وتباطؤ في طاعتك، فأنزل الله تكذيبا لهم في اعتذارهم بما سبق: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: إن كلامهم من طرف اللِّسان غير مطابق لما في الجنان، ثم أمر رسوله أن يردّ عليهم عند اعتذارهم بتلك الأباطيل فقال:

стр. 4617

﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر أحد أن يردّ ما أراده الله فيكم ويدفع عنكم قضاءه إن أراد بكم ما يضركم أو أراد بكم ما ينفعكم، وليس الشُّغُل بالأهل والمال عذرا، فلا ذاك يدفع الضرر إن أراده ولا محاربة العدو تمنع النفع إن أراد بكم نفعا، ثم أعقب ذلك بما يتضمن تهديدا لهم فقال: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي: بل كان الله بكل ما تعملون محيطا، فيعلم - سبحانه - سر تخلُّفكم وقصدكم فيه، ويجازيكم عليه يوم القيامة، ثم هتك الله سترهم وبين مكنون ضمائرهم بقوله: ١٢ - ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾: والمعنى: لم يكن الأمر كما تقولون، بل ظننتم أن لن يرجع الرسول والمؤمنون من ذلك السّفر إلى عشائرهم وذوى قرباهم أبدا، فلم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا مقهور بلى تخلُّف نفاق؛ لأنَّكم اعتقدتم أنَّ الرسول ومن معه من المؤمنين سيقتلون وتُستأصل شأفتهم، وتُبَادُ خضراؤهم ولا يرجع منهم أحد، فتخلفتم لذلك، وحسّن لكم الشيطان والنفاق ذلك الظن الخبيث في قلوبكم، حتى تمكَّن منكم وحملكم على ما فعلتم، فاشتغلتم بشأن أنفسكم ومصلحة ذواتكم غير مبالين بالرسول ﷺ وبالمؤمنين. ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ وهو ظنهم ألاَّ يرجع الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وأعيد لفظ ﴿ظَنَنْتُمْ﴾ لتشديد التوبيخ والتسجيل عليهم بالسّوء، أو هو عام فيشمل ذلك الظنَّ وسائر ظنونهم الفاسدة التي من جملتها الظّن بعدم رسالته ﷺ فإن الجازم بصحتها لا يحوم فكره حول ما ذُكِر من الاستئصال للرسول وأصحابه، وكنتم في علم الله الأزليّ قومًا هالكين، لفساد عقيدتكم وسوء نيّتكم، أو فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم ولا خير فيكم. ١٣ - ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾: هذا كلام مبتدأ من جهته غير داخل في الكلام السابق، مقرِّر لبوارهم وهلاكهم، ومبين لكيفيته، أي: ومن لم يصدق بالله ورسوله كهؤلاء المخلفين فإنا أعددنا

стр. 4618

للكافرين نارا مسعورة موقدة ملتهبة، وكان الظاهر أن يقال: فإنَّا أعددنا لهم، فعدل عن ذلك إلى الظاهر وهو لفظ (الكافرين) إيذانا بأن من لم يجمع بين الإيمان بالله - سجانه - والإيمان برسوله ﷺ فهو كافر مستحق للسعير بكفره. ١٤ - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: أي: ولله - وحده - ملك السموات والأرض - يدبّره تدبير قادر حكيم، وهو - جل شأنه - المتصرّف في الجميع كما يشاء، - له هذا الملك - يغفر لمن يشاء المغفرة له ويعذب من يشاء أن يعذِّبه، من غير دخل لأحد في شيء من غفرانه أو تعذيبه، وكان الله - ولا يزال - عظيم المغفرة لمن يشاء، ولا يشاء - سبحانه - المغفرة إلا لمن تقتضى الحكمة المغفرة له ممن يؤمن بالله وبرسوله، وأما من عدا ذلك من الكافرين المُجَاهرين والمنافقين فهم بمعزل عن ذلك، وفي تقديم المغفرة وختم الآية بكونه (غفورًا رحيمًا) بصيغة المبالغة فيهما فيه من واسع غفرانه وعظيم رحمته ما فيه، وفي الحديث: "كتب ربكم على نفسه بيده قبل أن يخلق الخلق: رحمتى سبقت غضبى" أي: قضى بذلك وأوجبه على نفسه، والآية كما قال أبو حيّان لبعث الرَّجاء في قلوب المنافقين إذا آمنوا حقيقة، وقيل: لقطع أطماعهم الفارغة في طلب استغفاره ﵇ لهم.

