(أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ) أَي: أَبصار أَصحاب هذه القلوب ذليلة حسيرة مما عانت من الأَهوال والشدائد، وقد أُريد من وجيف القلوب شدة الخوف الواقع بأَربابها فهي كناية عنهم.
١٠ - (يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ):
حكاية لما يقوله المنكرون للبعث المكذبون بالآيات الناطقة به إِثر بيان وقوعه بطريق التوكيد القسمى، وذكر مقدماته الهائلة، وما يعرض عند وقوعها القلوب والأَبصار.
والمعنى: إِن منكري البعث يقولون -إِنكارًا له، واستبعادًا لوقوعه إِذا قيل لهم في الدنيا إنكم مبعوثون: (أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ) يعنون الحياة التي كانوا عليها أَول الأَمر قبل موتهم يقال لمن كان في أَمر فخرج منه ثم عاد إِليه: رجع في حافرته، أَي: في طريقه التي جاءَ منها فحفرها، بمعنى أَثر فيها بمشيه، وتسميتها حافرة مع أَنها محفورة، لنسبتها إِلى الحفر، أَو على المجاز كما في قوله تعالى: "فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ" (١) أَي: منسوبة إِلى الرضا، أو على المجاز وقيل: إنه -تعالى شأْنه- لما أَقسم على البعث، وبين ذُلَّهم وخوْفَهم ذكر هنا إقرارهم بالبعث، وردهم إِلى الحياة بعد الموت، فالاستفهام لاستغراب ما شاهدوه بعد الإِنكار والجملة استئناف لبيان ما يقولون إِذ ذاك.
١١ - (أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً):
تأْكيد لإِنكار البعث بذكر حالة منافية لحصوله أَي: أَئذا كنا عظاما بليت وتفتت واختلطت بتراب الأَرض نُرد ونُبعث مع كون تلك الحالة أَبعد شيءٍ من الحياة، ذلك أَمر بعيد الحصول.
وفرق بين العظام الناخرة والنخرة -حيث إِن النخرة فسرت بالأَشد بِلي، قال عمرو بن العلاءِ: النخرة: التي بليت، والناخرة التي لم تنخر بعدُ، ونقل اتحاد المعنى عن غيره.
стр. 5392
١٢ - (قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ):
حكاية لكفر آخر من منكري البعث متفرع عن كفرهم السابق الذي أَنكروا فيه البعث، أَي: قالوا بطريق الاستهزاء مشيرين إِلى ما أَنكروه من الرد في الحافرة مشعرين بغاية بعده عن الوقوع: (تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ) أَي: رجعة ذات خُسْر، أَو خاسر أَهلها، بمعنى إِذا صحت تلك الرجعة وعدنا إِلى ما كنا عليه من الحياة فنحن خاسرون لتكذيبنا بها، وأَبرزوا ما قطعوا بانتفائه واستحالته في صورة ما يغلب على الظن وقوعه لمزيد من الاستهزاءِ والسخرية.
١٣ - (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ):
تقليل لإِنكارهم إِحياء الموتى الذي عبروا عنه الكرَّة ولما كان مدار إِنكارهم للكرَّة استصعابهم لها، رد عليهم سبحانه بالآية الكريمة: لا تحسبوا تلك الكَّرةَ صعبة على الله فإِنها سهلة هينة لأَنها ما هي إِلا صيحة واحدة تحصل بها الرجعة وتتحقق، وهي النفخة الثانية، وعبر عنها بالزجرة تنبيها على كمال اتصالها بها كأَنها عينها، وبهذه النفخة التي ينفخها إسرافيل ﵇ في الصور يبعث الله الأَولين والآخرين فإِذا هم قيام بين يدي الرب ينظرون، كما قال سبحانه: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا) (١) وكما قال جل وعلا: "وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ" (٢).
١٤ - (فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ):
بيان لترتيب الرجعة على الزجرة مفاجأَة، أَي: فإِذا هم حضور في الموقف على وجه الأَرض بعدها كانوا أَمواتًا في جوفها، قال ابن عباس: الساهرة: الأَرض كلها، وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة، وحكى الراغب في الساهرة قولين: الأَول: أَنها وجه الأَرض، والثاني أنها أَرض القيامة، وفي الكشاف: الأَرض البيضاء التي لا نبات فيها المستوية، سميت
стр. 5393
بذلك لأَن السراب يجري فيها من قولهم: عين ساهرة: جارية الماء، وفي ضدها: عين نائمة، أَي: أَن سالكها لا ينام خوف الهلكة، إِلى غير ذلك من الأَقوال التي ذكرها المفسرون.
(هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦))
المفردات:
(بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ): الوادي المطهر المبارك.
(طُوًى): اسم للوادي المقدس على الصحيح.
(إِنَّهُ طَغَى): جاوز الحد في الظلم والطغيان.
(إِلَى أَنْ تَزَكَّى): إِلى أَن تسلم وتطيع وتطهر من الذنوب.
(الآيَةَ الْكُبْرَى): هي قلب العصا حيَّة، أَو هي اليد البيضاء.
(ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى): ثم تولى وأَعرض عن الإِيمان مجدًّا في معارضته.
(فَحَشَر): فجمع السحرة من المدائن، أَو الجند، أَو هما معًا (فَحَشَر): من الحشر، وهو إِخراج الجماعة من مقرهم، وتوجيههم إِلى الحرب ونحوها.
стр. 5394
(نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى): وهو عذاب الآخرة بالإِحراق، وعذاب الأُولى بالإِغراق، والنكال: مصدر بمعنى التنكيل.
التفسير:
١٥ - (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى):
بخير الله تعالى رسوله محمدًا ﷺ عن عبده موسى ﵇ أَنه ابتعثه إِلى فرعون، وأَيده بالمعجزات البينات، ومع ذلك استمر عدو الله على كفره وعصيانه سادرًا في بغيه وظلمه حتى أَخذه الله أَخذ عزيز مقتدر، وكذلك عاقبة من خالفك، وكذب بما جئت به، وفي هذا تسلية لرسوله ﷺ من تكذيب قومه، وتهديدهم له بأَن يصيبهم مثل ما أَصاب من كان أَقوى منهم وأَعظم. ولهذا قال سبحانه في آخر القصة: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) والاستفهام في الآية لحمل رسوله ﷺ أَن يستمع إِلى أَمر يعرفه قبل ذلك، كأَنه قيل: أَليس قد أَتاك حديث موسى ﵇؟! أَو الاستفهام ترغيب لسماع القصة إِن اعتبر أَن هذا أَول ما أَتاه من حديثه ﵇ كأَنه قيل: هل أَتاك حديثه؟ أَنا أَخبرك به، والأَول هو المتبادر.
١٦ - (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى):
أَي: كَانَ حديث موسى في الوقت الذي: ناداه ربه سبحانه بالوادي المبارك المطهر وهو واد في أَسفل جبل طور سيناء من برية الشام، (طُوًى): اسم لذلك الوادي المقدس مرة بعدة أُخرى.
١٧ - (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى):
على إِرادة القول، أَي: قائلا له: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ) الآية، أَو تفسير للنداء، أَي: ناداه (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ) … إِلخ. (إِنَّهُ طَغَى): جاوز الحد في الطغيان على رعيته من بني إِسرائيل، وعلا في الكبر والعظمة ظنًّا منه أَن هذا من مظاهر الأُلوهية، والجملة تعليل للأَمر بالذهاب إِليه، أو لوجود الأَمر بالامتثال بما أَمر به.
стр. 5395
١٨ - (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى):
أَي: فقل له: هل لك رغبة في أَن تتطهر من دنس الكفر والعصيان، ورذائل الأَخلاق والعادات؟ وهو استفهام يقصد به العرض والطلب، وهو أَفضل أَنواعه، وأَوفقها باللطف والأَدب في الدعوة. وقدَّم طلب التطهر على طلب الهداية في الآية التالية، لأَنها تخلية، وهي مقدمة على التحلية.
١٩ - (وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى):
أَي: وهل تحب أَن أَدلك وأَرشدك إِلى معرفة ربك فتعرفه؟ (فَتَخْشَى): بأَن يصير قلبك خاضعًا لله مطيعًا بعد ما كان قاسيًا خبيثًا بعيدًا عن الخير، وبأَن يمتلئ علمًا بجلاله وعلو شأْنه كما قال تعالى: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (١) فمن اتقاه أَمن عقابه، والخشية: ملاك الأَمر، وغاية الهداية، ومن تمسك بها أَتى منه كل خير، ومن تركها اجترأَ على كل شر، قال رسول الله ﷺ فيما رواه الترمذي عن أَبي هريرة: "مَنْ خافَ أَدلجَ (٢) ومَن أَدلجَ بلغَ المنزلَ" وعن بعض الحكماءِ: اعرف الله، فمن عرف الله لم يقدر أَن يعصيَهُ طرفهَ عين.
٢٠ - (فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى):
أَي: لما لم يقتنع فرعون بالدليل القولي، أَظهر -سبحانه- له آية ودليلا يراه بعينه بعدما جرى بين موسى ﵇ وبينه من المحاورات إِلى أَن: "قَالَ إِنْ كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ" (٣) والمراد بالآية الكبري على ما روي عن ابن عباس: قلب العصا حيَّة، فإِنها كانت المقدمة والأَصل، والأُخريات كالتبع أو على ما روي عن مجاهد: ذلك واليد البيضاء، فإِنها باعتبار الدلالة كالآية الواحدة، وقد عبر عنهما بصيغة الجمع في قوله تعالى في سورة طه: "اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي" باعتبار ما في تضاعيفهما من بدائع الأُمور التي كُلٌّ منها آية لقوم يعلمون، وكونها كبري باعتبار معجزات من قبله
стр. 5396
من الرسل ﵇ ولا مساغ لحمل "آياتي" في الآية المذكورة على مجموع معجزاته فإِن ماء هاتين الآتيتين من الآيات التسع إِنما ظهرت على يده ﵇ على مهل بعد ما غلب السحرة. وترتيب حشد السحرة لم يكن إِلا على إِرادة هاتين الآيتين.
