← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

التفسير ٢٨ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨)﴾: قل أَيها الرسول لقريش: أَخبروني إِن أَماتني الله كما قلتم كذبًا: (شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنوُنَ) أَو أَهلك من معي من المؤمنين كما تمنيتم، أَو رحمنا فأَبقانا ونصرنا عليكم، فمن هذا الذي يجيركم ويحميكم من عذاب شديد الإِيلام في الآخرة؟! وحاصل المعنى: لا مجير لكم من عذاب النار لكفركم إِن انقلبنا إِلى رحمة الله بالهلاك كما تمنيتم، لأَن فيه الفوز لنا بنعيم الآخرة، أَو بالنضرة عليكم وإِعزاز الإِسلام كما نرجو، لأَن فيه الظفر بالحسنيين، ويتضمن ذلك حثهم على طلب الخلاص من الكفر بالإِيمان. ٢٩ - ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩)﴾: قل لهم أَيها الرسول - جوابًا لتمنيهم هلاكك -: هو الله الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فيجيرنا برحمته من عذاب الآخرة، ولم نكفر مثلكم حتى تمتنع إِجارته لنا، فستعلمون بعد البعث من هو مِنَّا في الدنيا والآخرة في بعد واضح عن الحق. ٣٠ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾: قل لهم: أَخبروني إِن أَصبح ماؤكم الذي تشربون منه وتسقون غائرًا في الأَرض واغلًا في جوفها، فمن الذي يأتيكم بماءٍ جار أَو ظاهر للعيون سهل المأخذ، لا تستطيع أَصنامكم الإِتيان به أَو بمثله، والآية كما روى ابن المنذر والفاكهي عن ابن الكلبي، أَنها نازلة في بئر زمزم وبئر ميمون بن الحضرمي. والله تعالى أَعلم.

стр. 5147

سورة القلم هي أَول ما نزل في القرآن بعد العلق، فقد روي عن ابن عباس أَن أَول ما نزل من القرآن اقرأَ باسم ربك ثم هذه (أَي: سورة القلم) ثم المزمل، ثم المدثر، وهي مكية وآيُها ثنتان وخمسون آية بالإِجماع. ومناسبة سورة القلم للسورة السابقة (سورة الملك): أَن سورة الملك اخْتُتمت بالوعيد: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) (١) واشتملت سورة القلم في أَوائلها عليه. قال الجلال السيوطي في ذلك: لما ذكر في آخر سورة الملك التهديد بتغوير الماء استظهر عليه في وسورة القلم بإِذهاب ثمر أَصحاب البستان في ليلة بطائف طاف عليها وهم نائمون، فَأصحبوا ولم يجدوا لجنَّتهم أَثرًا حتى ظنوا أَنهم ضَلُّوا الطريق إِليها. المعنى العام للسورة في السورة الكريمة قسم بالقرآن وما يُسطَّر به، والمُقْسَم عليه: ما أَنت يا محمد وقد أَنعم الله عليك بالنّبوة وفضَّلك بالرِّسالة بمجنون ولا سفيه الرأَي كما يدَّعي المشركون. ثم ساقت بِشارة له: وإِنَّ لك يا محمد على ما تبذله في تبليغ الدعوة لأَجرًا غير مقطوع ومَدْحًا كأَبلغ ما يكون المدح والثَّناء (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) فقد أَدبَّك ربُّك فأَحسن تأديبك، وتسلية له. وعن قريب ستبصر ويبصر الكافرون أَيكم المجنون، وإِنَّ ربَّك أَعلم بمن ضَلّ عن سبيله وحاد عن طريق الحق فكفر، وهو أَعلم بالعقلاءِ المهتدين المؤمنين.

стр. 5148

ثم ذكرت السورة توجيهاتها للرسول: فدم يا محمد على طريقتك مِنْ مُخَالفة المكذبين، لقد تَمَنّوا لو تلين لهم بعض الشَّيء وتعبد ما يعبدون ولو زمنًا قليلًا فهم يَلِينُون لك لا حُبًّا في الإِسلام ولكن طمعًا في ضَمِّك إِلى صفِّهم. ثم نهت عن طاعة كل مَن اتَّصف بهذه الصِّفات الذَّميمة، والنُّعوت القبيحة فقالت: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ*مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ) ولأَنَّه صاحب مال وبنين كذب بآياتنا وأَعرض عنها فجعل الكفران مكان الشكر والعرفان، سنسمه بسمة ونجعل على أَنفه علامة ليكون مفتضحًا بها بين الناس. واشتملت السورة على تشبيه ما وقع لأَهل مكة من العذاب والقحط بما وقع لأَصحاب الجنة الَّذين جاءَت قصتهم فيها، وعلى تبشير المؤمنين بما أُعِدَّ لهم عند ربّهم مِنْ جزاءٍ وثواب وعدم التَّسوية بينهم وبين الكافرين، وأَنكرت على المكذبين ما يدَّعون لأَنفسهم بغير حق ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾ كما جاءَ فيها وصف حال الكافرين والمُعرضين وما ينالهم من العقاب، والنُّصح لرسول الله بالصبر والاحتمال ولا يكون كأَخيه يونس ﵇ في سرعة غضبه والغضب على قومه، وذكرت السورة ما كان الكفَّار يُضْمِرُونه لرسول الله من بُغْض وعداوة وقد ظهر هذا على وجوههم وهم ينظرون إِليه شزرا حين يتلو القرآن، ويرمونه بالجنون. وختمت بتمجيد القرآن وبيان فضل الرسول وقدره (وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ).

стр. 5149

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾ المفردات: (وَالْقَلَمِ): قَسَمٌ بالقلم الذي يكتب به الملائكةُ والناس. (غَيْرَ مَمْنُونٍ): غير مقطوع يقال: مننت الحبل: إِذا قطعته. (بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ): في أَي الفريقين منكم المجنون. التفسير: ١ - ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾: (ن) حرف من حروف المعجم التي بُدئت بها بعض السُّور وهي من المتشابه، ومذهب السلف أَنهم يقولون في هذا ومثله: الله أعلم بمراده، وقيل: اسم للسُّورة، وقِيل: اسم للدَّواة. وأَنكر الزمخشري ذلك قال: لا دليل عليه من لغة ولا نقل صحيح، وقيل غير ذلك ممَّا لا يُلْتَفت إِليه.

стр. 5150

(وَالْقَلَمِ) أقسم الله بالقلم الذي يكتب به الملائكة والناس وبما يكتبونه من الخير والنفع وغير ذلك، وإِنما استحق قلم الملائكة أَن يُقْسَم به لأَنَّهم يكتبون به ما في اللَّوح المحفوظ، ويُسجِّلون به في صحائفهم أَعمال الناس، وأَمَّا استحقاق القلم الذي يكتب به الناس ذلك الشرف فلكثرة منافعه وعظيم فوائده، ولو لم يكن له مَزِيَّة سوى تسجيل كتب الله لكفى به فضلًا مُوجِبًا لتعظيمه، كيف لا وهو الذي يُنْشَر به العلم، وتُحَرَّر به الفنون والآداب وتذاع به المعارف والأَخلاق والفضائل. قال أَبو الفتح البستي: إِذا أَقسم الأَبطال يومًا بسيفهم … وعَدّوه ممَّا يُكْسِب المجد والكرم كفى قلم الكتَّاب عِزًّا ورفعة … مدى الدهر أَنَّ الله أَقْسَم بالقلم ٢ - ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾: هذا هو الْمُقْسم عليه، أَي: انتفى عنك الجُنون بسبب نعمة ربك عليك ورحمته بك، وهو الذي اصطفاك للرسالة، وأَهَّلك للنبوة لتخرج الناس من الظُّلمات إِلى النور ومن الشرك إِلى الإِيمان، والآية نزلت ردًّا على كفار مكة وتكذيبًا لهم فيما يقولون وما ينسبونه إليه من الجنون حسدًا وعدواة ومكابرة، والمقصود أَنت مُنَزّه عما يقولون لأَنك أُعْدِدت لتكون هادي البشرية كلها والقائد الخاتم للمسيرة الإِلهية. ٣ - ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾: أَي: وإِنَّ لك لِمُقَاسَاتِك أَلوان الشَّدائد وأَنواع المتاعب، وتحمُّلك أَعباء الرسالة ومشاق الدَّعوة لثوابًا عظيمًا وأَجرًا جسيمًا غير مقطوع مع عظمة، أَو غير ممنون به عليك مِن الناس لأَنَّه عطاؤه تعالى بلا وساطة، أَو من الله لأَنَّك حبيبه، وهو أَكرم الأَكرمين ومن شِيمة الكرام أَلا يَمُنُّوا بإِنعامهم، لا سيما إِذا كان على أَحبابهم. ٤ - ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾: أَي: وإِنك لمستمسك بمكارم الصِّفات ومحاسِن الخلال التي طبعك الله عليها وأدَّبك بها، لك خلق لا يُدرك شَأوه أَحد من الخلق، تحتمل من جهتهم ما لا يحتمل أَمثالك من أُولي العزم

