القرناء" وزاد أحمد بن حنبل: "حتى الذرة من الذرة" ويقول، حجة الإسلام وجماعة: الحديث المروي عن مسلم والترمذي وإن كان صحيحا إلا أنه لم يخرج مخرج التفسير للآية، ويجوز أن يكون كناية عن العدل التام.
٦ - (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ):
أي: ملئت بتفجير بعضها إلى بعض حتى يكون ملحها وعذبها بحرًا واحدًا، من سَجَرَ التنور: إذ ملأهُ بالحطب ليوقده، وقال ابن عباس وغير واحد: يرسل عليها الدَّبُور فتسعرها وتصير نارًا تأَجج لتعذيب أهل النار، وقيل: أحميت بالنار حتى تبخر ماؤُها وظهرت النَّار في مكانها، وقريب من هذا قول الضحاك وقتادة: غاص ماؤها فذهب ولم يبق منه قطر، وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون المعنى مُلكت وقيد اضطرابها حتى لا يخرج عن الأرض من الهول، وأنسب المعاني لمقام الوعيد قول ابن عباس وغير واحد.
٧ - (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ):
أي: قرنت كل نفس بشكلها: الصالح منها مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النَّار، أخرج جماعة منهم الحاكم وصححه عن النعمان بن بشير عن عمر ﵁ أنه مثل عن ذلك فقال: يقرن الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك تزويج، فلذلك تزويج الأَنفس.
وقيل: تقرن نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بالشياطين، وقيل: تقرن كل نفس بكتابها. وقيل: الأزواج بأزواجهم.
وقيل: بعملها. وأيًّا ما كان فالنفس بمعنى الذات، والتزويج بمعنى الاقتران، ويحصل الاقتران عند البعث.
٨، ٩ - (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ):
كان من عادات بعض العرب الفاشية فيهم. أنه إِذا ولد لأحدهم بنت وأراد أن يستحييها ولا يقتلها أمسكها مهانة لها واستخفافا بها إلى أن تقدر على الرعي، ثم ألبسها جبة من
стр. 5427
صوف أو شعر وأرسلها في البادية ترعى له إبله وغنمه، وإن أراد أن يقتلها تركها حتى إذا كانت سداسية (١) فيقول لأُمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها (٢)، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول: انظري فيها، فيدفعها، من خلفها، ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض، وقيل: كانت الحامل إذا أوشكت على الوضع حفرت حفرة، فتمخض على رأْس الحفرة، فإذا ولدت بنتًا رمت بها فيها، وإن ولدت ابنًا حسبته.
وكان الدافع لهم على تلك الجريمة الشنعاء، التي اقترفوا إثمها، وباءوا بقبحها، الدافع لهم خشية الإملاق، وخوف الاسترقاق لهن، وإنها لقسوة شديدة وغلظة بالغة، زينت لهم دفن فلذات أكبادهم أحياءً، وهن ينظرون إليهم نظرة ضراعة واستعطاف، ولكن هيهات للقلوب المتحجرة أن تلين، واستمروا مستمسكين بفعلتهم المنكرة إلى أَن جاءَ الإسلام قاقتلع عن قلوبهم بذور الشر والطغيان وملأَها رأْفة ورحمة. فما أَعظم نعمة الإسلام على الإنسانية بأسرها.
(سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)
توجيه السؤَال لها دون وائدها مع أنه مقترف الذنب. لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ منه والسخط عليه بإسقاطه عن درجة الخطاب مبالغة في تبكيته، فإن المجني عليه إذا سئل بمحضر الجاني عن الذنب الذي من أجله استحق هذه الجناية والعقاب الذي نزل به، كان ذلك باعثًا للجاني على التفكير في حال نفسه، وحال المجني عليه، فيرى براءَة ساحة المجني عليه وأنه هو المستحق للعقاب، وهذا نوع من الاستدراج وقع عن طريق التعويض.
وسؤَال الموءودة عن سبب القتل هو سؤَال تلطف، لتقول: قتلت بلا ذنب، أَو لتدل على قاتلها، أو التوبيخ ذلك القاتل يصرف الخطاب عنه تهديدًا له، فإذا سئل المظلوم فما بال الظالم؟!
стр. 5428
قال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة فمن زعم أنهم في النار فقد كذب، يقول الله : (وَإذَا الموءودة سئلت * بأي ذنب قتلت). أهـ.
١٠ - (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ):
أي: وإذا فتحت صحف الأَعمال؛ لأَن صحيفة كل إنسان تطوى عند موته ثم تنشر عند الحساب، فيعطى صحيفته بيمينه أو شماله وفق عليه الذي سجلته عليه الملائكة، وقيل: نشرت، أَي: فرقت بين أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافر في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهي صحف غير صحف الأعمال كذا قيل.
١١ - (وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ):
أي: قطعت وأُزيلت كما يكشط الإهاب عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور به.
١٢ - (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ):
أي: أُوقدت إيقادًا شديدًا للكفار، وقال قتادة: سعرها غضب الله، وخطايا بني آدم.
١٣ - (وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ):
أي: أُدنيت وقربت من المتقين، كقوله تعالى: "وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد" (١).
١٤ - (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ):
أي: تبين لكل نفس جميع ما عملته من خير وشر وذلك بإحضار تلك الأعمال مدونة في الصحف ويراد من إحضارها: اطلاع صاحبها عليها مفصلة في صحفها بحيث لا يشذ
стр. 5429
منها شيءٌ، كما ينبئُ عنه قوله - تعالى - حكاية عنهم -: "مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا" (١).
وقد يراد من إحضارها أنها تشاهدها على ما هي عليه في الحقيقة، فإن كانت صالحة على صورة أحسن مما كانت تدركها في الدنيا؛ لأن الطاعات لا تخلو فيها من نوع مشقة، وإن كانت سيئة تشاهدها على خلاف ما كانت عندها في الدنيا فإنها كانت مزينة لها موافقة لهواها.
والآية جواب (إذا الشمس كورت) وما عطف عليها: على أن المراد بها زمان ممتد يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال مبدؤه النفخة الأولى، ومنتهاه فصل الخطاب بين الخلائق، بمعنى أن علمها بما علمته وقع في جزء من هذا الزمن وهو وقت نشر الصحف، وإنما نسب علمها بذلك إلى زمان وقوع كل هذه الدواهي تهويلا للخَطْبِ، وتفظيعًا للحال.
ونسب الإخصار إلى النفس، مع أنها تحضر بأمر الله -تعالى- كما يؤذن به قوله تعالى:
"يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ" (٢) لأنها لما عملتها في الدنيا، فكأَنها أحضرتها في الموقف.
وجوز أن يكون التعبير بقوله تعالى: (عملتْ نفسٌ .. ) بالتنكير .. الآية؛ للإشعار بأنه إذا علمت نفس من النفوس ما أحضرت عند قيام الساعة، وجب على كل نفس إصلاح عملها مخافة أن تكون هي التي عملت، أي: إن العاقل يجب عليه أن يتجنب أمرًا يخشى منه الندم والمؤاخذة.
стр. 5430
فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾
المفردات:
(بِالْخُنَّسِ): جمع خانس. من خنس: إِذا رجع، بينما ترى النجم في آخر البرج، إذْ كرَّ راجعًا إلى أوله، وقيل الخنوس: الانقباض والاستخفاء؛ لأن هذه النجوم عند طلوعها يكون ضوؤُها خافتًا، خنس إبهامه: كنصر وضرب، خنوسًا: قبضه.
(الْجَوَارِي): جمع جارية، وهي النجوم السيارة، من الجري وهو المر السريع.
(الْكُنَّسِ): جمع كانس وكانسة، وهي التي تستتر وتغيب تحت ضوء الشمس، يقال: كنس الظبي: دخل كناسه، وهي مستترة في الشجر الذي يأوي إليه.
(عَسْعَسَ): أقبل ظلامه أو أَدبر، والمعنَيان مأثوران.
(تَنَفَّسَ): أَقبل وأَضاءَ.
(لَقَوْلُ رَسُولٍ) الرسول: جبريل ﵇ وقوله: تبليغه.
(بِضَنِينٍ): بكسر الضاد وفتحها - أي: ليس ببخيل، بمعنى أنه لا يبخل بالوحي، ولا يقصِّر في التبليغ والمراد به رسول الله ﷺ .
стр. 5431
(رَجِيمٍ) أي: مطرود من رحمة الله، من الرجم: وهو الطرد، أَو مرجوم بالشهب، أي: أنه ليس بعض المتسرقة للسمع.
التفسير
١٥، ١٦ - (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِي الْكُنَّسِ):
شرع في بيان شأْن القرآن العظيم، والنبوة الخاتمة، بعد إثبات المعاد.
والمعنى: أنه -سبحانه- أقسم قسمًا مؤكدًا على صدق القرآن، وصحة رسالة محمد ﵊ فقال: (فلا أُقْسِمُ) وهي عبارة من عبارات العرب يراد به تأكيد الخبر وتقريره، كأنه في ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم، ويقال إنه يؤتى بكلمة "لا" في القسم إذا أُريد تعظيم المقسم به.
(بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ) وهي النجوم الجواري التي تخنس بالنهار، أي: ترجع، ويختفي ضوؤُها فيه عن الأبصار مع طلوعها وكونها فوق الأُفق، وتكنس بعد ظهورها في الليل، أي: تستتر في مغيبها، وتخفى فيه، فتكون تحت الأُفق بعد أن كانت فوقه. كما تستتر الظباءُ في كُنُسِها، وهي مُسْتَتَرَهَا في الشجر الذي تأْوي إليه، فخنوس تلك النجوم: رجوعها وخفاؤُها بحسب الرؤية، وكنوسها: دخولها في المغيب بعد ظهورها نهارًا. قال القرطبي: النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل وتكنس وقت غروبها، أي: تستتر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأمير -كرم الله وجهه- أنه قال: هي خمسة أنجم: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، وصفت بما ذكر في الآية لأنها تجري وتسير مع الشمس والقمر، وترجع حتى تختفي تحت ضوء الشمس، وتسمى المتحيرة لاختلاف أحوالها، وعن ابن مسعود: أنها بقر الوحش، وأخرج نحوه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعبد بن حميد، وروى ذلك أيضًا عن ابن جرير والضحاك قالوا: الخَنَس تأخر الأنف مع ارتفاع قليل من الأرنبة وتوصف بقر الوحش والظباء.
стр. 5432
وإنما أقسم - تعالى - بالخنس الجواري الكنس لدلالتها بهذه الأحوال المختلفة، والحركات المنسقة على عظيم قدرة مبدعها ومصرفها -عز شأنه- وإرشاد تلك الحركات على ما في الكون من بديع الصنع، وإحكام النظام.
١٧، ١٨ - (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ):
عطف على القسم السابق، أَي: لا أُقسم بعظمة الليل إذا أَقبل ظلامه أَو أَدبر، فكلمة "عَسْعَسَ" من الأضداد، قال الفراء: أَجمع المفسرون على أَن معنى (عَسْعَسَ اللَّيْلُ): أَدبر وقيل: هي لغة قريش، وقيل المعنى: أقبل ظلامه، وذلك أَوفق للآية التالية، لما بين إقبال الليل وتنفس الصبح من المناسبة،
(وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) أي: لا أُقسم كذلك بعظمة الصبح إذا تبلج وأَضاءَ، وامتدَّ حتى صار نهارًا بيِّنا أَزال غمة الظلام التي كانت تغمر الأَحياء فاستقبلوا يومهم مستبشرين بحياة جديدة في يوم جديد.
والتعبير بقوله سبحانه: (تَنَفَّسَ) لأَن الصبح إذا أَقبل: أَقبل بإقبال روح ونسيم فجعل ما يصاحبه نفسًا له على المجاز.
١٩، ٢١ - (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ):
ذلك جواب القسم وهو المقسم عليه المراد توكيده وتقريره، أي: إن هذا القرآن العظيم الناطق بما ذكر من العظائم الهائلة (لقول رسول كريم) كرمة الله وعظمة، وهو جبريل ﵇ كما قال ابن عباس وقتادة والجمهور، وقد قاله من جهة ربه وإنما أُسند قوله إليه، لأَنه حامله إلى النبي ﷺ وناقله إليه من مراسل
(ذِي قُوَّةٍ) أي: قدرة على ما يكلف به لا يعجز ولا يضعف، كما قال سبحانه في سورة النجم: "شَدِيدُ القُوَى، ذُو مِرَّةٍ" بمعنى أَنه مع قوته يتصف بالحصانة في العقل والرأْي.
جاءَ في قوله أنه ﵇ بعث إلى مدائن لوط، وهي أربع مدائن، في كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري، فحملها بمن فيها من الأرض السفلى، ثم هوى
стр. 5433
بها فأَكلها، وقيل المراد: القوة في أَداء الطاعة لله تعالى وترك الإخلال بها. (عندَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ) أي: له مكان رفيعة، ومنزلة سامية، وشرف عظيم عند صاحب العرش جل شأْنه والعندية عندية تشريف وإكرام لا عندية مكان، ولما كانت حال المكانة على حسب حال المكين قال -سبحانه-: (عند ذي العرش مكين) ليدل على عظم منزلته ومكانته بما لا يدع مجالا لشك أَو مماراة
(مطاع ثم أمين) أي: مطاع هنالك في العالم الإلهي بين الملائكة المقربين ﵈ يصدرون عن أمره، ويرجعون إلى رأْيه، وهو أمين على الوحي، لا يزيد فيه، ولا ينقص مما أمر بتبليغه، وفي رواية عنه ﵇ قال: "أمانتي أني لم أُومَر بشيءٍ فَعَدَوْته إلى غيرِه"
٢٢ - (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ)
صاحبهم هو نبينا ﷺ نفى الله عنه الوصف بالجنون لأن بعض قريش كان يرميه بذلك عند ما يسمع منه غريب الخبر عن اليوم الآخر وغيره من مواضع العبر ما لم يكن معروفًا عندهم، ولا مأْلوفًا لعقولهم، والتعبير عنه بصاحبكم أبلغ في استدلال عليهم، فإنه ﷺ نشأَ بينهم من صغره إلى كبره، وما عرفوا منه إلا كمال العقل، والتبريز في الفضل، وأنه كملهم وصفًا وأَصفاهم ذهنًا، فكيف يوصف بالجنون عندما تأْتيه الرسالة من ربه؟ ولا يصفه بذلك إلا من سفه نفسه وتملكه الحمق والجنون.
٢٣ - (وَلَقَدْ رَأَهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ):
أي: وبالله إن محمدًا ﷺ قد رأى جبريل ﵇ بالأفق الأعلى الواضح المُظهِر لما يُرى فيه (١) من جهة المشرق كما روي عن الحسن وقتادة ومجاهد وسفيان، وهي الرؤية الأولى بمكة، الواقعة في غار حراء، رآه بالصورة التي خلفه الله عليها، وعن مجاهد أنه ﷺ رآه نحو جياد وهو مشرق مكة، وقيل غير ذلك.
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في الآية: رآه بصورته عند سدرة المنتهى، والأفق - على هذا- بمعنى الناحية، أي: ناحيتها.
стр. 5434
٢٤ - (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ):
أَي: وما رسول الله ﷺ ببخيل بما يأْتيه من الوحي، ولا بمقصر في تبليغه لكم وتعليمكم إياه.
وسمى الوحي غيبًا، لأَنه لا يعرفه، ولا يعلم حقيقته من البشر إلا الذي يوحي إليه، أو المعنى أنه ﷺ ليس بمتهم على الغيب، بل هو صادق في كل ما أخبر به عن الله تعالى -وكما لم يعرف عنه الكذب في ماضي حياته، فهو غير متهم فيما يحكيه عن جبريل ﵇ وذلك على قراءَة بظنين.
٢٥ - (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ):
أي: ليس القرآن المنزل على محمد ﷺ بقول شيطان مسترق للسمع من الملأ الأعلى حتى تقولوا إنه كهانة، ولا يتأتى أن يكون كذلك، لأن صاحبكم قد عرف بصحة العقل وبالأمانة على الغيب، فلا يكون ما يحدثكم به من أخبار الآخرة، ومن الشرائع والأحكام قول شيطان رجيم؛ قال تعالى: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنْ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) (١).
٢٦ - (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ):
بتهمهم بالضلال واعتبارهم ضلال فيما يسلكونه في أمر القرآن العظيم، أي: فأي مسلك تسلكون، وقد قامت عليكم الحجة بوضوح آياته، وسطوع براهينه، وأَحاط بكم الحق من كل جوانبكم، وذلك كما يقال لتارك الجادة اعتسافًا أو ذهابًا في بنيات (٢) الطريق: هذا الطريق الواضح، فأَين تذهب؟! مثلث حالهم في تركهم الحق مع وضوحه وظهوره، وعدولهم عنه إلى الباطل مع قبحه ومقته، بحالة من ارتكب شططًا في سيره. وقيل: فأَين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن مع ظهوره ووضوحه، وبيان كونه من عند الله
стр. 5435
كما قال الصديق ﵁ لوفد بني حنيفة حين قدموا مُسْلِمين، وأَمرهم فَتَلَوْا عليه شيئًا من قرآن مسيلمة الكذاب الذي هو في غاية الهذيان والركاكة. فقال: ويحكم أين يذهب بعقولكم؟! والله إن هذا الكلام لم يخرج من إله. وقال قتادة: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) أي: عن كتاب الله وعن طاعته، وقال الزجاج: معناه فأَي طريق تسلكونه أَبْين من هذه الطريقة التي بينت لكم، وقال الجنيد: فأَين تذهبون عنا وإن من شيء إلَّا عندنا.