٢١ - (فَكَذَّبَ وَعَصَى):
أَي: فكذب فرعون بموسى ﵇ واعتبر معجزاته الباهرة سحرًا (وَعَصَى) الله بالتمَرد على نبيه بعد ما علم صحة الدعوة أَشد عصيان وأَقبحه؛ مما دعاه إِلى إِنكار وجود الله رب العالمين، وكان هو وقومه مأْمورين بعبادته ، وترك العظمة التي يدعيها ويقبلها من فئته الباغية.
٢٢، ٢٤ - (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى):
أَي: ثم تولى عن موسى، وأَمعن في تكذيبه مجتهدًا في مكايدته، أَو لما رأَى الثعبان أَدبر مرعوبا يسرع في مشيته من هول ما رأَى، حيث رآه ضخمًا قويًّا، فاغرا فاه متجها نحوه وتبعه قومه -يعلوهم الفزع والاضطراب منهزمين
(فَحَشَرَ فَنَادَى) أَي: فجمع السحرة، ويشير إِلى ذلك قوله تعالى: "فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ" (١) وقوله تعالى: "فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى" (٢) أَي: فجمع ما يكاد به من السحرة وآلاتهم، وقيل: جنوده، ويجوز أَن يراد جميع النَّاس في مملكته، وبعد أَن جمعهم وقف فيهم خطيبا، فنادى بنفسه أَبو بواسطة المنادى، والأَول هو المناسب لقوله تعالى: (أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى) لا رب فوقي، وكانت لهم أَصنام يعبدونها.
٢٥ - (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى):
أَي: فأَهلكه الله ونكل به تنكيل الآخرة، وهو الإِحراق، وتنكيل الأُولى، وهو الإِغراق، وعمل الآخرة والأُولى على الدارين هو الظاهر.
стр. 5397
وروى عن الحسن وابن زيد وغيرهما، وعن ابن عباس وعكرمة والضحاك والشعبي أَن الآخرة قولته: (أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى) والأُولى قولته: "مَا عَلِمْتَ لَكُم مِّنْ إِلهٍ غَيْرِي" وعن مجاهد أَنهما عبارتان عن أَول معاصية وآخرها، وعلى ذلك، فالتنكيل به والتعذيب له يسببهما ما وقع منه، وما سيقع.
٢٦ - (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى):
أَي: إِن فيما ذكر من قصة فرعون، وما اقترف من آثام، وما عوقب به من تنكيل وتخذيل لموعظة لمن شأْنه أَن يخشى، أَي: لمن له عقل يتدبر به عواقب الأُمور ومصائرها، فينظر في حوادث الماضين، وأَحوال الحاضرين ويتعظ بها.
(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ (٣٣))
المفردات:
(رَفَعَ سَمْكَهَا) السَّمْكُ: العلو والارتفاع، يقال: سَمَكْتُ الشيءَ: رفعتُه في السماءِ، وبناءٌ مَسْموكٌ: عال مرتفع.
(فَسَوَّاهَا): جعلها ملساءَ مستوية.
(وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا): أي: أَظلمه، يقال: غطش اللَّيل من باب ضرب، وأَغطش: صار مظلما وأَظلمه الله.
(دَحَاهَا): بسطها ومدَّها من الدحو أَو الدحي يعني البسط.
стр. 5398
التفسير
٢٧، ٢٨ - (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا):
الاستفهام للتقريع والتوبيخ لأَهل مكة المنكرين للبعث بناءً على صعوبته في زعمهم، أَي: أَخَلْقُكُمْ بعد موتكم أَشق وأَصعب أَم خلق السماءِ على عظمها، وانطوائها على الأَعاجيب والبدائع التي يحار العقل في إِدراك كنهها؟! (بَنَاهَا): يضم أَجزائها المتفرقة بعضها لبعض بعد أَن خلقها بقدرته مع ربطها بما يمسكها حتى تكون بنية واحدة، وهكذا صنع -سبحانه- بالكواكب، ووضع كلا على نسبة من الآخر مع ما يمسكه في مداره التي كان منها عالم واحد في النظر سمى باسم واحد وهو السماء التي تعلونا، وعدم ذكر الفاعل فيه وفيما عطف عليه من الأَفعال للتنبيه على تعينه وتفخيم شأْنه ما لا يخفى
(رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) بيان للبناءِ، أَي: رفع جرمها، وأَعلى قبتها وجعل مقدار ارتفاعها من الأَرض، وذهابها إِلى جهة العلو مديدًا رفيعًا، قال ابن كثير (١) أَي: جعلها عالية البناء بعيدة الفناء مستوية الأَرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء (فَسَوَّاهَا) بوضع كل جرم في موضعه حسبما اقتضته الحكمة، وقيل: فسواها بجعلها ملساء مستوية لا ارتفاع فيها ولا انخفاض.
٢٩ - (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا):
أَي: جعل الله ليلها مظلمًا؛ لأَنه يقال: أَغطش الليل، كما يقال: أَظلم، ونسبة الليل إِلى السماء لأَنه يكون بمغيب كوكبها وهو الشمس (وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا) أَي: وأَبرز نهارها، والضحى في الأَصل على ما يفهم من كلام الراغب: انبساط الشمس، وامتداد النهار، ثم سمى به الوقت المعروف، وشاع في ذلك وتجوز به عن النهار بقرينة المقابلة بالليل، وعبر عن النهار بالضحى لأَنه أَشرف أَوقاته وأَطيبها وفيه من انتعاش الأَرواح ما ليس في سائرها فكان أوفق لمقام تذكير الحجة على منكري البعث، وإِعادة الأَرواح إِلى أَبدانها، وإِضافة الضحى إِلى السماء لأَنه يحدث بسبب طلوع الشمس.
стр. 5399
٣٠ - (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا):
أَي: بعد تسوية السماء على الوجه السابق، وإغطاش اللَّيل، وإِخراج النهار (دَحَاهَا) أَي: بسطها ومهدها لسكنى أَهلها وتقلبهم في أَقطارها، ويشير إِلى أَن معنى الدحْو أَو الدحي البسط قول أُمية بن أَبي الصلت:
وبث الخلق فيها إذ دحاها … فهم قطَّانها حتى التنادي
وقيل: دحاها: سواها.
والأَكثرون على الأول، والظاهر أَن دحوها بعد خلقها، وقيل: معه، أَي: خلقها مدحوة، وروى الأَول عن ابن عباس، ولعل المراد من خلقها أَولا ثم دحوها ثانيًا، خلق مادتها أَولا ثم تركيبها وإِظهارها على هذه الصورة والشكل مدحوة مبسوطة، كما قيل في قوله تعالى: "ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ" إِلى قوله: "فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ" (١) أَي: إِن السماءَ خلقت مادتها أَولا ثم سويت وأُظهرت على صورتها اليوم.
٣١ - (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا):
أَي: أخرج -سبحانه- من الأَرض الماء وذلك بتفجير الينابيع والعيون، وإِجراء الأَنهار، كما أَخرج منها المرعى، ويقع على الرَّعْي وهو الكلأُ، أَو المراد به كل ما يرعى المرعيّ مما يأَكله الناس والأَنعام، وتجريد الجملة عن العاطف لأَنها بيان وتفسير لـ (دَحَاهَا) وتكملة له، فإن السكنى لا تتأَتي بمجرد البسط والتمهيد، بل لا بد من تسوية أَمر المعاش من المأكل والمشرب.
٣٢ - (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا):
أَي: أَثبت الله الجبال في مكانها، وجعلها وقاية للأَرض أَن تميد بأَهلها، والتعبير
стр. 5400
عنها بالرواسي في كثير من آيات التنزيل ليس لأَن الرسو المنسوب إِليها من مقتضيات ذواتها، بل هو بإِرسائه ولولاه لما ثبتت في أَنفسها فضلا عن إِثباتها للأَرض:
٣٣ - (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ):
أَي: فعل -سبحانه- ذلك كله ليتمتع به الناس والأَنعام، حيث إِن فائدة البسط والتمهيد، وإِخراج الماء والمرعى واصلة إِليهم، وعائدة عليهم وعلى أَنعامهم.
وحاصل المعنى: أَفلا يكون خالقكم وواهبكم ما به تَحْيَوْن، ورافع السماءِ فوقكم وباسط الأَرض تحتكم قادرًا على بعثكم؟! وهل يليق به -سبحانه- أَن يترككم سُدى بغير حساب وجزاءٍ بعد أَن دبركم هذا التدبير ووفر لكم ذلك الخير الكثير، وهو لا يصعب عليه بعثكم - كما تزعمون- بعد أَن شاهدتم الأَعاجيب التي أَوجدتها قدرة القادر العظيم؟!
(فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦))
стр. 5401
المفردات:
(الطَّامَّةُ الْكُبْرَى): كالْعَلَمِ على يوم القيامة، وسميت بذلك لأَنها تطم على كل أَمر مفظع، أَي: تغلب وتفوق ما عرفوه من دواهي الدنيا، ومن طمَّ الشيءِ، يطُمُّه طَمًّا: غمره، وكل ما كثر وعلا حتى غلب فقد طم.
