← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

قال ابن عباس ﵄ أَراد بصالح المؤمنين أَبا بكر وعمر ﵄ وبه قال عكرمة ومقاتل وهو اللائق بتوسطه بين جبريل والملائكة ﵈ وقيل: أريد به من بريء من النفاق، وقيل الصحابة، (وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) بمعنى أَن الملائكة على كثرة عددهم، وامتلاء السماءِ بهم فوج مظاهر بعد ذلك له قدره وشأَنه ما فيهم جبريل ﵇ وإِن كانت نصرتهم من نصرة الله فيما يبلغ تظاهر امرأَتين على من هؤُلاءِ ظهراؤُه وأَعظم جل جلالة شأن النصرة لرسوله ﷺ على هاتين الضعيفتين إِما للإِشارة إِلى عظم مكر النساءِ، أَو للمبالغة في قطع حبال طمعها لعظم مكانتها عند النبي وعند المؤمنين لأُمومتهما لهم، وكرامة له ﷺ ورعاية لأَبويهما في أَن تظاهر هما يجديهما نفعًا، فكأَنه قبل: فإِن تظاهرا عليه فلا يضره ذلك فإِن الله تعالى هو مولاه وناصره في أَمر دينه وسائر شئونه على كل من يتصدى لما يكرهه (وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ) مظاهِرُون له ومعينون إِياه كذلك. ٥ - ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾: أَي: إِن تحقق طلاقكن فحق وواجب أَن يبدل الله رسوله أَزواجًا خيرًا منكن، والخطاب لهن جميعًا على سبيل الالتفات، وأَصله لاثنتين، ولكنه ورد عاما: لأَنهن في منزل الوحي أَو على التغليب أَو لاجتماعهن في الغيرة عليه ﷺ لما أَخرجه البخاري عن أَنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه فقلت: عسى ربه إِن طلقهن أَن يبدله خيرًا منهن فنزلت هذه الآية وفق قول عمر. وكون المبدلات خيرًا منهن مع أَن أُمهات المؤمنين خير نساء على وجه الأَرض؛ لأَنه إِن طلقهن لإِيذانهن إِياه لم يبقين كذلك، وكان غيرهن من الموصوفات في الآية بالصفات الكاملة خَيْرًا منهن إِن تزوجهن الرسول، وهذا وعد من الله لرسوله لو طلقهن في الدنيا أَن يزوجه نساءً خيرًا منهن تخويفًا لهن كما في القرطبي.

стр. 5112

وليس في الآية ما يدل على أَنه لم يطلق حفصة ولا ما يدل على أَن في النساءِ خيرا منهن فإِن تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة، والمعلق بما لم يقع لا يجب وقوعه. وقد روي أَنه ﷺ طلق حفصة فغلب ما لم يقع من الطلاق على الواقع. وقد وصف الله هؤلاءِ الزوجات اللاتي سيبدل رسوله ﷺ بهن فقال: (مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ) مقرات مخلصات أَو منقادات مصدقات (قَانِتَاتٍ) مواظبات على الطاعة - أَو مصليات (تَائِبَاتٍ) مقلعات عن الذنب (عَابِدَاتٍ) متذللات لأَمر الرسول ﷺ متعبدات (سَائِحَاتٍ) صائِمَاتٍ. سمي الصائم سائحا؛ لأَنه يسبح في النهار بلا زاد، وإِنما يأكل حيث يجد الطعام أَو مهاجرات قال ابن زيد: ليس في الإسلام سياحة إِلاَّ الهجرة، قيل: ذاهبات في طاعة الله كل مذهب (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) والثيبات جمع ثيب وهي التي زالت عذرتها وسميت بذلك؛ لأَنها ترجع إِلى الزوج بعد زوال عذرتها. والأَبكار جمع بكر وهي التي لم تفتض ووسط العاطف بينهما لتنافيهما ولو سقط لاختل المعنى. إِن الثيوبة والبكارة لا يجتمعان، وترك العطف في الصفات السابقة؛ لأَنها صفات تجتمع في شخص واحد، وبينهما شدة اتصال يقتضي ترك العطف. وذُكِرَ الجنسان؛ لأَن في أَزواجه ﷺ من تزوجها ثيبا، وفيهن من تزوجها بكرا وجاءَ أَنه لم يتزوج بكرا إِلا السيدة عائشة ﵂.

стр. 5113

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾ المفردات: (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ): وقاية النفس بترك المعاصي، ولزوم الطاعات ووقاية الأَهل بحملهم على ذلك بالنصح والتوجيه، ويراد بالحجارة الأَصنام. (غِلاظٌ شِدَادٌ): أَي: غلاظ الأَقوال شداد الأَفعال أَو الخَلق والخُلُق. (تَوْبَةً نَصُوحًا): بمعنى بالغة الغاية في النصح وقيل: هي من نصاحة الثوب أَي: خياطته بمعنى أَنها توبة قوية ترفو خروقك في دينك، وترم خللك. (يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ): يقال: أَخزى الله - تعالى - فلانًا فضحه وقال الراغب: يقال: خزى الرجل لحقه انكسار إِما من نفسه وهو الحياءُ المفرط ومصدره الخزاية وإِما من غيره وهو ضرب من الاستخفاف ومصدره الخزي.

стр. 5114

التفسير ٦ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾: ينادي الله المؤمنين فيدعوهم إِلى الابتعاد عن نار لا تشبه نيران الدنيا في اتقادها وقسوة أَثرها، بل تربو وتزيد على ذلك حيث إِنها تتقد بالناس والحجارة كما يقول سبحانه: (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) وذلك بأَن تأخذوا أَنفسكم بترك المعاصي وفعل الطاعات وتأخذوا أَهليكم بما تأخذون به أَنفسكم بجعلهم موضع عنايتكم بما تولونهم من نصح وإِرشاد حتى لا تكونوا في أَشد العذاب كما قيل: من أَشد الناس عذابًا يوم القيامة من جهل أَهلة، روي أَن عمر ﵁ قال حين نزلت: يا رسول الله نقي أَنفسنا فكيف لنا بأَهلينا؟ فقال ﵊: "تنهوهن عمَّا نهاكم الله عنه، وتأمروهن بما أَمركم الله به فيكون ذلك وقاية بينهن وبين النار" والمراد بالأَهل كما قيل ما يشمل الزوجة والولد والعبد والأَمة، وأَدخل بعضهم الولد في الأَنفس؛ لأَنه بعض أَبيه واستدل بالآية على أَنه يجب على الرجل تعلم ما يجب من الفرائض وتعليمه لهؤلاءِ ويشير قوله تعالى: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) إِلى أَن أَمر تلك النار يدعو إِلى العجب والاهتمام لأَنها لا تتقد بالحطب كما هو شأن نيران الدنيا وإِنما تتقد بالأَجساد والأَحجار. قيل: المراد بها الأَصنام التي كانت تعبد من دون الله لقوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) (١). وقال ابن مسعود وغيره: هي حجارة من كبريت زاد مجاهد أَنتن من الجيفة، ونقل عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لصخرة من صخر جهنم أَعظم من جبال الدنيا كلها" وقد أُمر المؤمنون باتقائها؛ لأَنها معدة للكافرين. (عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ) أَي: أَنه موكل عليها ملائكة يلون أَمرها وتعذيب أَهلها. قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله، وفي أَجسامهم غلظة وشدة (لا يَعْصُونَ اللَّهَ

стр. 5115

مَا أَمَرَهُمْ) بمعنى أَنهم لا يمتنعون من الأَمر، ويلتزمونه (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) فيؤدونه، ويبادرون إِليه من غير تثاقل فيه ولا توان عنه طرفة عين، وهم قادرون على فعله في شدة وقوة وهؤلاءِ هم الزبانية، والجملتان ليستا في معنى واحد، إِذ الأولى: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) لنفي المعاندة والاستكبار عنهم، والثانية (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) لنفي الكسل والتثاقل عنهم وأَنهم يفعلون الأَمر في وقته فلا يقدمون ولا يؤخرون وعلى ذلك فلا تكرار. وفي المحصول المعنى لا يعصون الله فيما مضى والإِتيان بالمضارع لحكاية الحال الماضية، ويفعلون ما يؤمرون في الآتي. ٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾: أَي: يقال لهم ذلك عند إِدخال الملائكة إِيَّاهم النار حسبما أُمروا به من الله تعالى ويراد من اليوم، اليوم المعهود وهو يوم الجزاء، ونهيهم عن الاعتذار؛ لأَنهم لا عذر لهم أَو لأَن العذر منهم يذهب سدي ولا ينفعهم إِذ ذاك، يوم لا ينفع المرءَ حينئذ إِلا ما قدمت يداه. وهذا النهي لإِدخال اليأْس في قلوبهم (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) أَي: تجزون وتعاقبون على الكفر والمعاصي التي اقترفتموها في الدنيا بعد ما نهيتم عنها نهيًا شديدا زاجرا وأُمرتم بالإِيمان والطاعة أَمرًا كاملًا فلم تنتفعوا بترك ما حذرتم منه وفعل ما وجهتم إِليه، بل استمرأتم الضلال، وتمسكتم بالعصيان. ٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾: أَي: توبوا معشر الذين انقادت قلوبهم إِلى توبة بالغة الغاية في النصح وقد وصفت التوبة بذلك على المجاز؛ لأَن النصح وصف التائبين، وهو أَن ينصحوا أَنفسهم بالتوبة، فيأتوا بها على طريقها المرسوم، وذلك بأَن يتوبوا عن القبائح لقبحها نادمين على فعلها مغتمين أَشد الاغتمام لارتكابها عازمين على أَنهم لا يعودون إِليها، موطنين أَنفسهم على ذلك