стр. 5151

وعن ابن عباس في تفسير قوله تعالى (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) أَي: وإِنك لعلى دين عظيم هو الإِسلام، وليس أَحبّ إِلى الله تعالى ولا أَرضى عنده منه، وقال عطية: لَعَلَى أَدب عظيم. وفي صحيح مسلم سُئلت عائشة ﵂ عن خُلُق رسول الله؟ قالت: كان خلقه القرآن ومعنى هذا أَنه تأدب بآدابه وتحلَّى بأَخلاقه وأَحلّ حلاله وحرَّم حرامه، هذا مع ما طبعه الله عليه من الخلق العظيم من الحياءِ والكرم والشجاعة والصفح والحكمة وكل خلق جميل كما ثبت في الصحيحين عن أَنس قال: "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال إِلي أُفٍّ قط، ولا قال لشيءٍ فعلته لم فعلته؟ ولا قال لشيءٍ لم أفعله ألا أَفعلته، وكان رسول الله ﷺ أَحسن الناس خلقًا"، والأَحاديث في هذا الباب كثيرة، ولأَبي عيسى الترمذي في هذا كتاب الشمائل. ٥ - ٦ - ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾: أَي فستعلم يا محمد علمًا يقينيا وسيعلم مخالقوك أَيكم المفتون أَي المجنون لأَنه فُتِن، أَي مُحِنَ بالجنون، وقيل المعنى: فستبصر ويبصرون بأَي الفريقين منكم الفتنة أَي المجنون أَبفريق المؤمنين أَم بفريق الكافرين وفي أَيِّهما يُوجد منْ يستحق هذا الاسم، وهو تعريض بأَبي جهل والوليد بن المغيرة وأَحزابهما وهو كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنْ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾. (١) والمراد فستعلم ويعلمون ذلك يوم القيامة حين يتبين الحق من الباطل، وروى ذلك عن ابن عباس، وقيل: فستبصر ويبصرون في الدنيا بظهور عاقبة الأَمر بغلبة الإِسلام وانتصارك عليهم وعلو شأنك وصيرورتهم أَذلة صاغرين. ٧ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾: استئناف لبيان ما قبله وتأكيد لما تضمَّنه من الوعد والوعيد، فهو سبحانه أَعلم بمن

стр. 5152

حاد على طريقه المؤدي إِلى سعادة الدارين وهام في تيه الضَّلال المُفْضِي به إِلى الشَّقاوة ومزيد النَّكال وهذا هو المجنون الذي لا يفرق بين النفع والضر، وهو سبحانه أَعلم بالمهتدين إِلى سبيله الفائزين بكلّ مطلوب النَّاجِين من كل محْذُور وهم العقلاء، فَيَجْزِي كُلًّا من الفريقين بما يستحق من العقاب والثواب. وفي الكشاف: إِن ربك هو أَعلم بالمجانين على الحقيقة وهم الذين ضلوا عن سبيله وهو أَعلم بالعقلاءِ وهم المهتدون. ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ المفردات: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ): تمنوا لو تلين لهم بعض الشيء وتصانعهم في الدين. (مَهِينٍ): وضيع حقير، قال القرطبي: من المهانة بمعنى القلة وهي هنا القلة في الرأي والتمييز. (هَمَّازٍ): طعَّان عيَّاب للناس في وجوههم أَو مُغتاب لهم (قَتَّات). (مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) (١): نقَّال للحديث من قوم إِلى قوم على وجه الإِفساد بينهم.

стр. 5153

(عُتُلٍّ): غليظ القلب جاف الطَّبع، وقيل: الذي يعتل الناس فيجرهم إِلى حبس أَو عذاب مأخوذ من الْعتْل وهو الجرّ ومنه قوله تعالى: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ) (١). (زَنِيمٍ) (٢): دعيّ مُلصق بقوم ليس منهم، أَو شِرِّير. (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ): أَباطيلهم المسطَّرة في كتبهم. (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ): سنجعل له سمة وعلامة على الأَنف، والمراد: سنلحق به عارا لا يفارقه كالرسم على الأَنف. التفسير: ٨ - ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾: الفاءُ في الآية لترتيب النهي على ما ينبيء عنه ما قبله من اهتدائه ﷺ وضلالهم، وفي هذا حث له على التَّصميم والعزم على عصيانهم ومخالفتهم. والمعنى: فَدُمْ على ما أَنت عليه من مخالفة المكذبين وعدم طاعتهم، وتَشَدَّد في ذلك، ويجوز أن يكون نهيًا عن مُداهنتهم ومُداراتهم بإِظهار خلاف ما في ضميره ﷺ استجلابًا لقلوبهم، لا نهيًا عن طاعتهم حقيقة، وعُبّر عن المداهنة بالطاعة للمبالغة في التفسير. ٩ - ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾: المعنى: تمنّوا وأَحبوا لو تُلاينهم وتُصانعهم وتنزل على رغبتهم أَحيانًا (فَيُدْهِنُونَ) أَي فهم يدهنون ويلاينونك ويصانعوك حينئذ، فالفاءُ للسببية داخلة على جملة اسمية مسببة عمَّا قبلها. وقيل المعنى: أَنهم يدهنون الآن طمعًا في ادهانك واستجابتك لهم ومشاركتهم في بعض عبادتهم.

стр. 5154

١٠ - ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾: المعنى: وتمسك بما أَنت عليه من عدم طاعة كل كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى بهذا النهي زجرًا لمن اعتاد الحلف لأَنه جُعِل فاتحة العيوب وأَساس الباقي من الذنوب، وكثرة الحلف تدل على عدم استشعار عظمة الله وذلك أَصل كل شر. (مَهِينٍ) أَي: حقير وقال الرماني: المهين: الوضيع، لإِكثاره من القبيح. وعن ابن عباس: الكذاب. ١١ - ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾: (هَمَّازٍ) أَي: عيَّاب طعَّان أَو مغتاب (مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ): نقَّال للحديث من قوم إلي قوم على وجه الإِفساد بينهم، فهو يحرض بعضهم على بعض لفساد ذات البين وهي الحالقة. وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: مر رسول الله ﷺ بقبرين فقال: [إِنَّهُمَا يُعذَّبان وما يعذبان في كبير، أَما أَحدهما فكان لا يستتر من البول، وأَما الآخر فكان يمشي بالنميمة]، وروى الإِمام أَحمد عن رسول الله ﷺ قال: (لا يدخل الجنة قَتَّات): أَي: نَمَّام. والأَحاديث في ذلك كثيرة. ١٢ - ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾: (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ): أَي: بخيل ممسك بالمال، من منع معروفه عنه: إِذا أَمسكه، أَو منَّاع أَهله الخير وهو الإِسلام، قيل: هو الوليد بن المغيرة المخزومي كان مُوسِرًا وكان له عشرة من البنين وكان يقول لهم ولأَقربائه: من أَسلم منكم منعته رِفْدِي وعطائي. روي ذلك عن ابن عباس، وعنه أيضًا أَنه أَبو جهل، وقيل غيرهما. (مُعْتَدٍ): مجاوز في الظلم حَدَّه. (أَثِيمٍ) أَي: كثير الآثام، والمراد بها المعاصي والذنوب. ١٣ - ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾: (عُتُلٍّ): أَي: غليظ جاف، وإِنَّمَا نهى - سبحانه - عن طاعة العُتُلّ وجعل غلظته أَشد معايبه لأَنه لقسوة قلبه وغلظ طبعه يجتريء على كل معصية.

стр. 5155

(بَعْدَ ذَلِكَ) أَي: بعد ما عدّ له من المثالب والنقائص. (زَنِيمٍ) دَعِيّ مُلْحق بقوم ليس منهم، والمراد به ولد الزِّنا كما جاءَ بهذا اللفظ عن ابن عباس، وكذا جاءَ عن عكرمة وأَنشد: زنيم ليس يعرف من أَبوه … بغيّ الأُم ذو حسب لئيم وإِنما نهي عن طاعة الدّعيّ لأَن الغالب أن النطفة إِذا خبثت خبث خبث الناشيء منها، وعن سعيد بن جبير: الزَّنيم الذي يُعْرَف بالشر كما تُعْرف الشاة بزنمتها وهي ما يتدلى من رقبتها كما سبق بيانه في المفردات: والزنيم، الملصق. قال ابن كثير: والأَقوال في الزنيم كثيرة، وغالبها يرجع إِلى ما ذهب إِليه سعيد بن جبير، وكثيرًا ما يكون دعيا ولد زِنا فإِنه في الغالب يتسلَّط الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره. أ. هـ بتصرف. ١٤ - ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾: هذا الكلام متصل بقوله - سبحانه -: (وَلا تُطِعْ … ) الخ أَي: لا تطع مَن هذه عيوبه ونقائصه بسبب كونه موُسرًا معتدًّا بماله مُنْجِبًا مُعْتَزًّا ومتقويًّا بأَبنائه. ١٥ - ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾: استئناف جري مجرى التعليل للنّهي عن اتباعه، والمعنى: إِذا يُقْرأُ عليه القرآن كَذَّب ولم يؤمن بما جاءَ به وقال: هذا قصص الأَولين وخرافاتهم وأَكاذيبهم الواردة في كتبهم، ويجوز أَن يكون قوله - تعالى -: (أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ) متصلًا بما بعده. والمعنى: لأَن كان صاحب مال ومستظهرا بالنبين كذب بآياتنا، وأَعرض عنها إِذا يتلى عليه القرآن قال: أساطير الأَولين وأَباطيلهم، فجعل الكفر مكان الشكر والتكذيب موضع التصديق والإِيمان. ١٦ - ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾: أَي: سنجعل على أَنفه سمة دائمة وعلامة لازمة لا تفارقه، يُعيّر ويفتضح بها أَمام الناس فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإِذلال والمهانة، لأَنَّ السِّمة على الوجه شين حتى إِنه ﷺ نهى (١) عنه في الحيوانات، فكيف بها في الإِنسان وعلى أَكرم موضع منه وهو الأَنف