(فَأَمَّا مَنْ طَغَى): جاوز الحد في العصيان والكفر.
(هِيَ الْمَأْوَى): المقر والمرجع.
(وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى): أَصل الهوى: مطلق الميل، وشاع في الميل إِلى الشهوات.
(أَيَّانَ مُرْسَاهَا): أَي: متى يقيمها الله ويثبتها، والمرسى: من رسا بمعنى ثبت.
(فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا): أَي: ليس علمها إِليك ولا إِلى أَحد من الخلق.
التفسير
٣٤ - (فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى):
شروع في بيان معادهم إِثر بيان معاشهم، كقوله تعالى: (مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكْمْ) والطامة الكبرى: هي الداهية العظمى التي تطم على ما سواها، أَي: تغلب وتفوق ما عرفوه من دواهي الدنيا، وهي كالْعَلَم ليوم القيامة، وروى كونها اسمًا من أَسمائها عن ابن عباس، وروى عنه أَيضًا وعن الحسن أَنها النفخة الثانية، وقيل: إِنها الساعة التي يساق فيها أَهل الجنة إلى الجنة وأَهل النار إلى النار، وقيل: هي ساعة يساق أَهل النار، ووصفت بالكبرى لأَنها أَعظم الدواهي مطلقًا.
٣٥ - (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى):
المراد: يوم يتذكر كل امرئ ما عمله من خير أَو شر بأَن يشاهده مدونا في صحيفة أَعماله، وقد كان نسيه من فرط الغفلة، أَو طول الأَمد، أَو لشدة ما لقي، أَو لكثرته التي تعجز الحافظ عن الضبط لقوله تعالى: "أَحْصَاُه الله وَنَسُوهُ" (١).
стр. 5402
٣٦ - (وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى):
عطف على (جَآءَتْ) من قوله سبحانه: (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى) أَي: أُظهرت إِظهارًا بينًا فلا تخفى على أَحد (لِمَنْ يَرَى) أَي: لمن شأْنه الرؤْية كائنا من كان، روى أَنه يكشف عنها فتتلظى فيراها كل ذي بصر.
٣٧ - ٣٩ - (فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى):
تفصيل لجواب (إِذَا) من قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى) وهو مقدَّر بنحو: وزع الجزاء على العمل، أَو ظهرت الأَعمال ونشرت الصحف، أَو وقع ما لا يدخل تحت حصر.
(فَأَمَّا مَنْ طَغَى) أَي: عتا وتمرد على الطاعة، وجاوز الحد في العصيان
(وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) أَي: فضل لذائذها وشهواتها، وأَتْبع نفسه هواها، ولم يستعدّ للحياة الأخروية الأَبدية بالإِيمان والتقوى
(فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) أَي: دارُ العذاب مأْواه ومستقره، ويتجرع فيها نارًا يتأَجج لظاها تشوي الوجوه، وتنضج الجلود، وكلما نضج جلده بدله الله جلدًا غيرهُ ليذوق العذاب، قيل: نزلت الآية في النضر وأَبيه الحارث المشهورين بالغلو في الكفر والعصيان.
٤٠ - ٤١ - (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى):
أَي: وأَما عن عرف بسطة السلطان الإِلهي، فخاف مقامه بين يدي ذي الجلال الرفيع يوم الطامة الكبرى وزجر نفسه عن هواها الباطل الذي يميل بها إِلى اقتراف الآثام بحكم الجبلة البشرية، وأَهمل متاع الحياة الدنيا وزخافها التي تعمى وتصم، ولم يغتر بزهرتها وزينتها علمًا منه بوخامة العاقبة. هذا وقد شاع الهوى في الميل إِلى الشهوة، وسمى بذلك -على ما قال الراغب- لأَنه يَهْوِي بصاحبه في الدنيا إِلى كل واهية، وفي الآخرة إِلى الهاوية، ولذلك مدَح مخالفه، قال بعض الحكماء: إِذا أَردت الصواب فانظر هواك فخالفه. وقال الفضيل: أَفضل الأَعمال مخالفة الهوى، إِلى غير ذلك من الأَقوال الداعية إِلى مجافاته
стр. 5403
والبعد عنه
(فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) له لا غيرها أَي: نزله الذي يتمتع فيه بالنعم المقيم، والسعادة الدائمة، وعن ابن عباس أَن الآيتين نزلتا في أبي عزيز بن عمير وأَخيه مصعب ابن عمير ﵁ كان الأَول كافرًا مؤثرًا الحياة الدنيا، وكان مصعب خائفًا مقام ربه ناهيًا النفس عن الهوى، وقد وفى رسول الله ﷺ بنفسه يوم أُحد حين تفرق الناس عنه، حتى نفذت السهام في جسمه، فلما رآه ﵊ متشحطًا (١) في دمه قال: عند الله أَحتسبك .. إِلخ القصة، رواها الآلوسي.
٤٢ - ٤٤ (يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا):
كان أَهل العناد والكفر من قريش يسأَلون رسول الله ﷺ عن الساعة متى إِرساؤُها؟ أَي: إِقامتها وإِثباتها يريدون بسؤالهم له ﷺ أَن يبين لهم الزمان الذي يقيمها فيه ويبثها جل وعلا.
وجوز أَن يكون السؤال عن المكان الذي تنتهي إِليه، أَي: متى مستقرها ومنتهاها؟ كما أَن مرسى السفينة حيث تنتهي.
وكان النبي ﷺ يردد في نفسه ما يقولون، ويتمنى لو أَمكنه الجواب عما يسأَلون كما هو شأْن الحريص على الهداية، الجاهد في الإِقناع، فهناه ربه عن تمنى ما لا يرجى، وجاءَ النهي على صورة الاستفهام، حيث قال -سبحانه-: (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) بمعنى في أَي شيءٍ أَنت من مداومة تذكرها والتطلع إِلى إِخبارهم بوقتها؟ فإِن ذلك ليس من شأنك (٢)، أَو الاستفهام إِنكار ورد لسؤال المشركين عنها، أَي: في أَي شيءٍ أَنت من أَن تذكر لهم
стр. 5404
وقتها. وتعلمهم به حتى يسألوك بيانها -فما أَنت من ذلك في علم به، كقولك: ليس فلان في شيءٍ أَي: في علم. وقيل: (فِيمَ) إِنكار ورد لسؤالهم، وما بعده (أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) استئناف لتعليل الإِنكار، وبيان لبطلان السؤال، أَي فيم هذا السؤال، ثم ابتدئ فقال: (أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) أَي: إِرسالك وأَنت خاتم النبيين المبعوث في نسم الساعة (١) علامة من علاماتها ودليل يدلهم على العلم بقرب وقوعها، فحسبهم هذه المرتبة من العلم.
(إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا) أَي: إِلى ربك وحده ينتهي علمها، ليس لأَحد منه شيءٌ كائنا من كان، أَو إِليه تعالى يرجع العلم بكنهها، وتفاصيل أَمرها ووقت وقوعها لا إِلى غيره سبحانه، وإِنما وظيفتهم أَن يعلموا بقربها ومشارفتها، وقد حصل لهم ببعثك الذي هو علامة من علاماتها، فما معنى سؤَالهم عنها بعد ذلك؟!
٤٥ - (إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا):
جاءَ هذا لدفع ما قد يتوهم -حسب الظاهر- من أَنه ﷺ ليس له أن يذكرها بوجه من الوجوه، فأُزيح ذلك ببيان أَن المنفي عنه ﵊ ذكرها بقصد تعيين وقتها لهم حينما كانوا يسأَلونه عنها، والمراد إِنما شأْنك أَن تنذر من يخشاها فتنبهه من غفلته حتى يستعد لما يلقاه يومها من أَهوال وشدائد، فوظيفتك الامتثال بما أَمرت به من بيان اقترابها لا تعيين وقتها الذي لم يفوض إِليك، فلا تشغل نفسك بما عنه يسأَلون.
وتخصيص الإِنذار بمن يخشى -مع عموم الدعوة- لأَنه المنتفع بالإِنذار بها، والتخويف منها.
٤٦ - (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا):
أَي: كأَنهم يوم يرون الساعة لم يلبثوا بعد الإنذار بها إِلا عشية يوم أَحد أَو ضحاه، والعشية: من الزوال إِلى الغروب، والضحى: من طلوع الشمس إِلى الزوال، والمراد: أَنهم يستقصرون بعد قيامهم من قبورهم وذهابهم إِلى الحشر -يستقصرون- مدة الحياة
стр. 5405
الدنيا حتى كأَنها عندهم كانت عشية من يوم أَو ضحاه، وقال قتادة: ذلك وقت الدنيا حين عاينوا الآخرة وما فيها.
قيل: إذا جاءَت الساعة ذهبت صورة كل زمان مضى من أَذهانهم سواءٌ طال أو قصر، فحسبوا أَنهم لم يمكثوا من يوم خلقهم إلى بعثهم إلا عشية أو ضحاها، أي: طرف من أطراف النهار لا نهارًا كاملا؛ لما هم فيه من خوف وهلع.
وإنما صح إضافة الضحى إلى ضمير العيشة لما بينهما من الملابسة لكونهما في نهار واحد.
والآتية رد لما أَدمجوه في سؤالهم، فإنهم كانوا يسألون عنها بطريق الاستبطاء لها قصدًا إلى الاستهزاء بها كما حكى عنهم "وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ" (١) ومثل هذه (٢) قوله تعالى: "كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ" (٣) والله أعلم.
стр. 5406
سورة عبس
مكية وعدد آياتها اثنتان وأربعون آية وتسمى أيضا الصاخة، والسفرة
صلتها لما قبلها:
لما ذكر سبحانه في السورة التي قبلها (سورة النازعات) "إِنَّما أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ذكر في هذه مَنْ ينفعه الإِنذار.
