← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ المفردات: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: أصحاب شدة وقوّة في الحرب. ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ أي: تستجيبوا وتنفروا للجهاد. ﴿حَرَجٌ﴾: إثم في التخلف عن الجهاد وقتال الكفار. التفسير ١٦ - ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: المعنى: قل للمتخلفين من أهل البادية الذين دُعُوا للخروج مع رسول الله زمن الحديبية فتقاعسوا - قل لهم -: ستدعون إلى قتال قوم ذوي شدة وبأس وقوّة في الحرب، شُرِع لكم جهادهم، وقتالهم، ولكم النُّصرة عليهم أو يُسْلمون فيدخلون

стр. 4622

في دينكم بلا قتال بل باختيارهم، فإن تستجيبوا لهذه الدعوة وتلبّوا أمر الله وداعى الجهاد يعظم الله لكم الأجر في الدنيا بالغنيمة، وحسن الأحدوثة والذكر، وفي الآخرة بالجنة، وإن تعرضوا عن الجهاد وتُصِمّوا آذانكم عن داعى الله كما أعرضتم من قبل عن الخروج إلى الحديبية يعذبكم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة لتضاعف جُرمكم. وهنا أمور: ١ - قال - تعالى -: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ كرر ذكرهم بهذا العنوان مبالغة في ذمهم وإشعارا بقبح التخلف وشناعة القعود عن الجهاد في سبيل الله ونصرة دينه. ٢ - اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين سيدعون إلى قتالهم وهم أولوا بأس شديد على أقوال: فرجح الزمخشرى والآلوسى: أن المراد بهم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر ﵁ لأن مشركى العرب والمرتدين هم الّذين لا يقبل منهم إلاَّ الإِسلام أو السيف عند أبي حنيفة، ومن عداهم من مشركى العجم وأهل الكتاب والمجوس تُقبل منهم الجزية، وعند الشافعى لا تقبل الجزية إلاَّ من أهل الكتاب والمجوس دون مشركى العجم والعرب (راجع الآلوسي والكشاف). وعن عطاء والحسن: المراد بهم الفرس والروم، وفسر القائلون بهذا الرأى قوله - تعالى -: (أو يسلمون) بأو ينقادون؛ لأن الروم نصارى، وفارس مجوس يقبل منهم إعطاء الجزية، وعن قتادة: ثقيف وهوازن، وعن سفيان: هم الترك، وقيل: هم الأكراد (ابن كثير والكشاف). ٣ - ذكر الزمخشرى والآلوسى: أنه شاع الاستدلال بهذه الآية على صحة إمامة أبي بكر ﵁ قال الآلوسي: والإنصاف أن الآية لا تكاد تصح دليلًا على إمامة الصديق ﵁ إلاَّ إن صحّ خبر مرفوع في كون المراد بالقوم بني حنيفة (١)، ودون ذلك خرط (٢) القتاد (آلوسى).

стр. 4623

١٧ - ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: ذكر الله في هذه الآية الكريمة الأعذار المبيحة لترك الجهاد فمنها ما هو لازم كالعمى والعرج البيِّن، ومنها ما هو عارض كالمرض الذي يطرأ أياما ثم يزول، فهو في حال مرضه ملحق بذوى الأعذار اللازمة حتى يبرأ فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أي: ليس على الأعمى إثم في التخلف عن الجهاد في سبيل الله، ولا على الأعرج إثم ولا على المريض إثم كذلك لما بهم من العذر والعاهة، وليس في نفى الإثم عنهم نهى لهم عن الغزو، بل قالوا: إن أجرهم مضاعف إذا خرجوا للقتال، ولقد غزا ابن أم مكتوم ﵁ وكان أعمى، وحضر في بعض حروب القادسية وكان يحمل الراية، كما غزا بعض العلماء (وهو أعمى) مع الجيش الإسلامى وهو يحارب التتار والصليبيين ولما سئل عن ذلك - وقد أذن الله له في ترك الجهاد - وما سيقدِّم من خدمات للجيش المقاتل؟ فقال: أكثِّر سواد المسلمين وأحرس متاعهم وأحرِّضهم علي القتال، وأستجيب لقول الله: "انفروا خفافا وثقالا" (١) وفي البحر: "لو حُصِر المسلمون فالغرض متوجِّه بحسب الوُسْع في الجهاد". ثم قال ﵎ مرغِّبا - في الجهاد وطاعة الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: ومن يطع الله ورسوله في كل ما ذُكر من الأوامر والنَّواهى يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار، ومن يعرض عن طاعة الله ورسوله يعذِّبه عذابا بالغ الألم بالذِّلة والصغار في الدنيا والنار في الآخرة، وقيل في الوعيد: (يعذِّبه) إلخ دون يدخله نارا أو نحوه، لأن العقاب يوم القيامة بالعذاب الأليم يستلزم إدخال النار، وإدخالهم فيها لا يستلزم ذلك، والله أعلم.

стр. 4624

* ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾ المفردات ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: قبل منهم بيعتهم. ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾: يعاهدونك على السمع والطاعة. ﴿السَّكِينَةَ﴾: طمأنينة القلب. ﴿وَأَثَابَهُمْ﴾: جازاهم. التفسير ١٨ - ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾: المراد من المؤمنين هنا: أهل الحديبية (١) إلا جد بن قيس فإنه كان منافقًا فلم يبايع، وهي بيعة الرضوان لقوله - تعالى -: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وخبر الحديبية: أن النبي ﷺ خرج معتمرًا ومستنفرًا الأعراب الذين حول المدينة فأبطأ عنه أكثرهم وخرج ﵊ بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن اتبعه من العرب وكانوا في ألف وأربعمائة على أرجح الأقوال فأحرم - عليه الصلاة

стр. 4625

والسلام - وساق معه الهدى ليعلم الناس أنه لم يخرج لحرب، فلما وصل ﷺ الحديبية بركت ناقته فقال الناس: خلأت (١) خلأت، فقال النبي ﷺ : (ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل (٢) عن مكة. لا تدعونى قريش اليوم إلى خطة يسألوننى فيها صلة رحم إلا أعطيتهم إياها) ثم نزل هناك، فقيل: يا رسول الله، ليس بهذا الوادى ماء فأخرج ﵊ سهمًا من كنانته فأعطاه رجلًا من أصحابه فنزل في قليب (٣) من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش بالماء الرَّوَاء (٤) حتى كفى الجيش. وبعث رسول الله ﷺ خِرَاشَ - بكسر الخاء - بن أمية الخزاعى رسولا إلى أهل مكة يعلمهم أنه جاء معتمرا لا يريد قتالا فلما كلمهم عقروا جمله وأرادوا قتله، فمنعه الأحابيش (٥) فخلوا سبيله حتى إلى الرسول ﷺ فدعا عمر ﵁ ليبعثه فقال: يا رسول الله، إن القوم عرفوا عداوتى لهم وغِلَظى عليهم وإنى لا آمن، وليس بمكة أحد من بني عديّ يغضب لي إن أُوذيت، فأَرْسِل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها وهم يحبونه، وإنه يبلِّغ ما أردت، فدعا رسول الله ﷺ عثمان فأرسله إلى قريش وقال له ﵊: أخْبِرْهم أنَّا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمَّارا، وادعهم إلي الإسلام، وأمره ﵊ أن يأتى رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله - سبحانه - يظهر دينه بمكة قريبا، فذهب عثمان ﵁ إلى قريش وكان قد لقيه أبان بن سعيد بن العاص فأجاره، فأتى قريشا فأخبرهم، فقالوا له: إن شئت فطف بالبيت، وأما دخولكم فلا سبيل إليه، فقال ﵁: ما كنت لأطوف به حتى يطوف به رسول الله ﷺ فاحتبسوه، فبلغ رسول الله والمسلمين أن

стр. 4626

عثمان قد قُتل، فقال ﷺ : لا نبرح حتى نناجز (١) القوم، ونادى مناديه ﷺ : ألا إن روح القدس (جبريل) قد نزل على رسول الله ﵊ فأمره بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله - تعالى - فبعضهم بايعه على ألا يفر، وبعضهم بايعه على الموت، وبعضهم بايعه على ما في نفس رسول الله ﷺ ولما بايع الناس قال ﵊: (اللهم إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله) فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم، ولما سمع المشركون بالبيعة خافوا وبعثوا عثمان ﵁ وجماعة من المسلمين ثم جرى السفراء بين رسول الله ﷺ وكفار قريش وطال التراجع والتنازع إلى أن جاء سهيل بن عمرو العامرى فقاضاه على أن ينصرف ﵊ عامه هذا حتى لا يتحدث العرب أنَّا أخذنا ضُغطة (٢)، فإذا كان من قابل أتى ﷺ معتمرا ودخل هو وأصحابه مكة بغير سلاح حاشا السيوف في قُربِها، فيقيم بها ثلاثًا ويخرج، وعلى أن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام يتداخل الناس ويأمن بعضهم بعضًا، وعلى أن من جاء من الكفار إلى المسلمين مسلمًا من رجل أو امرأة رُدّ إلى الكفار، ومن جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدًّا لم يردوه إلى المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أنكتب هذا؟ قال: نعم إنه مَنْ ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا، فجأ عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: (بلى) قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: (بلى) قال: ففيم نعطى الدَّنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: (يا بن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعنى الله أبدا) فانطلق عمر فلم يصبر متغيِّظا، فأتى أبا بكر فقال له ما قاله لرسول الله ﷺ فقال له أبو بكر: يا بن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا فنزل القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله أوَ فَتْحٌ هو؟ قال: (نعم) فطابت نفسه ورجع … حقًّا لقد كان صلح الحديبية فتحًا عظيمًا، فبعده دخل كثير من العرب في الإسلام وجاءت

