منه احذروا أَن تخالفوا عن أَمره أَو أَن تتركوا سبيله ونهجه (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ): أَي: فإِن أَعرضتم وأَدبرتم وتركم الإصغاءَ له والائتمار بأَمره فليس هذا بضارِّ الرسول شيئًا؛ فلا تناله تبعة إِعراضكم، ولا ينقص ذلك من منزلته وجزائه لدى ربه، إذ هو غير مكلف بهدايتكم ولا هو مسيطر عليكم ولا يملك إِسعادكم، وإِنما ضرر التولي والإِعراض عائد وراجع عليكم فليس على رسولنا الذي اصطفيناه واخترناه إلا أَن يرشدكم ويدلكم على الصراط المستقيم وذلك بأَن يبلغكم رسالتنا تبليغًا بينًا واضحًا ولا يكتم منها شيئًا وهو ﷺ قد بلَّغ الرسالة وأَدى الأَمانة فجزاه الله عن أُمته خيرا.
١٣ - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾:
(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ) أَي الله وحده هو الإله الذي لا معبود بحق سواه وكل ما خلاه باطل ومعبوداتكم كلها مخلوقة ومربوبة له - سبحانه - ولا تضر ولا تنفع (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أَي: وعلى الله وحده دون غيره لا استقلالا ولا اشتراكًا، يعتمد ويلتجيءُ المؤمنون في جميع شئونهم: لأَنه - تعالى - هو وحده القادر على عونهم والقيوم بأمورهم كلها، وليس لغيره من أَربابكم وآلهتكم المزعومة ولا لسواها شيءٌ من ذلك.
قال الصاوي: وهو تحريض وحث النبي ﷺ على التوكل على الله والالتجاءِ إِليه، وفيه تعليم للأُمة ذلك بأَن يلتجئوا إِلى الله ويثقوا بنصره وتأييده.
وفي هذه الآية إِيماء إِلى أَن من لم يتوكل على الله فليس بمؤمن.
стр. 5077
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾
المفردات:
(فَاحْذَرُوهُمْ): فكونوا منهم على حذر ولا تطيعوهم.
(تَعْفُوا): تتركوا العقوبة.
(تَصْفَحُوا): تعرضوا عن التعبير والتأنيب.
(تَغْفِرُوا): تستروا ذنوبهم وإِساءاتهم.
(فِتْنَة): ابتلاء واختبار.
(وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ): ومن يكن في وقاية وحفظ من البخل والحرص.
(إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا): إِن تبذلوا أَموالكم ابتغاءَ وجه الله.
(شَكُورٌ): عظيم الفضل والإِحسان بإِعطاءِ الجزيل على القليل.
стр. 5078
التفسير
١٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾:
أَخرج الترمذي والحاكم وصححاه وابن جرير عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في قوم من أَهل مكة أَسلموا وأَرادوا أَن يأتوا النبي ﷺ فأَبى أَزواجهم وأَولادهم أَن يدعُوهم فلما أَتوا رسول الله ﵊ فرأَوا الناس قد فقهوا في دينهم هَمُّوا أَن يعاقبوهم فأَنزل الله الآية وفي رواية أُخرى عنه أَنه قال: "كان الرجل يريد الهجرة فيحبسه امرأَته وولده فيقول: أَما والله لئن جمع الله بيني وبينكم في دار الهجرة لأَفعلن ولأَفعلن فجمع الله بينهم في دار الهجرة فأَنزل الله - تعالى - الآية.
وهذا وإِن كان سبب نزول تلك الآية فالعبرة بعموم لفظها لا بخصوص سببها؛ فتشمل كل زوج وولد يلحق الضرر بزوجه أَو بوالده، وهذا ولا نزال نسمع ونرى من الأَزواج أَزواجًا يعادين بعولتهن ويخاصمنهم، ويجلبن عليهم الشر والضرر، ومن الأَولاد أولادا يعادون آباءَهم ويعقونهم ويجرعونهم الغصص والأَذى، وكما أَن الرجل يكون له ولده وزوجة عدوًا كذلك المرأة يكون لها زوجها وولدها عدوًا بهذا المعنى بعينه وقيل: إِن عدواتهم من حيث أَنهم قد تحملهم مودتهم والحرص عليهم على السعي في اكتساب الحرام وارتكاب الآثام لمنفعة الأَزواج والأَولاد إِلى ذلك قوله ﷺ : (يأتي زمان على أُمتي يكون فيه هلاك الرجل على يد زوجه وولده يعيرانه بالفقر فيركب مراكب السوء فيهلك (فَاحْذَرُوهُمْ) أَي: كونُوا منهم على حذر ولا تأمنوا غوائلهم وشرورهم (وَإِنْ تَعْفُوا) عن ذنوبهم وتتجاوزوا عن سيئاتهم التي تقبل العفو بأَن تكون متصلة ومتعلقة بأُمور الدنيا كإضاعة المال ونحوه، أَو مرتبطة بأُمور الدين كالعقوق وسوء العشرة وترك مأمور به أَو فعل منهي عنه ولكن أَعقبتها التوبة والعفو يكون بترك العقوبة (وَتَصْفَحُوا) أَي: تعرضوا عن هذه الخطايا بترك التعيير بها والتأنيب والتثريب عليها (وَتَغْفِرُوا) أَي: تستروها بإِخفائها وتغطيتها تمهيدًا لنسيانها حتى لا يؤدي التذكير بها إلى العودة إِليها والتمادي فيها (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
стр. 5079
رَحِيمٌ) المراد أَنه يعاملكم بمثل ما عاملتم ويتفضل عليكم فإنه عظيم الغفران واسع الرحمة، واستدل بعضهم بهذه الآية على أَنه لا ينبغي للرجل أَن يحقد على زوجة وولده إِذا أَلحقوا به ضررًا أَو جنوْا معه جناية وأَن لا يدعو عليهم.
١٥ - ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾:
(إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ): أَي: ما أَموالكم ولا أَولادكم إِلا بلاء واختبار لكم قد يحملكم ويدفعكم إِلى كسب المحرم ومنع حق الله، يوقعكم في الإِثم والشدائد والمصائب الدنيوية فلا تطيعوهم في معصية الله.
وقال ابن مسعود: لا يقولن أَحدكم اللهم اعصمني من الفتنة فإِنه ليس أَحد منكم يرجع إِلى مال وأَهل وولد إِلا وهو مشتمل على فتنة ولكن ليقل: اللهم إِني أَعوذ بك من مضلات الفتن، وقال الحسن في قوله تعالى: (إِن مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ) أَدخل من للتبعيض؛ لأَن كلهم ليسوا أعداء ولم يذكر من في قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ)؛ لأَنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما.
روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أَبيه قال: (رأَيت النبي ﷺ يخطب فجاءَ الحسن والحسين ﵄ وعليهما قميصان أَحمران يمشيان ويعثران فنزل النبي ﷺ فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال: "صدق الله" (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) نظرت إِلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أَصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما ثم أَخذ في خطبته).
وقدمت الأَموال في الآية الكريمة؛ لأَنها أَعظم فتنة قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لِيَطْغَي أَن رَآهُ اسْتَغْنَى) (١). وأَخرج الإِمام أَحمد وغيره وصححه الحاكم عن كعب بن فياض قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إِن لكل أُمة فتنة وإِن فتنة أَمتي المال) (وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) أَي: وعند الله في الدنيا والآخرة ثواب جزيل وعطاء عظيم لمن آثر محبة الله
стр. 5080
ومرضاته على محبة الأَموال والأَولاد، وقدم طاعة الله على السعي والكد فيما يعود على أَولاده بالجاه والمال بوجه يخرج بهم عن مرضاة ربهم.
وقيل: المراد من الأَجر العظيم هو الجنة فهي نهاية الأَرب وغاية الطلب ولا أَجر أَعظم منها وفي الصحيحين عن أَبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (إِن الله يقول لأَهل الجنة يا أَهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أَحدًا من خلقك؟ فيقول: أَلا أَعطيكم أَفضل من ذلك قالوا: يا رب وأَي شيء أَفضل من ذلك؟ فيقول: أُحل عليكم رضواني فلا أَسخط عليكم بعده أَبدًا).
١٦ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾:
(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أَي: ابذلوا في تقواه - جل شأنه - جهدكم وطاقتكم ولا تدخروا منها شيئًا؛ فإِن ما عند الله خير وأَبقى.
