٤،٣،٢ - ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾
قول نوح ﵇ استئناف مبني على سؤال نشأَ عن حكاية إِرساله ﵇ بالوجه المذكور وهو الإِنذار، فكأَنه قيل: ماذا فعل ﵇؟ فقيل: قال لهم (يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) بين النذارة ظاهر الأَمر واضحه، لم أَدخر وسعًا في سبيل نصحكم، وهدايتكم إِلى طريق الرشاد؛ من أَجل نفعكم من غير أَن أَسألكم على ذلك أَجرًا
وقوله: (أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) متعلق بنذير في قوله سبحانه: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) على مصدرية (أَن) أَو تفسيريتها، فعلى المصدرية يكون المعنى: إِنِّي نذير لكم بعباده الله وتقواه وإِطاعتي إِلى ما أدعوكم إِليه من الصلاح والفلاح، وعلى تفسيريتها يكون المعنى: إِن نذارتي هي: أَن اعبدوا الله واتقوه وأَطيعون، أَي: قولي، أَي: اعبدوا الله وحده واجتنبوا مآثمه، وأَطيعوني فيما دعوتكم إِليه، وأَمرتكم به وما نهيتكم عنه من عبادة الأَوثان والأَصنام.
(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) أَي: يمح الله عنكم بعض ذنوبكم وهي التي حصلت قبل الإِيمان لأَن الإِيمان يجُبُّ ما قبله كما يرى بعض العلماءِ، كما في قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (١) وقيل: إِن المراد بالبعض المغفور قبل الإِيمان، هو ما يتعلق بحقوق الله فقط دون ما يتعلق بحقوق العباد كالقصاص ونحوه، أَو هي الذنوب العظام التي وعدكم الله عليها الانتقام - كما قال ابن كثير - وقيل المعنى: يصفح الله لكم عن ذنوبكم، واختاره ابن جرير على أَنَّ (مِنْ) بمعنى (عَنْ) وقد تابت عنها، أَو (من) بيانية بمعنى: يغفر لكم أَفعالكم التي هي الذنوب، كقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ) (٢) فهي لبيان مبهم وهو أَفعالهم.
وللتوفيق بين هذه الآية (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) وقوله تعالى: (إِنَّ الله يِغَفْرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) ونحوها لا يبعد أَن الله يغفر الذنوب جميعها لقوم، وبعضها لآخرين، وقيل: جيءَ بمن مع الكفرة مطلقًا في خطابهم دون المؤمنين في جميع القرآن تفرقة بين الخطابين.
стр. 5217
(وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) المراد به الأَمد الأَقصى الذي قدره الله بشرط الإِيمان والطاعة (١) وراءَ ما قدره الله لهم على تقدير بقائهم على الكفر والعصيان، وكونهم لا يؤخرون إِلى الأَمد المسمى إِلا بشرط الإِيمان والطاعة صريح في أَن لهم أَجلا آخر لا يجاوزونه وهو ما قدر لهم إِن لم يؤمنوا، وقد يستدل بهذه الآية من يقول: إِن الطاعة، والبر، وصلة الرحم تزيد العمر. ذكره ابن كثير، لما ورد به الحديث: (صِلَة الرَّحِم تزيدُ في العُمر).
(إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) تعليل لما فهم من تعليقه سبحانه التأخير إلي الأَجل المسمى على الإِيمان، أَي: لأَن أَجل الله الذي قدره سبحانه لكم على تقدير بقائكم على الكفر إِذا جاءَ وأَنتم على حالكم لا يؤَخر عن وقته المقدر له، فبادروا إِلى الإِيمان والطاعة قبل مجيئه حتى لا يتحقق شرطه وهو بقاؤكم على الكفر، وقيل: المراد بتأخيرهم إِلى الأَجل المسمى تأَخير وقت عذابهم، وذلك بإِمالهم والتجاوز عنهم في الدنيا، فلا يوقع العذاب بهم مدة بقائهم إِلى أَن يأَتيهم العذاب المذكور في قوله تعالى: (مِن قَبْلِ أَن يَاتِيَهُمْ عَذَابٌ أَليِمٌ) فإِنه أَجل مؤقت حتمًا، وأَما الأَجل بمضي العمر، فهو محدود لا يتقدم ولا يتأَخر كما قال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (٢).
ولو كنتم من أَهل العلم لسارعتم لما أَمركم به نبيكم من الإِيمان والطاعة ليتحقق لكم البقاء إِلى أَجل مسمى، ولكنكم لستم من أَهله في شيء، فلذا لم تسارعوا لما أُمرتم به وآثرتم الكفر والضلال، أَو لو كنتم من أَهله لعلمتم بأَن الأَجل لا يؤَخر لو جاءَ وقته المقدر له، ولكنكم جهلتم ذلك فظللتم في غيكم سائرين.
стр. 5218
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾
المفردات:
(فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا): تباعدا من الإِيمان وإِعراضًا عنه.
(جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ): سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة، ووضع أَناملهم فيها كناية عن ذلك.
(وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ): بالغوا في التغطي بها، واستغشى على وزن استفعل. والصيغة تدل على المبالغة لما فيها من الطلب.
(وَأَصَرُّوا) أي: أَكبوا وأَقاموا على الكفر والمعاصي، من الإِصرار على الذنب: وهو الامتناع من الإِقلاع عنه وأَصله من الصَّرة. وهي الشدة.
التفسير
٦،٥ - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾:
يخبر الله عن عبده ورسوله نوح ﵇ أَنه توجه إِليه - سبحانه - مناجيًا وحاكيًا له بقصد الشكوى - وهو أَعلم بحاله - ما لقي من قومه، وصبره عليهم، وما جرى بينه وبينهم من القليل والقال في تلك المدد الطوال، بعد ما بذل في الدعوة غاية المجهود، وجاوز في الإِنذار كل حد معهود، وسلك معهم مختلف الحيل بعزم وتصميم فلم يُجْدِ
стр. 5219
معهم كل ذلك نفعًا، ولم يؤث ثمرا، حكى كل هذا لربه مناجيًا وشاكيًا فقَال: (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا) أَي: دعوتهم إلي الإِيمان والطاعة دعاءً متواصلا. شغل ليلي ونهاري من غير فتور ولا توان امتثالا لأَمرك
(فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا) أَي: هَرَبًا مني وبعدا عني، وعما نصحتهم به، ودعوتهم إِليه، وإِسناد الزيادة إِلى الدعاء لسببيته لها على سبيل المجز، كما في قوله تعالى: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) (١).
٩،٨،٧ - ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾:
تتابع الآيات ذكر تمادي هؤُلاءِ الكفرة في الضلال واندفاعهم في الإِعراض والتكذيب مما جعله ﵇ يستمر في حكاية شكواه لربه فيقول: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ … ) الخ أَي: كلما دعوت قومي إِلى الإِيمان وللاستجابة إِلى ما أَدعوهم إِليه من ترك الشرك والعصيان لتغفر لهم ذنوبهم، وتتجاوز عن سيئاتهم، وتدخلهم يوم الجزاءِ مدخلا كريمًا (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) أَي: سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة إلي الحق. فجعلهم الأَصابع في الآذان كناية عن انصرافهم عن الحق، وقد أَخبر الله من كفار قريش أَنهم كانوا يصنعون مثيل هذا عند استماعهم للقرآن الكريم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (٢).
ولا مانع من حمل قوله سبحانه: (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) على إِرادة الحقيقة بسدها بالأَصابع. (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ) بالغوا في التغطي. بها كأَنهم طلبوا منها أن تغشاهم كراهة النظر إِليه من فرط نفورهم من الدعوة، ومقتهم لها، وقال ابن جريج عن ابن عباس: تنكروا له لئلا يعرفهم، وقال سعيد بن جبير والسّدي: غطوا رءُوسهم لئلا يسمعوا ما يقول.
стр. 5220
(وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) أَي: أَكبوا على ما هم عليه من الكفر بإِصرار والتزام، وقد صار الإِصرار حقيقة عرفية في الملازمة، والانهماك في الأَمر. قال الراغب: الإِصرار: التعمد في الذنب، والتشديد فيه، والامتناع من الإِقلاع عنه، وقد استكبروا عن اتباع نبيهم ﵇ استكبارًا عظيمًا، وقيل: استكبروا نوعًا من الاستكبار غير معهود قبلهم، والاستكبار: طلب الاتصاف بالكبر من غير استحقاق له.
وحاصل المعنى: أَن نوحًا ﵇ كان كلما دعاهم إِلى دين الحق ليظفروا بمغفرة ربهم عطَّلوا مسامعهم عن سماع الدعوة فجعلوا فيها أصابعهم على الكناية أَو على الحقيقة.
وبالغوا في التغطي بثيابهم كراهة النظر إِليه، ولئلا يعرفهم فيدعوهم إِلى ترك الكفر الذي أَقاموا عليه، وتمسكوا به، واستكبروا عن اتباعه ﵇ والانقياد لدعوته استكبارًا عظيمًا ليسوا أَهلا له.
﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾ أَي: إِني دعوتهم تارة بعد أُخرى ومرة عقب غيرها. يعني أَنها دعوات متتابعة، على وجوه متخالفة، وأَساليب متغايرة، بعد أَن دعاهم في أَوقات متنوعة، وفي ذلك تعميم لوجوه الدعوة بعد تعميم أَوقاتها، و (ثُمَّ) لتفاوت وجوه الدعوة وأَساليبها لا للتراخي الزمني وقوله سبحانه: (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا) يشعر بأَن الجهر وقع مسبوقًا بالسر وهو الأليق بمن همُّه الاستجابة؛ لأَنه أَقرب إِليها لما فيه من اللطف بالمدعو عند دعوته به: أَي: أَنه ﵇ افتتح الدعوة بالمناصحة في السر فلما لم يقبلوا ثنَّى بالمجاهرة، فلما لم تؤَثر ثلَّث بالجمع بين الإِسرار والإِعلان.
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾
стр. 5221
المفردات:
(يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا): غزيرًا متتابعًا، وهي من صيغ المبالغة التي يشترك فيها المذكر والمؤنث.
(وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ): أَي حدائق وبساتين.
التفسير:
١٠ - ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾:
روي أَن رجالا أَتوا إلي الحسن، فشكوا إِليه ما نزل بهم، فقال لكل منهم: استغفر الله، وفقيل له أَتاك رجال يشكون أَلوانًا، ويسأَلون أَنواعًا، فأَمرتهم كلهم بالاستغفار، فقال: ما قلت من نفسي شيئًا إنما اعتبرت قول الله حكاية عن نبيه نوح ﵇ أَنه قال: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) الآية. أَي: استغفروه بالتوبة عن الشرك والمعاصي، لتنعموا بخيري الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: (رَبَّكُمْ) تحريكًا لداعي الاستغفار (إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) بمعنى أنه غفار للتائبين دائم المغفرة وكثيرها، كأَنهم تعالوا قالوا: إِن كنا على الحق فكيف نتركه؟ وإِن كنا على الباطل فكيف يقبلنا ويتلطف بنا بعد ما عكفنا على الباطل دهرًا طويلا؟ كأَنه استبعاد منهم، فأَمرهم بما يمحق ما سلف منهم من المعاصي، ويجلب إِليهم النافع، وذلك هو الاستغفار الذي وعدهم عليه تحقيق أُمور هي أَحب إِلى نفوسهم، وأَوقع في قلوبهم من الأمور الأُخروية لديهم، وهي الرغبات الدنيوية التي جبلوا على حبها، والتعلق بها لما فيها من الفوائد العاجلة التي يشير إِليها قوله تعالى:
١١ - ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾:
قال قتادة: كانوا أَهل حب للدنيا، فاستدعاهم إِلى الآخرة من الطريق التي يحبونها، وقيل: لما كذبوا بعد تكرير الدعوة حبس الله عنهم القطر، وأَعقم أَرحام نسائهم أَربعين سنة وقيل: سبعين سنة، فوعدهم إِن آمنوا أَن يرزقهم الله تعالى الخصب، ويرفع عنهم ما كانوا فيه - ولا شك أَن نزول المطر - ولا سيما إِذا كان عزيزًا - من أَعظم النعم التي تتعلق بها نفوسهم
стр. 5222
وتهفوا إِليها قلوبهم في مواطنهم التي يشيع فيها الجفاف، وينتشر بها القحط، وقد استدعاهم بذلك إِلى الآخرة، ويراد من السماء: السحاب أَو المطر.
١٢ - ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾:
أَي: ويزدكم الله مالا وبنين، وكانوا يحبوهما، ويعلمون على الاستكثار منهما، فحركوا بما يُفيئه الله عليهم منها إِلى الإيمان، كما حركوا كذلك بأن يجعل سبحانه لهم في ديارهم بساتين وحدائق فيها أَنواع الثمار التي تحقق لهم كل مناعم الحياة ويجعل لهم أَنهارًا جارية أَو مطلقة لتحيا بها مزارعهم، وبساتينهم، وليجدوا فيها كل منافعهم، وأَعيد الفعل (يَجْعَلْ) مع الأَنهار للاعتناء بها، لما أَن لها مدخلا عاديًّا أَو أَكثريا في وجود الجنات ورعاية في بقائها الذي هو أَهم من أَصل وجودها، وترك إِعادة (وَيُمْدِدْكُمْ) مع البنين لأَنه لا تكمل المنفعة والسعادة إلا باجتماع كل من الأَموال والبنين معًا؛ لذلك ترك إِعادة العامل (يُمْدِدْكُمْ) بينهما لأَنهما كالشيءِ الواحد. قال البقاعي: المراد بالجنات والأَنهار في الآخرة، والجمهور على أَن ذلك في الدنيا تحريكًا لهم على الإِيمان. وبعد أَن دعاهم بالترغيب، عدل بهم إِلى الدعوة بالترهيب فقال:
﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾
المفردات:
(لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا): أَي: لا تعتقدون لله عظمة، على أَن الرجاءَ بمعنى الاعتقاد. والوقار بمعنى العظمة: أَو، لا تخافون لله عظمة. فيكون الرجاءُ بمعنى الخوف، قال الأَخفش: الرجاءُ هنا: الخوف؛ لأَن مع الرجاءَ طرفًا من الخوف: ونقل أَيضًا عن ابن عباس كونه بمعنى الخوف.
(وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا): جمع طور، أَي: تارات وكرات، حيث خلقكم أَولا ترابًا ثم نطفًا ثم علقًا ثم مضغًا ثم عظامًا ولحومًا ثم خلقًا آخر.
стр. 5223
التفسير:
١٤،١٣ - ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾:
إِنكار لأَن يكون لهم سبب ما في عدم رجائهم لله وقارًا، أَي عظمة، بمعنى أَي سبب حصل لكم حتى جعلكم غير خائفين عظمة الله.
أَو غير متعقدين لله عظمة موجبة لتعظميه - سبحانه - بالإِيمان به والطاعة له، وقيل: المعنى ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إِياكم في دار الثواب، ويراد على هذا بالوقار التوفير، وهو تعظيم، وكونه من الله بمعنى رضاه عنهم وتفضله عليهم بأَسمى الجزاء
(وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) أَي: الحال أَنكم تعلمون أَنه خلقكم مُدْرجًا لكم في كرات وأَدوار متعاقبة، وحالات مختلفة. فبدأَكم نطفًا ثم علقًا ثم مضغًا ثم عظمًا ولحومًا ثم خلقا آخر، فتبارك الله أَحسن الخالقين، وبمثل هذا قال ابن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم، والإِخلال بتوقير مَنْ هذا شأنه في القدرة القادرة والإِحسان العام مع العلم به، لا يكاد يصدر من عاقل، والجملة (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) مقررة لإِنكار أَي سبب مبرر لما وقع منهم من عدم رجائهم لله وقارًا، بعد أَن تفضل عليهم بالتكوين والإِيجاد، وبكل مقومات حياتهم من نعم وآلاء.
﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾
стр. 5224
المفردات:
(سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا): متطابقة بعضها فوق بعض كالقباب من غير مماسَّة.
(وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا): أَي: مصباحًا يستضيء به أَهل الدنيا كما يستضيءُ النَّاس بالسراج في بيوتهم.
(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ بِسَاطًا): أَي كالبساط في رأَي العين؛ لأَن الكرة العظيمة يري كلُّ من عليها ما يليه مسطحًا.
(سُبُلًا فِجَاجًا): أَي: طرقًا واسعات. والفجاج: جمع فج، وهو الطريق الواسعة، وقيل: هو اسم للمسلك بين جبلين.
التفسير:
١٦،١٥ - ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾:
بيان الآيات كونية للاستدلال بها على ما يوجب توقير الله وتعظيمه - جل شأَنه - والمعنى: أَلم تشاهدوا أَيها القوم عظمة الله، وكمال قدرته فيما أَبدع من آيات كونية، وتنظروا إِليها نظر تفكر واعتبار، كيف خلق الله العظيم سبع سموات متطابقة من غير مماسَّة، بعضها فوق بعض، وهي في غاية الإِحكام والإِتقان وإِبداع الصنع، كما قال - سبحانه - في سورة الملك (مَا تَرىَ فيِ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُت) الآية
(وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا) ليزيل ظلمة اللَّيل تمكينًا للنَّاس من أَداءِ مهامهم وفق ما تدعوا إِليه شئون حياتهم. "قال الفخر: القمر في السماءِ الدنيا وليس في السموات بأَسرها" وإِنما قال: فيهن لأَنها محاطة بالسموات كلها، فما فيها يكون كأنه في جميعها (١)، وقدَّر - سبحانه القمر - منازل وبروجًا وفاوت نوره، فتارة يزداد حتى يتناهى ثم يتناقص حتى يستتر؛ ليدل على مضي الشهور والأَعوام كما قال تعالى: (وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) (٢).
стр. 5225
(وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) أَي: كأَنها مصباح مضيء لوجه الأَرض وسائر الآفاق كما يستضيئون بالسرج في بيوتهم ليبصروا في ضوئها ما يحتاجون إِليه. ولما كان نور الشمس أَشد وأَتم وأَكمل في الانتفاع به من نور القمر عبَّر عنها بالسراج لأَنه يضيءُ بنفسه، وعبر عن القمر بالنور لأَنه يستمد نوره من غير، ويؤيد هذا - كما قيل - ما تقرر في علم الفلك من أَن نور الشمس ذاتي فيها، ونور القمر عرض مستمد من نورها، وتلك ولا شك آيات ناطقة بالقدرة البالغة، والعظمة الكاملة التي تدعو إِلى توقير الله وتعظيمه.
١٨،١٧ - ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾:
بعد أن ذكر الأَدلة الكونية أَتبعها بذكر ما في الأَنفس من براهين وآيات، وفي ذكر هذه الأُمور دلالة بينة على عظمة الله، وكمال قدرته، والمعنى: أَن الله أَنشأَكم من الأَرض، وأَخرجكم منها، فاستعير الإِنبات للإِنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكوّن من حيث إِنه محسوس مشاهد، وقد أَكد (أَنبَتَ) بقوله: (نَبَاتًا) أَي: أَنشأَكم منها إِنشاء لا شك فيه، وأَخرجكم من ترابها كما يخرج النبات من خلاله، وهم وإِن لم ينكروا الإِنشاءَ والحدوث، فقط جعلوا بإِنكار البعث كمن أَنكر الإِنشاء والحدوث، وفي ذلك إِشارة إِلى خلق آدم ﵇ حيث خلق من ترابها ثم جاءَت من آدم ذريته.
قال المفسرون: لمَّا كان إِخراجهم وإِنشاؤهم إِنما يتم بتناولهم عناصر المواد الغذائية النباتية والحيوانية المستمدة من الأَرض، كانوا مشابهين للنبات الذي ينمو بامتصاص غذائه من الأَرض فلذا سمى سبحانه خلقهم وإِنشاءَهم إِنباتًا
(ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا) أَي: في الأَرض بالمواراة فيها إذا متم (وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا) محققًا لا ريب فيه عند البعث وكان العطف بثم في قوله سبحانه: (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا) لما بين الإِنشاء والإعادة من الزمن المتراخي الواقع فيه التكليف الذي استحقوا به الجزاءَ بعد الإِعادة، وكان العطف بالواو دون ثم في قوله: (وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا) مع ما بينهما من الزمان المتراخي، لأَن أَحوال البرزخ والآخرة في حكم شيء واحد، فهي لاتصالها وتحقق وقوعها لا محالة، لم يعتبر فيها التراخي في الزمن لأَنها تشبه أَن تكون قضية واحدة.
стр. 5226
٢٠،١٩ - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾:
أَي: إِنه سبحانه جعل الأَرض فسيحة ممتدة كالبساط تتقلبون عليها كما تتقلبون على بطنكم في بيوتكم، وليس في الآية ما يدل على أَن الأَرض ليست كروية كما في البحر وغيره لأَن الكرة العظيمة يري كلُّ من عليها ما يليه مبسوطًا
(لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) أَي: خلقها الله لكم لتسقروا عليها، وتسلكوا فيها أَين شئتم من نواحيها وأَرجائها، وأَقطارها طرقًا واسعات في أَسفاركم وتنقلكم، وقيل: هي المسالك بين جبلين: وكل هذا ممَّا ينبههم به نوح ﵇ على قدرة الله وعظمته في خلق السموات والأَرض، ونعمة عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأَرضية، وفي إِنشائهم من الأَرض، ثم إِعادتهم إِليها، وإِخراجهم منها بالبعث؛ لذلك فهو وحده الذي يجب أَن يعبد، ويوجد ولا يشرك به أَحد حيث إِنه لا نظير له، ولا كفء، ولا ند، ولا صاحبه، ولا ولد، ولا وزير، ولا مشير، بل هو العلي الكبير.
﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾
المفردات:
(مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ): ولَد محركة مفردة، ووُلْد - بضم الأَول وسكون الثاني - قيل: هو مفرد كذلك، وقيل: هو جمع ولد كأسد وأُسْد.
(مَكْرًا كُبَّارًا): بالغ الغاية في الكِبر.
(وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ): أَي: التزموا عبادتها ولا تتركوها على الإِطلاق.
стр. 5227
(وَدًّا وَلا سُوَاعًا … ): هي أَصنام خمسة من أَصنامهم وخصت بالذكر مع أَن لهم غيرهما لأَنها أَعظم معبوداتهم وأَكبرها.
التفسير
٢٢،٢١ - ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾:
يقول تعالى مخبرًا عن نوح ﵇: إِن نوحًا أَنهى إِلى ربه - وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء - أَن قومه عصوه مع أَنه سلك معهم في دعوته إِلى الله الأساليب المتنوعة المشتملة على الترغيب تارة والترهيب أُخرى، ومع كل ذلك لم يتبعوه، بل خالفوه، وأَسلموا قيادهم لأَبناءِ الدنيا ممن غفل عن أَمر الله، ومُتع بأَموال وأَولاد، وهي في نفس الأمر استدراج وإِمهال وليست لتفضيل وإِكرام. لهذا قال مناجيًا ربه وشاكيًا: (رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي) أي: داوموا على عصياني.
(وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا) أَي: استمروا في إِقبال ورغبة على اتباع رؤسائهم الذين أَبطرتهم أَموالهم وغرتهم أَولادهم وصار ذلك سببًا لزيادة خسارهم في الآخرة زيادة جعلتهم أَهلًا لأَن يكونوا أُسوة وقدوة لأتباعهم في الخسار، وفي أَنهم استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الحياة الفانية على الدار الباقية، وفي وصفهم بما ذكر إِشعار بأَن الأتباع إِنما اتبعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأَموال والأولاد، لا لما شاهدوا فيهم من نهج قويم يدعو إِلى اتباعهم.
(وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا): باتباعهم. قال ابن زيد: أَي كبيرًا في الغاية، ويراد به احتيالهم في الدين، وصدهم للناس عنه وإِغراؤهم وتحريضهم على أَذِيَّة نوح ﵇ ولهذا كان (كُبَّارًا) أَبلغ من (كبير) وإِذا اعتُبر التنوين في (مَكْرًا) للتفخيم زاد أَمر المبالغة في مكرهم وفي عطف هذه الجملة على جملة الصلة وهي قوله تعالى: (لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ … ) إِشارة إِلى أَنهم ضموا إلي ضلالهم إِضلال الأتباع في تسويلهم لهم بأَنهم على الحق والهدىة، وأَنهم على شيء نافع. روي أَن بعض الأعراب الجفاة سمع رسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية فقال: ما أَفصح ربك يا محمد.
стр. 5228
٢٤،٢٣ - ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾:
أَي: وقالوا: لا تتركوا عبادة آلهتكم مطلقًا إِلى عبادة رب نوح ﵇ ولا تتركوا عبادة هؤلاءِ الأصنام المذكورة، وخصوها بالذكر مع اندراجها فيما سبق من النهي عن ترك عبادة الآلهة جميعًا لأَنها كانت أَكبر معبوداتهم الباطلة وأَعظمها، وإِن كانت متفاوتة في العظم حسب زعمهم كما يوحي إِليه إِعادة (لا) مع بعضها وتركها مع بعضها.
أَخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: صارت الأَوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أَما وَدّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأَما سواع فكانت لهذيل، أما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأَما يعوق فكانت لهمذان، وأَما نسر فكانت لحمير لآل ذي كَلاع، وهي أَسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇ فلما هلكوا أَوحى الشيطان إِلى قومهم أَن انْصبُّوا إِلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها انصبابا، وسموها بأَسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إِذا هلك أُولئك ونسخ العلم عبدت. أهـ: ابن كثير.
وقيل: هي أَسماءُ رجال صالحين كانت بين آدم ونوح ﵉، وقيل: هم من أَولاد آدم، فلما ماتوا قال إِبليس لمن بعدهم: لو صورتهم صورهم فكنتم تنظرون إِليهم وتتبركون بهم ففعلوا. فلما مات أَولئك قال لمن بعدهم: إِنهم كانوا يعبدونهم، فعبدوهم.
وذكر المفسرون في ذلك روايات وقِصصا كثيرة، فمن أَرادها فليرجع إِليها في كتب التفسير.
стр. 5229
(وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا) أَي: أَضل هؤلاءِ الرؤساءُ خلقًا كثيرًا قبل الذين أَوصوْهم بأَن يتمسكوا بعبادة الأَصنام، فهم ليسوا بأَول من أَضلوهم، ويشعر بذلك المعنى في قوله تعالى: (وَقَدْ أَضَلُّوا) والاقتران بعد حيث أَشار ذلك إِلى أَن الإِضلال استمر منهم إلي زمن الإِخبار بإضلال الطائفة الأَخيرة. وقال الحسن:: وقد أَضلوا، أَي: الأَصنام التي اتخذوها آلهة خلقًا كثيرًا من الناس. فهو كقول الخليل ﵇: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ) (١) وعود ضمير العقلاءِ عليها وهو واو الجماعة في قول الحسن لتنزيل الأَصنام منزلتهم عندهم وفي زعمهم.
(وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالًا) أَي: قال: رب إنهم عصوني .. الخ، وقال: (وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالًا) والغرض الشكاية وإِبداءُ العجز واليأس منهم وطلب النصرة عليهم، والمراد بالضلال الذي دعا عليهم بزيادته: إِما الضلال في ترويج مكرهم ومصالح دنياهم، فيكون دعاء عليهم بعدم الاهتداء إِلى تيسير أُمور أُخراهم، وإما الضلال بمعنى الضياع والهلاك كما في قوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) (٢)، وهو مأَخوذ من الضلال في الطريق لأَن من ضل فيها هلك. ووضع الظاهر وهو قوله: (وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ) موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالظلم المفرط، ولتعليل الدعاء عليهم به.
стр. 5230
﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ المفردات:
(رَبِّ لا تَذَرْ): أَي: لا تترك من الكافرين.
(دَيَّارًا): من يسكن دارا، أَو من يدور ويتحرك في الأَرض ذهابًا وإِيابًا من الدار، أَو الدوران، والمراد: لا تترك منهم أَحدا، والديار من الأَسماءِ التي لا تستعمل إِلاَّ في النفي العام يقال: ما بالدار ديار، أَي: ما بها أَحد.
(إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا): أَي: من سيفجر ويكفر، فوصفهم بما يصيرون إِليه لوثوقه بذلك نتيجة لتجربته الطويلة.
(وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَارًا): أَي: هلاكًا، يقال: تبر يتْبَر من بابي: قتل وتعب: إِذا هلك، ويعدى بالتضعيف فيقال: تبّره الله: إِذا أَهلكه.
стр. 5231
التفسير
٢٥ - ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥)﴾:
المعنى: إِن هؤلاء الكفار بسبب كثرة ذنوبهم وعتوهم، وإِصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم أُغرقوا بالطوفان (فَأُدْخِلُوا نَارًا) هي نار البرزخ، ويراد بها عذاب القبر، أَي: انتقلوا من برودة الماءِ إِلى حرارة النار، ومن مات في ماءٍ أَو نارٍ أو أَكلته السباع أَو الطير مثلًا أَصابه ما يصيب المقبور من العذاب أَو النعيم؛ قال الضحاك: كانوا يغرقون من جانب ويحرقون بالنار من جانب، ولا غرابة في ذلك؛ فالله يجمع بين الماءِ والنار كما قال ابن الأَنباري والتعقيب ظاهر على أَن المراد إِدخالهم بعد الإِغراق نارًا هي نار البرزخ، أَما إِذا أُريد بها نار الآخرة كما قيل: فيكون التعقيب لعدم الاعتداد بما بين الإِغراق وإِدخال نار جهنم من زمن لاتصاله وتحقق الإِدخال. وتنكير النار إِما لتعظيمها وتهويلها أَو لأَنه أَعد لهم نوعًا من العذاب على حسب خطيئاتهم.
(فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا): أَي: لم يكن لأَحد منهم مغيث ولا معين ولا مجير ينقذه من عذاب الله كقوله تعالى: (لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ) (١) وفيه تعريض بأَن آلهتهم التي اتخذوها آلهة من دون الله تعالى غير قادرة على نصرهم، وفي ذلك من التهكم بهم ما فيه.
٢٦ - ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾:
معطوف على نظيره (قَالَ نْوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي) وقوله تعالى: (مَّمِا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا … ) الآية. اعتراض بين الدعاءين للإيذان من أَول الأَمر بأَن ما أَصابهم من الإِغراق والإِحراق لم يصبهم إِلاَّ من أَجل خطيئاتهم التي عدها نوح ﵇ وأَشار إِلى استحقاقهم العذاب لأَجلها، والمعروف أَن هذا الدعاءَ كان قبل هلاكهم.
стр. 5232
والمعنى: ربِّ لا تترك على الأَرض من الكافرين أَحدًا يسكن دارًا، أَو لا تترك منهم من يدور ويتحرك على الأَرض لأَنهم استحقوا الهلاك بما اقترفوا من آثام وبما استمسكوا به من كفر وطغيان، ويراد بالكافرين قومه الذين دعاهم إِلى الإِيمان والطاعة فلم يجيبوا.
٢٧ - ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾:
أَي: إِنك إِن تترك أَحدا منهم يضلوا عبادك عن طريق الحق، ولعل المراد بهم من آمن به ﵇ وبإِضلالهم إِياهم: ردهم إِلى الكفر بنوع من الخداع والمكر، أَو المراد بهم من ولد من المؤمنين، وبإِضلالهم إِياهم: صدهم عن الإِيمان، أَو من ولد من الكافرين ولم يبلغ حد التكليف، فكانوا يحولون بينهم وبين الإِيمان بغرس العدواة والبغض في قلوبهم لنوح ﵇ وفي بعض الأَخبار: أَن الرجل منهم كان يأتي بابنه إِلى نوح ﵇ ويقول: احذر هذا فإِنه كذاب، وأَبي أَوصاني بمثل هذه الوصية، فيموت الكبير وينشأَ الصغير على ذلك. قيل: ومن هنا قال ﵇: (وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا) أَي: من سيفجر بعمله ويكفر بقلبه، فوصفهم بما يصيرون إِليه من الفجور والكفر لاستحكام علمه بما يكون منهم، ومن أَعقابهم بعد ما جربهم واستقرأَ أَحوالهم أَلف سنة إِلاَّ خمسين عامًا، ومثله قوله ﵇: (إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ)، وقيل: أَراد بقوله: (وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا) أَي: من طبع وجُبل على الكفر والفجور، وقد علم ذلك بوحي كقوله - سبحانه -: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ) (١) وكأَنَّ قوله: (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ … ) الآية. اعتذار منه ﵇ ممَّا عسى يرد عليه من أَن الدعاءَ عليهم بالاستئصال مع احتمال أَن يكون من ذريتهم من يؤْمن، وذلك ممَّا لا يليق بالأَنبياء - عليهم الصلاة والسلام.
وعن قتادة ومحمد بن كعب والربيع وغيرهم أَنه ﵇ ما دعا عليهم إِلا بعد أَن أَخرج الله كل مؤْمن من الأَصلاب وأَعقم أَرحام النساء، وقد استجاب الله دعاءَه، فأَهلك
стр. 5233
جميع من على وجه الأَرض من الكافرين حتى ولده من صلبه الذي اعتزل عن أَبيه وقال: (سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ) (١) الآية.
٢٨ - ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾:
خص ﵇ والديه أَولًا بالدعاء بالمغفرة، ثم عمم المؤمنين والمؤمنات؛ لأَنهما أَحق وأَولى نسبًا ودينًا وكانا مؤمنين، ولولا ذلك لم يجز الدعاء لهما بالمغفرة، وقيل: أَراد بهما آدم وحواء.
(وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا) قال الضحاك: يعني دخل مسجدي، وبه قال الجمهور وابن عباس، ولا مانع من حمل الآية على ظاهرها، وهو أَنه دعا بالمغفرة لمن دخل منزله وهو مؤمن كما قال ابن كثير، وقيل: المراد بالدعاء لمن دخل سفينته أَو شريعته، وقيد الداخل بكونه مؤمنًا، لأَنه علم أَن من دخل مؤمنًا لا يعود إِلى الكفر، وبهذا القيد خرجت امرأَته، وابنه كنعان، ولكن لم يجزم بخروجه إِلاَّ بعد ما قيل له: إِنه ليس من أَهلك (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) من كل أُمة إِلى يوم القيامة، وذلك يعم الأَحياءَ منهم والأَموات وهو تعميم بعد تخصيص، واستغْفر ربه إِظهارًا لمزيد الافتقار إِليه سبحانه وحبًّا للمستغفر لهم من والديه والمؤمنين. (وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَارًا) قال السدي: إِلا هلاكًا، وقال مجاهد: إِلا خسارًا في الدنيا والآخرة. قيل: هلك معهم أَولادهم أَيضًا لكن لا على وجه العقاب لهم، بل لتشديد عذاب آبائهم وأمهاتهم بهلاك أطفالهم الذين كانوا أَعز عليهم من أَنفسهم، وسئل الحسن عن ذلك فقال: قد علم الله براءَتهم فأَهلكهم بغير عذاب لهم.
وقيل: لم يكن معهم أَطفالهم حين غرقوا؛ لأَن الله سبحانه أَعقم أَرحام نسائهم وأَيبس أَصلاب آبائهم قبل الطوفان بأَربعين أَو سبعين عاما، وقد دعا ﵇ دعوتين: دعوة على الكافرين بالتبار، ودعوة للمؤمنين بالمغفرة، وحيث استجيبت له الأُولى في حق الكفار، فاستحال أَلاَّ تستجاب له الثانية في حق المؤمنين، وهو سبحانه أَكرم الأَكرمين.
والله أَعلم.
стр. 5234
سورة الجن
مكية وآياتها ثمان وعشرون آية
صلتها بما قبلها:
لَمَّا ذكر الله تعالى في سورة نوح: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا)، وقال هذه السورة في شأن كفار مكة: (وَأَنْ لوِ اسْتَقَاموا عَلَي الطَّريِقَة لَأسْقَيْنَاُهُم مَّاءً غَدَقًا). فالاتصال بالله سبب لرغد العيش.
كما أَن هناك توافقًا بين قوم نوح والعرب في أَن كلًّا منهما كانوا عبدة أَوثان، وتزيد سورة الجن أَنَّها جاءَت لتبكت العرب وتوبخهم على تباطئهم في الإِيمان برسول الله ﷺ وكان الجن خيرًا منهم إِذْ أَقبل على الإِيمان مَن أَقبل منهم وهم من غير جنس الرسول ﵊.
بعض مقاصد هذه السورة:
١ - تحدثت السورة في أَولها عن أن الله - سبحانه - أَوحى إِلى رسول الله ﷺ أَن فريقًا من الجن استمعوا إِلى القرآن الكريم وأَنَّه قد أَعجبهم، وأَخذتهم قوة بلاغته وجميل هدايته فدفعهم ذلك إِلى الإِيمان به فور سماعهم له، وعاهدوا أَنفسهم أَلا يشركوا بالله أَحدًا، وأَنهم عظموا ربهم وقدسوه ونزهوه عن اتخاذ الصاحبة والولد.
٢ - أَبانت السورة بعد ذلك أَن الجن - بعد بعثة الرسول ﷺ أَردوا أَن يَصلوا إِلى السماءِ لاستراق السمع فوجدوها قد ملئت بالملائكة لحراستها، وأَن الشهب الثاقبة ترصدهم، وترجمهم إِذا ما حاولوا الدنو منها.
٣ - أَوضحت السورة أَن كلًّا من الجن والإِنس فريقان، فريق مؤمن تقي قد اهتدى إِلى الصراط المستقيم، وفريق كافر شقي.
٤ - نبهت السورة مشركي مكة على أَن رسول الله ﷺ لا يملك لهم ضرًّا ولا رشدًا، وإِنما الذي يملك ذلك هو الله وحده، وأَنه لا يمنعه ولا ينقذه من عذاب الله أَحدٌ إِن عَصَاه
стр. 5235
وخالفه، وأَنه لن يجد له ملجأً ومَعاذًا يلجأُ إِليه وينتصر به من دون الله إِلا إِذا قام بتبليغ رسالة ربه فأَنذرهم وبشرهم.
٥ - جاءَت خاتمة السورة ونهايتها ببيان أَن الله وحده - جل شأنه - هو العليم بمعرفة الغيب فلا يظهر أَحدًا على غيبه إِلا من اختاره واصطفاه لنبوته ورسالته فيظهر له ما يريد من الغيب، وأَنه يحفظ الرسول ﷺ ويصون رسالته من استراق الشياطين وتخليطهم: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا).
ونرى قبل التفسير أَن نعرض لمسائل:
١ - الملائكة:
وهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أَمرهم ويفعلون ما يؤمرون، خلقهم الله من نور وفطرهم على الطهر وناط بهم أَمورًا كثيرة؛ فمنهم رسل الله إِلى أَنبيائه، ومنهم حملة عرش الرحمن، والحفظة، والكتبة، وملائكة الرحمة وملائكة العذاب، إِلى غير ذلك ممَّا لا يعلمه إِلا الله، وأَنهم ﵈ قد أَمدهم الله بالقدرة الشديدة على الأَعمال العظيمة التي لا تدانيها قدرة ولا يصل إِليها الإِنس والجن، وقد أَمكنهم الله من التشكل والتصور بالأَشكال الجميلة التي لا تحكم عليهم، ويراهم الناس عليها، ويراهم الناس عليها، أَما صورهم الأَصلية فلا يبصرهم عليها إِلا من شاءَ الله من عباده كالأَنبياء والمرسلين.
٢ - الجن:
واحده (جني) كروم ورومي وترك وتركي: وهو جنس من خلق الله ذوو أَجسام عاقلة تغلب عليها النارية كما يشهد لذلك قوله تعالى: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِن نَّارٍ)، وهي قابلة للتشكل بالأَشكال المختلفة التي تحكم عليهم، ومن شأنها الخفاء، وترى بصور غير صورها الأَصلية التي لا يراهم عليها إِلاَّ الأَنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ومن شاءَ الله - تعالى - من خواص عباده، ولها قوة على الأَعمال الشاقة العظيمة التي يعجز عنها عامة
стр. 5236
البشر، قال تعالى: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ)، ومنها طوائف كريمة محبة للخير، وأُخرى دنيئة خسيسة محبة للشر.
(وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ)، ولا يعرف أَنواعهم وأَصنافهم إِلاَّ الله ومن أَطلعه الله على ذلك من عباده.
وأَكثر الفلاسفة ينكرون الجن، ونفي وجودهم كفر صريح؛ لأَنه الله قد ذكرهم في القرآن الكريم في أَكثر من موضع، ومنه ما هو مذكور في هذه السورة الكريمة.
وجهور أرباب الملل معترفون بوجودهم كالمسلمين، وإِن اختلفوا في حقيقتهم ويسمونهم بالأرواح السفلية.
٣ - الشياطين:
ذهب قوم إِلى أَنهم ولد إِبليس - عليه اللعنة - ولا يموتون إلَّا مع أَبيهم، فهم على هذا القول جنس مستقل، أَشرار بجبلتهم وطبعهم.
وذهب آخرون إِلى أَن الشياطين هم الأَشرار والمرَدة من الجن، ويطلق اسم الشيطان على الشرير المتمرد من الإِنس أَيضًا، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ ولكل وجهة. والله أَعلم.
стр. 5237
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)﴾
المفردات:
(أُوحِيَ): الوحي: بمعنى الإِيحاء لغة: الإِعلام بالشيء على وجه الخفاء والسرعة، ومعناه في الشرع: إِعلام الله لأَنبيائه ما يريد إِبلاغه إِليهم من الشرائع والأَخبار بطريق خفي، ويكون بطريق الإِلقاءِ في القلب دفعة أَو بالكلام من وراءِ حجاب بحيث يسمع النبيُّ كلَامَ الله ولا يراه، أَو بإِرسال الملك إِلى رسول وهو المراد هنا.
(نَفَرٌ): جماعة ما بين الثلاثة إِلى العشرة.
(عَجَبًا): بديعًا مباينًا لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه.
(الرُّشْدِ): الصواب، وقيل: التوحيد والإِيمان.
(جَدُّ رَبِّنَا): عظمته وجلاله، أَو ملكة وسلطانه، أَو غناه.
(سَفِيهُنَا): السفه: خفة العقل، أَو الحمق والجهل.
(شَطَطًا): الشطط: مجاوزة الحد في الظلم وغيره.
стр. 5238
التفسير
١ - ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)﴾:
أَي: قل لهم يا محمد: إِن الله أَخبرني على لسان جبريل ﵇ أَن نفرًا من الجن قد أَلقوا بسمعهم إِلى القرآن الذي كنت أَتلوه، فلما سمعوه قالوا: إِنا سمعنا كلامًا جليل القدر عظيم الشأن ليس على نمط غيره من الكتب، بديعًا في حسن نظمه ودقة معانيه.
٢ - ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾:
أي: وهو مع علو منزلته يدل ويرشد إِلى الطريق الحق والصراط المستقيم، ويدعو إِلى الإِيمان بالله وتوحيده فبادرنا فور سماعنا له باعتقاد ما جاءَ به، ولرسوخ ذلك في قلوبنا، واطمئناننا إِلى أَنه منزل من عند ربنا لن نعود إِلى الإِشراك بالله أَبدًا، بل نفرده وحده بالأُلوهية والربوبية.
٣ - ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾:
الجد معناه: العظمة، وفيه الحديث: "كان الرجل إِذا قرأَ سورة البقرة جدَّ فينا" أَي: جل قدره.
أَي: وأَنه - سبحانه - تعالت عظمته وتسامى جلاله قد تنزه عن أَن يتخذ صاحبه أَو ولدًا يحتاج إِليهما ويستأنس بهما؛ فالشأن فيهما ذلك، إِذ الرب - جل شأنه - يتعالى عن هذا وأَمثاله كما يتعالى ويتعاظم ويتنزه عن الأَندادِ والنظراءِ.
٤ - ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤)﴾:
أَي: وأن الأَحمق فينا والجاهل منا - وهو الذي خف عقله وذهب صوابه - كان يقول على الله قولا شططًا بعيدًا عن الحق والصدق والصواب؛ إِذ قد أَشرك به، ونسب إِليه الصاحبة والولد والله - سبحانه - منزه عن ذلك. وقيل: المراد من السفيه هو إِبليس، أَو كل ما رد من الجن كافر بالله.
стр. 5239
٥ - ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)﴾:
أَي: وأَننا حسبنا وظننا أَن أَحدًا من الإِنس والجن لن يجتريء على الله ويفتري عليه وينسب إِليه الصاحبة والولد كذبًا، فلما سمعنا القرآن كانوا يظنون أَن إِبليس أَو المتمرد من الإِنس والجن صادق في نسبه الصاحبة والولد لله، فلما سمعوا القرآن أَيقنوا أَنَّه كان كاذبًا في ذلك فسموه سفيهًا
وهنا يجمل بنا أَن نتعرض لاجتماع الرسول ﷺ بالجن ورؤيته لهم لوثوق الصلة بينه وبين ما جاءَ في هذه السورة فنقول:
اختلفت الروايات في أَنه ﷺ رأَى الجن وكلمهم على قولين:
فقالوا الأَول: وهو مذهب ابن عباس، أنه ﵊ ما رآهم: قال: إِن الجن كانوا يقصدون السماء في الفترة بين عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - فيسمعون أَخبار السماءِ ويلقونها إِلى الكهنة، فما بعث رسول الله ﷺ حرست السماءُ وحيل بين الشياطين وبين خبر السماءِ وأُرسلت الشهب عليهم فرجعوا إِلى إِبليس - عليه اللعنة - فأَخبروه بالقصة، فقال: لا بد لهذا من سبب، فاضربوا مشارق الأَرض ومغاربها واطلبوا السبب، فوصل جمع من أُولئك الطالبين إِلى تهامة فرأَوا رسول الله ﷺ في سوق عكاظ وهو يصلي بأَصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا والله هو الذي حال بينكم وبين حال السماءِ، فهناك رجعوا إِلى قومهم وقالوا: يا قومنا (إِنَّا سمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) فأَخبر الله نبيه محمد ﷺ عن ذلك الغيب وقال: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ) كذا وكذا، قال: وفي هذا دليل على أَنه ﷺ لم ير الجن، إِذ لو رآهم لمَا أُسند معرفة هذه الواقعة إِلى الوحي، فإِن ما عرف وجوده بالمشاهدة لا يسند إِثباته إِلى الوحي.
والقول الثاني: وهو مذهب ابن مسعود: أَن الرسول ﷺ أَتاه داعي الجن فذهب معه وقرأَ عليهم القرآن، وأَن ابن مسعود سار مع رسول الله ﷺ حين انطلق به وبغيره بربه آثار الجن وآثار نيرانهم.
стр. 5240
وطريق التوفيق بين المذهبين أَن ما ذكر ابن عباس وقع أَولًا، فأَوحى الله إِلى رسوله بهذه السورة، ثم أُمر ﷺ بالخروج إِليهم بعد ذلك كما روى ابن مسعود.
هذا، وفي أمر الله رسوله أَن يظهر لأَصحابه ما أَوحاه الله إِليه به في واقعة الجن فوائد: منها أَن يعرف الصحابة أَنه ﵊ كما بعث إِلى الأَنس بعث إِلى الجن، وأَن تعلم قريش أَن الجن مع تمردهم لَمَّا سمعوا القرآن عرفوا إِعجازه فآمنوا بالرسول ﵊ وفي هذا تعريض بهم لأَنهم يعرفون ذلك فإِن القرآن الكريم قد نزل بلغتهم ولم يستطيعوا معارضته والإِتيان بمثله أَو بسورة من مثله مع تحديهم بذلك، ولكنهم - لظلمهم بآيات الله يجحدون، ومنها أَن المؤمن من الجن يدعو غيره من قبيله إِلى الإِيمان به (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ) (١)، ومنها أَن الجن يسمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا.
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾
المفردات:
(يَعُوذُونَ): يلتجئون، من العَوْذ، وهو الالتجاء إِلى الغير والتعلق به.
(رَهَقًا): الرهق: غشيان المحارم وإِتيانها.
стр. 5241
(لَمَسْنَا السَّمَاءَ): اللمس: المس، فاستعير للطلب، لأَن الماسَّ طالب متعرف أَي: طلبنا بلوغ السماء.
(شُهُبًا): جمع شهاب، وهو النجم المحرق.
(رَصَدًا): راصدًا ومستعدًّا ومترقبًا له.
التفسير:
٦ - ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾:
قيل: إن الرجل من العرب في الجاهلية كان إِذا أَمسى في قفر من الأَرض قال: أَعوذ بسيد هذا الوادي أَو بعزيز هذا المكان من شر سفهاءِ قومه، يريد الجن وكبيرهم، فيبيت في جواره حتى يصبح.
قال مقاتل: كان أَول من تعوذ من الجن قوم من أَهل اليمن ثم من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاءَ الإِسلام عاذوا بالله وتركوهم.
أَي: وأَنه كان رجال من الإِنس يلجأُون ويستجيرون بالجن رجاء رعايتهم وأَملًا في حفظهم من شرور سفهاءِ الجن ومردتهم فزاد الإِنسُ الجنَّ بسبب استعاذتهم بهم تكبرًا وصلفًا وعتوًّا حيث قالت الجن: سُدْنا الإِنس والجن، أَو أَن الجن زادوا الإِنس بسبب هذا الالتجاءِ من الإِنس زادوهم فرقًا وخوفًا، بل زادوهم كفرًا بالله، إِذ الاستعاذة بغير الله كفر.
٧ - ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾:
أَي: وقال الجن بعضهم لبعض: إِن كفار الإِنس حسبوا وظنوا كما حسبتم - يا معشر الجن أَن الله - سبحانه - لن يبعث أَحدًا بعد الموت، وأَنهم كانوا يقولون: (إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (١) فقد أَنكروا البعث كما أَنكرتموه أَنتم، أَو أَن الإِنس ظنوا كظنكم أَن الله لن يرسل رسولًا إِلى أَحد من العباد، وقد أَخطأَ الإِنس وأَخطأتم معشر الجن، فالله قد أَرسل محمدًا ﷺ وأَنزل عليه هذا القرآن الكريم.
стр. 5242
٨ - ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨)﴾
أَي: وأَننا طلبنا بلوغ السماءِ واستماع كلام أَهلها فأَصبناها وصادفناها ملئت بالحفظة من الملائكة الشداد الذين يحرسونها وبالشهب والنجوم المحرقة التي كانت تنقض على الجن عند استراق السمع، قال بعضهم: إِن رمي الجن بالشهب كان بعد مبعث الرسول ﷺ وهو إِحدي آياته، والصحيح أَن ذلك كان قبل مبعث الرسول ﵊ فلما بعث زاد ذلك إِنذارًا بحاله وتنبيهًا إِلى إِرساله، أَي: زيد في حرس السماءِ حتى امتلأَت من الملائكة والنجوم كما يشعر بذلك قوله تعالى: (مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا):
قال ابن عباس: بينما النبي ﷺ جالس في نفر من أَصحابه إِذْ رُمِيَ بنجم فاستنار، فقال: "ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية"؟ قالوا: كنا نقول: يموت عظيم، أَو يولد عظيم، فقال النبي ﷺ : "إِنها لا ترمي لموت أَحد ولا لحياته
، ولكن ربنا إِذا قضى أَمرًا في السماءِ سبَّح حملة العرش ثم سبَّح أَهل كل سماءٍ حتى ينتهي التسبيح إِلى هذه السماءِ، ويستخبر أَهل السماء حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أَهل كل سماءٍ حتى ينتهي الخير إِلى هذه فيتخطف الجن فيرمون؛ فما جاءُوا به فهو حق ولكنهم يزيدون فيه، وقال ابن قتيبة: كان (الرمي) ولكن اشتدت الحراسة بعد المبعث، وكانوا من قبل يسترقون ويرمون في بعض الأَحوال فلما بعث محمد ﷺ منعت (الجن) من ذلك أَصلًا.
٩ - ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾:
أي: وأَنا كنا قبل ذلك نتخذ من السماءِ مواضع للسمع نجدها خالية من الحرس والشهب، أَو صالحة للترصد والاستماع، فالآن ملئت المقاعد والمواضع كلها بالملائكة والشهب فمن يحاول أَن يقترب للاستماع يجد له شهابًا قد أُرصد له ليرجم به وقال مقاتل: رميًا بالشهب ورصدًا من الملائكة.
стр. 5243
﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ المفردات:
(دُونَ ذَلِكَ) أَقل منهم صلاحًا، أَو غيرهم في الصلاح.
(طَرَائِقَ قِدَدًا): طرائق: مذاهب، قددًا: جمع قِدَّة، من قَدَّ، كالقطعة من قَطَع أَي: كنا ذوي مذاهب مختلفة.
(نُعجِزَ اللَّهَ): نفوته ونتفلت منه.
(بَخْسًا) البخس: نقض الشيءِ على سبيل الظلم.
(رَهَقًا): ظلمًا ومشقة عليه بالزيادة في آثامه وسيئاته.
(الْقَاسِطُونَ): الجائرون والمائلون عن طريق الحق.
(تَحَرَّوْا): قصدوا وتوخَّوْا طريق الحق والصواب.
стр. 5244
١٠ - ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾:
أي وأَننا - معشر الجن - لا نعلم ما الله صانع بأَهل الأَرض بسبب امتلاءِ السماء بالحرس والشهب وانقضاضها وتهافتها، وتغير الحال عما أَلفناه، أَحَدَثَ ذلك لعذاب وشر يريد - سبحانه - أن ينزله بأَهل الأَرض؟ أَم لخير يريده الله لهم؟ أَو أَننا لا ندري أَن إِرسال محمد الذي من أجله منع استراقنا للسمع وقعودنا في مواضع في السماءِ، أَيكون ذلك نذير عذاب لهم، فإِنهم قد يكذبونه فيهلكونه بتكذيبه كما هلك من كذَّبوا رسلهم من الأُمم السابقة أَم يكون ذلك بشير خير لهم فإِنهم قد يؤمنون به ويهتدون، ولا يخفى ما في قول الجن: (أَشَرٌّ أُرِيدَ) من الأَدب حيث لم يصرحوا بنسبة الشر إِلى الله كما صرحوا به في الخير والرشد وإِن كان فاعل الكل هو الله - تعالى - فقد جمعوا بين جم الأَدب وحسن الاعتقاد.
١١ - ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)﴾:
أَي: وأَنا منا الأَبرار المتقون، ومنا قوم دون ذلك في الصلاح وهم المقتصدون غير الكاملين فيه، أَو: ومنا سوى ذلك وهم الطالحون الفاسدون الذين ليس لهم صلاح وهم الكافرون.
(كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا) أَي: كنا في اختلاف أَحوالنا مثل الطرائق المختلفة، أو كنا ذوي مذاهب متفرقة؛ فالطرائق - وقد وصفت بالقِدَد - تدل على معنى التقطع والتفرق والاختلاف كأَن كل طريق لامتيازها مقطوعة عن غيرها.
١٢ - ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾:
أَي: وأَننا علمنا وتيقَّنَّا بالاستدلال والتفكر في آيات الله وبما شاهدنا من قدرته أَننا في قبضته وقهره، ولن نعجزه في الأَرض مع بسطها وسعتها وكثرة فجاجها وتشعب طرقها، فلا نفوته إِذا أَراد بنا أَمرًا أَينما كنا فيها، ولن نستطيع أَن نفلت منه هربًا إلى السماء، وإِن هربنا فلن نخلص منه؛ وذلك لشدة قدرته وعظيم سلطانه.
стр. 5245
١٣ - ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾:
هذا عود ورجوع من الجن إِلى تذكر نعمة الله عليهم بالإِيمان به واهتدائهم بسماع آيات القرآن وافتخارهم بذلك، وفي الحق إنه لمفخرة وشرف رفيع لهم.
أَي: وأَننا حين سمعنا القرآن العظيم اهتدينا به وآمنا بالله الذي أَنزله، وصدقنا محمدًا ﷺ في رسالته من غير تردد ولا تريث (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا) أَي: فمن يصدق بالله فإِنه لا يخشى نقصانًا من حسناته، وإِنما يجازي عليها كلها الجزاءَ الأَوفى، ولا يخاف - كذلك - أَن يرهق ويشق عليه بالزيادة في آثامه وسيئاته أَو تغشاه ذلة، فَعَدْلُ الله يأتي ذلك قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) (١).
١٥،١٤ - ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ (٢) فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾:
أَي: وأننا - معشر الجن بعد سماعنا القرآن - مختلفون ومتفرقون؛ منا من انقاد وأَسلم وصدق برسالة محمد ﷺ ومنا من جار وعدل عن الحق، وحاد عن الطريق القويم.
وقد رُوي عن سعيد بن جبير ﵀ أَن الحجاج بن يوسف الثقفي - قال لسعيد حين أَراد قتله: ما تقول فيَّ؟ قال سعيد: قاسط عادل، فقال القوم: ما أَحسن ما قال؛ حسبوا أَنه يصفه بالقِسط والعدل، فقال الحجاج: يا جهلة؛ إِنه سماني ظالمًا مشركًا، وتلا لهم قوله تعالى: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا)، وقوله - عز شأنه -: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبَّهِمْ يَعْدِلُونَ).
(فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا) أَي: فمن انقاد واختار الإِسلام واتبع الرسول ﵊ فأولئك الذين قصدوا الصواب والحق، وتوخَّوْا سبيل النجاة حتى اهتدوا إِلى رشد عظيم لا يبلغ كنهه ومداه إِلا الله.
стр. 5246
(وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) أَي: وأَما الكافرون الجائرون البعيدون عن الحق والإِيمان فكانوا في سابق علم الله الأَزلي، كانوا حطبًا للنار وقودها الناس، والحجارة؛ تسعر بهم كما تسعر بكفرة الإِنس.
﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾
المفردات:
(غَدَقًا): كثيرًا.
(لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ): لنعاملهم معاملة المختبر الممتحن لنعلم علم ظهور ما يكون من أمرهم: أَيكفرون أَم يشكرون.
(وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ): هو من قولهم: أَعرضت عنه، بمعنى أَضربت وتوليت وصددت عنه، أَي: أخذت عَرْضًا، أَي: جانبًا غير الجانب الذي هو فيه.
стр. 5247
(يَسْلُكُهُ) يدخله.
(صَعَدًا): شاقًّا يعلوه ويغلبه فلا يطيقه.
(كَادُوا): قاربوا.
(لِبَدًا): جمع لِبدة، وهي الجماعات، شبهت بالشيءِ المتلبد المتراكم بعضه فوق بعض، من ازدحامهم عليه.
(لَنْ يُجِيرَنِي): لن يمنعني ولا يغيثني من الله أَحد.
(مُلْتَحَدًا): ملجأً وحرزًا.
التفسير
١٧،١٦ - ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾:
أَي: وأَن لو سار الكفار من الجن والإِنس معتدلين دون ميل أَو جور على الطريقة المثلى والنهج القويم والصراط السوي وهو ما جاءَ به محمد ﷺ من عند ربه لأَسقاهم الله المطر الغدق الكثير، والغيث العميم الذي يحيي الله به نفوسهم، وينبت لهم به الزرع، ويدر الضرع، ويغمرهم في دنياهم بوافر النعم وجليل الخيرات، (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ): لنعاملهم معاملة المختبر لنعلم ما يكون من أَمرهم: أَيكفرون أَم يشكرون، أَي: لنعلم ذلك حاصلًا وواقعًا منهم بعد أَن علمناه قديمًا أَزلا، حتى لا يكون للناس على الله حجة، بعد أَن يظهر ذلك للخلائق، والقول بإِغداق الخير عليهم لاستقامتهم مصداقه قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) (١)، وقوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) (٢).
стр. 5248
وقيل المعنى: وأَن لو استقام الجن على طريقتهم التي كانوا عليها قبل سماع القرآن ولم ينتقلوا عنها إِلى الإِسلام واستمروا على كفرهم لوسعنا عليهم الرزق، وأَغدقنا عليهم من الخير استدراجًا لهم وإِمهالًا وإِملاءً حتى يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ (١) وقال - سبحانه -: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ (٢).
والرأَي الأَول أَولى وأَحق بالاعتبار لأَن كلمة (الطريقة) المعرَّفة بالأَلف واللام إِنما ترجع إِلى الطريقة المعروفة المعهودة وهي طريقة الهدى والرشاد. (وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا).
أَي: ومن يتولَّ ويَنْأَ عن عبادة ربه ويتجافَ عنها فيجعلها في جانب وهو في جانب يدخله الله في عذاب يعلو طاقة ذلك الشقي المعذب ويشق عليه ويغلبه فلا يطيقه.
١٨ - ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾:
قال مجاهد: كان اليهود والنصاري إِذا دخلوا بِيَعَهُمْ وكنائسهم أَشركوا بالله فيها؛ وذلك أَن النصارى تقول: المسيح ابن الله، واليهود يقولون: عزير ابن الله، فأَمر الله نبيَّه والمؤمنين أَن يخلصوا العبادة لله وحده، وأَلاَّ يدعوا مع الله أَحدًا إِذا دخلوا المساجد كلها، هذا وإِن الأَرض جميعًا مساجد للرسول ﷺ ولأَمته، فقد ورد في حديث جابر عن عبد الله الذي أَخرجه البخاري: "وجعلت لي الأَرض مسجدًا وطهورًا، فأَيما رجل من أَمتي أَدركته الصلاة فليصل" وعلى هذا قال: فالمساجد جمع مسجِد - بكسر الجيم - وقيل: المراد بها الأَعضاء السبعة التي يسجد عليها، واحدها مسجَد - بفتح الجيم -
стр. 5249
وهي القدمان والركبتان والكفان والوجه، وروي أَن المعتصم سأَل أَبا جعفر محمد بن علي ابن موسى الكاظم ﵃ عن ذلك فأَجاب بما ذكر، وقيل: المراد المساجد السجدات، على أَن المسجَد - بفتح الجيم - مصدر ميمي، قال الحسن؛ من السنة إِذا دخل الرجل المسجد أَن يقول: لا إِله إِلاَّ الله: لأَن قوله: (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) في ضمنه أَمر بذكر الله ودعائه.
وقيل المعنى: أَفردوا المساجد لذكر الله ولا تتخذوها هزوًا ومتجرًا ومجلسًا ولا طرقًا، ولا تجعلوا لغير الله فيها نصيبًا، وفي الصحيح: "من نشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردَّها الله عليك؛ فإِن المساجد لم تبن لذلك".
هذا، وقد روى الضحاك عن ابن عباس عن النبي ﷺ كان، إِذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى وقال: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) اللهم أَنا عبدك وزائرك، وعلى كل مَزُور حق، وأَنت خير مَزوُر، فأَسأَلك برحمتك أَن تفك رقبتي من النار" وإِذا خرج من المسجد قدم رجله اليسرى وقال: "اللهم اصْبُبْ عليَّ الخير صبًّا، ولا تنزع عني صالح ما أَعطيتني أَبدًا، ولا تجعل معيشتي كدًّا، واجعل لي في الأَرض جَدًّا) أَي: عِنًى وقال ابن عباس: المساجد هنا مكة التي هي القبلة، وسميت مكة المساجد لأَن كل أَحد يسجد إِليها، أَي: يتخذها قبلة له.
١٩ - ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾:
أَي: وأَن الله أَوحى إِلى رسوله أَنه حين قام ﷺ عابدًا ربَّه في صلاة الفجر في بطن نخلة، أَو في سوق عكاظ يؤم أَصحابه كاد الجن يلتصقون يركب بعضهم بعضًا تزاحمًا وتراكمًا عليه؛ متعجبين مما رأَوه من عبادته واقتداء الصحابة به قائمًا وراكعا وساجدًا، وإِعجابًا بما تلاه من القرآن العظيم، لأَنهم رأَوا ما لم يروا مثله وسمعوا ما لم يسمعوا مثله، وقيل المراد: أَن الرسول لما قام يعبد الله تلبدت وتجمعت الإِنس والجن، أَو المشركون، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاءَ به ويطفئوا نور الله، فأَبى الله إِلَّا أَن يتم نوره وينصره ويظهره على من عاداه.
стр. 5250
٢٠ - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠)﴾
سبب نزولها: أَن كفار قريش قالوا لرسول الله ﷺ : إِنك جئت بأَمر عظيم، وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا فنحن بخيرك؛ فنزلت. فأَمر الله رسوله أَن يجيبهم على قولهم هذا: بأَن ما ترونه من عبادتي لله ورفضي الإِشراك به ليس مما يتعجب منه، وإِنما يتعجب ممن يدعو غير الله ويجعل له شريكًا، أَو أَن يقول لمن تظاهروا وتمالئوا عليه ليبطلوا الحق الذي جاءَ به: (إِنَّمَا أَدْعُو) يريد ما جئتكم بأَمر مستنكر ولا مستهجن إِنما أَعبد ربي وحده (وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا) وليس ذلك مما يوجب اجتماعكم على مقتي وعداوتي.
٢١ - ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١)﴾:
أَي: قل يا محمد في محاجة هؤُلاءِ وجدالهم: إِني لا أَقدر أَن أضركم ولا أن أَدفع عنكم ضرًّا، ولا أَستطيع أَن أَجلب لكم نفعًا، إِنما الضار والنافع والمرشد والمُغوي هو الله وأَن أَحدًا من الخلق لا قدرة له على ذلك.
٢٣،٢٢ - ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾:
أَي: قل لهم يا محمد: إِنَّني لن يستطيع أَحدٌ أَن يأخذني في جواره ويعيذني ويمنعني من الله إِن أَراد بي أَمرًا وهذا لأَنَّهُمْ قالوا له: اترك ما تدعو إِليه ونحن بخيرك. وإِنني لن أَظفر بملجأ أَركن إِليه أَو معاذٍ أَحتمي وأَلوذ به من غير الله؛ إِذ ملجأَ ولا منجى منه إِلاَّ إِليه، وأَن المخْلصَ والنجاة لا تكون إِلا بأَن أَتبع ما أَمرني به ربي، فأُبلغكم ما أرسلت به إِليكم ولا أَكتم شيئًا كلفني به - سبحانه - وأَوجب عليَّ أَن أُسْمِعَه لكم من غير زيادة أَو نقصان أَمَّا عياذي بكم والتجائي إِليكم - كما تؤملون وترجون - أَو اعتمادي على نفسي في الفِرار من جزاءِ ربي وحسابه فإِنه لا جدوى منه ولا نفع فيه، وقيل المراد: قل لا أَملك لكم إِلاَّ أَن أُبلغكم رسالة ربي، أَما الكفر والإِيمان فلا أَملكهما. (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) أَي: ومن يتمرد على الله ويَأبَ الإِيمان به ربًّا
التفسير
٢٤ - ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾:
هؤُلاءِ الكفار لا يزالون يستضعفون المؤمنين ويستهزئون بهم ويستقلُّون عددهم، حتى إِذا رأَى هؤُلاءِ المشركون ما تهددهم الله وتوعدهم به من صنوف العذاب وفنونه في الآخرة، أَو من خذلانهم وهزيمتهم في الدنيا - كما حدث في غزوة بدر الكبري - فسيتبين ويظهر لهم من هم الأَضعف ناصرًا ومعينًا وأَقل نفرًا وجندًا وعددًا؟ هل هم أَم المؤمنون بربهم المصدقون برسالة نبيَّهم؟ لا شك ولا مريةَ أن الكافرين لا وليّ ولا ناصر ولا شفيع لهم، قال تعالى: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ) (١) وأَنهم هم الذين ينصرف وينفض عنهم أَهلوهم وذووهم يوم القيامة.
أما المؤمنون فلهم في الآخرة العزة والكرامة والكثرة قال تعالى: (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ" (٢)، والملك القدوس - جل شأَنه - يسلم عليهم، قال تعالى: (سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) (٣) ولهم عز النصر واجتماع الشمل وعلوّ الشأن.
٢٥ - ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)﴾:
عندما سمع المشركون ما نزل في الآية السابقة قالوا - إِنكارًا له واستهزاءً به: متى يكون ذلك الموعود؟ فأَمر الله رسوله أن يبلغهم - تبكيتًا لهم وتهديدًا - أَن العذاب الذي أُوعِدُوا وهُددوا به كائن وحاصل، لا محالة، وأَن وقوعه متيقن، أَما وقته وزمن نزوله بهم فلا أَعلم متي يكون: أهو حالٌّ متوقع في أَية ساعة أَم مؤجل قد ضرب الله له غاية وَوقَّتَ له زمنًا معينًا؟ إِن الله - سبحانه - قد استأَثر بعلم ذلك.
стр. 5253
هذا، والأَمد: الزمان مطلقًا بعيدًا كان أَو قريبًا، والمراد به هنا: البعيد؛ بقرينة المقابلة بالقريب.
٢٧،٢٦ - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾:
أَي أَنه - سبحانه - هو الذي يعلم كلَّ ما خفي واستتر؛ لأَنه خالق كل شيءٍ: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (١) ومن ذلك الغيب: العذاب والنكال الذي يقع عليهم ويلحق بهم، وَأنه - جل شأَنه - لا يطلع ولا يظهر على غيبه أَحدًا إِلا من يختاره ويصطفيه للنبوة والرسالة فيطلعه على بعض ما يريد سبحانه أَن يظهره له، لأَن الرسل ﵈ مؤيدون بالمعجزات ومنها الإِخبار عن بعض الغيبيات، قال تعالى - حكاية عن عيسى ﵇ (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) (٢) وفي قوله تعالى: (إِلا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) إِشارة إِلى إِبطال الكهانة والسحر والتنجيم لأَنَّ أَصحابها أَبعد شيءٍ عن ارتضاء الله وأَدخل ما يكون في سخطه وغضبه.
روي أَن مسافر بن عوف قال لأَمير المؤْمنين على بن أَبي طالب ﵁ لَمَّا أَراد لقاءَ الخوارج: يا أَمير المؤْمنين؛ لا تُسِرْ في هذه الساعة وَسِرْ في ثلاث ساعات يمضين من النهار، فقال له علي ﵁: ولم؟ قال: إِن سرتَ في هذه الساعة أَصابك وأَصاب أَصحابك بلاء وضر شديد، وإِن سرت في الساعة التي أَمرتك بها ظفرت وظهرت وأَصبت ما طلبت فقال عليّ ﵁: ما كان لمحمد ﷺ منجم ولا لنا من بعده، فمن صدقك في هذا القول لم آمن عليه أَن يكون كمن اتخذ من دون الله نِدًّا أَوضِدًّا، اللَّهم لا طير إِلاَّ طيرك ولا خير إِلا خيرك، ثم قال للمتكلم: نكذبك ونخالفك ونسير في الساعة التي تنهانا عنها، ثم أَقبل على الناس فقال: أَيها الناس: إِياكم وتَعَلُّمَ النجوم إِلا ما تهتدون به في الظلمات البر والبحر، وإِنما المنجم كالساحر، والساحر
стр. 5254
كالكافر، والكافر في النار، والله لئن بلغني أَنك تنظر في النجوم وتعمل بها لأَخلدنك في الحبس ما بقيتَ وبقيتُ، ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان، ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها، ولقي القوم فقتلهم وهي وقعة (النهروان) الثابتة في الصحيح لمسلم، ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أَمرنا بها وظفرنا وظهرنا لقال قائل: سار في الساعة التي أَمر بها المنجم، ما كان لمحمد ﷺ منجم ولا لنا بعده، فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر وسائر البدان ثم قال: يا أَيها الناس: توكلوا على الله وثقوا به؛ فإِنه يكفي عمن سواه (يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا)، أَي: فإِذا أَراد الله إِظهار شيءٍ من غيبه على رسوله فإِنه يحيط الرسول إِحاطة تامة من جميع جوانبه بحرس وحفظة من الملائكة يحفظونه من تعرض الجن لما يريد إِطلاعه عليه؛ لئلا يسترقوه ويهمسوا به إِلى الكهنة قبل أَن يبلغه الرسول، وذلك ليصل الوحي إِلى الناس خالصًا من تخليط الجن وعبثهم.
٢٨ - ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾:
أي: أَخبرنا وأَنبأنا محمدًا ﷺ أَن الرسل قبله كانوا على مثل حاله من التبليغ بالحق والصدق، وأَنه حفظ كما حفظوا من الجن، أَو ليعلم النَّاس أَن الرسول والرسل قبله ﵈ قد أَبلغوا رسالات ربهم كاملة لا زيادة فيها ولا نقصان، أَو ليعلم الله أَن الرسل قد أَبلغوا الرسالة وأَدوا الأَمانة كاملة لم يكتموا منها شيئًا، أَي: ليعلم ذلك مشاهدًا وحاصلا وواقعًا كما علمه غيبًا وأَزلًا في علمه القديم.
(وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ): أَي: علم - سبحانه - بما عند الرسل ظاهرًا وباطنًا من الأَحكام والشرائع وغير ذلك لا يفوته منها شيءٌ ولا ينسى منها حرفًا؛ فهو المهيمن عليها والحافظ لها (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) أَي: ضبط كل شيءٍ ضبطًا تامًّا لا يعتريه خلل ولا يناله نقص، أَحصاه - سبحانه - معدودًا محصورًا، وذلك مثل القطر والمطر والرمال وورق الأَشجار وزيد البحار وأَنفاس خلقه وغير ذلك مما نعلمه ومما لا نعلمه، ومَنْ هذا شأنه كيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟ إِنَّه - سبحانه - المحصي المحيط العالم الحافظ لكل شيءٍ لا تأَخذه سنة ولا نوم.
стр. 5255
سورة المزمل
هذه السورة الكريمة مكيَّة وآياتها عشرون آية
مناسبتها لما قبلها:
لما ختم الله - سبحانه - سورة الجن بذكر الرسل - عليهم الصلاة والسلام - في قوله تعالى: (لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغْوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ) افتتح هذه السورة بما يتعلق ويتصل بخاتمهم محمد ﷺ حيث بدأَها بقوله: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) وقال الإِمام الآلوسي: لا يخفى اتصال أَولها (قُمْ اللَّيْلَ). إِلخ بقوله - تعالى - في آخر تلك (سورة الجن): (وَأَنَّهُ لَمَّا قَاَمَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ) وبقوله - سبحانه -: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لله) الآية.
بعض مقاصد هذه السورة:
١ - إِن هذه السورة الكريمة تتصل برسول الله ﷺ في بدءِ الرسالة، وأَنه أَمر فيها بقيام الليل وترتيل القرآن فيه؛ ليكون ذلك أَعون له على تحمل أَعباءِ الرسالة: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمْ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلًا … ) إلي قوله: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرتِيلًا).
٢ - جاءَت السورة تأمر الرسول ﵊ بالصبر على إِيذاء قومه له، وعدم التعرض لهم بأَذى أَو تعييب أَو شتم، وذلك قبل أَن يؤذن له في قتالهم، وأَن يتركهم لله وحده ينتقم له منهم في الدنيا بالهزيمة والقتل كما حدث في غزوة بدر، وفي الآخرة بالأَنكال والجحيم والطعام الذي يعترض في حلوقهم فلا يخرج ولا ينزل: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرهم هجرًا جَمِيلًا) إِلى قوله: (إِن لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا) الخ.
٣ - جاءَ ختام السورة ببيان فضل الله ورحمته على رسوله وعلى المؤمنين، وذلك بالتخفيف عنهم في التهجد وقيام الليل؛ لأَنه - سبحانه - علم أنهم لن يطيقوه لمرض بعضهم؛ وحاجة آخرين إِلى السعي في الأَرض ابتغاءَ الرزق أَو للقتال في سبيل الله، ورفع عنهم وجوب ذلك وأَمرهم بإِقام الصلاة وإيتاءِ الزكاة، وأَن يقرضوا الله قرضًا حسنًا، وذلك بفعل الطاعات ابتغاء وجهه - سبحانه - دون رياءٍ أَو سمعة، ووعدهم بأَنهم سيجدون عند الله خير الجزاء