стр. 5116

بحيث لا يصرفهم عنه صارف أَصلًا، ويؤيد ذلك ما أَخرجه ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال معاذ بن جبل: يا رسول الله ما التوبة النصوح؟ قال: (أَن يندم على الذنب الذي أَصاب فيعتذر إِلى الله تعالى ثم لا يعود إِليه كما لا يعود اللبن إِلى الضرع). وروى تفسيرها بما ذكر عن عمر وابن مسعود وأُبيّ والحسن وغيرهم، وعن عمرو بن العلاء قال: سمعت الحسن يقول: التوبة النصوح أَن تبغض الذنب كما أَحببته، وتستغفر منه إِذا ذكرته. وقال الإِمام النووي: التوبة ما استجمعت ثلاثة أُمور: أَن يقلع عن المعصية، وأَن يندم على فعلها، وأَن يعزم عزمًا جازما أَلا يعود إِلى مثلها أَبدا، فإن كانت المعصية تتعلق بآدمي لزم أَمر رابع وهو رد الظلامة إِلى صاحبها أَو وارثه أَو تحصيل البراءَة منه، وركنها الأَعظم الندم، وعلامة الندم طول الحسرة والخوف، وانسكاب الدمع. وفي شرح المقاصد قالوا: إِن كانت المعصية في خالص حق الله تعالى فقد يكفرها الندم كما في ارتكاب الفرار من الزحف، وترك الأَمر بالمعروف، وقد تفتقر إِلى أَمر زائد كتسليم النفس للحد في الشرب وتسليم ما وجب في ترك الزكاة، ومثله في ترك الصلاة. وظاهر الأَخبار قبول التوبة ما لم تظهر علامات الموت، ويتحقق أمره عادة، ومقتضى كلام النووي والمازني وغيرهما وجوبها عند التلبس بالمعصية ولا يجوز تأخيرها سواءٌ أَكانت صغيرة أَم كبيرة. وقيل: المراد توبوا إِلى الله توبة ترفو خروقك في دينك، وترم خللك من نصاحة الثوب أَي: خياطته، وقيل: توبة خالصة من الذنوب من قولهم: عسل ناصح إِذا خلص من الشمع. ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: قيل: إِن المراد أنه سبحانه بفعل ذلك على التحقيق، ووروده بتلك الصيغة للإِطماع جريا على سنن الملوك من الإِجابة بعسى ولعل ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت، وللإِشعار بأَن تكفير الذنوب تفضُّل والتوبة غير موجبة، وأَن العبد ينبغي أَن يكون في خوف ورجاءٍ وإِن بالغ في وظائف العبادة.

стр. 5117

وقبول توبة غير الكافر مسأَلة خلافية بين المعتزلة القائلين: بأَنه يجب على الله قبولها عقلًا، وبين إِمام الحرمين والقاضي أَبي بكر حيث يقولان: بأَنه يجب اعتقاد قبولها سمعا ووعدا لكن بدليل ظني إِذ لم يثبت في ذلك نص قاطع في غفران ذنوب المسلم بالتوبة لا يقبل التأويل والدليل الظني كقوله تعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (١)، وأَما حديث التوبة تجبُّ ما قبلها فليس بمتواتر، وقيل غير ذلك، والتفصيل تكفل به علم الكلام. وأَما توبة الكافر فالإِجماع على قبولها قطعا بالسمع لوجود النص كقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (٢) ولأَنه إِذا قطع بقبول توبة الكافر كان ذلك فتحا لباب الإِيمان، وسوقًا إِليه، وإِذا لم يقطع بتوبة المؤمن كان ذلك سدًّا لباب العصيان ومنعا منه. وبالتوبة النصوح يدخلكم الله - جل شأنه - جنات تجري من تحت قصورها وبين أَشجارها أَنهار تجد فيها النفس ما تهواه وما تشتهيه وذلك (يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ). والمراد بنفي الإِخزاء إِثبات الكرامة والعز، وفيه تعريض بمن أَخزاهم الله من أَهل الكفر والفسوق، وحث للمؤمنين على مضاعفة الحمد والثناءِ على الله حيث عصمهم من مثل حال الكفار، ويقصد بالإِيمان نوره الكامل على ما ذكره الخفاجي (نُورُهُم سْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم) جملة مستأنفة لبيان حال المؤمنين عند مرورهم على الصراط. قال الضحاك: ما من أَحد إِلاَّ يُعطى نورا يوم القيامة، فإِذا انتهوا إِلى الصراط طفيء نور المنافقين، فلما رأَى ذلك المؤمنون أَشفقوا أَن يطفأ نورهم كما طفيءَ نور المنافقين فقالوا: (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا)، وكون هذا القول يقوله المؤمنون إِذا طفيءَ نور المنافقين نقل أَيضا عن مجاهد وابن عباس وغيرهما، وعن الحسن أَنهم يقولون ذلك تقربا إِلى الله مع تمام نورهم، وقيل: تتفاوت أَنوارهم بحسب أَعمالهم فيسأَلون إِتمامها تفضلًا، وقيل: السابقون إِلى الجنة

стр. 5118

يمرون مثل البرق على الصراط وبعضهم كالريح، وبعضهم حبوا وزحفا وأُولئك هم الذين يقولون: (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا). (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أَي: إِنك البالغ القدرة على كُل شيءٍ من المغفرة والعذاب، والرحمة والعقاب واستجابة الدعاء وتحقيق الرجاء. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾ المفردات: (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ): من الغلظة وهي الشدة أَي: واستعمل الشدة والخشونة مع الفريقين في جهادهما. (وَمَأوَاهُمْ جَهَنَّمُ): المأوى المسكن أَي: ومسكنهم جهنم. (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ): جهنم أَو مأواهم. التفسير ٩ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾: المعنى: جاهد أَيها النبي الكفار بالقتال، والمنافقين بالحجة وإِقامة الحدود، واستعمل مع الفريقين الشدة والخشونة فيما تجاهدهما به من القتال والمحاجة، وعن الحسن أَكثر ما كان يصيب الحدود في ذلك الزمان من صيغ المنافقين، فأَمر ﵊ أَن يغلظ عليهم في إِقامة الحدود.

стр. 5119

(وَمَأوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ): بمعنى أَن مسكنهم الذي يرجعون إِليه في الآخرة جهنم التي سيذوقون فيها أَشد العذاب، وأَقساه، وقبح ذلك المسكن الذي كبكبوا فيه هم والغاوون لما اشتمل عليه من شدائد وأَهوال تجعل الوالدن شيبا. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ المفردات: (فَخَانَتَاهُمَا): من الخيانة وهي مخالفة الحق نقضا للعهد بما صدر عنهما من كفر وعصيان، ونقيضها الأَمانة. ولا تفسر الخيانة بالفجور لما يأتي في الشرح. (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا): أَي: من عذابه شيئا من الإِغناءِ. (ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ): أَي: مع سائر الداخلين الذين لا صلة لهم بالأَنبياء. (أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا): أَي صانته عن دنس المعصية.