أَخرج ابن أَبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت (اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ) اشتد على القوم العمل فقامُوا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم فأَنزل الله - تخفيفًا على المسلمين - (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) فنسخت الآية الأَولى، وعن مجاهد المراد أَن يطاع - سبحانه - فلا يعصى، قال الآلوسي، والكثير على أَن هذا هو المراد في الآية.
(وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنْفُسِكُمْ) أَي: اسمعوا كلام الله ورسوله سماع تدبر وتفكر وأَطيعوا أَوامر واجتنبوا نواهية وابذلوا في وجوه البر التي أَمركم - سبحانه أَن تنفقوا فيها إِنفاقا خالصًا لوجهه - تعالى - دون رياء أَو سمعه، وافْعلُوا كل عمل طيب يكن ذلك خيرًا لكم وأَنفع بكم (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ): أَي: والذين جعلهم الله في وقاية وحفظ من بخل النفس وحرصها فأُولئك هم في فوز كبيرٍ وفلاح عظيم حتى كأَنهم وحدهم هم الذين ظفروا بذلك ونالوه.
стр. 5081
١٧ - ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾:
(إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا … ) أَي: إن تعطوا أَموالكم وتبذلوا ابتغاءَ وجه الله طيبة بها نفوسكم فإِنها تكون محفوظة لديه - سبحانه - ينميها لكم ويربيها، وتكون مخلوفة عليكم لا يذهب ثوابها ولا يضيع جزاؤُها فهي لدي أَغنى الأَغنياء وأَكرم الكرماءِ وهو الوهاب المعطي وبيده خزائن السموات والأَرض يجعل لكم بالواحد عشرًا إِلى سبعمائة ضعف أَو أَكثر قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) (١) وهو - سبحانه - مع ذلك يتفضل عليكم - جزاءَ إِنفاقكم - بغفران ما فرط وبدر منكم من بعض الذنوب (وَالله شَكُورٌ) أَي: وهو - تعالت عظمته - وافر الفضل والعطاءِ لعباده الذين امتثلوا أَمره وذلك بأَن يعطيهم الجزيل العظيم على النزر القليل والعمل اليسير، (حَلِيمٌ): عظيم الحلم يمهل عباده فلا يعاجلهم بالعقوبة على ما اقترفوه من آثام ويمد لهم كي يتوبوا ويرجعوا إِليه وذلك رحمة بهم.
١٨ - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾:
أَي: أَنه - سبحانه - يعلم ما غاب وأَخفته القلوب في أَثنائها كعلمه - جل شأنه - ما هو ظاهر وحاضر للعيان (الْعَزِيزُ) الذي لا يماثله ولا يناظره أَحد ولا يُقْهر ولا يُغلب بل هو القاهر فوق عباده (الْحَكِيمُ) الذي يُجري كل أَمر على مقتضى حكمته وتدبيره وإِرادته.
стр. 5082
سورة الطلاق
مدنية وآياتها اثنتا عشرة
وتسمى سورة النساء القُصْرى. كذا سماها ابن مسعود كما أَخرجه البخاري وغيره
مناسبتها لما قبلها:
لمَّا ذكر - سبحانه - في السورة السابقة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ)، وكانت العداوة قد تفضي إِلى الطلاق ذكر - جل شأنه - هذا الطلاق، وأَرشد إِلى الانفصال منهن على الوجه الجميل ببيان الطلاق السني وكيف يكون؟ وذكر أَيضًا ما يتعلق بالأَولاد في الجملة.
أَهم أغراض السورة:
دعت الأَزواج إِذا تعذر استمرار العلاقة الزوجية إِلى سلوك أَفضل الطرق في الطلاق وذلك بأَن يكون عند استقبالهن العدة، وهو الطلاق السني الذي يكون في طهر لا جماع فيه كما دعت إِلى ضبط العدة بدءًا ونهاية، وحذرت من إِخراج المطلقات في بيوتهن أَو أَن يخرجن بدون سبب يدعو إِلي ذلك، وتوعدت من يتعدَّى شرائع الله ويستهين بها: (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).
ثم تناولت الأَحكام التي تترتب على قرب انتهاءِ العدة من إِمساكهن بمعروف أَو مفارقتهن بمعروف مع إِشهاد ذوي عدل منكم شهادة خالصة لوجه الله في حالتي الفرقة والإِمساك: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ .... ) الآية.
وبينت العدة لمن لم تحض لصغرها أَو انقطع الحيض عنها لكبرها. كما بينت العدة لأُولَات الأَحمال: (وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَائِكُمْ … ) الآية.
وأَبرزت الأَمر بسكني المطلقات والنهي عن الإِضرار بهن، وأَكدت على وجوب نفقتهن حال الحمل، ووجوب أَجر الرضاع مع المسامحة والرفق والإِحسان: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ..... ) الآية.
стр. 5083
وجهت النظر إِلى أَن تكون النفقة على قدر الطاقة سعة وضيقًا مع الرجاءِ في فضل الله "لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ" الآية.
وفي خلال تلك الأَحكام التشريعية كما هي سنة القرآن دعت المؤمنين إِلى تقوى الله، وذكرتهم بإِرسال رسول يتلو عليهم آياته؛ ليدخلهم جنات تجري من تحتها الأَنهار، وحذرتهم من تعدي حدود الله، والتهاون فيها، وأَشارت أَن لأُولئك عقابا شديدًا، وعذابًا نكرًا.
وختمت السورة بضرب الأَمثلة بالأُمم الباغية التي عتت عن أَمر ربها فذاقت الوبال، والدَّمار، وببيان قدرة الله العظيمة التي تجلَّت في خلق سَبْع سموات طِباق ومن الأَرض مثلهن. وكلها براهين وحدانيته - جل وعلا - تبارك الله أَحسن الخالقين.
стр. 5084
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾
المفردات:
(إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ): أَي: إِذا أَردتم تطليقهن.
(لِعِدَّتِهِنَّ): أَي: لاستقبالهن العدة بالابتداءِ فيها.
(لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ): أَي: من مساكنهن إلي أَن تنقضي العدة.
(وَلا يَخْرُجْنَ): بإِذن أَو بدونه في مدة العدة.
(إِلا أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ): وتشمل الفاحشة المبينة كما قيل: النشوز والبذاء على الزوج والأَحماء، كما تشمل الزنا والسرقة وغيرهما.
(وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ): أَي: محارمه وشرائعه التي عينها لعباده.
стр. 5085
التفسير
١ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾:
نزلت حينما طلق ابن عمر امرأَته حائضًا على عهد رسول الله ﷺ فسأَل عمر رسول الله ﷺ قال: ابن عمر طلق امرأَته وهي حائض فقال رسول الله ﷺ : ليراجعها وقال: "إِذا طهرت فليطلق أَو يمسك" وقرأَ الآية.
وتخصيص النداء به ﷺ في الآية مع أَن الخطاب بالحكم عام؛ لكونه ﵊ إِمام الأُمة ونظير ذلك ما يقال لرئيس القوم كبيرهم: يا فلان افعلوا كذا وكذا إِظهارًا لتقدمه عليهم واعتبارًا لترؤسه فيهم، وأَنه المتكلم عنهم، يصدرون عن رأَيه، ولا يستبدون بأَمر دونه لعلو قدره، وجلالة منصبه.
وقيل: إِنه بعد أَن خاطبه الله - سبحانه - بالنداء، صرف عنه الخطاب لأُمته تكريمًا له ﷺ لما في الطلاق من الكراهة، والكلام على هذا على تقدير القول، أَي: قل لأُمتك (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ).
فمعنى الآية: إِذا أَردتم تطليق النساء (١) وعزمتم عليه بتنزيل المشارف للأَمر منزلة الشارع فيه (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) أَي: مستقبلات لها بالدخول فيها، فإِن المرأَة إِذا طلقت في طهر، فإِنه يعقبه القرءُ الأَول من أَقراءِ عِدتها على رأَي من يرى أَن العدة بالحيض (٢)، وهي القروء المذكورة في سورة البقرة (٣) وبذلك تكون قد طلقت مستقبلة لعدتها.
стр. 5086
وفي الكشاف أن المراد من الآية أَن يطلقن في طهر لم يجامَعْن فيه حتى لا تطول العدة عليهن إِذا حصل لهن حمل، وهذا هو أَحسن الطلاق، وأَدخله في باب السنة حتى عرف بالطلاق السني.
أَما تطليقهن في الحيض فهو الطلاق البدعي، وهو محرم، والآية تنهى عنه لما فيه من الإِضرار بالمرأَة لتطويل العدة عليها إِذ أَن الحيض الذي طلقت فيه لا يحتسب باتفاق، وتفصيل تلك الأَحكام تكفل بها علم الفقه.
(وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) (١) أَي اضبطوها بحفظ الوقت الذي جرى فيه الطلاق، وأَكملوها ثلاثة قروء كوامل.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ): أَي: خافوه وابتعدوا عن الإِضرار بهن بتطويل العدة عليهن حين تختارون تطليقهن في حيض أَو في طهر وقع فيه وطء.
وفي صفة تعالى بربوبيته لهم تأكيد للأَمر ومبالغة في وجوب الاتقاءِ له - تعالى.
(لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ) من مساكنهن عند الفراق حتى تنقضي العدة، وإِضافة البيوت إِليهن مع أَنها للأَزواج لتأكيد النهي عن إِخراجهن ولبيان كمال استحقاقهن لسكناها كأَنها مملوكة لهن وعدم العطف في قوله: (لا تُخْرِجُوهُنَّ) للإيذان باستقلال النهي عن الإِخراج اعتناءَ به، والنهي عنه يتناول كل أَسبابه من إِكراه لهن على ترك المساكن أَو لحاجة الأَزواج إِلى المساكن أو لغير ذلك (لا تُخْرِجُوهُنَّ) من تلك المساكن التي كن فيها بإِذن أو بدونه، فكأَنه قيل: لا تخرجوهن ولا تأذنوا لهن في الخروج ولا يخرجن بأَنفسهن إِن أَردن ذلك (٢)، وقيل: المعنى ولا يخرجن باستبدادهن أَما إِذا اتفقا عليه جاز إِذ الحق لا يعدوهما.
стр. 5087
(إِلا أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ): استثناء من لا تخرجوهن أَي: إِلَّا أَن يأتين بأَمر ظاهر القبح وهو ما يوجب حدًّا كالزنى والسرقة نحوهما فيُخرجن لإِقامة الحد، وكذلك إِذا طالت أَلسنتهن وتكلمن بالكلام الفاحش القبيح على أَزواجهن أَو أَحمائهن، وأَيد بما ورد عن أَبي إِلاَّ أن يفحش عليكم بفتح الياء وضم الحاء كما أَخرجه جماعة من طرق عن ابن عباس وعن ابن عمر والسُّدي: الفاحشة خروجها من بيتها في العدة.
ويرى الآلوسي أَن المعنى: لا يطلق لهن في الخروج إِلاَّ في الخروج الذي هو فاحشة ومن المعلوم أَنه لا يطلق لهن فيه فيكون ذلك منعا للخروج على أبلغ وجه وامتدح هذا الوجه الإمام ابن الهمام وقال إنه ونظائره بديع جدًّا نحو لا تزن إِلاَّ أَن تكون فاسقا.
(وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ): إِشارة إِلى ما ذكر من الأَحكام التي عينها لعباده، وأُشير إِليها بإِشارة البعيد مع قرب العهد بها للإِيذان بعلو درجتها، وبعد منزلتها (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ) بالاستهانة بها، والإِخلال بشيءٍ منها (فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) عرضها للضرر الشديد. وهذا تقبيح لمن تعدي حدود الله (لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا … ) خطاب للتعدِّي بطريق الالتفات للزجر عن التعدي كأَنه قبل: ومن يتعد حدود الله فقد أَضر بنفسه فإنك لا تدري أَيها المتعدي عاقبة الأَمر لعلَّ الله يُحدث في قلبك بعد الذي فعلت من التعدي أَمرًا يقتضي خلاف ما فعلت فيكون بدل بغضها محبة، وبدل الانصراف عنها إِقبالٌ عليها وبدل عزيمة الطلاق نَدَمٌ عليه ولا يتسنى تلافية برجعة أَو استئناف نكاح كأَنه قيل: التزموا حدود الله فطلقوهن لعدتهن، وأَحصوا العدة ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن لعلكم تندمون، فتراجعون وإِبقاء المطلقة في منزل الزوج يساعد على ذلك ويجعل المراجعة أَيسر وأَسهل.
стр. 5088
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾
المفردات:
(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ): شارفن وقاربن آخر عدتهن.
(وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ): عند الحاجة إِليها واجعلوا رسالتكم خالصة لوجه الله.
(يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا): خلاصًا ممَّا عسى يصيب الأَزواج من الغموم والمضايق.
(مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ): من حيث لا يخطر بباله.
(فَهُوَ حَسْبُهُ): كافيه ومعينه في كل أُموره.
(إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ): يبلغ ما يريد ولا يفوته مراد ولا يعجزه مطلوب.
(لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا): تقديرًا وتوقيتًا.
التفسير:
٣،٢ - ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ
стр. 5089
اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾:
المعنى: فإِذا شارف المطلقات آخر العدة، وأَصبحن على وشك الانتهاءِ منها فأَنتم معهن بالخيار فيما بقى من زمن العدة إِن شئتم فأَمسكوهن بحسن معاشرة واتفاق لائق وود خالص وإِن شئتم ففارقوهن بإِيفاءِ الحق، واتقاءِ الضرر مثل أَن يراجعها المراجعة ثم يطلقها تطويلًا للعدة (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) عند المراجعة أَو الفرقة قطعًا للتنازع، ومنعًا للشقاق. وهذا الأَمر للندب نظير وقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) ويروى عن الشافعي وغيره أَن قال بالوجوب عند الرجعة: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) بأَن تجعلوها لوجهه خالصة لا للمشهود عليه ولا لغرض من الأَغراض سوى إِقامة الحق، ونصره العدل، ودفع الضرر.
(ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) الإِشارة على ما اختاره الكشاف للحث على إِقامة الشهادة لله تعالى والأَولى كما في الكشاف أَن تكون الإِشارة إِلى جميع ما ذكر من إيقاع الطلاق على وجه السنة، وإِحصاءِ العدة، والكف عن الإِخراج والخروج، وإِقامة الشهادة للرجعة أَو الفرقة، وفي ذلك ملازمة قوية لقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) فإِنه اعتراض مؤكد لِمَا سبق في الأَحكام التي تتمثل في أَمر إِجراءِ الطلاق على السنة ووجوب مراعاة حدود الله باتقائه في تعديها، فلم يضار المعتدة، ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأَشهد على كل عمله، ومن التزم بذلك يجعل الله له مخرجًا ممَّا عسى أن يقع في شأَن الأزواج من الهموم والغموم ويفرج عنه ما يعتريه من الكروب في الدنيا والآخرة، ويرزقه من وجه لا يخطر بباله ولا يتوقع أَن تتفتح عنه أَبواب الخير وتتيسر به أَسباب الرزق، وعن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (من أَكثر من الاستغفار جعل الله له من كل همٍّ فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب) (١) وروي أَيضا عن ابن عباس قال: إِن عوف بن مالك الأَشجعي أَسر المشركون ابنه سالمًا فأَتى رسول الله ﷺ فقال: أُسر ابني وشكا إِليه الفاقة فقال ﵊: (اتق الله وأَكثر من قول لا حول ولا قوة إِلا بالله العظيم) ففعل، فبينما هو في بيته إِذ قرع ابنه
стр. 5090
الباب ومعه مائة من الإِبل غفل عنها العدو فاستاقها فنزلت: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) بأَن يكل أَمره إِليه تعالى مؤثرًا له على الطمع في غيره، وعن تدبير نفسه، إِن فعل ذلك وتخلق به كان الله له معينًا وكافيًا في الدنيا والآخرة (١).
أَخرج أَحمد في الزهد عن وهب قال: يقول الرب ﵎: (إِذا توكل علي عبدي لو كادته السموات والأَرض جعلت له من بين ذلك المخرج).
(إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) بمعنى منفذ أَمره في كل ما كان وما يكون يبلغ ما يريد، ولا يفوته مراد، ولا يعجزة مطلوب (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) تقديرًا قبل وجوده أَو مقدارًا من الزمان ينتهي إِليه، ويشير التعميم في الجملة إِلى وجوب التوكل عليه تعالى، وتفويض الأَمر إِليه؛ لأَنه إِذا عُلم أَن كل شيءٍ من الرزق وغيره لا يكون إِلا بتقديره سبحانه، لا يبقى إِلاَّ التسليم للقدر، والتوكل على الله تعالى:
﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾
المفردات:
(وَاللَائِي يَئِسْنَ): أَي: انقطع عنهن الحيض لكبر سنهن، وقدر بستين أَو خمس وخمسين سنة.
(إِنْ ارْتَبْتُمْ): إِن شككتم وجهلتم كيف تكون عدة اليائس.