стр. 5156

لتقدمه، لذا جعلوه مكان العز والحميّة واشتقوا منه الأَنفة، وقالوا: فلان شامخ الأَنف، وفي لفظ (الخرطوم) استخفاف به واستهانة؛ لأَنه لا يستعمل إِلا في الفيل والخنزير، ففي التعبير على الأَنف بهذا الاسم تقوية لما دل عليه الوسم على العضو المخصوص من الإِذلال، والمراد: سنهينه في الدنيا ونذله غاية الإِذلال. وكون الوعيد المذكور في الدنيا هو المروي عن قتادة وذهب إِليه جمع، وقيل: هو في الآخرة، يُوسم يوم القيامة على أَنفه بسمة يعرف بها كفره وانحطاط قدره. ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾

стр. 5157

المفردات: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ): إِنَّا امتحنا أَهل مكة واختبرناهم بالقحط. (الْجَنَّةِ): البستان المشتمل على أَنواع الأَشجار والثمار والفواكه. (لَيَصْرِمُنَّهَا): ليقطعنَّ ثمرها بعد نُضجها. (مُصْبِحِينَ): داخلين في وقت الصباح مبكرين. (وَلا يَسْتَثْنُونَ): أَي: ولا يقولون: إِن شاءَ الله، وقيل: ولا يستثنون حصة المساكين كما كان يفعل أَبوهم. (طَائِفٌ): بلاءٌ وعذاب محيط بها - نار محرقة -. (كَالصَّرِيمِ): كالليل الأَسود، وقيل: كالبستان إِذا صرمت أَي: قطعت ثماره. (صَارِمِينَ): قاصدين للصرم وقطع الثمار. (يَتَخَافَتُونَ): يتسارّون ويتشاورون فيما بينهم بطريق المُخافتة. (حَرْدٍ): منع، أَو انفراد عن المساكين، أَو غيظ وغضب. (إِنَّا لَضَالُّونَ): أَي: إِنَّا لضالُّون طريق جنتنا. (أَوْسَطُهُمْ): أَحسنهم رأيا، أَو أَوسطهم سِنا. (لَوْلا تُسَبِّحُونَ): هلا تذكرون الله وتتوبون إِليه من خبث نيتكم. (يَتَلاوَمُونَ): يلوم بعضهم بعضا. (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ): إِنا إِلى ربنا لا إِلى غيره راجون العفو طالبون الخير. التفسير ١٧ - ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧)﴾: أَي: إِنا اختبرنا أَهل مكة وأَصبْناهم ببليّة وهي القحط بدعوة رسول الله ﷺ حيث قال: (اللهم اشدد وطأَتك على مُضَر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف).

стр. 5158

(كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ): أَي: مثل ما بلونا أَصحاب الجنة المعروف خبرها عندهم، قيل: كانت بأَرض اليمين قريبا من صنعاء لرجل كان يؤدي حق الله منها فمات فصارت إِلى ولده فمنعوا النَّاس خيرها وبخِلوا بحق الله منها، فكان ما ذكره الله تعالى. (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) أَي: إِذ حلفوا ليقطعن ثمارها بعد نضجها واستوائها وقت الصباح قبل أَن يخرج المساكين كي لا يشعر بهم المساكين، فلا يعطونهم منها ما كان أَبوهم يتصدق به عليهم منها. ١٨ - ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾: قيل: أَي ولا يقولون إِن شاءَ الله، وقيل: المعنى ولا يستثنون منها حصة المساكين كما كان يفعل أَبوهم (وعليه هو معطوف على قوله تعالى: "لَيَصْرِمُنَّهَا" ومقسم عليه مثله). ١٩ - ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾: المعنى: نزل على الجنة وأَحاط بها من كل جانب بلاءٌ محيط وعذاب. وعن الفرّاءِ: تخصيص الطائف بالأَمر الذي يأتي بالليل وكان ذلك - على ما قال ابن جريج - عُنُقا من نار خرج من وادي جنتهم (وَهُمْ نَائِمُونَ) في موضع الحال، والمراد: أَتاها ليلا كما روي عن قتادة، وقيل: المراد أَنهم غافلون غفلة تامة عما جرت به المقادير. ٢٠ - ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾: أَي فأَصبحت جنتهم كالبستان الذي صُرِمت ثماره وقطعت بحيث لم يبق فيها شيءٌ وقال منذر والفرّاء وجماعة: الصّريم: الليل، والمراد: أَصبحت محترقة تشبه الليل في السواد؛ ذكر ابن كثير عن ابن مسعود: قال رسول الله ﷺ : (إِياكُمْ والمعاصي، وإِن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا قد كان هُيِّيءَ له) ثم تلا رسول الله ﷺ : (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ).

стр. 5159

٢٢،٢١ - ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢)﴾: أَي فنادى بعضهم بعضا وقت الصباح وذلك للقسم السابق: أَن اخرجوا مبكرين مقلبين على بستانكم إِن كنتم مصرين على الصرم وقطع الثمار، ويحتمل إِن كنتم أَهل عزم وإِقدام على رأَيكم من قولهم: سيف صارم. ٢٤،٢٣ - ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾: أَي فاندفعوا مسرعين وهم يتشاورون فيما بينهم بطريق المخافتة والمسارّة متواصين قائلا بعضهم لبعض: لا يمكن أَحد منكم اليوم مسكينا من دخول الجنة عليكم، فالنهي عن الدخول للمسكين نهي عن تمكينه من حتى لا يناله من الثمار شيء. ٢٥ - ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)﴾: أَي وساروا في أَول النهار إلى جنتهم قادرين على (حرد) فيه عدة أَقوال: (١) هو المنع كما قال أبو عبيدة وغيره، من حَردت السنة: منعت خيرها، وحاردت الإِبل: منعت درها. والمعنى: وغدوا إِلى جنتهم قادرين على منع لا غير عاجزين عن النفع. (٢) وقيل المراد: الغيظ، أَي: لم يقدروا إِلاَّ على إِغضاب بعضهم لبعض كقوله تعالى: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ) (١) وروي هذا عن السّديّ. (٣) وقيل الحرد: القصد والسرعة، وللحرد معان أُخرى ذكرها القرطبي والآلوسي والزمخشري. ٢٦،٢٧ - ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧)﴾: فأَول ما وقع نظرهم عليها ورأَوها سوداءَ محترقة لا شيءَ فيها قد صارت كالليل الأَسود ينظرون إِليها كالرماد، أَنكروها وشكّوا فيها وقالوا مضطربين متحيرين: إِنَّا لضالُّون طريق

стр. 5160

جنتا، وما هي بها (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) قالوا ذلك بعد ما تأَملوا ووقفوا على حقيقة الأَمر وتيقنوا ما فُعِل بجنتهم مُضربين عن قولهم الأَول، أَي: لَسْنَا ضَالِّين بل نحن محرومون حُرمنا خيرها بجنايتنا على أَنفسنا وسوء نيتنا وقصدنا حرمان الفقراء. ٢٨ - ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨)﴾: قال أَعدلهم وخيرهم: (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ) أَي: لم أَقل لكم؟! وفي التسبيح قولان: (١) قيل: المراد الذكر، أَي: هلا تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم، كان أَوسطهم قال لهم حينما عزموا على حرمان الفقراء: اذكروا الله وانتقامه من المجرمين وتوبوا عن هذه العزيمة الخبيثة من فوركم، وسارعوا إِلى حسم شرها قبل حلول النقمة، فعصوه فوبّخهم، والدليل على ذلك قولهم بعد هذا: (سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) فتكلموا بما كان يدعوهم إِلى التكلم به على إِثر مقارفة الخطيئة وارتكاب الإِثم. (٢) وقيل: المراد بالتسبيح - الاستثناءُ: وهو أَن يقولوا إِن شاءَ الله، ويلتقي هذا مع الأَول في معنى التَّعظيم، لأَن الاستثناء تفويض إِلى الله، والتَّسبيح تنزيه له، وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم. ٢٩ - ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩)﴾: قالوا بعد أَن ثابوا إِلى رشدهم ورجعوا إِلى عقولهم: نُسبّح الله ونُنَزّهه عن الظلم وعن كل قبيح، ثم اعترفوا بظلمهم ومنع المعروف عن مستحقيه والبخل بما كان يعطيه والدهم للفقراء والمساكين، وفي تركهم الاستثناء قال ابن كثير: وهكذا أَتوا بالطاعة حيث لا تنفع أَو اعترفوا حيث لا ينجع. ٣٠ - ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠)﴾: أَي: فأَقبل بعضهم على بعض يلوم كل منهم الآخر في القسم والحلف على منع المساكين أَي يقول: بل أَنت أَشرت علينا بهذا، فإِن منهم - على ما قيل - مَن أَشار بذلك، ومنهم من استحسنه ومنهم من سكت راضيا ومنهم من أَنكره.