стр. 4627

الوفود إلى رسول الله ﷺ من جهات شتى تدخل في دين الله، وما ظنه بعض المسلمين كعمر ﵁ أنه دنيّة ونقيصة وذل في دينهم ما كان إلاَّ عزة ومنعة، فقد صح أن رسول الله ﷺ بعد أن رجع إلى المدينة جاءه أبو بصير - وهو رجل من قريش قد أسلم - فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به، وفي الطريق خدع أبو بصير أحد الرجلين وأخذ سيفه وقتله به، وفرّ الآخر إلى المدينة، وقال لرسول الله ﷺ : قد قتل - والله - صاحبى وإني لمقتول، فجاءه أبو بصير فقال: يا رسول الله قد - والله - أوفى اللهُ ذمتك وقد رددتنى إليهم، ثم نجاني الله - تعالى - منهم، فقال ﷺ : "ويل أمِّه مِسْعر (١) حرب لو كان معه أحد) فلما سمع أبو بصير ذلك عرف أن رسول الله ﷺ سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف (٢) البحر، ولحق به - هربا من قريش - أبو جندل ابن سهيل بن عمرو وكان قد جاء إلى رسول الله ﷺ مسلما في الحديببة بعد الصلح، فطلب أبوه سهيل بن عمرو أن يرده رسول الله ﷺ إليه إنفادًا للعهد، ففعل الرسول ذلك ودعا لأبي جندل أن يجعلى الله له مخرجًا. ولحق بأبي بصير وبأبي جندل من كان يسلم من قريش، حتى اجتمعت منهم جماعة فما يسمعون بِعيرٍ خرجت من قريش إلا اعترضوا لها فقتلوهم، وأخذوا أموالهم جزاء ما أصاب المسلمين على أيديهم منه القتل والتعذيب وأخذ الأموال ظلمًا، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم، وقالوا له: اضممهم إليك حتى نأْمن، ففعل ﷺ وأجابهم إلى ما طلبوا. ومما تجدر الإشارة إليه والتنويه به ما حدث بعد فراغ الرسول ﷺ من إتمام عقد الحديبية أنه قال لأصحابه: (قوموا فانحروا ثم احلقوا) فما قام رجل منهم حتى قال ﷺ ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل ﷺ على زوجه السيدة أم سلمة ﵂ فذكر لها ما لقي من الناس، قالت له: يا نبي الله أتحب ذلك؟

стр. 4628

اخرج فلا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج رسول الله ﷺ فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بيده، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأَوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا. لقد رضي الله عن المؤمنين وقبل منهم مبايعتهم لرسول الله ﷺ ومعاهدتهم له على السمع وبذل الطاعة بما رضوا به ورضخوا له من بيع أنفسهم وأموالهم لله بأن لهم الجنة، مع علمه - سبحانه - بما في قلوبهم من الصدق والإخلاص في مبايعتهم وحبهم للإسلام وحرصهم عليه ونصرتهم له، فأنزل - جل شأنه - الطمأنينة وسكون القلب عليهم بصدق وعده وتحقق جزائه وأثابهم وجزاهم على تلك البيعة (فتحًا قريبًا) هو فتح خيبر والصلح مع أهلها، بعد عودتهم من الحديبية مباشرة. وفي تقييد البيعة بأنها كانت تحت الشجرة إشارة إلى عظم منزلتها لدى الله لأنها كانت امتثالًا لأمر رسوله ﷺ بعد أن نزل عليه جبريل ﵇ وأمره بها، ولم تكن لخوف منه ﵊ ولذا استحقت رضاه - تعالى - الذي لا يعادله شيءٌ، وقد ترتب على هذا الرضا من الثواب ما لا يكاد يخطر على بال، ويكفي في ذلك ما أخرج أحمد عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) كما صح برواية الشيخين وغيرهما أنه ﷺ قال لهم: (أنتم خيرُ أهل الأرض). ١٩ - ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾: أي: ومنحهم - سبحانه - مع هذا الفتح والصلح غنائم كثيرة وأموالًا وفيرة أفاءَ الله بها على المسلمين من خيبر، فجمع الله لهم بهذا الصلح أمنًا واطمئنانًا على نفوسهم من جانب هؤلاء اليهود مع رزقه واسع وخير عميم، والفضل في هذا كله لله - سبحانه - فهو العزيز الذي لا يغالب ولا يُقهر ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ والحكيم: الذي لا تجرى أحكامه وقضاياه إلا على مقتضى الحكمة. هذا، وقد قسم النبي ﷺ غنائم خيبر بين المقاتلين فأعطى للفارس سهمين وللراجل سهمًا واحدًا.

стр. 4629

﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ المفردات: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾: دفعها ومنعها أن تحول بينكم وبين اغتنامها. (آيَةً): علامة وأَمارة. (قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا): قد قدَر الله عليها واستولى. (لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ): لانهزموا وأعطوكم ظهورهم هربًا منكم. (وَلِيًّا) الوليّ: من ينفع برفق ولين. (نَصِيرًا) النصير: من ينفع بعنف. (سُنَّةَ اللهِ): طريقة الله. (خَلَتْ): مضت وسلفت. (تَبْدِيلًا): تغيِيرًا.

стр. 4630

التفسير ٢٠ - ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾: أي: وعدكم الله - أيها المسلمون - ووعد الله لا يتخلف؛ إذ الخلف في الوعد كذب وحاشا لله ذلك. أي: وعدكم - سبحانه - بمغانم كثيرة من أموال وسلاح وأرض وسبى تأخذونها من الكفار في مستقبل أيامكم إلى يوم القيامة إذا تحققت فيكم صفات المؤمنين، إذ قد وعد الله رسله والمؤمنين النصر على أعدائهم، قال - تعالى -: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (١). (فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ) أي: فَقَدَم لكم مغانم خيبر عاجلة دون مشقة أو قتال تطييبا لخاطركم، ومنع أهل خيبر ومن جاءه لنصرتهم من بني أسد وغطفان أن ينالوكم بسوءٍ؛ حيث قذف الله في قلوبهم الرعب فنكصوا على أعقابهم وولوا الأدبار هاربين فارين فزعا وخوفًا. (وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: ولتكون هذه المغانم أمارة وعلامة للمؤمنين يعرفون بها أنهم من الله بمنزلة عظيمة ومكانة رفيعة، وأنه - سبحانه - كفيل بنصرهم والفتح عليهم، أو يعرف بها المؤمنون صدق الرسول ﷺ في وعده إياهم فتح خيبر وما يلي ذلك من فتح مكة ودخول المسجد الحرام، (وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) أي: وَيثبتكم الله على الهدى والطاعة ولا يفتنكم في دينكم، أو يزيدكم هدى وتقوى؛ فإن قومًا هذا شأنهم وفيهم رسول الله ﷺ جدير بهم أن يكونوا على الجادّة والصراط السويّ والطريق المستقيم. ٢١ - ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾: أي: وأعطاكم ومنحكم غنائم أُخرى غير ما غنمتموه من خيبر وهي غنائم هوازن في