أهم مقاصد السورة:
بدأَت السورة بعتاب النبي ﷺ على ما كان منه من إِعراضه عن ابن أُم مكتوم وعبوسه في وجهه حين جاءَه راغبًا في العلم والهداية، وكان -صلوات الله عليه- مشغولا بدعوة سادات قريش إِلى الإسلام رجاءَ أَن يسلموا، فيسلم بإسلامهم خلق كثير. (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى) الآيات.
ثم ذكرت شرف القرآن وأَنه محفوظ مصون من عبث العابثين، وتطاول المفتوتين (كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) الآيات.
ثم أَظهرت جحود الإنسان وإنكاره البعث والقيامة، وأنه بذلك أَهل لأَن يلعن ويطرد من رحمة الله لشدة كفره بربه الذي خلقه، وتفضل عليه بنعمه التي لا تعد ولا تحصى: (قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) الآيات.
ثم أَقامت البرهان من حال النبات على البعث وإِحياءِ الموتى، وتناولت دلائل القدرة في هذا الكون حيث يسر الله للخلق سبيل العيش في هذه الحياة بما أَخرجه لهم من زروع وفواكه وأَعشاب متاعًا لأَنفسهم ودوابهم: (فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) الآيات.
ثم تحدثت عن أَهوال يوم القيامة، وما يكون فيه من فزع شديد يحمل المرءَ على أن يتنكر لأحب الناس إليه وأَقربهم من: (فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ) الآيات.
стр. 5407
وخُتمت ببيان حال المؤمنين وحال الكافرين في هذا اليوم العصيب، وما بينهما من تفاوت: فأَهل الدرجات يعلو وجوههم النور والسرور والبشر بنعيم الله، وأهل الدركات تغشى وجوهم الظلمة والسواد من غضب ربهم، وهم الكفرة الفجرة: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ .... ) الآيات.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾
المفردات:
(عَبَسَ): قطَب، من باب ضرب، أي: جمع بين عينيه.
(يَزَّكَّى): يتطهر بما يتلقاه عنك من العلم والمعرفة.
(أَوْ يَذَّكَّرُ): يتعظ بنصائحك.
(تَصَدَّى): تعرض له مقبلا عليه مهتمًا به.
стр. 5408
(وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى): أَي: مسرعًا يبتغي ما عندك من الهدى.
(تَلَهَّى): تُعرض وتتشاغل، يقال: لهى عنه كرضى ورمى، والْتهى وتَلَهَّى: تشاغل.
(إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ): أَي إِن آيات القران الكريم موعظة يجب أن يتعظ بها.
(ذَكَرَهُ): أَي: حفظ القرآن الكريم فاتعظ به.
(مَرْفُوعَةٍ): عالية القدر، أَو مرفوعة إِلى السماء.
(سَفَرَةٍ): أَي: كَتَبَةٍ، جمع سافر بمعنى كاتب، وهم الملائكة الكرام الكاتبون، أَو هم السفراءُ بين الله ورسله، جمع سافر بمعنى سفير.
التفسير
١ - ٤ - (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى):
روي أَن ابن أُم مكتوم -واسمه عمرو بن قيس بن زائدة بن جندب بن هرون- وينتهي نسبه إلى لؤي القرشي، وقيل: هو عبد الله بن شريح بن مالك بن أبي ربيعة الفهري، وقيل غير ذلك، والأول هو المشهور كما يقول الآلوسي.
وأُم مكتوم كنية أُمه، واسمها: عاتكة بنت عبد الله المخزومية، وقد أَسلم بمكة قديمًا وكان أعمى، وقد عمي بعد إبصار، وقيل، ولد أَعمى، أَتى رسولَ الله ﷺ وعنده صناديد قريش وأشرافها: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأُمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، وكان مجتمعًا بهم يدعوهم إلى الإسلام -رجاءَ أن يسلم بإسلامهم خلق كثير- فقال: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله ﷺ بالقوم، فَكَرِهَ -صلوات الله عليه وسلامه- قطْعَهُ لكلامه، وظهرت الكراهيةُ في وجهه، فعبس وأَعرض عنه، فنزلت هذه الآيات عتابًا
стр. 5409
للرسول ﷺ بعد انقضاء حديثه معهم، وذهابه إلى أهله. وقيل: نزلت في أَثنانه فكان الرسول بعد ذلك يكرمه إذا رآه، ويقول له: "مرحبا بمن عاتبنى فيه ربي" ويبسط له رداءَه ويقول: "هل لك من حاجة؟ " واستخلفه على المدينة مرتين، فكان يصلي الناس، وهو من المهاجرين الأَولين. هاجر قبل النبي ﷺ ومات شهيدًا بالقادسية يوم فتح المدائن في عهد عمر ﵁ وقيل: رجع إلى المدينة فمات بها.
والمعنى: قطب رسول الله ﷺ وجهه وأَعراض عن ابن أُم مكتوم بجسمه أَو بترك الإصغاء إليه حينما جاءَه يطلب منه أَن يقرئه، ويعلمه مما علمه الله ليزداد هداية، فقطع بطلبه كلامه ﷺ أَثناء تشاغله مع أشراف قريش، والتعبير عنه بالأعمى للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كلامه ﷺ مع القوم، وفي ذلك عتاب له ﷺ مع أَن الالتفات إلى الخطاب في قوله -سبحانه-: (وَمَا يُدْرِيكَ) إيناس بعد إيجاش، وإقبال بعد إعراض، أَي: ولو كنت درايًا بحاله لما بدر منك من عبوس وإعراض، ولعلمت بما هم مترقب منه من ترَكٍّ وتذكر، والتعبير عنه بالأَعمى مقترنًا بأَل الجنسية دفع لتوهم الاختصاص بالأَعمى المعين، وإيماءً إلى أَن كل ضعيف من مثله يستحق الإقبال عليه والرأْفة به (لَعَلَّهُ يزَّكَّى) أي: يتطهر من أَوضار الإثم بما يسمع منك من نصح وإرشاد، وعلم ومعرفة
(أَو يَذَّكر فَتَنفعَهُ الذِّكرَى) أي: يتعظ بتذكيرك إياه فتنفعه ذكراك وموعظتك وإن لم تبلغ إلى درجة التزكى التام.
والترجى في الآية للدلالة على أَن رجاءَ تزكيه أَو كونه ممن يرجى منه ذلك كافٍ في الامتناع عن العبوس له، والإعراض عنه، فكيف وقد كان تطهره محققًا لأَنه من السابقين إلى الإسلام؟
وفي الآية تعريض وإشعار بأَن من تعرض ﷺ لتزكيتهم وتذكيرهم من أَشراف قريش لا يرجى منهم التزكى والتذكر أصلا.
٥ - ٧ - (أَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى):
تفصيل لما وقع منه ﷺ أي: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى) بماله وقوته عن سماع القرآن، والاتعاظ به، وعما عندك من العلوم والمعارف التي تهدي إلى خيري الدارين (فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى)
стр. 5410
أَي: تتعرض بالإِقبال عليه، والاهتمام بإصلاحه وإِرشاده مع أنه معرض عن دعوتك، وفي ذلك مزيد تنفير له ﷺ عن مصاحبة هؤلاء: (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) أَي: ليس عليك بأس في ألا يتطهر بالإسلام، حتى تحرص على الاهتمام بأمره، والاعتراض عمن أَسلم وتطهر، مع أن المستغني قد رضي لنفسه دنس الكفر والعصيان ظَانًّا في ماله غنى عن هداية لله وطاعته، ويقول الآلوسي: "والممنوع عنه في الحقيقة الإعراض عمن أسلم لا الإِقبال على غيره، والاهتمام بأَمره حرصًا على إسلامه".
٨ - ١٠ - (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى):
أَي: وأَما الذي جاءَك مسرعًا يبتغي عندك ما تتوق إليه نفسه، ويتعلق به قبله من أحكام الدين، وخصال الخير
(وَهُوَ يَخْشَى) الله تعالى، ويخاف الغواية، وما دفعه إليك إلا حبه لأن يتطهر من الجهل، وخوف الوقوع في ظلمات الضلال، وقيل: يخشى أذي الكفار في إتيانه إليك. وقيل: يخشى العثار والكبوة إذ لم يكن معه قائد
(فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أي: تتشاغل -عن إجابته إلى طلبه- بصناديد قريش، بمعنى: لا ينبغي أن تتصدى للمستغني عما عندك من الحكمة، والموعظة الحسنة، وتتلهى به عن الفقير الطالب للخير.
وفي تقديم ضمير ﷺ وهو "أنت" على الفعلين: (تَصَدَّي) و (تَلَهَّى) تنبيه على أن مناط العتاب خصوصيته ﵊ وتقديم (لَهُ) و (عَنْهُ) على الفعلين أَيضًا للعناية والاهتمام بمضمونهما: لأَنهما منشآ العتاب له ﷺ روى أَنه -صلوات الله عليه-: ما عبس بعد ذلك في وجه فقير قط، ولا تصدى لغني.
وبعد أن فصَّل -سبحانه- في الآيات السابقة حاله ﷺ مع المستهدي والمستغني أتبعها بقوله جل شأنه.
١١ - ١٢ - (كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ):
المعنى: كلمة "كَلاَّ" للردع والزجر، أتى بها للمبالغة في إرشادة ﷺ إلى عدم العودة. إلى ما عوتب عليه من الاهتمام بمن استغني عما دعوته إليه من الإيمان والطاعة،
стр. 5411
وما يوجبها من القرآن الكريم، والإعراض عمن جاءَك مستهديًا ومسترشدًا، أي: لا تعد إلى مثل ما وقع منك.