стр. 4619

﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥)﴾ المفردات: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾: اتركونا نخرج معكم لخيبر. ﴿كَلَامَ اللَّهِ﴾: حكمه القاضى باختصاص أهل الحديبية بمغانم خيبر. التفسير ١٥ - ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: المراد من المغانم هنا مغانم خيبر التي انطلقوا إليها بعد الحديبية كما عليه عامة المفسرين وأُيِّد بأن السِّين تدلّ على القرب، وخيبر أقرب المغانم التي انطلقوا إليها من الحديبية فإرادتها كالمتعينة، وقد جاء في الأخبار الصحيحة أن الله وعد أهل الحديبية أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر إذا قفلوا موادعين لا يصيبون شيئًا، وخص - سبحانه - ذلك بهم. والمعنى: سيقول الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في عمرة الحديبية: إذا ذهبتم إلى مغانم لتأخذوها ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾: دعونا واتركونا نخرج معكم إلى خيبر

стр. 4620

ونشهد معكم قتال أهلها، وذلك لطمعهم في عرض الدنيا لما يرون من ضعف العدوّ، ويتحققون النصر عليه، يريدون بذلك تغيير كلام الله ووعده وحكمه وقضائه باختصاص أهل الحديبية بمغانم خيبر، قل لهم يا محمد: لن تتبعونا، والمراد نهيهم عن الاتباع الذي أرادوه من قولهم: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ وهو الانطلاق معهم إلى خيبر. ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: مثل ذلك الحكم بعدم اتباعكم لهم - حكم الله - من قبل ذلك بتلك الغنائم لمن خرج إلى الغزو مع رسوله في عمرة الحديبية ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ أي: فسيقول المخلفون للمؤمنين عند سماع هذا النهي: لم يأمركم الله بذلك بل تحسدوننا أن نُشارككم في هذه الغنائم. ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا بل كانوا لا يفهمون إلا فهما قليلًا، وهو فهمهم لبعض أمور الدُّنيا، وهو ردّ لقولهم الباطل في المؤمنين، ووصف لهم بما هو شر من الحسد وهو الجهل المفرط وسوء الفهم في أمور الدين.

стр. 4621

﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ المفردات: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: أصحاب شدة وقوّة في الحرب. ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ أي: تستجيبوا وتنفروا للجهاد. ﴿حَرَجٌ﴾: إثم في التخلف عن الجهاد وقتال الكفار. التفسير ١٦ - ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: المعنى: قل للمتخلفين من أهل البادية الذين دُعُوا للخروج مع رسول الله زمن الحديبية فتقاعسوا - قل لهم -: ستدعون إلى قتال قوم ذوي شدة وبأس وقوّة في الحرب، شُرِع لكم جهادهم، وقتالهم، ولكم النُّصرة عليهم أو يُسْلمون فيدخلون

стр. 4622

في دينكم بلا قتال بل باختيارهم، فإن تستجيبوا لهذه الدعوة وتلبّوا أمر الله وداعى الجهاد يعظم الله لكم الأجر في الدنيا بالغنيمة، وحسن الأحدوثة والذكر، وفي الآخرة بالجنة، وإن تعرضوا عن الجهاد وتُصِمّوا آذانكم عن داعى الله كما أعرضتم من قبل عن الخروج إلى الحديبية يعذبكم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة لتضاعف جُرمكم. وهنا أمور: ١ - قال - تعالى -: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ كرر ذكرهم بهذا العنوان مبالغة في ذمهم وإشعارا بقبح التخلف وشناعة القعود عن الجهاد في سبيل الله ونصرة دينه. ٢ - اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين سيدعون إلى قتالهم وهم أولوا بأس شديد على أقوال: فرجح الزمخشرى والآلوسى: أن المراد بهم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر ﵁ لأن مشركى العرب والمرتدين هم الّذين لا يقبل منهم إلاَّ الإِسلام أو السيف عند أبي حنيفة، ومن عداهم من مشركى العجم وأهل الكتاب والمجوس تُقبل منهم الجزية، وعند الشافعى لا تقبل الجزية إلاَّ من أهل الكتاب والمجوس دون مشركى العجم والعرب (راجع الآلوسي والكشاف). وعن عطاء والحسن: المراد بهم الفرس والروم، وفسر القائلون بهذا الرأى قوله - تعالى -: (أو يسلمون) بأو ينقادون؛ لأن الروم نصارى، وفارس مجوس يقبل منهم إعطاء الجزية، وعن قتادة: ثقيف وهوازن، وعن سفيان: هم الترك، وقيل: هم الأكراد (ابن كثير والكشاف). ٣ - ذكر الزمخشرى والآلوسى: أنه شاع الاستدلال بهذه الآية على صحة إمامة أبي بكر ﵁ قال الآلوسي: والإنصاف أن الآية لا تكاد تصح دليلًا على إمامة الصديق ﵁ إلاَّ إن صحّ خبر مرفوع في كون المراد بالقوم بني حنيفة (١)، ودون ذلك خرط (٢) القتاد (آلوسى).