стр. 5161

٣١ - ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١)﴾: أَي قالوا: يا عذابنا وهلاكنا إِنا كنا طاغين - اعتدينا وبغينا وتجاوزنا الحد عاصين بمنع الفقراء: وقال ابن كيسان: طغينا نِعَم الله فلم نشكرها كما شكرها أَبونا من قبل حتى أَصابنا ما أَصابنا. ٣٢ - ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢)﴾: نرجو الله أَن يعوضنا خيرا من جنتنا ويعطينا بدلا منها ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة إِنَّا إِلى ربنا - لا إلى غيره - راغبون: راجون العفو طالبون الخير. وعن مجاهد أَنهم تابوا فأُبدلوا خيرا منها. ٣٣ - ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾: أَي: مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أَهل مكة من الجدب الشديد ومثل ما قصه الله علينا مما أَصاب أَهل هذه الجنة - عذاب الدنيا، والكلام وارد لتحذير أَهل مكة - وتخويفهم كأَنه لما نهى نبيه عن طاعة الكفار ورؤَسائهم، ذكر أَن تمردهم هو بسبب ما أوتوه من المال والبنين، وعقّب - جل وعلا - - بأَنهم إِذا لم يشكروا المنعم عليهم يؤول حالهم إِلى حال أَصحاب الجنة مشيرا إِلى أَن خُبث النّية وإِنكار حق الفقير إِذا أَفضى بهم إلى ما ذكر من العذاب فإِن إِنكار الحق بمعاندة الرسول ذي الخلق الكريم وقطع رحمه أَولى بأَن يُفْضِي بأَهل مكة إلي البوار والخسران والعقاب. ثم ذكر عذابهم في الآخرة فقال: (وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ) أَي: أَعظم وأَشد وأَشقّ وهو تحذير عن العناد، وقوله تعالى: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) نَعْيٌ عليهم بالغفلة وتقريع لهم، أَي: لو كانوا من أَهل العلم لعلموا أَنه أَكبر، ولأَخذوا منه حِذْرهم ولما وقعوا فيما وقعوا فيه.

стр. 5162

﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾ المفردات: (أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ): أَي: بل لكم كتاب منزل من السماءِ. (فِيهِ تَدْرُسُونَ): فيه تقرأون. (إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا يَتَخَيَّرُونَ): أَي: إِن الذي يختارونه وتشتهونه لكم مذكور في ذلك الكتاب. وتَخَيَّر الشيء واختاره: أخذ خَيْرَه، وشاع في أَخذ ما يريده مطلقا. (أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ): أَي: بل أَلكم عهود ومواثيق مؤكدة بالأَيْمَان. (إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ): أَي: إِنَّ لكم لَلَّذي تحكمون به لأَنفسكم. (زَعِيمٌ): كفيل وضمين.

стр. 5163

التفسير ٣٤ - ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤)﴾: لَما ذكر - تعالى - حال أَهل الجنة الدنيوية وما أَصابهم فيها من النقمة حين عصوا الله وخالفوا أَمره، بيّن أَنَّ لمن اتَّقاه وأَطاعه في الدار الآخرة جنات النعيم، أَي: جنات ليْس فيها إِلا النَّعيم الخالص من شائبة ما ينغِّصه من الأَكدار وخوف الزوال. ٣٥، ٣٦ - ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ): تقرير لما قبله من فوز المتقين وردّ لما يقوله الكَفَرة من صناديد قريش حين سماعهم بحديث الآخرة وما وعد الله به المؤمنين، يقول الكفرة: إِنْ صَحّ أَنَّا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يكن حالنا وحالهم إِلا مثل ما هي في الدنيا وإِلاَّ لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا وأَقصى أَمرهم أَن يساوونا، فقيل لهم: أَنَحِيف ونظلم في الحكم فنجعل المسلمين كالكافرين؟! ثم قيل لهم على طريق الالتفات تأَكيد للرد وتعجبا من حكمهم واستبعادا له وإِيذانا بأَنه لا يَصْدُر عن عاقل: (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ): إِذا معنى ما لكم: ماذا أَصابكم، وأَي شيء حصل لكم مِنْ خَلَلِ الفكر وفساد الرأي حتى حكمتم هذا الحكم الجائر، كأَنَّ أمر الجزاء مُفَوّض لكم حتى تحكموا فيه بما شئتم. ٣٨،٣٧ - ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨)﴾: يقول ﵎: بل أَفبأَيديكم كتابٌ مُنَزَّل من السماءِ تقرءُونه وتدرسونه وتحفظونه وتَتَداولونه بنقل الخلف عن السلف يتضمن أَنَّ ما تختارونه وتشتهونه لكم؟ قال الآلوسي والظَّاهر مقابل لما قبله ومُلَخَّصه: أَفسد عقلكم حتى حكمتم بهذا أَم جاءَكم كتاب فيه تخييركم وتفويض الأَمر لكم؟! ٣٩ - ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩)﴾: المعنى: بل أَلكم عهود علينا ومواثيق مؤَكدة بالأَيمان باقية ثابتة إِلى يوم القيامة؟ إِنَّ لكم لَلّذِي تحكمون به وتقضون وسيصل إِليكم ما تحبون وما تشتهون.

стр. 5164

تعالى: (إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ) جواب القسم؛ لأَن معنى (أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ) أَم أَقسمنا لكم. ٤٠ - ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾: المعنى: سل المشركين يا محمد مُبَكِّتًا لهم: أَيُّهم بذلك الحكم الذي يحكمون به لأَنفسهم منْ أَنَّهُم يعطون في الآخرة أَفضل من المؤمنين - أَيهم كفيل وقائم بتنفيذه وإِمضائه وبالاحتجاج لصحته، كما يقوم الزَّعيم المتكلِّم عن القوم المتكفّل بأُمورهم، فضلا عن أَنه حكم جائر، خارج عن دائرة المعقول، وكأَنَّه بتوجيه الخطاب لرسول الله أَسْقَطَهم مِنْ رُتبة الخطاب إِهمالا لهم. ٤١ - ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾: أَي: بل أَلهم أُناس يشاركونهم في هذا القول ويوافقونهم عليه، ويذهبون مذهبهم فيه فليأتوا بشركائِهم إِنْ كانوا صادقين في دعواهم، يعني أَنَّ أَحدًا لا يُسلم لهم هذا ولا يساعدهم عليه، كما أَنهم لا كتاب لهم ينطق به، ولا عهد لهم به عند الله، ولا زعيم لهم يقوم به ويتصدى لإِنفاذه. قال العلامة الآلوسي: وقد نَبّه في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن أن يَتَعَلَّقُوا به في تحقيق دعواهم، حيث نَبَّه - سبحانه - على نفي الدليل العقلي بقوله سبحانه: (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) وعلى نفي الدّليل النَّقْلي بقوله سبحانه: (أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ) وعلى نفي أَن يكون الله وعدهم بذلك بقوله تعالى: (أَم لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَلِغَةٌ) وعلى نفي التَّقْليد الذي هو أَهْوَن الأَشياء بقوله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ) الخ أهـ آلوسي.

стр. 5165

﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾ المفردات: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ): كتابة عن شدة هول يوم القيامة. (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ): ذليلة منكسرة. (تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ): تغشاهم ذلة مرهقة وخسران. (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ): سنستنزلهم إِلى العذاب درجة فدرجة بالإِمهال حتى توقعهم فيه. (وَأُمْلِي لَهُمْ): وأُمهلهم بتأخير العذاب ليزدادوا إِثمًا. (كَيْدِي مَتِينٌ): تدبِيري قويّ لا يفلت منه أَحد. (مَغْرَمٍ): غرامة مالية. التفسير ٤٢ - ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾: لَمَّا ذكر - جلَّ شانه - أَنَّ للمتقين عند ربهم جنات نعيم بيَّن متى يكون ويقع ذلك فقال: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ … الخ) أَي: يوم يكشف عن ساقٍ كان كذا وكذا فأُضمر للتهويل البليغ وأَنَّ ثمَّ من الحوادث والأَخطار ما لا يوصف لعظمه، والمراد بذلك اليوم عند الجمهور: يوم القيامة، والساق: ما فوق القدم، وكشفها: مَثَل في شدة الأَمر وصعوبة الخطب.

