٣٢ - (وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى):
أَي: ومع ذلك أَظهر الجحود والتولي عن الطاعة فكذب بالقرآن وأَعراض عن الإِيمان والعمل التشريعة.
٣٣ - (ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى):
أَي: ثم ذهب إِلى أَهله يتبختر مباهيًا بذلك مختالا مفتخرًا به، ومن صدر عنه هذا ينبغي أَن يخاف من حلول غضب الله عليه فيمشي خائفًا متطامنا لا فرحا متبخترا.
قيل: نزلت الآية في أَبي جهل وكادت تصرح به في قوله تعالى: (يَتَمَطَّى) فإِنها كانت مشيته ومشية قوم من بني مخزوم.
٣٤، ٣٥ - (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى):
(أَوْلَى) من الولي بمعنى القرب فهو للتفضيل في الأَصل، غلب استعماله في قرب الهلاك ودعاءِ السوء كأَنه قيل: هلاكا أَولى لك، بمعنى أَهلكك الله تعالى هلاكًا أَقرب لك من كل شر وهلاك، واختار قوم أَنه أَفعل تفضيل، والتقدير: النار أَولى لك أَي أَنت أَحق بها وأَهل لها (فَأَوْلَى) (١).
(ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) تكرير للتأكيد، والظاهر أَن الجملة تذييل للدعاءِ.
قال القرطبي: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) تهديد بعد تهديد ووعيد بعد وعيد، فهو وعيد أَربعة لأَربعة كما روى أَنها نزلت في أَبي جهل الجاهل بربه فقال تعالى:
١ - فلا صدق.
٢ - ولا صلي.
٣ - ولكن كذب.
٤ - وتولى.
أَي أَنه لا صدق رسول الله، ولا وقف بين يدي ربه فصلى، ولكن كذب رسول الله تولى، فتركُ التصديق خصلة وترك الصلاة خصلة والتكذيب خصلة والتولي عن الله خصلة، فجاءَ الوعيد أَربعة (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى … ) إِلخ - مقابلة لترك الخصال الأَربعة والله أَعلم.
стр. 5322
قيل: إِن رسول الله ﷺ خرج من المسجد ذات يوم فاستقبله أَبو جهل على باب المسجد مما يلي بني مخزوم فأَخذ رسول الله بيده فهزه مرة ومرتين ثم قال: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)، فقال أَبو جهل: أَتهددني؟ فوالله إِني لأَعز أَهل الوادي وأَكرمه فنزل على رسول الله كما قال لأَبي جهل، وهي كلمة وعيد.
٣٦ - (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى):
أَي: أَيظن الإِنسان أَن يترك مهملًا فلا يكلف ولا يبعث، قال ابن كثير: والظاهر أَن الآية تعم الحالين، أَي لا يترك في هذه الدنيا مهملًا لا يؤمر ولا ينهى، ولا يترك في قبره سدى لا يبعث، بل هو مأْمور منهي في الدنيا محشور إِلى الله في الآخرة، والمقصود هنا إِثبات المعاد والرد على من أَنكره من أَهل الزيغ والجهل والعناد، والاستفهام إِنكاري، وكان تكريره بعد قوله تعالى: (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) لتكريرهم إِنكار الحشر مع تضمن الكلام الدلالة على وقوعه، حيث إِن الحكمة تقتضي الأَمر بالمحاسن والنهي عن القبائح والرذائل، والتكليف لا يتحقق إِلاَّ بمجازاة، وهي قد لا تكون في الدنيا فتكون في الآخرة، وجعل بعضهم هذا استدلالًا عقليًّا على وقوع الحشر.
٣٧ - (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى):
استئناف وارد لإِيطال الحسبان المذكور في الآية السابقة فإِن مداره: لما كان استبعادهم للإِعادة والبعث دفع ذلك ورد عليه ببدءِ الخلق وكيفية النشأَة الأُولى فقال: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى) أَي: أَلم يك الإِنسان ناشئًا من قطرة ماءٍ مهين يمنى ويراق ويصب في الأَرحام فالاستفهام للتقرير.
٣٨ - (ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى):
أَي: ثم صار المني علقة وهي قطعة من دم ثم مضغة وهي قطعة من لحم ثم شكله الله ونفخ فيه الروح وعدله وكمله فصار خلقًا آخر سويًّا سليم الأَعضاءِ في أَحسن تقويم بإِذن الله وتقديره.
стр. 5323
٣٩ - (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى):
(فَجَعَلَ مِنْهُ): أَي: فجعل من الإِنسان أو المني (الزَّوْجَيْنِ) الصنفين والنوعين (الذَّكَرَ وَالأُنثَى) بدل من الزوجين، يجتمعان تارة وينفرد كل منهما عن الآخر تارة أُخري.
٤٠ - (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى):
أَليس ذلك العظيم الشأْن الذي أَنشأَ هذا الإِنشاءَ البديع من هذه النطفة الضعيفة قادرًا أَن يعيده كما بدأَه، ويحيي الموتي بعد جمع عظامهم للحساب والجزاءِ، ولقد جاءَت عدة أَخبار أَن النبي ﷺ كان إِذا قرأَ هذه الآية قال: سبحانك وبلى، وفي بعضها سبحانك اللهم فبلي، ومن حديث أَخرجه أَحمد وأَبو داود والترمذي والحاكم وصححه عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأَ لا أُقسم بيوم القيامة فانتهي إِلى أَليس ذلك بقادر على أَن يحيى الموتي فليقل بلي) والله أَعلم.
стр. 5324
سورة الإِنسان
مدنية وآياتها إِحدى وثلاثون نزلت بعد الرحمن وتسمي سورة الدهر والأَبرار والأَمشاج، وهل أَتى
مناسبتها لما قبلها:
ختمت السورة السابقة (سورة القيامة) بذكر بعض أَطوار خلق الإِنسان للدلالة على البعث لأَن من قدر على البدءِ قدر على الإِعادة، كما ذكرَت جزاءَ المؤمنين وما أُعد من عذاب للكافرين، وفي هذه السورة (سورة الإِنسان) تضمنت الكلام على خلق الإِنسان وذكرت ما أُعد للعاصين، وفصلت ما هيأَه الله للمتقين.
بعض مقاصدها:
١ - بدئت السورة الكريمة بالكلام على خلق الإِنسان واختياره بالتكاليف.
٢ - بينت السورة بعض أَنواع عِقاب العصاة، وما هُيِّئ للمتقين من أَنواع النَّعيم بتفضيل وإِسهاب.
٣ - في السورة أَمر للرسول بالصبر لحكم الله وعدم طاعة الكافرين بعد أَن امتنت عليه بنزول القرآن.
٤ - وضحت السورة أَنها عِظَة (وكذلك القرآن) وعلَّقت الانتفاع بها على مشيئته .
стр. 5325
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣))
المفردات:
(هَلْ أَتَى): هل بمعنى قد، والمعنى قد أَتى، على التقرير والتقريب جميعًا.
(الإِنسَانِ): آدم ﵇ أَو الجنس من ذريته.
(حِينٌ): وقت وزمان غير محدود وقد يجيءُ محدودًا.
وقال الآلوسي: طائفة محدودة من الزمان شاملة للكثير والقليل.
(الدَّهْرِ): الزمان الممتد غير المحدود، ويقع على مدة العالم جميعها وعلى كل زمان طويل غير معين.
(مِنْ نُطْفَةٍ): أَي من ماءٍ يقطر وهو المني - وكل ماءٍ قليل في وعاءٍ فهو نطفة.
(أَمْشَاجٍ): جمع مَشَج بفتحتين كسَبَب وأَسباب أَو مَشِج بفتح فكسر ككَتِف. وأَكتاف -أَي أَخلاط جمع خِلْط بمعنى مختلط، يقال: مشجت الشيءَ إِذا خلطته، وعن مجاهد أَمشاج: أي أَلوان، وعن عكرمة وابن عباس أَمشاج: أَي أَطوار.
(هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ): بَيَّنَّا ووضَّحْنَا له طريق الحق والضلال.
(إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا): إِما مؤمنًا وإِما كافرًا.
стр. 5326
التفسير:
١ - (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا):
قال الآلوسي: أَصله على ما قيل -أَهل- على أَن الاستفهام للتقرير، أَي الحمل على الإقرار بما دخلت عليه والْمُقَرَّر والذي يطلب تقريره هو من ينكر البعث، وقد علم أَنهم يقولون: نعم قد مضى على الإِنسان حينٌ من الدَّهر لم يكن كذلك، فيقال فالذي أَوجده بعد أن لم يكن كيف يمتنع عليه إِحياؤه بعد موته، وقيل: هل بمعنى قد، وهي للتقريب، أَي تقريب الماضي من الحال.