стр. 5120

التفسير ١٠ - ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾: ضرب المثل في مثل هذا عبارة عن إيراد حالة غريبة لتُعرف بها حالة أُخرى مشاكلة لها في الغرابة. والمعنى: مثَّل الله حال الكافرين في أَنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين بلا محاباة، ولا يجديهم نفعًا مع عداوتهم لهم، ما كان بينهم من المنسب والمصاهرة، وإِن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبيًّا. مثل الله ذلك بحال امرأَة لوط حالًا ومآلًا (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ) أَي: في عصمة نبيين عظيمي الشأن رفيعي القدر عندهما ليلًا ونهارًا يواكلَانهما ويعاشرانهما متمكنين من تحصيل خيري الدنيا والآخرة، وحيازة سعادتهما (فَخَانَتَاهُمَا) بما صدر عنهما من كفر وعصيان مع تحقيق ما ينافيهما من مرافقة كلتيهما لنبي كريم، أَما خيانة امرأَة نوح فكانت تقول للناس عنه: إِنه مجنون، وأَما خيانة امرأَة لوط فكانت تدل على ضيف زوجها إِذا نزل به. رُوي ذلك عن جمع وصححه الحاكم عن ابن عباس. وأَخرج ابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن الضحاك أَنه قال: خيانتهما النميمة، وتمامه في رواية أُخرى كانتا إِذا أَوحى الله تعالى بشيءٍ أَفشتاه للمشركين. ولا تفسر الخيانة بالفجور لما أَخرج غير واحد عن ابن عباس ما زنت امرأَة نبي قط ورفعه أَشرس إِلى النبي ﷺ قال صاحب الكشاف: لا يجوز أَن يراد بالخيانة الفجور؛ لأَنه سمج في الطبع نقيصة عند كل أَحد. وفي هذا تصوير لحال المرأَتين المماثلة لحال الكفرة في خيانتهم لرسول الله ﷺ بالكفر والعصيان مع تمكنهم التام من الإِيمان والطاعة. وقوله تعالى (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا) بيان لما أَدى إِليه خيانتهما أَي: فلم يغن الرسولان الكريمان عن المرأَتين بحق ما بينهما وبينهما من صلة الزواج إِغناءً مَا من عذاب

стр. 5121

الله لكفرهما بالرسولين وإِفشاءِ أَسرارهما، وقيل لهما عند موتهما أَو يوم القيامَة: ادخلا النار مع سائر الداخلين الذين لا صلة بينهم وبين الأَنبياء أَو مع داخليها من إِخوانكما من قوم نوح وقوم لوط. ١١ - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾: المعنى: مثَّل الله حال المؤمنين في أَن وصلة الكفار لا تضرهم، ولا تنقص شيئًا من أجورهم وزلفاهم عند الله؛ بحال مرأَة فرعون، منزلتها العظيمة، ومكانتها الرفيعة عند الله ولم ينقضها أَنها كانت تحت أَعدى أَعداءِ الله وذلك (إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) أَي: قريبًا من رحمتك: لأَنه تعالى منزه عن المكان، وجوز أَن يكون المراد بعندك أعلى درجات المقربين؛ لأَن ما عند الله خير لإِرادة القرب من العرش، قالت ذلك وهي تعذب بالأَوتاد الأَربعة. أَخرج أَبو يعلى والبيقهي بسند صحيح عن أَبي هريرة أَن فرعون أَوتد لإمرأَته أَربعة أَوتاد في يديها ورجليها. فكانت إِذا تفرقوا عنها أَظلتها الملائكة ﵈ فقالت (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ). وفي رواية عبد بن حميد عن أَبي هريرة عنه أَنه قال: إِنه وتد لها أَربعة أَوتاد وأَضجعها على ظهرها وجعل على صدرها رحى، واستقبل بها عين الشمس فرفعت رأسها إِلى السماءِ فقالت: (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ). روى أَنها لَمَّا قالت ذلك رأَيت بيتها في الجنة درة، وانتزعت روحها، وهي آسية بنت مزاحم آمنت بموسى ﵇. (وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ): أَي: من نفسه الخبيثة؛ لأَنه بجوهره عذاب ودمار يطلب الخلاص منه ثم طلبت ثانيًا النجاة من عمله تنبيهًا على أَنه الطامة الكبرى فهو الكفر،

стр. 5122

والظلم والتعذيب، وغير ذلك من القبائح (وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) من القبط كلهم فهم تابعون له في الظلم قاله مقاتل وهم أَهل مصر إِذ ذاك. ١٢ - ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾: عطف قوله - سبحانه -: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ) على امرأَة فرعون أَي: ضرب الله مثلًا للذين آمنوا حالها وما أُوتيت من كرامة الدنيا والآخرة، والاصطفاءِ على نساءِ عالمي زمانها مع أَن أَكثر قومها كانوا كافرين، وجمع في التمثيل بين من لها زوج ومن لا زوج لها تسلية للأَرامل وتطبيقًا لقلوبهن كما قيل وهي من أَعقاب هارون أَخي موسى ﵉ وقد صانت فرجها وحفظته من الرجال أَو من دنس المعصية (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) المخلوقة لنا بلا توسط أَصل، والنافخ جبريل ﵇ وإِسناده إِليه - تعالى - على المجاز أَو على حذف مضاف بمعنى فنفخ رسولنا فيه أَي في الفرج. والذي اشتهر بين العلماءِ أَن جبريل نفخ في جيبها (١) فوصل أَثر ذلك إِلى فرجها فحملت بعيسى ﵇، وقد روي عن قتادة وقال الفراءُ: ذكر المفسرون أَن الفرج جيب درعها (٢) وهو محتمل لأَن الفرج في اللغة فرجة بين الشيئين، وموضع جيب درع المرأَة مشقوق فهو فرج، وهذا أَبلغ في مدحها والثناءِ عليها؛ لأَنها إِن منعت جيب درعها فهي للنفس أَمنع وفي ذلك من الوصف بالعفة ما فيه وفي مجمع البيان عن الفراءِ أَنها منعت جيب درعها عن جبريل ﵇ لَمَّا تمثل لها بشرًا سويًّا وكان ذلك على ما قيل: قولها: (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا) (٣). (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ): أَي: آمنت بصحفه المنزلة على إِدريس وغيره، أَو بما أَوحي منها إلى أَنبيائه، وسماها كلمات لقصرها وصدقت كذلك بجميع كتبه والمراد بما ما عدا الصحف مما فيه طول أَو يراد بها جميع ما كتب ممَّا يشمل اللوح وغيره، وكما قيل

стр. 5123

يجوز أَن يراد بالكلمات وعده - تعالى - ووعيده أَو ذلك وأمره ونهيه إِلى غير ذلك من أَقوال. (وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ). من عدا المواظبين على الطاعة المؤثرين لها، والتذكير على التغليب حيث لم يقل من القانتات، والإِشعار بأَن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال حتى عدت من جملتهم وهذا أَبلغ من التأنيث، وجوز أَن يكون المعنى وكانت من نسل القانتين لأَنها من سلالة هارون أَخي موسى ﵉ (وعليه تكون مِنْ لابتداءِ الغاية لا للتبعيض) ومدحها بذلك لما أَن الغالب أَن الفرع يتبع أَصله، وهي على ما في بعض الأَخبار سيدة النساء ومن أَكملهن. روي أَحمد في مسنده سيدة نساءِ أَهل الجنة مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية ثم عائشة، وفي الصحيح كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساءِ إِلاَّ أَربع: آسية بنت مزاحم امرأَة فرعون، ومريم ابنه عمران، وخديجة بنت خلويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ وفضل عائشة على النساءِ كفضل الثريد على سائر الطعام، وهي حَرِيَّة بمزيد من الفضل. وحسبك أَنها عقلت من النبي ﷺ ما لم يعقل غيرها من النساء، وروت عنه ما لم يرو مثلها أَحد من الرجال. ثم لا يخفى أَن فاطمة ﵂ وهي بضعة من الرسول ﷺ لا يعدلها في الفضل أَحد.