٢٧، ٢٨ - (إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ):
أي: ما هذا القرآن إلَّا ذكر لجميع الناس يتذكرون به ما وقر في قلوبهم من الميل إلى الخير، وإنما أنساهم ذكره ما طرأ على طباعهم من أَنواع السوء التي تحدثها أَمراض التقلب في الحياة
(لِمَن شَاءَ منِكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ) بدل من العالمين، أَي: إنه ذكر يتذكر به من وجه إرادته للاستقامة على الجادة الواضحة، بملازمة الحق والعدل، وتحري الصواب، وأما من صرف نفسه عن ذلك ولم يرد إلَّا الاعوجاج والانحراف، فذلك الذكرُ لا يؤَثر فيه، ولا يخرجه عن غفلته هذا، وقد فرض الله على المكلف أَن يوجه فكره نحو الحق ليطلبه وأن يحفز عزمه إلى الخير ليكسبه.
٢٩ - (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ):
روي عن سليمان بن موسى والقاسم بن مخيمرة أنه لما نزلت (لمن شاء منكم أن يستقيم) قال أبو جهل: جعل الأمر إلينا، وإن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: (وما تشاءون .. ) الآية.
أي: وما تشاءُون الاستقامة مشيئة نافعة لسبب من الأسباب، أو في وقت من الأوقات إلا أن يشاء الله تلك المشيئة المستتبعة للاستقامة، فإن مشيئتكم لا تستتبع الاستقامة بدون مشيئة الله تعالى، فهو سبحانه خلق العبد وأحاط علمه بكل ما يصدر عنه ويضمره من خير وشر، واستقامة وضلال وفق اختياره، وبدافع من مشيئته واستعداده فإن فعل
стр. 5436
بسبب ذلك خيرًا أعانه الله عليه، وإن كان شرًّا لم يُعِنْهُ وتركه للشياطين يضلونه، ولهواه يتحكم فيه، ولهذا يكون مسئولا عن كل ما يفعله لأنه فعله مختارًا حسب استعداده الذي عَلِمَهُ الله فيه عند خلقه، كما قال تعالى: "أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" (١).
وهو سبحانه: (رَبُّ العَالَمِينَ) أي: مالك الخلق ومربيهم، ومانحهم كل ما يتمتعون به من القوى والقُدَرِ، وصاحب السلطان عليهم، تبارك اسمه، وعلا علوًّا كبيرًا، والله أعلم.
стр. 5437
سورة الانفطار
هي سورة مكية وآياتها تسع عشرة آية
صلتها بما قبلها:
هذه السورة الكريمة تتفق مع السورة التي قبلها وهي سورة التكوير في أن كلا منها تتحدث عمَّا يصيب الكون من تغيّر وتبدّل قبيل القيامة، ففي التكوير يأْتي قوله تعالى: "إذا الشمس كورت" إلى قوله -جل شأنه-: "وإذا الجنة أزلفت * علمت نفس ما أحضرت" وفي سورتنا هذه يجيء قوله -عز من قائل-: (إذا السماء انفطرت) إلى قوله تعالى: (وإذا القبور بعثرت * علمت نفس ما قدمت وأخرت) فهدف السورتين يكاد يكون متفقًا على غرض واحد: وهو بيان ما يحدث قبيل يوم القيامة من أحوال عظام وأحداث جسام.
بعض مقاصد السورة:
١ - تحدثت السورة في أَولها عما يحدث عند قيام الساعة من انفطار السماء وتشققها، وانتشار الكواكب وتفرقها، وانتزاعها من أماكنها، وتفجير البحار وامتزاج مياهها وتفرقها في جنبات الأرض، وإزالة ما بينهما من البرازخ والحواجز، ثم بعثرة القبور وإخراج ما فيها من الأموات وقد عادت لهم الحياة، وما يعقب ذلك من حشر وحساب وجزاءٍ (إذا السماء انفطرت) إلى قوله تعالى: (علمت نفس ما قدمت وأخرت).
٢ - ثم تذكر السورة الكريمة اغترار الإنسان وانخداعه بإمهال الله وترك عقابه على ما يبدر منه من شرك ومعاص حيث لا يقر له بنعمة، ولا يعرف له سبحانه حقه في إفراده بالوحدانية، بل يصير كنودًا جحودًا لنعم الله عليه: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك) ثم يوضح ويبين -سبحانه- سبب هذا الجحود والكفران وأنه هو التكذيب وعدم الإقرار بيوم القيامة، أو بالإسلام فيقول: (كلا بل تكذبون بالدين).
стр. 5438
٣ - ثم بعد ذلك قسمت النَّاس إلى طائعين أَبرار، وإلى عاصين فجار، وبينت مآل وعاقبة كل فريق منهم: (إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم).
وكانت نهاية السورة في عرض أهوال اليوم الآخر: (وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين)، ثم ختمت بأن الملك له وحده، وأن الأمر أمره، فليس لأحد في هذا اليوم حكم ولا أمر: (يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذ لله).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾
المفردات:
(انفَطَرَتْ): تشققت وتصدعت.
(انتَثَرَتْ): تساقطت متفرقة.
(فُجِّرَتْ): من الفَجْرِ: وهو شق الشيء شقًّا واسعًا، والمراد: فتح بعضها على بعض فاختلط العذب بالملح.
التفسير:
١، ٥ - ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾:
стр. 5439
أي: إذا السماء انشقت وتصدعت وصارت أبوابًا وذلك لنزول الملائكة، وإذا الكواكب تساقطت متفرقة منتشرة كجواهر ولآلئ قطع سلكها وبتر خيطها، وإذا البحار فتحت وشقت جوانبها وزال ما بينها من الحواجز والبرازخ واختلط ماؤها العذب بمائها الملح الأُجاج حتى صارت بحرًا واحدًا ثم تنشف الأرض جميعًا وتجف وتيبس فتصير بلا ماءٍ ويقضي على أسباب الحياة فيها، وإذا القبور قلب ترابها وصار أعلاها أَسفلها، وأُخرج مَنْ دفن فيها (علمت نفس ما قدمت وأخرت) هذا وجوب (إذا السماء انفطرت) وما عطف عليه، أي: إذا حصل هذا علمت كل نفس مكلفة علمًا تفصيليا عند نشر صحف أعمالها ما قدمته من عمل خير أو شر، وما أخَّرته من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعد ذلك، أو ما قدمته من أموال لنفسها مما أنفقته في سبيل الله، وما أخرته وتركته لورثتها يستمتعون به وينتفعون وتحاسب هي عليه، أما العلم الإجمالي لذلك فإنه يحصل قبل ذلك؛ لأن المطيع يرى آثار السعادة، والعاصي يرى آثار الشقاء في أول الأمر.
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾
المفردات:
(مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ): ما خدعك وجرَّأَك على عصيان ربِّك.
(فَسَوَّاكَ): فجعل أعضاءك سويَّة سليمة مهيأَة لمنافعها.
(فَعَدَلَكَ): فساوى بين أعضائك فلم تتفاوت في طول أو قصر. أو لون أو شكل من: عدل فلانًا بفلان: إذا ساوى بينهما، وقيل غير ذلك وسيأْتي.
(فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ): وضعك وجعلك في أي صورة اقتضتها مشيئته.
стр. 5440
التفسير:
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾
هذا النداء للكافر الذي جحد بربه، أو هو عام يشمل العصاة أيضًا، أي: أي شيء خدعك وسوّل لك وجرأك على عصيان الله والمخالفة عن أمره، وقد رباك بنعمه ورعاك بكرمه في جميع أطوارك ومختلف أحوالك، فجعلك خليفة في أرضه، وميزك بالعقل والتكليف وحمّلك الأمانة التي أشفقت السموات والأرض والجيال من حملها، وسخَّر لك ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه ثم كان منك أن أعمتك النعمة وشغلتك عن المنعم حتى جحدته وكذبت رسوله، والأجدر بك أن تقابل الإحسان بالطاعة، والنعم بالشكر، فالغرور أمارة الحمق وآية الجهل، روي أن النبيّ ﷺ قرأ هذه الآية: "يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ" فقال: "غره الجهل" وقاله عمر ﵁ أيضًا وقرأ: "إنه كان ظلومًا جهولًا".
(الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ): هذه صفات مقررة للربوبية مبينة وموضحة لكرم الله على الإنسان، مشيرة إلى أن ما كذبوا به من البعث والجزاء هو حق ثابت؛ لأن من قدر على الخلق بدءًا كان أَقدر عليه إعادة، والتسوية: جعل الأعضاء سليمة سويّة معدّة لقيامها بمهامها وأدائها لمنافعها على وفق حكمته - تعالى - ومشيئته. قال ذو النون: سواك، أي: سخّر لك المكونات أجمع، وما جعلك مُسَخَّرًا لشيء منها. ثم أنطلق لسانك بالذكر وقلبك بالعقل، وروحك بالمعرفة، وسرك بالإيمان، وشرفك بالأمر والنهي، وفضلك على كثير ممن خلق تفضيلا (فَعَدَلَكَ) أي: فعدل أعضاءك ببعضها حتى اعتدلت وتساوت من غير تفاوت، فلم يجعل إحدى اليدين أو الرجلين أطوال، ولا إحدى العينين أو الأُذنين أو المنخرين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود، بل لقد تم التناسق والتناسب بينها في كمال إبداع، وعظيم إِحكام، أو صرفك عن خلقة غير ملائمة لك إلى خلقة مستوية مستقيمة لا منكسة كالبهائم، وجعلك تتناول طعامك بيدك، وأكرمك بأمور بأُمور كثيرة
стр. 5441
ونعم عديدة: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" (١) أو صرفك عن خلقة غيرك وجعلك على صورة وخلقة حسنة مفارقة لسائر الخلائق.