والمعنى: قد مضى على الإِنسان ومر عليه أَزمنة مختلفة قبل أَن ينفخ فيه الروح وما كان شيئًا مذكورًا باسم ولا يعرف ما يراد منه. والمراد أَنه معدوم لم يوجد بنفسه -بل كان الموجود أَصله ممَّا لا يسمى إِنسانًا ولا يعرف بعنوان الإِنسانية، وقيل: المراد بالإِنسان آدم ﵇ وأَيَّد الأَول بقوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ) ونُقل القول بأَن المراد بالإِنسان آدم ﵇ عن جماعة منهم ابن عباس، وحكى الماوردي عنه أَن الحين المذكور هنا هو الزمن الطويل الممتد الذي لا يعرف مقداره، وروى نحوه عن عكرمة فقد أَخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أَنه قال: إِن من الحين حينًا لا يدرك وتلا الآية فقال: والله ما يدرى كم أَتى عليه حتى خلقه الله تعالى، وقيل: إِن المراد من الحين مادة الحمل وهي تسعة أَشهر.
والذي فهمه أَجلة من الصحابة -رضوان الله عليهم- من الآية الإِخبار الإِيجابي (أي قد أَتى).
٢ - (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا):
أَي: إِنَّا خلقنا الإِنسان من نطفة مختلطة ذات عناصر شتى، ومعنى نطفة مختلطة عند الأَكثرين نطفةٌ اختلط فيها وامتزج الماءَان ماء الرجل وماء المرأَة.
وعن عكرمة وابن عباس (أَمْشَاجٍ): أَي أَطوار -أَي ذات أَطوار مختلفة، فإِن النطفة تصير علقة ثم مضغة .. وهكذا إِلى تمام الخلقة ونفخ الروح (نَبْتَلِيهِ): أَي نختبره بالتكليف فيما بعد (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) أَي: فجعلناه بسبب ذلك الابتلاء ذا سمع يسمع به الهدى وذا بصر يبصر به الحق ليختار الطاعة والمعصية بعد التكليف.
стр. 5327
٣ - (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا):
(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ): جملة استئنافية تعليلية لِمَا قبلها في معنى لأَنا هديناه: أَي بَيَّنَّا له وعرفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر ببعث الرسل والآيات الكونية والدلائل النفسية فآمن أَو كفر كقوله تعالى: "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ" (١)، وقال مجاهد: السبيل إِلى الشقاءِ والسعادة، وقيل: منافعه ومضاره التي يهتدى إِليها بطبعه وكمال عقله، وعن مجاهد وغيره أَنهم قالوا: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ): أَي سبيل الخروج من الرحم (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا): أَي أَيهما فعل فقد بَيَّنَّاهُ له، يقال: هديته السبيل وللسبيل وإِلى السبيل، والمشهور الأَول أَي هديناه إِلى ما يوصل إِلى البغية في حالتيه جميعًا من الشكر والكفر.
قال القرطبي: لم يأْت بصيغة المبالغة في الشكر فيقول: (إِمَّا شَكُورًا) كما أَتى بها في الكفر فقال: (وَإِمَّا كَفُورًا) نفيًا للمبالغة في الشكر وإِثباتًا لها في الكفر، فإِن شكر الله تعالى لا يؤدي على الوجه الأَكمل فانتقمت عنه المبالغة ولم ينتف عن الكفر المبالغة فقلة شكره لكثرة نعم الله عليه وعجزه عن القيام بشكرها، وكثرة كفره وإِن قل لعظم الإِحسان إِليه -حكاه الماوردي- أهـ قرطبي بتصرف.
ولَمَّا ذكر الفريقين (الشاكر والكفور) أَتبعهما الوعد والوعيد فقال:
стр. 5328
(إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلًا وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢))
المفردات:
(سَلَاسِلَ): قيودًا بها يسحبون في جهنم.
(وَأَغْلالًا): جمع غل - تغل بها أَيديهم إِلى أَعناقهم.
(الأَبْرَارَ): جمع بَرّ أَوبار، وهم المطيعون.
(كَأْسٍ): خمر، أَو زجاجة فيها خمر. قال الراغب: (الكَأْسِ): الإِناءُ بما فيه من الشراب، ويسمى كل واحد منهما بانفراده كأْسًا.
(مِزَاجُهَا): ما تمزج الكأْس به وتخلط.
(كَافُورًا): ماء كافور.
(يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا): يُجْرُونها حيث شاءُوا من منازلهم إِجراءً سهلًا.
(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ): أَي إِذا نذروا طاعة فعلوها.
стр. 5329
(شَرُّهُ): عذابه وضرره.
(مُسْتَطِيرًا): فاشيًا منتشرًا.
(يَوْمًا عَبُوسًا): اشتد عبوس من فيه، أَو تكلح فيه الوجوه لهوله.
(قَمْطَرِيرًا): شديدًا صعبًا كأَنه التف شره بعضه ببعض.
التفسير:
٤ - (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلًا وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا):
بين سبحانه حال الفريقين وأَنه تعبَّد العقلاء وكلَّفهم ومكَّنهم ممَّا أَمرهم به، فمن كفر فله العقاب، ومن وحّد وشكر فله الثواب، وفي هذه الآية الكريمة يخبر الله عمَّا أَعدَّه وهيَّأَه للكافرين به من خلقه سلاسلَ يقادون بها في جهنم، كل سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا كما في سورة (الْحَاقَّة)، وأَغلالًا تُغَلّ بها وتقيد أَيديهم إِلى أَعناقهم وكان أَبو الدرداءِ يقول: ارفعوا هذه الأَيدي إِلى الله قبل أضن تُغَلّ بالأَغلال، قال الحسن: تجعل الأَغلال في أَعناق أَهل النار لا لأَنهم أَعجزوا الله، ولكن إِذلالًا لهم، كما أَعَدَّ تعذيبًا لهم نارًا موقدة مُسَعَّرة بها يُحرقون، وتقديم وعيدهم مع تأَخرهم في الذِّكر في قوله تعالى: (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) للجمع بينهما في الذِّكر كما في قوله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ) (١)، ولأَن الإِنذار أَنسب بالمقام، وحقيق بالاهتمام، ولأَن تصدير الكلام وختمه بذكر المؤْمنين أَنسب، ولَمَّا ذكر ما أَعده لهؤلاءِ الأَشقياءِ من العذاب والسعير قال بعده:
٥ - (إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا):
شروع في بيان حسن الشاكرين إِثر بيان سوءِ حال الكافرين (وَالأَبْرَارَ) جمع بار أَو بَرّ وهو المطيع المتوسع في فعل الخير، وقيل: من يؤدي حق الله ويوفي بالنذر -هؤلاءِ الأَبرار يشربون في الآخرة من خمر أَو من زجاجة بها خمر، (كَانَ مِزَاجُهَا): أَي ما تمزج
стр. 5330
بها الخمر وتخلط (كَافُورًا) أَي: ماء كافور في أَحسن أَوصافه، وهو اسم عين في الجنة، ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبروده لأَن الكافور لا يشرب.
٦ - (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا):
قال ابن كثير: أَي هذا الذي مزج لهؤلاءِ الأَبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفًا بلا مزج ويروون بها، وقوله تعالى: (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا): أَي يتصرفون فيها حيث شاءُوا، وأَين شاءُوا من قصورهم وديارهم ومجالسهم ومحالهم، ويُجْرونها كما أَرادوا إِجراء سهلًا لا يمتنع عليهم.
٧ - (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا):
استئناف مسوق لبيان ما لأَجله يرزقون هذا النعيم، مشتمل على نوع تفصيل لما ينبئ عنه اسم الأَبرار إِجمالًا، كأَنه قيل: ماذا يفعلون حتى ينالوا تلك الرتبة العالية، فقيل: (يُوفُونَ … ) إِلخ وأُفيد أَنه استئناف للبيان ومع ذلك فلعل السر في أَنه عدل عن أَوفوا إِلى المضارع (يُوفُونَ) للاستحضار والدلالة على الاستمرار.
والوفاءُ بالنذر: كناية عن أَداءِ الواجبات كلها فإِن من أَوفى بما أَوجبه على نفسه كان إِيفاؤه بما أَوجبه الله تعالى عليه أَهم له وأَحرى، وجعل هذا كناية هو الذي يقتضيه ما روى عن قتادة حيث قال: يوفون بما فرض عليهم من الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك من الواجبات، وعن عكرمة ومجاهد إِبقاؤه على الظاهر: أَي إِذا نذورا طاعة فعلوها، ولا يخلفون إِذا نذروا، والنذر ما أَوجبه المكلف على نفسه من شيءٍ يفعله (وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا): أَي يخافون يومًا كان عذابه وضرره البالغ فاشيًا منتشرًا في الأَقطار غاية الانتشار، من استطار الحريق والفجر، وفي وصفهم بذلك إِشعار بحسن عقيدتهم واجتنابهم المعاصي لأَنهم يتركون المحرمات التي نهاهم الله عنها خيفة من سوءِ الحساب يوم الميعاد، وهو اليوم الذي ضرره خطير وشره مستطير: أَي منتشر عام على الناس إِلاَّ من رحم الله. قال قتادة: استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأَ السموات والأَرض.
стр. 5331
٨ - (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا):
(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ) أَي: ويطعمون الطعام على حب الطعام: أَي مع اشتهائه والحاجة إِليه والرغبة فيه، وروى ذلك عن ابن عباس ومجاهد.