стр. 5091
(يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ): يذهبها.
(وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا): بالمضاعفة.
التفسير
٤ - ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾:
روى أَن أُناسا قالوا: قد عرفنا عدة ذات الأَقراء فما عدة اللائي لم يحضن؟ فنزلت عدة الآيسة واللَّائي لم يحضن وأُولات الأحمال، فتذكر أَن عدة اليائسة التي بلغت سن اليأس من الحيض وهي تقدر بستين سنة أَو بخمس وخمسين، ثلاثة أَشهر. إِن ارتبتم وأُشكل عليكم حكمهن، وجهلتم كيف يعتدون؟ وكذلك تكون عدة الصغيرات اللَّاتي لم تحضن ثلاثة أَشهر (١)، وحذف بيان العدة في النص الكريم مع اللاتي لم تحضن ثقة بدلالة ما قبله عليه.
وعدة أُولات الأَحمال أَن يضعن حملهن سواء كن مطلقات أَو متوفى عنهن أَزواجهن فقد أَخرج جماعة عن ابن عمر أَنه سئل عن المرأَة يتوفى عنها زوجها وهي حامل فقال: إِن وضعت حملها حلت فأخبره رجل من الأَنصار أَن عمر بن الخطاب قال: لو ولدت وزوجها على سريره لم يدفن لحلَّت.
وذهب علي - كرم الله وجهه - وابن عباس ﵄ إِن الآية في المطلقات، وأَما المتوفى عنها زوجها فعدتها آخر الأَجلين أَي: الأَشهر أَو وضع الحمل وهو مذهب الإِمامية كما في مجمع البيان، وقوله:
(وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) خصص به عموم قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) لتراخي نزوله عن ذلك لما هو المشهور من قول ابن مسعود ﵁ من شاءَ باهلته أَن سورة النساءِ القصرى
стр. 5092
نزلت بعد التي في سورة البقرة، وقد صح أَن سبيعة بنت الحارث الأَسلميةَ ولدت بعد وفاة زوجها بليال فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال لها: (قد حللت فتزوجي).
(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) أَي: ومن اتقاه - سبحانه - في شأن أَحكامه ومراعاة حقوقها يسهل عليه أَمره، يوفقه للخير، ولكل عمل نافع وقيل: يجعل له يسرًا أَي ثوابا.
٥ - ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾:
إِشارة إِلى ما علم من حكم المعتدات، وما في الإِشارة من معنى البعد عن قرب العهد بالمشار إِليه للإِيذان ببعد منزلته في الفضل، وقد أَنزله إِليكم من اللَّوح المحفوظ (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ) في تلك الأَحكام بالمحافظة عليها (يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ) فإِن الحسنات يذهبن السيئات، وفي الحديث: (وأَتْبعِ السَّيَّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا) (١).
(وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) بالمضاعفة، (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) (٢).
استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأَ عمَّا قبله من الحث على التقوى كأَنه قيل: كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات، فأُجيب عن ذلك بقوله تعالى (أَسْكِنُوهُنَّ .... ) الآية.
أَي: أَسكنوا المعتدات مكانًا من مسكنكم الذي تسكنونه حسبما تطيقونه مع وسع وقدرة، وقد روي عن قتادة ما يؤيد ذلك حيث قال: ولتسْكُن إِذا لم يكن إِلا بيت واحد في بعض نواحيه، وهي واجبة باتفاق مع النفقة لكل مطلقة رجعية حاملًا كانت أَو حائلًا، أَما المبتوتة وهي التي طلقت ثلاثًا، وليست ذات حمل، فقد اختلف في شأنها العلماء، فعند ابن المسيب ومالك والأَوزاعي والشافعي وغيرهم ليس لها إِلا السكنى ولا نفقة لها، وعن الحسن، وحماد وأَحمد وغيرهم لا نفقة لها ولا سكنى لحديث فاطمة بنت قيس قالت: إِن زوجها أَبتّ طلاقها فخاصمته إِلى رسول الله ﷺ فقال لها: لا سكنى لك ولا نفقة، وأَمرها أَن تعتدّ في بيت ابن أَم مكتوم، ثم أَنكحها أُسامة بن زيد.
وعن عمر ﵁ أَنه طعن في هذا الحديث، فقال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأَة لعلها نسيت أَو شبه لها، سمعت رسول الله ﷺ يقول لها: السكنى والنفقة، وقد طعن في حديث فاطمة أَيضًا عائشة وسليمان بن يسار وأُبو سلمة وغيرهم.
وقال أَبو حنيفة والثوري: لها السكني والنفقة، بدليل قول عمر ﵁ وقال ابن نافع: قال مالك في قوله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ) يعني المطلقات اللَّاتي بنَّ أَزواجهن ولا رجعة لهم عليهن، ولسن ذوات حمل، فلكل منهن السكنى ولا نفقة لها ولا كسوة؛ لأَنها بائن منه، لا يتوارثان ولا رجعة له عليها.
فأَما من لم تَبن منهن، فإِنهن نساؤهم يتوارثون، ولا يخرجن إِلا أن يأذن لهن أَزواجهن ما كن في عدتهن، ولم يؤمروا بالسكنى لهن؛ لأَن ذلك لازم على أَزواجهن مع نفقتهن وكسوتهن حوامل كن أَو غير حامل.
(وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ): أَي: تجنبوا الإِضرار بالمعتدات، فلا تستعملوا معهن ما يؤديهن لإِلجائهن إِلى الخروج كأَن تنزلوا معهن من لا يوافقهن في الجوار، أو تشغلوا المكان بغيرهن أَو نحو ذلك.
стр. 5095
(وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ): وبوضع الحمل يخرجن من العدة.
قال كثيرٌ من العلماءِ منهم ابن عباس، وطائفة من السلف، وجماعات من الخلف: هذا الحكم في البائن - إِن كانت حاملًا أَنفق الزوج عليها مع السكنى حتى تضع حملها قالوا: بدليل أَن الرجعية تجب نفقتها حاملًا كانت أَو حائلًا.
وقال آخرون: بل السياق كله في الرجعيات، وإِنما نص على الإنفاق على الحامل، وإِن كانت رجعية؛ لأَن الحمل تطول مدته غالبا، فاحتيج إِلى النص على وجوب الإنفاق عليها إِلى الوضع؛ لئلا يتوهم أَنها لا نفقة لها نظرًا لذلك وليعلم حكم غيرها بالطريق الأَولى.
أَما أُولات الحمل المتوفى عنهن أَزواجهن فلا نفقة لهن عند أَكثر العلماءِ، ويرى علي - كرم الله وجهه - وابن مسعود وجوب نفقتهن في التركة من جميع المال حتى يضعن، وقال ابن عباس وابن الزبير وجابر بن عبد الله ومالك الشافعي وأَبو حنيفة لا ينفق عليها إِلاَّ من نصيبها.
(فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ) بعد انقطاع عصمة الزوجية بوضع حملهن (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) على ما قمن به من إِرضاع ثم خاطب - سبحانه - الآباء والأمهات، ودعاهم إِلى أَن يتشاوروا، فيأمر بعضهم بعضًا بمعروف أَي: بجميل في الأُجرة والإِرضاع، وذلك بحديث سمح بعيد عن المماكسة من الأَب والمعاشرة من الأُم فقال تعالى: (وَأئتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ)، وقيل: المعروف الكسوة والدثار (وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) أَي: وإِن ضيق أَحدكم على الآخر بالمشاحة والمبالغة في الزيادة أَو النقص في الأُجرة، فسترضعه مرضعة أُخرى غير الأُم، على معنى فليطلب الأَب هذه المرضعة، فإِن لم يقبل الولد ثديها، أُجبرت الأُم على الإِرضاع بأَجر المثل، وفيه معاتبة للأُم على المعاشرة كقولك لمن تستقضيه حاجة، فيتوانى سيقضيها غيرك، بمعنى ستقضي وأَنت ملوم.
وخصت الأُم بالمعاتبة على ما قال ابن المنير، لأَن المبذول من جهتها هو لبنها لولدها وهو غير متمول ولا مضمون به في العرف وخصوصًا من الأُم على الولد، ولا كذلك المبذول من
стр. 5096
الأَب فإِنه المال المضمون عادة، فالأُم إِذن أَحق باللوم، وأَولى بالعتب خصوصًا وهي أَكثر حنوا وشفقة على الوليد، ولذلك لو رضيت الأُم بما استؤجرت عليه الأجنبية فهي أَحق بولدها.
