جلَّت وعظمت كانت جنايتهم في حقه -تعالى- بالإِنكار والتكذيب أَقبح وأَفحش، وكان العقاب على ذلك أَشد وأَفظع.
(أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)):
المفردات:
(كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا): ضامة وجامعة للأَحياءِ على ظهورها. وللأَموات في بَطْنها.
(رَوَاسِيَ): ثوابت.
(شَامِخَاتٍ): طوال.
(مَاءً فُرَاتًا): عذبًا حلو المذاق.
التفسير:
٢٥ - ٢٨ - (أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا * وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا * وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ):
أَي: قد جعلنا الأَرض ضامة وجامعة لكم في حياتكم؛ فلذللها لتمشوا في مناكبها وتسيروا في جنباتها وطرقها. وتسكنوا في منازلها ودورها، وجعلها أَيضًا جامعة لما تحتاجون إِليه من أَمر معاشكم. كما جعلها ضامة وكافتة للأَموات يدفنون في جوفها. وجاءَ التنكير في قوله: (أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا) للتفخيم والتكثير. أَي: تضم وتكفت أَحياءً لا يعدُّون وأَمواتًا لا يحصرون. كما أَوجدنا وخلقنا في الأَرض جبالًا ثوابت عاليات كي لا تميد الأَرض ولا تضطرب بكم؛ لتسلكوا فيها سبلًا فجاجًا وطرقًا كثيرة. وذلك في أَمن ويسر وفضلًا عن
стр. 5357
أَن في الجبال بعد ذلك من الفوائد الجليلة ما يعطف القلب ويلفت النظر إِلى التفكر في مزيد فضل الله على الإِنسان، إِذ أَن هذه الجبال تنزل الأَمطار عليها وترتطم بها السحب الركامية ويحدث من ذلك السيول الجارفة التي تشق طريقها في الأَرض وتتكون الأَنهار العذبة فيسقي الله منها الإِنسان والحيوان، وينبت الزرع ويدر الضرع، وتحيا الأَرض بعد موتها، وذلك ممَّا يدعو إِلى التبصر والاعتبار، وجاءَ قوله تعالى: (وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا) أَي: عذبًا سائغًا شرابه، جاءَ كالأَثر الطيب المبارك المترتب على تذكير الله لهم بنعمة خلق الجبال وإِيجادها.
(وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أَي: عذاب شديد للمنكرين لهذه النعم التي لا يخفى نفعها ولا ينكر أَثرها العظيم إِلاَّ كلُّ مكذب جاحد.
(انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤))
المفردات:
(انطَلِقُوا): سيروا واذهبوا.
(ظِلٍّ): دخان.
(لا ظَلِيلٍ): غير مظل من حر الشمس.
(وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ): اللهب: ما يعلو على النار إِذا اضطرمت، أَي: لا يدفع من لهب جهنم شيئًا.
(بِشَرَرٍ): جمع شررة، وهو ما يتطاير من النار متبددا في كل جهة.
стр. 5358
(كَالْقَصْرِ): كالبناءِ العالي العظيم، وقيل: غير ذلك.
(جِمَالَةٌ): جمع جمل، وقيل: غير ذلك وسيأتي.
التفسير:
٢٩ - ٣١ - (انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ):
أَمر الله هؤلاءِ المكذبين -أَمر إِهانة وتوبيخ وتقريع- أَن يذهبوا ويسيروا إِلى ما كانوا يجحدون به وينكرونه من عذاب يوم القيامة؛ أَمرهم بذلك أَولًا أَمرًا عامًّا ولم يبين لهم فيه كنه العذاب ولا صفته ولا صورته،
ثم أَمرهم -ثانيًا- بقوله: (انطَلِقُوا) أَي: اذهبوا لتلقي أَول مراتب هذا العذاب ومنازلة، الذي وضحه -سبحانه- بقوله: (إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ) أَي: إِلى الاستظلال بدخان جهنم الذي قد انقسم وتفرق -لعظمه وشدته- إِلى ثلاث شعب؛ شعبة وطائفة منه تكون من فوقهم، وأُخرى من تحتهم، وثالثة تحيط بهم من كل جانب، وذلك كقوله: "لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ" (١)، وقوله " يَوْمَ يَغْشَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ" (٢) أَو شعبة على يمينهم، وشعبة على يسارهم، وشعبة ثالثة من فوقهم.
ويحتمل أَن تكون تلك الشعب الثلاث للمنافقين، وللكافرين، وللعصاة من المؤمنين، لكل فريق شعبة توافق وتناسب جرمه وذنبه، فتظلهم تلك الشعب حتى يفرغ من حسابهم، أَما المؤمنون فهم في هذا الوقت في ظل عرش الله.
(لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ): جاءَت هذه الآية قاطعة لرجائهم ومخيبة لآمالهم من أَن يكون في ذلك الظل راحة لهم؛ إِذ قد بين -سبحانه- أَنه غير مظل وغير مفيد ولا مسعد من يستظل به من حر الشمس، ففي الأَثر: إِن الشمس تقرب يوم القيامة من رءُوس
стр. 5359
الخلائق، وليس عليهم يومئذ لباس ولا كفان فتلفحهم الشمس وتسفعهم (١)، وتأخذ بأَنفاسهم، ويمتد ذلك اليوم، ثم ينجي الله برحمته من يشاء إِلى ظلٍّ من ظلِّه، فهناك يقولون: فمنَّ الله علينا ووقانا عذاب السموم، ويقال للمكذبين: انطلقوا إِلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله وعقابه: كذلك لا يدفع عنهم هذا الظل لهب النار، وقيل: لا يحول بينهم وبين العطش (٢) الذي تنالهم شدته وإنما سمى ما هم فيه ظلاَّ على طريق التهكم بهم والسخرية منهم.
٣٢ - (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ):
أَي: إِن النار ترمي وتقذف بشرر -وهو ما يتطاير من النار متبددًا في كل جهة- كل شررة منه في عظمها كالقصر. وهو البناءُ العالي العظيم، أَو الحِصن المنيع -وقيل: المراد من القصر: جمع قَصْرة، وهي الحطب الجزل الغليظ، أَو هو أُصول النخل والشجر العظام وأَيًّا ما كان الأَمر فإِنها النار التي وقودها الناس والحجارة التي تكاد ينفصل بعضها عن بعض من شدة غضبها على الكفار "تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ" (٣).
٣٣ - (كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ):
الجمالة: جمع جمل، لحقت به التاءُ لتأنيث الجمع. أَو أَن جمالة: جمع جمال، وجمال: جمع جمل، فيكون من قبيل جمع الجمع.
وإِذا كانت الشررة مثل القصر الضخم أَو الحصن العالي العظيم أَو كأُصول الشجر العظام فكيف يكون حال النار التي ترمي بذلك؟ أَعاذنا الله منها.
وشبه الشرر -أَولًا- بالقصر لعظمه وضخامته، ثم شبه -ثانيًا- في اللون والكثرة والتتابع وسرعة الحركة بالجمالات الصفر، أَي: السود التي تضرب إِلى الصفرة، قال
стр. 5360
الفراءُ: لا ترى أَسود من الإِبل إِلاَّ وهو مشوب بصفرة، والشرر إِذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار كان أَشبه بالجمل الأَسود الذي يشوبه شيءٌ من الصفرة. وقال الإِمام الفخر الرازي: وزعم بعض العلماءِ أَن المراد هو الصفرة لا السواد؛ لأَن الشرر إِنما يسمى شررًا ما دام يكون نارًا، ومتى كان نارًا كان أَصفر، وإِنما يصير أَسود إِذا انطفأ، وهناك لا يسمى شررًا، وهذا القول عندي هو الصواب أهـ.
٣٤ - (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ):
أَي: خزي وهوان وعذاب لهؤلاءِ الذين ينكرون ويجحدون هذا الوعيد أَو يسخرون منه.
(هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧))
المفردات:
(لا يَنطِقُونَ): لا يتكلمون ولا ينطقون بشيءٍ ينفعهم.
(فَيَعْتَذِرُونَ): فليس لهم عذر يعتذرون به ويحتجون.
التفسير:
٣٥ - (هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ):
الإِشارة في قوله: (هَذَا يَوْمُ) إِلى وقت دخولهم النار، أَو مشاهدتهم لها، أَي: هذا يوم لا يتكلمون فيه بشيءٍ وذلك لعظم دهشتهم وفرط حيرتهم واضطرابهم، ولا ينافي أَن لهم نطقًا وكلامًا في موطن وموضع آخر؛ لأَن يوم القيامة طويل، له مواقيت، ففي بعضها ينطلقون وفي بعضها لا ينطقون، أَو أَنهم لا ينطقون بشيءٍ ينفعهم؛ فجعل نطقهم كلا نطق قال الحسن: لا ينطقون بحجة وإِن كانوا ينطقون.
стр. 5361
٣٦ - (وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ):
أَي: أَنهم لا يؤذن لهم في العذر والتنصل ممَّا أَتوا به من جرائم وقبائح (فَيَعْتَذِرُونَ) وهم أَيضًا لم يعتذروا؛ وكونهم لهم يعتذروا ليس راجعًا إِلى عدم الإذن لهم في الاعتذار، ولكنه راجع إِلى عدم العذر في نفسه، أي أَنه لا عذر لديهم يعتذرون ويحتجون به، ويستندون إِليه. وقال الزمخشري: (فَيَعْتَذِرُونَ) عطف على (يُؤْذَنُ) منخرط في سلك النفي. أَي: أَن النفي يشملهما وينصب عليهما معًا.