(إنَّها تَذكِرَةٌ) أي: القرآن الكريم تذكرة وموعظة يجب أن يتعظ بها ويعمل بموجبها، وأنث الضمير العائد عليه لتأنيث الخبر، وقيل: الضمير المؤنث يراد به الهداية المودعة في سائر الكتب السماوية وأَجلُّها القرآن جعلها الله تذكرة وإرشادًا إلى الطريق المستقيم.
وهذه الجملة المؤكدة تعليل للردع (بكلَّا) عما ذكر، ببيان علو رتبة القرآن العظيم الذي استغنى عنه من تصدى ﷺ له، وتحقيق أن شأنه أن يكون موعظة حقيقة بالاتعاظ، فمن رغب فيها اتعظ بها كما نطق به قوله تعالى: "فمن شاء ذكره" أي: حفظه واتعظ به، ومن رغب عن حفظه والاتعاظ به -كما فعل المستغني- فلا حاجة لك إلى الاهتمام بأمره، وذكَّر الضمير لكونه عائدًا على القرآن أو على التذكرة لأنها بمعنى التذكير والوعظ، والجملة جيءَ بها للترغيب في القرآن، والحث على حفظه والاتعاظ به.
١٣ - ١٦ - (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ):
أي: إن آيات القرآن مثبتة في صحف منتسخة من اللوح المحفوظ مكرمة عند الله -جل وعلا- وقيل: مثبتة في صحف الكتب الإلهية المنزلة على الأنبياء ﵈ كقوله تعالى: "وإنَّه لَفِي زُبُرِ الأوَّلِين" هذه الصحف (مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أي: عالية القدر شريفة، وقيل: مرفوعة في السماء السابعة منزهة عن مساس أيدي الشياطين، أو من كل دنس، كما روي عن الحسن، أو عن الشُّبه والنقص
(بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) وهم الملائكة ﵈ ومعنى كونها بأيديهم أن الله -سبحانه- جعلهم سفراءَ بينه وبين رسله يحملون إليهم الكتب المنزلة عليهم، جمع سافر بمعنى سفير، أو هي بأَيدي الأنبياء ﵈ لأنها تنزيل عليهم الوحي، وهم يبلغونها للناس. فكل من الملائكة والأنبياء يصح إطلاق السفير عليه، كما يصح إطلاق الرسول على كل منها، أو السفرة: الكتبة من الملائكة، قال مجاهد وجماعة: فإنهم ينسخون الكتب في اللوح المحفوظ، جمع سافر، أي: كاتب.
(كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أي: مكرمين معظَّمين عند الله -تعالى- من الكرامة بمعنى التوقير، أو أنهم
стр. 5412
متعطفون على المؤمنين يستغفرون لهم ويرشدونهم إلى الخير والكرامة، وهم كذلك متصفون يصنع المكارم، أتقياء أو مطيعون لله تعالى، من قولهم: فلان يبر خالفه، أي: يطيعه.
﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾
المفردات:
(قُتِلَ الإِنْسَانُ) أي: لعن وطرد.
(مَا أَكْفَرَهُ): ما أشد كفره، وهو تعجيب من إفراطه في الكفران، وبيان لاستحقاقه الدعاء عليه.
(فَقَدَّرَهُ): أي فهيأَه لما يصلح له ويليق به، أو فقدره أطوارًا من حال إلى حال.
(ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) أي: سهل له طريق الخير، وطريق الشر، وأقدره على اختيار أيهما.
(فَأَقْبَرَهُ) أي: جعله ذا قبر يُوارَى فيه، ويقال: قَبَرَ الميتَ يَقْبُرُهُ وَيَقْبِرُهُ من بابي: نصر وضرب: إذا دفنه بيده، ويقال: أقبره: إذا أمر بدفنه أو مكَّن منه.
(أَنْشَرَهُ) أحياه بعد موته للحساب والجزاء.
التفسير
١٧ - (قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ):
دعاء عليه بأشنع دعواتهم على ما هو المعروف في لسانهم، وهو كناية عن قبح حاله وأنه قد بلغ منه مبلغًا لا يستحق معه أن يبقي حيا. (ما أكفره): تعجيب من إفراطه في الكفر
стр. 5413
والتكذيب بالمعاد، وبيان لاستحقاقة الدعاء عليه، أي: ما أشد كفره الذي حمله على نسيانه لما يتقلب فيه من النعم، وذهوله عن مسديها ومانحها حتى إذا ذكر به، فهو يعرض عن الذكرى، والمراد بالإنسان إما أَن يكون استغنى عن القرآن العظيم، فكفر بربه الذي نُعت بالصفات الجليلة التي تستوجب الإقبال عليه بالإيمان به، وإما أن يكون للجنس باعتبار انتظامه واشتماله على من استغنى وعلى أمثاله من أقرانه، ويرجح هذا أن الآية نزلت على ما أخرج ابن المنذر عن عكرمة: في عتبة بن أبي لهب: غاضب أَباه فأَسلم ثم استصلحه أبوه، وأعطاه مالًا، وجهزه إلى الشام، فبعث إلى رسول الله ﷺ أنه كافر برب النجم إذا هوى، فدعا عليه رسول الله ﷺ .. إلى آخر القصة، وقد تحقق فيه الدعاء.
ويقول الآلوسي: ثم إنَّ هذا كلام في غاية الإيجاز إشارة إلى الآية، وقال جار الله: لا ترى أُسلوبًا أغلظ منه، ولا أَدل على سخطه، ولا أَبعد شوطًا في المذلة مع تقارب طرفيه، ولا أَجمع للأَئمة على قصر متنه، وقال الإمام: إن الجملة الأولى (قُتِل الإنسانُ) تدل على استحقاقهم أَعظم أنواع العقاب عرفًا، والثانية (مَا أكفَرَهُ) تدل على أَنهم اتصفوا بأَعظم أنواع القبائح والمنكرات شرعًا.
١٨ - ٢٠ - (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ):
شروع في بيان إفراطه في الكفران؛ ببيان ما أفاض الله عليه وتفصيله من مبدأ فطرته إلى منتهى عمره من فنون النعم الموجبة لأن تقابل بالشكر والطاعة، بدل ما تمسك به هذا الإنسان من الإمعان في الكفر والتكذيب، وفي الاستفهام التقريري عن مبدأ خلقه ثم بيانه بقوله تعالى: (من نطفة خلقه) تحقير له وتوبيخ، أي: من أي شيءٍ حقير مهين خلق الله ذلك الكافر الجحود الذي يتكبر ويتعظم على ربه بترك الإقرار بتوحيده؟ خلقه من نطفة قذرة (فَقَدَّرَه) أي: فهيأَه لما يصلح له ويليق به من الأَعضاء والأشكال، أو فقدره أطوارًا من حال إلى حال إلى أن تم خلقه واكتمل تكوينه بأعضاء متناسبة تلائم حاجاته مدة بقائه، وأَودع فيه من القوى ما يمكنه من استعمال تلك الأعضاء وتصريفها فيما خلقت له، وجعل كل ذلك بمقدار محدود على ما يقتضيه كمال نوعه.
(ثُم السَّبيل يَسَّره) أي: ثم سهل له
стр. 5414
مخرجه من البطن بأن فتح له رحم أُمه، وألهمه أن ينتكس فتكون رأسه إلى أسفل، وأحاطه بكل أنواع الرعاية، أو ثم سهل له طريق الخير والشر، ومكنه من السلوك فيها بأن أقدره على كلٍّ ومكَّنَهُ منه. والإقدارُ على ما يريده الإنسان نعمة ظاهرة بقطع النظر عن خبريته وشريته في ذاته وبهذا الاعتبار كان تيسير السبيل إليهما نعمة من نعمة -جل وعلا- وهذا مثل قوله تعالى: "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" (١).
٢١ - ٢٣ - (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ):
أي: جعله ذا قبر يواري فيه بعد موته تكرمة له، حتى لا يبقى مطروحًا على وجه الأرض، فيصير جيفة يستقذرها كل من يراها، ويتأذى مما ينبعث منها من روائح كريهة، ويكون نهيًا للسباع والطير وغيرهما.
والمراد من جعله ذا قبر أنه أمر بدفنه ومكَّن منه، كما ينطق به معنى (فَأَقْبَرَهُ).
وفي الآية إشارة إلى مشروعية دفن الميت من الآناسي بلا خوف، أما حرقه -كما يفعل بعض الوثنيين- فمناف للتكرمة، ومجافٍ للسنة الإسلامية، على ما فيه من البشاعة والشناعة، وأما دفن غير الإنسان والحيوانات فقيل: هو مباح، وقد يطلب على سبيل الوجوب لأَمر مشروع يقتضيه، وذلك لدفع الأذى البالغ الذي يترتب على ترك جيفها مطروحة، فتفسد الجو بروائحها الكريهة، وتتكاثر عليها الجراثيم الضارة التي تفتك بصحة الإنسان، وتودي بحياته.
والإتيان بالفاءِ في قوله تعالى: (فَأَقْبَرَهُ) للإشارة بتعجيل دفن الميت عقب موته فهي في موضعها، وَعُدَّتِ الإمانة من النعم لأنها وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم.
(ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ):
أي: إن الله تعالى ينشره ويبعثه بعد موته وإقباره في الوقت الذي تتعلق به مشيئته، وفي تعلق الإنشار بالمشيئة إيذان بأن وقته غير معين أصلا، بل هو راجع للمشيئة، بخلاف
стр. 5415
الإمانة فإن وقتها فيه نوع تعيين في الجملة على ما هو المعهود في متوسط الأعمار الطبيعية.