٧ - ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾:
المعنى: لينفق كل واحد من الموسر والمعسر ما يبلغه وسعه وفق ما أَمر به من الإِنفاق على المطلقات والمرضعات (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا) أَي: بقدر ما أَعطاها من الطاقة والقوة، وقيل: بقدر ما آتاها من الأَرزاق قلت أَو كثرت، وفيه تطييب واستمالة لقلب المعسر، وترغيب له في بذل مجهوده (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) وعد للفقراءِ بفتح أَبواب الرزق عليهم عاجلا أو آجلا أَو لفقراءِ الأَزواج إِن أَنفقوا ما قدروا عليه، ولم يقع منهم تقصير وهو على كلا الوجهين لتأكيد المعنى المراد من الترغيب في الإِنفاق قل مال المنفق أَو كثر.
يتوعد الله - سبحانه - من خالف أَمره، وكذب رسله، ويخبر عما حل بالأُمم السابقة بسب ذلك فيقول تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ) أَي: كثير من أَهل قرية تمردت وطغت واستكبرت عن اتباع أَمر الله، ومتابعة رسله (فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا) بالاستقضاءِ والمناقشة لأَهلها في كل نقير (١) من الذنوب وقطمير (٢) مما اقترفته جوارحهم فلا تجاوز لهم عن شيءٍ مهما قل (وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا) أَي: منكرًا عظيمًا يفوق التصور حيث لم تخطر ببالهم شدته، وتعدت الاحتمال قسوته، والمراد حساب الآخرة مع ما عجل لهم في الدنيا من العذاب بالجوع، والقحط، وسائر المصائب والبلايا.
والتعبير بالماضي في قوله: (فَحَاسَبْنَاهَا) وفي قوله (وَعَذَّبْنَاهَا) للدلالة على تحققهما كما في قوله تعالى: (وَنَادَي أَصْحَابُ الْجَنَّةِ).
ويجوز أَن يراد بالحساب إِحصاء جميع ذنوبهم وكتابتها في صحائف أَعمالهم لدى الحفظة، وبالعذاب ما أَصابهم عاجلا في الدنيا من العقاب، ويكون الإِتيان بالماضي في (فَحَاسَبْنَاهَا) وفي (وَعَذَّبْنَاهَا) على الحقيقة لوقوع الحساب والعقاب في دنياهم.
٩ - ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾:
أَي: فذاقت عقوبة عتوها وكفرها وتمردها على أَوامر الله، وكانت نتيجة ذلك خسارًا شديدًا لا خسار وراءَه، والمراد عقوبة الآخرة، وجيءَ بلفظ الماضي؛ لأَن المنتظر من وعد الله ووعيده ملقي وواقع في الحقيقة فكأَنه قد كان.
١٠ - ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠)﴾:
تكرير للوعيد وبيان لما يوجب التقوى المأمور بها بقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ).
стр. 5099
كأَنه قيل: أَعد الله لهم هذا العذاب المترقب فليكن ذلك يا أُولي الأَلباب داعيًا لكم لتقوى الله - تعالى - وحذر عقابه، وجملة (أَعَدَّ اللَّهُ) إِلخ استئناف يشير إِلى أَن عذابهم ليس منحصرًا فيما ذكر من الحساب الشديد والعذاب النكر بل لهم بعدهما عذاب شديد آخر مُعدّ لمزيد عقابهم، وقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا) بيان لأُولي الأَلباب (قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا).
وقيل: هو جبريل ﵇ سمي ذكرًا لكثرة ذكره أَو لنزوله بالذكر الذي هو القرآن:
كما ينبيءُ عنه إِنزال قوله تعالى (رَسُولًا) منه.
وقيل: هو النبي ﷺ وعليه الأَكثر، وإِطلاق الذكر عليه لمواظبته ﵊ على تلاوة القرآن الذي هو ذكر، وتبليغه والتذكير به - وعبر عن إِرساله بالإِنزال؛ لأَن الإِرسال سبب عن إِنزال بالوحي عليه ﷺ على سبيل المجاز.
١١ - ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾:
(رَسُولًا): بدل جاءَ للبيان من قوله: (ذِكْرًا) قال ابن جرير: الصواب أَن الرسول ترجمة عن المذكر وتبيين له وقال أَبو حبان: الظاهر أَن الذكر هو القرآن، والرسول هو محمد ﷺ .
وفي توجيه هذا الرأي أَقوال: أَشهرها أن رسولا منصوب بفعل محذوف تقديره أَرسل دل عليه أَنزل أَي: أَنزل لكم ذكرا، وأَرسل إِليكم رسولا ونحا إِلى هذا السّدي، واختاره ابن عطية.
(يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ) نعت لقوله: "رَسُولًا" أَي: أَنه ﷺ يقرأُ عليكم أَو حال من اسم الله في قوله تعالى: (قَدْ أَنزَلَ اللهُ … ).
стр. 5100
أَي: أَن الله تعالى يأمر أَمين وحيه جبريل ﵇ أَن يقرأَ على رسوله آياتِ الله. القرآن. واضحات جليات تبين لكم الحلال والحرام وما تحتاجون إِليه من أَحكام دينكم (لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور) المراد من الذين آمنوا المؤمنون بعد إِنزال الذكر، وقبل نزول هذه الآية، أَو من علم سبحانه وقدر أَنهم سيؤمنون، وعلى ذلك يكون المعنى على الأَول، ليخرج الله أَو الرسول (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أَي: ليحصل لهم ما هم عليه الآن من الإِيمان والعمل الصالح، وعلى الثاني ليخرج من علم الله وقدر أَنه يؤمن (مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) أَي: من أَنواع الضلالات إلى الهدى، ومن ظلمات الكفر والجهل إلي نور الإِيمان والعلم والتعبير بالماضي في قوله سبحانه: (الَّذِينَ آمَنُوا) عمن سيؤمن، باعتبار علمه تعالى وتقديره سبحانه الأَزلي، أَو باعتبار نزول هذه الآية (١) (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا) وفق ما بُيِّن في تضاعيف ما أَنزل من الآيات الواضحات التي ورد بها بالذكر الحكيم (يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) أَي: تنساب من بين قصورها الأَنهار الصافية؛ ليكمل لهم النعيم العظيم في دار البقاءِ (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) بمعنى أَن مكثهم في تلك الجنات دائم حيث لا يخرجون منها ولا يموتون (قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا) فيه معنى التعجيب والتعظيم لما رزقه الله - تعالى - المؤمنين من الثواب وسائر المطاعم والمشارب، وكل ما لذ وطاب مما تقر به الأَعين، وتطمئن إِليه النفوس، وإِلا لم يكن في الإِخبار بما ذكر ههنا كثير فائدة.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾
стр. 5101
المفردات:
(يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ): أَي: يجري أَمر الله وقضاؤُه وقدره بينهن، وينفذ حكمه فيهن.
(قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا): أي: أَنه سبحانه لا تخفى عليه خافية لإِحاطة علمه بكل شيء لاستحالة صدور هذه الكائنات العظيمة ممن ليس كذلك.
التفسير
١٢ - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾:
إِخبار من الله تعالى - عن قدرته التامة، وسلطانه العظيم؛ ليكون ذلك باعثًا وحافزا على تعظيم ما شرع الله من الدين القويم، وما خلق من مخلوقات كونية على أَقصى درجة من الإِحكام والكمال، لا تحيط بعظمتها منطقة الفكر ولا دائرة العقل، ويضيق عنها نطاق الحصر، ولا أَدل على ذلك من أَنه سبحانه هو الذي خلق سبع سموات طباقًا ومن الأَرض مثلهن في العدد بمعنى أَنها طبقات سبع بعضها فوق بعض وهو رأَي الجمهور وقد وصفه القرطبي بأَنه أَصح الأَقوال وطبقات الأَرض هي الصينية والصخرية والمائية والمعدنية ونحو ذلك. وقيل: المثلية بين السموات والأَرض في الخلق لا في العدد ولا في غيره فهي أَرض واحدة مخلوقة كالسموات السبع، وأُيِّد بأَن الأَرض لم تذكر في القرآن إِلا موحَّدة، ورُد بأَنه صح في رواية البخاري وغيره "اللهم رب السموات السبع وما أَقللن ورب الأَرضين السبع وما أَظللن" الحديث كما ردُ بما ثبت في الصحيحين "من ظلم قيد شبر من الأَرض طوقه من سبع أَرضين" وعن ابن عباس ﵄ أَن نافع بن الأَزرق سأَله هل تحت الأَرض خلق؟ قال نعم قال: فما الخلق؟ قال: إِما ملائكة أَو جن.