стр. 5124

سورة الملك مكية وآياتها ثلاثون آية مقاصدها: تتضمن هذه السورة تنزيه الله الذي في قدرته الملك وهو على كل شيءٍ قدير، كما تصفه بأنه - سبحانه - خلق الموت والحياة ليختبرهم ويجزيهم على أَعمالهم، إِن خيرًا فخير وإِن شرًّا فشر، وتصفه بأَنه خلق سبع سموات طباقًا لا عيب فيها، وأَنه زين السماءَ الأُولى بمصابيح وهي النجوم، وتوعدت السورة الذين كفروا بربهم بعذاب جهنم، وتصف حالهم فيها واعترافهم بخطئهم في الكفر، وتعقب ذلك ببيان حسن المصير للمتقين، وأَنه - تعالى - يعلم أَعمال عباده خفية كانت أَو علنية، وأَنه ذلَّل الأَرض ومدَّها لكي تتيسر لهم الأَرزاق يسيرهم فيها طلبًا للرزق، وحذرت الكفار من أَن يخسف الله بهم الأَرض، أَو يرسل عليهم ريحًا ترميهم بالحصباءِ، ووجهت نظرهم إِلى أَنه - تعالى - سَهَّل للطير أَسباب الطيران في الجو، ولولا ذلك ما استطاعت، وأَنه تعالى لو أَمسك رزقه عن الناس فلا رازق لهم سواه، وبينت أَنه - سبحانه - خلقهم ومنَّ عليهم بالسمع والأَبصار والقلوب، وأَنه خلقهم في الأَرض وإِليه البعث والنشور بعد الموت، وبينت أَن الكفار يسأَلون رسولهم عن موعد هذا البعث وأَنه - تعالى - أَمر رسوله بإِبلاغهم أَن علم ذلك عند الله وحده، وذكرت أَنه لو أَهلك النبي ومن معه كما تمني الكفار، أَو رحِمهم بالإِبقاءِ فمن الذي يجير الكافرين من عذاب أَليم ينتظرهم يوم القيامة لكفرهم، وبينت أَنه - سبحانه هو الرحمن لمن آمن به، وهو الذي يجيرهم من عذاب أليم، وأَن الماءَ لو أَذهبه الله من الآبار فمن الذي يأتيهم بماء معين سواه، ومن كان هذا شأنه في ملكه فلا بد من الإِيمان به. صلة هذه السورة بما قلبها: لما ضرب الله مثلا للكفار في آخر السورة التي قبلها بامرأَة نوح وامرأَة لوط الكافرتين، وأَنه لم يشفع لهما كونهما زوجتيين لرسولين، وضرب مثلا للمؤْمنين بآسية امرأَة فرعون،

стр. 5125

ومريم ابنة عمران، ولم يضر الأُولى كفر زوجها، كما لم يضر الثانية كون أَكثر قومها كفارًا، افتتح هذه السورة بما يدل على تصرفه الكامل في ملكه فقال - سبحانه: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) إلي غير ذلك من الأُمور المشتركة بينهما. أسماء السورة وفضلها: جاءَ في تعدد أَسمائها أَحاديث يؤْخذ منها أَنها تسمى "تبارك" و"المانعة" و"المنجية"و "المجادلة" كما تسمى سورة "الملك"، وقد ذكر هذه الأَحاديث الآلوسي في مستهل كلامه عنها، ولم نذكرها تجنبًا للإِطالة. وقد جاءَ في فضلها حديث أَخرجه الإِمام أَحمد وأَبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، وغيرهم عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "إِن سورة من كتاب الله ما هي إِلا ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ). وفي حديث رواه الطبراني، وابن مردويه بسند جيد عن ابن مسعود "مَنْ قرأَها في ليلة فقد أَكثر وأَطيب". إِلى غير ذلك من الأحاديث.

стр. 5126

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ المفردات: (تَبَارَكَ): تعالى وتقدس. (بِيَدِهِ الْمُلْكُ): تحت قدرته وطوع أَمره ملك السموات السموات والأَرض. (لِيَبْلُوَكُمْ): ليختبركم. (سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا): بعضها فوق بعض، جمع طبق أَو طبقة. (فُطُورٍ): شقوق وخروق. (كَرَّتَيْنِ): أَي: رجعة بعد أُخرى، فالمراد من الرجعتين التكرار بكثرة. (خَاسِئًا): صاغرًا متباعدًا عن أَن يرى شيئًا من ذلك. (وَهُوَ حَسِيرٌ): حسير بمعنى حاسِر، وهو من الحسور بمعنى الإِعياءِ والتعب.

стр. 5127

التفسير ١ - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾: أَي: تعالى الله الذي تحت قدرته وطوع مشيئته ملك السموات والأَرض، يدبره ويزيد فيه بحكمته وتعاظم عن كل ما سواه في ذاته وفي صفاته وفي أَفعاله، وتقدس وتنزه عن الشريك والنظر في إِبداع هذا الملك العظيم، فكل ما سوى الله مخلوق له - جل وعلا -، وهو على كل شيءٍ لم يوجد من الممكنات عظيم القدرة على إِيجاده وتحقيقه (١). ٢ - ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾: هذه الآية استئناف لتفصيل بعض أَحكام الملك وآثار القدرة، وبيان ابتنائهما على قوانين الحِكَم واستتباعهما لغايات جليلة. والموصول هنا (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) بدل من الموصول السابق (الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ)، وصلته كصلته في الشهادة بتعالية . وجوز الطبرسي كونه خبرًا لمبتدأ محذوف، أَي: هو الذي. وبين الله - تعالى - الحكمة في خلقهما بقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) أَي: ليعاملكم معاملة المختبر ليظهر أَيكم أَصواب عملًا وأَخلصه، فيجازيكم بمراتب مختلفة من الجزاءِ حسب تفاوت أَعمالكم، وهو عليم أَزلا بما سوف يحصل منكم باختياركم: والمراد من العمل ما يشمل عمل القلب والجوارح، ولذا قال ﷺ في الآية: (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) وأَورعكم عن محارم لله - تعالى - وأَسرع في طاعة الله . وعلق عليه الآلوسي بقوله: أَي: أَيكم أَتم فهما لما يصدر عن جنات الله - تعالى - وأَكمل لما يؤخذ من خطابه - سبحانه -. وأَجيب بأَن المقصد الأَصلي للابتلاءِ هو ظهور كمال إِحسان المحسنين مع تحقيق أَصل الإِيمان والطاعة في الباقين أَيضًا -، لكمال تعاضد الموجبات له، وأَما العمل القبيح فبِمعْزل

стр. 5128

عن الاندماج تحت الوقوع، فضلًا عن الانتظام في سلك الغاية أَو الغَرضِ - عند من يراه لأَفعال الله وإِنما هو عمل يصدر عن عامله لسوءِ اختياره من غير مصحح له، وفيه من الترغيب في الترقي إِلى معارج إِلى العلوم ومدارك الطاعات ما لا يخفى. انتهى من الآلوسي بتصرف يسير. وختم الله بقوله: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ): أَي: الغالب الذي لا يعجزه عقاب من أَساء، الغفور لمن أَساءَ منهم أَو تاب. ٣ - ﴿الَّذِي (١) خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾: كل ما علاك سماء، من السمو بمعنى الرفعة، ولهذا يطلق لفظ السماءِ على الغلاف الجوي الأَزرق الذي يعلو الأَرض، ويحيط بها، ويطلق أَيضًا على السحب الممطرة أو غيرها، بل يطلق على المطر نفسه مجازًا، لأنه نزل من السماء بمعنى السحاب، يقول بعض العرب: ما زلنا نطأُ السماءَ حتى أَتيناكم، أَي نطأ المطر الذي فوق الأَرض، وكذلك يطلق على النجوم والكواكب لارتفاعها. والمراد من السموات السبع غير هذا كله فهي من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، وهي التي عرج بالنبي ﷺ إِليها. ولا سبيل إِلى أَن يراد منها النجوم والكواكب، لأَنها زينة للسماءِ الدنيا - أَي: الأُولى - لقوله تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) (٢) وقوله: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) (٣). ولا شك أَن زينة الشيءِ غير هذا الشيءِ، فمثلا زينة الفتاة غير الفتاة نفسها، والله - تعالى - يقول في سورة الكهف الآية ٧: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا) فالأَشجار والزروع والجبال ونحوها زينة للأَرض وليست هي الأَرض.

стр. 5129

كما أَن النجوم والجبال ليست سبعًا، لا في نفسها ولا في المجرات التي تتبعها، فهي ملايين الملايين التي لا يحصيها إِلاَّ الله - تعالى -، كما أَن عدد المجرات وعدد طبقاتها لا يحصيه إِلاَّ الله - تعالى - وليست سبعًا. وهذه الآية من أَعظم الآيات على تعاليه - سبحانه - فوق كل شيء. والمراد من التفاوت في قوله - سبحانه -: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) (١) المراد منه الاختلاف وعدم التناسب، وفسره السُّدِّي بالعيب، وإِليه يرجع قول من قال: أَي: من تَفَاوُتٍ يورث نقصًا، والفطور هي الشقوق، جمع فَطْرٍ بمعنى شقٍّ يقال: فطره فانفطر أَي: شقه فانشق، والمراد نفي الجلل والعيب في خلقها، والخطاب في الآية لكل من يصلح له من المكلفين. والمعنى الإِجمالي للآية: الذي خلق سبع سموات بعضها فوق بعض طباقًا، ما ترى فيها أَيها الناظر من عيب أَو اختلاف في درجات الإِتقان والإِبداع، فإِن كنت في شك من ذلك فردِّدْ طرفك في نواحيها وقلبه في أَرجائها فانظر هل ترى في خلق الرحمن من عيوب؟ والتعبير بلفظ (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) بدلًا من أَن يقال: مَا تَرَى فيِ خَلْقِ القادر، للإِيذان بأَنه - تعالى - خلقها بقدرته رحمة بعباده. ٤ - ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾: أَي: ثم ردِّد البصر وقلبه في أَرجاءِ السماءِ، يرجع إِليك بصرك بعدهما بالصغار وعدم إِصابة الغرض من رؤْية خلل أو عيب فيها، كأَنما طردته السماءُ عن أَن يعود إِلى البحث عن عيب فيها، من خسأَ الكلب أَي: طرده. وفسر بعض اللغويين لفظ (خَاسِئًا) بـ "متحيرًا".