(كلا لما يقض ما أمره):
(كلا) ردع للإنسان الكافر عما هو عليه من الطغيان البالغ، أي: ليس الأمر كما يقول من أنه أدى حق الله عليه في نفسه وماله (لما يقض ما أمره) بيان بسبب الردع، أي: أنه لم يؤَد شيئًا مما أمره به ربه من ترك الكبر المفرط، ومن ترك التأمل في الآيات، والإيمان بالله مع ما يتقلب فيه من النعم العظيمة.
روي عن مجاهد وقتادة أن المراد أنه لم يقض جميع ما أمره الله به من أَول زمان تكليفه إلى زمان إماتته وإقباره.
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾
المفردات:
(صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا): أنزلناه من السماءِ إنزالا عجيبًا كأَنه مراق من إناءٍ، يقال: صب الماء يصبه، أي: أراقه، من باب قتل.
(ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا) أي: ثم شققناها بالنبات شقًّا بديعًا ملائمًا له في حجمه.
(قَضْبًا) أي: علفًا رطبًا، وسمى قضبًا لأنه يقضب بعد نموه، أي: يقطع مرة بعد أخرى كالبرسيم مثلا.
(غُلْبًا): كثيرة الأشجار ملتفة الأغصان، جمع غلباء.
стр. 5416
(وَأَبًّا) الأبُّ: الكلأُ والمرعى، وهو ما تأْكله البهائم، من أبَّهُ: إذا أمَّه، وقصده، أو مِن أبَّ لكذا: تهيأ له.
التفسير
٢٤، ٢٥ - (فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا):
بعد أن ذكر -سبحانه- الأمور المتعلقة بخلق الإنسان امتنَّ عليه بذكر الأُمور المتعلقة ببقائه في الدنيا ليعتبر ويقابل النعمة بالشكر، فقال سبحانه: (فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) بمعنى: إذا كان حاله وهو أنه لا يزال إلى الآن سادرًا في غيه، لم يؤد شيئًا مما أمر به مع أن النعم السابقة من أقوى الدوافع إلى الامتثال والاستجابة، فحتم عليه أن ينظر نظر تفكير وإمعان إلى طعامه الذي عليه يدور أمر بقائه كيف دبرناه وهيأْنا له أسباب وجوده وعددنا أنواعه ليكون متاعًا له ولأَنعامه، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أي: أنزلناه من السماء إنزالا عجيبًا، ينبئُ بقدرة القادر العظيم، وظاهر الصب يقتضي تخصيص الماء بالغيث وهو المروي عن ابن عباس، وجوز بعضهم الأعم كماء العيون وتحوه وتأْكيد الجملة للاهتمام بمضمونها، والظاهر أن المراد من الطعام: المطعوم بجميع أنواعه، واقتصر عليه، ولم يذكر المشروب، لأن آثار القدرة فيه أكثر من آثارها في المشروب.
٢٦ - (ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا):
أي: شققناها شقًّا بديعًا لائقًا بما يشقها من النبات: صغرًا وكبرًا، وشكلا وهيئة، وشق الأَرض بالنبات بعد نزول المطر يكون على التراخي المعهود كما يتضح ذلك من التعبير بـ (ثم).
٢٧ - ٣٢ - (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ):
هذا استمرار في تعداد النعم التي أفاضها الله -سبحانه- على وجه بديع خارج عن العادات امتنانًا على هذا الكافر الذي بالغ في الإعراض والجحود، وأهمل ما تستدعيه تلك
стр. 5417
النعم من الامتثال والإقبال على خالفه الذي أَنزل الغيث من السماء، فصبه صَبًّا على الأَرض التي انشقت بالنبات المتنوع، فنما وترعرع، فكان منه كما يقول تعالى: (فَأَنْبَتْنَا فيها حَبًّا) يقتاب به الناس ويدخرونه، ومن نحو القمح والشعير
(وَعِنَبًا وَقَضْبًا) أَي: عنبا يتفكه به، وقضبا، أَي: علفا رطبا للدواب، وقيده بذلك الخليل وقال: إذا جف فهو التبن، وسمى قضبا، لأَنه يقضب، ويقطع مرة بعد أُخْرى كالبرسيم ونحوه. وقيل: هو ما يقضب ليأْكله ابن آدم غضا كالبقول وبعض الخضروات.
(وزَيْتُونًا وَنَخْلًا) الزيتون معروف ويؤكل بكل أنواعه، ويؤتدم بعصيره، ويستشفى به، والنخل تؤكل تمرته بلحًا كانت أو يسرًا أو رطبًا أو تمرًا.
(وحَدَائِقَ غُلْبًا) وهي الأشجار المثمرة التي أُحيطت بسور يجمع بين أجزائها. فإن لم تحط به، فليست بحدائق بل هي بساتين، ومنه قيل: أحدقوا به، أي: أحاطوا ووصف الحدائق بقوله تعالى: (غُلْبًا) لتكاثفها، وكثرة أشجارها، وتشابك أغصانها، أو لأنها ذات أشجار ضخمة عظيمة، وكونها كذلك للإشعار بأَن النعمة في جملتها لا في ثمرتها فحسب، فمن أخشابها ما ينتفع به في الإحراق والصناعة، ومن أوراقها ما تأكله الحيوانات حفاظاً على حياتها، وهذا أكمل في الانتفاع بها.
(وفاكهة وأبًّا) ذكرت الفاكهة مع أنها تدخل في الامتنان بالحدائق؛ للاعتناء بشأْن ما يتفكه به من ثمارها المتنوعة، من كل ما حسن مذاقه، وطاب ريحه، وكبر حجمه، ولا شك أن ذلك أَدْخَلُ في الامتنان.
والأَبُّ: كما نقل عن ابن عباس وجماعة أنه الكلأ والمرعى، وسمي بذلك لأنه يُؤَمُّ ويُقصد، والأَبّ: القصد، وقيل: هو ما أنبتته الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الإنسان، وقال الضحاك: كل شيءٍ أنبتته الأرض سوى الفاكهة.
روي أن أبا بكر الصديق ﵁ سئل عن الأّبِّ فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تلقني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به؟! وفي صحيح البخاري في رواية
стр. 5418
عن أَنس أَن عمر ﵁ قرأَ هذه الآية وقال: فما الأَبُّ؟ ثم قال: ما أُمرنا بهذا، أَو ما كلفنا بهذا، أي: بتتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته، بمعنى: لا تتشاغلوا عن أَعمالكم بطلب معنى الأَبِّ والبحث عنه، ومعرفة النبات الخاص به إِلى أَن يبين لكم في غير هذا الوقت، واكتفوا بالمعرفة الجملية (١)، ثم وصى الناس أَن يجروا على هذا السنن فيما أَشبه ذلك من مشكلات القرآن، ليكون أكبر همهم ما هو أَهم: من الشكر له على نعمه العظيمة
(مَتَاعًا لَكُم ولأنْعَامِكُم): فعل ذلك تمتيعًا لكم ولأنعامكم، فاشكروه على آلائه، وجزيل عطائه فقد ضمن لكم ولأنعامكم الحياة والمتاع.
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾
المفردات:
(الصَّاخَّةُ): هي الداهية العظيمة التي يصخ لها الخلائق، من صخ لحديثه: إذا أصاخ واستمع لشدة صوت ذي النطق كما يقول الراغب.
(وَصَاحِبَتِهِ): أي وزوجته.
(شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أي: له شأْن يكفيه في الاهتمام به، ويشغله عن غيره.
التفسير
٣٣ - (فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّة):
شروع في بيان معادهم إثر بيان مبدأ خلقهم ومعاشهم، أي: إذا جاءَ وقت الصاخة،
стр. 5419
وهي صيحة القيامة سميت بذلك لأَنها تصخ الأَسماع، أَي: تبالغ في إِسماعها حتى تكاد تصمها، وقال الخليل: هي صيحة تضخ الآذان صخا لشدة وقعها، وأَيًّا ما كان فهم اسم من أَسماءِ يوم القيامة كما يقول ابن عباس: الصاخة اسم من أَسماءِ يوم القيامة عظمه الله وحذره عباده، وقد وصفت بها النفخة الثانية لأَن النَّاس يصيخون لها، أَي: يستمعون، تدفعهم شدتها إِلى أَن يسرعوا قيامًا ينظرون، وجواب (إِذا) مقدر، والمعنى: فإِذا صخت الصاخة شغل كل إِنسان بنفسه.
٣٤ - ٣٦ - (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ):
يوم: تفسير للصاخة، أَي: في هذا اليوم الذي ذهبت فيه هذه الحياة الدنيا، وجاءَت الصاخة يكون شأْن ذلك الإِنسان مع المذكورين في الآيات، أَنه يعرض عنهم حينما يراهم، ويفر منهم ولا يسأَل عنهم كما في الدنيا؛ لأَن الهول وعظيم والخطب جسيم. قال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه أَي بعل كنتُ لك؟ فتقول: نِعْمَ البعل كنتَ، وتشنى بخير ما استطاعت، فيقول لها، فإِني أَطلب إِليكِ اليوم حسنة واحدة تهبينها لي لعلي أَنجو مما ترَيْنَ. فتقول له: ما أَيسر ما طلبت، ولكني لا أُطيق أَن أُعطيك شيئًا؛ فإِني أَتخوف مثل الذي تخاف. وإِن الرجل ليلقى ابنه فيتعلق به فيقول: يا بني أَي والد كنتُ لك؟ فيشني بخير، فيقول له: يا بني إِني احتجت إِلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أَنجو مما تري، فيقول ولده: يا أَبت ما أَيسر ما طلبت، ولكني أَتخوف مثل الذي تتخوف، فلا أَستطيع أَن أُعطيك شيئًا. يقول الله تعالى. (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ … ) الآيات.