وأَخيرا لعل القول بالتعدد هو المتبادر من الآية وتقتضيه الأَخبار.
ويقول روح المعاني: ومع هذا هو ليس من ضروريات الدين فلا يكفر منكره أَو المتردد فيه
стр. 5102
وقد ذكروا تفضيلات عن جوهر كل سماء وعن المسافة بين كل سماء وأُخرى وبين كل أَرض وأُخرى.
وهذا ونحوه حقيق بأَن نكل أَمره إلى الله عالم الغيب والشهادة.
(يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ) أَي: يجري أَمر الله - تعالى - وقضاؤُه وقدره بينهن، وينفذ حكمه فيهن، وعن قتادة في كل سماءِ وفي كل أَرض خلق من خلقه وقضاء من قضائه وقيل: (يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ) بحياة وموت وغنى وفقر.
وقال مقاتل: (الأَمْرُ) هنا الوحي و (بَيْنَهُنَّ) إِشارة إِلى ما بين هذه الأَرض السفلى التي هي أَدناها وبين السماءِ السابعة التي هي أَقصاها (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أَي: أَعلمتكم وأَخبرتكم بذلك من خلق سبع سموات بعضها فوق بعض ومن الأَرض مثلهن: لتعلموا أَن الله قادر على كل شيءٍ (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) لاستحالة صدور هذه المخلوقات العظيمة ممن ليس كذلك، بل هي شواهد ناطقة، ودلالات بينة.
على أَن علمه الواسع قد أَحاط بكل شيء - عز أَو دقّ - وهو سبحانه لا تخفى عليه خافية يعلم خائنة الأَعين وما تخفي الصدور.
стр. 5103
سورة التحريم
مدنية وآياتها اثنتا عشرة آية
وكما تسمى سورة التحريم تسمى المتحرم، ولم تحرم؛ وسورة النبي ﷺ وعن ابن الزبير سورة النساءِ.
مناسبتها للسورة التي قبلها وهي سورة الطلاق:
أَنها متواخية معها في الافتتاح بخطاب النبي ﷺ وأَن السابقة مشتملة على طلاق النساءِ، وهذه على تحريم الإماء وبينهما من الملابسة ما لا يخفى.
ولما كانت السابقة في خصام وطلاق نساء الأُمة ذكر في هذه خصومة نساء النبي المصطفى ﷺ إِعظامًا لهن أَن يذكرون مع سائر النسوة فأُفردن بسورة خاصة، ولذلك ختمت بذكر آسية امرأَة فرعون، ومريم ابنة عمران. قاله السيوطي عليه الرحمة.
أغراض السورة:
عتاب الرسول ﷺ عتابًا رقيقًا لطيفًا في التحريم والتحليل قبل ورود وحي سماوي (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) الآية.
تناولت أَمرا على جانب من الخطورة أَلا وهو إفشاء السر الذي يكون بين الزوجين والذي يهدد الحياة الزوجية بالتردي والتوقف، وضربت المثل برسول الله ﷺ حين أَسَرَّ إِلى حفصة حديثًا، واستكتمها إِياه فأَفشته إِلى عائشة حتى شاع وذاع مما أَغضبه ﷺ حتى هم بتطليق أَزواجه (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا .. ) الآية.
حملت على أَزواجه - صلوات الله عليه - حملة عنيفة حين حدث ما حدث بينهن من التنافس (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ … ) الآية.
أَبرزت الأمر بالابتعاد عن جهنم، وخوفت من عذابها بأَشد أَنواع الوعيد (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا .... ) الآية.
стр. 5104
دعت دعوة قوية إِلى التوبة النصوح، وأَظهرت وعد المؤمنين بإِتمام نورهم في القيامة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا .. ) الآية.
رسمت الطريق لجهاد الكفار والمنافقين حيث يكون بطريق السيف في الكفار، وبالبرهان والحجة مع المنافقين (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ … ) الآية.
بينت أَن القرابة غير نافعة بدون الإِيمان والمعرفة، وأَن القرب من المفسدين لا يضر مع وجود الصدق والإِخلاص (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا … وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ .. ) الآيتين.
ختمت السورة بذكر تصديق مريم ابنة عمران وما اتصفت به من عفة وتصون فكان لها من الله أَعظم الجزاءِ (وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا … ) الآية.
(فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا): أَي: فقد مالت قلوبكما عن الحق، يقال صغت الشمس مالت للغروب:
(وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ): أَي: وإِن تتعاونا بما يسوؤُه من الإِفراط في الغيره، والوقيعة بينه وبين نسائه بإِفشاء سره.
(بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ): أَي: فوج مظاهر له كأَنهم يد واحدة على من يعاديه.
(قَانِتَاتٍ): مُطِيعات من القنوت وهو لزوم الطاعة مع الخضوع.
(سَائِحَاتٍ): أَي: صائمات، وسمي الصائم سائحًا؛ لأَنه يسبح في النهار بلا زاد أَو مهاجرات.
التفسير
١ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾:
روي في سبب النزول أَن النبي ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها اكتمي عَلَيّ فقد حرمت مارية على نفسي، وأُبشرك أَن أَبا بكر وعمر يملكان من بعدي أَمر أُمتي، فأخبرت بذلك عائشة وكانتا متصادقتين. كما في رواية الكشاف وقيل: خلا بها في يوم حفصة وكانت قد استأذنته ﷺ في زيادة أَبويها فأَذن لها فلما علمت قالت: في بيتي وعلى فراشي فأَرضاها بما حدثها به من تحريم مارية على نفسه وبما بشرها به من إِمامة الشيخين أَبي بكر وعمر واستكتمها ذلك فلم تكتمه فطلقها واعتزل نساءَه فنزل جبريل ﵇ فقال: راجعها فإِنها صوامة قوامة وإِنها لمن نسائك في الجنة.
وقال النووي في شرح مسلم: الصحيح أَن الآية نزلت في قصة العسل لا في قصة مارية المروية في غير الصحيحين ولم تأت في طريق صحيح، وشرب العسل كان عند زينب بنت جحش فقد روي أَنه ﷺ كان يمكث عندها ويشرب عسلا فتواصت عائشة وحفصة لما وقع في نفسهما من الغيرة من ضرتهما أَن أَيَّتهما دخل عليها النبي ﷺ فلتقل له: إِني أَجد منك
стр. 5107
ريح مغافير (١)، وكان ﷺ يحب الطيب، ويكره الرائحة الكريهة، للطافة نفسه الشريفة فحرم العسل على نفسه وقد حلف وقال: لن أَعود فنزلت.
والمعنى: لم تحرم أَيها النبي ما أَحل الله لك من ملك اليمين أَو شرب العسل، وفي ندائه ﷺ أَيها النبي في مفتح العتاب من حسن التلطف به والتنويه بشأنه ما لا يخفى حيث خوطب غيره باسمه من سائر الرسل، والاستفهام ليس على حقيقته بل هو معاتبة.
والمراد من التحريم الامتناع، وبما أَحل الله لك العسل على ما صححه النووي أو وطءَ سريته على ما في بعض الروايات (تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ) استئناف لبيان أَن الداعي إِلى التحريم مؤذن بعدم صلاحيته لذلك كأَنه قيل: إِن الذي فُعل زلة؛ لأَنه ليس لأَحد أَن يحرم ما أَحل الله ابتغاءَ مرضاة أَزواجه على أَن التحريم في نفسه محل عتب والباعث عليه كذلك (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) بالغ الغاية في الغفران والرحمة فقد غفر الله لك ما بدر منك، وفيه تعظيم له ﷺ بأَن ترك الأَولى بالنسبة إِلى مقدامه السامي الكريم يعد كالذنب وإِن لم يكن كذلك في نفسه. وأَن عتابه ﷺ لم يكن إِلا لمزيد العناية به.
هذا وإِن تحريم الحلال على وجهين، الأَول: اعتقاد ثبوت حكم التحريم فيه، وهو كاعتقاد ثبوت حكم التحليل في الحرام وهو محظور يوجب الكفر فلا يمكن صدوره عن المعصوم أَصلا، والثاني: الامتناع عن الحلال مطلقًا أَو مؤكدًا باليمين مع اعتقاد حله، وهذا مباح صرف، وحلال محض.
وما وقع منه ﷺ كان من هذا النوع وإِنما عاتبه تعالى على ما بدر منه رفقًا به، وتنويهًا بقدره. وإِجلالا لمنصبه ﷺ أَن يراعي مرضاة أَزواجه بما يشق عليه مع أَنه أَلف لطف الله به.