стр. 4631

غزوة حنين، إذ لم تستطيعوا اغتنامها والحصول عليها وقت أن ركنتم إلى كثرتكم، واعتززتم بقوتكم، واعتمدتم على كثرة عددكم وقلة عدوّكم فقلتم: لن نغلب اليوم عن قلة، وكان الجيش الإِسلامي في اثنى عشر ألفًا وجيش الكفار في أربعة آلاف، فلم تغن عنكم هذه الأعداد شيئًا حتى ضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم الأدبار منهزمين، ثم أدركتكم عناية ربكم - سبحانه - فأنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وملأَ قلوبهم اطمئنانًا وثقة في الله - جل وعلا - وأنزل جنودًا من الملائكة لم تبصروها فكانت عونًا لكم على عدوّكم وعذَّب الله الذين كفروا فهزمهم وأعطاكم غنائمهم بعد أن أحاط بها وحفظها لكم ومنعها من سواكم؛ والله - سبحانه - قدير لا يعجزه ولا يفوته شيء في الأرض ولا في السماء ولا فيما وراء ذلك مما لا نعلمه، فغلبة المؤمنين على هؤلاء الكفار واغتنام أموالهم أمر واقع لا محالة إذ قد حكم به الله وقضاه. ٢٢ - ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: أي: ولو امتنع المشركون وغيرهم عن أن يصالحوكم، وأصروا على قتالكم وحاربوكم لانهزموا وفروا وأعطوكم أدبارهم وظهورهم تُعْمِلون فيها أسلحتكم قتلًا وجرحًا، ولأمكنكم منهم أخذًا وأسرًا، ثم هم مع ذلك لا يجدون من وليّ يتولى أمرهم ويحرسهم من بأس الله على أيدى المؤمنين، ولا يجدون أحدًا ما ينصرهم ويقاتل معهم، قال الإِمام الفخر الرازي: أريد بالولي: من ينفع باللطف. وبالنصير: من ينفع بالعنف، أَي: لا ينالون ولا يصيبون عونًا من أحد يدفع عنهم برفق ولين أو يقف بجانبهم يحمل السلاح ويخوض معهم الحرب في قتالهم للمؤمنين. ٢٣ - ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾: أي: سنّ الله - سبحانه - غلبة أنبيائه ونصرتهم - عليهم الصلاة والسلام - سنة وطريقة قديمة فيمن مضى من الأُمم، قال - تعالى -: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ (١) والمراد:

стр. 4632

أن سنته - تعالى - أن يكون النصر والعاقبة لأنبيائه ﵈ ولن تتغير سنة الله وطريقته معك، فالغلبة والعاقبة لك عليهم لا محالة. وفي هذا تثبيت لفؤاد رسول الله ﷺ وإنزال للطمأنينة على قلوب المؤمنين، وبشارة ووعد بأَن النصر لهم، كما أن فيه تهديدا للمشركين بأَن الدائرة تدور عليهم. ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ في رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾ المفردات: (كَفَّ): دفع ومنع. (بِبَطْنِ مَكَّةَ) المراد: الحديبية. (أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ): أمكنكم منهم وجعلكم ذوى غلبة تامة عليهم. (وَالْهَدْيَ): ما يهدى ويساق إلى البيت الحرام من النَّعَمِ تقرّبًا إلى الله. (مَعْكُوفًا): محبوسًا وموقوفًا.

стр. 4633

(تَطَئُوهُمْ): تدوسوهم بأقدامكم، والمراد: أن تبيدوهم وتهلكوهم. (مَعَرَّةٌ): مكروه ومشقة، من: عرَّه بمعنى عراه إذا دهاه بما يكره ويشق عليه. وقيل: من العُرّ، وهو الجرب الصعب اللازم. (تَزَيَّلُوا): تفرقوا وتميز بعضهم عن بعض. التفسير ٢٤ - ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾: أخرج الإِمام أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم وغيرهم عن أنس بن مالك قال: لَمَّا كان يوم الحديبية هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلًا من أهل مكة في السلاح من قِبل جبل التنعيم يريدون غِرة (١) رسول الله ﷺ فدعا عليهم فأخذوا، فعفا عنهم، فنزلت هذه الآية (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ … ) الخ الآية، فهذا امتنان من الله على عباده المؤمنين حين كفّ أيدى المشركين عنهم في الحديبية فلم يصل إلى المسلمين منهم سوءٌ كما منع - سبحانه - أيدى المؤمنين عن المشركين مع تمكنهم منهم فلم يقاتلوهم، وحفظ كلاًّ من الفريقين وأوجد بينهم صلحًا فيه خير للمؤمنين، وعاقبة كريمة لهم في الدنيا والآخرة، والله - سبحانه - بصير بكم وبأعمالكم - أيها المؤمنون - يعلم ما فيه الخير لكم، ولذلك منعكم عن قتال المشركين حفظا لكم ورحمة بكم، ورعاية لحرمة بيته العتيق من أن تراق فيه الدماءُ وتزهق الأرواح، كما أن في هذا الكف أيضًا إبقاءً على قوم لكم بهم رحم وقربى، ولعل الله يهدى بعضهم إلى الدخول في الإِسلام. ٢٥ - ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ … ﴾ الآية:

стр. 4634

جاءت هذه الآية الكريمة للإشارة إلى أن الاختلاف بين المؤمنين والكفار باق، والنزاع قائم، والعداوة مستمرة، ولم ينته ما بينهما بالاتفاق والصلح ومنع أَيدى كل فريق عن الآخر، إذ أَن هؤلاء لا يزالون على كفرهم، وإمعانهم في عداوتكم، فلهذا قاموا بصدكم ومنعكم عن دخول المسجد الحرام للزيارة والاعتمار، مع أنهم قد علموا أنكم لا تريدون بهم شرًّا فقد سُقْتم الهدى من البدْن إلى البيت الحرام، وعكَفْتموها وحبستموها عليه قربى وزلفى لله فقد أشعرتموها فحززتم أَسْنمتها حتى سالت منها الدماءُ ليعلم أنها هدى، فمنعوا تلك البدن أن تبلغ المحل الذي اعتاد زُوَّار بيت الله وقُصَّاده أن يذبحوها فيه وهو منى (١)، وقد سبق أن حدثهم في هذا الشأن الحليس بن علقمة الكناني، وكانوا قد أرسلوه إلى رسول الله ﷺ فقال لهم: يا معشر قريش لقد رأيت ما لا يحل صده؛ الهدى في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، ولكن المشركين ركبوا رءُوسهم وقالوا له: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك. أي: أن هؤلاء الكفار قد ازدادوا كفرًا وعداوة لكم فلا تأْمنوهم، وإنما كان كف الله أيديكم عنهم بعد أن أَظفركم عليهم وأمكنكم منهم لحكمة يعلمها هو - سبحانه -. وقد جاء بيانها في قوله - تعالى -: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: أي: ولولا كراهة أن تهلكوا أُناسًا مؤمنين يقيمون بين ظهراني المشركين وأنتم غير عالمين بهم وبأَماكنهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة، كأن يقول المشركون: إن المسلمين قد فعلوا بأَهل دينهم من الإهلاك مثل ما فعلوا بنا، وكذلك ما يصيب المسلمين وينالهم عن الضيق والمشقة من أن يقتلوا إخوانهم في الإِسلام وهم عدّتهم على أعدائهم، فضلا عن الرحمة التي تسود وتعم المسلمين فهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، أي: لولا كراهة إهلاككم المؤمنين لما كف أيديكم عن قتال أهل مكة من المشركين.

стр. 4635

(لِيُدْخِلَ اللهُ في رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: كفَّ أيديكم عنهم ليدخل الله في رحمته الواسعة من يريده - جل شأنه - من المؤمنين الذين يعيشون بين المشركين في مكة، فجعل لهم بعد خوفهم أمنًا، وبعد ذلك عزًّا، فيؤدّون في ظل ذلك عبادتهم لربهم على أَكمل وجه وأتم صورة في علانية دون استخفاء، أو: لِيَمُنَّ الله ويدخل من يشاءُ من المشركين في رحمته، وذلك باعتناقهم الإِسلام بعد أن رأوا ما عليه المؤمنون من تواد وتراحم وخلق كريم ودين قويم. (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) أي: لو تفرق هؤلاء المؤمنون والمؤمنات وتميزوا عن الكفار وخرجوا من مكة ولم يبقوا بينهم لعذبنا هؤلاء الكفار في الدنيا بالقتل والسبى وغير ذلك من ضروب التنكيل الشديد والإيلام العظيم. ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾ المفردات: (الْحَمِيَّةَ): الكبر والأَنفة. (سَكِينَتَهُ) السكينة: هي الوقار والحلم. (أَلْزَمَهُمْ): اختار لهم وطلب منهم. (كَلِمَةَ التَّقْوَى): هي: لَا إله إلا الله، كما جاء في حديث الترمذي وغيره مرفوعًا، وقبل غير ذلك.