وفي الحديث الصحيح: "إِذا طلب إِلى كلٍّ من أُولي العزم أَن يشفع عند الله في الخلائق يقول: نفسي نفسي، لا أَسأَلك اليوم إِلا نفسي … إِلى آخر الحديث" قال في التسهيل: ذكر تعالى فرار الإِنسان من أَحبابه ورتبهم على مراتبهم في الحنو والشفقة، فبدأَ بالأَقل وختم بالأَكبر، وذلك بذكر الأَخ والأَبوين لأَنهما أَقرب منه ثم بالصاحبة والبنين لأَنهما أَحب.
قيل: أَول من يفر من أَخيه هابيل، ومن أَبويه إِبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط،
стр. 5420
ومن ابنه نوح ﵇ وفرار هؤُلاءِ ليس من قبيل هذا الفرار؛ لأَنه وقع بغضا لهم وحذار من لقائهم، كما يروي عن ابن عباس.
٣٧ - (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ):
استئناف لبيان سبب الفرار. أَي: لكل ممن ذكروا في الآيات السابقة شغل شاغل، وخطب هائل يكفيه في الاهتمام به، ويصرفه عن غيره، أَخرج الطبراني وابن مردويه والبيقهي والحاكم وصححه عن أُم المؤمنين سودة بنت زمعة قالت: قال النبي ﷺ : "يحشر النَّاس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا (١)، قد أَلجمهم العرق، وبلغ تخوم الآذان، قلت: يا رسول الله واسوأتاه!! ينظر بعضهم إِلى بعض؟ قال: شُغل النَّاس عن ذلك، وتلا: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ .. ) الآية وفي حديث آخر: "ما أَشغل النَّاس عن النظر" وهناك أَحاديث أُخرى تدور حول هذا المعنى فمن أَرادها فليرجع إِلى تفسير ابن كثير وغيره.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾:
المفردات:
(مُسْفِرَةٌ): مشرقة مضيئة.
(غَبَرَةٌ): عليها غبار ودخان.
(تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ): تغشاها ظلمة وسواد.
стр. 5421
التفسير
٣٨، ٣٩ - (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ):
الآيات الخاتمة للسورة تبين حال الناس يوم يقفون بين يدي رب الأَرباب، وأَنهم ينقسمون إِلى السعداءِ والأَشقياءِ، وقد بدأَت بالقسم الأَول الذي آثر الحياة الباقية فعمل لها وأَقبل عليها، ورغب فيها رغبة الحريص عليها، فقال سبحانه: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ) أَي: مضيئة متهللة من البهجة والسرور، وعن ابن عباس: إِن ذلك من قيام الليل، وعن الضحاك: من آثار الوضوء فيختص ذلك بهذه الأُمة نظرًا لأَن الوضوءَ من خواصها بالنسبة إِلى الأُمم السابقة، وقيل: من طول ما اغبرت في سبيل الله
(ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) بما تشاهد من النعيم المقيم والبهجة الدائمة جزاءَ إِيمانها، وما قدمت من صالح أَعمال، وشكر آلاءِ ونعم.
٤٠ - ٤٢ (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ):
بيان الحال القسم الثاني الذي أَهمل عقله، وشغل نفسه بالأَهواء والأَباطِيل فرضي جَهْلَه، واتبع حُمْقَه، واختار الفانية، وأَفرغ جهده في الإِقبال عليها، والتمسك بها، حتى كان شأْنه ما يفصح عنه قوله تعالى: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) أَي: يعلوها غبار ودخان ويكون ذلك على الحقيقة، أَو يراد المجاز، أَي: مذلة وهوان:
(تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَي: يعلوها سواد وظلمة على الحقيقية، أَو غم وحزن على المجاز، وقيل: لا تري أَقبح من اجتماع الغبار والسواد في الوجه، بمعنى أَن على وجوههم غبارًا وكدورة فوق غبار وكدورة: إِظهارا لشدة القبح
(أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) أَي: أَولئك المتصفون بالكدورة والسواد الجامعون بين الكفر والفجور.
стр. 5422
سورة التكوير
مكية وآياتها تسع وعشرون آية ويقال لها سورة كورت، أو سورة إذا الشمس كورت
صلتها بما قبلها:
أنها شرحت حال يوم القيامة وبينت ما يقع فيها من أحداث عند قيام الساعة وبعد قيامها، وذلك ما تضمنته آخر السورة التي تقدمت عليها (سورة عبس).
أهم مقاصدها:
بدأت بتصوير الأحداث الهائلة التي تقع يوم القيامة، وما يصاحبها من انقلاب كوني، يشمل الشمس والنجوم، والجبال والبحار، والأَرض والسماء، والإنسان والحيوان، والجنة والنار حتى لا يبقى شيءٌ إلا وقد تغير وتبدل إيرازًا لمظاهر القدرة العظيمة (إذَا الشَّمس كُوِّرَت * وَإِذَا النُّجُوم انكَدَرتْ .. ) الآيات.
ثم أكدت بالقسم شَأْنَ القرآن الكريم، ونفت عنه الفرية، وبينت أنه منزل من رب العالمين، نزل به الروح الأمين جبريل ﵇ الذي وصف بأنه ذو قوة عند ذي العرش مكين (فَلَا أُقْسِمُ بالخنس، الجوار الكنس .. ) الآيات.
ثم نزهت رسول الله ﷺ عما يقوله المتقولون عليه كذبًا وبهتانًا، وأكدت بالقسم أنه ﷺ رأى جبريل ﵇ في صورته الملكية بالأفق الأعلى الواضح، ونفت عنه أن يكون مقصرًا أو متهمًا في تبليغ رسالة ربه التي أَداها بصدق وأمانة (وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالأفق المبين * وما هو على الغيب بضنين).
ثم كذبت مزاعم المشركين حول القرآن العظيم، وأبطلتها ببيان أنه موعظة من الله لعباده، ينتفع بها أهل الاستقامة، وهم بصنيعهم كمن ترك الطريق المستقيم الموصل للغاية، وسلك طريق المخاوف والمهالك (وما هو بقول شيطان رجيم * فأين تذهبون … ) الآيات.
стр. 5423
ثم ختمت السورة برد أمر الناس جميعًا لمشيئة الله (وما تشاءون إلا الله أن يشاء الله رب العالمين).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾
المفردات:
(كُوِّرَتْ): أي: لُفَّت، ويلزم ذلك ذهاب ضوئها المنتشر في الآفاق، ومنه تكوير العمامة أي: لفها على الرأس.
(انكَدَرَتْ): سقطت وتناثرت.
(وَإِذَا الْعِشَارُ): جمع عُشَرَاءَ، كنفاس جمع نُفساء، وهي الناقة التي مضى على حملها عشرة أشهر، وهذا اسمها إلى أن تضع لتمام السنة.
(عُطِّلَتْ) أي: أُهملت لاشتغالهم بأنفسهم وكانت موضع عنايتهم واهتمامهم لأنها أنفس أموالهم.
(حُشِرَتْ) أي: جمعت من كل جانب، وقال ابن عباس: حشرها: موتها.
стр. 5424
(سُجِّرَتْ): مملئت نارًا، من سجر التنور: إذا ملأَه بالحطب.
(الْمَوْءُودَةُ): التي دفنت حية.
(كُشِطَتْ): نزعت وقلعت، يقال: كَشَطت جلد الشاة: إذا نزعته وفصلته عنها.
(سُعِّرَتْ): أُوقدت إيقادًا شديدًا.
(أُزْلِفَتْ): قربت وأُدنيت من المتقين.
التفسير
١ - (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ):
هذه الآية والآيات التالية لها تصوير لأَهوال القيامة ومباديها، وما يصاحب ذلك من شدائد وآلام، وما يعترى الكون والوجود من مظاهر التبديل التي صورت تصويرًا رائعًا، وبينت بيانًا واضحًا.
والمعنى: أن الشمس قد أزيل نورها فأَظلمت حينما كورت بلفها، على أن المراد بذلك إما رفعها وإزالتها من مقرها، فإن الثوب إذا أُريد رفعه يلف ويطوي، ونحوه قوله تعالى: "يوم نطوي السماء" وإما يلف ضوئها بعد انتشاره وانبساطه في الآفاق، وقال مجاهد: كورت، أي: اضمحلت وذهبت، وذلك يحصل عند خراب العالم الذي يعيش فيه الحي حياته الدنيا، فإنه عالمه الآخر الذي ينقلب إليه لا يبقى فيه شيءٌ من هذه الأجرام.
٢ - (وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ):
أي: انتشرت وتساقطت، كقوله تعالى: "وإذا الكواكب انتشرت" (١) فذهب نورها، وانحمى لأْلاؤُها.
وعن ابن عباس ﵄ لا يبقى يومئذ نجم إلا سقط في الأرض، أو تغيرت وانطمس ضوؤُها لما غشيها من كدرة وسواد.
стр. 5425
٣ - (وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ):
أي: اقتلعت وأُبعدت عن أماكنها بالرجفة الأولى التي تنشق لها الأرض، وتضمحل، وتتزلزل زلزالًا شديدًا، فتتقطع أوصالها، وتفصل منها جبالها، قيل: تسير مقذوفة في الفضاء، وقد تمر على الرءُوس مع السحاب.
