يصيبه الفناءُ، ولا يناله الكبر والفساد كشراب الدنيا، والتنافس يكون بفعل الطاعات واستباق الخيرات والانتهاء عن المعاصي والسيئات.
٢٧ - (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ):
أَي: ومزاج ذلك الرحيق من شراب ينصب وينهل عليهم من علوّ، والتسنيم: هو أَشراف وأَطيب شراب في الجنة، وقد بين حاله وشأْنه فقال -تعالى-:
٢٨ - (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ):
أَي: تجري من علوّ إِلى أَسفل كما يشعر به الاسم؛ إِذ التسنيم في اللغة: الارتفاع، ومنه سنام البعير لعلوه عن بدنه، وهذه العين يشرب منها ملتذًّا بها أَهل جنة عدن، وهم أَفاضل أَهل الجنة يشربون منها صرفًا خالصًا لا يخالطها شيءٌ، ويمزج ويخلط منها كأْس أَصحاب اليمين فتطيب.
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾
المفردات:
(أَجْرَمُوا): الجرم: قطع الثمرة، ثم استعمل لكل اكتساب إِثم وذنب.
(يَتَغَامَزُونَ): أَصل الغمر: الإِشارة بالعين أَو الحاجب أَو اليد طلبًا إلى ما فيه نقيصة يشار بها إِليه.
стр. 5462
(انقَلَبُوا): انصرفوا ورجعوا.
(فَكِهِينَ): معجبين بما هم فيه من الشرك، أَو من ذكر المسلمين بالسوءِ.
(هَلْ ثُوِّبَ): من الثواب وهو الجزاءُ، أَي: هل جوزى الكفار وأُثيبوا على فعلهم؟!
سبب النزول:
روي أَن عليًّا -كرم الله وجهه- وجمعا من المسلمين مروا بجمع من كفار مكة فضحكوا منهم واستخفوا بهم، فنزلت (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا .. ) إِلخ، قبل أَن يصل عليٌّ -كرم الله وجهه- إِلى رسول الله ﷺ .
التفسير:
٢٩ - ٣٢ - (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ):
والمراد من الذين أَجرموا أَكابر المشركين كأَبي جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص ابن وائل السهمي، وقد حكى الله عنهم أَفعالا قبيحة وأَعمالا شائنة، وذلك أَنهم كانوا في الدنيا يستهزئون بالمؤْمنين وبدينهم، ويشيرون إِليهم بحواجبهم وأَيديهم إِمعانًا في السخرية والتهكم بهم، ويعيبونهم، ويقولون في حق المؤْمنين: انظروا إِلى هؤلاءِ يتبعون أَنفسهم ويحرمونها لذاتها ويخاطرون في طلب ثواب لا يتيقنونه، رميًا للمؤمنين بالسفه والحمق، وإِذا انقلب هؤلاءِ الكفار ورجعوا من مجالسهم إِلى أَهلهم انصرفوا معجبين بما هم فيه من الشرك والمعصية والتنعم في الدنيا، أَو يتفكهون بذكر المسلمين بسوءِ القول وفحش الحديث، وهم كلما رأَوا المؤمنين أَينما كانوا أَمنعوا في سبهم ورميهم بالضلال والبعد عن الطريق السوي لاختيارهم الإِسلام دينًا، وترك عبادة الأَصنام!!
٣٣ - (وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ):
أَي: قال الكفار ما قالوه في حق المؤمنين وتغامزوا عليهم وعابوهم والشأْن والحال أَن الكفار لم يبعثهم الله رقباءَ على المؤمنين يحفظون ويحصون عليهم أَعمالهم وأَحوالهم،
стр. 5463
ويتفقدون ما يصنعونه من حق أَو باطل؛ بل إِنما أَمر الله الكفار أَن يقوموا على إِصلاح أَنفسهم والتبصر والتفكير فيما جاءَهم به رسول الله ﷺ من عند ربهم.