стр. 5130

وليس المقصود من الكرتين المرتين فقط، بل المراد منه كثرة التكرير، أَي: رجعات كثيرة بعضها في إِثر بعض، كما قالوا في لبيك وسعديك: أَي إِجابات كثيرة لك يا الله لدعوتك إِيانا للحج إِلى بيتك المحرم، ومن تفسير المثنى بالكثير قول الشاعر: لو عُدَّ قَبرٌ وقبرٌ كان أَكرمَهُم … بيتًا وأَبعدهم عن منزل الذَّامِ لأَنه يريد: عُدَّت قبور كثيرة. ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧)﴾ المفردات: (السَّمَاءَ الدُّنْيَا): السماء القربى منكم وهي الأُولى. (بِمَصَابِيحَ): جمع مصباح وهو السراج، والمراد منها النجوم، سميت بذلك لإِضاءَتها. (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا): رجوما جمع رجْم، وهو مصدر سمي به ما يرجم به، أَي: وجعلنا شهبها التي هي مصدرها. (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ): أَي: وأَعددنا للشياطين أَشد الحريق، يقال: سعرت النار فهي مسعورة وسعيرة أَي: أَوقدتها فهي موقدة.

стр. 5131

التفسير: ٥ - ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾: دلت الآية السابقة على أَن هذه المصابيح زينة للسماءِ الدنيا وليست هي السماء الدنيا كلها تقدم بيانه. وكلها تدور بقدرة الله في الفضاءِ على وجه مخصوص تقتضيه الحكمة، ومجاريها فيه هي أفلاكها، وقد ارتبط بعضها ببعض برباط الجاذبية، ولكل منها حركات حول نفسها وحركات غير ذلك، وهي متفاوتة قربًا وبعدًا تفاوتًا لا حد له، وإن منها ما لا يصل شعاعة إِلينا إِلا بعد عدة سنين، في حين أَن شعاع شمسنا يصل إلينا في ثمان دقائق وثلاث عشرة ثانية، مع أَن بيننا وبينها أَربعة وثلاثين مليونًا من الفراسخ (١) فما أَعظم قدرة الله وحكمته في إِبداع هذا الكون العظيم. وجاءَ في الآية أَن الله تعالى جعل هذه المصابيح رجومًا للشياطين، والرجوم جمع رجم وهو مصدر سمي به ما يرجم به - كما تقدم في بيان المفردات - والمقصود أَنها مصدر رجم الشياطين، للحيلولة بينهم وبين استراق السمع من الملائكة الذين حول الأَرض، وهم يتحدثون في بعض أَمور الغيب التي وكلت إِليهم، ولكن هذه المصابيح لا تترك مدارها، فهي باقية فيه حتى تنفطر السماءُ وتنتشر الكواكب، وتبدل الأَرض غير الأَرض، والسماوات غير السموات، وفي كون الرجم بأَجزاء صغيرة جدًّا من تلك الكواكب وتسمي شهبًا يقول الله - تعالى - في سورة الصافات: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) (٢) وفي سورة الجن: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا

стр. 5132

مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا) (١). والمقصود من السماءِ التي كانوا يقصدونها الجو الذي يعلو الأَرض، فإِنه يسمى سماء لغة، لِسُمُوِّهِ، أَي: لارتفاعه. وقد عرفنا من هاتين الآيتين وغيرهما من الأَحاديث أَن الجن كانوا يسترقون السمع قبل نبوة محمد ﷺ من الملائكة في جو الأَرض، وينقلون ما يسمعون من الغيب إِلى كهان الأَصنام من أَجواف هذه الأَصنام، فيستغله الكهان ويضيفون إِليه ما شاءُوا من الأَكاذيب تقوية لزعامتهم الدينية. وقد دلت الآيتان على أَن السماءَ - أَي: الجو الذي حول الأَرض - ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا وأَن من يستمع الآن يجد له شهابًا يرصده فيقتله، وذلك بعد بعثة النبي ﷺ حتى يسلم الوحي من أَراجيف الشياطين، كما دل عليه قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)) (٢) وكما دلت عليه السنة. وهذه الظاهرة التي وجدوها في حراسة السماءِ جعلتهم يبحثون عن سببها حتى سمعوا النبي ﷺ يقرأُ القرآن، ويدعو إِلى عبادة الله - تعالى - وحده فآمن منهم من آمن، وفي ذلك يقول الله - تعالى - حكاية عن هؤُلاء الجن: (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) (٣). ونزول الشهب المضيئة المحرقة ظاهرة كونية قديمة ناشئة عن انفصال أَجزاء صغيرة من هذه الكواكب وجذب الأَرض لها فتشتغل من سرعة وقوة احتكاكها بالهواءِ، والله - تعالى -

стр. 5133

هو الذي يعلم لماذا كانت تنزل قبل البعثة المحمدية ويعلم مختلف مصادرها، وقيل في معنى الآية: وجعلناها ظنونًا ورجومًا لشياطين الإِنس وهم المنجمون المعتقدون تأثير النجوم في السعادة والشقاوة ونحوهما، ولكن الآلوسي رفض هذا الرأي، ونحن كذلك نرفضه لأَنه مخالف للنصوص الأُخرى التي مرّ ذكرها. وقد ذكر القرطبي ردًّا على ذلك قول محمد بن كعب: والله ما لأَحد من أَهل الأَرض في السماءِ نجم، ولكنهم يتخذون الكهانة سبيلا، ويتخذون الكهانة سبيلا، ويتخذون النجوم عِلَّة، ونقل أَيضا عن قتادة تعليقًا على الآية قوله: خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماءِ، ورجومًا للشياطين وعلامات يهتدى بها في البر والبحر والأَوقات، فمن تأَول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به وتعدى وظلم. وتعقيبًا على ما قاله قتادة نقول: إِن هذه الأُمور الثلاثة مأخوذة من نصوص في القرآن الكريم، ولكنها لا تمنع أَن تكون لها غايات أَعظم غير هذه الأُمور الثلاثة، ولكن الله - تعالى - لم يصرح بها لأَنها من شئون الغيب الذي استأثر الله بالعلم به لأَن البشر ليسوا بحاجة إِلى علمها، ولأَنها فوق مستوى عقولهم. والمعنى الإِجمالي للآية: ولقد زينا السماءَ الأُولى بأَجرام شبه المصابيح في إضاءَتها فتخفف ظلام الليل، وجعلنا المصابيح مصادر للشهب التي يرجم بها الشياطين الذين يحاولون استماع الغيب من الملائكة الذين يوجدون في سماءٍ هي جوّ الأَرض إِذا لا قدرة لهم على الوصول إِلى أَي كوكب من كواكبها، فضلا عن استحالة وصولهم إِلى السماءِ نفسها. وأَعْددْنا لهؤْلاءِ الشياطين ولأَمثالهم في الكفر عذاب النار المشتعلة في الآخرة بعد الإِحراق في الدنيا لمسترقي السمع منهم بالشهب، فإن قيل: إِن الشياطين خلقوا من النَّار فكيف يعذبون بها؟ قلنا: إِن النَّار هي مادة خلقهم، ولكنهم تحولوا إِلى أَجسام أخرى قابلة للاحتراق بها، كما تحول بنو آدم من الطين إِلى أَجسام خالية من الطين. ٦ - ٧ - ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧)﴾:

стр. 5134

أَي: وللكافرين بربهم من الإِنس عذاب جهنم مثل ما للجن من عذاب، وبئس المآل والمرجع لكليهما جهنم، إذا طرح فيها هؤُلاءِ الكافرون، سمعوا لها وهي تغلي وتفور - سمعوا لها - صوتًا منكرًا يشبه في فظاعته ونكره صوت الحمير. وكما يعذب الكافرون بالنَّار يعذب عصاة المؤمنين بها، كما تدل عليه النصوص الواردة بشأنهم في آيات أُخرى، فلا حُجَّةَ للمرجئة في الاستدلال بالآية الأُولى على أَن التعذيب بالنَّار خاص بالكفرة دون عصاة المؤمنين. ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ المفردات: (تَمَيَّزُ (١) مِنْ الْغَيْظِ): تتقطع وينفصل بعضها عن بعض من شدة الغيظ على أَعداءِ الله وفي هذه الجملة استعارة تصريحية أَو مكنية تخييلية، وقيل: إِنه حقيقة، وذلك بأَن يخلق الله فيها إِدراكًا فتغتاظ. (فَوْجٌ): جماعة من الكفار، (خَزَنَتُهَا): حراسها من الملائكة. (نَذِيرٌ): رسول ينذركم. (بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ): نعم قد جاءَنا نبي ينذرنا سوءَ عاقبة الكفر. (فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ): فبعدًا لهم عن رحمة الله.