هذا وإن تفاوت النَّاس في الحسن مما يدل على كمال اقتدار الله -سبحانه- وعظيم إبداعه.
(فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) أي: خلقك وكوَّنكَ وجعلك في أي صورة من الصور التي اقتضتها مشيئته، وأرادتها حكمته من الصور المختلفة في الحسن، والذكورة والأُنوثة والطول والقصر، وغير ذلك من الصفات التي تتفاوت الناس فيها، أو ركبك ما شاءَ من التراكيب كيبا حسنا.
﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾
المفردات:
(كَلاَّ): ردع وزجر وإبطال لقول من يقول.
(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ): وإن عليكم من الملائكة لمحصين رقباءَ لأَعمالكم لا يفوتهم منها شيءٌ.
(كِرَامًا): ذوي أَفعال ظاهرة محمودة ومحاسن كبيرة.
التفسير
٩ - (كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ):
(كَلَّا) حرف للردع والزجر، أي: انزجروا وارتدعوا عن الاغترار بكرم الله والتعلق به وجعله وسيلة وذريعة إلى الكفر والعصيان مع كونه موجبًا للشكر والطاعة، ومانعًا من
стр. 5442
الفسوق والتمرد وذلك عند ذوي الفطر السليمة، والطبائع المستقيمة أما أن تكون عاقبة ومآل إكرام الله لكم هو النكران والجحود فذلك آية على دنس النفس، وخبث الطوية، وسوء السريرة، ولؤْم الطبع، وانحطاط الهمة، ولله در القائل:
إذا أنت أكرمتَ الكريمَ ملكتَهُ … وإن أنتَ أكرمتَ اللئيمَ تَمَرَّدَا
هذا، وقد روي أن أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب -كرم الله وجهه- دعا غلامًا له مرات فلم يجبه، فنظر أمير المؤمنين فإذا الغلام بالباب، فقال له: لِمَ لَمْ تجِبني؟ فقال الغلام: لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك. فاستحسن جوابه وأَعتقه. ونقول: إن أغلب الظن أن أمير المؤمنين لم يستحسن جوابه وإنما أعتقه للؤمه وخسة طبعه، ولعله -كرم الله وجهه- أعتقه رغبة عن معاشرة من يقابل الإحسان بالكفران؛ إذ الطبائع السليمة والفطر المستقيمة يأسرها المعروف، ويملكها ويأخذ بأعناقها إسداء الخير وجميل الفعل.
(بل تكذبون بالدين): الكلام يشير إلى أن هنا جملة مقدرة، كأنه قيل: وأنتم لا ترتدعون ولا تنزجرون عن الاغترار بكرم الله، بل تجترئون وتسرعون بالهجوم على ارتكاب ما هو أشد منه وأعظم جرمًا حيث تكذبون بالجزاء والبعث، وفيه من الترقي والانتقال من الأهوان -وهو الغرور- إلى ما هو أفظع وأغلظ وهو التكذيب، أي: أنهم تجاوزوا الغرور إلى ما هو أدهى منه وأَمَرُّ.
وقال الراغب: (بَلْ) هنا لتصحيح الثاني -وهو تكذيبهم بالجزاءِ والحساب- وإِبطال الأَول -وهو الاغترار بكرم الله- كأَنه قيل: ليس هنا مقتض لغرورهم، ولكن تكذيبهم حملهم على ما ارتكبوه.
١٠ - (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ):
أي: تكذبون وتجحدون بالجزاءِ يوم القيامة والشأْن والحال أَن عليكم من قبلنا لحافظين لأَعمالكم لا يغادرون صغيرة ولا كبيرة إِلاَّ أَحصوها عليكم.
стр. 5443
١١ - (كِرَامًا كَاتِبِينَ):
أَي: إِن هؤُلاءِ الملائكة الحفظة كرام لدينا ذوو محاسن كبيرة ومنزلة عظيمة ومكانة رفيعة، وهم يكتبون كل ما يصدر منكم ويسطرونه في صحائف أَعمالكم.
وفي تعظيم الله لهؤُلاءِ الكرام الكاتبين بالثناءِ عليهم تعظيم وتفخيم لأَمر الجزاء وأَنه عند الله من جلائل الأَعمال؛ حيث استعمل هؤُلاءِ الكرام لديه - تعالى - في ضبط وإِحصاء ما يحاسب الناس عليه، وحقًّا:
إِن العظائمَ كُفْؤُها العظماء.
وقال الإِمام الآلوسي نقلا عن المهدوي: "ومن يكتب الأَعمال ملكان: كاتب الحسنات وهو على المشهور على العاتق (١) الأَيمن، وكاتب ما سواها وهو على العاتق الأَيسر، والأَول أَمين على الثاني فلا يمكنه من كتابة السيئة إِلا بعد مضي ست ساعات من غير مكفر لها، ويكتبان كل شيءٍ حتى الاعتقاد والعزم، وحتى الأَنين في المرض، وكذا يكتبان حسنات الصبي على الصحيح، ويفارقان المكلف عند الجماع، ولا يدخلان مع العبد الخلاء، أَخرج البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله يَنهَاكُم عن التَّعرِّي، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إِلا عند إِحدى ثلاث حالات: الغائط، والجنابة، والغسل".
١٢ - (يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ):
من الأَفعال قلَّ أَو كثر، دق أَو عظم، وليس ذلك إِلاَّ للجزاءِ وإِقامة الحجة على الناس، وإِلاَّ كان عبثًا يُنَزَّهُ ويُقَدس عنه -جل شأْنه-.
стр. 5444
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾
المفردات:
(الأَبْرَارَ): جمع بار، مشتق من البر: وهو التوسع في عمل الخير.
(لَفِي نَعِيمٍ): النعيم في الأَصل: النعمة الكثيرة، والمراد هنا: الجنة لما فيها من ضروب النعم.
(الْفُجَّارَ): جمع فاجر: وهو من شق ستر الدين وجاهر بالعصيان، من الفَجْرِ: وهو شق الشيءِ شقًّا واسعًا.
(لَفِي جَحِيمٍ): الجحيم: مأْخوذ من الجحمة: وهي شدة تأَجج النَّار، والمراد به هنا: النَّار في الآخرة.
(يَصْلَوْنَهَا): يقاسون حرها، أَو يدخلونها.
التفسير:
١٣ - (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ):
الأَبرار: مشتق من البر، وهو التوسع في فعل الخير وأَداء الطاعات، وفي سنامها وقمتها طاعة الله ورسوله، ثم بر الوالدين، وقد روي أَن رسول الله ﷺ سئل عن البر؟ فتلا قوله تعالى: "لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ"
стр. 5445
إِلى قوله تعالى: "أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ" (١) فهؤُلاءِ الأَبرار الطائعون الأَخبار يشملهم الله برضوانه ويدخلهم في نعيمه وجناته، ويقيهم عذابه، ويحفظهم من سخطه وعقابه.
١٤ - (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ):
أَي: وإِن الفجرة الذين شقوا وهتكوا ستر الدين، وجاهروا الله بالمعاصي ولم يستحيوا منه سبحانه إِن هؤُلاءِ لمحاطون بالنار تضمهم وتشملهم وقد اشتد تأَججها وعَظُمَ لهيبها.
١٥ - (يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ):
أَي: يدخلونها ويقاسون حرها ولظاها يوم الجزاء والحساب الذي كانوا به يكذبون.
١٦ - (وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ):
هذه الآية الكريمة قد جاءَت قطعًا لرجاءِ الفجار وتيئيسا لهم من أَن ينقطع عنهم العذاب، وأَن ينالوا برد الراحة، أَي: أَنهم ليسوا بمنأًى عن النار وعذابها طرفة عين، وهو كقوله تعالى: "وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا" (٢) وذلك للدلالة على سرمدية العذاب ودوامه. وقيل معناه: وما كانوا غائبين عن النار قبل ذلك بالكلية، بل كانوا يجدون سَمومها ولَفْحها ولظاها في قبورهم، يدل على ذلك قوله ﷺ : "القبُر روضةٌ من رياض الجنة أَو حُفْرةٌ من حُفَر النار".
وفي تنكير النعيم والجحيم ما يشير إِلى التفخيم والتعظيم في شأْن نعيم الأَبرار، وإِلى التهويل والتبشيع في حق عذاب الفجار. قيل: أَخبر الله في هذه السورة أَن لابن آدم ثلاث حالات: حال الحياة التي يحفظ فيها عمله، وهي حالته في الدنيا، وحال الآخرة التي يجازي فيها، وحال البرزخ وهو قوله تعالى: "وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ".