٣٤، ٣٥ - (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ):
أَي: فاليوم الذي تعرض فيه الأَعمال وتنشر الكتب وتحاسب كل نفس بما كسبت وهو يوم القيامة يضحك المؤمنون من الكفار -جزاءً وفاقًا - بسبب ما هم فيه من أَنواع العذاب والبلاءِ، مع ما لحقهم من الحسرة والندامة بعد ما علموا أَنهم كانوا في الدنيا في ضلال وعمى عندما باعوا الآخرة الباقية بمتاع الدنيا الفانية، فضلا عن أَن المؤْمنين قد فرحوا بفوزهم بالنعيم المقيم، ونالوا بالتعب اليسير راحة الأَبد ودخلوا الجنة، وجلسوا على السرر المرفوعة ينظرون إِلى الكفار وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر، وكيف يعذبون في النار وهم يصطرخون فيها ويدعون بالويل والثبور ويلعن بعضهم بعضًا.
وقيل: يفتح للكفار باب إِلى الجنة فيقال لهم: اخرجوا إِليها فإِذا وصلوا إِليها أُغلق دونهم، ويفعل ذلك بهم مرارًا فيضحك المؤمنون منهم.
٣٦ - (هَلْ ثُوِّبَ (١) الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ):
أَي: هل جوزى وأُثيب هؤُلاءِ الكفار على فعلهم؟! وكأَن الله يقول للمؤْمنين: هل أَثبنا وجازينا هؤُلاءِ على ما كانوا يفعلونه بكم من الهزءِ والسخرية وذلك بالعذاب المقيم وتمكينكم من الضحك عليهم كما أَثبناكم على ما كنتم تعملون من الأَعمال الصالحة بهذا النعيم الجزيل الدائم والجزاء العظيم؟ والثواب -وإِن كان يستعمل في المكافأَة بالشر والخير إِلاَّ أَنه هنا يحمل على المجازاة بالخير، وأُطلق على عقاب الكفار تهكمًا بهم وسخرية منهم كما في قوله تعالى: "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ" (٢).
والآية الكريمة تزيد في سرور المؤمنين وتدل على كريم منزلتهم وعظيم مكانتهم والله أَعلم.
стр. 5464
سورة الانشقاق
مكية وآياتها خمس وعشرون آية ويقال لها سورة (انشقت)
مناسبتها لما قبلها:
قال بعض العلماء في بيان وجه ترتيب السور الثلاث - الانفطار - المطففين - الانشقاق ما يأْتي: جاءَ في سورة الانفطار التعريف بالحفظة الكاتبين الذين يكتبون أَعمال الناس في قوله تعالى: "وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ" (١) وفي السورة التي تليها (سورة المطففين) بيان مقر كتبهم، في قوله تعالى: "كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ إِنَّ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ" "كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّين" (٢) وفي هذه السورة (الانْشِقَاق) عرض هذه الكتب، وإِعطاؤُها لأَصحابها يوم القيامة في قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِيِنِهِ) (٣) إِلخ.
هذا، مع ما اشتملت عليه سورة الانشقاق وما قبلها (سورة المطففين) من ذكر بعض مظاهر يوم القيامة وما يناله المؤمنون من تكريم، وما يصيب الكافرين من عذاب أَليم.
بعض مقاصد السورة:
١ - بُدِئت السورة الكريمة بذكر بعض علامات الساعة وأَشراطها، وخضوع كل ما في السموات والأَرض لأَمر الله بتغيير نواميسها وقوانينها، وعند ذلك يلقى كل إِنسان جزاءَ ما عمل (إِذا السَّمَاءُ انشَقَّتْ) إِلى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ).
٢ - بينت السورة أَن عمل الإِنسان في الدنيا مسجل عليه في كتاب سيلقاه يوم القيامة، فمن أَخذ هذا الكتاب بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرا، ومن أَخذ كتابه وراءَ ظهره فسوف يتمنى هلاك نفسه لما يلقاه من عذاب شديد، لأَنه كان في الدنيا لاهيًا عن العمل
стр. 5465
للآخرة ظَانًّا أنه لن يرجع إلى ربه فيحاسبه: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) إِلى قوله تعالى: (بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا).
٣ - ثم أَقسم -سبحانه- ببعض الآيات الكونية التي تشهد بقدرته وتدعو إِلي الإِيمان به والتصديق باليوم الآخر وبما يكون فيه من أَهوال: (فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) إِلى قوله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ).
٤ - ثم بيّن ﷻ أَنه مع ما ذكر من آيات وأدلة بينات في هذه السورة وفي غيرها من السور: فالكافرون يكذبون بالقرآن ولا يؤمنون به (فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) إِلى قوله: (بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ).
