التفسير
١٣ - ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾:
هذا شروع في بيان نفس الحاقة وكيفية وقوعها إِثر بيان عظمة شأنها بإِهلاك مكذبيها والمراد من النفخة الواحدة - هي نفخة الملك في البوق - وقد أَكدها ههنا بأَنها واحدة لأَن أَمر الله لا يخالف ولا يمانع ولا يحتاج إِلى تكرار، والأَولى أَن يقال: إِنها النفخة الأُولى التي عندها يحصل خراب العالم. قال الإِمام الفخر الرازي: فإِن قيل: لماذا قال بعد ذلك: (يَوْمِئذٍ تُعْرَضُونَ) والعرض إِنما يكون عند النفخة الثانية؟ قلنا: جعل اليوم اسمًا للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان والصعقة والنشور والوقوف والحساب، فلذلك قال: (يَوْمِئذٍ تُعْرَضُونَ) كما تقول جئتك عام كذا، وإِنما كان مجيئك في وقت واحد من أَوقاته. أ. هـ.
١٤ - ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾:
أَي: رفعت الأَرض والجبال من أَماكنها إِما بالزلزلة، أَو بريح بلغت من قوة عصفها أَنها تحمل الأَرض والجبال، أَو بملك من الملائكة، أَو بقدرة الله من غير سبب (١) فضربت الأَرض والجبال بعضها بعض ضربة واحدة حتى تندق وتتفتت وتصير كثيبا مهيلا: أَي، رملا رخوا لينًا بعد أَن كانت قوية صلبة متماسكة، وقيل: تنفرق أَجزاؤُها كما قال - سبحانه - ﴿هَبَاءً مُّنبَثًّا﴾ (٢) وقيل: المراد فبسطتا بسطة واحدة وسويتا فصارتا أَرضًا لا ترى فيها عوجًا ولا أَمتا: أَي، لا تبصر فيها انخفاضًا ولا ارتفاعًا.
١٥ - ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾:
أَي: فيوم إِذ حدث ذلك من النفخ في الصور ودك الأَرض والجبال نزلت النازلة وقامت القيامة الكبرى.
١٦ - ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾:
أَي: وتفطرت السماءُ وتميز بعضها عن بعض، فهي في هذا اليوم مسترخية ساقطة القوة، وذلك بعد أَن كانت محكمة متماسكة.
стр. 5182
١٧ - ١٨ - ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾:
أَي: والملائكة بعد انشقاق السماء وتداعيها - وهي مسكنهم - يقفون على جوانبها وأَطرافها فزعين خائفين من عظمة الله ذي الجلال، ومن هول ذلك اليوم، ويحمل عرش الرحمن - جلَّ وعلا - ثمانية من الملائكة العظام، أَو ثمانية صفوف، ويكون العرش وحملته فوق الملائكة الذين على أَرجاءِ وأَطراف السموات، وقيل: إِن حمل العرش - يومئذ - يكون فوق ظهورهم أَو على رءُوسهم وليس بأَيديهم.
وفي هذا اليوم العصيب الرهيب تعرضون على ربكم للمحاسبة والمساءَلة، قيل: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأَما عرضتان فجدال ومعاذير، وأَما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف فآخذ بيمينه وآخذ بشماله. (لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) أَي: غير خاف عليه سر من أَسراركم لا في هذا اليوم ولا في غيره، وقد جاءَ النظم الكريم على هذه الصورة لمزيد تهديدهم، أَي: تعرضون على من لا يخفى عليه شيءٌ أَصلا، أَو المراد لا يخفى يوم القيامة ما كان مستترا في الدنيا بستر الله عليكم؛ فإِنه - سبحانه - في هذا اليوم يظهر أَحوال المؤْمنين للملأ في عرضات القيامة، فيتكامل سرورهم، ويبدي - جل شأنه - أَحوال أَهل العذاب فيظهر بذلك خزيهم وفضيحتهم وهو المراد من قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ (١).
روي أَن عمر بن الخطاب ﵁ قال: حاسبوا أَنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أَنفسكم قبل أن توزنوا؛ فإِنه أَخف عليكم في الحساب غدًا أَن تحاسبوا أَنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأَكبر.
стр. 5183
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾
المفردات:
(هَاؤُمْ): خذوا.
(قُطُوفُهَا): جمع قِطف، وهو ما يجتنى من الثمر.
(بِمَا أَسْلَفْتُمْ): بما قدمتم من الأَعمال الصالحة في الدنيا (١).
(الْقَاضِيَةَ): القاطعة لأَمري ولم أُبعث بعدها.
(هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ): بطلت حجتي التي كنت أَحتج بها في الدنيا، وقيل غير ذلك.
التفسير
١٩ - ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾:
هذا توضيح وتبيين لما سبق إِجماله في قوله (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ) إِذ بالعرض تظهر أَحوال المؤمنين وغيرهم، فأَما الفريق المؤمن الذي يأخذ كتابه بيمينه فيعلم - آنئذ -
стр. 5184
أَنه من الناجين الفائزين بالنعيم، لأَن اليمين عند العرب من دلائل الفرح، والمراد بالكتاب هنا: ما كتبته الملائكة وسطرته على العبد من الأَعمال خيرها وشرها، أَي فيقول كل واحد من هؤُلاءِ السعداءِ لغيره أَو لأَهل قرابته - سرورا بنجاته -: (هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) أَي: خذوا كتابي هذا فاقرءُوه حتى ينالكم ما نالني من السرور والفرح؛ ليكمل أُنسي ويزداد ابتهاجي وحبوري.
٢٠ - ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾:
أي: إِني كنت في دنيادي أَعمل الخير وأُحسن القصد وأُتقن العمل وأَرجو منه - سبحانه - أَن يجعل عملي خالصا لوجهه غير مدخول برياءٍ أو سمعة، وإِني ظننت في الدنيا أَن ربي - جل شأَنه - سيحاسبني يوم القيامة حسابا يسيرا، وقد حاسبني ﵎ كما ظننت؛ فالله جلت قدرته - عند ظن عبده به، وقيل: المراد بالظن هنا اليقين والعلم وذلك بناءً على أَن الظاهر من حال المؤْمن تيقن أمور الآخرة، ولكن لمّا كان فيها من التفاوت كسهولة الحساب وشدته - مثلا - عبر عن العلم بالظن للإِشعار والإِشارة إِلى ذلك.
٢١ - ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾:
أَي: إِن هذا الفريق صاحب اليمين في عيشة وحياة قد رضي بها تمام الرضا واطمأن إِليها كمال الاطمئنان؛ وذلك لدوامها وعظمها وخلوصها من الشوائب والأَكدار حتى كأَن تلك العيشة نفسها راضية، وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ : "أَنَّهمْ يعِيشون فَلَا يمُوتون أَبدا. ويصِحُّون فَلا يمْرضون أَبدًا، وينْعمون فلَا يرَوْن بؤْسًا أَبدًا، ويشِبُّون فَلَا يَهْرمُونَ أَبَدًا".
٢٢ - ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢)﴾:
أَي: يعيش هذا الفريق تلك العيشة الراضية ويحيا هذه الحياة الهانئة في جنة رفيعة القدر عظيمة المنزلة، وهي - كما جاءَ في تفسير ابن كثير - رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم حبورها. هذا والجنة في ذاتها عالية فهي فوق السموات غير أَن منازل بعضهم فيها فوق منازل الآخرين، وذلك لتفاوت درجات أَهلها.
стр. 5185
٢٣ - ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾:
أَي: ثمارها قريبة التناول يدركها ويأُخذها القائم والجالس والمضطجع، أَو سهلة التناول أَخرج عبد بن حميد عن قتادة أَنه قال: دنت فلا يرد أَيديهم عنه بعدٌ ولا شوك:
٢٤ - ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾:
يقال لهم ذلك من قبل الله تعظيما لشأنهم وإِدخالا للسرور في قلوبهم، أَي: كلوا أَكلا سائغا لذيذا بلا عناءٍ ولا مشقة، واشربوا شربا رويًّا لا ظمأَ بعده، ولا يعقب هذا الأَكل والشرب شائبة من تنغيص أَو ضرر، وذلك بسبب ما قدمتم من الأَعمال الصالحة في أَيامكم التي خلت ومضت وهي أَيام الدنيا، وهذا الجزاءُ جاءَ منه - سبحانه - تفضلا عليهم وإِكراما لهم، وإِحسانا إِليهم، فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أَنه قال: "اعملوا وسدِّدوا وقارِبُوا واعلموا أَن أَحدًا منكم لن يدخلَ بعمله الجنة" قالوا: ولا أَنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أَنا إِلاَّ أَن يتغمدَني الله برحمةٍ منه وفضل"، وقيل المراد من الأَيام الخالية هي أَيام الصيام التي تقلصت فيها شفاههم وغارت أَعينهم وخمصت وجاعت بطونهم من ترك الطعام والشراب امتثالا لأَمر ربهم وابتغاءً لوجهه - سبحانه - فعوضهم عما فاتهم في صومهم.
ولما بين الله حال أَصحاب اليمين وما نالوه من سعادة أَبدية في الدار الآخرة أَردفه وأَعقبه ذكر أَصحاب الشمال وما يقاسونه من ضروب الخزي وأَلوان العذاب وصنوفه، فقال:
٢٥ - ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥)﴾:
أَي: أَن هذا الصنف الذي يعطى كتابه بشماله - وهو أَمارة النحس وشؤم الطالع - يقول - وقد ملأَته الحسرة وجلَّله الخزي والذل -: يا ليتني لم أُعط كتابي وصحيفة أَعمالي التي تذكرني بقبائح أَفعالي، إِنه من شدة خجله وفرط هوانه يتمنى لو عُذِّب بالنار دون أَن يعرض عليه كتابه حتى لا يناله ذلك العذاب الروحاني الذي هو أَشق وأَشد من العذاب الجسماني.
стр. 5186
٢٦ - ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾:
أَي: ولم أَعرف شيئا عن حسابي؛ إِذ لا طائل ولا نفع من وراء ذلك؛ فكتابه لم يضم ما ينجيه وليس فيه ما يغنيه من عذاب الله، إِنه قد حوى وشمل كل قبيح يشينه، وسطر فيه ما يهلكه ويرديه.
٢٧ - ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾:
أَي: يقول - متمنيا ولا ينفع التمني - ليت الموتة التي متُّها وذقتها في الدنيا كانت هي القاطعة لأَمري ولم أُبعث بعدها ولم أَنل وأَلق ما أَلقاه من العذاب المهين، أَو ليت هذه الحالة - وهي حالة مطالعته لكتابه يوم القيامة - كانت الموتة التي قضت عليّ؛ لأَنه قد صار إِلى أَمر أَشد إِيلاما ومرارة من الموت فتمناه عنده، وقد قيل: أَشد من الموت ما يتمنى الموت عنده.
٢٨ - ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨)﴾:
أَي: لم ينفعني ولم يغن عني ما كان لي في الدنيا من المال الوفير فضة وذهبا وخيلا مسومة وأَنعاما وحرثا وخدما وحشما، فقد وفدت وجئت إِلى ربي فردا وحيدا لا نصير لي ولا معين.
٢٩ - ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾:
أَي: بطلت حجتي، وضاع دليلي، وضل برهاني الذي كنت أَحتج به في الدنيا على محمد ﷺ حيث كذبتني الجوارح وشهدت علي بالشرك والمعاصي!! أَو ذهب ملكي وتسلطي وبطشي وجبروتي وبقيت ذليلا مهينا.
стр. 5187
﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾
المفردات:
(خُذُوهُ فَغُلُّوهُ): شدُّوه بالأَغلال.
(ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ): أَي: لا تدخلوه إِلا النار يقاسي حرّها.
(فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا): قياسها ومقدار طولها.
(فَاسْلُكُوهُ): فأَدخلوه فيها، أَي: تلف على جسده، وقيل غير ذلك.
(وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ): أَي: لا يحث ولا يحرض غيره على إِطعام المساكين.
(حَمِيمٌ): قريب مشفق يرق ويحترق قلبه له، أَو يحميه مما نزل له.
(غِسْلِينٍ): هو الدم والماءُ الذي يسيل من لحوم أَهل النار.
(الْخَاطِئُونَ): جمع خاطيء، وهو الذي يتعمد فعل الذنب، وهم المشركون.
التفسير
٣٢،٣١،٣٠ - ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾:
هذا تفصيل لما يلقاه الأَشقياءُ يوم القيامة حيث يأمر - سبحانه - الزبانية بأَن يأخذوا كل شقيّ فيشدوه بالأَغلال والقيود ويجمعوا بها يده إِلى عنقه، ثم يأمرهم بعد ذلك أَلاَّ يجعلوه إِلا في الجحيم وفي النار التي اشتد تأَججها وزاد سعيرها وأُوارها (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ)
стр. 5188
وهي حلق منتظمة كل حلقة منها في حلقة، أَي: لا تدخلوه إِلا في سلسلة مقدارها سبعون ذراعا ولفُّوها عليه حتى تنتظمه وتضمه، وهو فيما بينها مرهق مضيق عليه لا يقدر على الحركة، وقيل: إِن المعنى لا تدخلوا السلسلة إِلا فيه، ويكون المعنى أَن السلسلة هي التي تسلك وتدخل فيه، وهو مروي عن ابن عباس ﵄ أَنها تدخل في دبره حتى تخرج من فمه أَو من منخريه، وعند الله علم مقدار هذا الذراع، وجعلها سبعين ذراعا لإِرادة الوصف بالطول لأَنها إذا طالت كان الإِرهاق أَشد، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (١) يريد مرات كثيرة.
٣٤،٣٣ - ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾:
هذا بيان للسبب الذي استحق من أَجله هذا العذاب، أَي: استوجب واستحق هذا النكال لأَنه كان في الدنيا مستمرا وقائمًا على الكفر بالله العظيم وجاءَ وصفه - سبحانه - بالعظيم ليشعر ذلك بعظم وشدة عذابه - جل شأنه - واستحق العذاب أَيضا لأَنه لا يحث ولا يحرض غيره على طعام المسكين فضلا عن أن يبذل ماله، فهو يجمع بين البخل بماله والشح على المساكين من مال غيره، وقال صاحب الكشاف: وفي قوله تعالى: (وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) دليلان قويان على عظم الجرم في حرمان المساكين أَحدهما عطفه على الكفر وجعله قرينا له، والثاني ذكر الحض دون الفعل ليعلم أَن تارك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل؟! وعن أبي الدرداء: أَنه كان يحض امرأَته على تكثير المرق لأَجل المساكين، وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإِيمان أَفلا نخلع نصفها الآخر؟
٣٧،٣٥ - ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾:
أي: فليس له في الآخرة قريب يدفع عنه ويحزن عليه لأَنهم يتحامونه ويفرون منه كقوله تعالى: (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا) والغسلين: هو غسالة أَهل النار وما يسيل من أَبدانهم من القيح والصديد والدم، أَي: ليس لهؤُلاءِ الأَشقياءِ التعساءِ طعام يطعمونه إِلا هذا الصنف
стр. 5189
البشع المنتن الذي لا يأَكله أَحد إِلاَّ هؤُلاءِ القوم الذين كانوا يتعمدون ويقصدون فعل الآثام والذنوب، ولذا لا يدخلون تحت عفو الله وغفرانه لأَنهم جاهروا الله بالمعاصي، وقد قال الرسول ﷺ : "كل أُمتي معافى إِلا المجاهرين":
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾
المفردات:
(فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ): فأَقسم بالمشاهدات المرئيات، والمغيبات المستورات، وقيل غير ذلك.
(تَقَوَّلَ) افترى وادَّعى.
(الْوَتِينَ): عرق في القلب إِذا قُطِع مات صاحبه.
التفسير:
بعد أَن بين - سبحانه - أَن الساعة واقعة لا محالة، وأَن الناس جميعا محاسبون على أَعمالهم، وذكر - جلت قدرته - أَحوال السعداءِ والأَشقياءِ في هذا اليوم - بعد أَن بين ذلك - ختم الكلام في هذه السورة الكريمة بتعظيم القرآن فقال:
стр. 5190
٣٩،٣٨ - ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾:
أَي: فأُقسم وأَحلف بما تبصرونه وتشاهدونه مما خلق الله وأَبدعه وجعله دليلا على كمال قدرته وعظيم إِتقانه وإِبداعه، وأُقسم بما لا تبصرونه مما خفى واستتر عنكم من مثل: ذاته سبحانه وأَسرار قدرته وبعض مخلوقاته التي لم يأذن لكم في الاطلاع عليها، وما خفي ودق من نعمة الباطنة وكلمة (لَا) على هذا في قوله: (فَلا أُقْسِمُ) لتأكيد القسم وليست للنفي، وقيل: إِنها نافية للقسم، كأَنه قال: لا أُقسم على أَن القرآن قول رسول كريم لأَن الأَمر لوضوحه يستغني عن القسم والحلف عليه وقيل: (لَا) لكلام سبق، أَي: ليس الأَمر كما يقوله المشركون، ثم ابتديء بعد ذلك بالقسم.
٤٠ - ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾:
أَي: إن القرآن الكريم يقوله ويتكلم به رسول من عند الله، أَي: يبلغه عن الله وليس لهذا الرسول بعد ذلك ولا قبله شأن فيه، والظاهر أَن المراد من الرسول في الآية الكريمة هو سيدنا محمد ﷺ لأَنه هو الذي كان يصفه قومه بالشعر والكهانة وقيل هو جبريل ﵇.
٤١ - ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾:
أَي وليس القرآن بقول شاعر لأَنه يباين ويختلف عن ضروب الشعر وأَغراضه، إذ إِنه التشريع المحكم، والقول الفصل، والجد الذي ليس بالهزل، أَما الشعر فإِنه يخوض في الأُمور كلها جدها وهزلها، فالشعراء في كل واد يهيمون، ويقولون ما لا يفعلون (قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) أَي: أَنهم لا يؤْمنون أصلا؛ فالعرب تقول:: قلَّما يأتينا وهم يريدون أَنه لا يأتينا، أَو أَنهم يؤْمنون ولكنهم سرعان ما يرجعون عن إِيمانهم، وذلك كما حدث من الوليد بن المغيرة فإِنه بعد أَن وصف القرآن الكريم ونعته بأَنه ليس من كلام الإِنس ولا من كلام الجن، وأَنه ليعلو ولا يُعلى عليه … إِلى آخر ما قال، رجع واستكبر فقال: إِن هذا إِلاَّ سحر يؤْثر.
стр. 5191
وقال الفخر الرازي في قوله تعالى: (قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ): إِلاَّ أَنكم لا تقصدون الإِيمان فلذلك تعرضون عن التدبر، ولو قصدتم الإِيمان لعلمتم كذب قولكم: إِنه شاعر لمفارقة هذا التركيب ضروب الشعر.
٤٢ - ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾:
أَي: ليس القرآن - أَيضا - بقول كاهن؛ لأَن الكهان تلهمهم وتمدهم الشياطين بالغي والضلال وقد نزل القرآن بسب الشياطين وشتمهم؛ فلا يعقل أَن يكون من مدهم وإِلهامهم غير أنكم أَيها المكذبون لا تتذكرون كيفية نظم القرآن واشتماله على شتم الشياطين ولعنهم والتحذير منهم، ولو تذكرتم ذلك لأَدركتم أَنكم تتخبطون في أَقوالكم وتكذبون أَنفسكم.
٤٣ - ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾:
أَي: أن القرآن العظيم كلام رب العالمين؛ لأَنه تنزيله، أَما أَنه ينسب قوله إِلى جبريل ﵇ فلأَنه نزل به من عند الله، أَو أَنه قول سيدنا محمد ﷺ فلأَنه أَنذر وبشر الخلق به، فكل من جبريل ﵇ ومحمد ﷺ لا دخل في القرآن الكريم إِلا بالنزول به من عند الله بالنسبة لأمين الوحي جبريل ﵇ وبتبليغ ما أَنزل عليه للناس كافة بالنسبة لرسولنا محمد ﷺ .
٤٧،٤٦،٤٥،٤٤ - ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾:
أَي: لو ادعى ونسب إِلينا محمد من قبل نفسه لم نقله لمنعناه بالأَخذ بيمينه، وهذا تصوير للانتقام منه على أَبشع صورة كما يفعل الجبابرة بمن يريدون التنكيل بهم، من ذلك: بأَن نسلبه قوته، أَو ننتقم منه بالحق بأَن نقيض ونهيء له من يعارضه فيه ويبطل قوله حتى يظهر كذبه لئلا يشتبه الصادق بالكاذب، ثم كانت عاقبته أَننا نقطع العرق المتصل بقلبه حتى يقضى عليه ويموت
(فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) أَي: فلا يقدر أَحد من الناس أَن يحجزنا ويمنعنا ويحول بيننا وبينه في أَخذ بيمينه، أَو في قطعنا وتينه؛ إِذ ليس ذلك في قدرة أحد أَو في إِمكانه.
стр. 5192
ولما لم يحدث من ذلك شيء كان محمد ﷺ رسولا من عند الله يبلغ عنه - سبحانه - إِنذار وتبشيرا، وسميت الأَقوال المفتراة المتقولة أَقاويل تحقيرا لها وتصغيرا لشأنها، كقولهم الأعاجيب والأَضاحيك (١).
﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾
المفردات:
(تَذْكِرَةٌ): عظة وتذكير.
(لَحَسْرَةٌ): لحزن وندامة عظيمة.
(حَقُّ الْيَقِينِ) عين اليقين: وقيل غير ذلك.
التفسير
٤٨ - ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾:
أَي: وإِن القرآن الكريم لتذكرة وعظة للمؤْمنين الذين يخشون ربهم ويتقون المعاصي، وخص - سبحانه - المتقين بذلك لأَنهم هم المنتفعون بالقرآن العظيم.
٤٩ - ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾:
هذه الآية الكريمة وعيد شديد وتهديد للمكذبين، أَي: ونحن نعلم أَن منكم من يكذب بالقرآن مع وضوحه وإِعجازه ويزعم أَنه شعر وكهانة وأَساطير الأَولين، وسنجازي هؤلاءِ المفترين على الله الكذب بما يستحقونه من عقاب ونكال.
стр. 5193
٥٠ - ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾:
وإِن هذا القرآن الكريم ليورث الكفار الأَسف العظيم ويجلب لهم الندامة والحزن الشديد وذلك في الآخرة إِذا رأوا وشاهدوا ثواب المؤمنين به والقائِمين على حدوده، أَو يصيبهم ذلك في الدنيا عندما يشاهدون ما عليه المصدقون به من عز ومنعة ودولة وسلطان، أَو حين لم يقدروا على معارضته والإِتيان بسورة من مثله عندما تحداهم بذلك.
٥١ - ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)﴾:
أَي: وإِن القرآن العزيز لحق لا بطلان فيه، ويقين لا ريب ولا شك فيه ونقل الآلوسي عن بعضهم أنه قال: إِن أَعلي مراتب العلم حق اليقين، ودونه عين اليقين، ودونه علم اليقين، فالأول كعلم العاقل الموت إِذا ذاقه، والثاني كعلمه عند معاينة ملائكته ﵈ والثالث كعلمه به في سائر أَوقاته.
٥٢ - ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾:
أَي: فسبح الله بذكر اسمه العظيم تنزيها له وتقديسا عمّا لا يليق به من السوءِ والنقائص، وإِبعادا لعظمته عما لا يتفق وجلاله وسلطانه، واشكره شكرا جزيلا على ما أَوحاه إِليك من هذا القرآن الرفيع القدر الجليل الشأن، وما حباك به - سبحانه - وأَعطاك من آلائه الوفيرة ونعمة العظيمة.
стр. 5194
سورة المعارج
مكية وآياتها أربع وأربعون آية
صلة هذه السورة بما قبلها:
هذه السورة الكريمة كالمتممة والمكلمة لسورة الحاقة إِذ إِن كلًّا منهما تعرض وتبين أَحوال البشر يوم القيامة.
بعض مقاصد السورة:
١ - إِنها - في أَولها - تنذر الكافرين بعذاب نازل وواقع بهم لا محالة.
٢ - إِنها تصور يوم الحساب بأَنه شاق وعسير على الكافرين فمقداره عليهم خمسون أَلف سنة، أَما المؤمن فإِن الله يخففه عليه حتى يكون أَخف من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا.
٣ - تبين السورة في بعض آياتها السماء يوم القيامة بأَنها تكون بيِّنة الكدورة، وأَنها كعكر الزيت في أَسفل إِنائه، وأَن الجبال تتفتت وتصير كالصوف المنفوش إِذا طيرته الريح.
٤ - توضح السورة أَن كل واحد يوم القيامة ينشغل بنفسه (وَلَا يسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا)، وأَن المجرم يتمنى لو كان بنوه وأَهله ومن في الأَرض جميعًا تحت يده يبذلهم في فداءِ نفسه ثم ينجيه ذلك من عذاب الله ومقته ولكن هيهات أَن تكون له نجاة.
٥ - تبين الآيات أَن الإِنسان جبل وفطر على الحزن والجزع عند المصيبة والبلاء كما خلق على الشح والبخل عند النعماء والاستغناء، ولكن الله تعبَّده (١) بإِنفاق ما يحب والصبر على ما يكره، وأَرشده إِلى ما يثبته ويصبره عند النوازل فلا يجزع، وإِلى ما يدفعه إِلى البذل والعطاء إِذا استغنى فلا يشح ولا يمنع (إلَا الْمُصَلِّينَ).
стр. 5195
٦ - تجيءُ الآيات بعد ذلك معلنة أَن الله قادر على أَن يهلك الكافرين المكذبين ويستبدل بهم قومًا أَفضل منهم؛ لأَنه - سبحانه - لا يفوته شيءُ ولا يعجزه أَمر أَراده.
وفي ختام السورة يأمر الله رسوله ﷺ أَن يترك هؤلاءِ الكفرة المكذبين ولا يلقي بالا إِلى ما يخوضون فيه من الباطل واللَّهو حتى يصيروا إِلى يوم الحساب الذي يخرجون فيه من قبورهم مسرعين وقد خضعت وذلت أَبصارهم واتجهت إلي الأَرض فلا يرفعونها خجلًا وخزيًا فضلًا عمَّا يغشاهم ويجللهم من الذل والمهانة، وهذا هو اليوم الذي هُدِّدوا به في الدنيا ولكنهم كانوا يسخرون به ويكذبون، وفي هذا اليوم يشاهدون جزاء عملهم وعاقبة تكذيبهم: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾
المفردات:
(سَأَلَ سَائِلٌ): طلب ودعا داعٍ.
(وَاقِعٍ): نازل وحاصل.
(دَافِعٌ): مانع يردّه.
(الْمَعَارِجِ): جمع معرج، وهو المصعد، أَي: صاحب المصاعد والدرجات التي تصعد فيها الملائكة من سماءٍ، وقيل غير ذلك.
(وَالرُّوحُ): هو جبريل ﵇.
стр. 5196
التفسير
٤،٣،٢،١ - ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾:
أَي دعا داعٍ وطلب كافر من كفار مكة لنفسه ولقومه نزول عذاب، من قولهم: دعا بكذا إِذا استدعاه وطلبه، والسائل هو النضر بن الحارث، فإنه لمَّا خوَّفهم رسول الله ﷺ نزول العذاب قال - استهزاءً وإِنكارًا -: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (١) فكانت عاقبته العاجلة في الدنيا - جزاء استخفافه واستهزائه - أَن أُهلك يوم بدر فضلًا عما ينتظره يوم القيامة من نكال هو أَشد وأَنكى.
وقال بعضهم: هذا المسائل هو رسول الله ﷺ وكان قد استعجل عذاب الكافرين، فبيَّن الله له أَن هذا العذاب واقع بهم ولا دافع له، قالوا: والذي يشير إِلى هذا التفسير قوله بعد ذلك: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا) وهذا يدل على أَن ذلك السائل هو الذي أَمره الله بالصبر الجميل.
وهذا العذاب نازل بالكافرين في الآخرة لا محالة، وواقع بهم سواءٌ طلب أَو لم يطلب ولا يدفعه عنهم أَحد؛ لأَنه من جهته - تعالى - وهو صاحب الدرجات والمصاعد التي تصعد فيها الملائكة والروح وهو جبريل ﵇ أَفرد بالذكر لتميزه وفضله، وقال مجاهد: الروح ملائكة حفظة للملائكة الحافظين لنبي آدم لا تراهم الحفظة كما لا نرى نحن حفظتنا، وقيل: ملك عظيم الخلقة يقوم وحده يوم القيامة صفًّا ويقوم الملائكة كلهم صفًّا. وهؤلاءِ الملائكة والروح تعرج وتصعد من سماءٍ إِلى سماء إِلى عرش الرحمن حيث تهبط منه أَوامره - سبحانه - وقيل: المراد من المعارج هي الفضائل والنعم لأَن لوجوه إِنعامه وأَياديه - جل شأنه - درجات وهي تصل إِلى الناس على مراتب مختلفة فهم في نعم الله عليهم متفاوتون.
стр. 5197
وفي قوله: (مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ) ما يدخل الخوف والرهبة في قلوب الكافرين؛ إِذ إِن كل المخلوقات تحت قهر سلطانه، والملائكة - ذلك الخلق العظيم - تصعد إِليه في معارج السموات ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١) فما أَشد بطشه وما أَعظم أَخذه ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٢).
(فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) من سني الدنيا: أَي، أَن هذا العذاب سيكون في يوم قدره خمسون أَلف سنة وهو يوم الحساب إِلى أَن يستقر أَهل الجنة في الجنة وأَهل النار في النار، وإِلاَّ فيوم القيامة لا نهاية له، ثم بعد ذلك ينتقل الكفار إِلى نوع آخر من العذاب.
وهذا الطول وتلك الشدة تكون على الكافرين والعاصين فحسب، وأَما المؤمنون فإِن الله يخفف عليهم، يدل على ذلك ما أَخرجه الإِمام أَحمد وغيره عن أَبي سعيد الخدري ﵁ ل -: سئل رسول الله ﷺ عن يوم كان مقداره خمسين أَلف سنة ما أَطول هذا، فقال ﵊: "والذيِ نَفْسِي بيده إِنه لَيُخفَّفُ على المؤْمنِ حتى يكونَ أَهون عليه من صلاةٍ مكتوبة يصليها في الدنيا".
﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾
المفردات:
(فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا) الصبر الجميل: هو ما لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله.
стр. 5198
(كَالْمُهْلِ): كالعدن المذاب، أَو كعكر الزيت.
(الْعِهْنِ الْمَنفُوشِ): كالصوف المتناثر، أَو المصبوغ الذي طيرته الريح.
التفسير
٥ - ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾:
أَي: احبس نفسك يا محمد على تحمل أَذَى قومك ولا تضجر من استهزائهم وسخريتهم. أَو فاصبر ولا تستعجل عذابهم الذي سأَلته لهم؛ فإِنه كائن ونازل بهم لا محالة، والصبر الجميل: هو ما لا شكوى فيه لغير الله، وقال بعضهم: إِنه يكون معه صاحب المصيبة في القوم بحيث لا يدري من هو.
٦، ٧ - ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾:
أَي: أَن الكفار يرون العذاب الواقع بهم، أَو يرون يوم الحساب بعيدًا عن الإِمكان ويعتقدون أَن وقوعه محال، أَو أَنه لا يقع أَصلًا وإِن كان ممكنًا في ذاته، ونحن بإِحاطتنا وعلمنا نراه قريبًا هيِّنًا في قدرتنا غير بعيد علينا ولا متعذر.
٩،٨ - ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾:
أَي يقع هذا العذاب على هؤلاءِ المجرمين يوم تكون فيه السماءِ - بعد تشققها وتداعيها - قد تغير لونها من الخضرة إِلى الحمرة.
والمهل: هو عكر الزيت في أَسفل إِنائه، أَو هو ما يذاب من المعادن.
والمراد يوم تكون السماء واهية وتصير الجبال متناثرة متطايرة في الجو تشبه الصوف المنفوش، وعن الحسن: تسير الجبال مع الرياح ثم تنهدّ ثم تصير كالعهن ثم تنسف فتصير هباء.
وقال صاحب الكشاف: المراد بالعهن المنفوش: هو الصوف المصبوغ أَلوانًا؛ لأَن الجبال جدد بيض وحمر مختلف أَلوانها وغرابيب سود، فإِذا بُسَّت وطيرت في الجو أَشبهت العهن المنفوش إِذا طيرته الريح.
стр. 5199
هذا هو شأن الله في السموات والأَرض، أَما حال الخلائق في هذا اليوم فقد بينته الآيات التالية:
﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾
المفردات:
(وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا): الحميم: هو الصديق أَو القريب المشفق، قال الراغب: فكأنه الذي يحتد حماية لذويه.
(يُبَصَّرُونَهُمْ): يرونهم ويعرفونهم.
(وَفَصِيلَتِهِ): عشيرته الذين فصل عنهم.
(الَّتِي تُؤْويهِ): تضمه انتماء إِليها في النسب، أَو يلجأُ إِليها ويتمسك بها في النوائب.
التفسير:
١٠ - ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾:
أَي: ولا يسأَل صديق أَو قريب مشفق صديقًا أَو قريبًا كان يعطف ويحنو عليه ويحتد حماية له، لا يسأله عن شأنه وحاله، عدم السؤَال إِما لاشتغال كل أَحد بنفسه فهو كقوله تعالى: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) (١) وقوله: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأنٌ يُغْنِيهِ) (٢) أَو: ولا يسأَل حميم حميمًا شفاعة أَو إِحسانًا إِليه أَو رفقًا به
стр. 5200
أَو نصرًا له لعلمه أَنه لا يجد ذلك عنده، ونظرا إِلى أَنه قد يتبادر إِلى الذهن أَن عدم السؤال قد يرجع إِلى أَنه لا يرى بعضهم بعضًا فقيل: (يُبَصَّرُونَهُمْ) أَي: يرونهم ويعرفونهم ولكنهم لتشاغلهم بأَنفسهم لم يتمكنوا من تساؤلهم أَو لأَنهم لا يرون جدوى في ذلك.
١١، ١٢، ١٣، ١٤ - ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾:
أَي: هذا المجرم الآثم الظالم الذي تناهى إِجرامه بكفره بربه واستكباره عن عبادة مولاه يحب ويتمنى - فداءً لنفسه من العذاب - أَن يقدم أَبناءَه وزوجه وأَخاه وعشيرته الخارج منها المتفرع عنها التي تؤريه وتضمه إِليها إِذا أَلمت به ملمة أو نزلت به نازلة، ويقدم أَيضًا جميع من الأَرض، والمراد أَن ذلك الكافر والمذنب يود لو يفتدي نفسه بهذه الأَشياءِ ثم يؤدي ذلك إلى نجاته.
وجاءَت (ثُمَّ) في قوله تعالى: (ثُمَّ يُنجِيهِ) لاستبعاد الإِنجاء، يعني يتمنى لو كان هؤُلاءِ جميعًا تحت يده وبذلهم في فداء نفسه ثم ينجيه ذلك، ولكن هيهات أن تكون له نجاة.
﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾:
المفردات:
(لَظَى): علم لجهنم منقول من اللظى بمعنى اللهب الخالص.
(لِلشَّوَى): لجلدة الرأس، وقيل: للأَطراف وسيأتي.
(تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى): تطلب من أَعطى ظهره للحق وأَعرض عن الطاعة للدخول فيها.
стр. 5201
(وَجَمَعَ فَأَوْعَى): جمع المال فجعله في وعاء وكنزه ولم يؤَد حقه. (١)
التفسير
١٦،١٥ - ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾:
(كَلَّا): ردع وزجر للمجرم عن أَن يود ذلك، وتنبيه له على أَنه لا ينفعه الافتداء ولا ينجيه من العذاب (إِنَّهَا لَظَى) أَي: إِن النَّار شديدة السعير عظيمة التلظي لا تأخذها رحمة ولا شفقة ولا هوادة في أَخذ المجرمين وتعذيبهم؛ فتنزع وتقتلع أَطرافهم أَو جلدة رءُوسهم تنزعها نزعًا فَتُبَتِّكها وتقطعها ثم تعاد؛ قال تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) (٢).
١٨،١٧ - ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾:
أَي: تدعو جهنم وتطلب من أَدبر في الدنيا عن طاعة الله وتولى عن الإيمان، تدعوهم بلسان حالها حيث هيأَت لكل واحد من الكافرين جانبًا وناحية منها يرجع إِليها حتى كأَن تلك المواضع تدعوهم وتحضرهم، أَو أَن الله - سبحانه - يخلق لها لسانًا تدعوهم به؛ فتقول قولا صريحًا: إِليّ يا كافر، إِليّ يا منافق، ثم تلتقطهم التقاط الحب، روي ذلك عن ابن عباس، أَو أَن زبانية النَّار وحراسها تدعوهم أَو أَن معنى (تَدْعُو) تهلك، وذلك من قول العرب: دعاه الله، أَي: أَهلكه، ومنه: دعاك الله من رجل بأَفعى.
(وَجَمَعَ فَأَوْعَى) أَي: جمع المال واختزنه وكنزه وأَحكم وكاءَه وأَوثق وعاءَه، ومنع حق الله فيه؛ فلم يؤد الزكاة والحقوق الواجبة فيه، وتشاغل به عن دينه، وزها باقتنائه، وتكبر وتجبّر فكان جموعًا منوعًا.
стр. 5202
* ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾
المفردات:
(هَلُوعًا): الهلع: شدة الجزع وسرعته عند مس المكروه، وسرعة المنع عند حصول الخير، من قولهم: ناقة هلوع: سريعة الجري، وهلع من باب فرح، يقال: هو هلِع وهلوع.
(عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ): أَي: مواظبون عليها مستمرون على أَدائها لا يشغلهم عنها شاغل.
(فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ): أَي: قدر معين يستوجبونه على أَنفسهم تقربًا إِلى الله وقيل: هو الزكاة.
(لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ): أَي: لمن يسأل النَّاس الصدقة ولمن يتعفف عن سؤالهم فيُظن أَنه غني فيحرم.
стр. 5203
(وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ): وهو يوم الجزاء، والمراد من التصديق به: الإِتيان بأَعمال الطاعات البدنية فوق الاعتقاد القلبي.
(مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ): أَي: خائفون وجلون مع ما قدموا من عمل صالح.
(فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ): المتجاوزون الحلال إِلى الحرام.
(لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ): لا يُخِلُّوْنَ بشيءٍ مما اؤتمنوا عليه ولا مما أَعطوا عليه العهد للوفاء به.
التفسير:
٢١،٢٠،١٩ - ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾:
هذا إِخبار من الله - تعالى - عن الإِنسان، وعما هو مجبول عليه من أَخلاق ذميمة، إِلا من عصمه الله - سبحانه - ويراد بالإِنسان الجنس، أَو الكافر، أَي: شأَنه وطبيعته أَن يكون سريع الجزع إِذا مسه شر وضر أو لحق ضيق وعنت، شديد الحرص والمنع إِذا صادفه رخاء ويسر (١).
سئل ابن عباس عن الهلوع، فقال: هو كما قال الله تعالى: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا)، وسأل محمد بن عبد الله بن طاهر ثعلبًا عنه، فقال: قد فسره الله تعالى ولا يكون تفسير أَبين من تفسيره سبحانه، يعني قوله تعالى: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا) الآية أَي: إِذا مسه الفقر أَو المرض ونحوهما كان مبالغا في الجزع مكثرا منه، لا صبر له على ما نزل به يتجرعه حزينًا كئيبًا تكاد تتقطع نفسه، وينخلع قلبه. قال الراغب: الجزع أَبلغ من الحزن؛ فإِن الحزن عام، والجزع حزن يصرف الإِنسان عما هو بصدده، ويقطعه منه لقوة أَثره فيه حتى صرفه عمَّا عداه.
(وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) أَي: كان مبالغًا في البخل والإِمساك، لا ينفعه في طاعة، ولا يعرف فيه حق الله، أَخرج الإِمام أَحمد بسنده عن عبد العزيز بن الحكم قال: سمعت أَبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ "شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ".
стр. 5204
٢٢ - ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾:
لَمَّا وصف سبحانه فيما سبق كل من أَدبر عن الحق وتولى عن الطاعة بما يستحقونه من النعوت القبيحة معللا ذلك بهلعهم وجزعهم. استثنى المتصفين بالأَوصاف الجليلة الآتية التي تنبيء عن كمال تنزههم عن الهلع: من الاستغراق في طاعة الحق، والإِشفاق على الخلق، والإِيمان بالجزاء، والخوف من العقوبة، وكسر الشهوة، وإِيثار الآجل على العاجل فقال عز من قائل مُعَدِّدًا تلك الصفات التي اتصف بها المصلون:
٢٣ - ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾:
أَي: مواظبون مستمرون على أَدائها في وقتها، لا يغفلون عنها ولا يشتغلون بغيرها، وقد أَخرج ابن حبان عن أَبي سلمة قال: حدثتني عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُون، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا". قالت: فكان أَحب الأَعمال إِلى رسول الله ﷺ ما دام عليه وإِن قل، وكان إِذا صلى صلاة دام عليها، وقرأَ أَبو سلمة: (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ)، قيل: دائمون، أَي: لا يلتفتون فيها، وروي ذلك عن عمران بن حصين وكذا عن عقبة بن عامر.
أَخرج ابن المنذر عن أَبي الخير أَن عقبة قال لهم: من الذين هم على صلاتهم دائمون؟ قال: قلنا: الذين لا يزالون يصلون. قال: لا ولكن الذين إِذا صلوا لم يلتفتوا عن يمين ولا شمال. وإِليه ذهب الزجاج.
وقيل: المراد بالدوام السكون والخشوع كقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (١)، والمراد بالصلاة - على ما أخرج عبد بن حميد عن إِبراهيم التَّيْمي -: الصلاة المكتوبة، وقيل: النافلة، وقيل: ما أُمروا به مطلقًا منها، على سبيل الوجوب أَو الندب وهو الظاهر.
стр. 5205
٢٥،٢٤ - ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾:
أي: والذين يجعلون في أَموالهم نصيبًا معينا يستوجبونه على أَنفسهم تقربا إِلى الله، وإِشفاقا على العباد، وهو ما يوظفه الرجل على نفسه يؤديه في كل جمعة أَو كل شهر مثلًا كما روي عن الإِمام أَبي عبد الله - رضي الله تعالى عنه - وقيل: هو الزكاة لأَنها مقدرة معلومة، ورد هذا بأَن السورة مكية، والزكاة إِنما فرضت وبُيِّنَ مقدارها في المدينة، وقيل ذلك كانت مفروضة من غير تعيين، وهذا القدر المعين الذي اختاره المتصدقون، وجعلوا إِخراجه لزاما عليهم يعطي (لِلسَّائِلِ) وهو حق له. قال رسول الله ﷺ في مسند أَحمد: "للسائِل حقٌّ وإِن جاءَ عَلَى فَرَس" (وَالْمَحْرُومِ) يعطي أَيضا، وهو الذي يتعفف فلا يسأل الناس شيئًا، وبذلك يخفى أَمره فلا يُفطن له، ويُحسب أَنه غني، فيحرم، ولا يتصدق عليه بما هو حق له، ويشير إِلى ذلك قوله تعالى: (يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ) (١)، واستعمال المحروم في المتعفف على سبيل الكناية.
٢٦ - ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦)﴾:
وهو يوم الجزاء والحساب، والمراد من التصديق به: أَن يشغلوا أَنفسهم بأَداءِ الأَعمال الصالحة طمعًا في المثوبة الأخروية بحيث يستدل بذلك على تصديقهم الأَكيد بيوم الجزاءِ وحبهم الصادق له، لأَن التصديق القلبي عام لجميع المسلمين، لا امتياز فيه لأَحد منهم على غيره.
٢٧ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧)﴾:
أَي: خائفون على أَنفسهم أَن يمسهم عذاب ربهم مع ما لهم من الأَعمال الفاضلة استقصارًا لها واستعظاما لجنابه كقوله تعالى - (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (٢) فهم بذلك قد بلغوا الغاية في بلوغ أَعلى مراتب الخشية، وأَسمى آيات الطاعة؛ فكان جزاؤهم أَن يكونوا من الآمنين يوم الفزع الأَكبر.
стр. 5206
٢٨ - ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾:
اعتراض بين الكلام المتصل في وصف المصلين مؤذن بأَنه لا ينبغي لأَحد أَن يأمن مكر الله وعذابه، وإِن كان له في الطاعة قدم ثابتة، وفي الإِخلاص جهد لا يُبَاَرى كهؤلاء، ولذا كان السلف الصالح - وهم هم - خائفين وجلين حتى قال بعضهم: يا ليتني كنت شجرة تعضد، وقال آخر: يا لَيْتَ أُمي لم تلدني.
٣٠،٢٩ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)﴾:
أَي: أَنهم ممسكون لفروجهم غير مرسلين لها على أَحد إِلاَّ على أَزواجهم أَو ما ملكت أَيمانهم وفيه إِيذان بأَن شهوتهم قوية دافعة تدعوهم إِلى بذل الجهد في صدها لمنعها من استيفاءِ مقتضياتها، وبذلك يتحقق لهم كمال العفة.
والمراد بقوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ): الإِماءُ المملوكات.
(فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ): تعليل لما يفيده الاستثناءُ القاضي بعدم حفظ فروجهم عن الزوجات والمملوكات، أَي: فإِنهم ليسوا أَهلًا للوم والتأنيب على عدم حفظ فروجهم بإِرسالها على أَزواجهم أَو ما ملكت أَيمانهم وفق نص الشارع الحكيم.
٣١ - ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾:
أَي فمن تجاوز الذي ذكر من القدر المعلوم وهو نكاح أَربع من الحرائر، وما شاءَ من الإِماء، فقد تعدى حدود ما أَحل الله له إِلى ما حرمه عليه قال الطبري: من التمس لفرجه منكحًا سوى زوجته أَو ملك يمينه ففاعلو ذلك هم العادون الذين تعدوا ما أَحل الله لهم إلى ما حرمه عليهم، وهم الملومون، أَما الذين لم يقربوا سوى أَزواجهم التي أَحلها الله لهم، وما ملكت أَيمانهم من السراري، فهم غير ملومين كما أَشارت إِلى ذلك الآية السابقة.
стр. 5207
٣٢ - (وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ):
أَي: أَنهم إِذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإِذا عاهدوا لم يغدروا، بل كانوا مثالا كاملاً في حفظ الأَمانة، ورعاية حقوقها، والوفاء بالوعد، والإِخلاص فيه، وبذلك تنزهوا عما اتصف به المنافقون في الحديث الصحيح " آية المنافق ثلاثٌ: إِذا حَدَّت كذبَ، وإِذا وعَد أَخْلفَ، وإِذا اؤْتمِنَ خان " وكأَنه لكثرة الأَمانة جمعت، ولم يجمع العهد لأَنه ليس كالأَمانة كثرة، ويدل علي كثرتها ما روي عن الكلبي: كل أَحد مؤتمن علي ما افترض عليه من العقائد، والأَقوال، والأحوال، والأَفعال، ومن الحقوق في الأَموال وحقوق الأَهل والعيال، وسائر الأَقارب، والمملوكين، والجار، وسائر المسلمين. قال السدي: إِن حقوق الشرع كلها أَمانات قد قبلها المؤتمن، وضمن أَداءَها بقبول الإِيمان، ونص غير واحد أَن الخيانة في الأَمانة، وكذا الغدر بالعهد من الكبائر، وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أَنس قال: ما خَطَبَنا رسول الله- صلي الله تعالي عليه وسلم - إِلا قال:" لا إِيمانَ لمن لا أَمانَةَ له، ولا دين لمن لا عَهْدَ له ".
٣٣ - (وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ):
أَي: أَنهم محافظون عليها، لا يزيدون فيها، ولا ينقصون عنها، غير منكرين لها أَو لشيءِ منها، وإِنما يقيمونها علي وجهها، بدون ميل إِلي قريب أَو شريف، أَو ترجيح لقوي علي ضعيف: إِظهاراً للصلابة في الدين ورغبة في إِحياءِ حقوق المسلمين، وتعظيما لله فيما يتعلق بحقوقة - سبحانه - من أَنه واحد لا شريك له وأَن محمداً عبده ورسوله،، وخص بعضهم الشهادة بما يتعلق بحقوق العباد، وذكر أَنها مندرجة في الأَمانات إِلاَّ أَنها خصت بالذكر لإِبانة فضلها، وعلو قدرها، وجمعت لاختلاف الأَنواع.
٣٤ - (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ):
أَي: يراعون شرائطها، ويكملون في فرائضها، وسننها، ومستحباتها، وذلك باستعارة الحفظ من الضياع للإِتمام والتكميل، والحفظ غير الدوام في قوله - سبحانه - فيما سبق (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ) فلا تكرار.
стр. 5208
وفي افتتاح الأَوصاف بما يتعلق بالصلاة أولًا وآخرا دلالة على الاعتناءِ بها، والتنويه بشأنها وفضلها على سائر الطاعات لأَنها معراج المؤمنين، ومناجاة رب العالمين، ولذا جعلت قرة عين سيد المرسلين.
٣٥ - ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾:
إِشارة إِلى أَن الموصوفين بالأَوصاف الكريمة التي تنبيء عن علو أَقدارهم عند ربهم، واستحقاقهم لإِكرامه وفضله مكرمون في جنات النعيم، وما في الإِشارة من معنى البعد في قوله تعالى: (فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ) أَنهم مستقرون في جنات لا يقادر قدرها، ولا يدرك شأَنها. مكرمون فيها بكل أَنواع التكريم.
﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾
стр. 5209
المفردات:
(قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ) أَي: مسرعين نحوك مادي أَعناقهم إِليك. مقبلين بأَبصارهم عليك وفعله (أَهطع) بمعنى مد عنقه، وصوب رأَسه، ومهطع كمحسن: من ينظر في ذل وخضوع لا يقلع بصره، والمادة تدل على السرعة.
(عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ عِزِينَ): أَي: جماعات في تفرقة كما قال أَبو عبيدة: كل فرقة تعتزي وتنتسب إِلى غير من تنتسب له الأخرى، وهي جمع عزة بمعنى فرقة، والفرقة من ثلاثة أَشخاص أَو أَربعة.
(كَلَّا) كلمة لردع المشركين عن الطمع في الجنة.
(بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ): أَي: مشارق الشمس والكواكب ومغاربها.
(وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ): أَي: بمغلوبين إِن شئنا تبديلهم بخير منهم.
(فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا): أَي: اتركهم للدخول في باطلهم الَّذِي تعودوا الدخول فيه واقترافه والحديث عنه، ولا تعبأ بلعبهم في دنياهم فإِنه لا يجدي.
(مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا): أَي: مسرعين، والأَجداث: جمع جدث وهو القبر، مثل سبب وأَسباب، وهي لغة تهامة، ولغة نجد جدف بالفاءِ.
(إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ): النصب: ما نصب فعبد من دون الله، وهو عند الكثيرين مفرد، وقيل: هو جمع نصاب ككتاب، وقال الأَخفش: جمع نصْب كَرهْن ورُهن، والأَنصاب جمع جمع، و (يُوفِضُونَ): يسرعون، من الإِيفاض، وقيل: هو مطلق الانطلاق.
(تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ): أَي: تغشاهم ذلة شديدة تجعلهم في منتهى الضعف والهوان.
التفسير
٣٧،٣٦ - ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾:
كان النبي ﷺ يصلي عند الكعبة ويقرأُ القرآن، فكان المشركون يجتمعون حوله حلقًا وفرقًا يستمعون ويستهزئون بكلامه ﵊ ويقولون: إِن دخل هؤُلاءِ الجنة كما يقول محمد ﷺ ، فلندخلنها قبلهم، فنزلت الآيات.
стр. 5210
والمعنى: أَي دافع دفع هؤُلاءِ الكافرين إِلى أَن يسيروا نحوك مسرعين مادي أَعناقهم إِليك مقبلين بأَبصارهم عليك؛ يحلقون عن يمينك وشمالك حلقًا متعددة، يكوِّنون فرقًا شتى كل فرقة تعتزي وتنتسب إِلى غير من تعتزي له الأَخرى. ينكر الله تعالى على المشركين الَّذين كانوا في عهد النبي ﷺ وهم مشاهدون له ولما أرسله الله به من الهدى، وأَيده به من المعجزات الباهرة، ثم هم مع هذا كله معرضون عنه مبالغون في تلمس ما يتخذونه هزءًا به، وسخرية منه حينما يرونه يصلي عنه الكعبة ويقرأُ القرآن قائلين: إِن دخل هؤُلاءِ الجنة - كما يقول محمد - فلندخلنها قبلهم، وقد رد عليهم سبحانه فأَبطل زعمهم حيث يقول .
٣٩،٣٨ - ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾:
إِنكار لقولهم وردع لهم عن طمعهم الكاذب في دخولها بلا إِيمان، لأَنا خلقناهم من أَجل ما يعلمون، وهو تكميل النفس بالإِيمان والطاعة، أَما من لم يستكملها بذلك، فهو بمعزل عن أَن يتبوأَ متبوأَ الكاملين، فمن أَين لهم أَن يطمعوا في دخول الجنة، وهم مكبون على الكفر والفسوق، وإِنكار البعث وهو معلوم لهم باعتبار سماعهم عنه من النبي ﷺ .
وقيل المعنى: إِنا خلقناهم من نطفة قذرة لا تناسب عالم القدس كما خلقنا بني آدم كلهم، ومن حكمنا أَلا يدخل أَحد الجنة إِلاَّ بالإِيمان فلِم يطمع أَن يدخلها من لا إِيمان له؟ وفيه من الإِنكار عليهم والردع لهم ما فيه.
وقيل: الأَقرب أَنه كلام مستأنف (١) قد سيق تمهيدا لما بعده من بيان قدرته على أَن يهلكهم لكفرهم بالبعث والجزاء، واستهزائهم بالرسول والقرآن، وادعائهم دخول الجنة بطريق السخرية، وأَن ينشيءَ بدلهم قومًا آخرين خيرًا منهم، فإِن قدرته سبحانه على ما يعلمون من أَنه أَنشأَهم النشأَة الأُولى حجة واضحة على قدرته على ذلك. كما تفصح عنه فاء الفصيحة في قوله سبحانه:
стр. 5211
٤١،٤٠ - ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾:
المعنى: إِذا كان الأَمر كما ذكرنا من أَنه سبحانه أَنشأَهم إِنشاءً من النطقة المذرة كما يعلمون ولم يكونوا شيئًا مذكورًا: فلا أُقسم (١) برب مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها على قدرتنا البالغة على أَن تهلكهم حسبما تقتضيه جناياتهم، ونعيدهم يوم القيامة بأَبدان أَطوع لله، وأَمثل منهم؛ وذلك لظهور الأَمر واستغنائه عن التحقيق والتأكيد بالقسم لأَن الإِعادة أَهون من البدءِ كقوله تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) (٢) أَي: بالبعث.
أَو أَنَّ "لَا" رد لكلام سبق للمشركين واجهوا به الرسول وأَصحابه سخرية منهم، واستهزاءً بهم، وطمعًا استحوذ عليهم في دخول الجنة قبلهم، ثم استؤنف فقيل: (أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ) الخ: أي: أَقسم بأَن قدرتنا العظيمة على البعث حقيقة لا شك فيها، وقد شاهدوا من بالغ قدرتنا ما هو أَكبر منه وهو خلق السموات والأَرض، تسخير ما فيها من المخلوقات كما قال تعالى (لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) (٣) فحقيق بهم أَن يدعوا الجحد والعناد، ويؤمنوا إِيمانًا لا مرية فيه ولا ارتياب بأَننا قادرون على أَن نبدلهم خيرًا منهم، (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) بمغلوبين إِن أَردنا ذلك، لكن إِرادتنا المبنية على الحكم البالغة اقتضت تأَخير عقوبتهم.
٤٢ - ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)﴾:
أَي: فدعهم يا محمد غير مكترث بهم وبما يصنعون من تكذيبهم وباطلهم الذي تعودوا اقترافه ولا تبعأُ بما يأتون به في دنياهم من أَعمال لا نفع فيها، ولا خير منها، وإِنما هي لهو ولعب، واشتغل بما أُمرت به، والأمر في الآية لتهديد المشركين ووعيدهم (حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ) وهو يوم البعث عند النفخة الثانية، وفي ذلك فسيلقون عاقبة ما علموا، ويذوقون وباله، ويتجرعون أَهواله التي لا تنفع معها توبة ولا يجدي عندها ندم
стр. 5212
٤٤،٤٣ - ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾:
أَي: إِن يومهم الذي وقع لهم فيه الوعد بما يلاقونه من أَهوال وشدائد لخوضهم ولعبهم، هو يوم قيامهم من القبور إِذا دعاهم الرب - جل وعلا - إِلى موقف الحساب، فإِنهم ينهضون مسرعين يسبق بعضهم بعضًا كما كانوا في الدنيا يهرولون إِلى النصب الَّذي تصبوه للعباده من دون الله، وقد كانوا إذا ما أَبصروه (يُوفِضُونَ) أَي: يسرعون إِليه أَيهم يستلمه أَول وهذا مرْويٌّ عن مجاهد، ويحيى بن كثير وقتادة والضحاك والربيع بن أَنس وابن أَبي زيد وغيرهم وكان الإِسراع إِلى المعبودات الباطلة وسائر الطواغيت من عادة المشركين، وفي تشبيههم عند خروجهم من قبورهم للحساب بما ذكر تهكم بهم، وتعريض بسخافة عقولهم (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ).
أَي: خاضعة منكسرة لمهانتهم، ووصفت الأَبصار بالخشوع مع أَنه وصف الكل؛ لظهور آثاره فيها (تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) أَي: تغشاهم، وتعم ذواتهم ذلة شديدة وهوان في مقابل ما استكبروا عنه في الدنيا من الطاعة وتظاهروا به من المعصية، وتمادوا فيه من العناد بإِنكار البعث والمعاد.
(ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ): أَي: ذلك الذي ذكر ما سيقع فيه من الأَحوال الهائلة والشدائد المذهلة هو اليوم الذي كان يقع لهم الوعيد به في الدنيا (١) فكانوا يقابلون هذا الوعيد بالاستهزاء والسخرية والتكذيب، واليوم يرون عذابهم واقعًا، وجزاءَهُمْ محققًا، وكل ما هددوا به ماثلا، وقد عز عليهم النصير، وامتنع المعين.
стр. 5213
سورة نوح ﵇
مكية، وهي ثمان وعشرون آية
وسميت سورة نوح لذكره في مفتتحها ومختتمها.
وجه اتصالها بما قبلها:
ووجه اتصالها بما قبلها - على ما قال جلال الدين السيوطي - وأَشار إِليه غيره بأَنه: سبحانه كما قال في المعارج: (إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ) عقَّبه تعالى بقصة نوح ﵍ المشتملة على إِغراقهم عن آخراهم، فوقعت موقع الاستدلال والاستظهار لتلك الدعوى القاضية باستبدالهم خيرًا منهم.
أَهم مقاصد السورة:
بدأَت بأَمر نوح ﵇ أَن يدَعُوَ قومه إِلى عبادة الله وأَن ينذرهم ويخوفهم من عذابه، وقد وعدهم المغفرة على استجابتهم، والتأخير إِلى أَجل مُسَمًّى، الآيات من أَول السورة إلى قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى).
ثم ذكرت شكايته عن إِعراضهم عنه، وعنادهم له بعد أَن أمعن في شغل جميع أَوقاته بدعائهم ونصحهم واستنفذ معهم كل وسائل الدعوة جهرية وسرية فلم تزدهم إلا فِرَارًا وإِصرارًا (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا) الآيات. ثم وجهت الأَنظار إِلى دلائل القدرة في خلق السموات والكواكب، وفي خلق الأَرض وبسطها وما يتصل بها (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا .. ) الآيات.
ثم سجلت إِصرارهم على عبادة الأَصنام حتى استحقوا عذاب الله وكان ذلك بإِغراقهم (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا … ) الآيات.
وختمت السورة ببيان أَن نوحًا ﵇ لما يئس من قبولهم الدعوة دعا عليهم بالهلاكِ والانقراض. (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا … ) الآيات. ودعا لنفسه بالمغفرة ولأَبوبه ولمن دخل بيته مؤْمنًا وللمؤْمنينَ والمؤْمِنَاتِ.
стр. 5214
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾
المفردات:
(إِلَى قَوْمِهِ): هم سكان جزيرة العرب ومن قرب منهم.
(عَذَابٌ أَلِيمٌ): شديد موجع عاجل، وهو ما حل بهم من الطوفان أَو آجل وهو عذاب النار.
(إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ): منذر موضح من أَجل نفعكم من غير أَن أَسأَلكم على ذلك أَجرا.
(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ): أَي: بعض ذنوبكم التي سبقت في الجاهلية.
(وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى): أَي: يمد في أَعماركم إِلى الأَمد الأَقصى الذي قدره الله لكم.
(إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ): أَي: ما قدره لكم وأَنتم على ما أنتم عليه إِذا جاءَ لا يؤخر.
التفسير
١ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)﴾:
نوح ﵇ اسم أَعجمي معرب: معناه بالسريانية، الساكن، والمشهور أَنه ﵇ ابن لَمْك - بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف - بن مَتُّوشَلَخَ - بفتح الميم
стр. 5215
وتشديد التاءِ مضمونة وفتح الشين واللام والخاء - بن أَخنوخ، وفيه عن ابن عباس: كان بين آدم ونوح ﵍ عشرة قرون. بعثه الله لأَربعين سنة، ومكث يدعو قومه أَلف سنة إِلاَّ خمسين عامًا، ومع ذلك لم يؤْمنْ به إِلا قليل، وهو من أُولي العزم، وكان في زمن شاع فيه الكفر وذاع، وقد اشتهر قومه بعباده الأَوثان، وأَكثروا من البغي والظلم والعصيان، وعاش بعد الطوفان ستين عامًا حتى كثر الناس وانتشروا، وفي التهذيب للنووي - رحمة الله تعالى - أَنه أَطوال الأَنبياء عمرًا، وقيل: إِنه أَطول الناس جميعًا عمرًا مطلقًا، وهو - على ما قيل - أَول من شرعت له الشرائع، وسنت له السنن، وأَول رسول أَنذر على الشرك، وأَهلكت أُمته، ويقول ابن كثير: الحق أَن آدم ﵇ كان رسولًا أرسل إِلى زوجته ثم إِلى بنيه، وكان في شريعته الإِنذار على الشرك، ويقال لنوح: شيخ المرسلين، لأَنه أَطولهم عمرًا، وآدم الثاني.
أَرسله الله إِلى قومه وهم - كما قيل -: سكان جزيرة العرب ومن قرب منهم، لا أَهل الأَرض كافة؛ لاختصاص نبينا ﵊ بعموم البعثة من بين الرسل جميعًا، والذي كان لنوح ﵇ بعد قصة الغرق حدث بمحض الاتفاق لعدم وجود أَحد على الأَرض سوى قومه الناجين مع في السفينة، وفي إِسناد الفعل في قوله سبحانه: (إِنا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ) إِلى ضمير العظمة مع تأكيد الجملة، ما لا يخفى من الاهتمام والاعتناء بإِرساله ﵇ (أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ) أَي: بأَن أنذرهم وخوفهم عاقبة كفرهم من الإِنذار، وهو إِخبار فيه تخويف وترويع، وتكون (أَن) مصدرية فإِن كانت مفسرة كان المعنى: إِنا أَرسلنا نوحًا إِلى قومِهِ، أَي: قلنا له أَمرًا، أَي: أَنذر قومك لما في الإِرسال من معنى القول دون حروفه، فلا محل للجملة من الإِعراب (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) موجع شديد عاجل وهو ما حل بهم بالطوفان كما قال الكلبي أَو آجل وهو عذاب النار كما قال ابن عباس أَو المراد خوف قومك، وحذرهم مما ينزل بهم إِن لم يؤْمنوا حتى لا يكون لهم عذر أَصلا يعتذرون به يوم يؤخذون أَخذ عزيز مقتدر.
стр. 5216
٤،٣،٢ - ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾
قول نوح ﵇ استئناف مبني على سؤال نشأَ عن حكاية إِرساله ﵇ بالوجه المذكور وهو الإِنذار، فكأَنه قيل: ماذا فعل ﵇؟ فقيل: قال لهم (يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) بين النذارة ظاهر الأَمر واضحه، لم أَدخر وسعًا في سبيل نصحكم، وهدايتكم إِلى طريق الرشاد؛ من أَجل نفعكم من غير أَن أَسألكم على ذلك أَجرًا
وقوله: (أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) متعلق بنذير في قوله سبحانه: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) على مصدرية (أَن) أَو تفسيريتها، فعلى المصدرية يكون المعنى: إِنِّي نذير لكم بعباده الله وتقواه وإِطاعتي إِلى ما أدعوكم إِليه من الصلاح والفلاح، وعلى تفسيريتها يكون المعنى: إِن نذارتي هي: أَن اعبدوا الله واتقوه وأَطيعون، أَي: قولي، أَي: اعبدوا الله وحده واجتنبوا مآثمه، وأَطيعوني فيما دعوتكم إِليه، وأَمرتكم به وما نهيتكم عنه من عبادة الأَوثان والأَصنام.
(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) أَي: يمح الله عنكم بعض ذنوبكم وهي التي حصلت قبل الإِيمان لأَن الإِيمان يجُبُّ ما قبله كما يرى بعض العلماءِ، كما في قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (١) وقيل: إِن المراد بالبعض المغفور قبل الإِيمان، هو ما يتعلق بحقوق الله فقط دون ما يتعلق بحقوق العباد كالقصاص ونحوه، أَو هي الذنوب العظام التي وعدكم الله عليها الانتقام - كما قال ابن كثير - وقيل المعنى: يصفح الله لكم عن ذنوبكم، واختاره ابن جرير على أَنَّ (مِنْ) بمعنى (عَنْ) وقد تابت عنها، أَو (من) بيانية بمعنى: يغفر لكم أَفعالكم التي هي الذنوب، كقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ) (٢) فهي لبيان مبهم وهو أَفعالهم.
وللتوفيق بين هذه الآية (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) وقوله تعالى: (إِنَّ الله يِغَفْرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) ونحوها لا يبعد أَن الله يغفر الذنوب جميعها لقوم، وبعضها لآخرين، وقيل: جيءَ بمن مع الكفرة مطلقًا في خطابهم دون المؤمنين في جميع القرآن تفرقة بين الخطابين.
стр. 5217
(وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) المراد به الأَمد الأَقصى الذي قدره الله بشرط الإِيمان والطاعة (١) وراءَ ما قدره الله لهم على تقدير بقائهم على الكفر والعصيان، وكونهم لا يؤخرون إِلى الأَمد المسمى إِلا بشرط الإِيمان والطاعة صريح في أَن لهم أَجلا آخر لا يجاوزونه وهو ما قدر لهم إِن لم يؤمنوا، وقد يستدل بهذه الآية من يقول: إِن الطاعة، والبر، وصلة الرحم تزيد العمر. ذكره ابن كثير، لما ورد به الحديث: (صِلَة الرَّحِم تزيدُ في العُمر).
(إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) تعليل لما فهم من تعليقه سبحانه التأخير إلي الأَجل المسمى على الإِيمان، أَي: لأَن أَجل الله الذي قدره سبحانه لكم على تقدير بقائكم على الكفر إِذا جاءَ وأَنتم على حالكم لا يؤَخر عن وقته المقدر له، فبادروا إِلى الإِيمان والطاعة قبل مجيئه حتى لا يتحقق شرطه وهو بقاؤكم على الكفر، وقيل: المراد بتأخيرهم إِلى الأَجل المسمى تأَخير وقت عذابهم، وذلك بإِمالهم والتجاوز عنهم في الدنيا، فلا يوقع العذاب بهم مدة بقائهم إِلى أَن يأَتيهم العذاب المذكور في قوله تعالى: (مِن قَبْلِ أَن يَاتِيَهُمْ عَذَابٌ أَليِمٌ) فإِنه أَجل مؤقت حتمًا، وأَما الأَجل بمضي العمر، فهو محدود لا يتقدم ولا يتأَخر كما قال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (٢).
ولو كنتم من أَهل العلم لسارعتم لما أَمركم به نبيكم من الإِيمان والطاعة ليتحقق لكم البقاء إِلى أَجل مسمى، ولكنكم لستم من أَهله في شيء، فلذا لم تسارعوا لما أُمرتم به وآثرتم الكفر والضلال، أَو لو كنتم من أَهله لعلمتم بأَن الأَجل لا يؤَخر لو جاءَ وقته المقدر له، ولكنكم جهلتم ذلك فظللتم في غيكم سائرين.
стр. 5218
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾
المفردات:
(فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا): تباعدا من الإِيمان وإِعراضًا عنه.
(جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ): سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة، ووضع أَناملهم فيها كناية عن ذلك.
(وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ): بالغوا في التغطي بها، واستغشى على وزن استفعل. والصيغة تدل على المبالغة لما فيها من الطلب.
(وَأَصَرُّوا) أي: أَكبوا وأَقاموا على الكفر والمعاصي، من الإِصرار على الذنب: وهو الامتناع من الإِقلاع عنه وأَصله من الصَّرة. وهي الشدة.
التفسير
٦،٥ - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾:
يخبر الله عن عبده ورسوله نوح ﵇ أَنه توجه إِليه - سبحانه - مناجيًا وحاكيًا له بقصد الشكوى - وهو أَعلم بحاله - ما لقي من قومه، وصبره عليهم، وما جرى بينه وبينهم من القليل والقال في تلك المدد الطوال، بعد ما بذل في الدعوة غاية المجهود، وجاوز في الإِنذار كل حد معهود، وسلك معهم مختلف الحيل بعزم وتصميم فلم يُجْدِ
стр. 5219
معهم كل ذلك نفعًا، ولم يؤث ثمرا، حكى كل هذا لربه مناجيًا وشاكيًا فقَال: (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا) أَي: دعوتهم إلي الإِيمان والطاعة دعاءً متواصلا. شغل ليلي ونهاري من غير فتور ولا توان امتثالا لأَمرك
(فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا) أَي: هَرَبًا مني وبعدا عني، وعما نصحتهم به، ودعوتهم إِليه، وإِسناد الزيادة إِلى الدعاء لسببيته لها على سبيل المجز، كما في قوله تعالى: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) (١).
٩،٨،٧ - ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾:
تتابع الآيات ذكر تمادي هؤُلاءِ الكفرة في الضلال واندفاعهم في الإِعراض والتكذيب مما جعله ﵇ يستمر في حكاية شكواه لربه فيقول: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ … ) الخ أَي: كلما دعوت قومي إِلى الإِيمان وللاستجابة إِلى ما أَدعوهم إِليه من ترك الشرك والعصيان لتغفر لهم ذنوبهم، وتتجاوز عن سيئاتهم، وتدخلهم يوم الجزاءِ مدخلا كريمًا (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) أَي: سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة إلي الحق. فجعلهم الأَصابع في الآذان كناية عن انصرافهم عن الحق، وقد أَخبر الله من كفار قريش أَنهم كانوا يصنعون مثيل هذا عند استماعهم للقرآن الكريم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (٢).
ولا مانع من حمل قوله سبحانه: (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) على إِرادة الحقيقة بسدها بالأَصابع. (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ) بالغوا في التغطي. بها كأَنهم طلبوا منها أن تغشاهم كراهة النظر إِليه من فرط نفورهم من الدعوة، ومقتهم لها، وقال ابن جريج عن ابن عباس: تنكروا له لئلا يعرفهم، وقال سعيد بن جبير والسّدي: غطوا رءُوسهم لئلا يسمعوا ما يقول.
стр. 5220
(وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) أَي: أَكبوا على ما هم عليه من الكفر بإِصرار والتزام، وقد صار الإِصرار حقيقة عرفية في الملازمة، والانهماك في الأَمر. قال الراغب: الإِصرار: التعمد في الذنب، والتشديد فيه، والامتناع من الإِقلاع عنه، وقد استكبروا عن اتباع نبيهم ﵇ استكبارًا عظيمًا، وقيل: استكبروا نوعًا من الاستكبار غير معهود قبلهم، والاستكبار: طلب الاتصاف بالكبر من غير استحقاق له.
وحاصل المعنى: أَن نوحًا ﵇ كان كلما دعاهم إِلى دين الحق ليظفروا بمغفرة ربهم عطَّلوا مسامعهم عن سماع الدعوة فجعلوا فيها أصابعهم على الكناية أَو على الحقيقة.
وبالغوا في التغطي بثيابهم كراهة النظر إِليه، ولئلا يعرفهم فيدعوهم إِلى ترك الكفر الذي أَقاموا عليه، وتمسكوا به، واستكبروا عن اتباعه ﵇ والانقياد لدعوته استكبارًا عظيمًا ليسوا أَهلا له.
﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾ أَي: إِني دعوتهم تارة بعد أُخرى ومرة عقب غيرها. يعني أَنها دعوات متتابعة، على وجوه متخالفة، وأَساليب متغايرة، بعد أَن دعاهم في أَوقات متنوعة، وفي ذلك تعميم لوجوه الدعوة بعد تعميم أَوقاتها، و (ثُمَّ) لتفاوت وجوه الدعوة وأَساليبها لا للتراخي الزمني وقوله سبحانه: (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا) يشعر بأَن الجهر وقع مسبوقًا بالسر وهو الأليق بمن همُّه الاستجابة؛ لأَنه أَقرب إِليها لما فيه من اللطف بالمدعو عند دعوته به: أَي: أَنه ﵇ افتتح الدعوة بالمناصحة في السر فلما لم يقبلوا ثنَّى بالمجاهرة، فلما لم تؤَثر ثلَّث بالجمع بين الإِسرار والإِعلان.
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