أَوعلي حب الإِطعام: بأَن يكون ذلك بطيب نفس وعدم تكلف، وإِليه ذهب الحسن ابن الفضل وهو حسن، أَو على حب الله تعالى ولوجهه سبحانه وابتغاءَ مرضاته وإليه ذهب الفضيل بن عياض وأَبو سليمان الداراني، ورجح الآلوسي وابن كثير الأَول.
قال ابن كثير: والأَظهر أَن الضمير في قوله تعالى: (عَلَى حُبِّهِ) عائد على الطعام، أَي: ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له، قال مجاهد ومقاتل واختاره اين جرير كقوله تعالى: "وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ" (١) وكقوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ" (٢)، وفي الصحيح: (أَفضلُ الصدَقةِ أَنْ تَصدقَ وأَنت صحيحٌ شحيح تأْملُ الغنَى وتَخشَى الفقَر): أَي في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إِليه.
والظاهر أَن المراد بإِطعام الطعام حقيقته، وقيل: هو كناية عن الإِحسان إلى المحتاجين ومواساتهم بأَي وجه كان وإِن لم يكن ذلك بالطعام بعينه، فكأَنهم ينفعون بوجوه المنافع.
(مِسْكِينًا) أَي: فقيرًا عاجزًا عن الكسب، (وَيَتِيمًا): صغيرًا فقد أَباه ولم يبلغ مبلغ الرجل ولا مال له (وَأَسِيرًا) قال سعيد بن جبير وغيره: الأَسير من أَهل القبلة يكون عند الكفار، وقال ابن عباس: كان أَسراهم يومئذ مشركين، ويشهد لهذا أَن رسول الله ﷺ أَمر أَصحابه يوم بدر أَن يكرموا الأَسارى، فكانوا يقدمونهم على أَنفسهم عند الفداءِ، واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم والمشرك، واختاره القرطبي أَيضًا، وقال: ويكون إِطعام الأَسير المشرك قربة إلى غير أَنه من صدقة التطوع، أَما المفروضة فلا، وقال عكرمة هم العبيد، ولقد وصى رسول الله بالإِحسان إِلى الأَرقاءِ في غير ما حديث، حتى إِنه كان آخر ما أَوصى به أَن جعل يقول: (الصلاة وما ملكت أَيمانكم)، وقيل الأَسير: -المحبوس في حق- وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأَنصار أَطعم في يوم واحد مسكينًا ويتيمًا وأَسيرًا.
стр. 5332
٩ - (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا):
(إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) أَي: إِنما نطعمكم لطلب ثواب الله ورجاءِ جزائه ورضاه قائلين ذلك في أَنفسهم بلسان الحال لما يظهر عليهم من أَمارات الإِخلاص.
وعن مجاهد: أَما إنهم ما تكلموا به ولكن علمه الله تعالى منهم فأَثنى به عليهم أَيُرغب فيه راغب، أَو بلسان المقال دَفْعًا وإِزاحة لتوهم المن المبطل للصدقة وتوقع المكافأَة المنقصة للأَجر وعن عائشة ﵂ أَنها كانت تبعث بالصدقة إِلى أَهل البيت ثم تسأَل الرسول: ما قالوا فإِذا ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى لها ثواب الصدقة خالصًا عند الله .
(لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا): أَي لا نطلب منكم مجازاة تكافئوننا بها لا بالأَفعال كعوض وهديّة، ولا بالأَقوال كشكر وثناءٍ علينا عند الناس، وهذا تقرير وتأكيد لما قبله.
١٠ - (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا):
أَي: إِنا نخاف من ربنا يومًا اشتد عبوسُ وكلوحُ وَجْهِ مَن فيه وقطبوا وجوههم وجباههم من هول شدته وشدة قسوته وصعوبته وطوله، ووصف اليوم بالعبوس لعبوس أَهله، روى أَن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران، قال الآلوسي: وهذه الجملة وهي قوله تعالى: (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) جوز أَن تكون علة لإِحسانهم وفعلهم المذكور، كأَنه قيل: نفعل بكم ما نفعل لأَننا نخاف يومًا صفته كيت وكيت، فنحن نرجو بذلك أَن يقينا ربنا - جل وعلا - شر ذلك اليوم، وأَن تكون علة لعدم إِرادة الجزاءِ والشكور، أَي: إِنا لا نريد منكم المكافأَة لخوف عقاب الله تعالى على طلب المكافأَة على الصدقة.
١١ - (فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا):
(فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ): أَي: فحفظهم الله وصانهم من شدائد ذلك اليوم وآمنهم مما خافوا منه (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا) أَي: وأَعطاهم بدل عبوس الفجار وحزنهم نضرة
стр. 5333
وحسنا وبهجة ونورًا في الوجوه وسرورًا في القلب، لأَن القلب إِذا سرَّ استنار الوجه، قال كعب ابن مالك: (كان رسول الله ﷺ إِذا سرَّ استنار وجهه كأَنه فلقة قمر).
١٢ - (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا):
(وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا) أَي: وكافأَهم وأَعطاهم بسبب صبرهم على مشاق الطاعات ومهاجرة هوى النفس في اجتناب المحرمات (جَنَّةً) بستانًا عظيمًا يأْكلون منه ما شاءوا (وَحَرِيرًا) لباسًا حسنًا ناعم الملمس يلبسونه ويتزينون به، وهذا يدل على أَن الآية بسبب صبرهم أَدخلهم الله الجنة وأَلبسهم الحرير عوضًا عن حرير الدنيا.
(مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨))
المفردات:
(الأَرَائِكِ) (١) جمع أَريكة وهي سرير منجد مزين في قبة أَو بيت وقيل: الأَرائك: الفراش على السرر.
(زَمْهَرِيرًا): بردًا شديدًا أَو قمرًا.
стр. 5334
(وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا): قريبة منهم ظلال أَشجارها.
(وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا): أَدنيت وسخرت ثمارها لهم، والقُطُوف: الثمار جمع قِطْف بكسر القاف سمي به لأَنه يقطف.
(بِآنِيَةٍ): الآنية جمع إِناءِ ككساءٍ وأَكسية وهو ما يوضع فيه الشيء، والأَواني جمع الجمع.
(وَأَكْوَابٍ): جمع كوب وهو قدح لا عروة له كما قال الراعب، وفي القاموس: كوز لا عروة له أولا خرطوم له.
(قَوَارِير): جمع قارورة وهي إِناءٌ رقيق من الزجاج يوضع فيه الأَشربة.
(قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا): أَي: قدرها السُّقاة أَو الشاربون في أَنفسهم فجاءَت كما قدروا لا تزيد على ذلك ولا تنقص.
(زَنجَبِيلًا): قال الدينوري: الزنجبيل نبت في أَرض عمان وهو عروق تسري في الأَرض وليس بشجرة يوجد لذعا في اللسان إِذا مزج بالشراب، وعن قتادة ومجاهد اسم لِعَيْنٍ في الجنة (سَلْسَبِيلًا) قال القرطبي: السلسبيل: الشراب، اللذيذ وهو فَعْلَلِيل من السلاسة تقول العرب هذا شراب سلسل وسَلسِل وسلسال وسلسبيل بمعنى - أَي: طيب الطعم لذيذه. وفي الصحاح ماءٌ سلس وسلسال سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه.
التفسير
١٣ - (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا):
يخبر الله عن أَهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم وما أُسبغ عليهم من الفضل العظيم فقال: متكئين في الجنة على السرر وهم في تمام الراحة والنعيم (لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا) أَي: لا يجدون في الجنة حرًّا شديدًا ولا قُرّ، وقيل: الزمهرير: القمر في لغة طيءٍ، والمعنى على هذا أَن الجنة ضياءٌ ونور لا يحتاج فيها إِلى الشمس ولا إِلى قمر.
стр. 5335
١٤ - (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا):
(وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا) أَي: قريبة منهم ظلال أَشجارها، والمراد أَن ظلال أَشجار الجنة قريبة من الأَبرار مظلة عليهم وذلك زيادة في نعيمهم (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا) أَي: سُخِّرت ثمارها لتناولها، وسهل أَخذها، من الذُّل ضد الصعب. قال قتادة ومجاهد وسفيان: إِن كان الإِنسان قائمًا تناول الثمر دون كلفة، وإِن كان قاعدًا أَو مضجعًا فكذلك فهذا تذليلها لا يَرُدٌّ اليد عنها بُعْدٌ ولا شوك، قال الماوردي وذكره القرطبي: يحتمل أَن يكون تذليل قطوفها. أَن تبرز لهم من أَكمامها وتخلص لهم من نواها.
١٥ - ١٦ - (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا):
أَي: ويدور الخدم في الجنة على هؤلاءِ الأَبرار بأَواني الطعام وأَوعيته وهي من الفضة وبأَكواب الشراب كُوِّنت قوارير شفافة، قوارير مخلوقة ومصنوعة من فضة فلها بياض الفضة وحسنها وصفاءُ القوارير وشفيفها، قال ابن عباس وغيره في هذه الأَكواب: هي من الفضة ومع هذا شفافة يُروي ما في باطنها من ظاهرها وهذا مما لا نظير له في الدنيا.
