← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

١٧ - (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا): الإِرهاق في كلام العرب: أَن يُحْمل الإِنسان على الشيءِ. والمعنى: سأُكلفه في النار بما لا يقدر عليه، وأَحمله على صعود عقبة شاقة المصعد، أَو: هو مثل لما يلقى من العذاب الشاق الصعب الذي لا يطاق، وروى أَن النبي ﷺ قال: يكلف أَن يصعد عقبة في النار كلما وضع عليها يده ذابت، وإِذا رفعها عادة، وإِذا وضع رجله ذابت، فإِذا رفعها عادت. وذكر القرطبي أَن معني الآية -كما قال ابن عباس: سأُكلفه مشقة من العذاب لا راحة له فيه. ١٨ - (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ): تعليل للوعيد السابق واستحقاقه له، كأَن الله عاجله بالفقر بعد الغي والذل بعد العز في الدنيا لعناده، ويعاقبه في الآخرة أَشد العذاب وأَعظمه لبلوغه بالعناد غايته وأَقصاه في تفكيره، وتسميته القرآن سحرًا، والمعنى: أَن الوليد فكر وزوَّر في نفسه وأَعد وهيأَ ما يقوله من الطعن في القرآن والرسول، فاستحق بذلك العذاب وذلك أَنه لما نزل قوله تعالى: (حم. تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) إِلى قوله تعالى: (إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) على النبي ﷺ سمعه الوليد يقرؤُها فقال: والله لقد سمعت منه كلامًا ما هو من كلام الإِنس ولا هو من كلام الجن وإِن له لحلاوة، وإِن عليه لطلاوة، وإِن أَعلاه لمثمر، وإِن أَسفله لمغدق، وإِنه ليعلو ولا يُعْلى عليه، وما يقول هذا بشر، فقالت قريش: صبأَ الوليد لَتَصْبُوَنَّ قريش كلها، فقال أَبو جهل: أَنا أَكفيكموه فمضى إِليه حزينًا فقال له: ما لي أَراك حزينًا؟ فقال له: وما لي لا أَحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك بها على كبر سنك، ويزعمون أَنك زينت كلام محمد وتدخل على ابن أَبي كبشة -يعني بذلك رسول الله- وابن أَبي قحافة -يقصد أَبا بكر- لتنال من فضل طعامهما، فغضب الوليد وتكبر وقال: أَنا أَحتاج إِلى كِسْر محمد وصاحبه؟ فأَنتم تعرفون قدر مالي، واللات والعُزَّي ما لي حاجة إِلى ذلك، وإِنما أَنتم تزعمون أَن محمدًا مجنون فهل رأَيتموه قط يَخْنُق، قالوا: لا والله

стр. 5287

قال: فتزعمون أَنه كذاب فهل جربتم عليه كذبًا قط؟ قالوا: لا والله، قال: فتزعمون أَنه كاهن فهل رأَيتموه تكهن قط، وقد رأَينا للكهنة أَسجاعًا وتَخَالُجًا (١) فهل رأَيتموه كذلك؟ قالوا: لا والله. وكان النبي يسمى الصادق الأَمين من كثرة صدقة، فقالت قريش للوليد: من هو؟ ففكر في نفسه ثم نظر ثم عبس، فقال: ما هو إِلا ساحر. أَما رأَيتموه يفرق بين الرجل وأَهله وولده ومواليه، وما الذي يقوله إِلا سحر يأَثره عن مسيلمة وعن أَهل بابل، فارتج النادي فرحًا وتفرقوا مُعْجَبِين بقوله مُتَعَجَّبين منه، فذلك قول الله (إِنَّهُ فَكَّرَ) أَي: في أَمر محمد والقرآن. (وَقَدَّرَ) في نفسه ماذا يمكنه أَن يقول فيهما. ١٩ - (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ): تعجيب من تقديره وإِصابته المحزَّ ورميه الغرض الذي كانت تتمناه وتتوقعه قريش وتتطلبه منه، أَو ثناء عليه تهكمًا، أَو حكاية لما كروه على سبيل الدعاءِ عليه عند سماع كلمته الحمقاء، فالعرب تقول: قتله الله ما أَشجعه، وأَخزاه الله ما أَشعره: يريدون أَنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأَن يحسد، ويدعو عليه حاسده بذلك. ومعنى (قُتِلَ) أَي: لُعِن، وكان بعض أَهل التأويل يقولون معناها: فقُهر وغُلِب، وقال الزهري: عُذِّب، وهو من باب الدعاء. ٢٠ - (ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ): ثم استحق العذاب واللعن والهلاك كيف أَعد في نفسه هذا الطعن على القرآن؟! أَو على أَي حال قدر، والتكوير للمبالغة كما هو عادة من أَعجب غاية الإِعجاب، والعطف يتم للدلالة على تفاوت الرتبة وأَن الثانية أَبلغ من الأُولي، فكأَنه قيل: قتل بنوع ما من القتل، لا: بل قيل بأَشده وأَشده، والإِطراء في الإِعجاب بتقدير الوليد بن المغيرة يدل على غاية التهكم به وبمن فرح بخلاصة تفكيره.

стр. 5288

٢١ - (ثُمَّ نَظَرَ): أَي: ثم نظر في وجوه قومه، أَو فيما يقدح به في القرآن ويعيبه عليه ويذمه به، وقيل: نظر بمؤخر عينه تكبرًا وتغيظًا، أَو: فكر في أَمر القرآن وبأَي شيءٍ يرده ويدفعه. ٢٢ - (ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ): (ثُمَّ عَبَسَ) أَي: ثم قطب في وجوه الناس لمّا لم يجد في القرآن مَطْعَنًا وضاقت به السبل وأَعيته الحيل، ولم يدر ماذا يقول في القرآن. وقيل: نظر في وجوه القوم ثم قطب وجهه، وقيل: نظر إِلى رسول الله ثم قطب في وجهه ﵊ (وَبَسَرَ) أَي: أَظهر العبوس قبل أَوانه أَو في غير وقته، من الْبَسْر: وهو الاستعجال بالشيء، وفسره بعضهم بأَشد العبوس، من بسر؛ إِذا قبض ما بين عينيه كراهة للشيء واسود وجهه منه، ويستعمل البسر بمعنى العبوس. ٢٣ - (ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ): أَي: ثم رجع معرضًا وانْصَرَفَ عن الحق مدبرًا وتولى مستكبرًا عن الانقياد للقرآن، والاتباع لمحمد لما خطرت بباله الكلمة الشنعاء: قوله: (إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ) وهم أَن يرمي بها -وصف القرآن أَشكاله التي تشكل بها حتى استنبط ما استنبط استهزاء به، وقيل: قدر ما يقوله، ثم نظر فيه، ثم عبس لما ضاقت عليه الحيل، ولم يدر ما يقول، ثم أَدبر عن الحق وأَعرض عنه وتكبر وتعاظم أَن يعترف به وقال ما قال فيه. ٢٤ - (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ): السحر: الخديعة، وقيل: السحر: إِظهار الباطل في صورة الحق، والمعنى: ما هذا الذي أَتي به محمد ﷺ إِلا سحر يأَثره عن غيره ويتعلمه منه، ويروى وينقل عن الأَولين مثل سحرة بابل وغيرهم، والفاء في قوله تعالى: (فَقَالَ) للدلالة على أَن هذه الكلمة الكاذبَة كما خطرت ببال ذلك المكذب بها من غير تلعثم ومُكْث وانتظار؛ فهي للتعقيب من غير مهملة.

стр. 5289

٢٥ - (إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ): أَي: ما هذا إِلا كلام المخلوقين تعلمه محمد منهم، ثم ادعي أَنه من عند الله، وخدع به القلوب كما تُخْدع بالسحر، وهذه الجملة كالتأكيد للجملة الأَولى؛ لأَن المقصود منهما نفي كونه من كلام الله تعالى، ثم الذي يظهر من تتبع أَحوال الوليد أَنه قال ما قال عنادًا وحمية جاهلية لا جهلا بحقيقة الحال. ٢٦ - (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ): أَي: سأُدخله جهنم كي يصلى حرها ويحترق بنارها، وقال ابن كثير: سأغمره فيها من جميع جهاته، وإِنما سميت جهنم سقر من: سقرته الشمس: إِذا أَذابته ولوحته وأَحرقت جلدَ وجهه. ٢٧ - (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ): أَيْ: أَيّ شيءٍ أَعلمك ما سقر؟! وهذا الأُسلوب مبالغة في وصفها، وتهويل وتعظيم بشأنها، ثم وصفها وفسر حالها فقال: ٢٨ - (لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ): أَي: لا تترك لهم عظمًا ولا لحما ولا دمًا إِلاَّ أَحرقته، وكرر اللفظ تأكيدًا، وقيل: لا تُبْقي منهم شيئًا إِلا أَهلكته، ثم يعادون خلقًا جديدًا فلا تلبث أَن تعاود إِحراقهم هكذا أَبدًا. ٢٩ - (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ): أَي: مُقَيِّرة للبشرات مُسَوِّدة للجلود ومحرقة لها، وفي بعض الآثار أَنها تلفح الجلد لفحة فتدعه أَشد سوادًا من الليل، واعترض بأَن لا يصح وصفًا بما ذكر من تسويدها لظاهر الجلود في سبحانه (لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ) الصريح في الإِحراق. وأَجيب بأَنها في أَول الملاقاة تُسَوَّد الجلد ثم تحرقه وتهلكه، وقد يجاب بأَن المراد ذكر أَوصافها الفظيعة من