٥ - وختمت السورة بتهديد الكفار بأَن الله عليم بما يضمرون وقد أَعَدَّ لهم العذاب الأَليم، كما أَعد للمؤمنين الطائعين الأَجر الدائم الذي لا ينقطع (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ) إِلى قوله تعالى: (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ).
(وَتَخَلَّتْ): وَخَلَتْ عَمَّا فِيها غاية الخلو.
(إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ): أَي: إِنَّك مجتهد جَادٌّ في عملك إِلى لقاء ربك وهو الموت وما بعد، والكدح كما قال الزمخشري والآلوسي: جهد النفس في العمل والكد فيه حتى يؤَثر ذلك في النفس، من كَدَح جلدَه: إِذا خدشه.
(فَمُلاقِيهِ): أَي: فملاقي جزاءَ عملك لا محالة.
(وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ): وأَما من يُعطاه ويؤْتاه بشماله من وراء ظهره وهو الكافر.
(يَدْعُو ثُبُورًا): ينادي ويقول: يا ثبوراه؛ والثبور: الهلاك.
(ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ): ظن أن لن يرجع إِلى ربه فيحاسبه -يقال: لا يحور ولا يحول؛ أَي: لا يرجع ولا يتغير قال:
وما المرء إِلا كالشهاب وضوئه … يحور رَمَادًا بعد إِذ هو ساطع
أَي: يرجع رمادًا.
وعن ابن عباس: ما كنت أَدري معنى (يحور) حتى سمعت أَعرابية تقول لينية لها: حورى، أَي: ارجعي ذكره الكشاف.
التفسير
١ - (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ):
أَي: إِذا السماء انصدعت، قيل: تنشق لهول يوم القيامة لقوله تعالى: "وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ" (١) قال الزمخشري: أَضمر جواب (إِذا السَّمَاءُ انشَقَّتْ) وما عطف عليه، ولم يذكره ليذهب السامع في تقديره كل مذهب، وفي هذا من التهويل ما فيه، وقيل: جوابها ما دل عليه قوله تعالى: (فَمُلاقِيهِ) أَي: إِذا السماءُ انشقت لاقى الإِنسان جزاءَ عمله وكَدْحِهِ.
стр. 5468
٢ - (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ):
(وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا) أَي: واستمعت السماءُ لربها واستجابت له، وأَطاعت أَمره فيما أَمرها الله به من الانشقاق وذلك يوم القيامة (وَحُقَّتْ) أَي: وحق لها أَن تطيع أمره وتنزل على إِرادته وحكمه؛ لأَنه العزيز الذي لا يُمَانع ولا يغالب قد قهر كل شيءٍ وذل له لأَنه القادر الحقيقي.
٣ - (وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ):
قال الضَّحَّاك: مُدّت الأَرض، أَي: بُسطت بِانْدِكَاكِ جبالها وآكامها وتسويتها فصارت قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أَمْتًا.
وقال بعضهم: مُدَّت أَي: زيدت سعة وبسطة، من مده بمعنى أَمده، أَي: زاده.
أَخرج الحاكم بسند جيد عن جابر، عن النبي ﷺ أَنه قال: "تُمد الأَرضُ يومَ القيامةِ مَدَّ الأَديمِ، ثم لا يكونُ لابن آدمَ منها إِلا موضع قدميْه".
٤ - (وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ):
(وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا): أَي: ولفظت ما في جوفها ورمت ما في بطنها من كنوز وموتى.
(وَتَخَلَّتْ) أَي: وتكلفت في الخلو أَقصى جهدها حتى لم يبق شيءٌ في بطنها.
وقيل: تخلت مما على ظهرها من جبالها وبحارها وأَحيائها.
٥ - (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ):
أَي: وانقادت الأَرض لربها وأَطاعته ونزلت على حكمه في زيادة سعتها، وإِلقاءِ ما فيها وتَخَلِّيها عنه، وحقيق وجدير بها ذلك!!
وإِذا حدث كل ما تقدم -وذلك يوم القيامة- لقي كل إِنسان جزاءَ عمله.