стр. 5446
١٧ - (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ):
هذا تفخيم وتعجيب وتعظيم لشأْن يوم الجزاءِ وتهويل له، أَي: ما أَعلمك ما هو يوم الدين؟ وأَي شيءٍ هو في شدته وهوله؟
١٨ - (ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ):
ذلك تفخيم لهذا اليوم إِثر تفخيم وتعجيب منه بعد تعجيب أَي: إِن أَمره لعجيب، وشأْنه لعظيم بحيث لا يستطيع أَحد أَن يدرك حقيقته أَو يقف على كنهه لهوله وعظمته، فهو فوق الوصف والبيان.
قال ابن عباس فيما روي عنه: كل شيءٍ من القرآن من قوله: (وَمَا أَدْرَاكَ) فقد أَدراه للرسول، وكل شيءٍ من قوله: (وَمَا أَدْرَاكَ) فقد طوي عنه.
١٩ - (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ):
أَي: في ذلك اليوم وهو ما من الشدة والهول لا يملك ولا يستطيع أَحد أَن يجلب لغيره نفعًا أَو يدفع عنه ضرًّا، بخلاف ما كان عليه الحال في الدنيا؛ فإِن أَهلها كانوا يتغلبون على الملك، ويعين بعضهم بعضًا، ويحمي بعضهم بعضًا، فإذا كانت القيامة بطل ملك بني الدنيا وزالت رياستهم، فلا يحمي أَحدٌ أَحدًا، ولا يغني عنه شيئًا ولا يتغلب أَحد على ملك غيره، وهنا وعيد عظيم وتخويف شديد حيث عرفهم أَنه لا يغني عنهم إلا البر والطاعة يومئذ دون سائر ما كان يغني عنهم في الدنيا من مال وولد وأَعوان وشفعاء، فالأَمر كله في هذا اليوم لله وحده، فقد انقطعت الأسباب وذهبت الوسائل، وزالت الأَغيار، والله وحده هو صاحب الملك والسلطان، وذلك كقوله: (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (١) وقال قتادة: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) قال: والأَمر -والله- اليوم لله -يريد في الآخرة- وقال الواحدي: والمعنى أَن الله - تعالى - لم يملِّكْ في ذلك اليوم أَحدًا شيئًا من الأُمور كما ملكهم في دار الدنيا.
стр. 5447
هذا، وقد قال رسول الله ﷺ : "يا بَنِي عبدِ المطلبِ اشتروا أَنفسَكم مِن اللهِ، يا صفيةَ عمةِ رسول الله، يا فاطمةَ بنت رسول الله اشترِيا أَنفسَكما من اللهِ لا أُغني عنكما من اللهِ شيئًا، سَلَانِي من مالي ما شئتما" وصدق الله ورسوله.
стр. 5448
سورة المطففين
مكية وآياتها ست وثلاثون آية
صلة هذه السورة بما قبلها:
أَنها تنذر بالويل والثبور والعذاب بالنار في الآخرة، وتهدد الظالمين الذين ينتقصون حق غيرهم فهي تتلاقى مع السورة قبلها في وعيد المخالفين الضالين، كما أَنها تبيّن ما أَجملته سورة الانفطار من عذاب الفجار، وثواب الأَبرار.
بعض مقاصد السورة:
١ - جاءَت السورة في أَولها مهددة منذرة هؤُلاءِ الذين يجورون ويظلمون سواهم بالاستيلاءِ على حقهم، واستلاب أَموالهم ضاربين بعقاب الله لهم في الآخرة عرض الحائط: (وَيْلٌ لِّلْطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذا اكْتَالُوا عَلَى النَّاس … ) إِلى قوله: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ).
٢ - تحدثت السورة عن مآل الفجار، وأَنَّهُمْ سيحاسبون على أَعمالهم التي سجلت عليهم في كتاب قد حفظ في مكان حريز ضيق في أَسفل جهنم، لا يزاد فيه ولا ينتقص منه، وأَنهم لا ينعمون بفضل الله ورحمته ولا يسعدون برؤيته يوم القيامة، وأَنهم مع ذلك يصْلَوْنَ جهنم ويعذبون بعذابها الأَليم: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) إِلى قوله: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ).
٣ - ثم أَتت السورة بنعيم الأَبرار الذين جمعوا خصال الخير، وأَبانت سعادتهم في الآخرة، وأَنهم في مرضاة ربهم وكرمه: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) إِلى قوله: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ).
٤ - وفي ختام السورة يجيء ويظهر ما يلقاهُ المجرمون من سخرية المؤمنين واستهزائهم بهم جزاءَ ما كان المجرمون يفعلونه بالمؤمنين في الدنيا من الإيذاءِ والسخرية جزاءً وفاقًا:
стр. 5449
(فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦))
سبب نزول السورة:
عن ابن عباس قال: "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة كانوا أَخبث الناس كيلا فأَنزل الله : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) فأَحسبوا الكيل بعد ذلك".
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣))
المفردات:
(وَيْلٌ): هلاك وبوار، أَو مقر في الجحيم.
(لِلْمُطَفِّفِينَ): المطففون: جمع مطفف، وهو الذي يبخس وينقص في الكيل والوزن، وأَصله: من الطفيف، وهو الشيءُ اليسير.
(يُخْسِرُونَ): ينقصون ويظلمون غيرهم.
التفسير
١، ٣ - (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣))
أَي هلاك وبوار، أَو مقر في النار لهؤُلاءِ الذين إِذا أَخذوا حقهم من سواهم أَخذوه كاملا غير منقوص، وهم بعملهم هذا يحرصون أَن ينالوا حقهم دون حيف أَو ظلم من أَحد عليهم،
стр. 5450
ولو أَدى ذلك إِلى أَن يحملوهم ويقسروهم على ذلك قسرًا وحملًا، ومع ذلك فهم في إِيفاء سواهم ما في ذمتهم من حق وما عليهم من تبعة يخسرون غيرهم وينقصونهم، وينالون من حقهم لديهم، لا يبرئون ذمتهم، ولا يتحللون من تبعتهم؛ إِذا قد تملكتهم الأَثرة واستولى عليهم حبهم لأَنفسهم، وهذا آية جشع نفوسهم، وتمكن الطمع منهم، وتسلط الظلم عليهم، وإِلاَّ لأنصفوا النَّاس منهم، وأَقاموا العدل فيهم، فأَعطوهم مثل ما أَخذوا منهم وهذا الوعيد بالويل والثبور وإِن جاءَ في حق البخس والنقص فيما يكال ويوزن إِلا أَن النص الكريم يتسع ويتناول غير ذلك من سائر الحقوق التي يتداولها الناس فيما بينهم.
قال القشيري: لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل، وفي إِظهار العيب وإِخفائه، وفي طلب الإنصاف والانتصاف؛ ويقال: من لم يرض لأَخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس بمنصف والمعاشرة والصحبة من هذه الجملة، والذي يري عيب الناس ولا يرى عيب نفسه من هذه الجملة، ومن طلب حق نفسه من الناس ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلبه لنفسه فهو من هذه الجملة، والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أَحد لنفسه حقًّا أ. هـ.
وفي التعبير بالمطففين ما يشير إِلى أَن الذي يطمع في حق سواه إِنما يأْخذ حقيرًا وينال تافهًا قليلًا؛ فالمطفف مأْخوذ من الطفيف: وهو النزر القليل، وقال الزجاج: إِنما قيل للفاعل من هذا مطفف؛ لأَنه لا يكاد يسرق من المكيال والميزان إِلا الشيءَ الطفيف الخفيف.
وروى ابن قاسم عن الإِمام مالك أَنه قرأَ: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) فقال: لا تطفف ولا تَخْلِبْ (لا تخدع) ولكن أَرسل وصب عليه صبًّا، حتى إِذا استوفى أَرسل يدك ولا تمسك. وقال ابن الماجشون: نهى رسول الله ﷺ عن مسح الطفاف وقال: "إِن البركة في رأْسه" وقال: بلغني أَن كيل فرعون كان مسحًا بالجديدة.
ولعل السر في مجيء (عَلَى) بدل (مِنْ) في قوله: (إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ) للإِشعار والإِيذان بأَن عملهم هذا فيه إِضرار بالمكتال منهم وتحامل عليهم. وقال الفراءُ: (مِنْ) و (عَلَى) يتعاقبان في هذا الموضع؛ فإِذا قال: اكتلت عليك، فإِنه قال: أَخذت ما عليك، وإِذا قال: اكتلت منك، فكقوله: استوفيت منك.