قال الآلوسي: أَخرج ابن أَبي حاتم عن ابن عباس ﵄ قال: ليس في الجنة شيء إِلا أَعطيتم في الدنيا شبهه إِلا قوارير من فضة، قال الزمخشري: ومعنى (كانت) في الآية الكريمة هو من (يكون) في قوله تعالى: (كُن فَيَكُونُ) (١) أَي: تكونت قوارير بتكوين الله تفخيمًا لتلك الخلقة العجيبة الشأن الجامعة بين صفة الجوهرين المختلفين.
(قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا) أَي: قدروا تلك القوارير في أَنفسهم فجاءَت حسبما قدروا واشتهوا وتمنَّته أَنفسهم، والضيمر في قدروها للأَبرار المُطَاف عليهم، أَو قدروا شرابها على قدر الري وهو أَلذ للشارب - قال ابن عباس: أتوا بها على الحاجة لا يفضلون شيئًا ولا يشتهون بعدها شيئًا، وعن مجاهد تقديرها أَنها ليست بالملأَي التي تفيض ولا الناقصة التي تفيض فالضمير على ما هو الظاهر للسقاة الطائفين بها المدلول عليهم بقوله تعالى: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ).
стр. 5336
١٧ - (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا):
أَي: ويسقي الأَبرار في الجنة في هذه الأَكواب خمرًا كان يُمْزَج بها ويُخْلط الزنجبيل فتارة يمزج الشراب للأَبرار بالكافور وهو بارد، وتارة يمزج بالزنجبيل وهو حار ليعتدل الأَمر، وأَما المقربون فإِنهم يشربون من الكافور والزنجبيل صرفًا، قال قتادة وغيره: وكانت العرب تستلذ من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته ولأَنه يُحْدِثها لذعًا في اللسان ويهضم المأْكول ولهذا يذكرون في وصف رضاب النساءِ فَرُغِّبُوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة والطيب، وقال قتادة، الزنجبيل اسم للعين التي منها شراب الأَبرار.
١٨ - (عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا):
أَي: عينًا في الجنة تسمى سلسبيلا لطيب شرابها وسهولة مساغه، وانحداره في الخلق بسهولة ويسر، قال الزجاج: السلسبيل في اللغة اسم لما كان في غاية السلاسة فكأَن العين سميت بصفتها، وقال أَبو العالية ومقاتل: إِنما سميت سلسبيلا لأَنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم.
وقال الزمخشري: سميت العين زنجبيلًا لطعم الزنجبيل فيها، والعرب تستلذه وتستطيبه (سَلْسَبِيلًا) لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها، يعني أَنها في طعم الزنجبيل وليس فيها لذعه ولكن نقيض اللذع وهو السلاسة، يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل وقيل: تسمي (سَلْسَبِيلًا) أَي: أَنها مذكورة عند الملائكة وعند الأَبرار وأَهل الجنة بهذا الاسم جعلنا الله من أَصحابها بِمَنِّهِ وكرمه آمين.
стр. 5337
(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)):
المفردات:
(يَطُوفُ): من قولهم: طاف بالشيءِ: دار حوله، ومنه الطائف، وهو الذي يخدمك برفق وعناية.
(وِلْدَانٌ): جمع وليد، وهو الصبي والعبد.
(مُخَلَّدُونَ): باقون دائمون لا يهرمون، وقيل: غير ذلك.
(ثَمَّ): هناك في الجنة.
(سُندُسٍ): ما رقَّ من ثياب الحرير.
(إِسْتَبْرَقٌ): ما غلظ من ثياب الحرير.
(طَهُورًا): بالغًا في الطهر غايته، وقيل: غير ذلك وسيأْتي.
(مَشْكُورًا): مقبولًا لدي الله مُثابًا عليه منه.
стр. 5338
التفسير
١٩ - (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا):
أَي: ويدور حولهم ويقوم على خدمتهم بلطف ورفق وحسن عناية غلمان وصبيان، ولعل الحكمة في أَن الله فطرهم وخلقهم على تلك الصورة.
أَنهم في سنهم هذه يكونون أَخف في الخدمة وأَسرع في الاستجابة؛ تلبية لمخدوميهم وإِرضاءً لهم، وهم مع ذلك باقون ودائمون على ما هم عليه من الشباب والغضاضة والحسن لا يهرمون ولا يتغيرون، وقيل: مزينون ومحلَّوْنَ بالأَساور والأَقراط ليكون ذلك أَدخل في إِيناس مخدوميهم، وإِذا نظر إِليهم ورآهم أَي راءِ ظنهم وحسبهم -لفرط حسنهم وجمالهم وصفاءِ أَلوانهم وإِشراق وجوههم وتفرقهم في مجالس مخدوميهم- ظنهم دُرًّا منشورًا مفرقًا في جنبات المجلس وباحاته وساحاته فالدر المنثور يكون أَكثر صفاءً منه منظومًا في سلك، أَو مسلوكًا في خيط.
وفي التعبير بلفظ: (إِذَا رَأَيْتَهُمْ) للدلالة على حصول هذا الأَمر ووقوعه، أَي أَنه حاصل لا محالة.
٢٠ - (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا):
أَي: وإِذا نظرت أَيها الرائي هناك في الجنة التي عرضها السموات والأَرض رأَيت من أَنواع النعيم وأَلوانه ما لا عين رأَت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم يتوج ذلك ويجمله ويرتفع ويسمو به أَن وجوههم ناضرة إِلى ربها ناظرة.
(وَمُلْكًا كَبِيرًا): والملك الكبير ينظر فيه صاحبه فيرى أَقصاه كما يرى أَدناه، يبصر فيه ما يملؤه بهجة ويزيده سرورًا، وأَي ملك أَكبر وأَبهى من ملك تدخل عليهم الملائكة فيه من كل باب قائلة تحية لهم: "سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ" ويرسل الله لهم ملائكته بالتحف والحلل ويدعوهم إِلى النظر إِلى وجهه الكريم. فسبحانك ربي صاحب الفضل العظيم والعطاءِ الجليل، ما أَكثر منّك وما أَجلَّ نعمك.
стр. 5339
٢١ - (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا):
أَي: ويعلوهم ويجمل أَبدانهم ثياب من رقيق الحرير، وثياب أُخرى فوقها من عظيمه وغليظه لونها أَخضر؛ ليكون ذلك أَكمل لسرورهم؛ لأَن الخضرة تكسب النفس اطمئنانًا وتملأُ الجوانب فرحًا وحبورًا، كما يزينهم ويجملهم بالحليِّ من أَساور الفضة. هذا وقد جاءَ في آيات أُخرى أَنهم يحلون بالذهب والؤلؤ، وذلك إِما أَن يكون على المعاقبة فتارة يحلَّون بهذا وتارة يحلَّون بذاك أَو كانت الزينة هنا بالفضة ليناسب ذلك ويتوافق مع ما يطاف به عليهم من آنية الفضة وأَكوابها (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ) وذلك ليكمل التناسق ويتم التوافق بين ما يأكلون ويشربون فيه، وما يلبسون ويتزينون به، وقيل: يكون لكل قوم ما تميل إِليه نفوسهم، أَو أَنه يجمع لهم بين الذهب والفضة والؤلؤ.
(وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) أَي: وكما جمل ظاهرهم باللباس والحلي طهر باطنهم بشراب قد تناهي في الطهر وبلغ فيه الغاية حتى إِنه يطهر سواه وينقيه ويُذْهبُ ما به من كَدَر وأَذى وقذر وغل وحسد ليَكْمُلَ ويَتمَّ لهم جمال الظاهر ونقاء الباطن، وفي تفسير الإِمام القرطبي: قال عليٌّ ﵁ في قوله تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا): إِذا توجه أَهل الجنة إِلى الجنة مرُّوا بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيشربون من إِحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم، فلا تتغير أَبشارهم ولا تتشعث أَشعارهم أَبدًا، ثم يشربون من الأخرى فيخرج ما في بطونهم من الأَذى، ثم تستقبلهم خزنة الجنة فيقولون لهم: "سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِيَن".
وفي نسبة السقي إِلى الله - سبحانه - في قوله: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ) ما يدل على مزيد فضل هذا الشراب على ما سواه من الكافور والزنجبيل والسلسبيل؛ إِذ إِنه إِتحاف منه - جل شأْنه - دون وساطة أَحد من خلقه.
стр. 5340
٢٢ - إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا):
أَي: إِن هذا الذي أَنعم به عليكم في الجنة كان جزاءً وثوابًا على ما قدمتم من أَعمال صالحة وأَفعال مبرورة في دنياكم، نظيره قوله تعالى: "كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ" (١).
يقال لمن يعاقب: هذا بعلمك السيء الردئ فيزداد غمه وأَلم قلبه، ويقال للمثاب: هذا لك بطاعتك، فيكون ذلك تهنئة له وزيادة في سروره.
(وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) أَي: وكان عملكم الذي عملتموه في الدنيا مقبولًا لدى الله ومرضيًّا منه -سبحانه- فيكون بهذا قد جمع الله لعباده الطائعين بين منزلة رضاهم عن ربهم بالثواب العظيم في الجنة، وبكونه -عز شأْنه- رضي عنهم بقبول عملهم وشكرهم عليه فتكون نفوسهم في تلك الحالة قد وصلت إِلى أَنها راضية مرضية، وهذه هي أَعلى الدرجات وأَرفع المقامات؛ فكانت جديرة أَن يختم الله بها مراتب الأَبرار وأَحوال المتقين والصديقين الأَطهار.