стр. 5290

غير ترق من شديد إِلى أَشد، وكونها "لواحة" وصف من أَوصافها، ولعله باعتبار أَول الملاقاة. وقال الحسن وابن كيسان والأَصم: (لواحة) بتاء مبالغة من (لَاحَ) إِذا ظَهَر، والبشَرُ بمعنى الناس، أَي: تظهر الناس لعظمها وهو لها كما قال تعالى: "وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى" (١). ٣٠ - (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ): أَي: بلي أَمرها ويتسلط على أَهلها بالعذاب تسعة عشر ملكًا، أَلا تري العرب الفصحاء كيف فهموا منه ذلك؟ فقد روي عن ابن عباس أَنها لما نزلت (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) قال أَبو جهل لقريش: ثكلتكم أُمهاتكم، أَسمع أَن ابن أَبي كبشة يخبركم أَن خزنة النار تسعة عشر وأَنتم الدَّهْم (أَي: العدد) والشجعان، أَيعجز كل عشرة منكم أَن يبطشوا برجل فيهم؟، فقال أَبو الأَشد بن أَسيد كَلَدَه الحُمَحي: أَنا أَكفيكم سبعة عشر فاكفوني أَنتْم اثنين، فأَنزل الله (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً) أَي: وما جعلناهم رجالًا من جنسكم يطاقون، والجمهور على أَن المراد بهم النقياء، فمعنى كونهم عليها: أَنهم يتولون أَمرها وتعذيب أَهلها وإِليهم رئاسة زبانيتها، وأَما جملتهم فالعبارة تعجز عنها كما قال تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ) وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: قال: رسول الله ﷺ : "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون أَلف زمام، مع كل زمام سبعون أَلف ملك يجرونها". وذهب بعضهم إِلى أَن التمييز المحذوف: صفًا، أَو صنفًا أَي: عليها تسعة عشر صَفًّا أَو صنفًا.

стр. 5291

(وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاَّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)) المفردات: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً): أَي: وما جعلناهم رجالا من جنسكم يطاقون. (فِتْنَةً): اختيارًا وامتحانًا، أَو سبب فتنة وضلال. (لِيَسْتَيْقِنَ): ليستبين، أَو ليوقن. (وَلا يَرْتَابَ): ولا يشك. (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ): أَي: شك ونفاق. (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا): ما الذي أَراده الله بهذا العدد المُسْتَغْرب استغرب المثل. (كَذَلِكَ): أَي: مثل إِضلال المنكر لهذا العدد كأَبي جهل وأَحزابه، وهدي مُصَدِّقه.

стр. 5292

(وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ): الجنود: جمع جند اشتهر في العسكر، اعتبارًا بالغلظة، من الجند، أَي: الأَرض الغليظة التي فيها حجارة، ويقال لكل جمع: جند أَي: وما يعلم جموع خلقوه التي من جملتها الملائكة إِلا هو . (وَمَا هِيَ): أَي: وما سقر -كما قال مجاهد. (إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ): إِلا تذكرة للبشر وتخويف لهم. (كَلاَّ): ردع لمن يُنْذَرُ بسقر ولم يخف، وقيل: زجر عن قول أَبي جهل وأَصحابه. (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ): قسم بالليل إِذْ ولى وذهب. (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ): قسم بالصبح إِذا أَضاءَ وانكشف وأَشرق. (إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ): أَي: إِن سقر لإِحدى الدواهي العظيمة. (نَذِيرًا لِلْبَشَرِ): تَخويفًا للبشر. (أَنْ يَتَقَدَّمَ): إِلى الجنة أَو الخير بالإِيمان. (أَوْ يَتَأَخَّرَ): إِلى النَّار أَو الشر بالكفر. التفسير: ٣١ - (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ): (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً): أَي وما جعلنا خزنة النَّار إِلا ملائكة لأَنهم خلاف جنس المعذَّبين من الإِنس والجن فلا يأْخذهم ما يأَخذ المُجَانِس من الرأَفة والرحمة ولا يستروحون إِليهم، ولأَنهم أَقوم خلق الله بحق الله وبالغضب له فتؤمن هوادتهم، ولأَنهم أَشد خلق الله بأَسًا وأَقواهم بطشًا فلا يقدر أَهل النار عليهم ولا يستطيعون مغالبتهم.

стр. 5293

(وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أَي: وما جعلنا عدتهم تسعة عشر إِلا اختبارًا منا للذين كفروا. (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ): أَي: ليحصل اليقين للذين أُوتوا الكتاب من النصاري واليهود بأَن ما يقوله القرآن على لسان محمد عن خزنة جهنم وعددهم إِنما هو حق من الله تعالى؛ حيث وافق ذلك ما في كتبهم. (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا): أَي: ويزداد إِيمانهم بما رأَوا من تسليم أَهل الكتاب وتصديقهم أَن عدد الخزنة كذلك، أَو بانضمام إِيمانهم بذلك إِلى إِيمانهم بسائر ما أَنزل. (وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ): هذا الكلام تأكيد لما قبله من الاستيقان وازدياد الإِيمان، ونفي لما قد يعترى المستيقن من شبهة وشك، أَي ولا يشك في ذلك الذين أَعطوا الكتاب والمؤمنون المصدقون من أَصحاب محمد في أَن عدَّةَ خزنة جهنم تسعة عشر، فإِذا جمع لهم إِثبات اليقين ونفي الشك كان آكد وأَبلغ لوصفهم بسكون النفس، ولأَن فيه تعريضًا بمن عداهم كأَنه قال: ولتخالف حالهم حال الشاكين والمرتابين من أَهل النفاق والكفر. (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ) أَي: وليقول الذين في صدورهم شك ونفاق من منافقي المدينة الذين سينجمون ويظهرون بعد الهجرة والكافرون بمكة المصرون على التكذيب، ويجوز أَن يراد بالمرض: الشك والارتياب، لأَن أَهل مكة كان أَكثرهم شاكين وبعضهم قاطعين بالكذب. (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) أَي: ما الذي أَراده الله بهذا العدد (تِسْعَةَ عَشَرَ) المستغرب استغراب المثل. قال الزمخشري: أَي: أَي شيءٍ أَراد الله بهذا العدد العجيب؟ وأَي حكمة قصدها في أَن جعل الملائكة تسعة عشر لا عشرين؟ ومرادهم إِنكار هذا الأَمر من أَصله وأَنه ليس من عند الله وأَنه لو كان من عند الله لما جاءَ بهذا العدد الناقص. أهـ: يتصرف.

стр. 5294

وعنوا بالإِشارة (بهذا) التحقير، وغرضهم نفي أَن يكون ذلك من عند الله على أَبلغ وجه، وليس مرادهم الاستفهام حقيقة عن الحكمة. (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) ذلك: إِشارة إِلى ما قبله من معنى الإِضلال والهداية، أَي: مثل ذلك المذكور من الإِضلال والهداية يضل الله ويخزي الكافر لصرف اختياره حسب السمَّاع إِلى جانب الضلال عند مشاهدته لآيات الله الناطقة بالهدي، ويهدي ويرشد المؤمن لصرف اختياره الحسن عند مشاهدة تلك الآيات. (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ): أَي: وما يعلم جنود ربك وما عليه كل جند من العدد، والحكمة في كون بعضها على عقد كامل وبعضها على عقد ناقص، لا يعلم ذلك إِلا هو سبحانه، ولا سبيل لأَحد إِلى معرفة ذلك، كما لا تعرف الحكمة في أَعداد السموات والأَرض وأَيام السنة والشهور والبروج وعدد الصلوات والركعات، أَو ما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إِلا هو، فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين، ولكن في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها، وهو يعلمها. روي الترمذي أَن النبي ﷺ قال: "أَطَّت (١) السماءِ وحُقّ لها أَن تَئِطّ؛ ما فيها موضع أَربع أَصابع إِلا ومَلَك واضع جبهته لله ساجدًا" -ذكره القرطبي-. قال الآلوسي: وهذه الآية وأَمثالها من الآيات والأَخبار تشجع على القول باحتمال أَن يكون في الأَجرام الأُخري جنود من جنود الله لا يعلم حقائقها وأَحوالها إِلا هو ودائرة ملك الله ﷻ أَعظم من أَن يحيط بها نطاق الحصر، أَو يصل إِلى مركزها طائر الفكر، وفي كل يوم تظهر لنا الكشوف عجائب وغرائب وبدائع من عجيب خلق الله وصنعه، وصدق الله: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ). واختلف في المخصص لهذا العدد -أَعني تسعة عشر- والذي مال إِليه أَكثر العلماءِ أَن ذلك مما لا يعلم حكمته على التحقيق إِلا الله، وهو كالمتشابه يؤمن العبد به ويفوض علمه

стр. 5295

إِلى الله (وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) أَي: وما سقر إِلا تذكرة وعظة للبشر وتخويف للخلق، وقيل: وما هذا العدة (إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) ليتذكروا بها ويعلموا كمال قدرة الله وأَنه لا يحتاج إِلى أَعوان وأَنصار. ٣٢ - (كَلاَّ وَالْقَمَرِ): (كَلاَّ):: ردع وزجر لمن أَنذر بسقر ولم يخف. (وَالْقَمَرِ) وما بعده مقسم به. ٣٣، ٣٤ - (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ): (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ): قسم بالليَّل إِذا ولي وذهب. (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ): قسم بالصبح إِذا أَضاءَ وانكشف، وفي الحديث "أَسفروا بالفجر فإِنه أَعظم للأَجر" أَي: صلوا صلاة الصبح مسفرين، ويقال: طولوها إِلى الإِسفار، أَي: الإِنارة وظهور الضوء. ٣٥، ٣٦ - (إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ* نَذِيرًا لِلْبَشَرِ): أَي: إِن سقر لإِحدي اللواهي الكبر إِنذارًا وتخويفًا للبشر، على معنى أَن البلايا الكبيرة كثيرة وسقر واحدة منها، قال الآلوسي: فيكون في ذلك إِشارة إِلى أَن بلاءَهم غير محصور فيها، بل تحل بهم بلايا غير متناهية، وقال الحسن: والله ما أَنذر الخلائق بشيء أَدهي منها!!. ٣٧ - (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ): أَي: نذيرًا لمن شاءَ منكم أَن يتقدم إِلى الخير والطاعة، أَو يتأَخر إِلى الشر والمعصية قال الحسن: هذا وعيد وتهديد، وإِن خُرِّج مُخْرَج الخير كقوله تعالى: "فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" (١) وكان ابن عباس يقول: هذا تهديد وإِعلام: أَن من يتقدم إِلى الطاعة والإِيمان بمحمد ﷺ جوزي بثواب لا ينقطع، ومن تأَخر عن الطاعة وكذب محمدًا ﷺ عوقب عقابًا لا ينقطع.