стр. 5135

التفسير: ٨، ٩ - ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾: استئناف لبيان أَحوال أَهل النَّار بعد بيان حال النَّار نفسها. والمعنى: تكاد جهنم تتقطع من شدة غضبها على الكفار، كلما أُلقي في النَّار جماعة منهم سأَلهم حراسها - وهم مالك وأَعوانه من الملائكةِ - سألوهم - موبخين قائلين: أَلم يأتكم رسول يتلو عليكم آيات الله، وينذركم لقاءَ يومكم هذا؟ أَجابوا معترفين قائلين: نعم قد جاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا فيما جاءَنَا به من الآيات: ما أَنزل الله على بشر من شيءٍ وكما قلنا لهؤُلاءِ الرسل: ما أَنتم في ادعاءِ رسالتكم عن الله إِلا في ضلالٍ وبعد كبير عن الحق والصواب، وجوز الزمخشري أَن يكون هذا من كلام خزنة النَّار للكفار. ١١،١٠ - ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾: هذا اعتراف آخر من أَهل النَّار، وكأَن خزنة النَّار قالوا لهم، أَلم تسمعوا آيات ربكم وتعقلوها؟ فقالوا معترفين: لو كنا نسمع كلام الرسل سماع فهم وتدبر أَو نعقله، ما كنا في أَصحاب النار، أَي: في عدادهم ومن جملتهم، فكلام الرسل كان أَولى بتصديقنا لكونه جاريًا على سُنَّة الحجة، ومبنيًّا على البرهان، فكان هذا اعترافًا من الكفار بذنبهم في الإعراض عن الحق المبين، فبُعْدًا لهم عن رحمة الله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾

стр. 5136

المفردات: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ): عليم بما انطوت عليه الصدور من الخير والشر. (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ): أَلا يعلم الله من خلقه ذاتًا وأَحوالًا. (وَهُوَ اللَّطِيفُ): العالم بالخفيات. (الْخَبِيرُ): العالم بما يكون قبل أَن يكون. التفسير: ١٢ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾: بعد أَن ذكرت الآيات السابقة أَحوال أَهل النَّار من الكفرة، جاءَت هذه الآية لتبشر المتقين بأَن لهم في الآخرة مغفرة وأَجرًا كبيرًا. والمعنى: إِن الذين يخافون عذاب ربهم غائبًا عنهم أَو غائبين عنه لأَنه مستقبل وغيب لا سبيل إِلى رؤْيته، أَو غائبين عن أَعين النَّاس غير مرائين بخشيتهم لربهم، أَو يخشونه بما خفي منهم وهو قلوبهم، لهم مغفرة عظيمة لذنوبهم، وثواب كبير لا حد لكبره. ١٣ - ١٤ - ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾: الخطاب هنا لجميع عباد الله لتعريفهم سعة علمه - تعالى - من غير حدود، وأَنه لا فرق عنده - سبحانه - بين السر والجهر، فهما عنده على سواء. ومعني الآيتين: وأَسروا يا عباد الله قولكم واجعلوه خفيًّا أو اجهروا به وأَعلنوه فإِن الله تعالى بكليهما عليم؛ فهو - سبحانه - واسع العلم بمضمرات جميع الخلائق وأَسرارهم المستكنة في صدورهم لا تفارقها، فكيف تخفى أَعمالكم وأَقوالكم التي يجازيكم عليها. أَلا يعلم ذلك من أَوجد بحكمته جميع الأَشياءِ التي هي من جملتها، والحال أنه تعالى هو العالم بخفايا الأُمور، الخبير بما يستجد منها.

стр. 5137

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ المفردات: (ذَلُولًا): سهلة تستقرون عليها، والذلول: المنقاد الذي يذل ويخضع لك، والمصدر الذُّل وهو اللين والانقياد. (فِي مَنَاكِبِهَا): في جبالها كما قاله ابن عباس، أَو طرقها وفجاجها كما قاله الحسن، قال القرطبي: وأَصل المنكب الجانب، ومنه منكب الرجل، والريح النكباءُ، وتنكب فلان عن فلان - أَي: اجتنبه - والأَمر بالمشي فيها للإرشاد والطلب. التفسير: ١٥ - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾: والمراد من هذه الآية - على تفسير ابن عباس للمناكب - أَنه تعالى جعل الأَرض كلها سهلة السلوك لطلب الرزق سهولًا وجبالا. والمعنى عليه: هو الله وحده الذي جمل الأَرض حين خلقها سهلة منقادة للإِنسان في إِقامته وفي مشيه لطلب الرزق وسواه من الأَغراض، فلا يمتنع عليه شيء فيها حتى جبالها، فقد أَوجد فيها مسالك للمشي فيها، فامشوا في مناكبها وجبالها، وكلوا من رزقه بسعيكم إِليه في إِقامتكم وفي أَسفارهم، وإِليه تعالى رجوعكم بعد بعثكم فبالغوا في شكر نعمه التي منها تذليل الأَرض وتمكينكم منها وبث الرزق فيها، ليحسن ثوابكم على شكركم، وتفسير الآية على رأي الحسن: فامشوا في طرقها وفجاجها … إِلخ.

стр. 5138

﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨)﴾ المفردات: (يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ): يهبطها بكم إِلى أَسفل مما جاورَها. (تَمُورُ): ترتج وتهتزا اهتزازًا شديدًا، وأَصل المور: التردد في المجيءِ والذهاب. (حَاصِبًا): ريحًا تحمل الحصباءَ تقذفون بها. (نَكِيرِ): إِنكاري عليهم بإِنزال العذاب. التفسير: ١٦ - ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾: الخطاب هنا لأَهل مكة، فالسورة مكية، وهم الذين كانوا يحاربون الإِسلام، والاستفهام توبيخي يقصد به النهي، كأَنه قيل لهم: لا تأَمنوا عقاب من في السماءِ. وظاهر الآية يدل على أَنه تعالى في السماءِ مع أَنه سبحانه موجود قبل خلقها، وللعلماءِ في هذا وأَمثاله مذهبان: أَحدهما (مذهب السلف) وهم يسلمون بدلالة النص (١)، وعليه أَئمة السلف، والآية عندهم من المتشابه، وفيه يقول ﷺ : "آمنوا بمتشابهه" ولم يقل أَوّلوه، فهم مؤمنون بأَنه في السماءِ على المعنى الذي أَراده الله سبحانه مع كمال

стр. 5139

التنزيه، أَسند البيهقي بسند صحيح عن أَحمد بن أَبي الحواري عن سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه. وهذه طريقة الشافعي وأَحمد بن حنبل، ويقول الآلوسي: إِن هذا هو رأَي العصر الثالث، وهم فقهاءُ الأَمصار، كالثوري والأَوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم .... الخ. (المذهب الثاني) مذهب الخلف، وهم يؤولون فيقولون: من في السماء أَمره وقضاؤه فالسماء مصدر أَوامره إِلى ملائكته، ومنها يصدر قضاؤه، فكأَنه قيل: أَأَمنتم من ملكوته ومصدر أَحكامه في السماءِ، والذي دفعهم إِلى التأَويل هو تنزيهه سبحانه عن المكان. ومعني الآية إِجمالًا: هل أَمنتم يا كفار مكة مَنْ عزه ومصدر قضائه في السماءِ أَن يخسف بمن الأَرض ويهبطها وأَنتم فوقها لتهلكوا في جوفها، فإِذا هي حين الخسف ترتج وتهتز اهتزازًا شديدًا. ١٧ - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾: بل أَأَمنتم مَنْ ملكوته في السماءِ أَن يرسل عليكم ريحًا تحصبكم بالحجارة كقوم لوط، فستعلمون ما حال إِنذاري وقدرتي على إِيقاع العذاب بكم عند مشاهدتكم للمنذر به، ولكن لا ينفعكم العلم حينئذ، وقد نجاهم الله من هذا والذي قبله بإِيمانهم جميعًا في السنة الثامنة من الهجرة. ١٨ - ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨)﴾ (١): ولقد كذب الذين من قبل كفار مكة مثل قوم نوح وعاد، فكيف كان إِنكاري عليهم بإِنزال العذاب بهم؟! أَي: كان في غاية الهول والفظاعة، وفي الكلام من المبالغة في تسلية رسول الله ﷺ وتشديد التهديد لقومه ما لا يخفى.