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦))
المفردات:
(آثِمًا): ذا إِثم وذنب، أَو المبالغ في ارتكاب الذنوب.
(كَفُورًا): الكفور: المتناهي في الكفر الداعي إِليه.
(بُكْرَةً): أَول النهار.
(أَصِيلًا): الأَصيل: هو الوقت بعد العصر إِلى المغرب.
стр. 5341
٢٣ - (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا):
أَي: إِننا نحن -لا غيرنا- قد نزلنا عليك هذا القرآن العظيم فهو من لدنَّا، وما افتريتَه ولا جئتَ به من عندك ولا من تلقاءِ نفسك كما يدَّعي المشركون والمكذبون ذلك ويزعمون أَنه من عندك (إِن يَقْولُونَ إِلاَّ كّذِبًا) وقد أُنزل هذا الكتاب الجليل الكريم بما يشتمل ويتضمن ما يحتاج إِليه الناس في أَمر معاشهم ومعادهم، وليس بسحر ولا كهانة ولا شعر، بل إِنه الحق، وفي ذلك من إِزالة الوحشة الحاصلة لرسول الله ﷺ بسبب طعن الكفار في القرآن الكريم، فيكون المعنى: إِذا كان بعض الجهال قد طعن فيما أَنزلته عليك إِلاَّ أَن جبار السموات والأَرض قد عظمه وصدقه.
قال الإِمام ابن عباس: أَنزل الله القرآن مفرقًا آية بعد آية ولم ينزل جملة واحدة؛ فلذلك قال: "نَزَّلْنَا".
٢٤ - (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا):
أَي: فاحبس نفسك واصبر على كل ما حكم به ربك سواءٌ كان ذلك تكليفًا خاصًّا بك من العبادات والطاعات ونحوها، أَو متعلقًا بتبليغ الرسالة وأَداءِ الأَمانة وتحمل المشاق الحاصلة والناشئة عن ذلك.
(وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) أَي: ولا تتبع سبيل من كان منهم مغرقًا في الإِثم مفرطًا فيه ولا من تناهي في الكفر ودعا إِليه، سواءٌ أُريد شخص بعينه أَو كان مرادًا به كل آثم وكفور. وقد جاءَت (أَوْ) هنا للعطف بدل الواو؛ للإِيذان بأَن كلاًّ من الآثم والكفور وحده حقيق وجدير أَن يُعصى ولا يُطاع؛ فكيف وقد جمع بينهما في النهي عن طاعتهما معًا.
قال الزجاج: إِن (أَو) هنا أَوكد من الواو؛ لأَنك إِذا قلت لا تطع زيدا وعمرا فأَطاع أَحدهما كان غير عاص، فإِذا أبدلتها بأَو فقد دللت على أَن كل واحد منهما أَهل أَن يعصى، ويعلم منه النهي عن إِطاعتهما معا كما لا يخفي.
٢٥ - (وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا):
стр. 5342
أَي: ودوام على ذكر ربك بلسانك مستحضرًا ربوبيته ورعايته لك وأَنك مخلوق له يقوم على أَمرك ويتولى شأنك إِذ هو قيوم السموات والأَرض،، وأَن يكون الذكر في أَول النهار مبتدئًا به يومك ليعمك الخير وتُهدى إِلى البر ويشملك التوفيق، وتذكره كذلك في وقت الأَصيل وهو من العصر إِلى المغرب، أَو من الزوال إِلى غروب الشمس، أَي: املأً نهارك كله بذكر الله.
٢٦ - (وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا):
أَي: وفي جزءٍ من الليل اخضع لربك وصلِّ له واقترب منه؛ فإِن العبد أَقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، وقيل: المراد من الذكر في البكرة صلاة الصبح، وفي الأَصيل صلاة الظهر والعصر، ومن قوله: (وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ) صلاة المغرب والعشاء.
(وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) أَي: سبح ربك وقَدِّسْهُ ونَزِّهْهُ عمَّا لا يليق بجنابه الكريم، ومقامه السامي الرفيع في هزيع وجزءٍ من الليل؛ لأَن الليل وقت المناجاة، وصفاءِ النفس، والبعد عن شواغل الحياة، وهو أَيضا وقت نزول الرحمات، وبخاصة في آخره -فإِن رحمة الله تنزل إِلى سماءِ الدنيا ليغفر ربنا -سبحانه- لمن استغفره، ويعطي من سأَله، ويستجيب لمن دعاه، ولعل المراد من السجود المأْمور به في الآية هو صلاة الليل وهي التهجد الذي هو مندوب إِلاَّ في حقه ﷺ فإِنه واجب عليه، اختصه الله به ليرفعه إِلى الدرجات العلا والمنزلة العظمى، قال تعالى: "وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا" (١).
стр. 5343
(إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨))
المفردات:
(الْعَاجِلَةَ) الدنيا.
(يَوْمًا ثَقِيلًا): عسيرًا شديدًا وهو يوم القيامة.
(وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ): الأَسر في الأَصل: هو الشد والربط، والمراد: وأَحكمنا ربط أَجزائهم بعضها بعض.
التفسير:
٢٧ - (إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا):
هذا تفريع وتوبيخ للمشار إِليهم وهم أَهل مكة، وقيل: إِنها نزلت في يهود، أَي أَنهم بسبب الشهوة والمحبة لهذه اللَّذات الجسدية والمتع الدنيَّة البدنية يفرحون ويحبون الدنيا العاجلة التي تُؤذِنُ بانصرام، وتُعْلِمُ بانقضاءٍ وانتهاءٍ، ويتركون ويدعون خلف ظهورهم دون انتباه إِليه أو التفات نحوه يذرون يومًا شديدًا عسيرًا يثقل حمل ما فيه، ويضعف الإِنسان عن تحمل مشاقه وصعابه وهو يوم القيامة وما فيه من نشر وحشر وحساب.
٢٨ - (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا):
أَي: نَحن -لا غيرنا- خلقناهم من طين بدءًا من آدم ﵇ وفي أَصلاب آبائهم وأَرحام أُمهاتهم، وأَعطيناهم القُوَى والقُدَرَ وشددنا وربطنا مفاصلهم وأَوصالهم بعضهم ببعض ربطناها بالأَعصاب والعروق، وذلك في إِحكام حكيمٍ وربط وثيق لا يهتدى إِليه أَحد
стр. 5344
سوانا، فكل المخلوفات قَهْر عظمتنا، والأَسر في الأَصل: هو الشد والربط، وأُطلق على ما يشد ويربط به، وكانت الأَعصاب والعروق للشد والربط لأَنها تشبه الجبال التي يربط بها، والمراد: شدة الخلق وكونه موثقًا حسنًا، قال تعالى: "الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ" (١) والكلام هنا جاءَ للامتنان وبيان فضل الله عليهم، وذلك بإِسداء النعم الجليلة التي قابلوها بالمعصية، أَي: سويت خلقكم وأَحكمته ومددتكم بالقوى وكَرَّمتكم ثم تكفرون بي؟!
(وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا): هذا تهديد لهم بالإِهلاك، أَي: وإذا أَردنا إِهلاكهم وتدميرهم جئنا بأَمثالهم في شدة الخلق وإِحكام الصنع ممن يطيعنا ويمتثل أَمرنا؛ فقدرتنا صالحة لذلك لا يتأَبَّي عليها شيءٌ من الممكنات ما دامت إِرادتنا قد تعلقت به.
(إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١))
المفردات:
(تَذْكِرَةٌ): موعظة.
(سَبِيلًا): طريقًا إِلى مرضاة الله.
(أَعَدَّ لَهُمْ): هيأَه لهم.
стр. 5345
٢٩ - (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا):
أَي: إِن هذه السورة بما فيها من الترتيب العجيب والنسق البديع والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب تذكرة وموعظة للمتأَملين، وتبصرة للمستبصرين، فمن شاءَ وأَراد الخير لنفسه في الدنيا والآخرة اتخذ رسلك طريقًا إِلى ربه بالتقرب إِليه بما يحبه ويرضاه.
٣٠ - (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا):
أَي: لا يقع ما تريدونه ولا يتم ما تشاءُونه بإِرادتكم، فأَعمالكم التي لكم فيها الاختيار لا تتم ولا تقع وفق اختياركم لها، وإِنما ذلك مرهون وموقوف على مشيئة الله لذلك، فما شاءَ -سبحانه- كان وحصل، وما لم يشأْ لا يكون ولا يحدث، قال تعالى: "وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ" (١) وقال ابن كثير: لا يقدر أَحد أَن يهدي نفسه ولا يدخل في الإِيمان، ولا يَجُرّ لنفسه نفعًا إِلاَّ بمشيئته -تعالى-.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) أَي: أَنه -سبحانه- حكيم في تدبيره يحيط إِحاطة تامة ويعلم علمًا كاملًا بمن هو أَهل لأَن يمنحه الهداية ويذلل له طريقها فييسرها له، كما يعلم -جل شأْنه- من ليس أَهلا لإِكرامه وإِنعامه -وقد اختار الضلالة وآثر المعصية- فييسر له سبيل الغواية، ويمهد له طريق الضلال، قال تعالى: "فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى" (٢).