стр. 5296

(كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنْ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلاَّ بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ (٥٣) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)) المفردات: (رَهِينَةٌ): مرهونة عند الله بكسبها مأخوذة بعملها. (يَتَسَاءَلُونَ عَنْ الْمُجْرِمِينَ): يسأَلون عن الكافرين، أَو يسأَل بعضهم بعضًا عنهم. (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ): ما أَدخلكم في النار؟ (نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ): نشرع في الباطل مع الشارعين فيه لا نبالي به، والخوض في الأَصل: ابتداءُ الدخول في الماءِ والمرور فيه، ويستعمل مجارًا في الشروع في الباطل. (الْيَقِينُ): الموت ومقدماته.

стр. 5297

(فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ): فما لأَهل مكة عن العظة بالقرآن منصرفين. (حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ): حمر وحشية شديدة النفار. (مِنْ قَسْوَرَةٍ): من مُطَارديها من أَسد أَو صائد، وقيل: القسورة: الأَسد، فَعْوَلة من القسر والغلبة. (صُحُفًا مُنَشَّرَةً): قراطيس واضحة مكشوفة. (كَلاَّ): ردع لهم عما أَراده، وزجر لهم عن اقتراح الآيات، أَو بمعني: حقًّا، أَي حقًّا إِن القرآن عظة. (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى): أَي: الله -سبحانه- حقيق بأَن يُتَّقى عذابه ويؤمَنَ به ويُطَاعَ. (وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ): حقيق بأَن يغفِر لمن آمن به وأَطاعه. التفسير: ٣٨، ٣٩ - (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ): رهينة مصدر بمعنى الرهن، كالشتيمة بمعنى الشتم. والمعنى: كل نفس محاسبة على كسبها مأخوذة بما قدمت من خير أَو شر، رهن بعملها إِماَّ خلَّصها وإِما أَوبقها وأَهلكها. (إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ): وهم المسلمون المخلصون كما قال الحسن وغيره، ورواه ابن المنذر عن ابن عباس فإِنهم فاكُّون رقابهم بما أَحسنوا من أَعمالهم كما يفكُّ الراهن رهنه بأَداءِ الدَّيْن، ونقل عن علي بن أَبي طالب وابن عمر أَنهم أَطفال المسلمين. وعن ابن عباس أَنهم الملائكة، قال العلامة الآلوسي: الظاهر سياقًا وسباقًا أَن يراد بهم طائفة من البشر المكلفين. ٤٠، ٤١، ٤٢ - (فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ): (فِي جَنَّاتٍ): الجملة استئناف وقع جوابًا عن سؤَال نشأَ مما قبله، كأَنه قيل: ما بالهم؟ فقيل: هم في جنات وبساتين لا يكتنه كنهها ولا يدرك وصفها. (يَتَسَاءَلُونَ

стр. 5298

عَنِ الْمُجْرِمِينَ) أَي: يسأَلون عن الكافرين، أَو أَسال بعضهم بعضًا عن المجرمين قائلين: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) أَي: أَيّ شيءِ أَدخلكم النَّار؟! والسؤال سؤَال توبيخ وتحسير، وقيل: إِن المؤمنين يسأَلون الملائكة عن هؤُلاءِ المجرمين، فتسأَل الملائكة المشركين فيقولون لهم: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ). ٤٣، ٤٤ - (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ): أَي: قال المجرمون من أَهل النار مجيبين للسائلين مبينين لهم أَسباب دخولهم النار يقولون: لم نك من المصلين كما كان يصلي المسلمون المخلصون. (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) أَي: ولم نك نعطي المسكين ما يجب إِعطاؤه، ولم نك نتصدق عليه ونطعمه، وهو من بني جنسنا وإِخوتنا في الإِنسانية -كما يفعل المسلمون- وهكذا لم يقوموا بالواجب عليهم نحو الله بعبادته بالصلاة، ولا بالواجب الاجتماعي نحو إِخواتهم بالزكاة كما يفعل المسلمون الصالحون، وهدموا بذلك ركنين من أَركان الإِسلام وهما الصلاة: حق الله، والزكاة: حق العباد. ٤٥ - (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ): ومن أَخلاق المجرمين الذين استحقوا بها دخول النار ما حكاه الله عنهم في قوله تعالى: (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) أَي: وكنا ننغمس في الباطل والزور ونندفع فيه، ونخالط أَهله دون اكتراث أَو مبالاة. والمراد بالخوض هنا: الشروع في الباطل، وأُريد بالباطل ما لا خير فيه وما لا ينبغي من القول والفعل، وعُدّ من ذلك حكاية ما يجري بين الزوجين في الخلوة مثلا، وحكاية أَحوال الفَسَقَة على وجه الالتذاذ بها، ونقل الحروب التي جرت بين الصحابة لغير غرض شرعي، بل لمجرد أَن يتواصل بها إِلى طعن وتنقيص، والتكلم بالكلمة الفاحشة يُضحك بها الرجل جلساءَه، إِلى غير ذلك ممَّا لا يُحصْى، وكان ذكر قوله تعالى: (مَعَ الْخَائِضِينَ) إِشارة إِلى عدم اكتراثهم بالباطل وترك مبالاتهم به، فكأَنهم قالوا: كنا لا نبالي بباطل.

стр. 5299

٤٦، ٤٧ - (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ): (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ): هذه هي الصفة الرابعة من صفات المجرمين التي بها استحقوا دخول النار، وهي تكذبيهم بيوم الدين وهو يوم البعث والحساب والجزاء، وتأْخير جنايتهم هذه في الذكر مع كونها أَعظم من الكل لتفخيمها كأَنهم قالوا: وكنا بعد ذلك كله مكذبين بيوم القيامة ولبيان كون تكذيبهم به مقارنًا لسائر جناياتهم المعدودة إِلى آخر عمرهم جاءَ قوله تعالى: (حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) أَي: حتى نزل بنا الموت ومقدماته، كما ذهب إِليه جُلُّ المفسرين، ومنه قوله تعالى: "وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأتِيَكَ الْيَقِينُ" (١)، وقول رسول الله ﷺ : (أَما هو) يعني عثمان بن مظعون (فقد جاءَه اليقين من ربه)، وقال ابن عطية: اليقين عندي: صحة ما كانوا يكذبون به من الرجوع إلى الله تعالى والدار الآخرة، والظاهر أَن مجموع ما ذكر من الصفات هو سبب لدخول مجموعهم النار، فلا يقدح في ذلك أَن بعض أَهل النار من لم يكن قد وجب عليه إِطعام مسكين كفقراءِ -الكفرة المعدمين. ٤٨ - (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ): أَي: لو شفع لهم الشافعون جميعًا من الملائكة والنبيين وغيرهم لم تنفعهم شفاعتهم، والكلام على الفرض؛ لأَن الشفاعة لمن ارتضاه الله، وأَمَّا من لَقِيَ الله كافرًا يوم القيامة فإِن له النار لا محالة خالدًا فيها، لأَنه مسخوط ومغضوب عليه، والمعنى المقصود: لا شفاعة لهم. ٤٩ - (فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ): أَي: فمل لهؤلاءِ الكفرة عمَّا تدعوهم إِليه من الدين وتذكرهم به من القرآن وغيره من المواعظ معرضين ومنصرفين -قال مقاتل: الإِعراض عن القرآن من وجهين: ١ - الجحود والإِنكار. ٢ - والوجه الآخر ترك العمل به.

стр. 5300

٥٠، ٥١ - (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ): المعنى: تشبيه هؤلاءِ الكفار في فرارهم من الرسول وإِعراضهم عن القرآن واستماع ما فيه من المواعظ وشِرَادهم عنه ونفورهم من بحُمُر وحشية جَدَّت في نِفارها ممن طاردها من أَسد، أَو رَوَّعها من قانص، أَو أَفْزَعَها من صائد أَو حبالة، وقال ابن الأَعرابي وثعلب: القسورة أَول الليل، أَي: كأَنهم حمر وحشية فرت من ظلمة الليل، وجمهور اللغويين على أَن القسورة الأَسد -فَعْوَلَةٌ: من القسر، وهو القهر والغلبة، وروى ذلك عن ابن عباس كما روى عنه غير ذلك، وفي تشبيههم بالحمر مَذَمَّة ظاهرة وتهجين بيَّن لحالهم وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل. ٥٢ - (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً): الآية معطوفة على مقدر يقتضيه المقام -كأَنه قيل: إنهم لا يكتفون بتلك التذكرة ولا يرضون بها، بل يريد كل واحد منهم أَن يُؤتَي قراطيس مفتوحة واضحة مكشوفة تنشر وتقرأ، أَو كتبًا كتبت في السماءِ ونزلت بها الملائكة عليهم ساعة كتبت منشرة ومبسوطة على أَيديها غضة رطبة لم تُطْو بعد. وذلك أَن أَبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد ائتنا بكتب من رب العالمين مكتوب فيها إِني قد أَرسلت لكم محمدًا -نظيره "وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه" (١)، وقال مجاهد: أَرادوا أَن ينزل على كل واحد منهم كتاب من السماءِ فيه من رب العالمين: إلى فلان بن فلان؛ يؤمر فيه باتباعك. ٥٣ - (كَلاَّ بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ): (كَلاَّ): ردع لهم عمَّا أَرادوا وزجر لهم عن اقتراح الآيات. (بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ): لا أُعطيهم ما يتمنون لأَنهم لا يخافون الآخرة اغترارًا بالدنيا، وإِنما أَفسدهم عدم إِيمانهم بالآخرة وتكذيبهم بوقوعها؛ فلذلك يعرضون عن التذكرة ويفتَنُّونَ في طلب الآيات واقتراحها، وليس ذلك ناشئَا عن الامتناع عن إِيتاءِ الصحف وحصول مقترحهم كما يزعمون.