٤ - (وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ):
أي: أهملت وسيبت، وتركها أهلها بلا راع، تسير حيث تشاءُ مع أنها أَنفس أَموالهم وأكرمها؛ وذلك لاشتغالهم بأنفسهم لشدة الكرب، وعظم الهول، وقيل: العشار من السحائب فإن العرب تشبهها بالحوامل، ومنه وقوله تعالى: "فالحاملاتِ وقرًا" (١) وتعطيلها عدم إمطارها، وقال القرطبي: الكلام على التمثيل؛ إذ لا عشار حينئذ. والمعنى: أنه لو كانت عشار لعطلها أهلها واشتغلوا بأنفسهم.
٥ - (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ):
أي: جمعت من كل ناحية كما قال تعالى: "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" (٢) قال ابن عباس: حشرها: موتها وهلاكها. وقال قتادة: يحشر كل شيءٍ حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينهما ردت ترابًا، وقال حجة الإِسلام الغزلي وجماعة: إنه لا يحشر غير الثقلين لعدم كونه مكلفًا ولا أهلا للكرامة بوجه، وليس هذا الباب نص من كتاب أو سنة معول عليه يدل على حشر غيرهما، ويقول الآلوسي: وإلي هذا القول أميل، ولا أجزم بخطأ القائلين بالأول وهو حشر الجميع لأن لهم ما يصلح مستندًا في الجملة، ويشير بذلك إلى الحديث الذي أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة في هذه الآية قال: قال رسول الله ﷺ : "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجماءِ من الشاة
стр. 5426
القرناء" وزاد أحمد بن حنبل: "حتى الذرة من الذرة" ويقول، حجة الإسلام وجماعة: الحديث المروي عن مسلم والترمذي وإن كان صحيحا إلا أنه لم يخرج مخرج التفسير للآية، ويجوز أن يكون كناية عن العدل التام.
٦ - (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ):
أي: ملئت بتفجير بعضها إلى بعض حتى يكون ملحها وعذبها بحرًا واحدًا، من سَجَرَ التنور: إذ ملأهُ بالحطب ليوقده، وقال ابن عباس وغير واحد: يرسل عليها الدَّبُور فتسعرها وتصير نارًا تأَجج لتعذيب أهل النار، وقيل: أحميت بالنار حتى تبخر ماؤُها وظهرت النَّار في مكانها، وقريب من هذا قول الضحاك وقتادة: غاص ماؤها فذهب ولم يبق منه قطر، وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون المعنى مُلكت وقيد اضطرابها حتى لا يخرج عن الأرض من الهول، وأنسب المعاني لمقام الوعيد قول ابن عباس وغير واحد.
٧ - (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ):
أي: قرنت كل نفس بشكلها: الصالح منها مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النَّار، أخرج جماعة منهم الحاكم وصححه عن النعمان بن بشير عن عمر ﵁ أنه مثل عن ذلك فقال: يقرن الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك تزويج، فلذلك تزويج الأَنفس.
وقيل: تقرن نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بالشياطين، وقيل: تقرن كل نفس بكتابها. وقيل: الأزواج بأزواجهم.
وقيل: بعملها. وأيًّا ما كان فالنفس بمعنى الذات، والتزويج بمعنى الاقتران، ويحصل الاقتران عند البعث.
٨، ٩ - (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ):
كان من عادات بعض العرب الفاشية فيهم. أنه إِذا ولد لأحدهم بنت وأراد أن يستحييها ولا يقتلها أمسكها مهانة لها واستخفافا بها إلى أن تقدر على الرعي، ثم ألبسها جبة من
стр. 5427
صوف أو شعر وأرسلها في البادية ترعى له إبله وغنمه، وإن أراد أن يقتلها تركها حتى إذا كانت سداسية (١) فيقول لأُمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها (٢)، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول: انظري فيها، فيدفعها، من خلفها، ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض، وقيل: كانت الحامل إذا أوشكت على الوضع حفرت حفرة، فتمخض على رأْس الحفرة، فإذا ولدت بنتًا رمت بها فيها، وإن ولدت ابنًا حسبته.
وكان الدافع لهم على تلك الجريمة الشنعاء، التي اقترفوا إثمها، وباءوا بقبحها، الدافع لهم خشية الإملاق، وخوف الاسترقاق لهن، وإنها لقسوة شديدة وغلظة بالغة، زينت لهم دفن فلذات أكبادهم أحياءً، وهن ينظرون إليهم نظرة ضراعة واستعطاف، ولكن هيهات للقلوب المتحجرة أن تلين، واستمروا مستمسكين بفعلتهم المنكرة إلى أَن جاءَ الإسلام قاقتلع عن قلوبهم بذور الشر والطغيان وملأَها رأْفة ورحمة. فما أَعظم نعمة الإسلام على الإنسانية بأسرها.
(سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)
توجيه السؤَال لها دون وائدها مع أنه مقترف الذنب. لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ منه والسخط عليه بإسقاطه عن درجة الخطاب مبالغة في تبكيته، فإن المجني عليه إذا سئل بمحضر الجاني عن الذنب الذي من أجله استحق هذه الجناية والعقاب الذي نزل به، كان ذلك باعثًا للجاني على التفكير في حال نفسه، وحال المجني عليه، فيرى براءَة ساحة المجني عليه وأنه هو المستحق للعقاب، وهذا نوع من الاستدراج وقع عن طريق التعويض.
وسؤَال الموءودة عن سبب القتل هو سؤَال تلطف، لتقول: قتلت بلا ذنب، أَو لتدل على قاتلها، أو التوبيخ ذلك القاتل يصرف الخطاب عنه تهديدًا له، فإذا سئل المظلوم فما بال الظالم؟!
стр. 5428
قال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة فمن زعم أنهم في النار فقد كذب، يقول الله : (وَإذَا الموءودة سئلت * بأي ذنب قتلت). أهـ.
١٠ - (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ):
أي: وإذا فتحت صحف الأَعمال؛ لأَن صحيفة كل إنسان تطوى عند موته ثم تنشر عند الحساب، فيعطى صحيفته بيمينه أو شماله وفق عليه الذي سجلته عليه الملائكة، وقيل: نشرت، أَي: فرقت بين أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافر في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهي صحف غير صحف الأعمال كذا قيل.
١١ - (وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ):
أي: قطعت وأُزيلت كما يكشط الإهاب عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور به.
١٢ - (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ):
أي: أُوقدت إيقادًا شديدًا للكفار، وقال قتادة: سعرها غضب الله، وخطايا بني آدم.
١٣ - (وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ):
أي: أُدنيت وقربت من المتقين، كقوله تعالى: "وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد" (١).
١٤ - (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ):
أي: تبين لكل نفس جميع ما عملته من خير وشر وذلك بإحضار تلك الأعمال مدونة في الصحف ويراد من إحضارها: اطلاع صاحبها عليها مفصلة في صحفها بحيث لا يشذ
стр. 5429
منها شيءٌ، كما ينبئُ عنه قوله - تعالى - حكاية عنهم -: "مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا" (١).
وقد يراد من إحضارها أنها تشاهدها على ما هي عليه في الحقيقة، فإن كانت صالحة على صورة أحسن مما كانت تدركها في الدنيا؛ لأن الطاعات لا تخلو فيها من نوع مشقة، وإن كانت سيئة تشاهدها على خلاف ما كانت عندها في الدنيا فإنها كانت مزينة لها موافقة لهواها.
والآية جواب (إذا الشمس كورت) وما عطف عليها: على أن المراد بها زمان ممتد يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال مبدؤه النفخة الأولى، ومنتهاه فصل الخطاب بين الخلائق، بمعنى أن علمها بما علمته وقع في جزء من هذا الزمن وهو وقت نشر الصحف، وإنما نسب علمها بذلك إلى زمان وقوع كل هذه الدواهي تهويلا للخَطْبِ، وتفظيعًا للحال.
ونسب الإخصار إلى النفس، مع أنها تحضر بأمر الله -تعالى- كما يؤذن به قوله تعالى:
"يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ" (٢) لأنها لما عملتها في الدنيا، فكأَنها أحضرتها في الموقف.
وجوز أن يكون التعبير بقوله تعالى: (عملتْ نفسٌ .. ) بالتنكير .. الآية؛ للإشعار بأنه إذا علمت نفس من النفوس ما أحضرت عند قيام الساعة، وجب على كل نفس إصلاح عملها مخافة أن تكون هي التي عملت، أي: إن العاقل يجب عليه أن يتجنب أمرًا يخشى منه الندم والمؤاخذة.
стр. 5430
فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾
المفردات:
(بِالْخُنَّسِ): جمع خانس. من خنس: إِذا رجع، بينما ترى النجم في آخر البرج، إذْ كرَّ راجعًا إلى أوله، وقيل الخنوس: الانقباض والاستخفاء؛ لأن هذه النجوم عند طلوعها يكون ضوؤُها خافتًا، خنس إبهامه: كنصر وضرب، خنوسًا: قبضه.
(الْجَوَارِي): جمع جارية، وهي النجوم السيارة، من الجري وهو المر السريع.
(الْكُنَّسِ): جمع كانس وكانسة، وهي التي تستتر وتغيب تحت ضوء الشمس، يقال: كنس الظبي: دخل كناسه، وهي مستترة في الشجر الذي يأوي إليه.
(عَسْعَسَ): أقبل ظلامه أو أَدبر، والمعنَيان مأثوران.
(تَنَفَّسَ): أَقبل وأَضاءَ.
(لَقَوْلُ رَسُولٍ) الرسول: جبريل ﵇ وقوله: تبليغه.
(بِضَنِينٍ): بكسر الضاد وفتحها - أي: ليس ببخيل، بمعنى أنه لا يبخل بالوحي، ولا يقصِّر في التبليغ والمراد به رسول الله ﷺ .