٢ - ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾:
стр. 5108
أَي: قد شرع لكم سبحانه تحليل (١) أَيمانكم بالكفارة أَو بالاستثناء المتصل الذي يأتي به الحالف حتى لا يحنث، والتحليل من الحل ضد العقد فكأَنه باليمين على الشيءِ عقد عليه لالتزامه، وبالكفارة يحل ذلك.
وعلى القول بأَنه كان منه ﵊ يمين كما جاءَ في بعض الروايات وهو ظاهر الآية.
اختلف هل أَعطي ﷺ الكفارة لمستحقيها أَو لا، فعن الحسن أَنه لم يعط؛ لأَنه كان مغفورا له ما تقدم من ذنبه وما تأَخر، وإِنما هو تعليم للمؤمنين، وعن مقاتل أَنه ﷺ أَعتق رقبة في تحريم مارية، وقد نقل مالك في المدونة عن زيد بن أَسلم أَنه ﷺ أَعطى الكفارة في تحريمه أَم ولده حيث حلف أَلا يقربها، ونقل مثله عن الشعبي.
(وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ): أَي: والله سيدكم ومتولي أُموركم، هو جل شأنه عظيم العلم بما يصلح لكم فيشرعه لخيركم بالغ الحكمة والإِتقان في أَفعاله وأَحكامه فلا يأمركم ولا ينهاكم إِلا بما فيه الاستقامة والصلاح فيما أَحل وحرم.
٣ - ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾:
المراد من بعض أزواجه على المشهور حفصة لا عائشة كما زَعم بعض الشيعة أَي: واذكر حديثًا أَسرَّه النبي ﷺ لبعض أَزواجه، وهو ما روي عنه ﷺ "ولكني كنت أَشرب عسلا عند زينب ابنة جحش فلن أَعود إِليه وقد حلفت لا تخبري بذلك أَحدا" أَو هو حديث مارية أَو حديث الإِمامة كما قيل (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) أَي: أَخبرت بالحديث عائشة، وكانتا متصادقتين، وتناولتا نقصان حظ ضرتهما زينب من جيبهما ﷺ حيث إِنه كما في البخاري وغيره: كان يمكث عندها يشرب العسل، وقد اتخذ ذلك عادة وقد استخفها السرور فنبأَت به (٢)، (وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَي: جعل سبحانه نبيه ﷺ ظاهرًا على
стр. 5109
الحديث، مطلعًا عليه بواسطة جبريل ﵇ أَو جعل الله الحديث ظاهرا على النبي ﷺ يتبينه ويدرك كنهه.
ولما أَظهر الله نبيه على الحديث أَعلم ﷺ حفصة بنصه الذي أَفشته وهو قوله لها: "كنت شربت عسلا عند زينب بنت جحش فلن أَعود "وأَعرض عن بعضه فلم يخبرها به وهو قوله: "وَقَدْ حلفت" تكرمًا من مزيد خجلها، وهذا منه ﷺ اهتمام بمرضاة أَزواجه وهو لا يحب شيوع ذلك عنهن رعاية لحقهن وأَخرج ابن مردويه عن ابن عباس، وابن أَبي حاتم عن مجاهد أَن النبي ﷺ أَسر إِلى حفصة تحريم مارية، وأَن أَبا بكر وعمر يليان أَمر الناس بعده فأَسرت ذلك إِلى عائشة فعرف ﷺ بعضه، وهو أَمر الإِمامة. روي عن علي - كرم الله وجهه - وابن عباس قالا: إِن إِمامة أَبي بكر وعمر لفي كتاب الله: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا).
وقيل: عرف أمر مارية، وأَعرض عن أَمر الإِمامة مخافة أَن يفشو. روى أَنه ﷺ قال لحفصة: أَلم أَقل لك اكتمي عليّ قالت: والذي بعثك ما ملكت نفسي فرحًا بالكرامة التي خص بها أَبي.
وحين نبأَها بما أَفشته لتعرف هل التي كشفت الحديث عائشة أَو لا (مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا) قال ﷺ : (نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) الذي لا تخفى عليه خافية لإِحاطته بخطرات النفوس ومكنونات الضمائر، فإِنه لذلك أَوفق للإِعلام (١).
قال الآلوسي: وقصارى ما يمكن أَن يقال: يحتمل أَن يكون النبي ﷺ شرب عسلًا عند زينب كما هي عادته وجاءَ إِلى حفصة فقالت له ما قالت فحرم العسل، واتفق - له ﵊ قبيل ذلك أَو بعيده أَن وطيءَ جاريته مارية في بيت حفصة وفي يومها وعلى فراشها، فوجدت فحرم ﷺ مارية وقال لحفصه ما قال تطييبا لخاطرها واستكتمها ذلك فكان منها ما كان، ونزلت الآية بعد القصتين فاقتصر بعض الرواة على إِحداهما وبعضهم
стр. 5110
على نقل الأُخرى وهو كلام صادق إِذ ليس فيه دعوى كلٍّ حصر سبب النزول فإِن صح هذا هان أَمر الاختلاف أ. هـ بتصرف.
٤ - ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾:
ومما يدل على أَن المرأَتين اللتين وقع منها التظاهر على رسول الله ﷺ هما عائشة وحفصة ما رواه الإِمام أَحمد بسنده عن ابن عباس (١) قال: لم أَزل حريصًا على أَن أَسأَل عمر عن المرأَتين من أَزواج النبي ﷺ اللتين قال الله فيهما: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل وعدلت معه بالإِداوة، فتبرز ثم أَتاني فسكبت على يديه فتوضأَ فقلت: يا أَمير المؤمنين من المرأتان من أَزواج النبي ﷺ اللتان قال الله تعالى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) فقال عمر: واعجبا لك يا بن عباس هما عائشة وحفصة ثم أَنشأَ يحدثني الحديث بطوله.
والآية خطاب لهما على الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب للمبالغة في العتاب، فإِن المبالغ في العتاب يصير المعاتب بعيدًا أَولا عن ساحة الحضور، ثم إِذا اشتد غضبه توجه إِليه وعاتبه بما يريد، وإِلي ذلك يشير قوله تعالى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) أَي: مالت عما يجب عليكما من مخالصة رسول الله ﷺ ، وحب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه إِلى مخالفته. وجملة (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) تعليل لجواب الشرط ودليل عليه، والتقدير إِن تتوبا إلي الله فلتوبتكما موجب وسبب؛ لأَنه قد صدر عنكما ما يقتضيها من ميل قلوبكما عنه ﷺ ، وقيل: الجواب محذوف والتقدير إِن تتوبا إِلى الله يمح إِثمكما وقوله: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) بيان لسبب التوبة وقيل: غير ذلك.
والجمع في قلوبكما دون التثنية لكراهة اجتماع تثنيتين مع ظهور المراد، وهو في مثل ذلك أَكثر من التثنية والإِفراد (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) أَي: فلن تتعاونا عليه بما يسؤوه من الإِفراط في الغيرة وإِفشاء سره (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) بمعنى أَنه لا يعدم من بظاهره؛ فإِن الله مؤَيده وناصره، وجبريل رئيس الكروبيين (٢) قرينه، وكل من آمن وعمل صالحًا أَتباعه وأَعوانه.
стр. 5111
قال ابن عباس ﵄ أَراد بصالح المؤمنين أَبا بكر وعمر ﵄ وبه قال عكرمة ومقاتل وهو اللائق بتوسطه بين جبريل والملائكة ﵈ وقيل: أريد به من بريء من النفاق، وقيل الصحابة، (وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) بمعنى أَن الملائكة على كثرة عددهم، وامتلاء السماءِ بهم فوج مظاهر بعد ذلك له قدره وشأَنه ما فيهم جبريل ﵇ وإِن كانت نصرتهم من نصرة الله فيما يبلغ تظاهر امرأَتين على من هؤُلاءِ ظهراؤُه وأَعظم جل جلالة شأن النصرة لرسوله ﷺ على هاتين الضعيفتين إِما للإِشارة إِلى عظم مكر النساءِ، أَو للمبالغة في قطع حبال طمعها لعظم مكانتها عند النبي وعند المؤمنين لأُمومتهما لهم، وكرامة له ﷺ ورعاية لأَبويهما في أَن تظاهر هما يجديهما نفعًا، فكأَنه قبل: فإِن تظاهرا عليه فلا يضره ذلك فإِن الله تعالى هو مولاه وناصره في أَمر دينه وسائر شئونه على كل من يتصدى لما يكرهه (وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ) مظاهِرُون له ومعينون إِياه كذلك.
٥ - ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾:
أَي: إِن تحقق طلاقكن فحق وواجب أَن يبدل الله رسوله أَزواجًا خيرًا منكن، والخطاب لهن جميعًا على سبيل الالتفات، وأَصله لاثنتين، ولكنه ورد عاما: لأَنهن في منزل الوحي أَو على التغليب أَو لاجتماعهن في الغيرة عليه ﷺ لما أَخرجه البخاري عن أَنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه فقلت: عسى ربه إِن طلقهن أَن يبدله خيرًا منهن فنزلت هذه الآية وفق قول عمر.
وكون المبدلات خيرًا منهن مع أَن أُمهات المؤمنين خير نساء على وجه الأَرض؛ لأَنه إِن طلقهن لإِيذانهن إِياه لم يبقين كذلك، وكان غيرهن من الموصوفات في الآية بالصفات الكاملة خَيْرًا منهن إِن تزوجهن الرسول، وهذا وعد من الله لرسوله لو طلقهن في الدنيا أَن يزوجه نساءً خيرًا منهن تخويفًا لهن كما في القرطبي.
стр. 5112
وليس في الآية ما يدل على أَنه لم يطلق حفصة ولا ما يدل على أَن في النساءِ خيرا منهن فإِن تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة، والمعلق بما لم يقع لا يجب وقوعه.
وقد روي أَنه ﷺ طلق حفصة فغلب ما لم يقع من الطلاق على الواقع.
وقد وصف الله هؤلاءِ الزوجات اللاتي سيبدل رسوله ﷺ بهن فقال: (مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ) مقرات مخلصات أَو منقادات مصدقات (قَانِتَاتٍ) مواظبات على الطاعة - أَو مصليات (تَائِبَاتٍ) مقلعات عن الذنب (عَابِدَاتٍ) متذللات لأَمر الرسول ﷺ متعبدات (سَائِحَاتٍ) صائِمَاتٍ. سمي الصائم سائحا؛ لأَنه يسبح في النهار بلا زاد، وإِنما يأكل حيث يجد الطعام أَو مهاجرات قال ابن زيد: ليس في الإسلام سياحة إِلاَّ الهجرة، قيل: ذاهبات في طاعة الله كل مذهب (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) والثيبات جمع ثيب وهي التي زالت عذرتها وسميت بذلك؛ لأَنها ترجع إِلى الزوج بعد زوال عذرتها.
والأَبكار جمع بكر وهي التي لم تفتض ووسط العاطف بينهما لتنافيهما ولو سقط لاختل المعنى. إِن الثيوبة والبكارة لا يجتمعان، وترك العطف في الصفات السابقة؛ لأَنها صفات تجتمع في شخص واحد، وبينهما شدة اتصال يقتضي ترك العطف.
وذُكِرَ الجنسان؛ لأَن في أَزواجه ﷺ من تزوجها ثيبا، وفيهن من تزوجها بكرا وجاءَ أَنه لم يتزوج بكرا إِلا السيدة عائشة ﵂.
стр. 5113
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾
المفردات:
(قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ): وقاية النفس بترك المعاصي، ولزوم الطاعات ووقاية الأَهل بحملهم على ذلك بالنصح والتوجيه، ويراد بالحجارة الأَصنام.
(غِلاظٌ شِدَادٌ): أَي: غلاظ الأَقوال شداد الأَفعال أَو الخَلق والخُلُق.
(تَوْبَةً نَصُوحًا): بمعنى بالغة الغاية في النصح وقيل: هي من نصاحة الثوب أَي: خياطته بمعنى أَنها توبة قوية ترفو خروقك في دينك، وترم خللك.
(يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ): يقال: أَخزى الله - تعالى - فلانًا فضحه وقال الراغب: يقال: خزى الرجل لحقه انكسار إِما من نفسه وهو الحياءُ المفرط ومصدره الخزاية وإِما من غيره وهو ضرب من الاستخفاف ومصدره الخزي.
стр. 5114
التفسير
٦ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾:
ينادي الله المؤمنين فيدعوهم إِلى الابتعاد عن نار لا تشبه نيران الدنيا في اتقادها وقسوة أَثرها، بل تربو وتزيد على ذلك حيث إِنها تتقد بالناس والحجارة كما يقول سبحانه: (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) وذلك بأَن تأخذوا أَنفسكم بترك المعاصي وفعل الطاعات وتأخذوا أَهليكم بما تأخذون به أَنفسكم بجعلهم موضع عنايتكم بما تولونهم من نصح وإِرشاد حتى لا تكونوا في أَشد العذاب كما قيل: من أَشد الناس عذابًا يوم القيامة من جهل أَهلة، روي أَن عمر ﵁ قال حين نزلت: يا رسول الله نقي أَنفسنا فكيف لنا بأَهلينا؟ فقال ﵊: "تنهوهن عمَّا نهاكم الله عنه، وتأمروهن بما أَمركم الله به فيكون ذلك وقاية بينهن وبين النار" والمراد بالأَهل كما قيل ما يشمل الزوجة والولد والعبد والأَمة، وأَدخل بعضهم الولد في الأَنفس؛ لأَنه بعض أَبيه واستدل بالآية على أَنه يجب على الرجل تعلم ما يجب من الفرائض وتعليمه لهؤلاءِ ويشير قوله تعالى: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) إِلى أَن أَمر تلك النار يدعو إِلى العجب والاهتمام لأَنها لا تتقد بالحطب كما هو شأن نيران الدنيا وإِنما تتقد بالأَجساد والأَحجار.
قيل: المراد بها الأَصنام التي كانت تعبد من دون الله لقوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) (١). وقال ابن مسعود وغيره: هي حجارة من كبريت زاد مجاهد أَنتن من الجيفة، ونقل عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لصخرة من صخر جهنم أَعظم من جبال الدنيا كلها" وقد أُمر المؤمنون باتقائها؛ لأَنها معدة للكافرين.
(عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ) أَي: أَنه موكل عليها ملائكة يلون أَمرها وتعذيب أَهلها.
قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله، وفي أَجسامهم غلظة وشدة (لا يَعْصُونَ اللَّهَ
стр. 5115
مَا أَمَرَهُمْ) بمعنى أَنهم لا يمتنعون من الأَمر، ويلتزمونه (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) فيؤدونه، ويبادرون إِليه من غير تثاقل فيه ولا توان عنه طرفة عين، وهم قادرون على فعله في شدة وقوة وهؤلاءِ هم الزبانية، والجملتان ليستا في معنى واحد، إِذ الأولى: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) لنفي المعاندة والاستكبار عنهم، والثانية (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) لنفي الكسل والتثاقل عنهم وأَنهم يفعلون الأَمر في وقته فلا يقدمون ولا يؤخرون وعلى ذلك فلا تكرار.
وفي المحصول المعنى لا يعصون الله فيما مضى والإِتيان بالمضارع لحكاية الحال الماضية، ويفعلون ما يؤمرون في الآتي.
٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾:
أَي: يقال لهم ذلك عند إِدخال الملائكة إِيَّاهم النار حسبما أُمروا به من الله تعالى ويراد من اليوم، اليوم المعهود وهو يوم الجزاء، ونهيهم عن الاعتذار؛ لأَنهم لا عذر لهم أَو لأَن العذر منهم يذهب سدي ولا ينفعهم إِذ ذاك، يوم لا ينفع المرءَ حينئذ إِلا ما قدمت يداه.
وهذا النهي لإِدخال اليأْس في قلوبهم (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) أَي: تجزون وتعاقبون على الكفر والمعاصي التي اقترفتموها في الدنيا بعد ما نهيتم عنها نهيًا شديدا زاجرا وأُمرتم بالإِيمان والطاعة أَمرًا كاملًا فلم تنتفعوا بترك ما حذرتم منه وفعل ما وجهتم إِليه، بل استمرأتم الضلال، وتمسكتم بالعصيان.
٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾:
أَي: توبوا معشر الذين انقادت قلوبهم إِلى توبة بالغة الغاية في النصح وقد وصفت التوبة بذلك على المجاز؛ لأَن النصح وصف التائبين، وهو أَن ينصحوا أَنفسهم بالتوبة، فيأتوا بها على طريقها المرسوم، وذلك بأَن يتوبوا عن القبائح لقبحها نادمين على فعلها مغتمين أَشد الاغتمام لارتكابها عازمين على أَنهم لا يعودون إِليها، موطنين أَنفسهم على ذلك