стр. 5469
٦ - (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ):
أَي: يا أَيها الإِنسان إِنك ساع إِلى ربك سعيًا جادًّا، وعامل عملا شاقَّا صعبًا (فَمُلاقِيهِ)
أَي: فإِنك ستلقى جزاءَ ما عملت من خير أَو شر، ويشهد لذلك ما روي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "قال جبريلُ: يا محمدُ -عِشْ ما شئت فإِنك مَيِّت، وأَجبِبْ منَ شئتَ فإِنك مفارقُه، واعمَلْ ما شئتَ فإِنكَ ملاقِيه".
ومن الناس من يعيد الضمير وهو الهاء في (فَمُلاقِيهِ) على الرب في قوله تعالى: (رَبَّكَ) أَي: فملاق ربك، ومعناه: فيجازيك على عملك ويكافئك على سعيك.
قال الآلوسي: والمراد بالإِنسان الجنس، كما يؤذن به التقسيم في قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ)، (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ) إِلخ.
وقال مقاتل: المراد به: الأَسود بن هلال المخزومي؛ جادل أَخاه أَبا سلمة في أَمر البعث، فقال أَبا سلمة: والذي خلقك لتركبن الطبقة، ولتوافين العقبة، قال الأَسود: فأَين الأَرض والسماء وما حال الناس؟! وكأَن مقاتلا أَراد أَنها نزلت فيه أَولًا. وقيل: المراد أَبيٌّ ابن خلف؛ كان يكدح في طلب الدنيا وإِيذاء الرسول ﷺ والإِضرار على الكفر.
٧، ٨ - (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا):
أَي: فأَما من أُعْطِي كتاب عمله بيمينه -وهو المؤمن- فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا، والحساب اليسير: السهل الذي لا مناقشة فيه كما قيل، وفسره ﷺ بالْعَرْض، وبالنَّظَر في الكتاب مع التجاوز، فقد أَخرج الشيخان والترمذي وأَبو داود عن عائشة أَن النبي ﷺ : قال: "ليس أَحدٌ يحاسَبُ إِلاَّ هلَك" قلت: يا رسول الله -جعلني الله فداءَك- أَليس الله تعالى يقول: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا)؟! قال: "ذلك العرض، يعرضون، ومَن نوقش الحسابَ هلك".
وأَخرج أَحمد وعبد بن حميد والحاكم وصححه عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته: "اللهمَّ حاسِبني حسابًا يَسيرًا" فلما انصرف
стр. 5470
﵊ قلت: يا رسول الله: ما الحساب اليسير؟ قال: "أَن ينظَر في كتابه فيتجاوز له عنه".
٩ - (وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا):
المعنى: ويرجع إِلى عشيرته المؤمنين فرحًا مبتهجًا بحاله قائلا: "هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ" (١) وقيل: يرجع إِلى فريق المؤمنين مطلقًا وإِن لم يكونوا عشيرته، إِذ كل المؤمنين أَهل للمؤمن من جهة الاشتراك في الإِيمان.
١٠ - (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ):
أَي: وأَما من أُعطى كتابه بشماله من وراء ظهره -وهو الكافر- قيل: تُغَلُّ يمناه إِلى عنقه، وتجعل شماله وراءَ ظهره، فَيُؤْتَى كتابه بشماله، وروى أَن شماله تدخل في صدره حتى تخرج من وراءِ ظهره فيؤتى كتابه بها، وإِذا كان هذا وهو قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ) واردًا في الكفار، وما قبله وهو قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) واردًا في المؤمنين المتقين، فلا تعرض هنا للعصاة من المؤمنين، قال الآلوسي: لا بُعْدَ في إِدخال العصاة من المؤمنين في أَهل اليمين لأَنهم يُعْطون كتبهم باليمين بعد الخروج من النار كما اختاره ابن عطية.
وقيل: إِن العصاة المؤمنين يعطون كتبهم بشمالهم، ويختص الكفرة بكونهم يعطون كتبهم بشمالهم من وراء ظهورهم. أهـ آلوسي مع التلخيص والتصرف.
ولعل السر في إِعطاء الكفار كتبهم من وراء ظهورهم لأَن من يُعْطُونَهم كتبهم من الملائكة لا يُطيقون مُشَاهدة وجوههم لشدة بشاعتها، أَو لعظم بغضهم إِياهم، أَو لأَنهم نبذوا كتاب الله وراءَ ظهورهم، فأَخذوا كتبهم كذلك على هذه الصورة تحقيرًا لهم وامتهانًا لشأْنهم.