стр. 5301

٥٤ - (كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ): (كَلاَّ) ردع لهم عن إِعراضهم (إِنَّهُ) أَي: القرآن، أَو التذكرة السابقة في قوله تعالى: (فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) و (ذكر) لأَنه بمعنى القرآن أَو الذكر. (تَذْكِرَةٌ): أَي: عظة وأَي عظة، وقيل: المعنى: حقًّا إِن القرآن لعظة بالغة نافعة كافية. ٥٥ - (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ): أَي: فمن شاءَ قرأَه فاتعظ به، وقيل: فمن شاءَ أَن يذكره ولا ينساه ويجعله نصب عينيه فعل ذلك واتعظ به؛ فإِنه نفع ذلك راجع إِليه. ٥٦ - (وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ): (وَمَا يَذْكُرُونَ): أَي: وما يذكرون بمجرد مشيئتهم للذكر كما هو المفهوم من ظاهر قوله تعالى: (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) إِذ لا تأْثير لمشيئة العبد وإِرادته في أَفعاله: (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) وهذا تصريح بأَن أَفعال العباد بمشيئة الله ومثله: "وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ" (١). (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى) أَي: هو حقيق بأَن يتقى عذابه ويؤُمن به ويطاع. (وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ): وحقيق بأَن يَغْفِر لمن آمن به وأَطاعه. أَخرج أَحمد والترمذي -وحسنه- والحاكم -وصححه- والنسائي وابن ماجه وخلق آخرون: عن أَنس: أَن رسول الله ﷺ قرأَ هذه الآية (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) فقال: "قال ربكُم: أَنا أَهل أَنْ أُتَّقَي؛ فلا يُجْعَلُ معي إِله، فَمَنِ اتقاني فلم يَجْعَلْ معي إِلهًا آخَرَ فأَنا أَهلٌ أَن أَغِفَرَ لَه" والله أَعلم.

стр. 5302

سورة القيامة ويقال لها سورة (لَا أُقْسِمُ) وهي مكية وعدد آياتها أَربعون مناسبتها لما قبلها: لمَّا ذكر تعالى في السورة التي قبلها وهي (سورة المدثر) قوله سبحانه: "كَلاَّ بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ" (١) بعد ذكر الجنة والنار، وكان عدم خوفهم من الآخرة لإنكارهم البعث، ذكر جلّ وعلا في هذه السورة (سورة القيامة) الدليل على البعث بأَتم وجه وأَقوى حجة. بعض مقاصد السورة: ١ - بُدِئت السورة الكريمة بالقسم بيوم القيامة وبالنَّفس اللَّوَّامة على أَنَّ البعث حق وآتٍ لَا ريب فيه، ووصفت يوم القيامة وأَحواله وأَهواله: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ .. ) إلخ … فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ … ) الخ. ٢ - ولمَّا كان الرسول حريصًا على تلقي الوحي وحفظ القرآن فقد طمأَنته الآيات على أَن الله قد تكفَّل له بأَن يجمع القرآن في صدره، وأَن ييسره لتلاوته على الوجه الذي تلقاه عن جبريل، وأَن يُفَسَّره ويوضِّح معناه له: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) الخ. ٣ - ثم زجرت الآيات المنكرين للبعث وبينت أَن سببَ إِنكارهم له حُبُّهم للعاجلة، وإِقبالهم على ملذَّاتها الفانية وتركهم للآخرة ونعيمها الباقي: (كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ) الخ. ٤ - وتحدثت السُّورة الكريمة عن المؤمنين يوم القيامة وأَن وجوههم تكون ناضرة، كما تحدثت عن أَن وجوه الكافرين تكون باسرة كالحة: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ .. ) إلخ. وذكرت أَحوال المُحْتضر وما يلاقيه من أَهوال عظام وشدائد جسام جزاءَ عصيانة لله وللرسول وتقصيره في الواجبات حتى إِنه ظن أَلاَّ حساب عليه: (كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي .. ) الخ.

стр. 5303

٥ - وخُتِمَت السُّورة بذكر الدليل الذي يُوجِب الإِيمان بالبعث لأَن الذي خلق الإِنسان من نطفة وسَوَّاه بشرًا سويًّا قادر على أَن يحيَى الموتى يوم القيامة لحسابهم على أَعمالهم لأَنَّ الإِعادة أَهون من البدءِ في قياس العقل وهو سبحانه على كل شيءٍ قدير: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى … ) الخ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)) المفردات: (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ): قيل: إِن (لَا) نفى لكلام ورَدٌّ له قبل القسم .. والمعنى: أقسم -على سبيل التوكيد- بيوم القيامة، وقيل: إِن (لَا) هنا لتوكيد القسم وتقويته. (بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ): النفس التي تلوم صاحبها على الخير لِمَ لَمْ تستكثر منه وعلى الشر لِمَ فعلته؟

стр. 5304

(أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ): أَيظن الكافر أَنَّا لا نقدر على إِعادة عظامه وجمعها من أَماكنها المتفرقة. (نُسَوِّيَ بَنَانَهُ): في القاموس البنان: الأَصابع أَو أَطرافها وتسويتها إِعادتها كما كانت مع صغرها. (بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ): يريد الكافر أَن يدوم على الفجور مدة عمره. (يَسْأَلُ): أَي يسأَل سؤال استهزاءٍ وتكذيب. (أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ): متى تقوم الساعة؟ (بَرِقَ الْبَصَرُ): بفتح الراءِ وكسرها: دهش وتحير فزعًا ممَّا رأَي من أَهوال يوم القيامة. (وَخَسَفَ الْقَمَرُ): ذهب ضوؤه أَو غاب. (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ): قُرِن بينهما في الطلوع من المغرب. (أَيْنَ الْمَفَرُّ): المَفَرّ بفتح الفاءِ وبه قرأَ الجمهور مصدر أَي أَين الفرار من أَهوال يوم القيامة؟ وبكسر الفاءِ وبها قرأَ ابن عباس المكان الذي يُفَرّ إِليه من ملجأ أَو موئل. (كَلاَّ): ردع عن طلب الفرار أَو المَفرّ. (لا وَزَرَ): لا ملجأَ وكل ما التجأْت إِليه من جبل أَو غيره وتحصنت فهو وزَرَ. (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ): أَي استقرار العباد أَو مستقرهم أَي وضع قرارهم من جنة أَو نار في يوم القيامة إِلى ربك وحده. (يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ): أَي يُخبر الإِنسان يومئذ بما قدم من عمل عمله وبما أَخر فلم يعمله. (عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ): حجة واضحة بينة على نفسه شاهدة بما صدر عنه من الأَعمال.

стр. 5305

(وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ): أَي ولو جاءَ بكل معذرة ما قبلت منه. والمعاذير: جمع مَعْذِرة بمعنى العذر على خلاف القياس، وقيل: اسم جمع، وقال السدي والضحَّاك: المعاذير: السُّتور بلغة أَهل اليمن واحدها مِعْذار. التفسير: ١ - (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ): قال الزمخشري: إِدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأَشعارهم قال امرؤ القيس: فلا وأبيكِ ابنه العامِريِّ … لا يَدَّعِي القوْم أَني أَفر وفائدتها توكيد القسم، والوجه أَن يقال: هي للنفي، والمعنى في ذلك أَنه لا يُقسم بالشيءِ إِلاَّ إِعظامًا له بذلك، وعليه قوله تعالى: "فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) (١) فكأَنهُ بإِدخاله حرف النفي يقول: إِن إِعظامي له بإِقسامي به كلا إِعظام، يعني أَنه يستأْهل فوق ذلك، وقيل: إِن (لَا) نفي لكلام ورَدٌّ له قبل القسم، كأَنهم أَنكروا البعث فقيل: (لَا) أَي ليس الأَمر على ما ذكرتم، ثم قيل: أُقسم بيوم القيامة … أهـ كشاف ملخصًا بتصرف. قال القرطبي: حكى أَبو الليث السمرقندي أَنه قال: أَجمع المفسرون أَن معنى (لا أُقْسِمُ): أُقسم والإِتيان بلا صلة، أَي زيادة يجري كثيرًا في كلام العرب وقد ورد منه في القرآن قوله تعالى: "قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ" (٢) أَي أَن تسجد: والمعنى أُقسم وأُؤكد القسم بيوم القيامة أَي بيوم يقوم الناس فيه لربهم للجزاءِ والحساب.