стр. 5166

وقيل: ساقُ الشيء: أَصْلُه الذي به قوامه كساق الشجرة، والمراد: يوم يُكْشف عن أَصل الأَمر فتظهر حقائق الأَشياءِ وأُصولها بحيث تصير عيانًا، وإِلى هذا يشير ما أَخرجه البيهقي عن ابن عباس قال: حين يكشف الأَمر وتبدو الأَعمال. وذهب بعضهم إِلى أَن المراد بالسَّاق ساقه وأَن الآية من المتشابه، واستدل على ذلك مما أَخرجه البخاري ومسلم غيرهما عن أَبي سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يَكِشفُ ربُّنا عن ساقِه فَيسجُدُ له كلُّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى مَنْ كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا). وأَنكر ذلك سعيد بن جبير فقد سئل عن الآية فغضب غضبًا شديدًا وقال: إِن أَقوامًا يزعمون أَن لله سبحانه يكشف عن ساقه وإِنما يكشف عن الأَمر الشديد، وعليه يحمل ما في الحديث (الآلوسي). (وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) أَي: ويدعون إِلى السجود لا تعبدًا وتكليفًا ولكن توبيخًا وتعنيفًا على تركهم إِياه في الدُّنيا وتَحِسيرا لهم على تفريطهم في ذلك، أَو امتحانًا لإِيمانهم. (فَلا يَسْتَطِيعُونَ): لزوال القدرة عليه، وفيه دلالة على أَنهم يقصدونه فلا يستطيعون ولا يتأَتى منهم، والظاهر أَن الداعي هو الله تعالى أَو الملائكة وقيل: هو ما يرونه من سجود المؤمنين. ٤٣ - ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾: بين الله - سبحانه - حال من يُدْعَوْن إِلى السجود يوم القيامة فلا يستطيعون بأَنهم خاشعة أَبصارهم، أَي منكسرة ذليلة تلحقهم وتغشاهم مهانة وندامة وحسرة، وقد كانوا يُدْعوْن إِلى السجود في الدنيا وهم سالمون مُعَافُون متمكِّنون منه أَقوى تمكُّن فلا يُجِيبون إِليه ويَأبَوْنه ويَنْفِرون منه تكبرا أَو إِعراضا، لذلك عُوقِبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة، روي أَنه كلما أراد أحدهم أَن يسجد خَرّ لقفاه على عكس السجود بخلاف ما عليه المؤمن.

стр. 5167

ذكر القرطبي أَن سعيد بن جبير قال في تفسير قوله تعالى: (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ): كانوا يسمعون (حي على الفلاح) فلا يجيبون، وقال كعب الأَحبار: والله ما نزلت هذه الآية إِلا في الذين يتخلفون عن الجماعات، وكان الربيع بن خيثم قد فُلِج وكان يُهَادَى بين الرجلين إِلى المسجد فقيل: يا أَبا يزيد لو صليت في بيتك لكانت لك رخصة فقال: من سمع حَيّ على الفلاح فليُجب ولو حَبْوًا - ومعنى يُهَادَى - أَي: يمشي بينهما معتمدًا عليهما لضعفه. ٤٤ - ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾: (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ) أَي: إِذا كان حالهم ما سمعت فَكِل من يُكَذِّب بالقرآن إِليَّ فأَنا أَكْفِيكَه، قال الزمخشري: فكأَنه يقول: حسبك إِيقاعًا به وعقابا له أَنْ تكل أَمره إِليَّ وتُخَلِّي بيني وبينه فأَنا عالم بما يجب أَن يْفْعَل به مُطِيق له وقادر عليه. وذلك تسلية للرسول وتهديد للمكذبين (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ): استئناف مسوق لبيان كيفية العقاب والتعذيب، أَي: سنستنزلهم إِلى العذاب درجة فدرجة بالإِمهال وإِدامة الصحة وازدياد النعمة. (مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) أَي: من الجهة التي لا يشعرون أَنَّ ذلك الإِنعام عليهم استدراج بل يزعمون أَن ذلك إِيثار لهم وتفضيل على المؤمنين مع أَنه سبب هلاكهم. ٤٥ - ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾: (وَأُمْلِي لَهُمْ): وأُمْهلهم بتأخير العذاب وأَمنحهم كثيرًا من النعم ليزدادوا إِثما وهم يحسبون أَن ذلك لإِرادة الخير بهم. (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) إِن تدبيري وعذابي لقويٌّ شديد لا يُدْفع بشيءٍ فلا يفوتني أَحد ولا يعجزني، وسمّى إِحسانه وتمكينه وإِمهاله لهم كيدا كما سمَّاه استدراجًا فيما سبق لكونه في صورة الكيد والاستدراج؛ حيث كان ذلك سببًا لتورطهم في الهلاك والوقوع فيه، والله سبحانه يفعل بهم ما هو نفع لهم ظاهرًا وهو ضرر لهم في الحقيقة لِمَا عَلِم من خُبْث نِيَّتهم وفساد طبيعتهم وتَمَاديِهِم في الكفر والعصيان، ووصف كيده بالمتانة لقوة أَثره في التَّسبُّب للهلاك.

стр. 5168

٤٦ - ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦)﴾: عاد الكلام إِلى ما تقدم من قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ … ) الآية، أَي: أَم تلتمس وتطلب منهم على هدايتك لهم ودعوتهم إِلى الله وإِرشادهم إِلى الإِيمان أَجرًا دنيويًّا وثوابًا ماديًّا فهم من غرامة ذلك مثقلون لِمَا يشق عليهم من بذل المال، فيثبَّطهم ذلك عن الإِيمان بالله والاستجابة لما تدعوهم إِليه فيعرضون عنك سبب ذلك، والأَمر ليس كذلك فليس عليهم كلفة ولا غرامة مالية، بل سيتولون بمتابعتك على خزائن الأَرض في الدنيا ويصلون إِلى جنات النعيم في الآخرة. ٤٧ - ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾: أَي: بل أَعندهم علم الغيب فهم يكتبون عنه ما يحكمون به لأَنفسهم مِنْ أَنّهم أَفضل منك وأَنهم لا يعاقبون وغير ذلك مِمَّا يدعون، واستغنوا بذلك عن علمك؟! وقيل المعنى: أَينزل عليهم الوحي بهذا الذي يحكمون؟! ليس عندهم شيء من ذلك. ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾

стр. 5169

المفردات (صَاحِبِ الْحُوتِ): يونس ﵇. (مَكْظُومٌ): مملوء قلبه غيظًا وغضبًا، وقيل: مغموم مكروب. (لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ): لطرح من بطن الحوت بالأَرض الفضاء المهلكة. (فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ): فاصطفاه بقبول توبته. (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ): أَي: ينظرون إِليك نظرًا شديدا يكاد يصرعك ويسقطك من مكانك لبغضهم لك. التفسير ٤٨ - ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾: المعنى: فاصبر يا محمد لحكم ربك: وهو إِمهالهم وتأخير نصرتك عليهم مع ما تعانيه منهم من أَذى وكرب وبلاء، فإِن الله سبحانه سيحكم لك عليهم، ويجعل العاقبة لك ولأَتباعك في الدنيا والآخرة، روي أَنه ﷺ أَراد أَن يدعو على ثقيف لَمَّا آذوه حين عرض نفسه على القبائل فنزلت. (وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ): وهو يونس ﵇ أَي: لا تكن مثله في العجلة والضجر والغضب على قومه، فكان من أَمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له وشروده به في البحار وظلمات اليم (إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) حين دعا ربه في بطن الحوت فقال: (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، (وَهُوَ مَكْظُومٌ) أَي: وقلبه مملوء بالغيظ والغضب على قومه) أَي: وقلبه مملوء بالغيظ والغضب على قومه إِذ لم يؤمنوا حين دعاهم إلي الإِيمان فطلب من ربه تعجيل عذابهم، والمراد: ولا يكن حالك كحاله وقت ندائه، ولا يُوجد منك ما وُجِد منه من المغاضبة والدُّعاء على قومه بالعذاب؛ فتُبتلى بنحو بلائه ﵇.

стр. 5170

٤٩ - ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩)﴾: المعنى: لولا أَن تداركته نعمة من ربه - وهي توفيقه للتوبة وقبولها - لطرح من بطن الحوت بالأَرض الفضاءِ الخالية من الأَشجار وغيرها مذمومًا مُعاقبًا على ما صدر منه، ولكن أدركته رحمة ربه وعنايته به فَطُرِح سقيمًا غير مذموم: أي، غير مبعد عن كل خير، وقيل المعنى: لولا فضلُ الله عليه بقبول توبته وتسبيحه لبقي في بطن الحوت إِلى يوم القيامة ثم نُبِذ بعراءِ القيامة مذمومًا، يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١) ذكره القرطبي. ٥٠ - ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)﴾: (فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ) أَي فتداركه نعمة من ربه فاجتباه، أَي: اصطفاه بأَن رد إليه الوحي وأَرسله إِلى مائة أَلف أَو يزيدون، وقيل: استنبأَه إِنْ صَحّ أَنَّه لم يكن نبيًّا قبل هذه الواقعة، وإِنَّما كان رسولًا لبعض المرسلين (فَجَعَلَهُ مِنْ الصَّالِحِينَ) أَي: من الكاملين في الصَّلاح بأَن عصمه - سبحانه - من أَن يفعل فعلًا يكون تركه أَولى. ٥١ - ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)﴾: المعنى ١ - إِنهم لِشدَّة عداوتهم وبغضهم لك ينظرون إِليك شزرًا وحقدًا بحيث يكادون يزلُّون قدمك ويُزِيلُونك من مكانك، من قولهم: نظر إِلي نظرًا يكاد يصرعني أَو يكاد يأكلني، أَي: لو أَمكنه بنظره الصرع أَو الأكل لفعله. ٢ - وقيل المعنى: إِنهم يكادون يصيبونك بالعين، ولقد كان ذلك معروفًا في بني أَسد، ذكر الآلوسي وغيره أَن الكفار سأَلوا رجلًا منهم أَن يصيب رسول الله بالعين فأَجابهم، فلما مر النبي ﷺ الله عليه وسلم أَنشد الرجل: قد كان قومُك يحسبونَك سيدًا … وإِخالُ أَنَّك سَيِّدٌ معيون