١١، ١٢ - (فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا):
(فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا) أَي: فسوف يدعو الكافر ويطلب ثبورًا ويناديه ويقول:
стр. 5471
يا ثبوراه تَعَالَ فهذا أَوانك، والثُّبُور: الهلاك والخسران والويل، وهو اسم جامع لأَنواع المكاره، والمعنى: أَنه يتمنى موته وهلاك نفسه.
(وَيَصْلَى سَعِيرًا): ويدخل جهنم يحترق بنارها، أَو يقاسي شدة حرها ولهيبها.
١٣ - (إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا):
أَي: إِنَّ الكافر الذي يدعو الثبور ويصلى السعير إِنما استحق ذلك لأَنه كان في الدنيا بين عشيرته وأَهله فَرِحًا بَطِرًا مترفًا، لا ينظر في العواقب كعادة الفُجّار من أَهل الدنيا الذين لا يهمهم أمر الآخرة، ولم يكن متفكرًا في حاله ومآله كعادة وطبيعة الصلحاء المتقين الذين حكى الله عنهم فقال: "قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ" (١) وهذه الآية استئناف لبيان سبب ما استحقوه من عذاب.
١٤ - (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ):
هذه الآية تعليل لسروره في الدنيا بين أَهله وعشيرته.
أَي: إِن هذا الكافر كان مسرورًا في الدنيا ولا يبالي بشيءِ لأَنه كان يكذب بالبعث يعتقد أَنه لن يرجع إِلى الله تعالى، فلا يعيده ربه بعد موته للحساب، والحور: الرجوع مطلقًا، والمراد هنا -كما قال ابن عباس وقتادة وغيرهما-: الرجوع إِلى الله للجزاء بقرينة المقام.
١٥ - (بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا) (٢):
المعنى: بلى يحور ويرجع البتة؛ لأَن الله الذي خلقه كان به وبأَعماله الموجبة للجزاء بصيرًا بحيث لا تخفى عليه -سبحانه- منها خافية، فلا بد من رجوعه وحسابه ومجازاته.
стр. 5472
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾
المفردات:
(الشَّفَقِ): الحمرة التي ترى بالأفق بعد غروب الشمس، وقيل: البياض الذي يلي تلك الحمرة.
(وَمَا وَسَقَ): وما جمعه الليل وستره وضمه إِليه من الدواب وغيرها.
(اتَّسَقَ): اجتمع نوره وتمَّ.
(لَتَرْكَبُنَّ): لتلاقن.
(طَبَقًا): الطبق ما طابق غيره، ومنه قيل للغطاء: الطبق، ثم قيل للحال المطابقة لغيرها: طبق.
(عَن) بمعنى بَعْد، كما في قولهم: سادوك كابرا عن كابر، أَي: بعد كابر.
(بِمَا يُوعُونَ) أَي: بالذي يضمرونه في صدورهم من الكفر والحسد، أَو بما يجمعونه في صحفهم من أَعمال السوء.
(فَبَشِّرْهُمْ): فأَخبرهم.
والتبشير في المشهور: الإِخبار بِسَارٍّ، والتعبير به هنا للتهكم بهم.
(غَيْرُ مَمْنُونٍ): غير مقطوع ولا منقوص.
стр. 5473
التفسير:
١٦ - (فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ):
أَي: فأَقسم قسمًا مؤكدًا -كما يشعر بذلك ذكر "لَا"- (بِالشَّفقِ): وهو الحمرة التي تشاهد في الأُفق بعد الغروب، وبسقوط الشفق يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العشاء عند عامة العلماءِ، إِلا ما ورد في بعض الروايات عن أَبي حنيفة، وقيل الشفق: البياض الذي يلي تلك الحمرة، وبه قال أَبو هريرة، وهو إِحدى الروايات عن أَبي حنيفة. وصح عن مجاهد أَنه قال في هذه الآية: (فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) قال السفق: هو النهار كله وإِنما حمله على هذا قَرْنُ الشفق بقوله تعالى: (وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ) كأَنه أَقسم بالضياءِ والظلام.
١٧ - (وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ):
أَي: وأَقسم على سبيل التأكيد باللَّيل وما جمعه وضمه وآوى إِليه من الدواب وغيرها. وعن مجاهد: ما يكون فيه من خير أَو شر، وقيل: وما ستره وغطى عليه بظلمته.