стр. 5451
هذا، وقد تهدد الرسول ﷺ وتوعد من يفعلون ذلك والذين يماثلون من الفجرة بما رواه ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "خمس بخمس، ما نقضَ قومٌ العهدَ إِلاَّ سلط الله عليهم عدوَّهم، وما حكموا بغيرِ ما أنزلَ الله إِلاَّ فشا فيهمُ الفقرُ، ولا ظهرتِ الفاحشةُ فيهم إِلا ظهر فيهم الطاعونُ، ولا طففوا الكيلَ إِلاَّ مُنعوا النباتَ وأَخذوا بالسنين، ولا مَنعوا الزكاةَ إِلاَّ حبسَ اللهُ عنهم المطرَ" وقال مالك بن دينار: دخلت على جارٍ قد نزل به الموت فجعل يقول: جبلين من نار! جبلين من نار! فقلت: ما تقول؟ أَتَهْجُر؟ (أَتهذي) قال: يا أَبا يحيى: كان لي مكيالان أَكيل بأَحدهما وأَكتال بالآخر، قال مالك: فقمت فجعلت أَضرب أَحدهما بالآخر حتى كسرتهما، فقال: يا أَبا يحيى: كلما ضربت أَحدهما بالآخر ازداد عظما، فمات من وجعه.
(أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦))
المفردات:
(أَلا يَظُنُّ): الظن: هو إِدراك الطرف الراجح، ويراد به هنا: التردد والتخمين، وقيل غير ذلك.
قال الراغب: الظن: اسم لما يحصل من أَمارة، ومتى قويت أَدت إِلى العلم، ومتى ضعفت جدًّا لم تتجاوز حد الوهم.
التفسير
٤ - (أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤))
هذا إِنكار لفعلهم وتقبيح لصنيعهم وتعجيب عظيم لحالهم في الاجتراء على التطفيف حتى كأَنهم لا يخطرونه ببالهم، ولا يمرونه بخاطرهم، ولا يظنون ظنا أَنهم مبعوثون ومنشورون من قبورهم أَحياء فمحاسبون على مقدار الذرة والخردلة، فالظن والحدس في
стр. 5452
هذا المقام كاف لمنعهم وردعهم عن اقتراف البخس والنقص في الكيل والوزن أَخذًا بالأَحوط، ودفعًا لما عساه أَن ينالهم من نكال وعقاب جزاءَ بخسهم ونقصهم، فما بالهم لو علموا وأَيقنوا أَنهم ملاقون ربهم فمجازيهم على ما اقترفوه من ظلم وما فعلوه من جرم وإِثم.
٥ - (لِيَوْمٍ عَظِيمٍ):
وهو يوم القيامة، فعظمه كبير لا يقادر قدره، وقد وصف بذلك لعظم ما فيه من الأَهوال والشدائد الجسام.
٦ - (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ):
أَي: يقومون لحكمه وقضائه ولمحض أَمره وطاعته لا لشيءٍ آخر، وروى عن ابن عمر عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: "حتى يغيبَ أَحدُهم في رشحهِ إِلى أَنصاف أُذنَيْه" وقد ورد أَنه المراد من قوله تعالى: "تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّروحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ". وقد روي عن النبي ﷺ : "إِنه ليخفَّف عن المؤمنِ حتى يكونَ أَخفّ عليه من صلاة المكتوبة يصليها في الدنيا" وهو مروي عن ابن عباس وإِسناده صحيح.
والآية تدل على التهديد والوعيد؛ حيث أَبانت أَن الناس تقوم لرب العالمين، والقيام في هذا اليوم لا يكون إِلاَّ مع غاية الخشوع ونهاية الذلة والخوف والرهبة من جلال الله وغضبه هذا مع وصف نفسه -جل شأْنه- بأَنه رب العالمين؛ فهو مالك نواصيهم، والقاهر فوقهم والمتصرف فيهم تصرفًا تامًّا ولا معقب لحكمه.
(كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (١٣)
стр. 5453
المفردات:
(الفُجَّارِ): جمع فاجر، وهو من شق وهتك ستر الدين وتجرأَ عليه.
(سِجِّينٍ): جب في جهنم، وقيل: في حبس وضيق شديد، فِعِّيل من السجن، وقيل غير ذلك.
(مَرْقُومٌ): مكتوب كالرقم في الثوب لا يمحى، وقيل غير ذلك.
(مُعْتَدٍ): فاجر جائر عن الحق.
(أَثِيمٍ): كثير الإِثم منهمك في الشهوات.
(أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ): أَكاذيب وخرافات الأَوائل سطروها وزخرفوها في كتبهم.
التفسير:
٧ - ٩ - (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ):
(كَلاَّ): ردع وزجر وانتهار لهم، أَي: ارتدعوا وانزجروا عن تطفيف الكيل والوزن، أَو عن التكذيب بالآخرة (إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ): هذا تهديد لهم وتأْكيد على أَن أَعمال الفجار وهم من هتكوا ستر الدين وتجرأُوا عليه وبارزوا الله وجاهروه بالمعاصي أَي: أَن أَعمال هؤُلاءِ مسطورة ومكتوبة في شر موضع، إِنها في جب أَسفل الجحيم، أَو في حبس وضيق شديد، وكان أَمره على هذا النحو للدلالة على خساسة وحقارة منزلتهم، لأَن كتابهم يحل وينزل بسبب الإِعراض عنه والإِبعاد له محل الزجر والهوان، وقال القيشري: سِجِّينٍ: موضع في السافلين يدفن فيه كتاب هؤُلاء فلا يظهر، بل يكون في ذلك الموضع كالمسجون، وهذا دليل على خبث أَعمالهم، وتحقير الله إِياهم، ولهذا قال في كتاب الأَبرار: يشهده المقربون
(كِتَابٌ مَرْقُومٌ) أَي: مكتوب كالرقم في الثوب لا ينسى ولا يمحى.
стр. 5454
وقال قتادة: مرقوم، أَي: مكتوب رقم لهم بشر لا يزاد فيهم أَحد ولا ينقص منهم أَحدٌ.
١٠ - ١٢ - (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ):
أَي: هلاك شديد وبوار ثابت لا يزول ولا يحول لهؤُلاءِ المكذبين الجاحدين
(الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) وصفهم -سبحانه- وكشف عن حقيقة تكذبيهم، وبيّن أَنهم هم الذين يكذبون بيوم القيامة: يوم الحساب والجزاءِ
(وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) جاءَ سبحانه في هذه الآية بما يؤكد ذمهم وتجريمهم، أَي: وما يكذب بهذا اليوم إِلا كل متجاوز حدود النظر والاعتبار بآيات الله المتلوّة والمنظورة، أَو كل من تعدى حدود الله وفجر وجار عن الحق وطرحه وراءَ ظهره فلم يعمل به، وكان كثير الإِثم عظيم الذنب منهمكا في شهوات الدنيا الفانية حتى شغلته عما وراءَها من اللذات التامة الباقية في الآخرة، وحملته ودفعته إِلى جحدها وإِنكارها.
١٣ - (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (١٣)):
أَي: إِذا سمع ذلك الكافر الفاجر كلام الله - تعالى - من رسول الله ﷺ قال -مكذبًا-: إِنَّ ما تقوله وتتلوه يا محمد هو أَكاذيب وخرافات الأَوائل سطروها وزخرفوها في كتبهم نَسَبْتَها زورًا وبهتانًا إِلى الله، فهي ليست منزلة من عنده -سبحانه-.
(كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧))
стр. 5455
المفردات:
(رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ): غطَّى وغَشَّى قلوبهم ما اقترفوه من الذنوب فلم يهتدوا إِلى الحق.
(إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ): إِنَّهُمْ لممنوعون عن رؤْية الله في الآخرة.
(لَصَالُوا الْجَحِيمِ): لدخلوا النار، أَو لمقاسون حرها وسعيرها.
التفسير
١٤ - (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ):
أَي: ليس الأَمر كما زعموا وادعوا أَن القرآن أَساطير وأَكاذيب الأَولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله محمد ﷺ وإنما حجب قلوبهم عن الإِيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم وغطاها من كثرة الذنوب والخطايا، فعن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ العبدَ إِذا أذنب ذنبًا كانتْ نكتة سَوداءَ في قلبه، فإِن تابَ صقل قَلبه، فإِنْ زادَ زادت" فذلك قول الله -تعالى-: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) وقال الحسن البصري: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت.
١٥ - (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ):
أَي: حقًّا إِنَّهُمْ مع ما يلقونه من الضيق الشديد في سجن مقيم وعذاب أَليم هم أَيضًا محجوبون وممنوعون من رؤْية ربهم وخالقهم في الآخرة، قال الزجاج: في هذه الآية دليل على أَن الله يُرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا خسَّت (١) منزلة الكفار بأَنهم يحجبون، وقال -جل ثناؤُه-: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (٢) فأَعلم الله - جل ثناؤُه- أَن المؤمنين ينظرون إِليه، وأَعلم أَن الكفار محجوبون عنه.
وقال مالك بن أَنس: لما حجب أَعداءَه فلم يروه تجلى لأَوليائه حتى رأَوه. وقال الشافعي
стр. 5456
لما حجب قومًا بالسخط دل على أَن قومًا يرونه بالرضا، ويرى قوم أَنهم محجوبون وممنوعون عن رضاه، قال مجاهد في قوله تعالى: (لَمَحْجُوبُونَ) أَي: عن كرامته ورحمته ممنوعون، وقال قتادة: هو أَن الله لا ينظر إِليهم برحمته ولا يزكيهم ولهم عذاب أَليم، والجمهور على الرأْي القائل بأَنهم محجوبون عن رؤيته فلا يرونه.