٣٧ - (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ):
أَي: هوان لهم، وخزي يلحقهم من انقطاع عذرهم وافتضاح أَمرهم على رءُوس الأَشهاد يوم القيامة، بالإِضافة إِلى رؤيتهم المؤمنين الذين كانوا يسخرون منهم في الدنيا، وقد فازوا بالثواب العظيم من رب العالمين، أَما هم فقد باءُوا بالنكال والذل بمشاهدتهم النار وأَهوالها التي هي مشواهم وبئس المصير.
(هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠))
المفردات:
(وَالأَوَّلِينَ): السابقين لكم.
(كَيْدٌ): حيلة ومكر تمكرون به.
التفسير:
٣٨ - (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ):
أَي: هذا يوم يفصل الله فيه بين الخلائق، فيتبين المحق من البطل، ويفضل بين الرسل وأُممهم؛ كيَلا يكون لأَحد حُجَّة.
(جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ): أَي: جمع الذين كذبوا محمدًا والذين كذبوا النبيين من قبله.
стр. 5362
٣٩ - (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ):
هذا تهديد شديد ووعيد أَكيد، أَي: فإِن قدرتم على الكيد والمكر والخداع والتلبيس فافعلوا، وأَنَّي لكم ذلك؛ فإِن الحيل والمخادعة في هذا اليوم قد انقطعت وأَصبحت غير ممكنة أَو فإِن تمكنتم من أَن تتخلصوا من قبضي وتنجوا من حكمي فافعلوا، ولكنكم لا تقدرون، وذلك كقوله تعالى: "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ" (١)، وقوله -سبحانه- في الحديث القدسي: "يَا عبادِي إِنكمْ لَنْ تَبْلُغوا نَفْعِي فَتنفعونِي، ولَن تَبلغوا ضُري فَتَضرونِي". فخطاب الله لهم في هذه الحالة نهاية في تخجيلهم وتقريعهم وتوبيخهم، لذا جاءَ عقيبه قوله تعالى:
٤٠ - (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ):
أَي: هوان وإِيلام لهم، لأَن التوبيخ لهم في هذا الموطن ضرب ولون من أَلوان العذاب
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥))
المفردات:
(مِمَّا يَشْتَهُونَ): ممَّا يتمنون.
(هَنِيئًا): لا يشوبه سقم ولا تنغيص.
التفسير:
بعد أَن أَبان -سبحانه- ما ينتظر الكفار والعصاة من بعثهم ودفعهم (إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبِ * لا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ … ) إِلخ ما جاءَ في تهديدهم ووعيدهم، أَخبر
стр. 5363
-جل شأْنه- بما يصير إِليه المتقون وينعمون به، فبيَّن أَنه -سبحانه- قد أَعدًّ وهيأَ لهم أَنواعًا من نعمة فقال:
٤١، ٤٢ - (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ):
كأَنه قيل: ظلال الكافرين ما كانت ظليلة، وما كانت مغنية لهم عن اللهب والعطش أَما المتقون فظلالهم ظليلة؛ لأَنهم في ظلال الأَشجار وظلال القصور في الجنة وفيها عيون عذبة مغنية لهم من العطش، ومانعة وحاجزة بينهم وبين اللهب، ومعهم الفواكه التي يشتهونها ويتمنونها.
٤٣ - (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ):
أَمرهم -جل شأْنه- أَمر تكريم وإِعزاز فقال لهم: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) أَي: كلوأَكلًا، واشربوا شربًا خالص اللَّذة لا يشوبه سقم ولا تنغيص وذلك جزاءِ عملكم الحسن وطاعتهم لله في الدنيا دار التكليف، وفي هذا من إِدخال السرور والرضا على نفوس المؤمنين، وفيه من التبكيت والتحسير للمكذبين؛ لأَنه يذكِّرُهم بما فاتهم من النعم العظيمة ليعلموا أَنهم لو كانوا من المتقين المحنسين لفازوا وظفروا بمثل تلك الخبرات، ونالوا عظيم الدرجات، ولكنهم كانوا في سخط الله وغضبه وعظيم عذابه؛ بسبب كفرهم وتكذيبهم.
٤٤ - (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ):
أَي: مثل هذا الجزاء الحسن العظيم نكافئ ونجزي المحسنين لا بخس ولا نقض. والمحسنون: هم الذين أَحسنوا في تصديقهم بمحمد ﷺ وأَحسنوا في أَعمالهم في الدنيا.
٤٥ - (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ):
أَي: نكال وخزي على الكافرين حيث يرون السعادة للمؤمنين، أَما هم ففي العذاب خالدون.
(كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧))
стр. 5364
المفردات:
(مُجْرِمُونَ): كافرون أَو عاصون.
التفسير
٤٦ - (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ):
أَي: الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم ذلك يوم القيامة؛ تذكيرًا لما كان يقال لهم في الدنيا وتحسيرًا وتخسيرًا لهم؛ وهم جديرون أَن يخاطبوا بذلك حيث تركوا الحظ الوفير، والنصيب الجليل الكثير الدائم، إِلى القليل الحقير، والنزر اليسير، وآثروه وهو الزائل الفاني على الدائم الباقي، و (المجرمون) هم الكافرون، وقيل: كل مكتسب فعلًا يضره في الآخرة من الشرك والمعاصي، وفيه دلالة على أَن كل مجرم نهايته تمتع أَيام قليلة ثم يبقى عذاب وهلاك أَبدًا.
٤٧ - (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ):
أَي: هلاك لهم يوم القيامة بسبب أَكلهم وتمتعهم في الدنيا بطعام وشهوات ذهبت لذاتها، ويذوقون الآن حسراتها وشدائدها.
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠))
المفردات:
(ارْكَعُوا): صلوا، وقيل: غير ذلك.
التفسير:
٤٨ - (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ):
أَي: وإِذا قيل لهؤلاءِ المشركين: أَطيعوا الله واخشعوا وتواضعوا له وذلك بقبول وحيه -تعالى- واتباع دينه، وارفضوا الاستكبار وحمية الجاهلية، لا يخشعون ولا يقبلون ذلك، ويصرون على ما هم عليه من التولي والإِعراض والاستكبار، وهذه حكاية
стр. 5365
عمَّا كانوا عليه في الدنيا يذكرون بها في الآخرة؛ ليشتد ندمهم وتزيد حسرتهم وأَلهم، وقيل: وإِذا قبل لهم: صلوا لا يصلون؛ إِذا المراد من الركوع هو الصلاة؛ لأَنه من أَهم أَركانها، ويطلق عليها -كثيرًا- في لسان الشرع.
روي عن مقاتل: أَن الآية نزلت في ثقيف، فقالوا للرسول ﷺ : حط عنا الصلاة فإِننا لا ننحني؛ فإِنها مسبّة علينا، فقال ﵊: "لَا خَيْرَ في دينٍ لَيْسَ فيهِ ركوعٌ ولا سجودٌ"، وعن ابن عباس أَنه قال: هذا يوم القيامة يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أَجل أَنهم لم يكونوا يسجدون في الدنيا.
ويذكر أَن الإِمام مالكًا - رحمة الله - دخل المسجد بعد صلاة العصر -وهو ممن لا يدري الركوع بعد العصر- فجلس ولم يركع، فقال له صبيٌّ: يا شيخ قم فاركع، فقام فركع ولم يحاجّه بما يراه مذهبًا، فقيل له في ذلك، فقال: خشيت أَن أَكون من الذين (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ).
٤٩ - (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ):
أَي: ويل وثبور لمن يكذب هؤلاءٍ الأَنبياءَ الذين يرشدونهم إِلى ما يجمع لهم من خيرات الدنيا والآخرة.
٥٠ - (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ):
أَي: إِن لم يصدقوا بهذا القرآن العظيم الذي جاءَ بلغتهم وتحداهم أَن يأْتوا بسورة من مثله فعجزوا، ثم هاجهم وأَثارهم بقوله تعالى: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (١) ولكنهم أَصابهم العي والحصر، وعمهم وشملهم العجز، أَي: إِن لم يصدقوا ويؤمنوا بهذه الدلائل اللطيفة مع تجليتها ووضوحها فبأَي شيءٍ يصدقون ويذعنون له بعد ذلك؟! إِنه العمى في أَبصارهم، والرَّان والطمس على قلوبهم، والجحد والحسد في نفوسهم، وصدق الله العظيم: "فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ" (٢).
والله أَعلم.
стр. 5366
سورة النبأ
مكية، وعدد آياتها أَربعون آية وتسمى أَيضا "عم" وعم يتساءلون
مناسبتها لما قبلها:
أَنها ركزت على إِثبات القدرة على البعث، وكان محور السُّورِ السابقة عليها هو تكذيب الكفرة به وذلك بالرد عليهم وإِثبات جهالتهم، كما أَنها تشترك مع ما قبلها في الاشتمال على وصف الجنة والنار ووصف يوم الفصل الذي ذكر هنا مفصلا وفيما قبلها مجملا.
مقاصد السورة:
ابتدأَت بالحديث عن يوم القيامة، والبعث والجزاءٍ، ذلك الموضوع الذي شغل الكثيرين من كفار مكة حتى صاروا ما بين مصدق به وشاكٍّ ومكذب (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ .. ) الآيات.
أَقامت الأَدلة على إِمكان البعث بما عرضت من مظاهر القدرة التي تشير إِلى أَن من قدر على هذا الإِبداع، لا يعجزه إِعادة خلق الإِنسان (أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَادًا … ) الآيات.
أَبرزت تأَكيد البعث بذكر بعض علاماته التي تنبئ بوقوعه لا محالة (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا … ) الآيات.
تحدثت عن جهنم التي أَعدها الله للطاغين، وما فيها من أَلوان العذاب وصنوف العقاب: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا .. ) الآيات.
تحدثت عن المتقين بيان ما يتمتعون به من أَنواع النعيم الدائم (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا … ) الآيات.