стр. 4636

(أَحَقَّ بِهَا) أي: أولى بها من غيرها ومتصفين بمزيد استحقاق لها. (وَأَهْلَهَا): وأصحابها المستأهين لها. التفسير ٢٦ - ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ … ﴾ الآية: هذه الآية الكريمة تحكى ما كان من المشركين عند كتابة صلح الحديبية وتوثيقه، وذلك أن النبي ﷺ دعا عليًّا - كرم الله وجهه - فقال له: اكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل بن عمرو: لا أعرف هذا ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال رسول الله ﷺ : اكتب (باسمك اللهم) فكتبها، ثم قال ﵊: (اكتب: هذا ما صالح عليه محمَّد رسول الله سهيل بن عمرو) فقال سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ﷺ ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال رسول الله ﷺ : (والله إني لرسول الله وإن كذبتموني. اكتب: هذا ما صالح عليه محمَّد بن عبد الله سهيل بن عمرو) إلى آخر ما جاء في كتاب الصلح. أي: تذكر - يا محمَّد - وذكر المؤمنين بذلك الوقت الذي ملأ فيه الكافرون قلوبهم كبرًا وأنفة بعدت بهم عن الحق، ونأت عن الصراط المستقيم، حيث لم يذعنوا لما جاء به رسول الله ﷺ ورفضوا الإقرار بالبسملة والتسليم برسالة الرسول ﷺ ولم يرضوا بكتابة ما أملاه رسول الله ﷺ في ورقة صلح الحديبية، ولكن الله برعايته ولطفه أدرك المؤمنين بكريم عطفه وعظيم فضله، فأنزل الطمأنينة والوقار والحلم عليهم، وثبتهم وأرضاهم وشرح صدورهم إلى ما أمر به رسول الله ﷺ ولم يدخل قلوبهم ما دخل في قلوب المشركين من الحمية. وقال الإِمام الفخر الرازى: إن الله - تعالى - أبان غاية البون بين الكافر والمؤمن فأشار إلى ثلاثة أشياء: (أحدها): جعل ما للكافرين بِجَعْلهم فقال: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ)، وجعل ما للمؤمنين بجَعْل الله - تعالى - فقال: (فَأَنْزَلَ اللهُ) وبين الفاعِلَيْن ما لا يخفى.

стр. 4637

(ثانيها): جعل للكافرين الحمية، وللمؤمنين السكينة، وبين المفعولَيْن تفاوت. (ثالثها): أضاف الحمية إلى الجاهلية، وأضاف السكينة إلى نفسه حيث قال: (حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ)، وقال: (سَكِينَتَهُ) وبين الإضافتين ما لا يذكر، ثم استطرد الإِمام الفخر فقال: قال الله في حق الكافر: (جَعَلَ)، وفي حق المؤمن: (أنزَلَ) ولم يقل: خلق ولا جعل سكينَتَه إشارة إلى أن الحمية كانت مجعولة في الحال، أما السكينة فكانت كالمحفوظة في خزائن رحمته معدَّة لعباده فأنزلها. وقال: (الحَمِيَّة) ثم أضافها بقوله: (حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ)؛ لأنَّ الحمية في نفسها صفة مذمومة، وبالإضافة إلى الجاهلية تزداد قبحًا، وللحمية في القبح درجة لا يعتبر معها قبح القبائح كالمضاف إلى الجاهلية، وأما السكينة في نفسها وإن كانت حسنة لكن الإضافة إلى الله فيها من الحسن ما لا يبقى معه لِحُسْنٍ اعتبار، فقال: (سَكِينَتَهُ) اكتفاء بحسن الإضافة. (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) أي: اختارها لهم وألزمهم بها - سبحانه - تكريمًا وتشريفًا لهم، وكانوا أحق وأولى من سواهم وأجدر من غيرهم بهذا التكريم؛ فيه صفوة خلقه وأصحاب رسوله ﵃ المختارون لدينه الحنيف. وقيل: هم أحق بها في الدنيا وهم أهلها بالثواب في الآخرة. وكلمة التقوى هي: (بسمِ الله الرحمن الرحيم، ومحمَّد رسول الله) التي أبى سهيل ابن عمرو أن تكتب في صلح الحديبية، وقيل: هي لَا إله إلا الله، والله أكبر، وقيل: هي الثبات والوفاء بالعهد. (وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) أي: يعلم - سبحانه - حق كل شيءٍ فيسوق ويعطى الحق لمن يستحقه، ويمنح العطاءَ من يستأهله، وذلك حسب ما تقتضيه حكمته وتوجبه رحمته.

стр. 4638

﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ سبب النزول: أخرج ابن المنذر وغيره أن رسول الله ﷺ رأى في المنام أنه هو وأصحابه دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصروا، فيقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا واستبشروا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم وقالوا: إن رؤيا رسول الله ﷺ حق، فلما تأخر ذلك إلى العام القابل بسبب صلح الحديبية قال بعض المنافقين - استهزاءً -: والله ما خلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام. فنزلت هذه الآية. التفسير ٢٧ - ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ … ﴾ الآية: أي: لقد أرى الله - سبحانه - رسوله الرؤيا الصادقة، ورؤيا الأنبياء كلها كذلك صادقة محققة؛ إذ هي أَحد وجوه الوحي إلى الأنبياء، وهذه الرؤيا ملتبسة ومرتبطة بالحق؛ وهو الغرض الصحيح والحكمة البالغة، فقد أظهرت وأَبانت حال المتردد والمتزلزل في إيمانه، وحال المطمئن الراسخ فيه الذي انشرح به صدره. (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ) أي: والله لتدخلن المسجد الحرام؛ ويكون دخولكم إياه بمشيئته - سبحانه - وحده، ولا يرجع ذلك إلى قوة المسلمين وجلادتهم ومصابرتهم ولا إلى إرادة المشركين ومشيئتهم.

стр. 4639

وفي تعليق الدخول على مشيئة الله مع أنه - سبحانه - خالق الأشياء كلها وعالم بها قبل وقوعها ليُعَلِّم العبادَ أن يقولوا ذلك عندما يريدون فعل شيء أو تركه تأدُّبًا معه - جل شأنه - وتأكيدًا - لقوله تعالى -: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أن يشاء الله﴾ (١). قال ثعلب: استثنى فيما يعلم ليستثنى الخلق فيما لا يعلمون، أي: علق الدخول على مشيئته، ليفعل الخلق مثل ذلك فيما لا يعلمونه. (آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ) أي: أنكم تدخلون المسجد الحرام آمنين متمكنين من أدائكم النسك وتصلون به إلى غايته؛ يحلق بعضكم ويقصر آخرون. هذا، والحلق أفضل وأولى بالرجال، والتقصير أحق بالنساء. (لا تخافون) قد تكفل الله - سبحانه - لرسوله ومن معه بكمال الأمن بعد تمام النسك، أي: تدخلون آمنين تحلقون وتقصرون، ويبقى ويدوم أمنكم بعد خروجكم من الإحرام فأنتم في حفظ الله ورعايته في حال الإحرام وبعده. (فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا) أي: فعلم الله ما في صلح الحديبية من الحكمة والخير والمصلحة لكم ما لم تعلموا أنتم به؛ عَلِمَهُ - سبحانه - واقعًا وحاصلًا، وقد علمه أزلًا قبل وقوعه وهو بكل شيء عليم. (فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) أي: جعل الله لكم من قبل دخولكم المسجد الحرام محلقين مقصرين - جعل لكم - من دون ذلك ومن قبله فتحًا عظيمًا قريبًا هو فتح خيبر، وما أصبغ فيه من الغنائم دون قتال، أو المراد من الفتح القريب: هو صلح الحديبية الذي قال عنه الزهرى: ما فتح الله في الإِسلام كان أعظم من صلح الحديبية؛ لأنه إنما كان القتال حين يلتقى الناس، فلما كانت الهدنة وضعت الحرب أوزارها وأَمن الناس بعضهم بعضًا، فالتقوا وتفاوضوا الحديث والمناظرة فلم يُكلَّم أحد بالإِسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، فلقد

стр. 4640

دخل في تَيْنِكَ السنتين في الإِسلام مثل ما كان في الإِسلام قبل ذلك وأكثر، يدلك على ذلك أنهم كانوا سنة ستٍّ يوم الحديبية ألفا وأربعمائة، وكانوا بعد عام الحديبية سنة ثمان في عشرة آلاف. (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا (٢٨)) المفردات: (لِيُظْهِرَهُ): ليعليه ويرفعه. (عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ): على كل ما يدين ويتعبد به الناس من حق أو باطل. التفسير ٢٨ - (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا): أي: هو - سبحانه - الذي أرَى نبيه الرؤيا الصادقة هو - كذلك - الذي أرسله وبعثه مصاحبًا للهدى والدليل الواضح والحجة البالغة والمعجزة الباهرة، وأرسله بالدين الحق الذي لا يأتيه الباطل، ولا ينال منه الزيف، ولا يعتريه التحريف، ليعليه - سبحانه - ويرفعه على كل ما يدين الناس ويستعبدون به من الشرائع والملل من الحق والباطل، وإظهار الإِسلام على الحق من الشرائع والملل يكون بنسخ بعض أَحكامه المستبدلة والمتغيرة بتبدُّل الأعصار والأزمان، وأما إظهاره على الباطل فيكون ببيان بطلانه وزيفه.