стр. 5306

٢ - (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ): أَي: أُقسم وأُؤَكد القسم بالنفس اللَّوامة، والنفس اللَّوَّامة (كما قال مجاهد): هي النفس الخَيِّرة التي تلوم صاحبها على الشر لِمَ فعله؟ وعلى الخير لِمَ لَمْ يستكثر منه فهي لم تزل لائمة وإِن اجتهد في الطاعات. فالمبالغة جاءَت لدوام اللَّوم. وقيل: المراد بالنفس اللَّوامة، نفس آدم فإِنها لم تزل تلوم نفسها على فعلها الذي خرجت به من الجنة، قال الآلوسي: وأَكثر الصوفية على أَن النفس اللَّوامة فوق الأَمَّارة وتحت المطمئنة وعرفوا اللَّوامة بأَنها هي التي تنورت بنور القلب قدر ما تنبهت عن سِنة الغفلة فكلما صدر عنها سيئة بحكم جِبلَّتها الظلمانية أَخذت تلوم نفسها ونفرت عنها - أهـ آلوسي. وقيل: المراد باللَّوَّامة: الْمَلُومة المذمومة وهي النفس الفاجرة الجشعة اللَّوامة لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا وأَغراضها. وجاءَ نحوه في رواية ابن عباس، وهذا قول من نفى أَن يكون الكلام قسمًا إِذ ليس للمعاصي قدر وشرف يقسم به. وقيل: المراد بالنفس: جنس النفس الشاملة التقية والفاجرة، وضعف الآلوسي القولين الأَخيرين. ٣ - (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ): هذا جواب القسم أَو دليل الجواب، أَي لتبعثن بعد جمع ما تفرق من عظامكم وصيرورتها رميمًا رُفاتًا مختلطًا بالتراب. والمراد بالإِنسان الجنس والهمزة لإِنكار الواقع واستقباحه والتوبيخ عليه، أَي: أَيحسب الإِنسان أَن الشأْن أَلن نجمع عظامه بعد تفرقها، والمعنى لِمَ يكون هذا الحسبان الكاذب المُنَافِي لحق اليقين وصريحه، والنسبة إِلى الجنس لأَن فيه من يحسب ذلك، بل لعله الأَكثرون، وقيل: المراد بالإِنسان جنس الكافر المنكر للبعث، وجوز أَن يكون التعريف للعهد. والمراد بالإِنسان هنا عدي بن أَبي ربيعة ختن الأَخنس بن شريق -وهما اللذان كان النبي ﷺ يقول فيها: (اللَّهُم اكفني جاري السوء) فقد روي أَنَّ عَديَّا جاءَ إِليه

стр. 5307

﵊ فقال: يا محمد، حدثني عن يوم القيامة متى يكون؟ وكيف يكون أَمره؟ فأَخبره رسول الله ﷺ فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أُصدقك يا محمد ولم أُؤمن به، أَوَيجمع الله هذه العظام؟ فنزلت، وقيل: هو أَبو جهل فقد روى أَنه كان يقول: أَيزعم محمد أَن يجمع الله هذه العظام بعد بلائها وتفرقها فيعيدها خلقًا جديدًا فنزلت. قال الآلوسي: وذكر العظام -وإِن المعنى على إِعادة الإِنسان وجمع أَجزائه المتفرقة- لِمَا أَنها قالب الخلق. ٤ - (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ): أَي: نجمع العظام بعد تفرقها وصيروتها رميمًا ورفاتًا في بطون البحار وبين الأَودية، والقفار حال كوننا قادرين على تأليف جمعها وإِعادتها إِلى التركيب الأَول وعلى أَن نسوي أَصابعه التي هي أطرافه وآخر ما يتم به خلقه، أَو على أَن نسوي ونضم سلامياته على صغرها بعضها إِلى بعض كما كانت أَوَّلًا من غير زيادة ولا نقصان ولا تفاوت، فكيف بكبار العظام وما ليس في الأَطراف منها، وقيل المعنى: بل نجمعها ونحن قادرون على أَن نسوي أَصابع يديه ورجليه، أَي: نجعلها مستوية شيئًا واحدًا كخف البعير وحافر الحمار لا نفرق بينها فلا يمكنه أَن يعمل بها شيئًا ممَّا يعمل بأَصابعه المفرقة ذات المفاصل والأَنامل من فنون الأَعمال والقبض والبسط والتأَتي لما يريد من الحوائج، وروى هذا عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وعكرمة -اهـ آلوسي والكشاف-. ولا يخفى أَن في الإِتيان بلا أَوَّلًا في (لا أُقْسِمُ) ممَّا يزيد في تأكيد الكلام وتقويته، وحذف جواب القسم لتأْخذ النفس فيه كل مأْخذ، والإِتيان بقوله: (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ) من إِيثار لفظ الحسبان على لفظ العلم، والإِتيان بهمزة الإِذكار سندًا إِلى الجنس وبحرف الإِيجاب في (بَلَى) والحال بعدها (قَادِرِينَ) -في الإِتيان بهذه من المبالغات في تحقيق المطلوب وتفخيمه وتوبيخ المعرض عن الاستعداد ما تبهر عجائبه، ثم الحسن كل الحسن فيما يتضمنه حرف الإِضراب في قوله تعالى: (بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ). -آلوسي- بتصرف.

стр. 5308

٥ - (بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ): عطف على أَيحسب -جيءَ به للإِضراب عن إِنكار الحسبان إِلى الإِخبار عن حال الإِنسان الحاسب بما هو أَدخل في اللوم والتوبيخ من الأَول، كأَنه قيل: دع تعنيفه فإِنه أَشَط من ذلك وأَنَّى يرتدع وهو يريد أَن يقيم ويستمر على فجوره فيما بين يديه من الأَوقات وفيما يستقبله من الزمان لا ينزع عنه. وعن مجاهد وابن جبير وغيرهما في معنى الآية: إِن الإِنسان إِنما يريد شهواته ومعاصيه ليمضي فيها أَبدًا قدمًا راكبًا رأْسه ومطيعًا أَمله ومسوفًا لتوبته حتى يأْتيه الموت على شر حاله وأَسوأ أَعماله، وروى عن ابن عباس في معنى الآية: هو الكافر يكذب بيوم الحساب. قال ابن كثير وهذا هو الأَظهر ولهذا قال بعده: ٦ - (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ): قال ابن كثير: أَي يقول: متى تكون القيامة؟ وإِنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه. وتكذيب لوجوده، كما قال تعالى: "وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ" (١) قال العلامة الآلوسي: وفيه أَن من أَنكر البعث يرتكب أَشد الفجور لا محالة. ٧ - (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ): فإِذا تحير بصرهم فزعًا فهم ينظرون من الهلع هكذا وهكذا لا يستقر لهم بصر على شيءٍ من شدة الرعب، وأَصله، من بَرق الرجل إِذا نظر إِلى البرق فدهش بصره، ومنه قول ذي الرمة: ولو أَن لقمان الحكيم تعرضت … لعينيه مَيٌّ سافرًا كاد يَبْرَق وقيل: هو من البريق، والمعنى لمع من شدة شخوصه. والمراد أَن الأَبصار تنبهر يوم القيامة وتخشع وتحار وتذل من شدة الأَهوال ومن عظم ما تشاهده يوم القيامة من أُمور. ونقل عن مجاهد أَنه قال: فإِذا بَرِق البصر عند الموت والاحتضار.

стр. 5309

٨ - (وَخَسَفَ الْقَمَرُ): أَي: وذهب ضوء القمر، والخسوف في الدنيا إِلى انجلاءٍ بخلاف الآخرة فإِنه لا يعود ضوؤه، ويحتمل أَن يكون المعنى ذهب واختفى ومنه قوله تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ) (١). ٩ - (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ): قال القرطبي: أَي يجمع بينهما في ذهاب ضوئهما، وعن ابن عباس يجمع بينهما في طلوعهما من المغرب أَسودين مُكَوَّرين، وقيل: تجمع الشمس والقمر فلا يكون ثَمَّ تعاقب ليل ولا نهار. قال الآلوسي: وأَحوال يوم القيامة على خلاف النمط الطبيعي، وحوادثه أُمور وراءَ الطبيعة. ١٠ - (يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ): أَي: إِذا عاين ابن آدم هذه الأَهوال يوم القيامة حينئذ يريد أن يفر. ويقول: أَين المفر؟ أَي هل من ملجأَ أَو موئل، قال الماوردي: ويحتمل هذا وجهين، أَحدهما: أَين المفر من الله حياءً منه، الثاني: أَين المفر من النار حذرًا منها، ويحتمل أَن يكون هذا القول من الإِنسان على وجهين، أحدهما: أَن يكون من الكافر خاصة في عرصة القيامة دون المؤمن ليتَنَعَّم المؤمن ببشري ربه، الثاني: أَن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها. ١١ - (كَلاَّ لا وَزَرَ): (كَلاَّ) ردع عن طلب المفر وتمنِّيه. (لا وَزَرَ): أَي لا ملجأَ يُتَحصن به وليس لكم مكان تعتصمون فيه -وأَصل الْوَزَر محركة- الجبل المنيع، وقد كان مفرًّا في الغالب لفرار العرب، واشتقاقه من الوِزْر وهو الثِّقْل (٢)، وصار حقيقة لكل ملجأ من جبل أَو حصن أَو سلاح أَو رجل أَو غير ذلك.