أَشارت إِلى قيام الروح والملائكة بين يدي رب العالمين، وبينت حالهم في هذا الموقف العظيم: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا … ) الآية.
وختمت السورة بالإِنذار والتخويف من هذا اليوم الرهيب الذي حمل رُعْبُهُ كلَّ كافر على أَن يقول: يا ليتني كنت ترابًا (إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا … ) الآية.
стр. 5367
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)):
المفردات:
(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ): الأَصل: عن ما يتساءَلون، أُدغمت النون في الميم، وحذفت أَلف ما في الاستفهام تخفيفًا لكثرة الاستعمال.
(عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ): عن الخير الذي له شأْن وخطر.
(أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَادًا): ممهدة للخلائق ذلولًا لهم.
(وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا): أَي: كالأَوتاد أَرسينا بها الأَرض حتى قرَّت وثبتت كما يرسي البيت من الشعر ونحوه بالأَوتاد.
(نَوْمَكُمْ سُبَاتًا): قاطعًا عن الحركة، من السبب: وهو القطع؛ لأَنه يقطع الإحساس والحركة.
стр. 5368
(اللَّيْلَ لِبَاسًا): يستركم بظلامه كما يستركم اللباس.
(النَّهَارَ مَعَاشًا): تتقلبون فيه فهو وقت تحصيل عيشكم.
(سَبْعًا شِدَادًا): أَي: سبع سماوات قوية الخلق بديعة الصنع.
(سِرَاجًا وَهَّاجًا): مشرقًا متلأْلئًا من وهجت النار إِذا اتقدت، والمراد به: الشمس.
(وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ): وهي السحائب حانت وقاربت أَن تعصرها الرياح فتمطر.
(مَاءً ثَجَّاجًا): شديد الانصباب، يقال: ثَجَّ الماء: إِذا سال بكثرة، وثجه: أَساله، ورد لازمًا ومتعديا.
(حَبًّا وَنَبَاتًا): الحب: ما يقتات به نحو الحنطة والنبات: ما يؤكل خضرًا رطبًا من التبن والحشيش.
(وَجَنَّاتٍ) المارد بها: كل بستان يستر بأَشجاره الأَرض،، من الجَنِّ وهو الستر.
(أَلْفَافًا): ملتفة تداخل وتشابك بعضها ببعض، وهو اسم جمع لا واحد له، أَو جمع لفيف بمعنى ملفوف، كشريف وأَشراف، أَو ليف كجِذْغ وأَجذاع.
التفسير:
١ - ٣ - (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ):
أَي: عن أَي شيءٍ يتساءَلون. والضمير لكفار مكة وإِن لم يسبق ذكرهم وفي ترك ذكرهم إهانة واحتقار لهم، وكانوا يتساءَلون فيما بينهم عن البعث ويخوضون فيه إِنكارًا له واستهزاءً به لكن لا على طريقة التساؤل عن حقيقته ومسماه بل عن وقوعه الذي هو حال من أَحواله، ووصف من أَوصافه.
وقيل: كانوا يتساءَلون، أَي: يسأَلون النبي ﷺ والمؤمنين بطريق السخرية والتكذيب ويجيء (تفاعل) بمعنى فَعل كتواني زيد، بمعنى ونَى، وتَدانَى الأَمرُ، بمعنى دنَا، وتعالى الله عما يشركون، بمعنى علا، ومنه تساءَل بمعنى سأَل.
стр. 5369
وليس المراد بالاستفهام في بدءِ السورة الاستعلام وإِنما أَريد به تفخيم المسئول عنه بإِبهام أَمره وتوجيه أذهان السامعين نحوه، وتشويقهم إِلى معرفة شأْنه، فإِن إِيراده من علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية، تنبيه على أَنه خارج عن دائرة علوم الخلق خليق بأَن يعتني بمعرفته، ويسأل عنه، كأنه قيل: عن أَي شيءٍ يتساءَلون؟ ثم قيل بيانًا للمسئول عنه بطريق الجواب يتساءلون (عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) أَي: عن الخبر الذي له شأنه وخطره وهو البعث، ثم وصف بالعظيم لتأكيد ذلك وقد ورد الجواب على منهاج قوله تعالى: "لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ" (١) حيث كان السؤال والجواب من الله تعالى.
(الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ): وصف ثان للنبأ بعد وصفه بالعظيم تأْكيدا لخطره؛ فهو تأْكيد إِثر تأكيد للمبالغة، أَو إِشعارًا بالباعث على التساؤل عنه، وإِيثار أَن تكون صلة الموصول جملة اسمية للدلالة على الثبات، أَي: هم راسخون في الاختلاف فيه فمنهم منكر جازم باستحالته يقول:
"إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ" (٢) ومنهم شاكٌّ يقول: "مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ" (٣) ومن الاختلاف أَن منهم من ينكر الْمعَاديْنِ: البعث والقيامة كهؤُلاءِ، ومنهم من ينكر البعث الجسماني فقط، وحمل بعضهم الاختلاف في كيفية الإِنكار، فمنهم من ينكر البعث لإِنكار الصانع المختار، ومنهم من ينكره بناءً على استحالة إِعادة المعدوم بعينه، وقيل: إِن الضمير في (يَتَسَاءَلُونَ) للمسلمين والكافرين، وكانوا جميعًا يتساءَلون عنه: فالمسلم يسأل ليزداد خشية واستعدادًا، والكافر يسأَل ليزداد كفرًا وعنادًا.
٤ - (كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ):
بدأَت الآية الكريمة بقوله : (كَلاَّ) لردع منكري البعث عن التساؤُل عنه، وعن مخالفتهم لرسول الله ﷺ فيه إِنكارهم له أَوشكهم في وقوعه،
стр. 5370
وقوله تعالى: (سَيَعْلَمُونَ) وعيد لهم وزجر على ما حدث منهم من تساؤُل، واستهزاء وتعليل للردع بطريق الاستئناف، والسين للتقريب والتأكيد، أَي: ليرتدع هؤُلاءِ عَمَّا هم فيه، فإِنهم سيعلمون عما قليل حقيقة الحال إِذا حل بهم العذاب والنكال، ونزلت بهم الدواهي ومختلف العقوبات وفي ذلك من الوعيد ما فيه، وقيل المعنى: سيعلمون ما يتساءَلون عنه وهو البعث فيخجلون استخزاءً من تساءُلهم واستهزائهم بين يدي ربهم .
٥ - (ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ):
تكرير لما قبله من الردع والوعيد للمبالغة فيها، فكأنه قيل: لهم يوم القيامة ردع وعذاب شديدان، ثم قيل: بل لهم يومئذ عذاب أَشد وأشد، وثم للتفاوت في رتبة العذاب بين الردع الأَول والثاني، وقيل: إِن الجملة الأُولى تشير إِلى ما يكون عند النزع، وملاقاة كربات الموت وشدائده وانكشاف الغطاء، والجملة الثانية تشير إِلى ما يكون في القيامة من زجر ملائكة العذاب، وملاقاة شديد العقاب، وعلى هذا فـ (ثُمَّ) في مكانها من إِفادة التراخي لما بين الأَمرين من البعد الزماني.
٦ - (أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَادًا):
استئناف مَسوق لتحقيق النبأ العظيم بتعداد بعض الدلائل الناطقة بكمال قدرته - تعالى - والتي لا يسعهم إِنكارها، ولا مناص لهم من الإِقرار بها فكيف يُنكرون على هذه القدرة إِعادة خلق الإِنسان علمًا بأَن مَنْ قدر على الإِنشاء كان على الإِعادة أَقدر.
وجوز أَن يكون بتقدير (قُلْ) كأَنه قيل: قل كيف تنكرون البعث أَو تشكون فيه وقد عاينتم ما يدل عليه من القدرة التامة، والعلم المحيط، والحكمة الباهرة المقتضية لا يكون ما خُلِق عبثًا؟!
والاستفهام في الآية للتقرير بما بعده، كأَنه قيل لهم: قد جعلنا الأَرض التي تسكنونها موطأَة لكم كالفراش للاستقرار عليها، والتقلب في أَنحائها للانتقاع بسهولها الواسعة، واستخراج كنوزها المتنوعة، فَأَقِرُّوا بفضل الله عليكم.
стр. 5371
٧ - (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا):
أَي: هي للأَرض كالأوتاد التي تُشَد بها البيوت من الشعر ونحوه، صيانة لها من أَن تتقاذفها الرياح، أَو تتلاعب بها العواطف، وعلى ذلك فالجبال لتثبيت الأَرض واستقرارها، حتى لا تميد بكم أَو يختل توازنها في دورانها فلا تصلح لسكناكم، مع ما في الجبال من المنافع الجمة التي لم تخلق الأَرض لمثلها، وشبهت بالأوتاد لبروزها، أَو لأَنها تحفظ الأَرض من الْمَيَدَانِ والاضطراب.
٨ - (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا):
أَي: مزدوجين ذكرًا وأُنثى ليتم الائتناس، والتعاون، وحفظ الجنس، وينتظم أَمر المعاش، وقيل: أَصنافًا من اللون، والصورة، واللسان.
٩ - (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا):
أَي: جعلناه كالسبات -وهو الموت- من السبْت: وهو القطع، ووجه تشبيه النوم به لما فيه من قطع الحركة والعمل، وعلى ذلك قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) (١) وهذا اختيار المحققين، وقد قيل: النوم أَحد الموتتين، وفي البحر: جعلناه سباتًا، أَي: سكونًا وراحة … يقال: سبت الرجل: إِذا استراح.
١٠ - (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا):
أَي: ساترا لكم بظلمته كما يستركم اللباس، ويقول الآلوسي: (ولعل المراد بهذا اللباس المشبه به، ما يُستتر به عند النوم كاللحاف ونحوه، فإِن تشبيه ستر الليل به أَكمل، واعتباره في تحقيق المقصد أَدخل) وهو كون الظلام محيطًا بكم كإِحاطة ما يستتر به عند النوم.