стр. 4641

هذا، والإِسلام بمبادئه وتعاليمه وشرائعه يسمو في كل زمان ومكان على كل شرعة ومنهاج، وذلك عند أصحاب الفطر المستقيمة والقلوب النقية السليمة، كما أنه - كذلك - عند من له أدنى بصر وبصيرة، ولا يضير الإِسلام أن خالفه المخالفون، فهم في واقع أمرهم معترفون في داخلهم، ولكنهم يستكبرون فينكرون، وصدق الله القائل: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ (١). (وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا) هذه تسلية لرسول الله ﷺ ووعد له بأنه - سبحانه - لا محالة سيحقق له ما وعده به من إظهار دينه على جميع الملل والنحل وكفى الله شهيدًا لنبيه ﷺ على ذلك، وشهادته له تكون بإظهار المعجزات على يديه، وقيل: (شهيدًا) على رسالته ﷺ ، وفي الآية - على هذا - تسفيه للكفار الذين أبَوا أَن يكتبوا في عقد صلح الحديبية (محمد رسول الله). (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ في الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩))

стр. 4642

المفردات: (يَبْتَغُونَ): يطلبون في جد واجتهاد. (سِيمَاهُمْ): علامتهم وأمارتهم التي تميزهم. (مَثَلُهُمْ): وصفهم العجيب الشأن البخاري مجرى المثل في الغرابة. (شَطْأَهُ) شطء الزرع: فروخه، وهو ما خرج منه وتفرع في شاطئيه، أي: جانبيه. (فَآزَرَهُ): فأعانه وقواه. (فَاسْتَغْلَظَ): فصار من الدقة إلى الغلظ. (فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ): استقام على قصبه. والسُّوق: جمع ساق. التفسير ٢٩ - (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ … ) الآية: أي: هو محمَّد الذي وصف بالرسالة في قوله - تعالى -: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾، وفي قوله - جل شأنه -: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ وجاء النص في هذه الآية بالتصريح بذكر اسم الرسول ﷺ تفخيمًا لشأنه وزيادة في إنزال السكينة والطمأنينة في قلوب المؤمنين، بعثًا للرجاء لدى بعض الشاكِّين المترددين كي يثبتوا على الإِسلام، فضلًا عن أن ذلك يغيظ قلوب الحاسدين والحاقدين على رسوله ﷺ ، وجاء وصف الرسول ﷺ ومن معه من الصحابة - رضوان الله عليهم - بأنهم أشداء على الكفار لقطع أمل الكفار ورجائهم في أن يداهنهم أو أن ينزل ويتجاوز عن بعض ما جاء به، وقد أمر الله رسوله ﷺ في غير هذه الآية بالغلظة على الكفار فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (١) كما وصفه ربه - جل وعلا - بالرحمة والرأفة بالمؤمنين فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ

стр. 4643

رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١) أما صحابته ﵃ فشأنهم معه ﷺ هو الطاعة والتأسي وبذل النفس والمال في سبيل الله، وقد قال الله في حقهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٢). وشدة الرسول ﵊ ومن معه على الكفار تكون عند ملاقاتهم في الحروب، فلا تضعف عزائمهم ولا تلين قناتهم، فالمؤمن قد وعده الله إحدى الحسنيين إما الشهادة والموت في سبيل الله، أو الظفر والنصر، أَما فيما يتصل بمعايشة الكفار غير الحربيين فينبغى أن يكون المسلم على حذر منهم؛ لأنهم لا يألون جهدًا في المكر والكيد للمسلمين والنيل منهم، وصدق الله القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ (٣) وهذا لا يمنع حسن الجوار معهم والبر بهم والعدل فيهم وقوله - تعالى -: (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) أي: يتراحمون فيما بينهم، فلا يبغي بعضهم على بعض؛ فهم في تعاطف وتوادّ كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وعن الحسن ﵁: بلغ من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من تراحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنًا إلا صافحه وعانقه. أخرج أبو داود عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله واستغفراه غفر لهما" كما أثر (أن أحد الصحابة قدم على رسول الله في المدينة فاعتنقه وقبَّله) غير أن الإِمام النووى في كتابه الأذكار قال في التقبيل وكذا المعانقة: لا بأس به عند القدوم من سفر ونحوه، ومكروه كراهة تنزيه في غيره، ولعل دليله في هذا ما روى أن رسول الله ﷺ في حديث أخرجه الترمذي عن أنس في زيادة رزين - لما سئل عن الرجل يلقى أخاه أينحنى له؟ قال: (لا). قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: (لا، إلا أن يأتى من سفره).

стр. 4644

(تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) الخطاب هنا لكل من تتأتى منه الرؤية، أي: تبصر وترى منهم كثرة الصلاة في أغلب أحوالهم وكثرة أحيانهم ليلًا ونهارًا؛ ينبئ ويدل على ذلك التعبير بالفعل المضارع (تَرَاهُمْ) فإنه يدل على استمرار الفعل وتجرده (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا) أي: يرجون في جد واجتهاد بانكسار قلب، وذلة نفس أَن يمنحهم الله من فضله ويمن عليهم من رضوانه تفضلًا منه وتكرمًا؛ لأنهم لا يرون لهم أجرًا على ما قدموا من عمل طيب، وأن ما قاموا به من طاعة وعبادة فهي - فضلًا على أنها بتوفيقه - دون أقل نعمة تفضل الله بها عليهم، فنعم الله وأفضاله كثيرة قبل وتعظم عن الإحصاء والحصر، ويقف الإنسان منها عاجزًا عن عدّها وبيانها ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (١). (سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) أي: العلامة التي يتميز المؤمنين عن سواهم أن ترى في وجوهم سمة حسية وأَمارة تنبئ عنهم وتدل عليهم، وذلك يكون من كثرة ما يسجدون لربهم. قال جار الله الزمخشرى في الكشَّاف: وكان كل من العَلِيَّيْن: علي بن الحسين زين العابدين، وعلي بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك يقال له: ذو الثَّفَنَات (٢)؛ لأنَّ كثرة سجودهما أَحدثت في مواقعه منهما أَشباه ثفنات البعير. وعن سعيد بن جبير: هي سمة في الوجه، فإن قلت: فقد جاءه عن النبي ﷺ (لا تعلبوا صوركم) (٣). وعن ابن عمر ﵁ أنه رأى رجلًا قد أثر في وجهه السجود فقال: إن صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تَشِنْ صورتك. قلت: ذلك إذا اعتمد بجبهته على الأرض لتحدث فيه تلك السمة، وذلك رياءٌ ونفاق يستعاذ بالله منه، ونحن نتحدث فيما حدث في جهة السَّجاد الذي لا يسجد إلا خالصًا لوجه الله - تعالى - وعن بعض المتقدمين: كنا نصلى فلا يُرى بين أعيننا شيءٌ ونرى أحدنا الآن يصلي فيرى بين عينيه ركبة البعير: فما ندرى أثقلت الرءوس أم خشنت الأرض؟ وإنما أراد من تعمد ذلك للنفاق، وقيل: هو صفرة

стр. 4645

الوجه من خشية الله، وقال بعضهم: ليس هو النحول والصفرة ولكنه نور يظهر على وجوه العابدين يبدو من باطنهم على ظاهرهم يتبين ذلك للمؤمنين ولو كان في زنجى أو حبشي. وعن عطاء ﵀ استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل، وفي الأثر: (مَن كثُرت صلاته بالليل حَسُنَ وجهه بالنهار)، وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير وابن مردويه بسند حسن عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ في قوله - تعالى -: (سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ): "النور يوم القيامة". قال الإِمام الآلوسي: ولا يبعد أن يكون النور علامة في وجوههم في الدنيا والآخرة، لكنه لما كان في الآخرة أظهر وأتم خصه النبي ﷺ بالذكر. (ذَلِكَ) إشارة إلى ما سبق من صفاتهم الحميدة وشمائلهم العظيمة، وجاء اسم الإشارة (ذَلِكَ) الذي يدل على البعد للإيذان بعلو شأنهم وبعد منزلتهم في الكمال والفضل. وقوله - تعالى -: (مَثَلُهُمْ في التَّوْرَاةِ) أي: وصفهم العجيب الشأن الجاري في الغرابة مجرى المثل لكونهم على صورة فريدة طيبة ومثال غريب لتميزهم في عباداتهم، وأنهم أُسوة لسواهم، وقدوة يحتذيها غيرهم ممن يأتي بعدهم، وجاء هذا الوصف الجليل لهم في الكتاب الذي أنزله الله على سيدنا موسى ﵇ وهو التوراة. (وَمَثَلُهُمْ في الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) أي: وصفتهم العظيمة في الإنجيل الذي أنزله الله على سيدنا عيسى ﵇ كزرع أَخرج فِراخه من أَغصان وأَفنان وأَوراق، فتفرعت في جانبيه فأعانه ذلك وقوّاه فصار من الدقة إلى الغلظ، واشتد فاستقام وانتصب هذا الزرع على أصوله وقصبه وسيقانه. (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ) أي: معجبًا لهم بقوته وكثافته وغلظه وحسن منظره، وخص الله - سبحانه - الزُّرَّاع بالذكر؛ لأنّهم أعرف من غيرهم بِجيِّد الزرع من رديئه، وبِقَوِيِّه من ضعيفه، ويحيطون علمًا بآفاته وعلله وعيوبه، فإذا أعجبهم وظفر باستحسانهم له - وهم أهل الخبرة فيه - فسواهم أولى وأجدر بالإعجاب، وأحق أَن يحظى لديهم بما يملأُ نفوسهم رضًا عنه وانفعالًا به.