стр. 5310

١٢ - (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ): أَي: إِليه تعالى وحده لا إِلى غيره استقرار العباد، أَي: لا ملجأً ولا منجى لهم غيره ، أَو إِلى حكمة استقرار أَمرهم لا يحكم فيه غيره، أَو إِلى مشيئته تعالى موضع قرارهم من جنة أَو نار، فمن شاءَ أَدخله الجنة ومن شاءَ أَدخله النار. والظاهر أَن قوله تعالى: (كَلاَّ لا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) من تمام قول الإِنسان، كأَنه بعد أَن يقول: أَين المفر؟ يعود على نفسه فيستدرك ويقول: (كَلاَّ لا وَزَرَ … ) إلخ. وقيل: هو من كلام الله تعالى، يقال للقائل: أين المفر؟ لا حكاية عن الإنسان، ويجوز أن تكون (كلَّا) في قوله تعالى: (كَلاَّ لا وَزَرَ) بمعنى أَلَا الاستفتاحية أَو بمعني حقًّا. ١٣ - (يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ): المعنى: يخبر الإِنسان يومئذ -وذلك عند الأَكثرين- عند وزن الأَعمال بما قدم وأَخَّر، أَي: بما قدم من عمل عمله وبما أَخر منه فلم يعمله، أَو بما قَدم من ماله فتصدق به وبما أَخره فخلفه للورثة، أَو بما قدم من عمل الخير والشر وبما أَخر من سنة حسنة أَو سيئة فعمل بها بعده. وعن مجاهد بأَول عمره وآخره. ١٤ - (بَلْ اَّلإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ): أَي: بل الإِنسان حجة واضحة على نفسه شاهدة بما صدر عنه، تلزمه بما فعل أَو ترك، وجعل الحجة بصيرة لأَن صاحبها بصير بها، أَو هي بمعنى دالة مجازًا، كما وصفت الآيات بالإِبصار في قوله تعالى: "فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً" (١). والتاءُ في بصيرة للمبالغة مثلها في علاَّمة ونسَّابة، أَو لتأْنيث الموصوف، أَي حجة، وقيل: لأَن المراد بالإِنسان هنا الجوارح: أَي جوارحه على نفسه بصيره، أَي مشاهدة عليه بعمله، ونسب هذا للعتبي والمعنى: يُنَبَّأُ الإِنسان بأَعماله، بل فيه ما يُجزئ عن الإِنباءِ لأَنه عالم بتفاصيل أَحواله شاهد على نفسه بما عملت، لأَن جوارحه تنطق بذلك. ومثله في كتاب الله قوله تعالى:

стр. 5311

"يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (١)، وقال القرطبي: قيل المراد من البصيرة الكاتبان اللَّذان يكتبان الأَعمال. ١٥ - (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ): أَي: هو على نفسه حجة وهو شاهد عليها ولو طرح معاذير وبسطها لا يمكنه أَن يتخلص منها، أَو ينبأ بأَعماله ويجازي لا محالة ولو أَتى بكل عذر، فهو تأكيد لما يفهم من مجموع قوله تعالى: (يُنَبَّأُ الإِنسَانُ) إلخ -والمعاذير جمع معذره بمعنى العذر على خلاف القياس، والقياس معاذر، وأَطلق عليه الزمخشري اسم الجمع فالمراد بالمعاذير الإِدلاء بالحجة والاعتذار من الذنب. وقال السُّدِّي والضحاك: المعاذير الستور بلغة أَهل اليمن واحدها معذار، وحكى ذلك عن الزجاج قال الشاعر: ولكنها ضنت بمنزل ساعة … علينا وأَطت (٢) فوقها بالمعاذر فيكون قوله تعالى: (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) أَي: ولو أَرخي ستوره، والمعنى أَن احتجابه في الدنيا واستتاره لا يغني عنه شيئًا، لأَن عليه من نفسه بصيرة. قال الزمخشري: سمي الستر بلغة أَهل اليمن معذارًا لأَنه يمنع صورة المحتجب به كما تمنع المعذرة عقوبة الذنب.

стр. 5312

(لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)) المفردات: (لِتَعْجَلَ بِهِ): لتأخذه على عجلة لئلا ينفلت منك. (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ): أَي إِن علينا جمعه في صدرك أَي تكفلنا بذلك. (وَقُرْآنَهُ): أَي جريانه على لسانك -والقرآن- القراءَة. (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ): أَي أَتمنا قراءَته عليك بلسان جبريل المبلَّغ عنا. (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ): فكن مقفِّيا له، وقيل: فاستمع لقراءَته وأَنصت له ثم اقرأه كما أَقرأك جبريل. (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ): ثم إِن علينا توضيح ما أُشكل عليك من معانيه وأَحكامه. (كَلاَّ): أَداة استفتاح بمعنى أَلا، أَو ردع لمن أَنكر البعث. (نَاضِرَةٌ): حسنة مشرقة متهللة من النضرة أَو النضارة، يقال: نضرهم الله ينضرهم نضارة ونضرة، وهو الإشراق والعيش الناعم والغنى، ومنه الحديث: (نضَّر الله امرأَ سمع مقالتي فوعاها). (بَاسِرَةٌ): متغيرة الأَلوان مسودة شديدة الكُلُوحة والعبوس.

стр. 5313

(فَاقِرَةٌ): داهية عظيمة تقصم فقار الظهر من فَقَرَهُ أَصاب فِقاره، وقال أَبو عبيدة: فاقرة -من فقرت البعير إِذا وسمت أَنفه بالنار. التفسير ١٦ - (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ): قال ابن كثير: هذا تعليم من الله لنبيه ﷺ في طريقة تلقيه الوحي من الملك، فإِنه كان يبادر إلى أَخذه، ويسابق المَلَك في قراءَته، فأَمره الله إِذا جاءَه المَلَك بالوحي أَنه يستمع إِليه، وتكفل له سبحانه أَن يجمعه في صدره وأَن ييسره لأدائه على الوجه الذي أَلقاه إِليه، وأَن يبينه له ويفسره ويوضحه. قال الآلوسي: أَخرج الإِمام أَحمد والبخاري وغيرهم عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك به لسانه وشفتيه مخافة أَن ينفلت منه يريد أَن يحفظه فأَنزل الله سبحانه: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ) إلخ. فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إِذا أَتاه جبريل ﵇ أَطرق، وفي لفظ استمع، فإِذا ذهب قرأَه كما وعد الله فالخطاب في قوله تعالى: "لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ" للنبي ﷺ والضمير في (بِهِ) للقرآن للدلالة عليه من السياق، مثل قوله تعالى: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ" (١) أَي: لا تحرك بالقرآن لسانك عند إِلقاء الوحي عليك من قبل أَن يُقْضَي إليك وحيه (لِتَعْجَلَ بِهِ) أَي: لتأْخذه على عجلة مخافة أَن ينفلت منك على ما يقتضيه كلام ابن عباس، وقيل لمزيد حبك له وحرصك على أَداء الرسالة، فكان ﷺ لا يحرك لسانه بقراءَة القرآن ما دام جبريل يقرأ بل ينصت إِليه ملقيًا إِليه بقلبه وسمعه حتى يُقضي إِليه وحيه ثم يُقَفِّيه ويتبعه بالقراءَة والدراسة حتى يرسخ في نفسه. ١٧ - (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ): ثم علل النهي عن العجلة بقوله: إِن علينا جمعه أَي: جمعه في صدرك بحيث لا يذهب

стр. 5314

ولا يتفلت شيء منه عليك (وَقُرْآنَهُ) أَي: وإِثبات قراءَته في لسانك بحيث تقرأَه كما شئت وقيل: وقراءَتك إِياه أَي جريانه على لسانك، فالقرآن هنا وكذا فيما بعد مصدر كالرجحان بمعنى القراءَة كما قال الشاعر: ضحَّوْا بأَشمط (١) عنوان السجود به … يقطَّع الليل تَسبيحًا وقرآنا ١٨ - (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ): المعنى: فإِذا أَتممنا قراءَته عليك بلسان جبريل ﵇ المبلغ عنا فكن مقفيا لا مباريا له، وقيل: فإِذا قرأناه فاتبع بفكرك وذهنك قرآنه، أَي: فاستمع وأَنصت. وصح هذا من رواية الشيخين وغيرهما عن ابن عباس، وعنه أَيضًا وعن قتادة والضحاك أَي قاتبع في الأَوامر والنواهي قرآنه، وقيل: اتبع قرآنه بالدرس على معنى فكرّره حتى يرسخ في ذهنك، وفي الإِسناد المجازي في قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ) واختيار نون العظمة مبالغة في إِيجاب التَّأَني في قراءَة القرآن. ١٩ - (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ): أَي: ثم إن علينا بعد حفظه وتلاوتك أَن نبيِّنه ونوضحه لك ونلهمك معناه على ما أَردنا وشرعنا ونبين لك ما أُشكل عليك من معانيه وأَحكامه. قال الزمخشري، كأَنه كان يعجل في الحفظ والسؤَال عن المعنى جميعًا كما ترى بعض الحُرّاص على العلم، ونَحْوُه قولُه تعالى: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ) (٢). ٢٠، ٢١ - (كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَة، وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ): (كَلاَّ) إِرشاد من الله - جل وَعَلَا - لرسوله ﷺ ، وأَخْذٌ له وبعد به عن عادة العجلة وترغيب له في الأَناة، ولمزيد حبه إِياه أَتبعه قوله تعالى: (بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ

стр. 5315

الآخِرَةَ) وذلك تعميم الخطاب للكل كأَنه قيل: بل أَنتم يابني آدم لما خلقتم من عجل، وجُبِلتم عليه تعجلون في كل شيءٍ، ولهذا تحبون العاجلة أَي الدار الدنيا والحياة فيها، وتذرون الآخرة أَي: وتتركون الآخرة والعمل لها، وقيل: الآخرة الجنة ويتضمن استعجالك حين تتلقى الوحي؛ لأَن عادة بني آدم الاستعجال ومحبة العاجلة، وفيه أَيضًا أَن الإِنسان وإِن كان مجبولا على ذلك إلا أَن مثله ﷺ ممن هو في أَعلى منصب وهو مقام النبوة لا ينبغي أَن يحمله مقتضى الطباع البشرية على ذلك. ومن هذا يعلم أَن هذا متصل بقوله سبحانه: (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) فإِنه مشير ومُلَوِّح إِلى معنى بل تحبون العاجلة .... إلخ. وقوله : (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ) إلخ متوسط بين حُبِّى العاجلة -حبها الذي تضمنه (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) تلويحًا، وحبها الذي آذن به قوله تعالى: (بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ) إلخ تصريحًا- لحسن التخلص منه إِلى المفاجأَة والتصريح في التفريع. قال العلامة الآلوسي: والصحيح المأْثور الذي عليه الجمهور أَن الخطاب في قوله تعالى: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) للرسول ﷺ والظاهر أَن التحريك قبل النهي إِنما صدر عنه ﵇ بحكم الإِباحة الأَصلية فلا يتم احتجاج من جوز الذنب على الأَنبياء بهذه الآية -اهـ آلوسي بتصرف-. ٢٢ - (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ): لما ردع الله عن حب العاجلة وترك الآخرة عقب ذلك بما يتضمن تأكيد هذا الردع مما يشير إِلى حسن عاقبة حب الآخرة وسوءِ مغبة حب العاجلة فقال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) أَي: وجوه المؤْمنين المخلصين يوم القيامة حسنة جميلة متهللة من عظيم المسرة يشاهد عليها نضرة النعيم. ٢٣ - (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ): أَي: وجوه المؤْمنين إِلى ربها ناظرة يوم القيامة بدون تحديد بصفة أَو جهة أَو مسافة، أَي يرى المؤْمنون ربهم عيانًا يوم القيامة.