والرأَي الذي اختاره غير واحد: إِرادة الأَعم من الذي يستتر به عند النوم وغيره، وأَن المعنى: جعلناه ساترًا لكم بظلمته عن العيون، وللناس في هذا الستر فوائد اللباس، فكما
стр. 5372
أَن اللباس يستر العورات عن النظر كذلك اللَّيل يستركم عن العيون إِذا أَردتم هربًا من عدو، أَو فرارًا من حيوان مفترس، ويختفى فيه الكامن للوثوب على عدوه للتخلص منه، والنجاة من شره، ويتقي به كل من أراد أَلا يُطلع الناس على كثير من أُموره.
١١ - (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا):
أَي: وقت حياة تُبعثون فيه من نومكم الذي هو أَخو الموت، ولما جعل -سبحانه- النوم موتًا مجازًا جعل -سبحانه- اليقظة حياة كذلك، والنهار زمن هذه الحياة، فهو وقت معاش، يستيقظون فيه ويتقلبون في حوائجهم ومكاسبهم، قال ابن كثير: أَي: جعلناه مشرقًا منيرًا وضيئًا ليتمكن الناس من التصرف فيه، والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات وغير ذلك.
١٢ - (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا):
وهي السموات السبع جعلها -سبحانه- محكمة متقنة وزينها بالكواكب، ومع اتساعها وارتفاعها لا يسقط منها شيءٌ، ولا تتأَثر بمرور الأَزمان، وتتابع الدهور لشدتها البالغة، والتعبير عن خلقها بالبناءِ مبني على تنزيلها منزلة القباب المضروبة على الخلق عند النظر إِليها.
١٣ - (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا):
أَي: وخلقنا وأَبدعنا كوكبًا مضيئًا متلأْلئًا، وهو الشمس التي يتوهج ضوؤها لأَهل الأَرض كلهم دائمة الحرارة والتَّوقُّدِ، قال المفسرون: الوهاج: المتوقد الشديد الإِضاءَة ويلتهب من شدته، وقال ابن عباس: المنير المتلألئُ.
١٤ - (وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا):
أَي: أَنزلنا الماء من السحائب التي أَعصرت، بمعنى قاربت وشارفت أَن تعصرها الرياح فتمطر، ومنه: أَعصرت الجارية: إِذا قاربت أَن تحيض. قال في التسهيل: المعصرات: هي السحب، مأْخوذة من العصر لأَنها تنعصر فينزل الماءُ. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة:
стр. 5373
إِن المعصرات الرياح؛ لأَنها، تعصر السحاب فيمطر، ولما كان المطر يسببها سميت معصرات والأَصل في المطر تكاثف أَبخرة المياه المتصاعدة من المحيطات والبحار ونحوها على شكل سحب، وتحويلها إِلى نقط من الماء أَو حبات من الثلج، أَو هما معًا.
(مَاءً ثَجَّاجًا) أَي: منصبًا بكثرة متتابعًا كما قال مجاهد وقتادة والثوري وابن زيد.
١٥ - (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا):
أَي: لنوجد بهذا الماء الكثير المنافع ما يدخر للأَناسي والأَنعام ويقتات به كالقمح والشعير وما يؤكل خضرًا ويابسًا كالحشيش والتبن، وتقدم الحب مع تأَخره في الإِخراج عن النبات لأَصالته وشرفه، لأَن غالبه غذاء الإِنسان.
١٦ - (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا):
أَي: ولنخرج به بساتين وحدائق، وأُطلِق عليها (جَنَّاتٍ) لأَن بكل منها أَشجارًا تستر وجه الأَرض، وقال الفراء: الجنة: ما فيها النخيل، والفردوس: ما فيه الكْرم.
(أَلْفَافًا): أَي: إِن هذه الجنات ذات الثمار المتنوعة والألوان المختلفة والطعوم المتميزة والروائح الطيبة قد التفت أَغصانها، وتشابكت أَفنانها وتداخل بعضها ببعض، لتقارب أَشجارها وتكامل نموها.
(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتْ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلْطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا (٢٤) إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا (٣٠))
стр. 5374
المفردات:
(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ): وهو يوم القيامة؛ لأَن الله يفضل فيه بين خلقه.
(يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ): المراد: النفخة الثانية، والصور: البوق وهو معروف.
(أَفْوَاجًا): أَي: أمما كل أُمة معها إِمامها، أَو زُمَرًا وجماعات متباينة.
(فَكَانَتْ أَبْوَابًا): شقوقًا وشروخًا كالأَبواب.
(فَكَانَتْ سَرَابًا): أَي: مثل سراب، وهو ما تراه نصف النهار كأنه ماء فإِذا جئته لم تجده شيئًا.
(كَانَتْ مِرْصَادًا): أَي: موضع رصد وترقب، ترقب فيه خزنة النَّار الطاغين لتعذيبهم.
(مَآبًا): أَي: مآلا ومرجعًا.
(مَاكِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا): دهورًا متتابعة لا نهاية لها، جمع حُقُبٍ -بضم وسكون، وبضمتين- وفسر بالدهر أَو السنة أَو السنين، وعن ابن مسعود أنه ثمانون سنة، وعن أَبي هريرة وعبد الله بن عمرو وابن عباس وغيرهم أَنه سبعون سنة.
(حَمِيمًا): الحميم: هو الماء البالغ الغاية في الحرارة.
(وَغَسَّاقًا): وهو ما يسيل من أَهل النار من الصديد، وفي القاموس: البارد المنْتِن.
(كِذَّابًا): أَي: تكذيبًا شديدًا، ومجيء (فِعَّال) بمعنى (تفعيل) في مصدر (فَعَّلَ) سائغ في الفصيح، وعن الفراء أَنها لغة يمانية.
التفسير
١٧ - (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا):
بعد أَن بين الله لهم بهذه الدلائل المشاهدة قدرته الباهرة ليزمهم الحجة في أَمر البعث حتى لا يجدوا سبيلا إِلى جحوده، بعد ذلك هددهم أَشد التهديد ببيان أَن الساعة آتية لا محالة، وفيها فصل القضاء بين الحق والباطل، والحساب والجزاء، فقال تعالى:
стр. 5375
(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا): أَي إِن يوم القيامة مؤقت بأَجل محدود في علم الله لبعث الأَوَّلين والآخرين لا يزاد عليه ولا ينقص عنه كما قال -سبحانه-: (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَعْدُودٍ) (١) وفي ذلك رد على من كانوا يستعجلون قائلين: "مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ" (٢).
١٨ - (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا):
الآية وما يتلوها نوع تفصيل لكيفية وقوع يوم القيامة وما يقع فيه من أَهوال، و (يَوْمَ) في قوله تعالى: (يَوْمَ يُنفَخُ) وقع بدلان من يوم الفصل، أَو عطف بيان مفيد لزيادة تفخيمه وتهويله، أَي: أَن يوم الفصل هو يوم النفخ في الصور الذي يحدث فيه ما يحدث، والمراد، النفخة الثانية لإسرافيل ﵇ في الصور، وهو القرن الذي أُعد لذلك، وقيل: هذا تصوير لبعث الله للناس يوم القيامة بسرعة لا يمثلها إِلاَّ نفخة في بوق يصدر عنها صوت عظيم بعيد المدى.
وعلينا أَن نؤمن بما ورد من النفخ في الصور، وليس علينا أَن نعلم ما هي حقيقة هذا الصور، والبحث في هذا لا يسوغ، وليس علينا من حرج في تركه، ولا ضير في تأَخير الفصل عن النفخ حسب وقوعه -فإِن زمان القيامة زمن ممتد يقع النفخ في أَوله، وفي بقيته الفصل ومباديه وآثاره (فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) أَي: فتبعثون من قبوركم فتأَتون إلى الموقف -عقب ذلك بغير مهلة أصَلا- أُمما، كل أَمة بإِمامها كقوله تعالى: "يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ" (٣) أَو زُمَرًا وجماعات مختلفة الأَحوال متباينة الأَوصاف حسب اختلاف الأَعمال وتباينها.
١٩ - (وَفُتِحَتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا):
أَي: شقوقًا اتخذها الملائكة طرقًا ومسالك لنزولهم، كقوله تعالى: "وَيَوْمَ تَشَقَّقُ
стр. 5376
السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا" (١) فإِذا شققت السماء لوقوع الاضطراب في نظامها وذهاب التماسك بينها، فهي كالأبواب، وقد فسر الفتح بالشق لقوله تعالى: "إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ" وقوله: "إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ" ولعل نكتةَ التعبير بالفتح عن الشق الإِشارةُ إِلى كمال قدرته -تعالى- حتى كان شق هذا الجرم العظيم كفتح الباب سهولة وسرعة، أَو على التشبيه البليغ، أَي: فصارت شقوقها لسعتها كالأَبواب، أَو فصارت من كثرة شقوقها كأَنها ليست إِلا أَبوابًا مفتحة، وفي هذا تصوير لما يحدث في هذا اليوم من شدائد وخطوب.
٢٠ - (وَسُيِّرَتْ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا):
تمثيل لِمَوْرِ الأَرض في ذلك اليوم حيث تفتتت الجبال بعد اقتلاعها من مقارها، وسيرت في الجو على هيئاتها، كما يعرب عنه قوله تعالى: "وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ" (٢).