стр. 5171

فعصم الله نبيه ﷺ فنزلت هذه الآية، وذكر نحوه الماوردي والقرطبي وكذلك الكشاف مع اختلاف في بعض العبارات، وعبارة الكشاف: فقال الرجل لرسول الله: لم أَرَ كاليوم رجلًا - يريد بذلك أَنه لم يَرَ رجُلًا مثلَ الرسولِ - فعصمه الله. ولقد صَحَّ من عدة طرق أَن العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر، فالعين حق. وذلك من خصائص بعض النفوس، ولله تعالى أَن يخص ما شاءَ منها بما شاء. قال العلامة الآلوسي في تعقيبه على ذلك: وأَنا لا أَزيد على القول بأَنه من تأثيرات النفوس (ولا أُكيِّف ذلك) فالنفس الإِنسانية من أَعجب مخلوقات الله وكم طوى فيها أَسرارًا وعجائب تتحيَّر فيها العقول ولا ينكرها إِلاَّ مجنون أَو جهول. ولا يسعني أَن أُنكر العين لكثرة الأَحاديث الواردة فيها ومشاهدة آثارها على اختلاف الأَعضاء. ولابن كثير كلام كثير في هذا المقام فليرجع إِليه من أراد. (لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) أَي: يزلقونك بأَبصارهم وقت سماعهم القرآن؛ وذلك لشدة بغضهم وحسدهم لرسول الله حين سماعه (وَيَقُولُونَ) لغاية حيرتهم في أَمره ﵊ ونهاية جهلهم بما في القرآن من عجائب الحكم وبدائع العلوم ولتنفير الناس منه: (إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ): أَي: ينسبونه إِلى الجنون): أَي: ينسبونه إِلى الجنون إِذا سمعوه يقرأ القرآن، أَي: حكموا بجنونه لسماعهم القرآن منه وهم يعلمون أَنه أَعقل الناس وأَحكمهم، وحيث كان مدار حكمهم الباطل ما سمعوا منه ﷺ من القرآن رَدَّ - سبحانه - ذلك ببيان علو شأن القرآن وسطوع برهانه فقال: (وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ). ٥٢ - ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾: الأُسلوب يفيد بطلان قولهم وتعجيب السامعين من جرأَتهم على التفوه بتلك الفرية العظيمة

стр. 5172

أَي: يقولون ذلك والحال أَنَّ القرآن ذِكْرٌ للعالمين، أَي: تذكير لهم وبيان لجميع ما يحتاجون إِليه من أُمور دينهم، فكيف يحكم على من أُنْزِل عليه ذلك بالجنون وهو مطلع على أَسراره طُرًّا، ومحيط بجميع حقائقه خبرًا، وقيل: معنى الذكر: الشرف والفضل لقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) (١) لِما فيه من الاعتناءِ بما ينفعهم. وقيل: الضمير (هُوَ) لرسول الله ﷺ وكونه - صلوات الله وسلامه عليه - مذكرًا وشرفًا لجميع العالمين لا ريب فيه. (والله أَعلم)

стр. 5173

سورة الحاقة هذه السورة الكريمة مكية وآياتها إِحدى وخمسون آية والدليل على أَنها نزلت من مكة المكرمة ما أَخرجه الإِمام أَحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: خرجت أَتعرض لرسول الله ﷺ قبل أَن أُسلم فوجدته قد سبقني إِلى المسد، فوقفت خلفه فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أَعجب من تأَليف القرآن وقلت: هذا والله شاعر، فقال الرسول: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ) قلت: كاهن، فقال: (وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ. تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ .. ) إِلى آخر السورة، فوقع الإِسلام في قلبي كل موقع. مناسبة هذه السورة لما قبلها: جاءَ في سورة (نون) ذكر يوم القيامة مجملًا في قوله تعالى: (وَلَعَذَابُ الآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ* إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) فبيَّن - سبحانه - في هذه السورة الكريمة نبأَ ذلك اليوم وشأنه العظيم، وذكر أَحوال أُمم كذبوا رسلهم ﵈ وما أَصاب هؤلاءِ الأَقوام بسبب ذلك التكذيب من التنكيل والعذاب؛ ليزدجر ويرتدع المكذبون المعاصرون له ﵊. بعض مقاصد السورة: ١ - بدأَت بذكر صفة القيامة على صورة تبعث في النفوس الهيبة والخوف والفزع منها قال تعالى (الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ). ٢ - تحدثت عن أَقوام من السابقين - عاد وثمود وفرعون ومن قبله وقوم لوط - وقد بلغوا في البغي والطغيان غايته - قد نكل بهم فأَبادهم وجعل بعضهم أَثرًا بعد عين، وبعضًا آخر ليس لهم من باقية ولا أَثر. ٣ - جاءَ فيها ذكر بعض نعم الله على الإِنسان وأَنه نجَّاه يوم لا عاصم من أَمر الله إِلاَّ من رحم، وذلك للتذكرة والاعتبار، قال تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً).

стр. 5174

٤ - عرضت بعد ذلك لذكر أَهوال قيام الساعة: من النفخ في الصور، ورفع الأَرض والجبال وتفتتها، وانشقاق السماء وتداعيها، ووقوف الملائكة على جوانبها، إِلى غير ذلك من الأَهوال والأَحداث الجسام. ٥ - عرضت السورة لمآل من فاز ونجا وأُوتي كتابه بيمينه، وبينت فرحه وافتخاره بذلك قال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ) كما أظهرت عاقبة من بار وهلك وأُوتي كتابه بشماله، وأَوضحت حسرته وندمه حيث لا ينفع ذلك، قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ). وفي ختام هذه السورة الكريمة جاءَ التأكيد على أَن القرآن الكريم من عند الله وليس شعرًا ولا كهانة، بل إِنه تنزيل من رب العالمين، وأَن محمدًا ﷺ لو افترى وتقول على الله شيئًا لأَخذ الله بيمينه وقطع نياط قلبه، فما يستطيع أَحد أَن يمنعه من تنكيل الله به، وكانت نهاية الختام بيان أَن القرآن يُذَكر المتقين فينتفعون ويعملون بما فيه، وأَنه - سبحانه - يعْلْم المكذبين فيجازيهم على ما اقترفوا وقدموا. ثم كان الأَمر منه - سبحانه - لرسوله أَن ينزهه عمَّا لا يليق به (فَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾ المفردات: (الْحَاقَّةُ): من حَق: إِذا ثبت ووجب، والمراد بها القيامة. التفسير ١ - ٢ - ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾: الحاقة؛ هي القيامة: وسميت بهذا الاسم لأَنها الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء، فهي آتية

стр. 5175

لا ريب فيها، أَو هي التي تثبت فيها الأُمور الحقة من الحساب والثواب والعقاب، أَو التي تعرف بها الأُمور على الحقيقة. وافتتحت السورة الكريمة بذكر القيامة بهذا الأُسلوب ليزيد الله المؤمنين إِيمانًا لهم بها؛ لأَنهم يعلمون أَنها الحق الثابت الذي لا يتغير، وإِن كانوا مشفقين منها وخائفين من وقعها، كما أَن هذا النسق البديع يقطع بأَن الذين يجادلون ويمارون في وقوعها أَو يتشككون في ذلك لفي بعد عن الحق وتجافٍ عن الصواب، قوله (مَا الْحَاقَّةُ) استفهام أُريد به التعظيم والتفخيم والأَصل: الحاقة ما هي؟ أَيْ: أَيّ شيء هي في صفتها وحالها؟ فوضع الظاهر (الْحَاقَّةُ) موضع المضمر تعظيمًا لشأنها وتهويلًا لأَمرها. ٣ - ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾: هذا أَيضًا استفهام أُريد به التعظيم والتفخيم، أَي: أَي شيء أَعلمك بذلك اليوم؟ يعني أَنك لا علم لك بحقيقتها ومدى عظمها وشدة هولها؛ إِذ إِنها في العظم والشدة بحيث لا يصل إلي ذلك علم أَحد ولا همه، وكيفما قدرت حالها فهي أَعظم وأَشد من ذلك. هذا والنبي ﷺ كان عالمًا بالقيامة، ولكنه لمَّا لم يعاينها ولم يشاهدها فكأَنه ليس عالمًا بها، قال يحيى بن سلام: بلغني أَن كل شيء في القرآن (وَمَا أَدْرَاكَ) فقد أراه الله إِيَّاه، وعلمه، وكل شيءٍ قال: (وَمَا أَدْرَاكَ) فهو ممَّا لم يُعَلِّمه، كما روي عن سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: (وَمَا أَدْرَاكَ) أُخبر به، وكل شيءٍ قال فيه: (وَمَا أَدْرَاكَ) فإِنه لم يخبر به. - ذكره القرطبي -.