стр. 5316

وقد ثبتت رؤية المؤمنين ربهم في الدار الآخرة في الأَحاديث الصحاح من طرق متواتر عند أَئمة الحديث لا يمكن دفعها ولا منعها، وفي الصحيحين عن جرير قال: نظر رسول الله ﷺ إِلى القمر ليلة البدر فقال: (إِنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) وأخرج مسلم والترمذي عن صهيب عن النبي ﷺ أَنه قال: (إِذا دخل أَهل الجنة يقول الله تعالى تريدون شيئًا أَزيدكم؟ فيقولون: أَلم تبيض وجوهنا؟ أَلم تدخلنا الجنة؟ وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الله تعالى الحجاب فما أَعطوا شيئًا أَحب إِليهم من النظر إِلى ربهم) -ذكره الآلوسي-. وقيل: الكلام على تقدير مضاف أَي إِلى مُلك أَو رحمة أَو ثواب ربها ناظرة، والنظر يكون على معناه المعروف، أَو على تقدير مضاف والنظر يكون بمعنى الانتظار فقد جاءَ لغةً بهذا المعنى أَي إِلى نعم ربها منتظرة، وتعقب بأَن الحذف خلاف الظاهر ولا داعي إِليه، وبأَن النظر بمعنى الانتظار لا يتعدى بإلى بل بنفسه، وبأَن لا يسند إلى الوجه فلا يقال وجه زيد منتظر، والمتبادر من الإِسناد إِسناد النظر إلى الوجوه الحقيقية، وهو يعني إِرادة الوجه على الحقيقية. ٢٤ - (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ): أَي: ووجوه يوم القيامة كالحة شديدة العبوس متغيرة الأَلوان مسودة وهي وجوه الكفار. ٢٥ - (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ): أَي: تتوقع أَن يفعل بها فعل هو في شدته وفظاعته فاقرة أَي داهية تقصم فقار الظهر كما توقعت الوجوه الناظرة إِلى ربها أَن يفعل بها كل خير. والظن: قيل: أُريد به اليقين واختاره الطيبي، وقيل: على معناه الحقيقي والمراد أَن الوجوه تتوقع ذلك. قال العلامة الآلوسي: وجيءَ بفعل الظن هنا دلالة على أَن ما هم فيه وإِن كان غاية الشر فإِنهم يتوقعون بعده أَشد منه وهكذا أَبدًا، وذلك أَن المراد بالفاقرة ما لا يُكْتَنَهُ ولا يتصور من العذاب، فكل ما يفعل بهم من أَشده ينبئُ بتوقع أَشد منه، وإِذا كان ظانًا كان أشد

стр. 5317

عليه مما كان عالمًا موطِّنا نفسه على هذا الأَمر، فهذا وجه الإِتيان بفعل الظن، ولم يؤت بفعل ظن أَو علم بالنسبة للمؤمنين لأَنهم وصلوا إِلى ما لا مطلوب وراءَه، وهو النظر إِلى وجه الله أ. هـ. بتصرف. (كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)) المفردات: (كَلاَّ): ردع عن إِيثار العاجلة على الآجلة. (بَلَغَتِ): أَي الروح أَو النفس. (التَّرَاقِيَ): أَعالي الصدر وهي العظام المكتنفة ثغرة النحر عن يمين وشمال، جمع ترقوه، وقيل: عظام الحلق. (مَنْ رَاقٍ)؟: أَيكم يرقيه ليشفى -من الرُّقْية-: وعن ابن عباس مَنْ يَرْقَى بروحه إِلى السماءِ. مِنَ الرُّقِي. (وَظَنَّ): وتيقن المحتضر.

стр. 5318

(أَنَّهُ الْفِرَاقُ): أَن هذا الذي نزل به هو فراق الدنيا. (وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ): والتصقت ساقه بساقه والتوت عليها عند رعدة الموت، فالساق حقيقية، وقيل: عبارة عن الشدة، قال القرطبي: لا تذكر الساق إِلا في المحن والشدائد العظام، ومنه قامت الدنيا على ساق وقامت الحرب على ساق. (الْمَسَاقُ): المرجع - أَو سوق العباد إِلى الجزاءِ. (يَتَمَطَّى): يتبختر في مشيته اختيالا وعجبا، وأَصله يتمطط أَي يتمدد، لأَن المتبختر يمد خطاه، وقيل: من المطا وهو الظهر لأَنه يلويه. (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى): تهديد ووعيد أَي: هلاك لك أَيها المكذب فهلاك، ثم هلاك دائم لك فهلاك، أَو وليك ما تكره ثم وليك ما تكره. وفي الصحاح عن الأَصمعي: قاربه ما يهلكه أَي نزل به. (سُدًى): مهملا فلا يكلف بالشرائع ولا يجازي - يقال: إِبل سدى أَي مهملة ترعى حيث شاءَت بلا راع. (نُطْفَةً): قال القرطبي: النطفة الماءُ القليل، يقال نطف الماء إِذا قطر، والمراد بها نطفة الرجل يصب ويراق من الأَصلاب في الأَرحام. (فَسَوَّى): فعدله وكمله ونفخ فيه الروح (الزَّوْجَيْنِ): النوعين. التفسير: ٢٦ - (كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي): (كَلاَّ) ردع عن إِيثار العاجلة على الآجلة، كأَنه قيل: ارتدعوا عن ذلك وتنبهوا لما بين أَيديكم من الموت الذي ينقطع عنده ما بينكم وبين العاجلة من العلاقة، وتنتقلون إِلى الآجلة التي تبقون فيها مخلدين.

стр. 5319

(إِذَا بَلَغَتْ): الضمير في بلغت للنفس أَو الروح وإِن لم يَجْرِ لها ذكر، لأَن الكلام يدل على ذلك، كما قال تعالى: "حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ" (١) أَي الشمس ولم يتقدم لها. ذكر وقول حاتم: أَما ويّ ما يُغني الثراءُ عن الفتى … إِذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر أَي الروح أَو النفس (التَّرَاقِي): العظام المكتنفة لتغرة النحر عن يمين وشمال. ذكّرهم صعوبة الموت الذي هو أَول مراحل الآخرة حين تبلغ الروح التراقي ويدنو خروجها وزهوقها وقال الحاضرون لصاحبها وهو -الْمُحْتَضَر-: (مَنْ رَاقٍ). ٢٧ - (وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ): أَي: قال من حضر صاحبها -الَّذِي أَشْرَفَ عَلَى المَوْتِ-: من يرقيه وينجيه مما هو فيه -من الرُّقْية- وهي ما يستشفي بها الملسوع واللديغ والمريض من الكلام المعد لذلك ومن آيات الشفاءِ، ولعله أُريد به مطلق الطبيب، أَعم من أَن يُطِب بالقول أَو بالفعل، والاستفهام عند بعض العلماءِ حقيقي، وقيل: هو استفهام استبعاد وإِنكار أَي بلغ مبلغا لا أَحد يرقيه، كما يقال عند اليأْس: من الذي يقدر أَن يرقى هذا المشرف على الموت؟ وروى ذلك عن عكرمة وابن عباس، وقيل: هو من كلام الملائكة -أَي أَيكم يَرْقي بروحه أَملائكة الرحمة أَم ملائكة العذاب؟ من -الرُّقِيّ- وهو العروج، وروى هذا عن ابن عباس ولسليمان التيمي، والاستفهام عليه حقيقي. ٢٨ - (وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ): أَي: وظن الإِنسان المُحْتضر أَن ما نزل به هو الفراق للدنيا ونعيمها، وقيل: فراق الروح للجسد، والظن هنا عند أَبي حيان على بابه، وأَكثر المفسرين على تفسيره باليقين، قال الإِمام الرازي: ولعله إِنما سمى اليقين هنا بالظن لأَن الإِنسان ما دامت روحه متعلقة ببدنه يطمع في الحياة بشدة حبه لهذه الحياة العاجلة ولا ينقطع رجاؤُه عنها، فلا يحصل له يقين الموت، بل الظن الغالب مع رجاءِ الحياة، أَو لعله سماه بالظن على سبيل التهكم.