стр. 5140

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾ المفردات (صَافَّاتٍ): باسطات أَجنحتهن. (وَيَقْبِضْنَ): ويضممنها إِلى جنوبهن. (مَا يُمْسِكُهُنَّ): ما يحفظهن من الوقوع. التفسير: ١٩ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾: أَغفلت قريش التي عبدت الأَصنام، وتركت عبادة القادر الرحمن - أَغفلت ولم تنظر إِلى الطير فوقهم باسطات أَجنحتهن صافات ريشهن ويضممنها (١) إِلى جنونهن للاستظهار بهذا القبض على التحرك، ما يحفظهن من الوقوع عند البسط والقبض إِلا الله الواسع الرحمة حيث خلقهن على أَشكال وخصائص، وأَلهمهن حركات مكنَّتْهنَّ من السباحة في الهواءِ، إِنه تعالى بكل شيءٍ دقيق العلم، فيعلم سبحانه كيفية إِبداع مخلوقاته حتى تؤدي وظائفها التي خلقت لها، وفي هذا المعنى يقول موسى لفرعون وقد سأَله: (فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَي) يقول له: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) كما حكاه الله تعالى في سورة (طه). ولو شاءَ الله أَن يسقطهن على الأَرض، لعطل أَجنحتهن فيسقطهن فإِن الأَرض تجذب

стр. 5141

ما فوقها إِليها، ولو شاءَ أَن يبقيهن سابحات في الجو بدون أَجنحة لفعل ومنع الأَرض من جذبها، كما منع النَّار من إِحراق إِبراهيم ﵇، ولكنه تعالى علمنا ربط المسبَّبات بأَسبابها كما يفعل الله بمصنوعاته. ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ المفردات: (جُندٌ): حزب ومنعة، ولفظه مفرد ومعناه جمع، فيصح عود الضمير عليه منفردًا باعتبار لفظه كما في الآية كما يصح عوده عليه جمعًا (١). (يَنصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ): من غير الرحمن. (إِنْ الْكَافِرُونَ إِلا فِي غُرُورٍ): ما الكافرون إِلاَّ في خداع وضلال فاحش. (إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ): إن حبسه عنكم. (لَجُّوا): تمادوا وأَصروا. (عُتُوٍّ): طغيان وعناد. (وَنُفُورٍ): شراد عن الحق وشدة بعد عنه. (مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ): منكسًا رأسه لا ينظر أَمامه ولا يمينه ولا شماله. (سَوِيًّا): معتدلا.

стр. 5142

التفسير ٢٠ - ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠)﴾: هذه الآية تبكيت لقريش على عبادتهم مَن لا يقدر على نصرهم إِن حاربهم غيرهم، و (أَم) في قوله (أَم من) بمعنى بل، وذلك للانتقال من توبيخهم على ترك التأَمل فيما يشاهدونه من أَحوال الطير المنبئة عن عجيب آثار قدرته إِلى التبكيت بما ذكر، والانتقال من الغيبة إِلى الخطاب للتشديد في ذلك. والمعنى: بل من هذا الحقير الذي - هو في زعمكم - ينصركم متجاوزًا نصر الرحمن؟! ما الكافرون في زعمهم أَنهم محفوظون من النوائب بحفظ آلهتهم، لا بحفظه تعالى وحده لا شريك له - ما الكافرون في زعمهم هذا - إِلا في غرور وخداع فاحش من جهة الشيطان، وليس لهم من نصيب في الحق فيما يزعمون. ٢١ - ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)﴾: بل من هذا الرازق المزعوم الذي يرزقكم إِن حبس الله رزقه عنكم؟! إِن هؤُلاءِ الكافرين لم يتأَثروا بآيات الله الَّذِي لا يرزقهم سواه، بل تمادوا في عناد وشراد عن الحق. ٢٢ - ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ هذا مثل ضرب للمؤمن والكافر في الدنيا توضيحًا لحاليهما، والفاءُ في قوله "أَفَمَنْ" لترتيب ما بعدها على ما قبلها والهمزة للإِنكار: والمعنى: ليس الكافر والمؤمن متساويين في حاليهما في الدنيا، أَهما متساويان فيها؟ ليس الأَمر كذلك؛ فمن يمشي منكسًا رأَسه لا ينظر أَمامه ولا يمينه ولا شماله لا يأمن من العثار والانكباب على وجهه فهو ليس كالرجل الذي يمشي سويًّا معتدلا ناظرًا ما بين يديه وعن يمينه وعن شماله، فإِنه يأمن العثار، وقال قتادة: هو الكافر أَكب على معاصي الله في الدنيا فحشره الله يوم القيامة على وجهه.

стр. 5143

﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ المفردات: (وَالأَفْئِدَةَ): القلوب. (ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ): خلقكم ونشركم فيها. التفسير: ٢٣، ٢٤ - ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾: قل لهم أَيها الرسول: هو الله الذي أَنشأَكم وجعل لكم السمع لتسمعوا به الأَصوات، والبصر لتنظروا به المرئيات، والقلوب لتعقلوا وتفهموا بها الأصوات والمرئيات فهلا استعملتموها وانتفعتم بها في إِدراك الآيات الدالة على صاحب تلك النعم؟ إِنكم تشكرون الله على ذلك شكرًا قليلًا مع اعترافكم بأَنه تعالى هو الذي خلقها لكم. وقيل المعنى: لا تشكرون هذا النعم أَبدًا كقولهم: قلما أَفعل كذا، أَي: لا أَفعله، قل لهم أَيها الرسول: الله هو الذي خلقكم في الأَرض ونشركم فيها وإِليه تحشرون بعد البعث للجزاء لا إِلى غيره، فلماذا لا تعتبرون؟

стр. 5144

﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾ المفردات: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ): في أَي وقت يتحقق الوعد بالحشر. (نَذِيرٌ مُبِينٌ): منذر ومخوف لكم من سوءِ العاقبة واضح الإِنذار، من أَبان بمعنى أَوضَحَ. (زُلْفَةً): قريبًا. (سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا): أَصابها السوءُ بأَن علتها الكآبة والذلة. (تَدَّعُونَ): تتمنونه وتطلبونه في الدنيا وتستعجلون أَن يأتيكم. التفسير ٢٥ - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾: ويقول الكافرون من فرط عتوهم وتكذيبهم: متى يحدث ويتحقق الموعد بالحشر، أَخبرونا بزمانه أَيها المؤمنون إِن كنتم صادقين في دعوى البعث والحشر. ٢٦ - ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦)﴾: قل لهم أَيها الرسول جوابًا على سؤالهم: ما العلم بوقت القيامة إِلا عند الله تعالى، فهو من الغيب الذي استأثر الله به، لأَن الحكمة تقتضي ذلك، وليس من وظائف النبوة إِلاَّ الإِنذار بتحققه دون بيان وقته.

стр. 5145

٢٧ - ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾: أَي فلما رأَى الكفار الحشر بعد البعث قريبًا منهم ظهرت الذلة والكآبة على وجوههم، لأَنهم أَدركوا ما ينتظرهم من العذاب، وقيل لهم - على سبيل التبكيت والتوبيخ -: هذا العذاب الذي يلي الحشر هو الذي كنتم به في الدنيا تطلبون كقولكم ساخرين: (رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) (١) أَي: عجل لنا نصيبنا من العذاب قبل يوم القيامة، وكقولهم: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (٢). والتعبير عن العذاب الذي سوف يرونه بأَنهم رأَوه فعلًا، لتنزيل وعد الله لهم بالعذاب المحقق منزلة الذي تحقق فعلًا. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ المفردات: (أَوْ رَحِمَنَا): بالنصر عليكم. (فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ): فمن يحميكم منه. (غَوْرًا): غائرًا ذاهبًا في الأَرض. (بِمَاءٍ مَعِينٍ): بماءٍ جار، أَو صاف، فهو بوزن فاعل مِنْ مَعَنَ الماءُ، أَي: جرى، أَو صفا، أَو بوزن مفعول - وأَصله معيون - من عين الماء: استنبطه واستخرجه.