стр. 4646

وذكر ابن جرير، وعبد بن حميد عن قتادة أنه قال: مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم يشبهون نبات الزرع يخرج منهم قوم يأْمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. نقول: وعلى هذا يكون الوصف للصحابة وحدهم. وقال صاحب الكشاف: هو مثل ضربه الله - تعالى - لبدء الإِسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوى واستحكم؛ لأن النبي ﷺ قام وحدد ثم قواه الله - تعالى - بمن معه كما يقوى الطاقة الأولى ما يحتف بها ممَّا يتولد منها. وظاهر قول الزمخشرى أن الزرع هو رسول الله ﷺ ، والشطء هو الصحابة، ولكل وجهة. (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) أي: فعل الله - تعالى - هذا لمحمد ﷺ ولأصحابه ليغيظ بهم الكفار ويجلب لهم الحسرة والندامة. (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) أي: وعد الله أصحاب رسول الله ﷺ الذين آمنوا بالله حق الإيمان وعملوا من الصالحات ما جعلهم أهلًا لصحبة رسوله ﷺ وعدهم وبشَّرهم بمغفرة منه لما عسى أن يكون قد بدر منهم من ذنوب هي إلى الصغائر أقرب، كما وعدهم وبشَّرهم بأجر عظيم وثواب كريم في الآخرة. وقد استنبط الإِمام مالك من هذه الآية تكفير الذين يبغضون الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - فإن الصحابة يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر، ووافقه كثير من العلماء، وفي كلام السيدة عائشة - رضي الله هـ عنها - ما يشير إلى ذلك، فقد تخرج الحاكم وصححه عنها في قوله - تعالى -: (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) قالت: أصحاب رسول الله ﷺ أُمروا بالاستغفار لهم فسبُّوهم. أَعاذنا الله من ذلك، وثبت قلوبنا على محبته ﷺ ومحبة أصحابه الذين قال فيهم: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم"، وقال: "لا تسبوا أصحابى، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا لم يدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" (١) خرجهما البخاري - والله أعْلم.

стр. 4647

سورة الحجرات مدنية وآياتها ثماني عشرة مجمل معانيها: تضمنت هذه السورة ألوانًا من الأدب الرفيع، منها وجوب انتظار حكم الله ورسوله في أمور الدين وعدم سبقه بالحكم، وأن لا يرفع المسلمون أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ ولا يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض، وبيان أن الذين يخفضون أصواتهم عنده لهم مغفرة وأَجر عظيم، كما تضمنت أن نداءه ﷺ من وراءه الحجرات في وقت راحته لا يجوز وأن على أولئك المنادين أن ينتظروه حتى يخرج إليهم، ليتحدثوا معه فيما جاءوا من أجله، وحذرت من قبول المؤمنين خبر الفاسقين حتى يتحققوا من صدقه، لكيلا يصيبوا قوما بجهالة فيصبحوا على ما فعلوا نادمين، وأوجبت عليهم الإصلاح العادل بين الطائفتين المتقاتلين من المؤمنين، فإن لم يتم الصلح قاتلوا الطائفة الباغية حتى ترجع إلى حكم الله - تعالى -: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. ونهت عن سخرية بعضهم من بعض ذكورًا كانوا أو إناثًا، وعن التعاير بالألقاب، وأمرت باجتناب كثير من الظن ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ونهت عن التجسس وعن الغيبة، وبينت أن الله - تعالى - خلق عباده من ذكر وأُنثى وجعلهم شعوبًا وقبائل ليتعارفوا، لا ليتفاخروا بالأحساب والأَنساب، فإن أكرمهم عند الله أتقاهم. وكشفت كذب بعض الأعراب في ادعائهم الإيمان، ودعتهم إلى صدق الإيمان فإن الله بهم عليم (﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). وجه ارتباطها بما قبلها: ترتبط سورة الحجرات بسورة الفتح قبلها بعدة روابط، منها: أنهما مدنيتان ومشتملتان على أحكام، وأنَّ سورة الفتح فيها قتال الكفار، وهذه فيها قتال البغاة، وتلك ختمت

стр. 4648

بالذين آمنوا، وهذه افتتحت بالذين آمنوا، وتلك تشريفًا له ﷺ وبخاصة مطلعها وهذه تضمنت تشريفًا له في مطلعها، إلى غير ذلك. السبب العام لنزول هذه السورة: قال القرطبي: قال العلماء: كان في العرب جفاءٌ وسوءُ أدب في خطاب النبي ﷺ ، وفي تلقيب الناس، فالسورة في الأمر بمكارم الأخلاق. الأسباب الخاصة لنزول آياتها: تشتمل هذه السورة على عدة أحكام وآداب، ولكل آية منها سبب اقتضى نزولها، وسنبين ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى -.

стр. 4649

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)) المفردات: (لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ): لا تقدموا أمرًا قبل أن يحكم الله فيه ورسوله. (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ): لا تجعلوا أصواتكم أَعلى من صوته. (وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) أي: ولا تساووه في الجهر كما يساوى بعضكم بعضًا فيه. (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) أي: كراهت أن يبطل ثوابها وأنتم لا تدرون. التفسير ١ - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ): تشتمل هذه الآية على صورة بلاغية، حيث استعير المتقدم بين اليدين استعارة تمثيلية للقطع بالحكم في أَمر دون اقتداءٍ بكتاب الله وبرسوله، تصويرًا لشناعته بصورة المحسوس،

стр. 4650

فمثله كمثل تقدم الخادم بين يدي سيده في مسيره، فالمراد من الآية: لا تقطعوا أمرًا، ولا تجرؤوا على ارتكابه قبل أن يحكم الله فيه ورسوله، فإن ذلك شديد القبح كالذى يسبق سيده في سيره. سبب النزول: اختلف الرواة في سبب نزول هذه الآية، فقد روى الواحدى بسنده عن ابن جُرَيْج قال: حدثني ابن أبي مُلَيْكَة أن عبد الله بن الزبير أخبره أنه قَدِم ركبٌ من بني تميم على رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: أَمِّر القعقاع بن معبد، وقال عمر: أَمِّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلاَّ خلافى، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ) إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ورواه البخاري عن محمَّد ابن الصباح. وروى المهدوى بسنده أن النبي ﷺ أراد أن يستخلف على المدينة رجلًا إذا مضى إلى خيبر، فأشار عمر برجل آخر فنزل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ). وروى الماوردى عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أنفد أربعة وعشرين رجلًا من أصحابه إلى بني عامر فقتلوهم إلا ثلاثة تأخروا عنهم فسَلمُوا، وانكفأوا إلى المدينة فلقوا رجلين من بني سليم، فسألوهما عن نسبهما، فقالَا: من بني عامر لأنهم أعز من بني سليم فقتلوهما، فجاء نفرٌ من بني سليم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن بيننا وبينك عهدًا، وقد قتل منا رجلان، فوداهما النبي ﷺ بمائة بعير في قتلهم الرجلين .. إلى غير ذلك من الأقوال، ولا نرى مانعًا من حدوث هذه الأسباب جميعًا قبل نزول الآية فلا تعارض بينها، فتكون الآية قد نزلت بشأنها جميعًا، ليلتزم أصحابها بالأدب مع رسول الله ﷺ وأن لا يُحْدثوا أمرًا قبل سؤاله وحكمه. ويقول بعض العلماء: لعلها نزلت من غير سبب، لتكون دستورا للمسلمين في أعمالهم وأقوالهم، فلا يقدموا طاعة عن وقتها، ولا يخالفوا عمل رسول الله ﷺ أو قوله فيها، فهو

стр. 4651

إمام أُمته وأُسْوتها: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُواللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ (١). ويدخل في عموم هذه الآية - كما قال ابن كثير - حديث معاذ قال: قال النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: "بِمَ تحكم؟ " قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله ﷺ . قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضى رسول الله". وقد ختم الله الآية بالتحذير من مخالفة هذا النهي فقال: (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي: وخافوا الله واجعلوا لأنفسكم وقاية من عقابه، فإنه سميع لأقوالكم عليم بها، وبأعمالكم، فيجزيكم اللائق بامتثالكم أو مخالفتكم. المعنى الإجمالي للآية: يا أيها الذين آمنوا اتَّبعُوا رسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله، ولا تسبقوه بالحكم في أمر من أمور الدين أو سياسة الأُمة، فإن ذلك ليس من حقكم، بل انتظروه حتى يحكم فيه فهو إمام أُمته، إن الله عظيم السمع واسع العلم، فيسمع أقوالكم، ويعلم بها وبأعمالكم فيجازيكم بالخير إذا امتثلم، ويعاقبكم إذا خالفتم. بعض ما يستنبط من أحكام الآية: تعتبر الآية أصلًا في إيجاب اتباع رسول الله ﷺ وعدم مخالفته في قوله أو فعله، فإنه كما قال - تعالى -: "وما ينطق عن الهوى … إن هو إلا وحيٌ يوحى" (٢). * ولهذا قال النبي ﷺ في مرض موته: "مُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناس" فقالت عائشة لحفصة ﵄: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف - أي: سريع البكاء -، وإنه متى يقم مقامك لا يُسمِع الناسَ من البكاء، فمُر عمر فليصل بالناس، فقال ﷺ : "مروا أبا بكر فليصل بالناس".