١٦ - (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ):
أَي: ثم مع هذا الحرمان من رؤية الرحمن هم كذلك أَيضًا من الملازمين لنار اشتد تأججها يحترقون فيها، وغير خارجين منها.
١٧ - (ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ):
ثم يقال لهم من قبل الله القهار -وذلك على سبيل التقريع والتصغير والتحقير-: هذا العذاب الذي تَذوقونه وتصلونه وتتقلب وجوهكم فيه هو ما كان الرسول يحذركم ويخوفكم وينذركم به، فكنتم تستكبرون وتستهزئون وتكذبون به، وها هو ذا قد لحقكم فلا تستطيعون له دفعًا ولا منه فكاكًا.
(كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)
المفردات:
(عِلِّيُّونَ): عَلَم على ديوان الخير الذي كتب فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين، وقيل غير ذلك.
(مَرْقُومٌ): رقم وكتب فيه بالنجاة من الحساب يوم القيامة.
(يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ): يحضره ويحفظه المقربون من الملائكة، أَو يشهدون بما فيه يوم القيامة.
стр. 5457
التفسير
١٨ - (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ):
لما ذكر -سبحانه- حال الفجار المطففين أَتبعه بذكر حال الأَبرار الذين لا يجورون ولا يظلمون فقال: (كَلاَّ) أَي: ليس الأَمر كما يزعمه هؤُلاءِ الفجرة من إِنكار البعث ومن أَن القرآن الكريم خرافات وأَكاذيب الأَولين، ثم قال: (إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) أَي: إِن ما يفعله الأَبرار من أعمال الخير والطاعة مسطور ومكتوب في ديوان الخير الذي يكتب فيه كل ما عملته الملائكة وصالحو المؤمنين من الإِنس والجن، وسمي بذلك لأَنه سبب الارتفاع إِلى الجنات؛ إِذ يرقى الأَبرار ويرتفعون من درجة إِلى أُخرى حيث يشاءُ الله من رضوانه وقربه، وقيل: إن (عِلِّيِّينَ) جمع عِلِّيّ عَلى (فِعِّيل) من العلو للمبالغة في سموه ورفعة شأْنه، وقال آخرون: هي مراتب عالية محفوفة بالجلالة قد عظمها الله وأَعلى شأْنها.
وقيل: إِن لكل من الأَبرار والفجار كتابًا خاصًّا بهم تكتب فيه أَعمالهم، ثم يضم كتاب الأَبرار إِلى كتاب أَعظم وأَشمل يحويه كما يحوي ويضم كل كتاب من كتب الأَتقياء والصلحاءِ من الثقلين وكتب الملائكة.
أَما كتاب الفجار فهو وما على شاكلته من كتب الأَشقياءِ والمردة والشياطين فيوضع ويسجن في كتاب خسيس حقير في مكان ضيق مهين وهو سجِّين (١).
١٩ - (وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ):
أَي: ما الذي أَعلمك يا محمد أَي: شيءٍ عِلِّيُّونَ؟ وذلك تفخيمًا لشأْنه وتعظيمًا لمنزلته، إِنه في الدرجة الرفيعة والمنزلة السامية.
стр. 5458
٢٠ - (كِتَابٌ مَرْقُومٌ):
أَي: إِن علَّيِّين كتاب قد رقم وسطر فيه ما أُعد لهم من الثواب ومما يوجب سرورهم وبهجتهم.
٢١ - (يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ):
أَي: يحضره ويشهده الملائكة المقربون ويحفظونه، أَو يشهدونه عند صعوده كرامة للأَبرار المتقين، أَو يشهدون بما فيه يوم القيامة تزكية للأبرار وتكريما لهم. أَخرج ابن المبارك عن صخر بن حبيب قال: قال رسول الله ﷺ : إِن الملائكةَ يرفعون أَعمالَ العبدِ من عباد الله - تعالى - يستكثرونَهُ حتى يبلغُوا به إِلى حيثُ شاءَ اللهُ - تعالى - من سلطانه، فيوحِي الله - تعالى- إِليهم: إنكم حفظةٌ على عمل عبدِي وأَنَا رقيبٌ على ما في نفسه، إِن عبدِي هذا لم يُخِلصْ لي عملَه فاجعلوه في سجِّين، ويَصعدونَ بعمل العبدِ يستقلونَهُ ويستحقرونَهُ حتى يبلغوا بِه إِلى حيْث شاءَ الله - تعالى - من سلطانهِ فيوحِي اللهُ - تعالى - إِليهم: إِنكم حفظةٌ على عملِ عبدي وأنا رقيبٌ على ما في نفسه، إِن عبدِي هذا أَخلص لي عمله فاجعلوه في عِلِّيين".
وقال الإِمام الفخر الرازي: إِن العلو والفسخة والضياءَ والطهارة من علامات السعادة، والسفل والضيق والظلمة من علامات الشقاوة، فلما كان المقصود من وضع كتاب الفجار في أَسفل السافلين وفي أَضيق المواضع إِذلالَ الفجار وتحقيرَ شأْنهم، كان المقصود من وضع كتاب الأَبرار في عليين، وشهادة الملائكة بذلك إِجلالَهم وتعظيمَ شأْنهم.
(إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨))
стр. 5459
المفردات:
(نَعِيمٍ): نعم كثيرة.
(الأَرَائِكِ): جمع أَريكة، وهي سرير منجّد في بيت أَو قُبَّة زينت بفاخر الثياب والستور سميت بذلك لأَنها قد تتخذ من خشب شجر الأَراك، أَو لكونها مكانا للإِقامة من قولهم: أَرك بالمكان أُروكًا: أَقام.
(نَضْرَةَ النَّعِيمِ): بهجة التنعم وماءه ورونقه.
(رَحِيقٍ): الرحيق: الشراب الخالص الذي لا غشَّ فيه، وقيل غير ذلك.
(خِتَامُهُ مِسْكٌ): خاتمة شربه وآخر طعمه مسك.
(فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ): التنافس، أَصله التغالب في الشيءِ النفيس، كأَن كل واحد من الشخصين يريد أَن يستأْثر به.
(وَمِزَاجُهُ): مزج الشراب خلطه، والمزاج: ما يمزج به.
(تَسْنِيمٍ): اسم العين بعينها في الجنة.
التفسير
٢٢ - ٢٤ - (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ):
لما عظم الله كتابهم في الآية المتقدمة، وأَنه في عليين ويشهده المقربون، عظم بهذه الآية منزلتهم فبيّن -سبحانه- أَنهم في تنعيم وتلذذ، وتحيطهم السعادة ويغمرهم الفرح من كل جانب وأَظهر ذلك - جل شأَنه - في أَنهم وهم على الأرائك والسرر التي زينت وجمّلت بفاخر القرش وعظيم الستور يرون وينظرون ما أَعده الله لهم، وهيأَه من أَلوان النعيم في الجنة من الحور والولدان، والقصور والأَنهار والأَشربة والأَطعمة والملابس والمراكب، أَو ينظرون إِلى أَعدائهم وهم يعذبون في النار، أَو إِذا اشتهوا شيئًا نظروا إِليه فيحضرهم، ويرى الإِمام الفخر الرازي: أَنهم ينظرون إِلى ربهم، قال: ويتأَكد هذا التأويل بما أَنه
стр. 5460
-تعالى- قال بعد هذه الآية: (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) والنظر المقرون بالنضرة: هو رؤْية الله -تعالى- على ما قال: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبَّهَا نَاظِرَةٌ"، ومما يؤكد هذا التأْويل أَنه يجب الابتداءُ بذكر أَعظم اللذات وما هو إِلا رؤْية الله -تعالى- أهـ.
ويستبين ويظهر فرحهم وسرورهم -أَيضًا- بما يبصره ويشاهده الرائي في وجوههم من الضحك والاستبشار والبهجة، قال تعالى: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ" (١) أَوَ أَن الله يزيد في وجوههم من النور والحسن والبياض ما لا يستطيع أَن يصفه واصف لتناهيه في ذلك.
٢٥ - (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ):
وختم الله أَمارات وعلامات تنعمهم بأَنهم يسقون من خمر لا غش فيها ولا شيءَ يفسدها أَو يغتال عقل شاربها، أَو من شراب خالص نقيّ، وقد ختم على قواريره وأوانيه -تكريما له- بالصيانة والحفظ على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان، وقد خص الله به الأبرار لشرفهم وعلو منزلتهم مع أَن في الجنة أَنهارًا من خمر لذة للشاربين؛ لأَن هذا المختوم أَشرف وأَعلى قدرًا من الخمر الجاري في الأَنهار.
٢٦ - (خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ):
أَي: أَن الذي يختم به ويسد به رأْس قَوَاريره وأَوانيه هو المسك، أَو أَن المراد من (خِتَامُهُ) هو أَن عاقبته وآخره ريح المسك، فإِذا رفع الشارب فمه من آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك لذاذة وذكاءَ رائحة مع طيب الطعمِ، فالختام آخر كل شيءٍ ومنه ختمت القرآن والأَعمال بخواتيمها.
(وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ) أَي: وفي ذلك الأَمر العظيم والثواب الجزيل فليتسابق المتسابقون، وليرغب ويبادر الراغبون؛ لأَنه النعيم الجليل الأَبدي الدائم الذي
стр. 5461
يصيبه الفناءُ، ولا يناله الكبر والفساد كشراب الدنيا، والتنافس يكون بفعل الطاعات واستباق الخيرات والانتهاء عن المعاصي والسيئات.
٢٧ - (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ):
أَي: ومزاج ذلك الرحيق من شراب ينصب وينهل عليهم من علوّ، والتسنيم: هو أَشراف وأَطيب شراب في الجنة، وقد بين حاله وشأْنه فقال -تعالى-:
٢٨ - (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ):
أَي: تجري من علوّ إِلى أَسفل كما يشعر به الاسم؛ إِذ التسنيم في اللغة: الارتفاع، ومنه سنام البعير لعلوه عن بدنه، وهذه العين يشرب منها ملتذًّا بها أَهل جنة عدن، وهم أَفاضل أَهل الجنة يشربون منها صرفًا خالصًا لا يخالطها شيءٌ، ويمزج ويخلط منها كأْس أَصحاب اليمين فتطيب.
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾
المفردات:
(أَجْرَمُوا): الجرم: قطع الثمرة، ثم استعمل لكل اكتساب إِثم وذنب.
(يَتَغَامَزُونَ): أَصل الغمر: الإِشارة بالعين أَو الحاجب أَو اليد طلبًا إلى ما فيه نقيصة يشار بها إِليه.
стр. 5462
(انقَلَبُوا): انصرفوا ورجعوا.
(فَكِهِينَ): معجبين بما هم فيه من الشرك، أَو من ذكر المسلمين بالسوءِ.
(هَلْ ثُوِّبَ): من الثواب وهو الجزاءُ، أَي: هل جوزى الكفار وأُثيبوا على فعلهم؟!
سبب النزول:
روي أَن عليًّا -كرم الله وجهه- وجمعا من المسلمين مروا بجمع من كفار مكة فضحكوا منهم واستخفوا بهم، فنزلت (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا .. ) إِلخ، قبل أَن يصل عليٌّ -كرم الله وجهه- إِلى رسول الله ﷺ .
التفسير:
٢٩ - ٣٢ - (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ):
والمراد من الذين أَجرموا أَكابر المشركين كأَبي جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص ابن وائل السهمي، وقد حكى الله عنهم أَفعالا قبيحة وأَعمالا شائنة، وذلك أَنهم كانوا في الدنيا يستهزئون بالمؤْمنين وبدينهم، ويشيرون إِليهم بحواجبهم وأَيديهم إِمعانًا في السخرية والتهكم بهم، ويعيبونهم، ويقولون في حق المؤْمنين: انظروا إِلى هؤلاءِ يتبعون أَنفسهم ويحرمونها لذاتها ويخاطرون في طلب ثواب لا يتيقنونه، رميًا للمؤمنين بالسفه والحمق، وإِذا انقلب هؤلاءِ الكفار ورجعوا من مجالسهم إِلى أَهلهم انصرفوا معجبين بما هم فيه من الشرك والمعصية والتنعم في الدنيا، أَو يتفكهون بذكر المسلمين بسوءِ القول وفحش الحديث، وهم كلما رأَوا المؤمنين أَينما كانوا أَمنعوا في سبهم ورميهم بالضلال والبعد عن الطريق السوي لاختيارهم الإِسلام دينًا، وترك عبادة الأَصنام!!
٣٣ - (وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ):
أَي: قال الكفار ما قالوه في حق المؤمنين وتغامزوا عليهم وعابوهم والشأْن والحال أَن الكفار لم يبعثهم الله رقباءَ على المؤمنين يحفظون ويحصون عليهم أَعمالهم وأَحوالهم،
стр. 5463
ويتفقدون ما يصنعونه من حق أَو باطل؛ بل إِنما أَمر الله الكفار أَن يقوموا على إِصلاح أَنفسهم والتبصر والتفكير فيما جاءَهم به رسول الله ﷺ من عند ربهم.
٣٤، ٣٥ - (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ):
أَي: فاليوم الذي تعرض فيه الأَعمال وتنشر الكتب وتحاسب كل نفس بما كسبت وهو يوم القيامة يضحك المؤمنون من الكفار -جزاءً وفاقًا - بسبب ما هم فيه من أَنواع العذاب والبلاءِ، مع ما لحقهم من الحسرة والندامة بعد ما علموا أَنهم كانوا في الدنيا في ضلال وعمى عندما باعوا الآخرة الباقية بمتاع الدنيا الفانية، فضلا عن أَن المؤْمنين قد فرحوا بفوزهم بالنعيم المقيم، ونالوا بالتعب اليسير راحة الأَبد ودخلوا الجنة، وجلسوا على السرر المرفوعة ينظرون إِلى الكفار وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر، وكيف يعذبون في النار وهم يصطرخون فيها ويدعون بالويل والثبور ويلعن بعضهم بعضًا.
وقيل: يفتح للكفار باب إِلى الجنة فيقال لهم: اخرجوا إِليها فإِذا وصلوا إِليها أُغلق دونهم، ويفعل ذلك بهم مرارًا فيضحك المؤمنون منهم.
٣٦ - (هَلْ ثُوِّبَ (١) الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ):
أَي: هل جوزى وأُثيب هؤُلاءِ الكفار على فعلهم؟! وكأَن الله يقول للمؤْمنين: هل أَثبنا وجازينا هؤُلاءِ على ما كانوا يفعلونه بكم من الهزءِ والسخرية وذلك بالعذاب المقيم وتمكينكم من الضحك عليهم كما أَثبناكم على ما كنتم تعملون من الأَعمال الصالحة بهذا النعيم الجزيل الدائم والجزاء العظيم؟ والثواب -وإِن كان يستعمل في المكافأَة بالشر والخير إِلاَّ أَنه هنا يحمل على المجازاة بالخير، وأُطلق على عقاب الكفار تهكمًا بهم وسخرية منهم كما في قوله تعالى: "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ" (٢).
والآية الكريمة تزيد في سرور المؤمنين وتدل على كريم منزلتهم وعظيم مكانتهم والله أَعلم.
стр. 5464
سورة الانشقاق
مكية وآياتها خمس وعشرون آية ويقال لها سورة (انشقت)
مناسبتها لما قبلها:
قال بعض العلماء في بيان وجه ترتيب السور الثلاث - الانفطار - المطففين - الانشقاق ما يأْتي: جاءَ في سورة الانفطار التعريف بالحفظة الكاتبين الذين يكتبون أَعمال الناس في قوله تعالى: "وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ" (١) وفي السورة التي تليها (سورة المطففين) بيان مقر كتبهم، في قوله تعالى: "كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ إِنَّ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ" "كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّين" (٢) وفي هذه السورة (الانْشِقَاق) عرض هذه الكتب، وإِعطاؤُها لأَصحابها يوم القيامة في قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِيِنِهِ) (٣) إِلخ.
هذا، مع ما اشتملت عليه سورة الانشقاق وما قبلها (سورة المطففين) من ذكر بعض مظاهر يوم القيامة وما يناله المؤمنون من تكريم، وما يصيب الكافرين من عذاب أَليم.
بعض مقاصد السورة:
١ - بُدِئت السورة الكريمة بذكر بعض علامات الساعة وأَشراطها، وخضوع كل ما في السموات والأَرض لأَمر الله بتغيير نواميسها وقوانينها، وعند ذلك يلقى كل إِنسان جزاءَ ما عمل (إِذا السَّمَاءُ انشَقَّتْ) إِلى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ).
٢ - بينت السورة أَن عمل الإِنسان في الدنيا مسجل عليه في كتاب سيلقاه يوم القيامة، فمن أَخذ هذا الكتاب بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرا، ومن أَخذ كتابه وراءَ ظهره فسوف يتمنى هلاك نفسه لما يلقاه من عذاب شديد، لأَنه كان في الدنيا لاهيًا عن العمل
стр. 5465
للآخرة ظَانًّا أنه لن يرجع إلى ربه فيحاسبه: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) إِلى قوله تعالى: (بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا).
٣ - ثم أَقسم -سبحانه- ببعض الآيات الكونية التي تشهد بقدرته وتدعو إِلي الإِيمان به والتصديق باليوم الآخر وبما يكون فيه من أَهوال: (فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) إِلى قوله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ).
٤ - ثم بيّن ﷻ أَنه مع ما ذكر من آيات وأدلة بينات في هذه السورة وفي غيرها من السور: فالكافرون يكذبون بالقرآن ولا يؤمنون به (فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) إِلى قوله: (بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ).
٥ - وختمت السورة بتهديد الكفار بأَن الله عليم بما يضمرون وقد أَعَدَّ لهم العذاب الأَليم، كما أَعد للمؤمنين الطائعين الأَجر الدائم الذي لا ينقطع (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ) إِلى قوله تعالى: (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ).