← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

وبمحمد رسولا فإن له لا لغيره - من الطائعين الأَتقياء - له عذاب جهنم يخلد ويبقى فيه لا ينفك عنه ولا يزول ولا يبيد. ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ المفردات: (نَاصِرًا): معينًا. (أَمَدًا) زمانًا بعيدًا أَو قريبًا. (الْغَيْبِ) ما خفي واستتر. (ارْتَضَى): اختار واصطفى. (يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا): الرصد: الحفظة. (أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ): علمه علمًا تامًّا. (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا): ضبط كل شيءٍ معدودًا محصورًا.

стр. 5252

التفسير ٢٤ - ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾: هؤُلاءِ الكفار لا يزالون يستضعفون المؤمنين ويستهزئون بهم ويستقلُّون عددهم، حتى إِذا رأَى هؤُلاءِ المشركون ما تهددهم الله وتوعدهم به من صنوف العذاب وفنونه في الآخرة، أَو من خذلانهم وهزيمتهم في الدنيا - كما حدث في غزوة بدر الكبري - فسيتبين ويظهر لهم من هم الأَضعف ناصرًا ومعينًا وأَقل نفرًا وجندًا وعددًا؟ هل هم أَم المؤمنون بربهم المصدقون برسالة نبيَّهم؟ لا شك ولا مريةَ أن الكافرين لا وليّ ولا ناصر ولا شفيع لهم، قال تعالى: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ) (١) وأَنهم هم الذين ينصرف وينفض عنهم أَهلوهم وذووهم يوم القيامة. أما المؤمنون فلهم في الآخرة العزة والكرامة والكثرة قال تعالى: (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ" (٢)، والملك القدوس - جل شأَنه - يسلم عليهم، قال تعالى: (سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) (٣) ولهم عز النصر واجتماع الشمل وعلوّ الشأن. ٢٥ - ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)﴾: عندما سمع المشركون ما نزل في الآية السابقة قالوا - إِنكارًا له واستهزاءً به: متى يكون ذلك الموعود؟ فأَمر الله رسوله أن يبلغهم - تبكيتًا لهم وتهديدًا - أَن العذاب الذي أُوعِدُوا وهُددوا به كائن وحاصل، لا محالة، وأَن وقوعه متيقن، أَما وقته وزمن نزوله بهم فلا أَعلم متي يكون: أهو حالٌّ متوقع في أَية ساعة أَم مؤجل قد ضرب الله له غاية وَوقَّتَ له زمنًا معينًا؟ إِن الله - سبحانه - قد استأَثر بعلم ذلك.

стр. 5253

هذا، والأَمد: الزمان مطلقًا بعيدًا كان أَو قريبًا، والمراد به هنا: البعيد؛ بقرينة المقابلة بالقريب. ٢٧،٢٦ - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾: أَي أَنه - سبحانه - هو الذي يعلم كلَّ ما خفي واستتر؛ لأَنه خالق كل شيءٍ: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (١) ومن ذلك الغيب: العذاب والنكال الذي يقع عليهم ويلحق بهم، وَأنه - جل شأَنه - لا يطلع ولا يظهر على غيبه أَحدًا إِلا من يختاره ويصطفيه للنبوة والرسالة فيطلعه على بعض ما يريد سبحانه أَن يظهره له، لأَن الرسل ﵈ مؤيدون بالمعجزات ومنها الإِخبار عن بعض الغيبيات، قال تعالى - حكاية عن عيسى ﵇ (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) (٢) وفي قوله تعالى: (إِلا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) إِشارة إِلى إِبطال الكهانة والسحر والتنجيم لأَنَّ أَصحابها أَبعد شيءٍ عن ارتضاء الله وأَدخل ما يكون في سخطه وغضبه. روي أَن مسافر بن عوف قال لأَمير المؤْمنين على بن أَبي طالب ﵁ لَمَّا أَراد لقاءَ الخوارج: يا أَمير المؤْمنين؛ لا تُسِرْ في هذه الساعة وَسِرْ في ثلاث ساعات يمضين من النهار، فقال له علي ﵁: ولم؟ قال: إِن سرتَ في هذه الساعة أَصابك وأَصاب أَصحابك بلاء وضر شديد، وإِن سرت في الساعة التي أَمرتك بها ظفرت وظهرت وأَصبت ما طلبت فقال عليّ ﵁: ما كان لمحمد ﷺ منجم ولا لنا من بعده، فمن صدقك في هذا القول لم آمن عليه أَن يكون كمن اتخذ من دون الله نِدًّا أَوضِدًّا، اللَّهم لا طير إِلاَّ طيرك ولا خير إِلا خيرك، ثم قال للمتكلم: نكذبك ونخالفك ونسير في الساعة التي تنهانا عنها، ثم أَقبل على الناس فقال: أَيها الناس: إِياكم وتَعَلُّمَ النجوم إِلا ما تهتدون به في الظلمات البر والبحر، وإِنما المنجم كالساحر، والساحر

стр. 5254

كالكافر، والكافر في النار، والله لئن بلغني أَنك تنظر في النجوم وتعمل بها لأَخلدنك في الحبس ما بقيتَ وبقيتُ، ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان، ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها، ولقي القوم فقتلهم وهي وقعة (النهروان) الثابتة في الصحيح لمسلم، ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أَمرنا بها وظفرنا وظهرنا لقال قائل: سار في الساعة التي أَمر بها المنجم، ما كان لمحمد ﷺ منجم ولا لنا بعده، فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر وسائر البدان ثم قال: يا أَيها الناس: توكلوا على الله وثقوا به؛ فإِنه يكفي عمن سواه (يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا)، أَي: فإِذا أَراد الله إِظهار شيءٍ من غيبه على رسوله فإِنه يحيط الرسول إِحاطة تامة من جميع جوانبه بحرس وحفظة من الملائكة يحفظونه من تعرض الجن لما يريد إِطلاعه عليه؛ لئلا يسترقوه ويهمسوا به إِلى الكهنة قبل أَن يبلغه الرسول، وذلك ليصل الوحي إِلى الناس خالصًا من تخليط الجن وعبثهم. ٢٨ - ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾: أي: أَخبرنا وأَنبأنا محمدًا ﷺ أَن الرسل قبله كانوا على مثل حاله من التبليغ بالحق والصدق، وأَنه حفظ كما حفظوا من الجن، أَو ليعلم النَّاس أَن الرسول والرسل قبله ﵈ قد أَبلغوا رسالات ربهم كاملة لا زيادة فيها ولا نقصان، أَو ليعلم الله أَن الرسل قد أَبلغوا الرسالة وأَدوا الأَمانة كاملة لم يكتموا منها شيئًا، أَي: ليعلم ذلك مشاهدًا وحاصلا وواقعًا كما علمه غيبًا وأَزلًا في علمه القديم. (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ): أَي: علم - سبحانه - بما عند الرسل ظاهرًا وباطنًا من الأَحكام والشرائع وغير ذلك لا يفوته منها شيءٌ ولا ينسى منها حرفًا؛ فهو المهيمن عليها والحافظ لها (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) أَي: ضبط كل شيءٍ ضبطًا تامًّا لا يعتريه خلل ولا يناله نقص، أَحصاه - سبحانه - معدودًا محصورًا، وذلك مثل القطر والمطر والرمال وورق الأَشجار وزيد البحار وأَنفاس خلقه وغير ذلك مما نعلمه ومما لا نعلمه، ومَنْ هذا شأنه كيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟ إِنَّه - سبحانه - المحصي المحيط العالم الحافظ لكل شيءٍ لا تأَخذه سنة ولا نوم.

стр. 5255

سورة المزمل هذه السورة الكريمة مكيَّة وآياتها عشرون آية مناسبتها لما قبلها: لما ختم الله - سبحانه - سورة الجن بذكر الرسل - عليهم الصلاة والسلام - في قوله تعالى: (لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغْوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ) افتتح هذه السورة بما يتعلق ويتصل بخاتمهم محمد ﷺ حيث بدأَها بقوله: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) وقال الإِمام الآلوسي: لا يخفى اتصال أَولها (قُمْ اللَّيْلَ). إِلخ بقوله - تعالى - في آخر تلك (سورة الجن): (وَأَنَّهُ لَمَّا قَاَمَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ) وبقوله - سبحانه -: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لله) الآية. بعض مقاصد هذه السورة: ١ - إِن هذه السورة الكريمة تتصل برسول الله ﷺ في بدءِ الرسالة، وأَنه أَمر فيها بقيام الليل وترتيل القرآن فيه؛ ليكون ذلك أَعون له على تحمل أَعباءِ الرسالة: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمْ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلًا … ) إلي قوله: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرتِيلًا). ٢ - جاءَت السورة تأمر الرسول ﵊ بالصبر على إِيذاء قومه له، وعدم التعرض لهم بأَذى أَو تعييب أَو شتم، وذلك قبل أَن يؤذن له في قتالهم، وأَن يتركهم لله وحده ينتقم له منهم في الدنيا بالهزيمة والقتل كما حدث في غزوة بدر، وفي الآخرة بالأَنكال والجحيم والطعام الذي يعترض في حلوقهم فلا يخرج ولا ينزل: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرهم هجرًا جَمِيلًا) إِلى قوله: (إِن لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا) الخ. ٣ - جاءَ ختام السورة ببيان فضل الله ورحمته على رسوله وعلى المؤمنين، وذلك بالتخفيف عنهم في التهجد وقيام الليل؛ لأَنه - سبحانه - علم أنهم لن يطيقوه لمرض بعضهم؛ وحاجة آخرين إِلى السعي في الأَرض ابتغاءَ الرزق أَو للقتال في سبيل الله، ورفع عنهم وجوب ذلك وأَمرهم بإِقام الصلاة وإيتاءِ الزكاة، وأَن يقرضوا الله قرضًا حسنًا، وذلك بفعل الطاعات ابتغاء وجهه - سبحانه - دون رياءٍ أَو سمعة، ووعدهم بأَنهم سيجدون عند الله خير الجزاء

стр. 5256

وجزاء الخير على ما يقدمونه من بر وطاعة: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ المفردات: (الْمُزَّمِّلُ): المتزمل الذي تزمل بثيابه، أَي: تلفف بها، وقيل: غير ذلك. (اللَّيْلَ): هو من غروب الشمس إِلى طلوع الفجر. (وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا): (الترتيل): التنضيد والتنسيق وحسن النظام، ومنه ثغر رتل إِذا كان حسن التنضيد. التفسير: ٤،٣،٢،١ - ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾: ما جاء في سبب النزول: ورد في حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي: "بينما أَنا أَمشي إِذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري فإِذا الملَك

стр. 5257

الذي جاءَني بحراءَ جالس على كرسيّ بين السماءِ والأَرض، فرغبت منه، فرجعت فقلت: زملوني، فأَنزل الله: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنِذرْ) إلي قوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) فحمى الوحي وتتابع، وقال المفسرون: وعلى أَثرها نزلت (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ). أَي: يا أَيها المتلفف بثيابك، وكان رسول الله ﷺ نائمًا بالليل متزملا في قطيفة فناداه ربّه بذلك تأنيسًا له وملاطفة على عادة العرب في اشتقاق اسم للمخاطب من صفته وحالته التي هو عليها، كقوله ﷺ لعليّ - كرم الله وجهه - حين غاضب زوجه فاطمة الزهراءَ ﵂ فأَتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب: "قم أَبا تراب" وكذلك قوله ﵊ لحذيفة: "قم يا نومان" وكان نائمًا، ونداء الله له بذلك قصدا لرفع الحجاب وطيًّا لبساط العتاب وزيادة في الإِدلال والترأَف تنشيطًا له ﷺ ليتلقى ما يكلف به من عمل يشق عليه بهمة عالية وعزيمة صادقة لا تعرف كلالا أَو تعبا. وقيل: يا أَيها المزمل بالنبوة والملتزم بالرسالة. وقيل: المزمل بالقرآن. (قُمْ اللَّيْلَ) أَمره - سبحانه - بالقيام والتشمر في الليل لإِحيائه بالصلاة والعبادة وتلاوة القرآن، وترك الهجوع إِلى السجود والركوع، وهجر المنام إِلى ما فيه نيل البغية وبلوغ المرام، إِنه يعدُّه ويهيئه بقيام الليل وفيه ما فيه من المجاهدة والمصابرة ليؤهله إِلى أَداء الرسالة لقوم قوى مراسهم واشتد عنادهم. (إِلا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا *أَوْ زِدْ عَلَيْهِ) أَي: قم نصف الليل (١) أَو أَقل من النصف أَو أزيد منه واختلف في المراد من ذلك: فذهب أَكثر المفسرين إِلى أَنه ﷺ خُيِّر بين قيام نصف الليل أَو ثلثه أَو ثلثيه، وقال آخرون: هو مخيّر بين قيام نصف الليل أَو ربعه أَو ثلاثة أَرباعه (٢) والرأي الأَول أَجدر وأَولى لوضوحه وبيانه ولاتفّاقه مع ما جاءَ في آخر السورة: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ).

стр. 5258

وفي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمْ اللَّيْلَ) تنبيه لكل متزمل راقد ليله أَن يقوم الليل ويذكر الله فيه؛ لأَن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل واتصف بتلك الصفة. هذا. وهل كان قيام الليل فرضًا على رسولنا ﷺ وحده؟ أَو كان فرضًا عليه وعلى الأَنبياءِ قبله؟ أَو كان فرضًا عليه وعلى أُمته؟ أَقوال أَرجحها أَنه كان فرضًا عليه وعلى أُمته، وهو قول عائشة وابن عباس ﵄ فقد ورد في صحيح مسلم عن زرارة بن أَوفى: أَن سعد بن هشام بن عامر أَراد أَن يغزو في سبيل الله … وفي هذا الحديث فقلت (أَي: سعد بن هشام) لعائشة: أَنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ فقالت: أَلست تقرأُ (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) قلت: بلى، فقالت: فإِن الله افترض قيام الليل في أَول هذه السورة، فقام ﷺ وأَصحابه حولا، وأَمسك خاتمتها اثنى عشر شهرًا في السماءِ حتى أَنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ) فصار قيام الليل تطوعًا بعد الفريضة. نقول: والظاهر أَن النسخ والتخفيف كان في حق الأُمة وبقيت فريضة قيام الليل على رسول الله ﷺ بدليل قوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) وهذا رأَي كثير من المفسرين والفقهاءِ. (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا) أَي: اقرأ القرآن على تمهل وتؤدة وذلك بإِشباع الحركات وتبيين الحروف بحيث يُمَكنُ السامع من عدها، وذلك من قولهم: ثغر رتل إِذا كان مفلجًا لم تتصل أَسنانه بعضها ببعض، وعن عليٍّ - كرم الله وجهه - أَن رسول الله ﷺ سئل عن هذه الآية فقال: "بيِّنْهُ تبيينا ولا تنثره نثر الدقل (١) ولا تهذّه هذَّ الشِّعر، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة".

стр. 5259

هذا، ومراتب التلاوة الصحيحة للقرآن الكريم أَربع: ١ - الترتيل: وهو القراءَة بطمأنينة وإِخراج كل حرف من مخرجه مع إِعطائه حقه من جميع الصفات والمخارج، ومع التدبر في معاني القرآن الكريم والتأَمل لما فيه من حكم ومواعظ. ٢ - التحقيق: وهو مثل الترتيل إِلا أَنه أَكثر اطمئنانًا منه، وهو المأخوذ به في مقام التعليم. ٣ - الحذر: وهو الإِسراع في القراءَة مع مراعاة أَحكام التجويد وضبطها. ٤ - التدوير: وهو مرتبة تتوسط الترتيل والحدْر مع مراعاة الأَحكام كذلك. وقال علماءُ القراءات والتجويد: إِن أَفضل هذه المراتب هو الترتيل؛ للأَمر به في قوله: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا). ولقراءَة النبي ﷺ به، فعن عائشة ﵂ أَنها قالت: "كان يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أَطول من أَطول منها" وعنها - وقد سئلت عن قراءَة النبي ﷺ فقالت: "لا كسردكم هذا، لو أَراد السامع أَن يعدّ حروفه لعدّها" وعن أُم سلمة ﵂ أَنها قالت: "كان يقطع القرآن آية آية" أَي: يقف على آخر كل آية ليعلم أَصحابه ﵃ أَن الآية قد تمت. ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾ المفردات: (قَوْلًا ثَقِيلًا): يثقل حمله، والمراد به قيام الليل، أَو القرآن. (نَاشِئَةَ اللَّيْلِ): العبادة في الليل، وقيل غير ذلك.

стр. 5260

(أَشَدُّ وَطْئًا): أَثقل وأَغلظ وأَشد على المصلي من صلاة النهار. (وَأَقْوَمُ قِيلًا): وأَثبت قراءَة وأَبين مقالا. (سَبْحًا): تصرفًا وتقلبًا في شواغلك. التفسير ٥ - ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾: أَي: إِنا سنوحي إِليك باقتراض قيام الليل قولا ثقيلا يثقل حمله، لأَن مِنْ شأن الذي يقوم به أَن يجهد بذلك وينوء بحمله، لأَن الليل وقت الإِخلاد إلي الراحة والنوم، فمن أَمر بقيامة لم يتهيأ له ذلك إِلا برياضية شديدة لنفسه وتذليل وقهر لها، ومجاهدة للشيطان، وقيل: إِنا سنوحي إِليك القرآن العظيم وهو ثقيل بثقل العمل بشرائعه وأَحكامه ووعده ووعيدة وحلاله وحرامه، أَو أَنه ثقيل، أَي: مبارك في الدنيا على صاحبه ويثقل ميزانه يوم القيامة، وقيل: ثقيل تلقيه؛ فقد روي عن عائشة ﵂ "أَن النبي ﷺ كان إِذا أَوحي إِليه وهو على ناقته وضعت جِرانها (١) فما تستطيع أَن تتحرك حتى يُسرَّى عنه" أَي: الوحي، وتلت قوله تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا). كما روى الشيخان ومالك وغيرهم أَنها قالت: "لقد رأَيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإِن جبينه ليتفصد عَرَقًا" هذا، وإِن النص القرآني الكريم ليتسع لذلك كله ولغيره. ٦ - ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾: أي: إِن قيام ساعات الليل وإِحياءَها بالعبادة من ذكر صلاة وتفكر وتدبر، أَو: إِن العبادة التي تحدث وتنشأُ في الليل هي أَشد وأَثقل على القائم ليلة من عبادة النهار؛ لأَن القائم في الليل يجاهد نفسه ويهجر مهده، ويتجافى عن المضجع جنبه، وهي كذلك أَصواب قولا وأَحسن لفظًا؛ لأَن الليل فيه تهدأ الأَصوات، وتنقطع الحركات، ويخلص القول ويفرغ

стр. 5261

القلب، ولا يكون هناك مانع أو حائل دون تفهم القرآن وتدبره، وفي هذه الآية الكريمة بيان لفضل صلاة الليل، وأَن الاستكثار منها وزيادة القراءة فيها يعظم الثواب ويجزل الأَجر. وقيل: المراد بالناشئة هي النفس التي تنشأَ من مضجعها إِلى العبادة، أَي: تنهض، وذلك دون ناشئة النهار. واختلف العلماءُ في وقت (ناشئة الليل) فقال ابن عمر وأَنس بن مالك ﵄: هي ما بين المغرب والعشاءِ تمسكًا بأَن لفظ (نشأَ) يعطي الابتداء، وكان علي بن الحسين ﵄ يصلي بين المغرب والعشاءِ ويقول: هذه ناشئة الليل، وقيل: هي الليل كله، وقيل: هي القيام بالليل بعد النوم، وهذا مروي عن عائشة وابن عباس ﵄ وهذا يتفق مع ما روي عن النبي ﷺ أَنه قال: "إِن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأَول، ثم يأمر مناديًا يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطي؟ " فهذا الحديث بيّن الأَوقات التي هي جديرة بالإِحياءِ والإِقامة، وأَيضًا فإِنه يتناسب مع قوله تعالى: (هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا) لأَن الصلاة بعد نوم فيها الكثير من أَخذ النفس بالشدة والحزم ورياضتها على الأَعمال الشاقة التي تكسب صاحبها ثوابًا عظيمًا وأَجرا جزيلا، فقد ورد في الأَثر: "أَفضل العبادات أَحمزها "أَي أَشقها. ٧ - ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾: أَي: إِن لك في النَّهار سغة من الوقت تتصرف فيها من مهامك وشواغلك ونومك وراحة بدنك، فاجعل ليلك خالصًا لعبادة ربك، وعليك بمناجاته التي تقتضي فراغ البال وانتفاء الشواغل، أَو: إِن لك تصرفًا في أُمور معاشك وتقلبًا في حوائجك وما يعرض لك من أَمر دنياك، فلا تستطيع أَن تتفرغ للعبادة الخالصة في النهار فعليك بها في الليل، وقيل: إِن فاتك في الليل شيءٌ من العبادات فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه، ويؤيد هذا المعنى ما روي عن عائشة ﵂ أَنها قالت: "وكان رسول الله ﷺ إِذا صلى صلاة أحب أَن يداوم عليها، وكان إِذا شغله عن قيام الليل نوم أَو وجع أَو مرض صلى من

стр. 5262

النهار ثنتى عشرة ركعة" هذا من حديث طويل رواه الإِمام أَحمد، وقد أَخرجه مسلم في صحيحه من حديث قتادة بنحوه. وهذه الآية الكريمة تبين الداعي والدافع الخارجي إِلى قيام الليل وهو اتساع النهار لأَمر الدنيا فضلا على ما في قيام الليل من الدافع الذاتي وهو ما يناله القائم ليلا من رضا الله وثوابه. ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾ المفردات: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا): وانقطع إِلى ربك بعبادته، وجرد نفسك عما سواه. (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا): جانبهم ودارهم ولا تكافئهم على إِيذائهم لك. التفسير ٨ - ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾: أَي: ودم واثبت على ذكر ربك ليلا ونهارا، أَي: ادعه بأَسمائه الحسنى ليكون لك مع صلاة الليل العاقبة المحمودة والدرجة العالية الرفيعة، وقيل: اذكره على أَي وجه كان من تسبيح وتهليل وتحميد وصلاة وقراءَة قرآن وغير ذلك من أَلوان الطاعات وصنوف العبادات، وفسر الأَمر في قوله: (وَاذْكُرْ) بالدوام والاستمرار؛ لأَنه ﵊ حتى ما منامه لم ينس ربه حتى يؤمر بذكره: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا): هذا أَمر منه - سبحانه - لرسوله أَن ينقطع لله ويخلص له العبادة ويفرده بها، ويراقبه مراقبة

стр. 5263

تستغرق قلبه وتسيطر على باطنه، كما أَمره أَن يعبده ظاهرا ويذكره بلسانه في قوله (وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ) ليكون الظاهر والباطن مشغولا بالله وحده. هذا، واتفق أَئمة الإِسلام وعلماؤُه على مشروعية طلب ذكر الله، كما اتفقوا على أَن كلمة (لا إِله إِلا الله) هي أَفضل ما قاله الرسول والنبيون من قبله ﷺ ولكن ما المراد من ذكر الله؟ هل يشمل ويضم كل العبادات؟ أَو هو نوع معين منها؟ ثم ما مقداره؟ وما هي أَفضل الأَوقات التي يطلب فيها وتكون أَرجى في الإِجابة؟ وهل هو مطلوب على سبيل الندب أَو على سبيل الحتم والوجوب؟ وما الحالة التي ينبغي أَن يكون عليها الذاكر عند ذكر ربه؟ أُمور اختلفوا فيها ولكل وجهة. والذي يتضح لنا أَن الذكر هو عمل من أَعمال اللسان، وأَن لكل جارحة عبادتها الخاصة بها، وذلك عملا بقول الرسول ﷺ في حديث: "أَوصاني ربي بتسع … " الخ الذي جاءَ فيه: "وأَن يكون نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرا"، وأَيضا فإِن إِطلاق الذكر على كل ما نطق به اللسان من العبادات فيه ضرب من التجوز؛ إذ قد عطف الأَمر بالتسبيح (وهو من عمل اللسان أَيضًا) على الأَمر بالذكر في قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) والعطف - كما يقولون - يقتضي المغايرة، نسأَل الله حسن التوفيق إِلى ما يحبه الله ويرضاه. ٩ - ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾: أَي: هو سبحانه - رب المكان الذي تشرق فيه الشمس وتغرب؛ فهو رب الأَرض جميعًا ومالكها، ومدبر أَمرها وأَمر ما فيها، لا معبود بحق إلا هو، وما دام - سبحانه - مختصًا بالربوبية والأُلوهية فقد وجب على كل عاقل أَن يتخذه وكيلًا؛ فيسلم نفسه إِليه، ويعتمد ويتوكل عليه، ويفوض كل أَمره إِليه، فهو - جل شأنه - نعم الوكيل ونعم المولى والنصير، قال بعضهم: من رضي بالله - تعالى - وكيلا وجد إِلى كل الخير سبيلا. ١٠ - ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾: أَي: احبس نفسك على ما يصيبك من أَذى قومك وسفاهتهم التي يرمونك بها من صفات التعييب والتنقيص كقولهم: ساحر، شاعر، كاهن، مجنون إِلى غير ذلك مما

стр. 5264

كانوا ينسبونه إِليه استهزاءً به وسخرية منه ﷺ ، واجعل نفسك في جانب وهم في جانب، واصبر على ما يبدر منهم؛ فالهجر الجميل: هو أَن يجانبهم بقلبه وهواه ويخالفهم مع حسن المخالفة والمداراة والإِغضاء وترك المكافأَة. ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ المفردات: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ): خل بيني وبينهم، وارض بي لعقابهم. (أُولِي النَّعْمَةِ): أَصحاب التنعم وغضارة العيش. (أَنكَالًا): جمع نكل، وهو القيد الثقيل أَو الشديد. (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ): وطعامًا يعترض وينشب في الحلوق. (تَرْجُفُ الأَرْضُ): تضطرب وتتزلزل. (كَثِيبًا): رملا مجتمعًا. (مَهِيلًا): رخوًا ليِّنًا. التفسير ١١ - ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾: أَي: خل بيني وبين هؤلاءِ المكذبين المفترين أَرباب التنعم وغضارة العيش وكثرة الأَولاد، وارض بي لعقابهم وإِنزال النكال بهم؛ فإِن لدي ما يفرغ بالك ويجلي همك،

стр. 5265

والمراد من المكذبين أُولي النعمة: هم صناديد قريش وزعماؤُها (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا) أي: ولا تضق ذرعًا بهم واتركهم زمانًا قليلًا وهو مدة حياتهم في الدنيا، أَو المدة الباقية لهم إِلى يوم بدر، وبعدها فسيهلكهم الله ويكفيك شرهم. وفي قوله تعالى: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ) إِدخال مزيد اطمئنان على قلب الرسول الكريم بأَنه - سبحانه - آخذ هؤُلاءِ لا محالة بشديد عقابة جزاءَ تكذبيهم، وإِلاَّ فهل يستطيع الرسول ﷺ أَو غيره مهما علا سلطانه واشتد جبروته وقوى طغيانه أَن يحول بين الله وأَحد من خلقه؟! ١٣،١٢ - ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾: أَي: إِن عندنا ما ننتقم به منهم، وإِن لدينا قيودًا ثقيلة لا يستطيعون منها فكاكًا ولا معها تحركًا، كما أعتدنا لهم نارًا شديدة الاشتعال والاتقاد يلقون فيها وتسعر بهم، وهيأنا لهم طعامًا من الضريع والغسلين والزقوم يأخذ بالحلق يدخل ولا يخرج، كما أَن لهم نوعًا آخر من العذاب شديد الإِيلام لا يعرف كنهه ولا قدره إِلاَّ الله . ١٤ - ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾: أَي: ننكل بالكافرين ونعذبهم يوم تضطرب الأَرض والجبال وتزلزل حتى تصير الجبال رملا مجتمعًا رخوًا لينا بعد أَن كانت صخرًا صلبًا وحجارة صماء. هدد الله - سبحانه - المشركين وخوفهم بهذا العذاب الأَليم وذلك المآل المخزي يوم القيامة إِذا استمروا على شركهم وعنادهم.

стр. 5266

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾ المفردات: (وَبِيلًا): ثقيلًا غليظًا رديءَ العاقبة. (مُنْفَطِرٌ بِهِ): متشقق ومتصدع بشدة ذلك اليوم. التفسير ١٦،١٥ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾: أَي: إِنا بعثنا إِليكم أَيها المكذبون من أهل مكة رسولا يخبرنا يوم القيامة بما شاهده وعاينه من كفركم وعنادكم وعصيانكم؛ حتى لا تكون لكم حجة، وستواجهون بما قدمتم من جرائم الأَعمال وقبيح الفعال، وتكذيبكم له ﷺ وفِعْلُنَا هذا هو سنة قد أَجريناها على الأُمم قبلكم (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (١) فقد أَرسلنا إِليكم محمدًا ﷺ كما أَرسلنا إِلى فرعون رسولا وهو موسى ﵇ (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) كما عصيتم رسولكم وكذبتموه (فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا) أَي: انتقمنا منه انتقامًا ذريعًا وعذبناه عذابا ثقيلا غليظًا، وسيكون عقاب المكذبين منكم أَشد وأَقسى

стр. 5267

من عقاب ذلك الفرعون وقومه: لأَن رسولكم يشهد عليكم عند ربكم، ولو آمنتم لكانت شهادته لكم. وقد جاءَ في هذا الوضع ذكر قصة موسى وفرعون دون سائر الرسل والأُمم؛ لأَن أَهل مكة استهزأُوا برسول الله ﷺ واستخفوا به لأَنه ولد فيهم وتربى بينهم، كما أَن فرعون ازدرى موسى لأَنه ربَّاه وولد ﵇ فيما بينهم، وهو قوله: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) (١). ١٧ - ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾: هذا توبيخ وتقريع، أَي: إِذا بدا لكم وجال بخاطركم أَنكم لن تؤْخذوا بأَعمالكم السّيئة وفعالكم القبيحة وتكذبيكم رسول الله كما أخذ فرعون أخذًا شديدًا وعذَّبه عذابًا غليظًا، فكيف تَقُونَ أَنفسكم وتحفظونها من هول يوم القيامة وما أَعد لكم فيه من القيود والأَغلال إِن دمتم على ما أَنتم فيه حتى زهقت أَرواحكم وأَنتم كافرون؟ وما ينبغي لكم يا أُولي الأَحلام والنُّهَي أَن تكونوا كذلك وقد جاءَكم من الله نور وكتاب مبين، أَو: كيف لكم بالتقوى، وأَنَّى لكم بها يوم القيامة إِن كفرتم في الدنيا (يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) هذا مثل في الشدة، يقال في اليوم الشديد: يوم يشيب نواصي الأَطفال، والأَصل أَن الهموم والأَحزان إِذا تفاقمت واشتدت على الإِنسان أَسرع فيه الشيب، وقال أَبو الطيب: والهم يخترم الجسيم نحافة … ويشيب ناصية الصبي ويهرم وقيل: إِن الكلام على الحقيقة استنادًا إِلى ما جاءَ في حديث الشفاعة، وفيه أَن الله - سبحانه - يأمر آدم ﵇ (أَن يخرج بعث النار من كل ألف: تسعمائة وتسعة وتسعين، فيخرجون ويساقون إِلى النار سوقًا مُقَرَّنين زُرْقًا) قال ابن مسعود: "فإِذا خرج بعث النار شاب كل وليد".

стр. 5268

١٨ - ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾: المراد من السماءِ: كل ما فوقك من السموات والكواكب والنجوم وغيرها مما أَظلك وعلاك، والمعنى: السماء مع عظمها وإِحكامها تتصدع وتتشقق وتتداعى من هول ذلك اليوم، فما ظنك بغيرها من الخلائق؟ أو: أَن السماءَ مثقلة به إِثقالا يؤَدي إِلى انفطارها وتصدعها لعظمته عليها وخشيتها من وقوعه، كقوله تعالى: (ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) (١)، (كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا) أَي: كان وعد ذلك اليوم واقعًا لا محالة؛ لأَن حكمة الله وعلمه يقتضيان إِيقاعه وحصوله، أَو أَن وعد الله واقع لا محالة لأنه - سبحانه - منزه عن الكذب (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا) (٢). ١٩ - ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾: أَي: إِن هذه الآيات التي سبقت في هذه السورة وفيها ما فيها من القوارع والزواجر هي تذكرة ومواعظ اشتملت على أَنواع الهداية والرشاد، فمن شاءَ وأَراد اتعظ بها واتخذ طريقًا إِلى الله بالتقوى والخشية والتقرب والتوسل إِليه - سبحانه - بالاشتغال بالطاعات والاحتراز والبعد من المعاصي والسيئات.

стр. 5269

* ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ المفردات: (تَقُومُ): تصلي. (أَدْنَى): أَقل. (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ): علم أَن لن تطيقوا ضبط وقت قيام الليل. (فَتَابَ عَلَيْكُمْ): فخفف عليكم ورفع التبعة عنكم في ترك قيامه المقدر. (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ): أَي: فصلوا ما تسير لكم من صلاة الليل، وقيل: الكلام على حقيقته من طلب قراءة القرآن. (يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ): يسافرون فيها للتجارة ونحوها.

стр. 5270

(وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا): وذلك بإِنفاق ما سوى المفروض من المال في سبيل الخير عن طيب نَفس. (هُوَ خَيْرًا): هو خيرًا مما خلفتم وما أَبقيتموه لأَنفسكم في الدنيا. التفسير: ٢٠ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾: في أَول السورة الكريمة جاءَ الأَمر الإِلهي لرسول الله بقيام قدر من اللَّيل، وخضع الرسول، لأَمر ربه، ولبى نداءَ السماء، ومعه جماعة من أَصحابه اقتدوا به، ثم خفف الله عنهم في آخرها بقوله تعالى (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) وأمرهم بالصلاة والزكاة والصدقة والاستغفار. ومعنى الآية: إِن ربك الذي رباك على موائد كرمه يعلم أَنك يا محمد تقوم من الليل أَقل من ثلثيه حينًا وتقوم نصفه حينًا وتقوم ثلثه حينًا آخر، وتقوم معك طائفة من أَصحابك تأَدبوا بآدابك وحَذَوْا حَذْوَك ونسجوا على منوالك واهتدوا بهديك ومنهم من كان لا يدري كم صلَّى في الليل وكم بقى منه، ولا يدري متى نصف اللَّيل من ثلثه فكان يقوم الليل كله احتياطيًّا مخافة أَن يخطيء حتى انتفخت أَقدامهم، وامتقعت أَلوانهم سنة أَو أَكثر فرحمهم الله وخفف عنهم فقال: (وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) أَي: يعلم مقادير اللَّيل والنهار على حقائقها وأَنتم تعلمون بالتَّحَرِّي والاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ، ولا يقدر على تقدير الليل والنهار وضبط ساعاتهما كما هي إِلا الله وحده (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) علم الله أَنَّ الشَّأن لن تقدروا على تقدير الأَوقات ولن تستطيعوا ضبط الساعات، ولا يتأَتى لكم حسابها إِلا أن

стр. 5271

تأَخذوا بالأَكثر والأَوسع للاحتياط وذلك شاق عليكم (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) أَي: فرجع بكم إِلى التخفيف بالترخيص في ترك القيام المُقَدّر ورفع التبعة عنكم في تركه كما ترفع التبعة عن التائب، وعاد إِليكم بالعفو، وهذا يدل على أَنَّه كان فيهم من ترك بعض ما أُمِر به، وقيل: فتاب عليكم من فرض القيام إِن عجزتم، وأَصل التوبة الرجوع، فالمعنى رجع بكم من تثقيل إِلى تخفيف، ومن عسر إِلى يسر، وكانوا أَمروا بحفظ الأَوقات على سبيل التحري فخفف عنهم ذلك التحري. (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ) أَي: فَصَلُّوا ما يتيسر لكم من صلاة الليل، وعبّر عن الصلاة بالقراءَة كما عبر ببعض أَركانها فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) (١) أَي أَقيموا الصلاة، وقيل الكلام على حقيقته من طلب قراءَة القرآن بينهما قال السدي: مائة آية، وقال سعيد: خمسون. ومن ذهب إِلى الأول قال: إِن الله فرض قيام مقدار معين من الليل في قوله تعالى: (قُمِ اللَّيْلَ) الآية إِلى قوله: (أَو زِدْ عَلَيْهِ) ثم نسخ بقيام مقدار ما منه في قوله سبحانه: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ) فالأَمر في الموضعين للوجوب إِلا أَن الواجب أولا كان معينًا محدودًا، والثاني كان بعضًا مطلقًا ثم نسخ وجوب القيام على الأُمة مطلقًا بالصلوات الخمس وغيرها. ومن ذهب إلي الثاني قال: إِن الله رخص لهم في ترك القيام وأَمر بقراءَة شيء من القرآن ليلًا فكأَنه قيل: فتاب عليكم ورخص في التَّرك فاقرءوا ما تيسر من القرآن إن شق عليكم القيام فإِن هذا لا يشق وتنالون بهذه القراءَة ثواب القيام، وصرح جمع أَن قوله تعالى: (فَاقْرَءُوا) على هذا أَمر ندب بخلافه على الأَول. قال العلامة الآلوسي: واعلم أَنهم اختلفوا في أَمر التهجّد: ١ - فعن مقاتل وابن كيسان أنه كان مفروضًا بمكة قبل أَن تفرض الصلوات الخمس، ثم نسخ بها إِلا ما تطوعوا به، ورواه البخاري ومسلم في حديث جابر، وقد روى ذلك

стр. 5272

أَيضا في حديث سعد بن هشام عندما سأَل السيدة عائشة عن قيام رسول الله وقد سبق ذلك في أَول السورة. ٢ - وقيل: كان نفلا بدليل التخبير في المقدار، وبدليل قوله تعالى: (وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ) (١). ٣ - وعن ابن عباس: سقط قيام الليل عن أَصحاب رسول الله ﷺ وصار تطوعًا وبقى ذلك فرضًا على رسول الله. بقى هنا بحث: وهو أَن الإِمام أَبا حنيفة ﵁ استدل بقوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ) على أَن - الفرض - في الصلاة مطلق قراءَة ما تيسر من القرآن لا الفاتحة بخصوصها - وهو ظاهر على القول بأَنه عبّر في الآية عن الصلاة بركنها وهو القراءة. كما عبر عنها بالسجود والقيام والركوع في مواضع - وقدّر ما تيسر من القرآن بآية. وخص الشافعي ومالك وما تيسر من القرآن بالفاتحة واحتجوا على وجوب قراءَتها في الصلاة بحجج كثيرة، فعن أَبي هريرة عنه ﵊ قال: "لا تجزيء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" أهـ آلوسي مع التلخيص والتصرف (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى) استئناف مبين لحكمة أخرى غير ما تقدم من عسرة ضبط الأَوقات التي يطلب منكم قيام الليل فيها، أَي علم أَن الشأن سيكون منكم مرضى يشق عليهم الليل (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ). أَي: وآخرون يسافرون في الأَرض وينتقلون بين أَجزائها للتجارة والعمل يطلبون رزق الله وخيره وقيام الليل يشق عليهم (وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَي: وآخرون يجاهدون في سبيل الله لإِعلاءِ كلمته ونشر دعوته. وفي قَرْنِ الْمُسَافرين لابتغاءِ فضل الله الطالبين للتجارة والعمل بالمجاهدين في سبيل الله إِشارة إِلى أَنهم كمثلهم في الأَجر وهكذا

стр. 5273

الإسلام جعل العمل عبادة بل جعله من أَعظم أَنواع العبادات وأَفضلها لأَنه قرن العمل بالجهاد في سبيل الله. وهكذا الإسلام سعى لإِقامة حياة سعيدة قوامها العمل الجاد النافع للناس، والجهاد لنشر دين الله، وحاول الفلاسفة والمصلحون من البشر إِقامتها فعجزوا وأَقامها محمد ﷺ وأَصحابه الذين نشروا دعوته وأَقاموا منهج السماء في الأَرض. أَخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإِيمان وغيرهما أَن عمر بن الخطاب ﵁: قال: ما من حال يأتيني عليه الموت - بعد الجهاد في سبيل الله - أَحبّ إِليّ من أَن يأتيني وأَنا بين شعبتي جبل أَلتمس من فضل الله - ثم تلا هذه الآية: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ) .. إلخ. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من جالب يجلب طعامًا إِلى بلد من بلدان المسلمين فيبيعه لسعر وقته إِلاَّ كانت منزلته عند الله ثم قرأَ رسول الله ﷺ : (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ). قال ابن كثير: وهذه الآية - وهي قوله تعالى -: (وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) بل السورة كلها مكية، ولم يكن القتال شُرِع بعد، فهي من أَكبر دلائل النبوة؛ لأَنَّهَا من باب الإِخبار بالمغيبات المستقبلية. وإِذا كان الأَمر كما ذكر وتعددت مقتضيات الترخيص (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) أَي: فاقرءوا ما تيسر من القرآن من غير تحمل مشقة، وقال ابن كثير: قوموا بما تيسر عليكم منه، وهو مذهب الحسن البصري كان يرى حقًّا على حملة القرآن أَن يقوموا ولو بشيءٍ قليل منه في الليل، ولو بقراءة خمس آيات، وقال القرطبي: أَي: فَصَلُّوا ما أَمكن فأَوجب الله من صلاة الليل ما تيسر، ثم نسخ ذلك بإِيجاب الصلوات الخمس على ما تقدم (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) أَي: واظبوا على أَداءِ الصلاة المفروضة (وَآتُوا الزَّكَاةَ) أَي: وأَعطوا الزكاة الواجبة عليكم لمستحقيها، وقيل: المراد من الزكاة: زكاة الفطر، وقيل: صدقة

стр. 5274

التطوع (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) يجوز أَن يراد بهذه الآية الإِنفاق في سائر الصدقات، أَو أَن يُراد أَداء الزكاة على أَحسن وجه من إِخراج أَطيب المال وأَكثره نفعًا للفقراءِ، ومراعاة النية وابتغاء وجه الله والصرف إِلى المستحق، أو أَن يراد كل شيء يفعل من الخير مما يتعلق بالنفس والمال فالله يجازي عليه أَحسن الجزاء وأَوفره، وعن عمر بن الخطاب: هو النفقة في سبيل الله (وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا): قال ابن كثير: أَي: جميع ما تقدمونه بين أَيديكم وأَنتم أَحياءٌ فهو لكم حاصل ثوابه، وهو خير ممَّا أَبقيتموه لأَنفسكم في الدنيا وممَّا تركتم وخلفتم. قال رسول الله ﷺ : "أَيكم ماُلُه أَحبُّ إِليه من مال وارثه؟ قالوا: يا رسول الله ما منا أَحد إِلا ماله أَحب إِليه من مال وارثه، قال: اعلموا ما تقولون، قالوا: ما نعلم إِلاَّ ذلك يا رسول الله، قال: إِنما مال أَحدكم ما قدَّم ومال وارثه ما أَخر" رواه البخاري. (وَأَعْظَمَ أَجْرًا): وأَجزل ثوابًا - قال القرطبي: قال أَبو هريرة: هو الجنة، وقيل: لإِعطائه بالحسنة عشرًا أو أَكثر. (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ) أَي: اطلبوا منه المغفرة في كافة أَحوالكم، فإِن الإِنسان قلما يخلو ممَّا يعد تفريطًا بالنسبة إِليه، وعَدّ من ذلك الصوفية رؤية العابد، عبادته، قيل: ولهذه الإِشارة أَمَر بالاستغفار بعد الأَوامر السابقة بإِقامة الصلاة وإِيتاءِ الزكاة والإِقراض الحسن. (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ): وهو سبحانه يغفر ذنب من استغفره، ويرحمه وفي حذف المعمول دلالة على العموم، نسأَل الله عظيم مغفرته ورحمته، قال القرطبي: (غَفُور) لِمَا كان قَبْلَ التوبة (رَحِيمٌ): لكم بعدها: قاله سعيد بن جبير.

стр. 5275

سورة المدثر سورة المدثر مكية، وآياتها ست وخمسون آية مناسبتها لما قبلها: سورة المدثر متفقة مع سورة المزمل التي قبلها في الافتتاح بنداءِ النبي ﷺ في كل منهما، كما بدئت سورة المزمل بالأَمر بقيام الليل وهو عبادة خاصة، وبُدِئت سورة المدثر بالأَمر بالإِنذار وفيه من التكميل ما فيه. أَول ما نزل من القرآن: قال الآلوسي: أَخرج أَحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن يحيى بن أَبي كثير قال: سأَلت أَبا سلمة بن عبد الرحمن عن أَول ما نزل من القرآن فقال: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ). قلت: يقولون: (اقْرَأ باسْم رِبَّكَ الَّذِي خَلَقَ). قال أَبو سلمة: سأَلت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل ما قلت فقال جابر: لا أُحدثك إِلاَّ ما حدثنا رسول الله ﷺ قال: جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فُنودِيت فنظرت عن يميني فلم أَر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أَر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أَر شيئًا، فرفعت رأَسي فإِذا الملك الذي جاءني بحراء جالس علي كرسي بين السماءِ والأَرض فجئثت (١) منه رعبًا، فرجعت فقلت: دثروني، فنزلت: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) وظاهر ذلك الخبر أَن سورة (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) نزلت قبل سورة (اقْرَأ باسْم رِبَّكَ الَّذِي خَلَقَ). والْمَرْوي في الصحيحين وغيرهما عن عائشة أَنَّ قوله تعالى: (اقْرَأ باسْم رِبَّكَ الَّذِي خَلَقَ) أَول من نزل من القرآن، وهو الذي ذهب إِليه أَكثر الأَئمة، حتى قال بعضهم: هو الصحيح، ولصحة الخبرين احتاجوا للجواب للتوفيق بينهما فذكر (صاحب الإتقان): خمسة أَجوبة منها: ١ - أَن السؤال في حديث جابر كان عن نزول سورة كاملة، فَتبَيَّن أَن سورة المدثر نزلت بتمامها قبل تمام سورة اقرأْ، فإِن أَول ما نزل منها صدرها: من أَول السورة إِلى قوله تعالى: (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ).

стр. 5276

٢ - أَن مراد جابر بالأَولية أَولية مخصوصة بما يعد فترة الوحي لا أَولية مطلقة -انتهى ملخصًا. من مقاصد السورة: تبدأَ السورة الكريمة بنداءِ النبي ﷺ ودعوته لإِنذار قومه وتعظيم ربه وتخلقه بكريم الخصال، ثم بحديث عن القيامة وأَهوالها، ثم بأَمر من الله لنبيه بترك الجاحد لنعم الله عليه المكذب بالآيات؛ لأَن الله وحده سيكفي الرسول أَمره وسيتولى عقابه، وتُصَوِّر باقي السورة الكريمة أَحوال هذا المكذب وهو يفكر فيما يقول في القرآن تصويرًا دقيقًا فتقول: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ). يا سبحان الله؟ بعد كل هذا التفكير العميق عاد ذلك الجاحد يردد ما قاله المكذبون من قبله!! وتذكر الآيات عقابه سقر وأَوصاف سقر، ثم بينت السورة الحكمة في جعل خزنة النار من الملائكة والسر في كونهم على هذه العِدّة المذكورة في القرآن، ووضحت الآيات أَن كل نفس مرهونة بعملها من خير أَو شر، وأَن أَصحاب اليمين في جنات يتساءَلون عن المجرمين قائلين لهم تبكيتًا: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) فذكروا لهم ما فعلوه من ذنوب في الدنيا عوقبوا عليها يوم القيامة، وجاءَ في الآيات تشبيه الكفار لإِعراضهم عن الحق بهذا التشبيه المهين (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ). وختمت السورة بالحديث عن القرآن ووصفه بأَنه تذكرة لمن شاءَ أَن يتذكر، وبالثناءِ على الله بأَنه أَهل التقوى وأَهل المغفرة.

стр. 5277

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)) المفردات: (الْمُدَّثِّرُ): لابس الدثار، وهو ما فوق القميص، وهو رسول الله ﷺ . (قُمْ): أَي: قم من مضجعك، أَو قم قيام عزم وتصميم. (فأَنذِرْ) أَي: فحذر الناس وخوفهم من عذاب الله. (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ): وخُص ربك بالتكبير والتعظيم، أَو يقول: الله أَكبر. (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ): كناية عن التخلق بالأَخلاق الحسنة، أَو تقصير الثياب لتسلم من النجاسة ومن الخيلاءِ. (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ): اترك المآثم الموجبة للعذاب كالشرك. (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ): ولا تعط مستكثرًا -أَي: رائيًا ما تعطيه كثيرًا- أَو طالبًا الكثير. (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ): ولوجه ربك وابتغاء مرضاته فتخلق بالصبر. (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ): فإِذا نُفِخ في الصُّور للبعث والنُّشور -والنَّاقور- فَاعُول من النقر، بمعنى التصويت -وأَصله: القرع الذي هو سببه، ومنه منقار الطائر لأَنه يقرع به.

стр. 5278

التفسير: ١ - (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ): أَي: المتلفف بثوبه المتغشي به، واللفظ -على ما قيل- دائر على معنى السَّتْر على سبيل الشمول. نودي ﷺ باسم مشتق من صفته التي كان عليها وقت نزول الوحي عليه؛ ملاطفة له؛ وبعثًا للأنس في نفسه، وطلب تَدَثُّره ﵊ لما اعتراه من خوف وأَصابه من رعب حين رأَى الملك الذي جاءَه بحراء، فرجع وقال لأَهل بيته: (دثروني) فنزل: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فأَنذِرْ). وقيل: المراد بالمدثر: المتدثر بالنبوة والكمالات النفسية، على معنى: المتحلي بها، والمتزين بآثارها، وقيل: الظاهر أَن يُرَاد بالمدثر وكذا بالمزَّمل، الكناية عن المستريح الخالي البال البعيد عن الشواغل؛ لأَنه في أَول البعثة، فكأَنه قيل له ﵊: قد مضى زمن الراحة وجاءَتك أَعباءُ الدعوة. ٢ - (قُمْ فأَنذِرْ): (قُمْ) أَي: قم من مضجعك، أَو: قم قيام عزم وتصميم وشمر عن ساعد الجد، فقد جاءَ الأَمر الإِلهي الآن باصطفائك رسولًا، فقد جاءَ الأَوان لتباشر مهمتك وتنشر رسالتك وتقود البشرية إِلى بر السلامة، وتلزمها منهج الله، ولذا جاءَ قوله تعالى: (فأَنذِر) أَي: فحذِّر الناس وخوِّفهم من عذاب الله وعقابه إِن لم يؤمنوا، ولم يقل هنا: (وبشِّر) لأَنه كان في ابتداءِ الرسالة، والإِنذار هو الغالب إِذ ذاك، أَو هو من باب الاكتفاء؛ لأَن الإِنذار يلزمه التبشير. ٣ - (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ): أَي: واخصص ربك ومالكك ومتولى أَمرك بالتكبير: وهو وصفه تعالى بالكبرياءِ، والعظمة اعتقادًا وقولًا.

стр. 5279

ويروى أَنه لَمَّا نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : الله أَكبر فكبَّرت خديجة، وأَيقنت أَنه الوحي، وذلك لأَن الشيطان لا يأَمر بذلك، وبعد الأَمر السابق في قوله: (قُمْ فَأَنذِرْ) ذكرت جملة (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) مقدمة على سائر الجمل والأَوامر التي تأتي بعدها إِشارة إِلى مزيد الاهتمام بأَمر التكبير، وإِيماء -على ما قيل- إِلى أَن المقصود الأَول مِن الأَمر بالقيام أَن يكبر ربه ويعظمه وينزهه عن الشرك: فإِن أَول ما يجب على العبد معرفة الله تعالى، ثم تنزيهه عمَّا لا يليق به، وقد يقال: لعل ذكر هذه الجملة أَولا لتشجيعه ﵊ على الإِنذار وعدم مبالاته بما سوى الله حيث تضمنت الإِشارة إِلى أَن نواصي الخلائق بيده تعالى، وكل ما سواه مقهور تحت كبريائه تعالى وعظمته، فلا ينبغي أَن يرهب إِلا منه، ولا يرغب إِلاَّ فيه، فكأَنه قيل: قم فأَنذر، واخصص ربَّك بالكبير والتَّعظيم، ولا يصدنك شيء على الإِنذار، قيل: ويجوز أَن يحمل قوله تعالى: (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) على التكبير في الصلاة - ذكر ذلك القرطبي والآلوسي والزمخشري -. ٤ - (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ): ١ - أَمر الله رسوله ﷺ أَن تكون ثيابه طاهرة من النجاسات؛ لأَن طهارة الثوب شرط في صحة الصلاة، وهي الأَولى في غير الصلاة، وقبيح بالمؤمن الطيب أَن يحمل خبثًا. ٢ - وقيل: هو أَمر بتقصيرها ومخالفة العرب في تطويلهم الثياب وجرهم الذيول علامة الكبر والخيلاء، فوق ما تتعرض له من الإِصابة بالنجاسة. ٣ - وقيل: هو أَمر بتطهير النفس ممَّا يستقذر من الأَفعال ويستهجن من العادات، يقال: فلان طاهر الثياب: إِذا وصفوه بالنقاء من العيوب ودنس الأَخلاق، وفلان دنس الثياب للغادر. ٥ - (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ): أَي: والعذاب فاترك، والمعنى: دم على ترك ما يوصل إِلى العذاب من عبادة الأَوثان والتخلق بالأَخلاق الرديئة، فقوله سبحانه: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) كلام جامع في مكارم

стр. 5280

الأَخلاق، فكأَنه قيل: اهجر الجفاءَ والسّفه وسوء الخُلُق وكل شيءٍ يقبح: كالأَصنام وعبادة الأَوثان؛ فإِنها تنتهي بصاحبها إِلي العذاب. ٦ - (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ): ١ - قال ابن عباس: المعنى: لا تُعْط العطية تلتمس أَكثر منها، وهذا خاص بالنبي ﷺ لأَنه مأَمور بَأجمل الأَخلاق وأَشرف الآداب. ٢ - وقال الحسن البصري: ولا تمنن بعملك على ربك تستكثره، واختاره ابن جرير. ٣ - وعن مجاهد: ولا تضعف أَن تستكثر من الخير؛ وقال: " (لا تمنن) في كلام العرب. لا تضعف". ٤ - وقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على الناس تستكثرهم بها تأَخذ عليها عرضًا من الدنيا. ٥ - وقيل: ولا تعط مستكثرًا، أَي: رائيًا لما يعطيه كثيرًا. فهذه أَقوال، والأَظهر القول الأَول. ٧ - (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ): أَي: ولوجه الله: مربيك ومالكك فاقصد جهته وجنابه وابتغاء مرضاته وطلب ثوابه، فتجمل بالصبر على وجه العموم؛ ليفيد كل مصبور عليه ومصبور عنه، أَو يراد: الصبر على أَذي المشركين لأَنه أَحد ما يتناوله العام، لا لأَنه وحده هو المراد. وفضائل الصبر لا تحصي، ويكفي في ذلك قوله تعالى: "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ" (١)، وقوله ﷺ : قال تعالى: "إِذا وجهتُ إِلى عبدٍ من عبيدي مصيبةً في بدنِه أَو مالهِ أَو ولدِه ثم استقبلَ ذلك بصبرٍ جميل استحييتُ منه يومَ القيامةِ أَن أَنصبَ له ميزانًا، أَو أَنشرَ له ديوانًا".

стр. 5281

٨، ٩، ١٠ - (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)): الفاءُ في قوله تعالى: (فَإِذَا نُقِرَ) للسببية، كأنه قيل: اصبر على أذاهم؛ فبين أيديهم يوم هائل يلقون فيه عاقبة أذاهم، وتلقى فيه عاقبة صبرك. والفاءُ في قوله تعالى: (فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ) للجزاء، والعامل في (إذَا) ما دل عليه قوله تعالى: (فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ) أي: فإذا نقر في الناقور صعب الأَمر وعسر على الكافرين و (ذلك) إشارة إلى وقت النقر المفهوم من قوله تعالى: (فَإِذَا نُقِرَ) والمراد به يوم القيامة، والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك الوقت يومئذ شديد على الكافرين غير سهل ولا ميسر، فلا يتسنى لهم أن يخلصوا ممَّا هم فيه وما يلاقونه من مناقشة الحساب وغيره من الأهوال التي يجدونها في ذلك الوقت العصيب الرهيب. وفائدة قوله تعالى: (غيرُ يَسيرٍ) بعد قوله تعالى: (عَسيرٌ) -وهو مفهم له- تأكيد لعسره على الكافرين فهو يمنع أن يكون عسيرا عليهم من وجه دون وجه كما يشعر بتيسيره على المؤمنين، كأَنه قيل: عسير على الكافرين غير يسير عليهم، كما هو يسير على أضدادهم المؤمنين ففيه جمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم وبشارة للمؤمنين وتسليتهم، ومع هذا لا يخلو قلب المؤمن من الخوف، أخرج ابن سعد والحاكم عن بَهزِ بن حكيم قال: أمَّنا زرار بن أَوفى فقرأَ المدثر، فلما بلغ قوله تعالى: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ) خَرَّ ميِّتًا، فكنت فيمن حمله، وأخرج ابن أَبي شيبة والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: لمَّا نزلت (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ) قال رسول الله ﷺ : كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحَنَى جبهته يستمع متى يؤمر؟ قالوا: كيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وعلى الله توكلنا -ذكر ذلك الآلوسي وغيره. واختلف في أن المراد بذلك الوقت يوم النفخة الأُولى، أو يوم النفخة الثانية، ورجح أَنه يوم الثانية لأَنه الذي يختص عسره بالكافرين، وأما وقت النفخة الأُولى فحكمه الذي هو (الصعق) يعم البر والفاجر، وهو على المشهور مختص بمن كان حيًّا عند وقوع النفخة.

стр. 5282

(ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)) المفردات: (ذَرْنِي): اتركني ودعني. (مَمْدُودًا): مبسوطًا كثيرًا دائمًا غير منقطع. (وَبَنِينَ شُهُودًا): وبنين حضورًا معه لا يفارقون للتكسب لغناهم عنه. (وَمَهَّدْتُ لَهُ): وبسطت له النعمة والرياسة والجاه، والتمهيد عند العرب: التوطئة والتهيئة ومنه مهد الصبي. (كَلاَّ): كلمة زجر وردع له عن طمعه وقطع لرجائه الخائب، أَي: لست أَزيده مع كفره بالنعم. (لآيَاتِنَا): أَي: آيات الله المنعم، وهي دلائل توحيده، أَو القرآن. (عَنِيدًا): جاحدًا لها مكذبًا بها مُعرضًا عنها.

стр. 5283

(سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا): سأُكلَّفه بصعود عقبة شاقة المصعد، وهو مثل لما يلقي من العذاب الشاق الصعب الذي لا يطاق. (إِنَّهُ فَكَّرَ): إِنه فكر ماذا يقول في شأْن القرآن والرسول من الاختلاف. (وَقَدَّرَ): وَرَتَّب وهيَّيأَ في نفسه قولا كاذبًا في القرآن والنبي، والعرب تقول: قدرت الشيءَ: إِذا هيأْته. (فَقُتِلَ): لُعِن وكُذِّب وقُهر وغُلب. (كَيْفَ قَدَّرَ): كيف هيأَ هذا الطعن، وذلك تعجيب من تقديره وإِصابته الغرض الذي يرجوه قومه. (ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ): ثم استحق الهلاك؛ كيف أَعد في نفسه هذا الطعن. (ثُمَّ عَبَسَ): ثم قطَّب وجهه وقبض بين عينيه. (وَبَسَرَ): اشتد في العبوس وكلوح الوجه. (سِحْرٌ يُؤْثَرُ): سحر يُرْوى ويُنقل عن السحرة. (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ): سأُدخله جهنم ليحترق فيها. وسميت جهنم بسقر، من: سَقَرَتْهُ الشمس: إِذا أَذابته ولوَّحته وأَحرقت جلدة وجهه. (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ): مبالغة في وصفها، أَيْ: أَيّ شيء أَعلمك ما جهنم؟! (لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ): لا تبقي شيئًا يلقى فيها إِلاَّ أَهلكته، وإِذا هلك لم تذره هالكًا حتى يعاد. (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ): أَي: يتولي أَمر النار، ويلي تعذيب أَهلها تسعة عشر ملكًا، أَو صَفًّا، أَو صنفًا.

стр. 5284

التفسير: ١١ - (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا): قال ابن عباس وغيره: نزلت هذه الآية وما بعدها في الوليد بن المغيرة، بل قيل: إِن هذا القول متفق عليه، والمعنى: يقول الله تعالى متوعدًا هذا الخبيث الذي أَنعم الله عليه بنعم الدنيا فجحد بها وبدَّلها كفرًا وقابلها بالإنكار لها والافتراءِ عليها. (وَحِيدًا): أَي: دعني وحدي مع من خلقته فأَنا أَكفيك أَمره وأُغنيك في الانتقام منه عن كل منتقم. وفي الأَسلوب ما فيه من التهديد والوعيد، حسبك أَن الذي سيتولى جزاءَه وعقابه هو الله. أَو المعنى: اتركني مع من خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أَحد فأَنا أَهلكه ولا أَحتاج إِلى ناصر ومساعد في إِهلاكه، أَو ذرني ومن خلقته وحيدًا فريدًا لا مال ولا ولد، ولقد كان الوليد يلقب في قومه بالوحيد، فتهكم الله به وبلقبه وصرفه عن الغرض الذي كانوا يقصدونه من مدحه والثناءِ عليه إِلى جهة ذمه وعيبه، وهو أَنه خلق وحيدًا لا مال له ولا ولد، فآتاه الله ذلك، فكفر بنعمة الله وأَشرك به واستهزأَ بدينه!! أَو: وحيدًا في الخبث والشر، أَو وحيدًا عن أَبيه لأَنه كان لم يعرف نسبه للمغيرة حقيقة. ١٢ - (وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا): اَي: ووليته وأَعطيته مالا مبسوطًا كثيرًا، أَو ممدودًا بالنماءِ، قيل: كان له الضرع والزرع والتجارة، وعن ابن عباس: هو ما كان له بين مكة والطائف من النعم والجنان، والعبيد، وقيل: كان له بستان بالطائف لا تنقطع ثمارة صيفًا ولا شتاءً. ١٣ - (وَبَنِينَ شُهُودًا): أَي: ومنحته ورزقته بنين شهودًا، أَي: حضورًا معه بمكة يتمنع بمشاهدتهم لا يفارقونه بالسفر في عمل أَو تجارة، لوفور نعمهم وكثرة خدمهم، أَو حضورا في الأَندية والمحافل لوجاهتهم واعتبارهم، أَو تسمع شهادتهم فيما يُتَحَاكم فيه، واختلف في عددهم: فعن مجاهد

стр. 5285

أَنهم عشرة، وعن السدي والضحاك: كانوا اثني عشر، سبعة ولدوا بمكة، وخمسة ولدوا بالطائف، وقيل غير ذلك، وكلهم رجال، أَسلم منهم ثلاثة: ١ - الوليد بن الوليد. ٢ - وخالد. ٣ - وهشام. ١٤ - (وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا): أَي: وبسطت له الرياسة والجاه العريض حتى أَقام ببلدته مطمئنًا مترفهًا يُرْجع إِلى راية، فأَتممت عليه نعمة المال والجاه، واجتماعهما هو الكمال عند أَهل الدنيا، وأَصل التمهيد في التسوية والتهيئة، وتُجُوِّزَ به عن بسطة المال والجاه، وكان لكثرة غناه ونضارة حاله الرائقة في الأَعين يلقب ريحانة قريش، وكذلك كانوا يلقبونه بالوحيد، بمعني: المتفرد باستحقاق الرياسة. ١٥ - (ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ): أَي: ثم يطمع أَن أَزيده على ما أَعطيته وأَديته له من المال والولد والجاه مع عدم الشكر، وهو استبعاد لنيله ما يريد، واستنكار لشدة طمعه وحرصه، إِما لأَنه في غني تام لا مزيد على ما أُوتي سعة وكثرة، أَو لأَنه مناف لما هو عليه من كثرة النعم ومعاندة المنعم، واستعمال (ثم) للاستبعاد كثير، وقيل: معنى (ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ) أَي: يطمع أَن أَترك ذلك في عقبه. ١٦ - (كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا): (كَلاَّ): ردع وزجر له عن طمعه وقطع لرجائه، أَي: لست أَزيده (إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا): جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا لتعليل ما سبق، كأَنه قيل: لِمَ زُجِر عن طلب المزيد وما وجه عدم لياقته؟ فَقِيل: إِنه كان معاندًا لآيات المنعم كافرًا بها، وآيات الله هي دلائل توحيده، أَو الآيات القرآنية حيث قال فيها ما قال، والمعاندة تمنع من الزيادة، بل هي تستوجب الحرمان، قال مقاتل: ما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقص من ماله وولده حتى هلك، وعن مجاهد: (عَنِيدًا): مجانبًا للحق معاندًا له معرضًا عنه، والعرب تقول: عَنَد الرجل: إِذا عَتَا وجاوز قدره.

стр. 5286

١٧ - (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا): الإِرهاق في كلام العرب: أَن يُحْمل الإِنسان على الشيءِ. والمعنى: سأُكلفه في النار بما لا يقدر عليه، وأَحمله على صعود عقبة شاقة المصعد، أَو: هو مثل لما يلقى من العذاب الشاق الصعب الذي لا يطاق، وروى أَن النبي ﷺ قال: يكلف أَن يصعد عقبة في النار كلما وضع عليها يده ذابت، وإِذا رفعها عادة، وإِذا وضع رجله ذابت، فإِذا رفعها عادت. وذكر القرطبي أَن معني الآية -كما قال ابن عباس: سأُكلفه مشقة من العذاب لا راحة له فيه. ١٨ - (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ): تعليل للوعيد السابق واستحقاقه له، كأَن الله عاجله بالفقر بعد الغي والذل بعد العز في الدنيا لعناده، ويعاقبه في الآخرة أَشد العذاب وأَعظمه لبلوغه بالعناد غايته وأَقصاه في تفكيره، وتسميته القرآن سحرًا، والمعنى: أَن الوليد فكر وزوَّر في نفسه وأَعد وهيأَ ما يقوله من الطعن في القرآن والرسول، فاستحق بذلك العذاب وذلك أَنه لما نزل قوله تعالى: (حم. تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) إِلى قوله تعالى: (إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) على النبي ﷺ سمعه الوليد يقرؤُها فقال: والله لقد سمعت منه كلامًا ما هو من كلام الإِنس ولا هو من كلام الجن وإِن له لحلاوة، وإِن عليه لطلاوة، وإِن أَعلاه لمثمر، وإِن أَسفله لمغدق، وإِنه ليعلو ولا يُعْلى عليه، وما يقول هذا بشر، فقالت قريش: صبأَ الوليد لَتَصْبُوَنَّ قريش كلها، فقال أَبو جهل: أَنا أَكفيكموه فمضى إِليه حزينًا فقال له: ما لي أَراك حزينًا؟ فقال له: وما لي لا أَحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك بها على كبر سنك، ويزعمون أَنك زينت كلام محمد وتدخل على ابن أَبي كبشة -يعني بذلك رسول الله- وابن أَبي قحافة -يقصد أَبا بكر- لتنال من فضل طعامهما، فغضب الوليد وتكبر وقال: أَنا أَحتاج إِلى كِسْر محمد وصاحبه؟ فأَنتم تعرفون قدر مالي، واللات والعُزَّي ما لي حاجة إِلى ذلك، وإِنما أَنتم تزعمون أَن محمدًا مجنون فهل رأَيتموه قط يَخْنُق، قالوا: لا والله

стр. 5287

قال: فتزعمون أَنه كذاب فهل جربتم عليه كذبًا قط؟ قالوا: لا والله، قال: فتزعمون أَنه كاهن فهل رأَيتموه تكهن قط، وقد رأَينا للكهنة أَسجاعًا وتَخَالُجًا (١) فهل رأَيتموه كذلك؟ قالوا: لا والله. وكان النبي يسمى الصادق الأَمين من كثرة صدقة، فقالت قريش للوليد: من هو؟ ففكر في نفسه ثم نظر ثم عبس، فقال: ما هو إِلا ساحر. أَما رأَيتموه يفرق بين الرجل وأَهله وولده ومواليه، وما الذي يقوله إِلا سحر يأَثره عن مسيلمة وعن أَهل بابل، فارتج النادي فرحًا وتفرقوا مُعْجَبِين بقوله مُتَعَجَّبين منه، فذلك قول الله (إِنَّهُ فَكَّرَ) أَي: في أَمر محمد والقرآن. (وَقَدَّرَ) في نفسه ماذا يمكنه أَن يقول فيهما. ١٩ - (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ): تعجيب من تقديره وإِصابته المحزَّ ورميه الغرض الذي كانت تتمناه وتتوقعه قريش وتتطلبه منه، أَو ثناء عليه تهكمًا، أَو حكاية لما كروه على سبيل الدعاءِ عليه عند سماع كلمته الحمقاء، فالعرب تقول: قتله الله ما أَشجعه، وأَخزاه الله ما أَشعره: يريدون أَنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأَن يحسد، ويدعو عليه حاسده بذلك. ومعنى (قُتِلَ) أَي: لُعِن، وكان بعض أَهل التأويل يقولون معناها: فقُهر وغُلِب، وقال الزهري: عُذِّب، وهو من باب الدعاء. ٢٠ - (ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ): ثم استحق العذاب واللعن والهلاك كيف أَعد في نفسه هذا الطعن على القرآن؟! أَو على أَي حال قدر، والتكوير للمبالغة كما هو عادة من أَعجب غاية الإِعجاب، والعطف يتم للدلالة على تفاوت الرتبة وأَن الثانية أَبلغ من الأُولي، فكأَنه قيل: قتل بنوع ما من القتل، لا: بل قيل بأَشده وأَشده، والإِطراء في الإِعجاب بتقدير الوليد بن المغيرة يدل على غاية التهكم به وبمن فرح بخلاصة تفكيره.

стр. 5288

٢١ - (ثُمَّ نَظَرَ): أَي: ثم نظر في وجوه قومه، أَو فيما يقدح به في القرآن ويعيبه عليه ويذمه به، وقيل: نظر بمؤخر عينه تكبرًا وتغيظًا، أَو: فكر في أَمر القرآن وبأَي شيءٍ يرده ويدفعه. ٢٢ - (ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ): (ثُمَّ عَبَسَ) أَي: ثم قطب في وجوه الناس لمّا لم يجد في القرآن مَطْعَنًا وضاقت به السبل وأَعيته الحيل، ولم يدر ماذا يقول في القرآن. وقيل: نظر في وجوه القوم ثم قطب وجهه، وقيل: نظر إِلى رسول الله ثم قطب في وجهه ﵊ (وَبَسَرَ) أَي: أَظهر العبوس قبل أَوانه أَو في غير وقته، من الْبَسْر: وهو الاستعجال بالشيء، وفسره بعضهم بأَشد العبوس، من بسر؛ إِذا قبض ما بين عينيه كراهة للشيء واسود وجهه منه، ويستعمل البسر بمعنى العبوس. ٢٣ - (ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ): أَي: ثم رجع معرضًا وانْصَرَفَ عن الحق مدبرًا وتولى مستكبرًا عن الانقياد للقرآن، والاتباع لمحمد لما خطرت بباله الكلمة الشنعاء: قوله: (إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ) وهم أَن يرمي بها -وصف القرآن أَشكاله التي تشكل بها حتى استنبط ما استنبط استهزاء به، وقيل: قدر ما يقوله، ثم نظر فيه، ثم عبس لما ضاقت عليه الحيل، ولم يدر ما يقول، ثم أَدبر عن الحق وأَعرض عنه وتكبر وتعاظم أَن يعترف به وقال ما قال فيه. ٢٤ - (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ): السحر: الخديعة، وقيل: السحر: إِظهار الباطل في صورة الحق، والمعنى: ما هذا الذي أَتي به محمد ﷺ إِلا سحر يأَثره عن غيره ويتعلمه منه، ويروى وينقل عن الأَولين مثل سحرة بابل وغيرهم، والفاء في قوله تعالى: (فَقَالَ) للدلالة على أَن هذه الكلمة الكاذبَة كما خطرت ببال ذلك المكذب بها من غير تلعثم ومُكْث وانتظار؛ فهي للتعقيب من غير مهملة.

стр. 5289

٢٥ - (إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ): أَي: ما هذا إِلا كلام المخلوقين تعلمه محمد منهم، ثم ادعي أَنه من عند الله، وخدع به القلوب كما تُخْدع بالسحر، وهذه الجملة كالتأكيد للجملة الأَولى؛ لأَن المقصود منهما نفي كونه من كلام الله تعالى، ثم الذي يظهر من تتبع أَحوال الوليد أَنه قال ما قال عنادًا وحمية جاهلية لا جهلا بحقيقة الحال. ٢٦ - (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ): أَي: سأُدخله جهنم كي يصلى حرها ويحترق بنارها، وقال ابن كثير: سأغمره فيها من جميع جهاته، وإِنما سميت جهنم سقر من: سقرته الشمس: إِذا أَذابته ولوحته وأَحرقت جلدَ وجهه. ٢٧ - (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ): أَيْ: أَيّ شيءٍ أَعلمك ما سقر؟! وهذا الأُسلوب مبالغة في وصفها، وتهويل وتعظيم بشأنها، ثم وصفها وفسر حالها فقال: ٢٨ - (لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ): أَي: لا تترك لهم عظمًا ولا لحما ولا دمًا إِلاَّ أَحرقته، وكرر اللفظ تأكيدًا، وقيل: لا تُبْقي منهم شيئًا إِلا أَهلكته، ثم يعادون خلقًا جديدًا فلا تلبث أَن تعاود إِحراقهم هكذا أَبدًا. ٢٩ - (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ): أَي: مُقَيِّرة للبشرات مُسَوِّدة للجلود ومحرقة لها، وفي بعض الآثار أَنها تلفح الجلد لفحة فتدعه أَشد سوادًا من الليل، واعترض بأَن لا يصح وصفًا بما ذكر من تسويدها لظاهر الجلود في سبحانه (لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ) الصريح في الإِحراق. وأَجيب بأَنها في أَول الملاقاة تُسَوَّد الجلد ثم تحرقه وتهلكه، وقد يجاب بأَن المراد ذكر أَوصافها الفظيعة من

стр. 5290

غير ترق من شديد إِلى أَشد، وكونها "لواحة" وصف من أَوصافها، ولعله باعتبار أَول الملاقاة. وقال الحسن وابن كيسان والأَصم: (لواحة) بتاء مبالغة من (لَاحَ) إِذا ظَهَر، والبشَرُ بمعنى الناس، أَي: تظهر الناس لعظمها وهو لها كما قال تعالى: "وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى" (١). ٣٠ - (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ): أَي: بلي أَمرها ويتسلط على أَهلها بالعذاب تسعة عشر ملكًا، أَلا تري العرب الفصحاء كيف فهموا منه ذلك؟ فقد روي عن ابن عباس أَنها لما نزلت (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) قال أَبو جهل لقريش: ثكلتكم أُمهاتكم، أَسمع أَن ابن أَبي كبشة يخبركم أَن خزنة النار تسعة عشر وأَنتم الدَّهْم (أَي: العدد) والشجعان، أَيعجز كل عشرة منكم أَن يبطشوا برجل فيهم؟، فقال أَبو الأَشد بن أَسيد كَلَدَه الحُمَحي: أَنا أَكفيكم سبعة عشر فاكفوني أَنتْم اثنين، فأَنزل الله (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً) أَي: وما جعلناهم رجالًا من جنسكم يطاقون، والجمهور على أَن المراد بهم النقياء، فمعنى كونهم عليها: أَنهم يتولون أَمرها وتعذيب أَهلها وإِليهم رئاسة زبانيتها، وأَما جملتهم فالعبارة تعجز عنها كما قال تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ) وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: قال: رسول الله ﷺ : "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون أَلف زمام، مع كل زمام سبعون أَلف ملك يجرونها". وذهب بعضهم إِلى أَن التمييز المحذوف: صفًا، أَو صنفًا أَي: عليها تسعة عشر صَفًّا أَو صنفًا.
следующие страницы →