٣١ - (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا):
هذه الآية كالمترتبة على ما سبق من قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) أَي: أَن دخول الجنة يكون بمحض مشيئته وفضله ورحمته -سبحانه- وَأن تعذيب الله للظالمين من عصاة وكافرين يكون أَيضًا بعدل الله وإِرادته؛ فلا مكره له -سبحانه- وقد أَعد وهيأَ لهؤُلاءِ الفاسقين الظالمين عذابًا موجعًا شديد الإِيلام ينتظرهم وهو -جل شأْنه- لا معقب لحكمة ولا راد لقضائه وهو أَحكم الحاكمين.
стр. 5346
سورة المرسلات
مكية، وآياتها خمسون
هذه السورة الكريمة من السور الخمس التي قال فيها رسول الله ﷺ : "شيبتني هود وأَخواتها" وهذه السور هي: هود، والواقعة، والمرسلات، والنبأ، والتكوير؛ وذلك لما في تلك السور من إِظهار عدل الله المطلق وبطشه، وشديد عذابه، وقوة سلطانه.
قال ابن مسعود: نزلت تلك السورة على رسول الله ﷺ ليلة الجن ونحن نسير معه حتى أَوينا إِلى غار بمنى فنزلت، فبيمنا نحن نتلقاهم منه وإِن فاه لرطب بها -إِذ وثبت حيَّة فوثبنا عليها لنقتلها فذهبت، فقال النبي ﵊: (وقيتم شرها كما وقيت شركم) وهذا الغار يعرف بغار المرسلات.
وهذه السورة هي التي قرأَها رسول الله ﷺ في صلاة المغرب وما صلي بعدها حتى قبض (١).
صلتها بما قبلها:
أَن الله قد ذكر في آخر سورة الإِنسان ظرفًا من تهديد الكفار بالعذاب في الآخرة "إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا" وأَتي في أَول سورة (والمرسلات) بمزيد من الوعيد والعذاب للكفار حتى استغرق هذا أَكثر السورة، وذلك من أَولها إِلى الآية الأَربعين، فكأَن هذه الآيات من سورة (المرسلات) امتداد لآخر سورة الإِنسان، كما أَن سورة الإِنسان قد ضم أَكثرها جزاءَ المحسنين بدءًا من الآية الخامسة "إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأَسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا" إِلى الآية الثانية والعشرين: "إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا".
وفي سورة المرسلات جاءَ ذكر ثواب المتقين في صورة مجملة: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُون … ) فالسورتان تلتقيان في وعد المؤمنين ووعيد الكافرين.
стр. 5347
أَهم مقاصد السورة:
١ - جاءَ أَولها مبينًا لعظيم قدرة الله وأَنه هو -سبحانه- المالك لجميع خلقه، يرسل ما شاءَ على من يشاء، وينشر من شاءَ في فسيح ملكه وملكوته، وينزل الرحمة والآيات بوساطة الذين يريدهم ويختارهم من خلقه على من اصطفى من عباده وارتضاهم لرسالته: (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا … ):
٢ - جاءَت السورة بعد ذلك تهدد المكذبين وتبين لهم أَن الله أَباد وأَهلك قومًا بعد قوم من الضَّالين المكذبين: (أَلَمْ نُهْلِكْ الأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمْ الآخِرِينَ ..... ).
٣ - أَبانت السورة الكريمة أَن أَمر العباد إِليه وحده من أَول خلقهم إِلى نهاية آجالهم:
(أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ):
٤ - ذكرت السورة بعضًا من نعم الله على عباده، ثم أَنذرات من كذب منهم بالعذاب الشديد:
(أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا). إلى قوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ).
وكان ختام السورة ضربًا من إِرخاءِ العنان للمكذبين المجرمين وإِمهالهم ليتمتعوا ويأْكلوا ثم تكون عاقبتهم الويل والثبور والهلاك والبوار (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ).
стр. 5348
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)):
المفردات:
(وَالْمُرْسَلاتِ): الريح، وقيل غير ذلك.
(عُرْفًا): متتابعة بعضها في إِثْرِ بعض.
(فَالْعَاصِفَاتِ): الريح والشديدة.
(وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا): الملائكة تنشر أَجنحتها عند نزولها، أَو تنشر وتحيي نفوس الجهلة والكفار، وقيل غير ذلك.
(فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا): الملائكة تفرق بين الحق والباطل.
(فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا): الملائكة تلقي الوحي من عند الله وتنزل به على أَنبيائه.
(عُذْرًا): من عذر: إِذا محا الإِساءَة، وقيل غير ذلك.
(نُذْرًا): من أَنذر: إِذا خَوَّفَ.
التفسير:
١ - ٧ - (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ):
أَقسم الله -سبحانه- في أَول تلك السورة الكريمة بأَشياءَ عظيمة من خلقه ذكر صفاتها ولم يذكر أَسماءها، لذا اختلف المفسرون في تعيينها وبيان المراد منها اختلافًا كثيرًا،
стр. 5349
والذي يتضح أن المقسم به هنا شيئان، وهما: الريح، والملائكة؛ لأَن الله قد فصل بينهما بالعطف بالواو لإِشعار ذلك بالمغايرة، لأَن الشأن أَن يكون المعطوف بالواو غير المعطوف عليه.
أَقسم -عز شأْنه- أَولًا بالريح المرسلة على الكفار لعذابهم واستئصالهم، والريح -كما بين القرآن الكريم- يرسلها الله للعذاب، قال تعالى: "فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" (١) كما توصف الريح بالعصف -وهو الشدة- لإِهلاكها من ترسل عليهم، أَو لأَنها تأتي بالعصف. وهو ورق الزرع وحطامه، أَو تُنْعَتُ بذلك لسرعتها في مُضِيِّهَا لتنفيذ أَمره قال تعالى: "وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا" (٢) ويجوز أَن يراد من المرسلات ما يشمل ويضم -أَيضا- رياح الرحمة التي تسوق وتثير السحاب وتلقح النبات وتكون مبشرات بالخير؛ لأَن هذه الرياح قد ورد في القرآن الكريم أَن الله يرسلها كما يرسل ريح العذاب، قال تعالى: "اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ" (٣) وقال: "وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ" (٤) وقال: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ" (٥). فكل من ريح العذاب ورياح الخير والرحمة جند من جند الله "وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ" (٦).
هذا، وعطف العاصفات على المرسلات بالفاءِ للإِيذان والتنبيه على أَنه من عطف الصفات أَي: من عطف صفة على صفة أُخرى لموصوف واحد.
стр. 5350
وأَقسم -سبحانه- ثانيًا بالملائكة وهي من أَشد خلق الله قوة، ووصفها بالناشرات لأَنها تنشر أَجنحتها في الجو عند نزولها بالوحي، أَو لنشرها وإِحيائها النفوس التي تشبه المولى بسبب ما فيها من الكفر والجهل، وذلك بما تنزل به من لدن ربها على الأَنبياءِ والرسل من الوحي الذي تحيا القلوب به، كما نعتها بالفارقات لأَنها تفرق بين أَصالة الحق وزيف الباطل، وذلك بما تنزل به من عند ربها إِلى الرسل، ووصفها كذلك بالملقيات ذكرا لإِلقائها الذكر وهو الوحي على الأَنبياءِ ليبلغوا ذلك لأُممهم إِعذارًا وإِنذارًا، وهنا أَيضًا عطف (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا) على (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا) لبيان أَن تلك الصفات لموصوف واحد وهم الملائكة.
والمعنى: أَقسم -سبحانه- بكل من الريح التي يرسلها لعباده عذابًا لهم أَو رحمة بهم متتابعة ومتتالية كالعرف وهو ما يكون من شعر وريش على العنق من الفرس ونحوه، وأَقسم -كذلك- بالملائكة التي تنشر أَجنحتها عند النزول بأَمر الله أَو تنشر رحمته وتفرق بين الحق والأَبلج والباطل الزائف "عُذْرًا" أَي: تلقى الوحي على رسل الله لإِزالة إِساءة المسيئين الذين: أَخلصوا التوبة وأَنابوا إِلى ربهم، وذلك بقبول الله لأَعذارهم، قال الراغب: عذرت فلانًا: أَزلت نجاسة ذنبه بالعفو عنه، كقولك: غفرت له، أَي: سترت ذنبه.
أَو المراد أَن الله يزيل عذرهم ويقطع حجتهم التي قد يحتجون بها لدى الله كادعائهم أَن الله لم يرسل لهم من يرشدهم ويهديهم، فأَرسل إِليهم الرسل وذلك على حد قوله: "رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ" (١). (أَوْ نُذْرًا) أَي: لإِنذار المبطلين والعصاة وتخويفهم وترهيبهم.
(إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ): هذا هو جواب القسم، أَي: إِن الذي توعدون به على لسان الرسل من مجيء يوم القيامة وما فيه من نشر وحشر وحساب ثم إِلى جنة أَو إِلى نار هو واقع بكم ونازل عليكم لا محالة لأَنه الحق.