стр. 4623

١٧ - ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: ذكر الله في هذه الآية الكريمة الأعذار المبيحة لترك الجهاد فمنها ما هو لازم كالعمى والعرج البيِّن، ومنها ما هو عارض كالمرض الذي يطرأ أياما ثم يزول، فهو في حال مرضه ملحق بذوى الأعذار اللازمة حتى يبرأ فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أي: ليس على الأعمى إثم في التخلف عن الجهاد في سبيل الله، ولا على الأعرج إثم ولا على المريض إثم كذلك لما بهم من العذر والعاهة، وليس في نفى الإثم عنهم نهى لهم عن الغزو، بل قالوا: إن أجرهم مضاعف إذا خرجوا للقتال، ولقد غزا ابن أم مكتوم ﵁ وكان أعمى، وحضر في بعض حروب القادسية وكان يحمل الراية، كما غزا بعض العلماء (وهو أعمى) مع الجيش الإسلامى وهو يحارب التتار والصليبيين ولما سئل عن ذلك - وقد أذن الله له في ترك الجهاد - وما سيقدِّم من خدمات للجيش المقاتل؟ فقال: أكثِّر سواد المسلمين وأحرس متاعهم وأحرِّضهم علي القتال، وأستجيب لقول الله: "انفروا خفافا وثقالا" (١) وفي البحر: "لو حُصِر المسلمون فالغرض متوجِّه بحسب الوُسْع في الجهاد". ثم قال ﵎ مرغِّبا - في الجهاد وطاعة الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: ومن يطع الله ورسوله في كل ما ذُكر من الأوامر والنَّواهى يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار، ومن يعرض عن طاعة الله ورسوله يعذِّبه عذابا بالغ الألم بالذِّلة والصغار في الدنيا والنار في الآخرة، وقيل في الوعيد: (يعذِّبه) إلخ دون يدخله نارا أو نحوه، لأن العقاب يوم القيامة بالعذاب الأليم يستلزم إدخال النار، وإدخالهم فيها لا يستلزم ذلك، والله أعلم.

стр. 4624

* ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾ المفردات ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: قبل منهم بيعتهم. ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾: يعاهدونك على السمع والطاعة. ﴿السَّكِينَةَ﴾: طمأنينة القلب. ﴿وَأَثَابَهُمْ﴾: جازاهم. التفسير ١٨ - ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾: المراد من المؤمنين هنا: أهل الحديبية (١) إلا جد بن قيس فإنه كان منافقًا فلم يبايع، وهي بيعة الرضوان لقوله - تعالى -: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وخبر الحديبية: أن النبي ﷺ خرج معتمرًا ومستنفرًا الأعراب الذين حول المدينة فأبطأ عنه أكثرهم وخرج ﵊ بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن اتبعه من العرب وكانوا في ألف وأربعمائة على أرجح الأقوال فأحرم - عليه الصلاة

стр. 4625

والسلام - وساق معه الهدى ليعلم الناس أنه لم يخرج لحرب، فلما وصل ﷺ الحديبية بركت ناقته فقال الناس: خلأت (١) خلأت، فقال النبي ﷺ : (ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل (٢) عن مكة. لا تدعونى قريش اليوم إلى خطة يسألوننى فيها صلة رحم إلا أعطيتهم إياها) ثم نزل هناك، فقيل: يا رسول الله، ليس بهذا الوادى ماء فأخرج ﵊ سهمًا من كنانته فأعطاه رجلًا من أصحابه فنزل في قليب (٣) من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش بالماء الرَّوَاء (٤) حتى كفى الجيش. وبعث رسول الله ﷺ خِرَاشَ - بكسر الخاء - بن أمية الخزاعى رسولا إلى أهل مكة يعلمهم أنه جاء معتمرا لا يريد قتالا فلما كلمهم عقروا جمله وأرادوا قتله، فمنعه الأحابيش (٥) فخلوا سبيله حتى إلى الرسول ﷺ فدعا عمر ﵁ ليبعثه فقال: يا رسول الله، إن القوم عرفوا عداوتى لهم وغِلَظى عليهم وإنى لا آمن، وليس بمكة أحد من بني عديّ يغضب لي إن أُوذيت، فأَرْسِل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها وهم يحبونه، وإنه يبلِّغ ما أردت، فدعا رسول الله ﷺ عثمان فأرسله إلى قريش وقال له ﵊: أخْبِرْهم أنَّا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمَّارا، وادعهم إلي الإسلام، وأمره ﵊ أن يأتى رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله - سبحانه - يظهر دينه بمكة قريبا، فذهب عثمان ﵁ إلى قريش وكان قد لقيه أبان بن سعيد بن العاص فأجاره، فأتى قريشا فأخبرهم، فقالوا له: إن شئت فطف بالبيت، وأما دخولكم فلا سبيل إليه، فقال ﵁: ما كنت لأطوف به حتى يطوف به رسول الله ﷺ فاحتبسوه، فبلغ رسول الله والمسلمين أن
следующие страницы →