стр. 5320

٢٩ - (وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ): الساق بمعناها الحقيقي والمعنى: والتصقت ساق بساق والتوت عليها عند هلع الموت. وقال ابن عباس: التفَّتْ شدة فراق الدنيا بشدة إِقبال الآخرة، ونحوه قول عطاء: اجتمع عليها شدة مفارفة المأْلوف من الوطن والأَهل والولد والصديق وشدة القدم على ربه لا يدري بماذا يقدم عليه، فالساق عبارة عن الشدة وهي مثل في ذلك. ٣٠ - (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ): أَي: سوق العباد إِلى الله لا إلى غيره، والكلام على تقدير مضاف هو حكم أَو موعد. والمراد به الجنة والنار، وقيل: سوق هؤُلاء العباد للجزاء مُفَوّض إِلى ربك لا إلى غيره، وقال ابن كثير: (الْمَسَاقُ) المراجع والمآب. وذلك أَن الروح ترفع إِلى السماءِ فيقول الله : ردوا عبدي إِلى الأَرض فإِني منها خلقتهم وفيها أُعيدهم ومنها أُخرجهم تارة أُخرى. كما ورد في بعض الأَحاديث وكما قال تعالى: "ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ" (١) وجواب إِذا في قوله تعالى: (كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي) مضمر دل عليه ما ذكر، أَي كان ما كان أَو انكشفت للمرءِ حقيقة الأَمر، أَو وجد الإِنسان ما عمله من خيرٍ أَو شرٍّ. ٣١ - (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى): (فَلا صَدَّقَ): أَي: فلا صدق ما يجب تصديقه بما جاءَ به الله والرسول ﷺ والقرآن الذي أَنزل عليه (وَلا صَلَّى) أَي: ولا صلى ما فرض عليه، أَي: لم يصدق ولم يصل والضمير في الفعلين في قوله تعالى: (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى) للإِنسان المذكور في قوله تعالى: (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) والجملة عطف على قوله تعالى: (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) على ما ذهب إِليه الزمخشري، فالمعنى بناءً على ما علمت من أَن السؤَال في قوله تعالى: (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) سؤال استهزاء واستبعاد، واستبعد هذا الإِنسان البعث وأَنكره فلم يأْت بأَصل الدين وهو التصديق بما يجب تصديقه به ولا بأَهم فروعه وهو الصلاة ثم أَكد ذلك بذكر ما يضاده ويخالفه بقوله: (وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّي) وأَثبت له التكذيب.

стр. 5321

٣٢ - (وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى): أَي: ومع ذلك أَظهر الجحود والتولي عن الطاعة فكذب بالقرآن وأَعراض عن الإِيمان والعمل التشريعة. ٣٣ - (ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى): أَي: ثم ذهب إِلى أَهله يتبختر مباهيًا بذلك مختالا مفتخرًا به، ومن صدر عنه هذا ينبغي أَن يخاف من حلول غضب الله عليه فيمشي خائفًا متطامنا لا فرحا متبخترا. قيل: نزلت الآية في أَبي جهل وكادت تصرح به في قوله تعالى: (يَتَمَطَّى) فإِنها كانت مشيته ومشية قوم من بني مخزوم. ٣٤، ٣٥ - (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى): (أَوْلَى) من الولي بمعنى القرب فهو للتفضيل في الأَصل، غلب استعماله في قرب الهلاك ودعاءِ السوء كأَنه قيل: هلاكا أَولى لك، بمعنى أَهلكك الله تعالى هلاكًا أَقرب لك من كل شر وهلاك، واختار قوم أَنه أَفعل تفضيل، والتقدير: النار أَولى لك أَي أَنت أَحق بها وأَهل لها (فَأَوْلَى) (١). (ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) تكرير للتأكيد، والظاهر أَن الجملة تذييل للدعاءِ. قال القرطبي: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) تهديد بعد تهديد ووعيد بعد وعيد، فهو وعيد أَربعة لأَربعة كما روى أَنها نزلت في أَبي جهل الجاهل بربه فقال تعالى: ١ - فلا صدق. ٢ - ولا صلي. ٣ - ولكن كذب. ٤ - وتولى. أَي أَنه لا صدق رسول الله، ولا وقف بين يدي ربه فصلى، ولكن كذب رسول الله تولى، فتركُ التصديق خصلة وترك الصلاة خصلة والتكذيب خصلة والتولي عن الله خصلة، فجاءَ الوعيد أَربعة (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى … ) إِلخ - مقابلة لترك الخصال الأَربعة والله أَعلم.

стр. 5322

قيل: إِن رسول الله ﷺ خرج من المسجد ذات يوم فاستقبله أَبو جهل على باب المسجد مما يلي بني مخزوم فأَخذ رسول الله بيده فهزه مرة ومرتين ثم قال: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)، فقال أَبو جهل: أَتهددني؟ فوالله إِني لأَعز أَهل الوادي وأَكرمه فنزل على رسول الله كما قال لأَبي جهل، وهي كلمة وعيد. ٣٦ - (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى): أَي: أَيظن الإِنسان أَن يترك مهملًا فلا يكلف ولا يبعث، قال ابن كثير: والظاهر أَن الآية تعم الحالين، أَي لا يترك في هذه الدنيا مهملًا لا يؤمر ولا ينهى، ولا يترك في قبره سدى لا يبعث، بل هو مأْمور منهي في الدنيا محشور إِلى الله في الآخرة، والمقصود هنا إِثبات المعاد والرد على من أَنكره من أَهل الزيغ والجهل والعناد، والاستفهام إِنكاري، وكان تكريره بعد قوله تعالى: (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) لتكريرهم إِنكار الحشر مع تضمن الكلام الدلالة على وقوعه، حيث إِن الحكمة تقتضي الأَمر بالمحاسن والنهي عن القبائح والرذائل، والتكليف لا يتحقق إِلاَّ بمجازاة، وهي قد لا تكون في الدنيا فتكون في الآخرة، وجعل بعضهم هذا استدلالًا عقليًّا على وقوع الحشر. ٣٧ - (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى): استئناف وارد لإِيطال الحسبان المذكور في الآية السابقة فإِن مداره: لما كان استبعادهم للإِعادة والبعث دفع ذلك ورد عليه ببدءِ الخلق وكيفية النشأَة الأُولى فقال: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى) أَي: أَلم يك الإِنسان ناشئًا من قطرة ماءٍ مهين يمنى ويراق ويصب في الأَرحام فالاستفهام للتقرير. ٣٨ - (ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى): أَي: ثم صار المني علقة وهي قطعة من دم ثم مضغة وهي قطعة من لحم ثم شكله الله ونفخ فيه الروح وعدله وكمله فصار خلقًا آخر سويًّا سليم الأَعضاءِ في أَحسن تقويم بإِذن الله وتقديره.

стр. 5323

٣٩ - (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى): (فَجَعَلَ مِنْهُ): أَي: فجعل من الإِنسان أو المني (الزَّوْجَيْنِ) الصنفين والنوعين (الذَّكَرَ وَالأُنثَى) بدل من الزوجين، يجتمعان تارة وينفرد كل منهما عن الآخر تارة أُخري. ٤٠ - (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى): أَليس ذلك العظيم الشأْن الذي أَنشأَ هذا الإِنشاءَ البديع من هذه النطفة الضعيفة قادرًا أَن يعيده كما بدأَه، ويحيي الموتي بعد جمع عظامهم للحساب والجزاءِ، ولقد جاءَت عدة أَخبار أَن النبي ﷺ كان إِذا قرأَ هذه الآية قال: سبحانك وبلى، وفي بعضها سبحانك اللهم فبلي، ومن حديث أَخرجه أَحمد وأَبو داود والترمذي والحاكم وصححه عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأَ لا أُقسم بيوم القيامة فانتهي إِلى أَليس ذلك بقادر على أَن يحيى الموتي فليقل بلي) والله أَعلم.

стр. 5324

سورة الإِنسان مدنية وآياتها إِحدى وثلاثون نزلت بعد الرحمن وتسمي سورة الدهر والأَبرار والأَمشاج، وهل أَتى مناسبتها لما قبلها: ختمت السورة السابقة (سورة القيامة) بذكر بعض أَطوار خلق الإِنسان للدلالة على البعث لأَن من قدر على البدءِ قدر على الإِعادة، كما ذكرَت جزاءَ المؤمنين وما أُعد من عذاب للكافرين، وفي هذه السورة (سورة الإِنسان) تضمنت الكلام على خلق الإِنسان وذكرت ما أُعد للعاصين، وفصلت ما هيأَه الله للمتقين. بعض مقاصدها: ١ - بدئت السورة الكريمة بالكلام على خلق الإِنسان واختياره بالتكاليف. ٢ - بينت السورة بعض أَنواع عِقاب العصاة، وما هُيِّئ للمتقين من أَنواع النَّعيم بتفضيل وإِسهاب. ٣ - في السورة أَمر للرسول بالصبر لحكم الله وعدم طاعة الكافرين بعد أَن امتنت عليه بنزول القرآن. ٤ - وضحت السورة أَنها عِظَة (وكذلك القرآن) وعلَّقت الانتفاع بها على مشيئته .

стр. 5325

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)) المفردات: (هَلْ أَتَى): هل بمعنى قد، والمعنى قد أَتى، على التقرير والتقريب جميعًا. (الإِنسَانِ): آدم ﵇ أَو الجنس من ذريته. (حِينٌ): وقت وزمان غير محدود وقد يجيءُ محدودًا. وقال الآلوسي: طائفة محدودة من الزمان شاملة للكثير والقليل. (الدَّهْرِ): الزمان الممتد غير المحدود، ويقع على مدة العالم جميعها وعلى كل زمان طويل غير معين. (مِنْ نُطْفَةٍ): أَي من ماءٍ يقطر وهو المني - وكل ماءٍ قليل في وعاءٍ فهو نطفة. (أَمْشَاجٍ): جمع مَشَج بفتحتين كسَبَب وأَسباب أَو مَشِج بفتح فكسر ككَتِف. وأَكتاف -أَي أَخلاط جمع خِلْط بمعنى مختلط، يقال: مشجت الشيءَ إِذا خلطته، وعن مجاهد أَمشاج: أي أَلوان، وعن عكرمة وابن عباس أَمشاج: أَي أَطوار. (هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ): بَيَّنَّا ووضَّحْنَا له طريق الحق والضلال. (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا): إِما مؤمنًا وإِما كافرًا.
следующие страницы →