أَي: أَنك تراها رأْي العين فتحسبها ساكنة في أَماكنها مع أَنها تمر مر السحاب الذي تسيره الرياح سيرًا حثيثًا، وذلك أَن الأَجرام العظيمة إِذا تحركت نحوًا من الأَنحاء لا تكاد تظهر حركتها وإن كانت في غاية السرعة، ولا سيما من بعيد، ويشير تشبيه سرعة الجبال في سيرها بسرعة الحساب إِلى تشبيه آخر، وهو تشبيه حالها بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها كما ينطق بذلك قوله تعالى: "وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ" (٣). وهذا الصنيع العظيم عند حشر الخلائق ليشاهدوما ثم يفرقها -سبحانه- في الهواء، وذلك قوله تعالى: (فَكَانَتْ سَرَابًا) أَي: فصارت بعد تَسييرها مثل سراب، فترى كأَنها جبال، وليست بجبال، وإِنما هي غبار عظيم متراكم يحسبه الناظر إِليه من بعيد جبلا، ولكنه ليس بشيءٍ كالسراب يحسبه الرائي وقت الظهيرة ماءً، حتى إِذا جاءَه لم يجده شيئًا.
стр. 5377
فالكلام على التشبيه البليغ، والجامع بين المشبه والمشبه به أَن كلا من الجبال والسراب يُرَى على شكل شيءٍ وليس هو بذلك الشيءٍ، والجبال وإِن اندكت انصدعت عند النفخة الأُولى لكن تسييرها وتسوية الأَرض إِنما يكون عند النفخة الثانية، ويشير إِلى ذلك قوله تعالى: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِي" (١) واتباع الداعي وهو إِسرافيل ﵇ يكون بعد النفخة الثانية.
٢١ - (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا):
شروع في وعيد المكذبين، وبيان ما يلاقونه من عذاب ونكال في جهنم دار إِقامتهم إِلى لا يبر حونها أَبدًا أَي: إِنها موضع ترصُّد وترقُّب، ترصد فيه خزنة النًّار الكافرين ليعذبوهم، وترصد الجنة المؤمنين ليحرسوهم من قبحها في مجازهم عليها، وقيل: ترصد الملائكة الطائفتين، لتنفذ إِحداهما وهي المؤمنة، وتعذب الأُخرى وهي الكافرة، وقد يفسر المرصاد بمطلق الطريق، وهو أَحد معانيه، فيكون للطائفتين، قال الحسن، وقتادة في قوله تعالى: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) أَي: إِنه لا يدخل أَحد الجنة حتى يجتاز بالنار، فإِذا كان معه جواز نجا، وإلا احتبس، وقيل: اعلموا أنه لا سبيل إِلى الجنة حتى تقطع النار. ذلك لأَنها مجاز وممر للجميع.
٢٢ - (لِلْطَّاغِينَ مَآبًا):
أَي: إِنها تكون للمردة العصاة المخالفين للرسل مقرًّا ومرجعًا يرجعون إِليه، ويقيمون فيه. يتجرعون فيه عذابًا غليظًا، وعقابًا شديدا كلما نضجت جلودهم بدلهم الله غيرها ليستمر إِحساسهم بالأَلم وشعورهم به.
٢٣ - (لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا):
أَي: ماكثين فيها يصلون سعيرها دهورًا متتابعة، كلما مضى منها حقب تبعة آخر
стр. 5378
إِلى ما لا نهاية فلا يخرجون منها أَبدًا، ولا يخفف عنهم من عذابها، ويؤيد ذلك ما روى عن الحسن أَنه قال: الحقب زمان غير محدود.
٢٤، ٢٥ - (لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا * إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا):
أَي: لا يذوقون في جنهم شيئاً ما من برد، ويراد به برد النسيم الذي يريحهم، وينفس عنهم حر النار وقيل: يراد به النوم، فقد ورد عن بعض العرب: منه البردُ البردَ، أَي: النوم، ولا يذوقون شيئًا من شراب يروى غلتهم، ويسكن عطشهم فيها،
(إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا): لكن يتجرعون فيها حميمًا، وهو الماء الحار البالغ غاية الحرارة، وغساقًا وهو ما يسيل من جلود أهل النار من صديد، وقيح، وعرق، ودموع، وفي الحديث: (إِنَّ الرجلَ منهم إِذا أَدنَى ذلكَ من فيهِ سقطَ أَديمُ وجْهِه حتى يبقَى عظامًا تَقَعْقع) ذكره الآلوسي.
٢٦ - (جَزَاءً وِفَاقًا):
أَي: الذي صاروا إِليه من العذاب جزاء موافق لأَعمالهم السيئة في الدنيا، بمعنى أَنَّه يقدرها في الشدة والضعف لا يزيد عليها ولا ينقص عنها، كما يقتضيه عدل الله ورحمته.
٢٧ - (إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا):
تعليل لاستحقاقهم هذا العذاب، أَي: لأَنهم كانوا لا يخافون أنَ يحاسبوا بأَعمالهم التي اقترفوها. إِمعانًا منهم في الكفر والطغيان، أَو لم يكونوا يعتقدون أَن ثم دارًا يجازون فيها ويحاسبون.
٢٨ - (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا):
المعنى: أَنهم كانوا يكذبون بآيات الله الدالة على البعث، أَو التي أَنزلها على رسله تكذيبًا شديدًا مفرطًا.
٢٩ - (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا):
أَي: وكل شيءٍ من الأَشياء التي من جملتها أَعمالهم. قال أَبو حيان: وكل شيءٍ مما يقع
стр. 5379
عليه الحساب والعقاب فهو عام مخصوص (أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) أَي: حفظناه وضبطناه بإِحصائنا له إِحصاءً تامًا، وقد جعل قوله: (كِتَابًا) مصدرًا مؤكدًا لأَحصينا، لأَن الكتابة والإِحصاءِ يتشاركان في معنى الضبط، وأَصل الإِحصاء: من لفظ (الحصا) وكانوا يعتمدون عليها في العد ضبطًا قويًّا تامًّا.
ويجوز أَن يكون المراد: وكل شيءٍ أَحصيناه مكتوبًا في اللوح المحفوظ، أَو في صحف الحفظة، والظاهر أَن الكلام على حقيقته، والكتابة هنا على النحو الذي يليق بتنزيه الله تعالى، وهو أَعلى من كتابتنا التي نعرفها، وأَشد ضبطا، وقال بعضهم: إِنه تمثيل لصورة ضبط الأَشياءِ في علمه تعالى بضبط المحصى المجد المتْقن للضبط بالكتابة، وهذا التمثيل لتفهيمنا، وإِلا فالانضباط في علمه تعالى أَجل وأَعلي من أَن يمثل بشيءٍ. والجملة اعتراض لتأكيد الوعيد السابق الذي بدئ به بقوله تعالى: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) لبيان أَن ذلك كان لا محالة لأَن معاصيهم مضبوطة مكتوبة يواجهون بها يوم الجزاءِ.
٣٠ - (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا):
ذلك مسبب عن كفرهم بالحساب والجزاء، وتكذيبهم الآيات. روى قتادة عن أَبي أَيوب الأَزدي عن عبد الله بن عمر أَنه قال: لم ينزل على أَهل النار آية أَشد من هذه، فهم في مزيد من العذاب أَبدًا، وأَخرج عبد بن حميد، وجماعة عن الحسن أَنه قال: سأَلت أَبا برزة الأَسلمي عن أَشد آية في كتاب الله تعالى: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا) ووجه الأَشدية على ما قبل: إِنه تقريع في يوم الجزاء، وغضب من أَرحم الراحمين، وتأْييس لهم.
واستشكل أَمر زيادة العذاب بمنافاتها كون الجزاء موافقًا للأَعمال كما في قوله تعالى: (جَزَآءً وِفَاقًا) وأَجيب بأَن العذاب لما كان للكفر والمعاصي، وهي متزايدة في القبح في كل آن، وعلم الله لسوء استعدادهم استمرارهم على ذلك، اقتضى حالهم زيادة العذاب وشدته يومًا فيومًا وقيل: لما كان كفرهم أَعظم كفر، اقتضى أَشد عذاب، والعذاب المزيد يومًا فيومًا من أَشد العذاب، وقيل غير ذلك.
стр. 5380
(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦))
المفردات:
(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا): أَي: فوزًا وظفرًا بطلباتهم ورغباتهم، أو محل فوز بذلك وهو الجنة.
(وَأَعْنَابًا): جمع، عنب، ويقال للكرم نفسه ولثمرته.
(كَوَاعِبَ): جمع كاعب، وهي التي برز ثدياها واستدارَا مع ارتفاع يسير.
(أَتْرَابًا): متساويات في العمر تشبيهًا لها في التساوي والتماثل بالترائب وهو ضلوع الصدر.
(وَكَأْسًا دِهَاقًا): مملوءَة. يقال: دهقت الكأْس وأَدهقتها، والكأْس إِناءٌ يشرب فيه أَو ما دام الشراب فيه كما في القاموس.
(لَغْوًا): ما لا يعتد به من الكلام.
التفسير
٣١ - (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا):
شروع في بيان أَحوال المؤمنين الأَبرار إِثر بيان سوء أَحوال الكافرين أَهل النار، أَي: إِن للمتقين الذين تمسكوا بطاعة ربهم، واتقوا الكفر، إِن لهؤُلاءِ فرزًا وظفرًا في الدنيا بكل محبوب، ونجاة وسلامة من كل مكروه، أَو أَن لهم موضع فوز وظفر بجنات النعيم، وخلاص ونجاة من عذاب الجحيم.
ثم بين سبحانه هذا الفوز فقال:
стр. 5381
٣٢ - (حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا):
أَي: بساتين فيها أَنواع من الأَشجار المثمرة، والأَزهار المتفتحة، وأَعنابًا وهي الثمار المعروفة أَو أَشجارها وخصت بالذكر مع اندراجها في البساتين إِشارة لأَهميتها والاعتناء بها.