١٨ - (وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ):
أَي: وأَقسم قسمًا مؤكدًا بالقمر إِذا اجتمع نوره وتمَّ وتكامل وصار بدْرًا وذلك -كما قال الزمخشري-: هي ليلة أَربع عشرة.
١٩ - (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ):
هذا الكلام خطاب لجنس الإِنسان المنادَى أَولا في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ) إِلخ .. باعتبار شموله لجميع أَفراد الإِنسان والمراد بالركوب: الملاقاة، وبالطبق الحال المطابقة لغيرها، والمعنى: لتلاقن أَيها النَّاس حالا بعد حال، كل حال مطابقة لغيرها في الشدة والهول.
стр. 5474
وقيل: الطبق: جمع، وهي المرتبة، والمعنى: لتركبن أَحوالا بعد أَحوال هي طبقات في الشدة بعضها أَعظم من بعض، وهي الموت وما بعده من مشاهد القيامة وأَهوالها.
وفسر بعضهم الأَحوال التي يلاقيها النَّاس بما يكونون عليه في الدنيا من كونهم نطفة إِلى الموت وما يكونون عليه في الآخرة من البعث إِلى حين استقرارهم في إِحدى الدارين الجنة أَو النَّار.
أَخرج البخاري عن ابن عباس أَن الخطاب للنبي ﷺ وعليه يراد: لتركبن أَحوالا شريفة بعد أُخرى من مراتب القُرْبِ، أَو من مراتب الشدة في الدنيا باعتبار ما يقاسيه في تبليغ الرسالة، أَو الكلام عِدَةٌ بالنصر وتبشير بالمعراج، أَي: لتركبن سماءً بعد سماءِ، واختار ابن كثير هذا القول -وقال: والصواب من التأْويل قول من قال: لتركبن يا محمد حالا بعد حال وأَمرًا بعد أَمر من الشدائد، والمراد بذلك- وإِن كان الخطاب موجهًا إِلى رسول الله -جمع الناس، وأَنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأَحواله أَهوالا- أهـ: ابن كثير.
٢٠ - (فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ):
الفاء في قوله تعالى: (فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) يجوز أَن تكون لترتيب ما بعدها من الإِنكار والتعجيب على ما قبلها من أَحوال يوم القيامة وأهوالها المشار إِليها بقوله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) أَي: إِذا كان حالهم يوم القيامة كما أُشير إِليه فأَي شيءٍ يمنعهم من الإِيمان بالله ورسوله وسائر ما يجب الإِيمان به بعد ذكر ما يلقاه كل مخالف من الأَهوال؟ ويجوز أَن يكون لترتيب ما بعدها على ما قبلها من عَظيم شأْنه ﵊ المشار إِليه بقوله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) على أَن المراد بالمخاطب رسول الله ﷺ أَي: إِذا كان هذا حاله ﷺ كما أُشير إِليه فأَي شيءٍ يمنعهم من الإِيمان به ﵊؟!
٢١ - (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ):
هذه الآية معطوفة على الآية السابقة، والمعنى: وما لهم إذا قرئت عليهم آيات الله
стр. 5475
وسمعوا كلامه -وهو القرآن العظيم- لا يستكينون ولا يخضعون بأَن يُؤمنوا به لإِعجازه، فالمراد بالسجود: الخضوع والاستكانة، وقيل: المراد به الصلاة، وقيل: المقصود به سجود التلاوة، ويكون المراد بما قبله (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ) أَي: وفيه آية سجدة. أَخرج مسلم وغيره عن أَبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في (وإِذا السَّمَاءُ انشَقَّتْ) و (اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ).
٢٢ - (بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ):
هذه الآية انتقال عن كونهم لا يسجدون عند قراءَة القرآن وسماعهم له إِلى أَنهم يكذبون به صريحًا، وقيل المعنى: بل هؤُلاءِ من سجيتهم التكذيب بالبعث وغيره، والعناد والمخالفة للحق تعاليًا عنه وتكبرًا.
٢٣ - (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ):
أَي: والله أَعلم بالذي يضمرونه في صدورهم من الكفر والحسد والبغضاء والبغي، أَو: والله أَعلم بما يجمعونه في صحفهم من أَعمال السوءِ فيجازيهم عليها، وقال بعضهم: المعنى -والله أَعلم بما يضمرون في أَنفسهم من أَدل صدق القرآن فيكون المراد المبالغة في عنادهم وتكذيبهم بالقرآن مع علمهم بصدقه.