стр. 5176

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾ المفردات: (الْقَارِعَةِ): القيامة؛ سميت بذلك لأَنها تقرع الناس بالأَفزاع والأَهوال التي تحدث فيها. (الطَّاغِيَةِ): الواقعة المجاوزة للحدود، وهي الصيحة أَو الرجفة، وقيل غير ذلك. (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ): شديدة الصوت، من الصَّر، أَو شديدة البرد، من الصِّر. (عَاتِيَةٍ): شديدة العصف والعتّو فلا يستطيع أَحد ردها. (حُسُومًا): نحسات مشئومات حسمت وقطعت كل خير، أَو متتابعات، وقيل غير ذلك. (صَرْعَى): هلكى لا حراك بهم. (أَعْجَازُ نَخْلٍ): أُصول نخل قد تآكلت وخلت أَجوافها .. (وَالْمُؤْتَفِكَاتُ): المنقلبات، وهي قرى قوم لوط ﵇ التي رفعها جبريل وقلبها هي ومَن فيها.

стр. 5177

(الْخَاطِئَةِ): القبيحة الشائهة. (رَابِيَةً): زائدة في الشدة. (طَغَى الْمَاءُ): تجاوز حده حتى علَا على أَعْلَى الجبال. (الْجَارِيَةِ): سفينة نوح ﵇. (تَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ): تحفظها أُذن من شأنها أَن تحفظ ما سمعت به. التفسير ٤ - ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾: لما ذكر الله - سبحانه - الحاقة وبين خطرها وعظم شأنها أَتبع ذلك بذكر من كذب بها من الأُمم السابقة، مع بيان ما حل بهم من النكال والعذاب بسبب تكذيبهم وذلك تذكيرا لأَهل مكة وتخويفًا لهم من عاقبة ما هم عليه من العناد والتكذيب. والقارعة: هي التي تقرع الناس وتخيفهم وتفزعهم، وتقرع السماء بالانشقاق، والجبال والأَرض بالدك والنسف، والنجوم بالطمس والسقوط، وجاءَت (القارعة) موضع الحاقة أَو ضميرها زيادة في وصف شدتها وتهويل أَمرها، كذبت ثمود قوم صالح ﵇ وكذبت عاد قوم هود ﵇ بهذا اليوم. ٥ - ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾: هذا بيان لما سبق وتفصيل لما أَجمل، وذلك ذكر ما حاق ونزل بهؤُلاءِ وأُولئك من العذاب فأَخبر - سبحانه - أَن ثمود قد أَهلكهم الله بالطاغية، وهي الواقعة المجاوزة للحد في الشدة والقوة، وهي الصيحة التي زادت وتجاوزت كل الصيحات، وقال بعضهم: إِنها الرجفة والزلزال المسبب عن الصيحة، وقيل: إِن المراد من الطاغية هو ذلك الرجل الذي أَقدم على عقر الناقة واسمه قُدار بن سالف، وقد أَهلكهم الله جميعا لأَنهم رضوا بفعله ومالأوه.

стр. 5178

٦ - ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾: وهذا نوع آخر من العذاب أَنزله الله على عاد قوم هود ﵇ لما كذبوا رسولهم واستهانوا به وقالوا له: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ (١) فأَهلكهم الله بريحٍ شديدة الصوت، أَو بريح باردةٍ (٢) كأَنها التي كرر فيها البرد وكثر حتى تحرق بشدة بردها، وهذه الريح هي الدَّبُور، ففي الحديث الذي أَخرجه البخاري ومسلم يقول ﷺ : "نُصِرْتُ بِالْصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ" والمراد من وصفها بالعتو أَنها قد بلغت منتهاها ووصلت غايتها في القوة والشدة، أَو عتت على عاد فلم يقدروا على ردّها بحيلة من استتار ببناءٍ أَو استناد إِلى جبل أَو اختفاءٍ في حفرة؛ فإِنها كانت تنزعهم من مكانهم وتهلكهم. ٧ - ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)﴾: هذا بيان لكيفية إِهلاكهم بالريح، أَي: سلط الله تلك الريح وأَرسلها عليهم سبع ليال وثمانية أَيام متتابعات دون فتور أَو انقطاع حتى قطعت دابرهم واستأصلت شأْفَتهم، أَو أَن تلك الليالي والأَيام كانت نحسات مشئومات عليهم، وقيل إِنها هي أَيام العجوز وإِنما سميت بذلك لأَن عجوزا من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأَهلكتها، وقيل: هي أَيام العجز وهي آخر الشتاءِ فترى وتبصر يا من تتأَتى منك الرؤْية - إِن كنت حاضرًا حينئذ - ترى هؤُلاءِ القوم في تلك الليالي والأيام، أو في مهاب الريح موتى وهلكى، يشبهون ويماثلون أُصول نخل خالية الأَجواف لا شيء فيها؛ لأَن الريح تسلطت عليهم فكانت تدخل أَجوافهم فتصرعها وتخرج أَحشاءَهم، أَو خاوية بمعنى بالية؛ لأَنها إِذا بليت خلت أَجوافها، فشبهوا بعد أَن هلكوا بالنخل الخاوية، وتشبيههم بأَعجاز النخل يشعر بأَنهم كانوا عظامًا في خلْقِهِمْ وأَجسامهم.

стр. 5179

٨ - ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾: أَي فهل ترى وتبصر لَهم من بقية؟ أَو من نفس باقية؟ أَو من بقاء؟! وذهب قوم إِلى أَن هؤُلاءِ القوم لم يبق من نسلهم أَحد واستدل بهذه الآية على قوله. ٩ - ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩)﴾: أَي وجاءَ فرعون - ذلك الجبار الطاغي - ومن سبقه من الأُمم التي كفرت كثمود وعاد ومن تبعهما من الأَعوان والجنود، وجاءَ أَيضًا أَهل تلك القرى الذين كذَّبوا نبي الله لوطا ﵇ فكفأَ وقلب جبريل ﵇ تلك القرى ومن فيها، وجاء هؤُلاء وأُولئك جميعًا بالفعلة ذات الخطأ الجسيم والإِثم العظيم. ١٠ - ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)﴾: بيّن الله في تلك الآية ذلك الخطأَ الشديد والفعلة الشائنة المنكرة وأَبان عقوبتها، بينها - سبحانه - بأَنها كانت عصيان كل أَمة لرسولها حيث لم ينتهوا عما نهاهم عنه مما كانوا يفعلونه من أَلوان القبائح وضروب الفواحش، فأَنزل الله بهم من العذاب الشديد ما يتوافق ويتناسب مع قبح أَفعالهم وشناعة عصيانهم؛ فأَخذهم أَخذة زائدة شديدة. ١١ - ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾: هذا بيان لفضل من الله ومنة على المؤمنين، وزجر وتهديد للكافرين، أَي: إِننا وقت أَن طغى الماءُ وتجاوز حده المعتاد حتى علا وارتفع فوق كل شيءٍ، وذلك بسبب إِصرار قوم نوح ﵇ على ضروب المعاصي والكفر ومبالغتهم في الاستهزاءِ به، وفي تكذيب ما جاءَ به من الأَحكام والشرائع التي من جملتها أخبار وأَحوال يوم القيامة، إِننا بقدرتنا - وتفضلا منا - جعلناكم ذرية من نجا من الغرق بسبب إِيمانهم بالله وطاعتهم لنبيه نوح ﵇ ورفعنا آباءَكم وأَنتم في أَصلابهم فوق الماءِ إِلى انقضاءِ أَيام الطوفان، ورفعنا آباءَكم في السفينة الجارية بأَمرنا وحفظنا، وأَغرقنا الكافرين ببغيهم وعصيانهم.

стр. 5180

١٢ - ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾: أَي: لنجعل تلك الفعلة - وهي إِنجاءُ المؤمنين وإِغراقُ الكفرة - عظة وعبرة لكم، ولكي تحفظها في نفسها وتسمعها وتعمل بها أُذن من شأنها أَن تحفظ وتعي ما ينبغي حفظه، وذلك بأَن تتفكر فيه وتتذكره وتشيعه ولا تضيعه بترك العمل به، وعن قتادة: الواعية: هي التي عقلت عن الله - تعالى - وانتفعت بما سمعت من كتاب الله . وجاءَ قوله تعالى: (أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) على الإِفراد والتنكير للإِشعار بأَن الذين يعون ويعقلون ما يسمعون ويعلمون به هم قلة في هؤلاء القوم، ولتوبيخ النَّاس ولومهم بقلة من يعي منهم، وللدلالة - أَيضًا - على أَن الأُذن الواحدة إذا وعت وعقلت من الله فهي المكرمة عند الله، وأَنَّ ما سواها لا يلتفت إِليهم وإِن امتلأَ العالم بهم. ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ المفردات: (فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً): فضرب بعضها ببعض حتى اندقت وتفتتت. (وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ): انصدعت بعضها عن بعض. (وَاهِيَةٌ): مسترخية ساقطة القوى ضعيفة. (عَلَى أَرْجَائِهَا): الأَرجاءُ: جمع رجًى، وهو الجنب، أَي: على جوانبها.