стр. 5351
(فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ وُقِّتَتْ (١١) لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥))
المفردات:
(طُمِسَتْ): محقت ومحيت.
(فُرِجَتْ): فتحت وشقت فكانت أَبوابًا.
(نُسِفَتْ): فرقتها الريح بسرعة.
(أُجِّلَتْ): أَخِّرَتْ.
(وَيْلٌ): هلاك، وقيل: هو واد في جهنم.
التفسير:
٨ - ١٥ - (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ * وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ * لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ):
هذا بيان لأَمارات يوم القيامة وعلامات عليه، أَي: إِذا النجوم قد ذهب ضوؤُها ومحى نورها، أَو محقت ذواتها وانتثرت وانكدرت، وإِذا السماء فتحت وشقت وتصدعت فكانت أَبوابًا،
وإِذا الجبال نسقت كما ينسف الحب بالمنسف، وذلك كقوله تعالى: "وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا" وقيل: إِزالتها من مقارّها وأَماكنها بسرعة، من انتسفت الشيء:
стр. 5352
إِذا اختطفته،
وإِذا الرسل بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة، أَو: وإِذا الرسل عُين وحُدد لها الوقت الذي تحضر فيه للشهادة على أُممهم، إِذا حصل هذا ووقع ما سبق كان ذلك أَمارة وعلامة على أَن القيامة قد أَظلتهم ونزلت بهم، فهذه الأُمور هي مقدماتها وسابقتها.
(لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ) الضمير في قوله: (أُجِّلَتْ) راجع إِلى ما جاءَت به الرسل ﵈ أَي: لم أَخرت الأُمور المتعلقة بالرسل من تعذيب الكفرة وتنعيم المؤمنين وما كانت الرسل تذكره وتحدث به من أُمور الآخرة وأَحوالها وأَهوالها؟ ويجوز أَن المراد من الضمير (أُجِّلَتْ) لما سبق من طمس النجوم وتشقق السماءِ ونسف الجبال وتأقيت الرسل. وهذه الآية الكريمة جاءت وسبقت على طريق الاستفهام الذي يفيد التعظيم والتعجيب من هول وشدة ذلك اليوم
(لِيَوْمِ الْفَصْلِ) أَي: أَجلت هذه الأَمور ليوم الفصل والقضاء بين الخلائق، وذلك مثل قوله تعالى: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ) (١)
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ): هذا تهويل وتعظيم آخر، أَي: وما أَعلمك بيوم الفصل وشدته ومهابته وقوة وقعه على النفوس
(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ): وهذا أَيضًا تهويل ثالث لما يحدث في هذا اليوم، أَي: هلاك كبير وبوار عظيم للمكذبِين بالتوحيد والجاحدين للنبوة والمعاد، وبكل ما ورد عن الأَنبياءِ والرسل وأَخبروا به.
وجاءَت هذه الآية: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) في السورة الكريمة عشر مرات، ولعل سر تكرارها أَنها تذكر في كل مرة متصلة بالجرم والذنب الذي جاءَت للتحذير والتخويف منه والتهديد والوعيد عليه، فيكون لها بذلك أَكبر الأَثر في الزجر والمنع؛ لأَن الذنب إِذا قارئه عقابه واتصل به عذابه كان ذلك آكد في الزجر وأَقوى من الردع، وأَدعى إِلى العبد والتنأني عنه.
стр. 5353
ومعلوم أَن هذه الآية في كل مرة قد جاءَت مهددة ومنذرة من ذنب وجرم غير الذي جاءَت به في أَي من المواضع الأُخرى.
وجاءَ في تفسير الإِمام القرطبي عند تفسير هذه الآية: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ما نصه: وكرره في هذه السورة عند كل آية لمن كذَّب؛ لأَنه قسمه بينهم على قدر تكذيبهم، فإِن لكل مكذب بشيءٍ عذابًا سوى تكذيبه بشيء آخر، وربَّ شيءٍ كذَّب به هو أَعظم جرمًا من تكذيبه بغيره لأنه أقبح في تكذيبه وأَعظم في الرد على الله، فإِنما يقسم له من الويل على قدر ذلك وعلى قدر وفاقه وهو قوله: (جَزَاءَ وِفَاقًا) أهـ.
وروى عن النبي ﷺ أَنه قال: "عُرِضَتْ عَلَيَّ جهنم فلم أَر فيها واديًا أَعظم من الويل" وعلى كل حال فمآل الكافرين الهوان والعذاب والثبور والهلاك.
(أَلَمْ نُهْلِكْ الأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمْ الآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)):
المفردات:
(أَلَمْ): هذا استفهام عن انتفاء إِهلاك الله للمجرمين، جاءَ على وجه الإِنكار، فأَفادَ إِثبات الإِهلاك وإِيجابه، فكان معناه: أَهلكنا الأَولين. وقال الراغب: (لم) نفيٌ للماضي وإِن كان يدخل على الفعل المستقبل، ويدخل عليه أَلف الاستفهام للتقرير.
(ثُمَّ نُتْبِعُهُمْ الآخِرِينَ): أَي: نلحق الآخرين بالأولين.
التفسير:
١٦ - ١٩ - (أَلَمْ نُهْلِكْ الأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمْ الآخِرِينَ * كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ):
أَي: قد أَهلكنا الأَولين السابقين جميعًا ممن كذبوا بالرسل، مثل قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم، وإِهلاكُهم وتدميرُهم أَمر ثابت مقرر قد وقع وحصل.
стр. 5354
(ثُمَّ نُتْبِعُهُمْ الآخِرِينَ): هذا وعيد وزجر لأَهل مكة ومن على شاكلتهم من المشركين والكافرين، أَي: سنفعل بكم مثل هذا النكال، وننزل بكم نظير هذا العذاب إِن بقيتم على ما أَنتم عليه من الشرك والضلال، فهذه هي سنتنا وطريقتنا في عقاب كل من يجرم ويكفر: نأخذه ونهلكه مثل إِهلاكنا من سبق من المجرمين المكذبين، وعلى هذا فالمراد من (الأَوَّلِينَ) كل من كذَّب من الأُمم السابقة، والمراد من (الآخِرِينَ) هم أَهل مكة وأَضرابهم.
وقيل المعنى: إِننا أَهلكنا الأَولين من قوم نوح وعاد وثمود، ثم فعلنا ذلك بالآخرين ممن أَتى بعدهم ونهج نهجهم كقوم شعيب وقوم لوط وقوم موسى، ومثل ذلك الفعل الباطش الشديد والعذاب الأَليم نفعل بكل مجرم عات جبار، وعلى هذا الرأَي الأَخير يكون المقصود من (الأَوَّلِينَ) أَقوامًا سبقوا بالكفر كقوم نوح وغيرهم، بالآخرين أَقوامًا سواهم ممن سلف من المجرمين كقوم شعيب ولوط ومن كان يناظرهم، ويكون قوله تعالى: (كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) قد جاءَ إِنذارًا وتخويفًا من عاقبة الكفر وسوء أَثره كي يرتدع وينزجر أَهل الشرك والكفر بعد بعثته ﷺ وإِلاَّ كان مآلهم التدمير والهلاك؛ لأَن الله قد أَهلك من أَهلك لكونهم مجرمين، فهذا الحكم عام في جميع المجرمين؛ لأَن عموم العلة -وهي الإِجرام- يقتضي عموم الحكم وهو العذاب.
(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أَي: إِن هؤلاءِ وإِن أَهلكوا وعذبوا في الدنيا فلن يكون هذا نهاية هوانهم وعذابهم، فالمصيبة العظمى والطامة الكبري معدة ومهيأَة لهم تنتظرهم يوم القيامة.
стр. 5355
(أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)):
المفردات:
(مَاءٍ مَهِينٍ): ماء ضعيف حقير وهو النطفة.
(قَرَارٍ مَكِينٍ): مكان حصين حريز وهو الرحم.
(إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ): إِلى أَن نصوِّره ونسويه، أَو إِلى وقت الولادة.
(فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ): قَدَّرنا ذلك وأَحكمناه، أَو قَدَرنْا على ذلك وتمكنا منه.
التفسير:
٢٠ - ٢٤ - (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ* وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ):
أَي: خَلقناكم من ماءٍ حقير وهو النطفة المذرة، وجعلنا هذه النطفة وثبتناها في مكان حصين وهو رحم المرأَة، إِلى أَن يتم خلقه وتصويره وتسويته فينزل من ذلك الرحم في وقت معلوم وزمن مقدر وهو وقت الولادة (فَقَدَرْنَا) أَي: قَدَّرنا ذلك ودبرناه وأَحكمناه فجاءَ بشرًا سويًّا، أَو تمكنا من ذلك وقدرنا عليه لأَنه في قبضتنا وتحت سلطاننا وقهرنا (فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ): فنعم المقدرون لذلك نحن، أَي: قدرتنا هي المدح والثناء على الله منه -سبحانه- لأَنه صاحب المن والفضل، وهو مولى النعم والحكيم الخبير، فليس أَحد يدانيه في ذلك، أَو: فنعم القادرون على ذلك نحن إِذ لا يقدر عليه أَحد سوانا، فإِلينا يرجع الأَمر كله (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ): بعد أَن بين الله لهم عظيم إِنعامه عليهم بخلقهم وتصويرهم في أَحسن هيئة وأَبدع صورة جاءَ تخويفهم بالويل والهلاك؛ لأَن النعمة إِذا
стр. 5356
جلَّت وعظمت كانت جنايتهم في حقه -تعالى- بالإِنكار والتكذيب أَقبح وأَفحش، وكان العقاب على ذلك أَشد وأَفظع.
(أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)):
المفردات:
(كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا): ضامة وجامعة للأَحياءِ على ظهورها. وللأَموات في بَطْنها.
(رَوَاسِيَ): ثوابت.
(شَامِخَاتٍ): طوال.
(مَاءً فُرَاتًا): عذبًا حلو المذاق.
التفسير:
٢٥ - ٢٨ - (أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا * وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا * وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ):
أَي: قد جعلنا الأَرض ضامة وجامعة لكم في حياتكم؛ فلذللها لتمشوا في مناكبها وتسيروا في جنباتها وطرقها. وتسكنوا في منازلها ودورها، وجعلها أَيضًا جامعة لما تحتاجون إِليه من أَمر معاشكم. كما جعلها ضامة وكافتة للأَموات يدفنون في جوفها. وجاءَ التنكير في قوله: (أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا) للتفخيم والتكثير. أَي: تضم وتكفت أَحياءً لا يعدُّون وأَمواتًا لا يحصرون. كما أَوجدنا وخلقنا في الأَرض جبالًا ثوابت عاليات كي لا تميد الأَرض ولا تضطرب بكم؛ لتسلكوا فيها سبلًا فجاجًا وطرقًا كثيرة. وذلك في أَمن ويسر وفضلًا عن
стр. 5357
أَن في الجبال بعد ذلك من الفوائد الجليلة ما يعطف القلب ويلفت النظر إِلى التفكر في مزيد فضل الله على الإِنسان، إِذ أَن هذه الجبال تنزل الأَمطار عليها وترتطم بها السحب الركامية ويحدث من ذلك السيول الجارفة التي تشق طريقها في الأَرض وتتكون الأَنهار العذبة فيسقي الله منها الإِنسان والحيوان، وينبت الزرع ويدر الضرع، وتحيا الأَرض بعد موتها، وذلك ممَّا يدعو إِلى التبصر والاعتبار، وجاءَ قوله تعالى: (وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا) أَي: عذبًا سائغًا شرابه، جاءَ كالأَثر الطيب المبارك المترتب على تذكير الله لهم بنعمة خلق الجبال وإِيجادها.
(وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أَي: عذاب شديد للمنكرين لهذه النعم التي لا يخفى نفعها ولا ينكر أَثرها العظيم إِلاَّ كلُّ مكذب جاحد.
(انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤))
المفردات:
(انطَلِقُوا): سيروا واذهبوا.
(ظِلٍّ): دخان.
(لا ظَلِيلٍ): غير مظل من حر الشمس.
(وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ): اللهب: ما يعلو على النار إِذا اضطرمت، أَي: لا يدفع من لهب جهنم شيئًا.
(بِشَرَرٍ): جمع شررة، وهو ما يتطاير من النار متبددا في كل جهة.
стр. 5358
(كَالْقَصْرِ): كالبناءِ العالي العظيم، وقيل: غير ذلك.
(جِمَالَةٌ): جمع جمل، وقيل: غير ذلك وسيأتي.
التفسير:
٢٩ - ٣١ - (انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ):
أَمر الله هؤلاءِ المكذبين -أَمر إِهانة وتوبيخ وتقريع- أَن يذهبوا ويسيروا إِلى ما كانوا يجحدون به وينكرونه من عذاب يوم القيامة؛ أَمرهم بذلك أَولًا أَمرًا عامًّا ولم يبين لهم فيه كنه العذاب ولا صفته ولا صورته،
ثم أَمرهم -ثانيًا- بقوله: (انطَلِقُوا) أَي: اذهبوا لتلقي أَول مراتب هذا العذاب ومنازلة، الذي وضحه -سبحانه- بقوله: (إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ) أَي: إِلى الاستظلال بدخان جهنم الذي قد انقسم وتفرق -لعظمه وشدته- إِلى ثلاث شعب؛ شعبة وطائفة منه تكون من فوقهم، وأُخرى من تحتهم، وثالثة تحيط بهم من كل جانب، وذلك كقوله: "لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ" (١)، وقوله " يَوْمَ يَغْشَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ" (٢) أَو شعبة على يمينهم، وشعبة على يسارهم، وشعبة ثالثة من فوقهم.
ويحتمل أَن تكون تلك الشعب الثلاث للمنافقين، وللكافرين، وللعصاة من المؤمنين، لكل فريق شعبة توافق وتناسب جرمه وذنبه، فتظلهم تلك الشعب حتى يفرغ من حسابهم، أَما المؤمنون فهم في هذا الوقت في ظل عرش الله.
(لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ): جاءَت هذه الآية قاطعة لرجائهم ومخيبة لآمالهم من أَن يكون في ذلك الظل راحة لهم؛ إِذ قد بين -سبحانه- أَنه غير مظل وغير مفيد ولا مسعد من يستظل به من حر الشمس، ففي الأَثر: إِن الشمس تقرب يوم القيامة من رءُوس
стр. 5359
الخلائق، وليس عليهم يومئذ لباس ولا كفان فتلفحهم الشمس وتسفعهم (١)، وتأخذ بأَنفاسهم، ويمتد ذلك اليوم، ثم ينجي الله برحمته من يشاء إِلى ظلٍّ من ظلِّه، فهناك يقولون: فمنَّ الله علينا ووقانا عذاب السموم، ويقال للمكذبين: انطلقوا إِلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله وعقابه: كذلك لا يدفع عنهم هذا الظل لهب النار، وقيل: لا يحول بينهم وبين العطش (٢) الذي تنالهم شدته وإنما سمى ما هم فيه ظلاَّ على طريق التهكم بهم والسخرية منهم.
٣٢ - (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ):
أَي: إِن النار ترمي وتقذف بشرر -وهو ما يتطاير من النار متبددًا في كل جهة- كل شررة منه في عظمها كالقصر. وهو البناءُ العالي العظيم، أَو الحِصن المنيع -وقيل: المراد من القصر: جمع قَصْرة، وهي الحطب الجزل الغليظ، أَو هو أُصول النخل والشجر العظام وأَيًّا ما كان الأَمر فإِنها النار التي وقودها الناس والحجارة التي تكاد ينفصل بعضها عن بعض من شدة غضبها على الكفار "تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ" (٣).
٣٣ - (كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ):
الجمالة: جمع جمل، لحقت به التاءُ لتأنيث الجمع. أَو أَن جمالة: جمع جمال، وجمال: جمع جمل، فيكون من قبيل جمع الجمع.
وإِذا كانت الشررة مثل القصر الضخم أَو الحصن العالي العظيم أَو كأُصول الشجر العظام فكيف يكون حال النار التي ترمي بذلك؟ أَعاذنا الله منها.
وشبه الشرر -أَولًا- بالقصر لعظمه وضخامته، ثم شبه -ثانيًا- في اللون والكثرة والتتابع وسرعة الحركة بالجمالات الصفر، أَي: السود التي تضرب إِلى الصفرة، قال
стр. 5360
الفراءُ: لا ترى أَسود من الإِبل إِلاَّ وهو مشوب بصفرة، والشرر إِذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار كان أَشبه بالجمل الأَسود الذي يشوبه شيءٌ من الصفرة. وقال الإِمام الفخر الرازي: وزعم بعض العلماءِ أَن المراد هو الصفرة لا السواد؛ لأَن الشرر إِنما يسمى شررًا ما دام يكون نارًا، ومتى كان نارًا كان أَصفر، وإِنما يصير أَسود إِذا انطفأ، وهناك لا يسمى شررًا، وهذا القول عندي هو الصواب أهـ.
٣٤ - (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ):
أَي: خزي وهوان وعذاب لهؤلاءِ الذين ينكرون ويجحدون هذا الوعيد أَو يسخرون منه.
(هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧))
المفردات:
(لا يَنطِقُونَ): لا يتكلمون ولا ينطقون بشيءٍ ينفعهم.
(فَيَعْتَذِرُونَ): فليس لهم عذر يعتذرون به ويحتجون.
التفسير:
٣٥ - (هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ):
الإِشارة في قوله: (هَذَا يَوْمُ) إِلى وقت دخولهم النار، أَو مشاهدتهم لها، أَي: هذا يوم لا يتكلمون فيه بشيءٍ وذلك لعظم دهشتهم وفرط حيرتهم واضطرابهم، ولا ينافي أَن لهم نطقًا وكلامًا في موطن وموضع آخر؛ لأَن يوم القيامة طويل، له مواقيت، ففي بعضها ينطلقون وفي بعضها لا ينطقون، أَو أَنهم لا ينطقون بشيءٍ ينفعهم؛ فجعل نطقهم كلا نطق قال الحسن: لا ينطقون بحجة وإِن كانوا ينطقون.