стр. 4652

ويفهم من الآية أن كل عبادة مؤقتة بوقت لا يجوز تقديمها عليه، كالصلاة والصوم والحج. واختلف في تقديم الزكاة عن وقت وجوبها، فأجازه قوم وبه قال أبو حنيفة، والشافعى، ومنعه قوم منهم أشهب، فلا تقدم على وقتها لحظة واحدة. وقد اعتمد الذين أجازوا تقديمها على وقتها - اعتمدوا - على فعل النبي ﷺ ، فقد استعجل من العباس صدقة عامين، ولأنه ﷺ قد أقر جمع زكاة الفطر قبل يوم الفطر، حتى تعطى لمستحقيها قبل يوم الوجوب، وهو يوم عيد الفطر، وبهذا القول نقول، فيجوز إعطاءُ الزكاة قبل تمام الحول، فإذا حال الحول وقد نقص المال فما دفعه من الزيادة عن الواجب عليه يعتبر صدقة تطوع، وإذا زاد كما في عروض التجارة، فإنه يستكمل الزكاة بإخراج نصيب هذا القدر الذي زاد. وقد ختم الله الآية بقوله - سبحانه -: (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي: وخافوا الله واجعلوا لأنفسكم وقاية من عقابه بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، إن الله سميع لأقوالكم عليم بها وبأعمالكم، فيجزيكم الجزاء اللائق بامتثالكم أو مخالفتكم. ٢ - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ): سبب نزول الآية: روى البخاري والترمذي بسنديهما عن أبي مُليْكة قال: حدثني عبد الله بن الزبير أن الأقرع بن حابس قَدِم على النبي ﷺ فقال أبو بكر: يا رسول الله، استعمله على قومه (١)، فقال عمر: لا تستعمله يا رسول الله، فتكلما عند النبي ﷺ حتى ارتفعت أصواتهما، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك - قال -: فنزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ … ) الآية، قال:

стр. 4653

فكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النبي ﷺ لم يسمع كلامه حتى يستفهمه. قال أبو مُلَيْكَة: وما ذكر ابن الزبير جده - يعني أبا بكر - فقد كان والد أُمه أسماء ذات النطاقين. وسيأتي في أسباب نزول الآية التالية رواية تفيد أن أبا بكر ﵁ قال: (والله لا أرفع صوتي إلا كأخي السَّرار). وهذه قد سبق مثلها في أسباب نزول الآية التي قبلها، فتكون قصة أبي بكر وعمر من أسباب نزول الآيتين، بل والآية التالية كما سيجيء - إن شاء الله تعالى - ويلاحظ على هذه الرواية أن الذي اقترح الأقرع بن حابس هو أبو بكر، في حين أن الرواية السابقة تفيد أنه اقترح تأمير القعقاع بن معبد، وأن الذي اقترح تأمير الأقرع بن حابس هو عمر. وعلى أي حال فالواقعة صحيحة وإن اختلفت الروايتان في الشخص الذي اقترح كلاهما تأميره. وروى الإِمام أحمد بسنده عن أنس قال: لمَّا نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ … ) إلى (وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)، وكان ثابت ابن قيس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ أُحْبِطَ عملي، أنا من أهل النار، وجلس في أهله حزينًا، فتفقده رسول الله ﷺ فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا له: تفقَّدك رسول الله ﷺ مالَكَ؟ قال: أنا الذي أرفع صوق فوق صوت النبي ﷺ وأجهر له بالقول حَبِط عملي، أنا من أهل النار، فأتوا النبي ﷺ فأخبروه بما قال. فقال: "لا، بل هو من أهل الجنة" قال أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت ابن قيس بن شماس، وقد تحنط ولبس كفنه وقال: (بئسما تقودُون أقرانكم، فقاتلهم حتى قتل). وجاءت قصته في الصحيحين عن أنس نحو هذه الرواية. وقال عطاء الخراساني: حدثتنى ابنة ثابت بن قيس قالت: لمَّا نزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ … ) دخل أَبوها بيته وأغلق عليه بابه، ففقده النبي ﷺ فأرسل إليه يسأل ما خبره؟ فقال: أنا رجل شديد الصوت، وأنا أخاف أن يكون حُبِطَ عملي، فقال ﷺ : "ليست منهم بل تعيش بخير". قالت: ثم أنزل

стр. 4654

"إن الله لا يحِبُّ كل مُختال مخورٍ" فأغلق بابه وطفق يبكي، ففقده النبي ﷺ فأرسل إليه فأخبره، فقال: يا رسول الله، إني أحب الجمَال وأحب أن أسود قومى، فقال: "لست منهم، بل تعيش حميدًا وتقتل شهيدًا وتدخل الجنة" قالت: فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مُسَيلمة (١)، فلما التقوا انكشفوا، فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ ثم حفر كل واحد منهما له حفرة، فثبتا وقاتلا حتى قُتِلَا، وعلى ثابت يومئذ درع له نفيسة، فمرَّ به رجل من المسلمين فأخذها، فبينما رجل من المسلمين نائمٌ أتاه ثابت في منامه فقال له: أُوصيك بوصية، وإيَّاك أن تقول: هذا حلم فتضيعه، إني لمّا قُتلت أمس مَرّ بي رجل من المسلمين فأخذ درعى، ومنزله في أقصى الناس وعند خبائه فرس يستَنُّ في طِوَله (٢)، وقد كفأَ على الدرع بُرْمَة، وفوق البرمة رَحْل، فائت خالد بن الوليد فمره أن يبعث إلى درعى فيأخذها، وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله ﷺ - يعني أبا بكر - فقل له: إن عليَّ من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق وفلان، فأتى الرجل خالدًا فأخبر، فبعث إلى الدرع فأتى بها، وحدث أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته - قال -: ولا نعلم، أحدًا أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت. رأينا في تعدد أسباب للنزول: لا نرى مانعًا من أن تكون الآية بسبب رفع الصوت على رسول الله ﷺ من كل من أبي بكر وعمر وثابت بن قيس أو غيرهم؛ لتكون قاعدة عامة في مخاطبة النبي ﷺ توقيرًا له، ورفعًا لمقامه فوق كل مقام. وكلُّ ما حدث من رفع الصوت على الرسول قبل نزول هذه الآية لا عقاب عليه، فلما نزلت وجب الالتزام بها. معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله: عظموا رسول الله ﷺ إذا حدثتموه، فلا ترفعوا أصواتكم فوق صوته، فإذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم الحد الذي يبلغه

стр. 4655

بصوته، وأن تغضوا وتخفضوا منها، بحيث يكون كلامه غالبًا لكلامكم، وجهره باهرًا لجهركم، حتى تكون مزيته عليكيم واضحة، وسابقة ظاهرة، وامتيازُه بَيِّنًا، فلَا تغمروا صوته بلَغَطكم، ولا تبهروا منطقه بصخبكم، ولا تخاطبوه بيا محمَّد ويا أحمد، ولكن قولوا: يا نبي الله، أو يا رسول الله - انتهوا عمّا نهيتم عنه - لئلا يتأذى نفسيًّا برفعكم أصواتكم، واجتنابكم أسلوب التوقير له، فتحبط أعمالكم ويضيع ثوابكم، وأنتم لا تشعرون بذلك في دنياكم، بل تعلمونه في أُخراكم. وإذا وصل الجهر بالصوت إلى حد الاستخفاف والاستهانة فذلك كفر - والعياذ باللهِ - فالغرض من الآية أن يكون صوت المؤمن عند خطابه لرسول الله ﷺ خفيضًا مناسبًا لمقامه وهيبته، لكن بحيث يسمعه. ولا يتناول النهي رفع الصوت الذي لا يتأذى به، وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو وما أشبه ذلك، ففي الحديث أنه ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب لمَّا انهزم الناس يوم حنين: "اصرخ بالناس". وكان العباس أكبر الناس صوتًا، روى أن غارة أتتهم، فصاح العباس: يا صباحاه فأُسقطت الحوامل لشدة صوته، وفيه يقول نابغة بني جعدة: زَجْرَ أبي عُرْوَة السباعَ إذا … أشفق أن يختلطن بالغنم وأبو عُروة كنية العباس ﵁. وقد أثنى الله على من يخفضون أصواتهم عند رسول الله ﷺ ووعدهم المغفرة والأجر العظيم فقال: ٣ - (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ): أي: إن الذين يخفضون أصواتهم عند رسول الله ﷺ حين يكلمونه أو يكلمون غيره