٣٣ - (وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا):
أَي: بنات قد استدارت نهودهن مع ارتفاع يسير، متساويات في العمر مع التماثل في صفات الجمال والكمال، والتمتع بالبنات المتصفات بذلك في الجنة على صورة لا نعلم حقيقتها، وغاية ما يجب أَن نصدق به، وأَنه تمتع فائق اللذة على وفق ما يناسب ذلك العالم الأُخروي.
٣٤ - (وَكَأْسًا دِهَاقًا):
أَي: وكأْسًا من الخمر مملوءَة مترعة. صحح الحاكم عن ابن عباس ما رواه غير واحد أَنه قال: هي الممتلئة المترعة المتتابعة، وأَخرج ابن جرير عن عكرمة أَنه قال: دهاقًا: أَي صافية، وقال القرطبي: المراد بالكأْس الخمر، كأَنه قال: وخمر ذات دهاق: أَي: عُصرت وصُفَّيت.
٣٥ - (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا):
أَي: إن أَسماع أَهل الجنة مصونة عن سماع ما لا يعتد به من الكلام، وهو الذي يُورد ويقال لا عن رَوِيَّة وفكر كما قال الراغب، لأَنه يجري مجرى اللُّغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطير، وقد يسمى كل كلام قبيح لغوا، وكذا كل ما لا يعتد به مطلقًا عن روية أَو غيرها، كما أَنها مصونة عن سماع الكذب من القول لأَنها دار السلام وكل ما فيها نقي من الباطل والنقص، وقد تضمنت هذه المذكورات أَنواعًا من اللذات الحسية كما هو واضح.
стр. 5382
٣٦ - (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا):
أَي: إِن الجزاءَ الذي جوزى به المتقون حصل لهم بتوفيق ربك -أَيها النبي- وتأْييده ويشير إِضافة الرب إِليه ﷺ دونهم إِلى تشريفه -صلوات الله عليه- (عَطَاءً) أَي: تفضلا وإِحسانًا منه تعالى: إِذ لا يجب عليه -سبحانه- شيء (حِسَابًا) أَي: كافيًا لهم وافرًا شاملا، من قولهم: أحسبهُ الشيء: إِذا كفاه حتى قال حسبي، ومنه: حسبي الله. وقيل: معناه: كون الجزاء على حسب أَعمالهم.
أَي: مقسطًا على قدرها، وروى ذلك عن مجاهد، وكأَن المراد بذلك مقسط بعد التضعيف، وبذلك يندفع ما قيل: إِنَّه غير مناسب لتضعيف الحسنات، ولهذا لم يقل هنا (وِفَاقًا) كما قيل في الآية السابقة: (جَزَاءً وِفَاقًا).
(رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (٤٠))
المفردات:
(خِطَابًا) أَي: لا يقدر أَحد أَن يخاطبه سبحانه في رفع بلاءِ أَو دفع عذاب في ذلك اليوم، هيبة وجلالًا.
стр. 5383
(يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ): هو جبريل ﵇ وقد ورد ذكره كثيرًا بذلك. واختلف المفسرون في المراد من الروح ما هو، على أَقوال، منها ما روي عن ابن عباس أَنه قال: إِنهم أَرواح بني آدم، وقيل: إنه ملك عظيم أَو إِنهم أَشراف الملائكة، أَو أَنه جبريل ﵇ قال الشعبي، وسعيد بن جبير، والضحاك، ويستشهد لهذا القول بقوله تعالى: "نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ) (١) وهذا الرأَي أَوفق الآراء.
(فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا): أَي: مرجعًا.
(يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا): يتمنى الكافر أَن لو كان في الدنيا ترابًا فلم يُخْلَق بشرًا، ولم يكلف.
التفسير:
٣٧ - (رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا):
أَي: إِن هذا الجزاء الموفور من ربك العظيم فاطر السموات والأَرض وما بينهما على غير مثال يحتذيه (الرَّحْمَنِ) الذي وسعت رحمته كل شيءٍ، ولا شك أَن في ذكر ربوبيته تعالى لجميع الخلق، ورحمته الواسعة إِشعارًا بمقدار الجزاء المذكور (لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا) استئناف مقرر لما أَفادته الربوبية العامة من غاية العظمة والكبرياءِ، واستقلاله تعالى بما ذكر من الجزاءِ والعطاءِ، فلا يكون لأَحدنا قدرة عليه، وضمير (لا يَمْلِكُونَ) لأَهل السموات والأَرض، والمراد نفي قدرتهم على أَن يخاطبوه تعالى بشيءٍ من نفص العذاب أَو زيادة الثواب بغير إِذنه على أَبلغ وجه وآكده، كما قال تعالى: "يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ" (٢)
٣٨ - (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا):
стр. 5384
المعنى أَنه في هذا اليوم الرهيب، يقف جبريل ﵇ والملائكة - مخلوقات الله الغيبية -مصطَفِّينَ، فيقف جبريل وحده صفًّا، والملائكة صفًّا آخر، وقيل: صفوفًا؛ لقوله تعالى: "وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا" (١) وذكر قيامهم واصطفافهم لتحقيق سلطانه وكبرياءِ ربوبيته، وتهويل يوم البعث الذي عليه مدار الكلام من مطلع السورة الكريمة إِلى آخرها.
(لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) الضمير في (لا يَتَكَلَّمُونَ) لأَهل السموات والأَرض الذين من جملتهم الروح والملائكة، والآية استئناف مقرر لمضمون قوله تعالى: (لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا) ومؤَكد له على معنى أَن أَهل السموات والأَرض إِذا لم يقدروا حينئذ على أَن يتكلموا بشيءِ من جنس الكلام إِلا من أَذن الله له منهم في التكلم مطلقًا، وقال ذلك المأْذون قولا صوابا أَي: حقًّا من الشفاعة لمن ارتضى.
وإِظهار (الرَّحْمَنُ) في موضع الإِضمار للإِيذان بأَن مناط الإِذن الرحمة البالغة، لا أَن أَحدًا يستحق ذلك عليه .
٣٩ - (ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا):
ذلك إِشارة إلى يوم قيام الروح والملائكة على الوجه الذي ذكر، وما في الإِشارة من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إِليه للإِيذان بعلو درجته، وبعد منزلته في الهول والفخامة أَي: إِن ذلك اليوم العظيم الذي يقوم فيه الروح والملائكة مصطفين غير قادرين هم ولا غيرهم على التكلم فيه من الهيبة والجلال، هو يوم القيامة الذي أَخبر عنه -سبحانه- بأَنه الحق، أَي: الثابت المتحقق الذي لا ريب في وقوعه من غير صارف يلويه، ولا عاطف يشنيه.
(فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا) أَي: إِذا كان الأَمر كما ذكر من تحقيق اليوم وإِتيانه بلا شك في وقته المعين له، فمن شاءَ أَن يتخذ مرجعًا إِلى ثواب ربه فليفعل ذلك بالإِيمان والعمل الصالح، وهو حث وترغيب، في سلوك الطريق القويم، وتقدير المضاف وهو لفظ (ثَوَاب) قبل لفظ (رَبِّهِ) لاستحالة الرجوع إِلى ذاته تعالى.
стр. 5385
٤٠ - (إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا):
الخطاب لكفار قريش المنكرين للبعث.
والمعنى: إِنا خوفناكم بما ذكر في السورة من الآيات الناطقة بما في البعث وما بعده من الدواهي.
أَو بها وبسائر القوارع الواردة في القرآن العظيم (عَذَابًا قَرِيبًا) هو عذاب الآخرة، وقربه لتحقق وقوعه حتمًا، فقد قيل: ما أَبعد ما فات، وما أَقرب ما هو آت، أَو لأَنه قريب بالنسبة إِليه تعالى: "إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا" (١).
(يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) أَي: إِن الذي أَنذرناكم به عذاب كائن يوم يشاهد المكلف مؤمنًا أَو كافرًا ما قدمه من خبر أَو شر مثبتًا في صحائف أَعماله كقوله تعالى "وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا" (٢) وقوله سبحانه: "يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ" (٣) وقوله: "يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ" (٤) إِلى غير ذلك من الآيات، وما اليوم الذي يحدث فيه ذلك إِلا يوم القيامة. (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) أي: ويتمنى الكافر فيه أَن لو كان ترابًا في الدنيا فلم يخلق ولم يكلف، أَو يتمنى ذلك في هذا اليوم فلم يبعث حتى ينجو من الحساب والعقاب، وعن أَبي هريرة وابن عمر ومجاهد أن الله يحضر البهائم فيقتص من بعضها لبعض، ثم يقول لها: كوني ترابًا، فتعود جميعًا ترابًا، فإِذا رأَى الكافر ذلك تمنى مثله، وفي ذكر قول الكافر تخصيص لأَحد الفريقين اللذين تناولهما لفظ (الْمَرْءُ) الذي ذكر في الآية وأُريد منه الكافر والمؤمن كما قيل على المشهور.
стр. 5386
سورة النازعات
مكية وعدد آياتها ست وأربعون آية وكما تسمى النازعات تسمى أيضًا الساهرة، والطامة
مناسبتها لما قبلها:
قال ابن عباس: إِن أَولها يشبه أَن يكون قسمًا لتحقيق ما في سورة عَمَّ، أَو ما تضمنته كلها من بعث النَّاس وقيامهم للحساب والجزاء، وفي البحر: لما ذكر سبحانه في آخر ما قبلها الإِنذار بالعذاب يوم القيامة أَقسم في هذه على البعث في ذلك اليوم الذي يقع الإنذار بالعذاب فيه.