стр. 5181

التفسير ١٣ - ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾: هذا شروع في بيان نفس الحاقة وكيفية وقوعها إِثر بيان عظمة شأنها بإِهلاك مكذبيها والمراد من النفخة الواحدة - هي نفخة الملك في البوق - وقد أَكدها ههنا بأَنها واحدة لأَن أَمر الله لا يخالف ولا يمانع ولا يحتاج إِلى تكرار، والأَولى أَن يقال: إِنها النفخة الأُولى التي عندها يحصل خراب العالم. قال الإِمام الفخر الرازي: فإِن قيل: لماذا قال بعد ذلك: (يَوْمِئذٍ تُعْرَضُونَ) والعرض إِنما يكون عند النفخة الثانية؟ قلنا: جعل اليوم اسمًا للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان والصعقة والنشور والوقوف والحساب، فلذلك قال: (يَوْمِئذٍ تُعْرَضُونَ) كما تقول جئتك عام كذا، وإِنما كان مجيئك في وقت واحد من أَوقاته. أ. هـ. ١٤ - ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾: أَي: رفعت الأَرض والجبال من أَماكنها إِما بالزلزلة، أَو بريح بلغت من قوة عصفها أَنها تحمل الأَرض والجبال، أَو بملك من الملائكة، أَو بقدرة الله من غير سبب (١) فضربت الأَرض والجبال بعضها بعض ضربة واحدة حتى تندق وتتفتت وتصير كثيبا مهيلا: أَي، رملا رخوا لينًا بعد أَن كانت قوية صلبة متماسكة، وقيل: تنفرق أَجزاؤُها كما قال - سبحانه - ﴿هَبَاءً مُّنبَثًّا﴾ (٢) وقيل: المراد فبسطتا بسطة واحدة وسويتا فصارتا أَرضًا لا ترى فيها عوجًا ولا أَمتا: أَي، لا تبصر فيها انخفاضًا ولا ارتفاعًا. ١٥ - ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾: أَي: فيوم إِذ حدث ذلك من النفخ في الصور ودك الأَرض والجبال نزلت النازلة وقامت القيامة الكبرى. ١٦ - ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾: أَي: وتفطرت السماءُ وتميز بعضها عن بعض، فهي في هذا اليوم مسترخية ساقطة القوة، وذلك بعد أَن كانت محكمة متماسكة.

стр. 5182

١٧ - ١٨ - ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾: أَي: والملائكة بعد انشقاق السماء وتداعيها - وهي مسكنهم - يقفون على جوانبها وأَطرافها فزعين خائفين من عظمة الله ذي الجلال، ومن هول ذلك اليوم، ويحمل عرش الرحمن - جلَّ وعلا - ثمانية من الملائكة العظام، أَو ثمانية صفوف، ويكون العرش وحملته فوق الملائكة الذين على أَرجاءِ وأَطراف السموات، وقيل: إِن حمل العرش - يومئذ - يكون فوق ظهورهم أَو على رءُوسهم وليس بأَيديهم. وفي هذا اليوم العصيب الرهيب تعرضون على ربكم للمحاسبة والمساءَلة، قيل: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأَما عرضتان فجدال ومعاذير، وأَما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف فآخذ بيمينه وآخذ بشماله. (لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) أَي: غير خاف عليه سر من أَسراركم لا في هذا اليوم ولا في غيره، وقد جاءَ النظم الكريم على هذه الصورة لمزيد تهديدهم، أَي: تعرضون على من لا يخفى عليه شيءٌ أَصلا، أَو المراد لا يخفى يوم القيامة ما كان مستترا في الدنيا بستر الله عليكم؛ فإِنه - سبحانه - في هذا اليوم يظهر أَحوال المؤْمنين للملأ في عرضات القيامة، فيتكامل سرورهم، ويبدي - جل شأنه - أَحوال أَهل العذاب فيظهر بذلك خزيهم وفضيحتهم وهو المراد من قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ (١). روي أَن عمر بن الخطاب ﵁ قال: حاسبوا أَنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أَنفسكم قبل أن توزنوا؛ فإِنه أَخف عليكم في الحساب غدًا أَن تحاسبوا أَنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأَكبر.

стр. 5183

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ المفردات: (هَاؤُمْ): خذوا. (قُطُوفُهَا): جمع قِطف، وهو ما يجتنى من الثمر. (بِمَا أَسْلَفْتُمْ): بما قدمتم من الأَعمال الصالحة في الدنيا (١). (الْقَاضِيَةَ): القاطعة لأَمري ولم أُبعث بعدها. (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ): بطلت حجتي التي كنت أَحتج بها في الدنيا، وقيل غير ذلك. التفسير ١٩ - ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾: هذا توضيح وتبيين لما سبق إِجماله في قوله (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ) إِذ بالعرض تظهر أَحوال المؤمنين وغيرهم، فأَما الفريق المؤمن الذي يأخذ كتابه بيمينه فيعلم - آنئذ -

стр. 5184

أَنه من الناجين الفائزين بالنعيم، لأَن اليمين عند العرب من دلائل الفرح، والمراد بالكتاب هنا: ما كتبته الملائكة وسطرته على العبد من الأَعمال خيرها وشرها، أَي فيقول كل واحد من هؤُلاءِ السعداءِ لغيره أَو لأَهل قرابته - سرورا بنجاته -: (هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) أَي: خذوا كتابي هذا فاقرءُوه حتى ينالكم ما نالني من السرور والفرح؛ ليكمل أُنسي ويزداد ابتهاجي وحبوري. ٢٠ - ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾: أي: إِني كنت في دنيادي أَعمل الخير وأُحسن القصد وأُتقن العمل وأَرجو منه - سبحانه - أَن يجعل عملي خالصا لوجهه غير مدخول برياءٍ أو سمعة، وإِني ظننت في الدنيا أَن ربي - جل شأَنه - سيحاسبني يوم القيامة حسابا يسيرا، وقد حاسبني ﵎ كما ظننت؛ فالله جلت قدرته - عند ظن عبده به، وقيل: المراد بالظن هنا اليقين والعلم وذلك بناءً على أَن الظاهر من حال المؤْمن تيقن أمور الآخرة، ولكن لمّا كان فيها من التفاوت كسهولة الحساب وشدته - مثلا - عبر عن العلم بالظن للإِشعار والإِشارة إِلى ذلك. ٢١ - ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾: أَي: إِن هذا الفريق صاحب اليمين في عيشة وحياة قد رضي بها تمام الرضا واطمأن إِليها كمال الاطمئنان؛ وذلك لدوامها وعظمها وخلوصها من الشوائب والأَكدار حتى كأَن تلك العيشة نفسها راضية، وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ : "أَنَّهمْ يعِيشون فَلَا يمُوتون أَبدا. ويصِحُّون فَلا يمْرضون أَبدًا، وينْعمون فلَا يرَوْن بؤْسًا أَبدًا، ويشِبُّون فَلَا يَهْرمُونَ أَبَدًا". ٢٢ - ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢)﴾: أَي: يعيش هذا الفريق تلك العيشة الراضية ويحيا هذه الحياة الهانئة في جنة رفيعة القدر عظيمة المنزلة، وهي - كما جاءَ في تفسير ابن كثير - رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم حبورها. هذا والجنة في ذاتها عالية فهي فوق السموات غير أَن منازل بعضهم فيها فوق منازل الآخرين، وذلك لتفاوت درجات أَهلها.

стр. 5185

٢٣ - ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾: أَي: ثمارها قريبة التناول يدركها ويأُخذها القائم والجالس والمضطجع، أَو سهلة التناول أَخرج عبد بن حميد عن قتادة أَنه قال: دنت فلا يرد أَيديهم عنه بعدٌ ولا شوك: ٢٤ - ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾: يقال لهم ذلك من قبل الله تعظيما لشأنهم وإِدخالا للسرور في قلوبهم، أَي: كلوا أَكلا سائغا لذيذا بلا عناءٍ ولا مشقة، واشربوا شربا رويًّا لا ظمأَ بعده، ولا يعقب هذا الأَكل والشرب شائبة من تنغيص أَو ضرر، وذلك بسبب ما قدمتم من الأَعمال الصالحة في أَيامكم التي خلت ومضت وهي أَيام الدنيا، وهذا الجزاءُ جاءَ منه - سبحانه - تفضلا عليهم وإِكراما لهم، وإِحسانا إِليهم، فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أَنه قال: "اعملوا وسدِّدوا وقارِبُوا واعلموا أَن أَحدًا منكم لن يدخلَ بعمله الجنة" قالوا: ولا أَنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أَنا إِلاَّ أَن يتغمدَني الله برحمةٍ منه وفضل"، وقيل المراد من الأَيام الخالية هي أَيام الصيام التي تقلصت فيها شفاههم وغارت أَعينهم وخمصت وجاعت بطونهم من ترك الطعام والشراب امتثالا لأَمر ربهم وابتغاءً لوجهه - سبحانه - فعوضهم عما فاتهم في صومهم. ولما بين الله حال أَصحاب اليمين وما نالوه من سعادة أَبدية في الدار الآخرة أَردفه وأَعقبه ذكر أَصحاب الشمال وما يقاسونه من ضروب الخزي وأَلوان العذاب وصنوفه، فقال: ٢٥ - ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥)﴾: أَي: أَن هذا الصنف الذي يعطى كتابه بشماله - وهو أَمارة النحس وشؤم الطالع - يقول - وقد ملأَته الحسرة وجلَّله الخزي والذل -: يا ليتني لم أُعط كتابي وصحيفة أَعمالي التي تذكرني بقبائح أَفعالي، إِنه من شدة خجله وفرط هوانه يتمنى لو عُذِّب بالنار دون أَن يعرض عليه كتابه حتى لا يناله ذلك العذاب الروحاني الذي هو أَشق وأَشد من العذاب الجسماني.
следующие страницы →