стр. 4656

بين يديه إجلالًا له، أولئك الذين أخلص الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة لذنوبهم، وأجر عظيم على خفض أصواتهم عنده. ولفظ (امتحَنَ) من قولهم: امتحنْتُ الفضة، أي: اختبرتها حتى خَلَصتْ، وروى عن أبي هريرة أنه قال: لمّا نزلت: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ … ) قال أبو بكر: (والله لا أرفع صوتي إلا كأَخى السّرار) أي: إلا كصاحب المسارَّة، وقال عبد الله بن الزبير: لما نزلت: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ .. ) ما حدث عمر عند النبي ﷺ بعد ذلك فسمع كلامه حتى يستفهمه ممَّا يخفض، فنزلت: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ). (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)) المفردات: (يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ): يرفعون أصواتهم من خارج حجرات أزواجه ﷺ طالبين خروجه إليهم، وسيأتي الحديث عنهم. التفسير ٤ - (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ): كان الأعراب ذوى خشونة وجفاء في أخلاقهم وطباعهم قبل أن يدخلوا الإِسلام فيرقق طباعهم ويحسن أخلاقهم. وكان من عادة رسول الله ﷺ أن ينام القائلة - أي: نصف النهار - فجاء وفد من أعراب بني تميم يفادون أسراهم عند رسول الله ﷺ فجعلوا ينادونه من وراء الحجرات أن يخرج إليهم دون أن ينتظروه حتى يخرج من حجرته، فأنزل الله عليه تلك الآية.

стр. 4657

قال مجاهد وغيره: نزلت في أعراب بني تميم؛ قَدِم الوفد منهم على النبي ﷺ فدخلوا المسجد ونادوا النبي ﷺ من وراء حجراته: أن اخرج إلينا فإن مدحنا زَيْنٌ وذمنَا شَيْنٌ، وكانوا سبعين قدموا لفداء ذرارى لهم، وكان النبي ﷺ نَام القائلة. وروى أن الذي ناداه منهم هو الأقرع بن حابس، وأنه هو القائل: إن مدحى زين وإن ذمى شين، فقال النبي ﷺ : "ذاك الله" رواه الترمذي عن البراء بن عازب، والمراد من قوله ﷺ : "ذاك الله" أن الذي مَدْحُهُ زين وذمه شين هو الله تعالى. وفي رواية عن زيد بن أرقم قال: "أتَى أناس النبي ﷺ فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يك نبيًّا فنحن أسعد الناس باتباعه، وإن يك مَلِكًا نَعِشْ في جنابه فأَتوا النبي ﷺ فجعلوا ينادونه: يا محمَّد، يا محمَّد. وهناك روايات أُخرى لسبب النزول، وحَسْب القارئ ما تقدم. والحجرات جمع حجرة (١) والمراد بها بيوت النبي ﷺ التي أسكن فيها زوجاته، وقد بينت الآية أن أكثر هؤلاء المنادين لا يعقلون، ويفهم منها أن أقلهم يعقلون وهم الذين لم يوافقوا على ندائه قبل أن يخرج إليهم. والمعنى الإجمالي للآية: أن الأعراب الذين ينادونك - أيها النبي - من وراء الحجرات وقت راحتك في النهار أو الليل، أكثرهم لا يعقلون، حيث لم يفرقوا بين ما يليق وما لا يليق وقد أوضح الله لهم ولغيرهم كيف يكون الأدب مع رسول الله ﷺ فقال: ٥ - (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ): كان النبي ﷺ لا يحتجب عن الناس إلا في أوقات يشتغل فيها بمهمَّات نفسه، وذلك حقٌّ له، فمن سوء الأدب إزعاجه وقت راحته، وعلى من أراد لقاءه أن ينتظره حتى يخرج.

стр. 4658

ومعنى الآية: ولو أن هؤلاء الذين نادوك من وراء الحجرات وأنت مستريح - لو أنهم - انتظروك حتى تخرج إليهم، لكان انتظارهم وصبرهم خيرا لهم في دينهم ودنياهم، والله - تعالى - واسع المغفرة شامل الرحمة، فيقبل التوبة ممن تاب وآمن، ومن هذا الأدب نعلم أنه ينبغي أن لا ينادى الناس بعضهم بعضًا من وراء مساكنهم، وأن لا يستأذنوا في أوقات الراحة، وينبغى أن يكون الاستئذان بالقرع الخفيف على الباب، وقد قام مقامه الضغط على (زر الكهرباء) ليصلصل الجرس، فإذا فتح للطارق سلم على من فتح له. أي: قال له: السلام عليك، ولا يدخل البيت إلا بإذن ممن له حق الإذن، وفي هذا يقول الله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (١). (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ في كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)

стр. 4659

المفردات: (فَاسِقٌ): مرتكب للمعصية خارج عن الطاعة، من فَسَقت الرُّطبة: خرجت عن قشرها. (بِنَبَإٍ): بخبر. (فَتَبَيَّنُوا): فتثبتوا. (أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ): لئلا تعتدوا على قوم بغير علم. (لَعَنِتُّمْ): لأصابكم العنت وهو المشقة والإثم. (أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ): أولئك هم المستقيمون على طريق الحق مع تصلب فيه، من الرشاد: وهي الصخرة. التفسير ٦ - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ): الخبر الكاذب تكون آثاره بعيدة عن الصواب مجانبة للحق، ولذا ينبغي التدقيق في التعرف على راوى الخبر، هل هو ممن عرف بالصلاح والصدق فيقبل خبره، أم هو ممن عرف بالفسق والكذب فيتحرى عن خبره ويتثبت منه. ولهذا أنزل الله هذه الآية الكريمة لتوعية المسلمين بالتدقيق في تلقى الأخبار، لما يترتب على قبولها من الفساق من سيء الآثار. سبب نزول الآية: روى سعيد عن قتادة أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عُقْبَة مُصَّدِّقًا إلى بني المصطلق - أي: جابيًا للصدقة منهم وهي الزكاة - فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم لإحة كانت بينه وبينهم - كما جاء في بعض الروايات - فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره بأنهم قد ارتدوا عن الإِسلام، فبعث نبى الله ﷺ خالد بن الوليد، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، وانطلق خالد حتى أتاهم

стр. 4660

ليلًا، فبعث عيونه - أي: جواسيسه - فلما جاءُوا أخبروا خالدا أنهم متمسكون بالإِسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أَتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه، فعاد إلى النبي ﷺ فأخبره فنزلت الآية، فكان نبي الله يقول: "التأني من الله والعجلة من الشيطان". وجاء في رواية أُخرى أن وفدهم قدم على النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله ﷺ سمعنا رسولك فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدى إليه ما عندنا من الصدقة، فاستمر راجعًا، وبلغنا أنه يزعم لرسول الله ﷺ أنا خرجنا لنقاتله، والله ما خرجنا لذلك، فأنزل الله هذه الآية. هل كان الوليد فاسقًا؟: تقول الآية: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) وهي تشير إلى أن الوليد كان فاسقًا، فكيف يبعثه النبي لجلب الصدقة من المسلمين؟ والجواب: أنه لم يكن يعلم بحاله، فلما أرسله وحدث منه ما حدث ظهر فسقه، فنزلت الآية: للتحذير من قبول من يحتمل أنه فاسق حتى يتبينوا. المعنى للإجمالى للآية: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله: إن جاءكم من يحتمل فسقه بخبر خطير فتثبتوا من صدقه، لكي لا تصيبوا قومًا وتعتدوا عليهم وأنتم جاهلون للحقيقة، فتصبحوا نادمين على ما فعلتم من التسرع في الانتقام منهم، قبل التثبت من حال خبرهم، وذلك حين تظهر الحقيقة مخالفة للخبر بعد التورط في آثاره. ٧ - (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ في كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ): المعنى: واعلموا يا صحابة رسول الله أن فيكم رسول الله فاصْدقوه ولا تكذبوه، وعظموه ووقروه، وتأدبوا معه وانقادوا لأمره، فإن أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم، فلو سارع إلى ما أردتم قبل وضوح الأمر، لنالتكم المشقة والإثم،
следующие страницы →