أَهم مقاصد السورة:
افتتحت بالقسم بطوائف الملائكة الأَبرار على تحقيق البعث، تُزلزِل النفخة الأُولى جميع الكائنات، تتبعها النفخة الثانية لتهب الخلائق قيامًا للجزاءِ والحساب: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا) الآيات.
ثم تحدثت عن استبعاد المشركين للبعث والنشور ولا سيما بعد أَن بليت أَجسامه الموتى وتفتت عظامهم، وصاروا أَثرًا بعد عين، ثم ذكرت الرد عليهم بما يسقط حجتهم، ويبطل عجبهم أَمام القدرة العظيمة. (يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ … ) إِلخ. ثم تناولت قصة فرعون الذي ادعى الأُلوهية، وتمادى في الطغيان والجبروت، فكانت عاقبته الدمار والهلاك وعذاب الآخرة والأَولى هو وقومه الذين كانوا أَعوانًا له في ظلمه وبغيه، وذلك لتسلية الرسول ﷺ عما يلقاه من أَهل مكة: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَي .. ) الآيات، ثم ذكَّرت الإِنسان بسعيه، وأَظهرت ما ينتظر الطغاة أَهل مكة، وما أُعد لمن خاف مقام ربه (فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى … ) الآيات، ثم أَنكرت ونعت على منكري البعث تكذيبهم به، وهم في منطق الحق والواقع ليسوا بأَشد خلقًا من السماءِ والأَرض وتوابعهما من مظاهر القدرة البالغة (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا .. ) الآيات.
стр. 5387
وضحت السورة بالحديث عن وقت الساعة، وأَن بيانه الله وحده، وأَمَّا وظيفة الرسول ﷺ فهي الإِخبار -عن قربها، التذكير بها وبما يكون فيها من أَهوال لا يَعيَّن وقتها (يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا … ) الآيات.
كما أَشارت في الختام أَيضًا إِلى أَن ما أَصابهم من فزع، أَنساهم الزمن الذي مر بهم حتى حسبوا أَن الوقت بين إِنذارهم بالبعث إِلى قيامهم من قبورهم للجزاءِ، عشية أَو ضحى من يوم واحد (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا .. ) الآية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤))
المفردات:
(وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) أَي: الملائكة التي تنزع أَرواح الكفار من أَقاصي أَجسامهم نزعًا بالغ الشدة، يقال: أَغرق في الشيءِ يغرق فيه: إِذا أَوْغَل وبلغ أَقصى غايته.
(وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا): الملائكة تنشط وتقبض أَرواح المؤمنين برفق ولين من النشط وهو الإِخراج بيسر وسهولة، ومنه بئر أَنشاط: قريبة القاع يُخْرج منها الدلو بجذبة واحدة.
стр. 5388
(وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا): الملائكة تسرع بما أَمرت به، ومنه قيل للجواد المسرع: سابح.
(الرَّاجِفَةُ): النفخة الثانية التي تردف وتتبع الأُولى، وبها يبعث الموتى بأَمره تعالى، يقال: ردفه كسمع ونصر: إِذا أَتبعه كأَردفه.
(وَاجِفَةٌ): شديدة الاضطراب من الخوف والفزع يقال: وجف القلب يجف وجْفًا ووجيفاُ: إِذا اضطرب من شدة الفزع.
(أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ): يقال: رجع فلان في حافرته وعلى حافرته، أَي: طريقه التي جاءَ فيها.
(نَخِرَةً): بالية متفتتة، من نخر العظم ينخر من باب تعب: إِذا بلي وتفتت.
(خَاسِرَةٌ): أَي: رجعة غير رابحة من الكر وهو الرجوع.
(بِالسَّاهِرَةِ): وهي وجه الأَرض، والعرب تسميه ساهرة؛ لأَن فيه نوم الحيوان وسهره.
التفسير:
١ - (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا):
هذه أَولُ الطوائف الخمس من الملائكة الموكلين بأَعمال جسام بأَمره تعالى، وهم الذين أَقسم سبحانه على أَن الخلق لا بد أَن يبعثوا ويحاسبوا، وجواب القسم أَشار إِليه مضمرا، كأَنه قال: لتبعثن ولتحاسبن، وذلك لمعرفة السامعين بالمعنى، وقيل غير ذلك.
والطائفة الأُولى وهي ملائكة العذاب التي تنزع أَرواح الكفار بقسوة وشدة من أَقاصي أَجسامهم نزعًا بالغا غاية الصعوبة والعسر كما يشير إِلى ذلك قوله: (غَرْقًا) أَي: إِغراقًا ومبالغة فيما يؤلمهم ويؤذيهم، وتختص هذه الطائفة بأُولئك الكفار على ما أَخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وعن على -كرم الله وجهه- قال ابن مسعود: تنزع الملائكة روح الكافر من جسده من تحت كل شعرة، ومن تحت الأَظافر وأُصول القدمين، ثم تفرقها في جسده ثم تنزعها حتى إِذا كادت تخرج تردها في جسده وهكذا مرارًا.
стр. 5389
٢ - (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا):
وهي ملائكة الرحمة التي تنشط أَرواح المؤمنين برفق ولين، وذلك مما يشير إِلى مسرعة الإِخراج وعدم حاجته إِلى معالجة وجهد، يقال: بئر أَنشاط، أَي: قريبة القاع يخرج منها الماء بجذبة واحدة.
فالمادة تدل على الرفق والسهولة.
٣ - (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا):
الملائكة التي تنزل من السماءِ بأَمر الله ووحيه كالذي يسبح في الماءِ مسرعين لتنفيذ أَمره، وقال بعض السلف: همُ الملائكة يسلون أَرواح المؤمنين سلًّا رقيقًا، ثم يتركونها حتى تستريح رويدًا ثم يستخرجونها برفق ولطف، كالذي يسبح في الماء، فإِنه يتحرك برفق، فهم يرفقون في هذا الاستخراج لئلا يصل إِلى المؤمن أَلم وشدة.
٤ - (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا):
الملائكة تَسبق بأَرواح المؤمنين إِلى الجنة بسرعة، قال الحسن: هي الملائكة التي سبقت إِلى الإِيمان والتصديق بالبعث.
٥ - (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا):
الملائكة تدبر شئون الكون من السماءِ إِلى الأَرض بأَمره تعالى من الرياح، والأَمطار، والأَرزاق، والأَعمار، وغير ذلك من شئون الدنيا، وتنكير قوله: (أَمْرًا) للتهويل والتفخيم، وعطف الآيتين بالفاء للإِشارة إِلى ترتيبها على ما قبلها من غير مهلة، وقيل: إِن الإِقسام هو بِخَيْل الغزاة التي تنزع في أَعنتها نزعًا تفوق الأَعنة لطول أَعناقها لأَنها عراب، وبالتي تخرج من دار الإِسلام إِلى دار الحرب من قولك: ثورنا شط: إِذا خرج من بلد إِلى بلد، وبالتي تسبح في جريها فتسبق إِلى الغاية، فتدبر أَمر الغلبة والظفر، وإِسناد أَمر التدبير إليها لأَنها من أَسبابه.
стр. 5390
وقيل: إِن الإِقسام بالنجوم السيارة التي تنزع من المشرق إِلى المغرب، أَي: تسير، وإِغراقها في النزع: أَن تقطع الفلك كله على ما يبدو للناس حتى تخط في أَقصى الغرب، وبالتي تنشط، أَي: تخرج من برج إِلى برج، وبالتي تسبح في الفلك فتسبق، فندبر أَمرًا نيط بها كاختلاف الفصول، وتقدير الأَزمنة، وظهور مواقيت العبادات، والمعاملات المؤجلة إِلى غير ذلك، وقيل غير ما ذكر، إِلاَّ أَن القسم بطوائف الملائكة هو ما عليه أَكثر المفسرين بل قال ابن عطية: لا أَحفظ خلافا في أَنها الملائكة، وليس في تفسير شيء مما ذكر خبر صحيح عن رسول الله ﷺ فيما أَعلم. ويقول الآلوسي: وما ذكرته أَولا الإِقسام بالملائكة هو المرجع عندي نظرًا للمقام.
٦، ٧ - (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ):
أي: لتبعثن يوم تتحرك الراجفة رجفة شديدة تهتز وترجف عندها الأَجرام الثانية كالأَرض والجبال، وبها يختل الأَمر، ويضطرب النظام، ويصعق كل شيءٍ بَأمره تعالى، وهي النفخة الأَولى (تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) أَي: الواقعة والصيحة التي تردف الأُولى.
وإِسناد الرجف إِليها على أَنها فاعلته إِسناد مجازي وجوز أَن التفسير الراجفة بالمحركة ويكون ذلك حقيقة، لأَن (رجف) يكون بمعنى حرك وتحرك كما في القاموس.
وتتبعها وهي النفخة الثانية التي بها يسرع الخلق قيامًا من قبورهم ينتظرون الجزاءَ والحساب والمراد لتبعثن في اليوم الذي تقع فيه النفخة الأُولى حال كون النفخة الثانية تابعة لها لا قبلها باعتبار امتداد ذلك اليوم لاحتواء النفختين واعتبار امتداده مع أَن البعث لا يكون إِلا عند وقوع النفخة الثانية لتهويل اليوم ببيان كونه موقعًا لداهيتين عظيمتين، لا يبقى عند وقوع الأُولى حيَّ إِلاَّ مات، ولا عند وقوع الثانية ميت إِلا بعث، وقيل المعنى: لتبعثن، كأنه قيل لرسول الله ﷺ : اذكر لهم يوم النفختين فإِنه وقت بعثهم.
٨، ٩ - (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ):
أَي: قلوب منكري البعث في ذلك اليوم مضطربة خائفة وجلة، وعند السدي: زائلة من أَماكنها كما في قوله تعالى: "إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ" (١) يعني نزول من مكانها لتصل إِلى الحناجر.