стр. 5146

التفسير ٢٨ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨)﴾: قل أَيها الرسول لقريش: أَخبروني إِن أَماتني الله كما قلتم كذبًا: (شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنوُنَ) أَو أَهلك من معي من المؤمنين كما تمنيتم، أَو رحمنا فأَبقانا ونصرنا عليكم، فمن هذا الذي يجيركم ويحميكم من عذاب شديد الإِيلام في الآخرة؟! وحاصل المعنى: لا مجير لكم من عذاب النار لكفركم إِن انقلبنا إِلى رحمة الله بالهلاك كما تمنيتم، لأَن فيه الفوز لنا بنعيم الآخرة، أَو بالنضرة عليكم وإِعزاز الإِسلام كما نرجو، لأَن فيه الظفر بالحسنيين، ويتضمن ذلك حثهم على طلب الخلاص من الكفر بالإِيمان. ٢٩ - ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩)﴾: قل لهم أَيها الرسول - جوابًا لتمنيهم هلاكك -: هو الله الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فيجيرنا برحمته من عذاب الآخرة، ولم نكفر مثلكم حتى تمتنع إِجارته لنا، فستعلمون بعد البعث من هو مِنَّا في الدنيا والآخرة في بعد واضح عن الحق. ٣٠ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾: قل لهم: أَخبروني إِن أَصبح ماؤكم الذي تشربون منه وتسقون غائرًا في الأَرض واغلًا في جوفها، فمن الذي يأتيكم بماءٍ جار أَو ظاهر للعيون سهل المأخذ، لا تستطيع أَصنامكم الإِتيان به أَو بمثله، والآية كما روى ابن المنذر والفاكهي عن ابن الكلبي، أَنها نازلة في بئر زمزم وبئر ميمون بن الحضرمي. والله تعالى أَعلم.

стр. 5147

سورة القلم هي أَول ما نزل في القرآن بعد العلق، فقد روي عن ابن عباس أَن أَول ما نزل من القرآن اقرأَ باسم ربك ثم هذه (أَي: سورة القلم) ثم المزمل، ثم المدثر، وهي مكية وآيُها ثنتان وخمسون آية بالإِجماع. ومناسبة سورة القلم للسورة السابقة (سورة الملك): أَن سورة الملك اخْتُتمت بالوعيد: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) (١) واشتملت سورة القلم في أَوائلها عليه. قال الجلال السيوطي في ذلك: لما ذكر في آخر سورة الملك التهديد بتغوير الماء استظهر عليه في وسورة القلم بإِذهاب ثمر أَصحاب البستان في ليلة بطائف طاف عليها وهم نائمون، فَأصحبوا ولم يجدوا لجنَّتهم أَثرًا حتى ظنوا أَنهم ضَلُّوا الطريق إِليها. المعنى العام للسورة في السورة الكريمة قسم بالقرآن وما يُسطَّر به، والمُقْسَم عليه: ما أَنت يا محمد وقد أَنعم الله عليك بالنّبوة وفضَّلك بالرِّسالة بمجنون ولا سفيه الرأَي كما يدَّعي المشركون. ثم ساقت بِشارة له: وإِنَّ لك يا محمد على ما تبذله في تبليغ الدعوة لأَجرًا غير مقطوع ومَدْحًا كأَبلغ ما يكون المدح والثَّناء (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) فقد أَدبَّك ربُّك فأَحسن تأديبك، وتسلية له. وعن قريب ستبصر ويبصر الكافرون أَيكم المجنون، وإِنَّ ربَّك أَعلم بمن ضَلّ عن سبيله وحاد عن طريق الحق فكفر، وهو أَعلم بالعقلاءِ المهتدين المؤمنين.

стр. 5148

ثم ذكرت السورة توجيهاتها للرسول: فدم يا محمد على طريقتك مِنْ مُخَالفة المكذبين، لقد تَمَنّوا لو تلين لهم بعض الشَّيء وتعبد ما يعبدون ولو زمنًا قليلًا فهم يَلِينُون لك لا حُبًّا في الإِسلام ولكن طمعًا في ضَمِّك إِلى صفِّهم. ثم نهت عن طاعة كل مَن اتَّصف بهذه الصِّفات الذَّميمة، والنُّعوت القبيحة فقالت: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ*مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ) ولأَنَّه صاحب مال وبنين كذب بآياتنا وأَعرض عنها فجعل الكفران مكان الشكر والعرفان، سنسمه بسمة ونجعل على أَنفه علامة ليكون مفتضحًا بها بين الناس. واشتملت السورة على تشبيه ما وقع لأَهل مكة من العذاب والقحط بما وقع لأَصحاب الجنة الَّذين جاءَت قصتهم فيها، وعلى تبشير المؤمنين بما أُعِدَّ لهم عند ربّهم مِنْ جزاءٍ وثواب وعدم التَّسوية بينهم وبين الكافرين، وأَنكرت على المكذبين ما يدَّعون لأَنفسهم بغير حق ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾ كما جاءَ فيها وصف حال الكافرين والمُعرضين وما ينالهم من العقاب، والنُّصح لرسول الله بالصبر والاحتمال ولا يكون كأَخيه يونس ﵇ في سرعة غضبه والغضب على قومه، وذكرت السورة ما كان الكفَّار يُضْمِرُونه لرسول الله من بُغْض وعداوة وقد ظهر هذا على وجوههم وهم ينظرون إِليه شزرا حين يتلو القرآن، ويرمونه بالجنون. وختمت بتمجيد القرآن وبيان فضل الرسول وقدره (وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ).

стр. 5149

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾ المفردات: (وَالْقَلَمِ): قَسَمٌ بالقلم الذي يكتب به الملائكةُ والناس. (غَيْرَ مَمْنُونٍ): غير مقطوع يقال: مننت الحبل: إِذا قطعته. (بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ): في أَي الفريقين منكم المجنون. التفسير: ١ - ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾: (ن) حرف من حروف المعجم التي بُدئت بها بعض السُّور وهي من المتشابه، ومذهب السلف أَنهم يقولون في هذا ومثله: الله أعلم بمراده، وقيل: اسم للسُّورة، وقِيل: اسم للدَّواة. وأَنكر الزمخشري ذلك قال: لا دليل عليه من لغة ولا نقل صحيح، وقيل غير ذلك ممَّا لا يُلْتَفت إِليه.

стр. 5150

(وَالْقَلَمِ) أقسم الله بالقلم الذي يكتب به الملائكة والناس وبما يكتبونه من الخير والنفع وغير ذلك، وإِنما استحق قلم الملائكة أَن يُقْسَم به لأَنَّهم يكتبون به ما في اللَّوح المحفوظ، ويُسجِّلون به في صحائفهم أَعمال الناس، وأَمَّا استحقاق القلم الذي يكتب به الناس ذلك الشرف فلكثرة منافعه وعظيم فوائده، ولو لم يكن له مَزِيَّة سوى تسجيل كتب الله لكفى به فضلًا مُوجِبًا لتعظيمه، كيف لا وهو الذي يُنْشَر به العلم، وتُحَرَّر به الفنون والآداب وتذاع به المعارف والأَخلاق والفضائل. قال أَبو الفتح البستي: إِذا أَقسم الأَبطال يومًا بسيفهم … وعَدّوه ممَّا يُكْسِب المجد والكرم كفى قلم الكتَّاب عِزًّا ورفعة … مدى الدهر أَنَّ الله أَقْسَم بالقلم ٢ - ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾: هذا هو الْمُقْسم عليه، أَي: انتفى عنك الجُنون بسبب نعمة ربك عليك ورحمته بك، وهو الذي اصطفاك للرسالة، وأَهَّلك للنبوة لتخرج الناس من الظُّلمات إِلى النور ومن الشرك إِلى الإِيمان، والآية نزلت ردًّا على كفار مكة وتكذيبًا لهم فيما يقولون وما ينسبونه إليه من الجنون حسدًا وعدواة ومكابرة، والمقصود أَنت مُنَزّه عما يقولون لأَنك أُعْدِدت لتكون هادي البشرية كلها والقائد الخاتم للمسيرة الإِلهية. ٣ - ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾: أَي: وإِنَّ لك لِمُقَاسَاتِك أَلوان الشَّدائد وأَنواع المتاعب، وتحمُّلك أَعباء الرسالة ومشاق الدَّعوة لثوابًا عظيمًا وأَجرًا جسيمًا غير مقطوع مع عظمة، أَو غير ممنون به عليك مِن الناس لأَنَّه عطاؤه تعالى بلا وساطة، أَو من الله لأَنَّك حبيبه، وهو أَكرم الأَكرمين ومن شِيمة الكرام أَلا يَمُنُّوا بإِنعامهم، لا سيما إِذا كان على أَحبابهم. ٤ - ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾: أَي: وإِنك لمستمسك بمكارم الصِّفات ومحاسِن الخلال التي طبعك الله عليها وأدَّبك بها، لك خلق لا يُدرك شَأوه أَحد من الخلق، تحتمل من جهتهم ما لا يحتمل أَمثالك من أُولي العزم
следующие страницы →