стр. 5391
(أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ) أَي: أَبصار أَصحاب هذه القلوب ذليلة حسيرة مما عانت من الأَهوال والشدائد، وقد أُريد من وجيف القلوب شدة الخوف الواقع بأَربابها فهي كناية عنهم.
١٠ - (يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ):
حكاية لما يقوله المنكرون للبعث المكذبون بالآيات الناطقة به إِثر بيان وقوعه بطريق التوكيد القسمى، وذكر مقدماته الهائلة، وما يعرض عند وقوعها القلوب والأَبصار.
والمعنى: إِن منكري البعث يقولون -إِنكارًا له، واستبعادًا لوقوعه إِذا قيل لهم في الدنيا إنكم مبعوثون: (أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ) يعنون الحياة التي كانوا عليها أَول الأَمر قبل موتهم يقال لمن كان في أَمر فخرج منه ثم عاد إِليه: رجع في حافرته، أَي: في طريقه التي جاءَ منها فحفرها، بمعنى أَثر فيها بمشيه، وتسميتها حافرة مع أَنها محفورة، لنسبتها إِلى الحفر، أَو على المجاز كما في قوله تعالى: "فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ" (١) أَي: منسوبة إِلى الرضا، أو على المجاز وقيل: إنه -تعالى شأْنه- لما أَقسم على البعث، وبين ذُلَّهم وخوْفَهم ذكر هنا إقرارهم بالبعث، وردهم إِلى الحياة بعد الموت، فالاستفهام لاستغراب ما شاهدوه بعد الإِنكار والجملة استئناف لبيان ما يقولون إِذ ذاك.
١١ - (أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً):
تأْكيد لإِنكار البعث بذكر حالة منافية لحصوله أَي: أَئذا كنا عظاما بليت وتفتت واختلطت بتراب الأَرض نُرد ونُبعث مع كون تلك الحالة أَبعد شيءٍ من الحياة، ذلك أَمر بعيد الحصول.
وفرق بين العظام الناخرة والنخرة -حيث إِن النخرة فسرت بالأَشد بِلي، قال عمرو بن العلاءِ: النخرة: التي بليت، والناخرة التي لم تنخر بعدُ، ونقل اتحاد المعنى عن غيره.
стр. 5392
١٢ - (قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ):
حكاية لكفر آخر من منكري البعث متفرع عن كفرهم السابق الذي أَنكروا فيه البعث، أَي: قالوا بطريق الاستهزاء مشيرين إِلى ما أَنكروه من الرد في الحافرة مشعرين بغاية بعده عن الوقوع: (تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ) أَي: رجعة ذات خُسْر، أَو خاسر أَهلها، بمعنى إِذا صحت تلك الرجعة وعدنا إِلى ما كنا عليه من الحياة فنحن خاسرون لتكذيبنا بها، وأَبرزوا ما قطعوا بانتفائه واستحالته في صورة ما يغلب على الظن وقوعه لمزيد من الاستهزاءِ والسخرية.
١٣ - (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ):
تقليل لإِنكارهم إِحياء الموتى الذي عبروا عنه الكرَّة ولما كان مدار إِنكارهم للكرَّة استصعابهم لها، رد عليهم سبحانه بالآية الكريمة: لا تحسبوا تلك الكَّرةَ صعبة على الله فإِنها سهلة هينة لأَنها ما هي إِلا صيحة واحدة تحصل بها الرجعة وتتحقق، وهي النفخة الثانية، وعبر عنها بالزجرة تنبيها على كمال اتصالها بها كأَنها عينها، وبهذه النفخة التي ينفخها إسرافيل ﵇ في الصور يبعث الله الأَولين والآخرين فإِذا هم قيام بين يدي الرب ينظرون، كما قال سبحانه: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا) (١) وكما قال جل وعلا: "وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ" (٢).
١٤ - (فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ):
بيان لترتيب الرجعة على الزجرة مفاجأَة، أَي: فإِذا هم حضور في الموقف على وجه الأَرض بعدها كانوا أَمواتًا في جوفها، قال ابن عباس: الساهرة: الأَرض كلها، وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة، وحكى الراغب في الساهرة قولين: الأَول: أَنها وجه الأَرض، والثاني أنها أَرض القيامة، وفي الكشاف: الأَرض البيضاء التي لا نبات فيها المستوية، سميت
стр. 5393
بذلك لأَن السراب يجري فيها من قولهم: عين ساهرة: جارية الماء، وفي ضدها: عين نائمة، أَي: أَن سالكها لا ينام خوف الهلكة، إِلى غير ذلك من الأَقوال التي ذكرها المفسرون.
(هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦))
المفردات:
(بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ): الوادي المطهر المبارك.
(طُوًى): اسم للوادي المقدس على الصحيح.
(إِنَّهُ طَغَى): جاوز الحد في الظلم والطغيان.
(إِلَى أَنْ تَزَكَّى): إِلى أَن تسلم وتطيع وتطهر من الذنوب.
(الآيَةَ الْكُبْرَى): هي قلب العصا حيَّة، أَو هي اليد البيضاء.
(ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى): ثم تولى وأَعرض عن الإِيمان مجدًّا في معارضته.
(فَحَشَر): فجمع السحرة من المدائن، أَو الجند، أَو هما معًا (فَحَشَر): من الحشر، وهو إِخراج الجماعة من مقرهم، وتوجيههم إِلى الحرب ونحوها.
стр. 5394
(نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى): وهو عذاب الآخرة بالإِحراق، وعذاب الأُولى بالإِغراق، والنكال: مصدر بمعنى التنكيل.
التفسير:
١٥ - (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى):
بخير الله تعالى رسوله محمدًا ﷺ عن عبده موسى ﵇ أَنه ابتعثه إِلى فرعون، وأَيده بالمعجزات البينات، ومع ذلك استمر عدو الله على كفره وعصيانه سادرًا في بغيه وظلمه حتى أَخذه الله أَخذ عزيز مقتدر، وكذلك عاقبة من خالفك، وكذب بما جئت به، وفي هذا تسلية لرسوله ﷺ من تكذيب قومه، وتهديدهم له بأَن يصيبهم مثل ما أَصاب من كان أَقوى منهم وأَعظم. ولهذا قال سبحانه في آخر القصة: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) والاستفهام في الآية لحمل رسوله ﷺ أَن يستمع إِلى أَمر يعرفه قبل ذلك، كأَنه قيل: أَليس قد أَتاك حديث موسى ﵇؟! أَو الاستفهام ترغيب لسماع القصة إِن اعتبر أَن هذا أَول ما أَتاه من حديثه ﵇ كأَنه قيل: هل أَتاك حديثه؟ أَنا أَخبرك به، والأَول هو المتبادر.
١٦ - (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى):
أَي: كَانَ حديث موسى في الوقت الذي: ناداه ربه سبحانه بالوادي المبارك المطهر وهو واد في أَسفل جبل طور سيناء من برية الشام، (طُوًى): اسم لذلك الوادي المقدس مرة بعدة أُخرى.
١٧ - (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى):
على إِرادة القول، أَي: قائلا له: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ) الآية، أَو تفسير للنداء، أَي: ناداه (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ) … إِلخ. (إِنَّهُ طَغَى): جاوز الحد في الطغيان على رعيته من بني إِسرائيل، وعلا في الكبر والعظمة ظنًّا منه أَن هذا من مظاهر الأُلوهية، والجملة تعليل للأَمر بالذهاب إِليه، أو لوجود الأَمر بالامتثال بما أَمر به.
стр. 5395
١٨ - (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى):
أَي: فقل له: هل لك رغبة في أَن تتطهر من دنس الكفر والعصيان، ورذائل الأَخلاق والعادات؟ وهو استفهام يقصد به العرض والطلب، وهو أَفضل أَنواعه، وأَوفقها باللطف والأَدب في الدعوة. وقدَّم طلب التطهر على طلب الهداية في الآية التالية، لأَنها تخلية، وهي مقدمة على التحلية.
١٩ - (وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى):
أَي: وهل تحب أَن أَدلك وأَرشدك إِلى معرفة ربك فتعرفه؟ (فَتَخْشَى): بأَن يصير قلبك خاضعًا لله مطيعًا بعد ما كان قاسيًا خبيثًا بعيدًا عن الخير، وبأَن يمتلئ علمًا بجلاله وعلو شأْنه كما قال تعالى: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (١) فمن اتقاه أَمن عقابه، والخشية: ملاك الأَمر، وغاية الهداية، ومن تمسك بها أَتى منه كل خير، ومن تركها اجترأَ على كل شر، قال رسول الله ﷺ فيما رواه الترمذي عن أَبي هريرة: "مَنْ خافَ أَدلجَ (٢) ومَن أَدلجَ بلغَ المنزلَ" وعن بعض الحكماءِ: اعرف الله، فمن عرف الله لم يقدر أَن يعصيَهُ طرفهَ عين.
٢٠ - (فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى):
أَي: لما لم يقتنع فرعون بالدليل القولي، أَظهر -سبحانه- له آية ودليلا يراه بعينه بعدما جرى بين موسى ﵇ وبينه من المحاورات إِلى أَن: "قَالَ إِنْ كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ" (٣) والمراد بالآية الكبري على ما روي عن ابن عباس: قلب العصا حيَّة، فإِنها كانت المقدمة والأَصل، والأُخريات كالتبع أو على ما روي عن مجاهد: ذلك واليد البيضاء، فإِنها باعتبار الدلالة كالآية الواحدة، وقد عبر عنهما بصيغة الجمع في قوله تعالى في سورة طه: "اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي" باعتبار ما في تضاعيفهما من بدائع الأُمور التي كُلٌّ منها آية لقوم يعلمون، وكونها كبري باعتبار معجزات من قبله