٢٤ - (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ):
الفاءُ في قوله تعالى: (فَبَشِّرْهُمْ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
والمعنى: فبشر الكفار يا محمد بأَن الله قد أَعَدَّ لهم عذابا مؤلمًا موجعًا لتكذيبهم بالقرآن أو لعلمه بما يضمرون في أَنفسهم من الشرور والآثام.
والتعبير بالتبشير في هذا المقام مع أَنه في المشهور يكون للإِخبار بأَمر سارٍّ -للتهكم والسخرية بهم.
стр. 5476
٢٥ - (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ):
لكن الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم لهم أَجر في الآخرة غير ممنون، وقال ابن عباس: أَي: غير منقوص، وقيل: غير مقطوع عنهم كما قال تعالى: "عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ" (١).
стр. 5477
سورة البروج
وهي مكية، وآياتها ثنتان وعشرون آية، نزلت بعد الشمس
مناسبتها لما قبلها:
اشتمالها - كالسورة التي قبلها (سورة الانشقاق) على وعد المؤْمنين، ووعيد الكافرين. والتنويه بشأن القرآن ورفعة شأْنه.
كما اشتملت أَيضًا -كالسورة التي قبلها- على بيان أَن العاقبة والغلبة والظفر للمؤمنين الصابرين مهما لاقوا من عذاب وأَهوال، وأَن الهزيمة والخيبة في الدنيا والعذاب في الآخرة للكافرين المكذبين مهما اشتد بطشهم وعظم سلطانهم.
هذه السورة عظة وتحذير لكفار قريش وغيرهم، وتثبيت لمن يعذبون من المؤمنين.
أَهم مقاصد السورة:
١ - أَقسم الله -سبحانه- في أَول السورة ببعض مظاهر قدرته على أَن الكافرين الذين يؤذون المؤمنين ليردوهم عن دينهم مطرودون كما طرد من سلك مسلكهم ممن سبقهم: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) إِلى قوله تعالى: (وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ).
٢ - بينت السورة أَن الصامدين من المؤمنين الذين عُذبوا ما كان ذنبهم إِلا إِيمانهم بالله، وذكرت الوعيد للكافرين، والوعد للمؤمنين الصابرين: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) إِلى قوله تعالى: (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ).
٣ - ذكرت السورة بعض صفاته - تعالى - كقُوَّته وبطشه بالجبابرة، وبالجموع الطاغية من قوم فرعون وثمود وغيرهم من المكذبين، وأَن قوم الرسول يكذبونه والله من ورائهم محيط: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) إِلى قوله: (وَاللَّهُ مِنْ وَرَاءِهِمْ مُحِيطٌ).
٤ - وخُتِمت السورة ببيان عظمة القرآن وأَنه في لوح محفوظ لا تصل إِليه يدٌ بتحريف، ولا قوة بتغير: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ).
стр. 5478
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾
المفردات:
(الْبُرُوجِ): منازل الشمس والقمر سائر الكواكب.
(الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ): يوم القيامة.
(وَشَاهِدٍ): ومن يشهد يوم القيامة ويحضره من الخلائق المبعوثين فيه.
(وَمَشْهُودٍ): وما يحضر ويشاهد في ذلك اليوم من العجائب.
(قُتِلَ): لُعِن أَشد اللعن.
(الأُخْدُودِ): الشق المستطيل في الأَرض، ويجمع على أَخاديد.
(إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ): إِذ هم على حَافَّةِ النار وحولها قعود.
(وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ): وما عابوا عليهم وأَنكروا منهم - وفي مفردات الراغب: يقال: تقمت الشيءَ: إِذا أَنكرته بلسانك أَو بعقوبة.
стр. 5479
التفسير
١ - (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ):
أَقسم الله تعالى - بالسماءِ ذات البروج، أَي: ذات المنازل التي تنزلها الكواكب من شمس وقمر وغيرهما من أَثناءٍ سيرها، وقيل: البروج: الكواكب العظام.
٢ - (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ):
وأَقسم -سبحانه- باليوم الموعود، أَي: الموعود به للحساب والجزاءِ، وهو يوم القيامة باتفاق المفسرين، وقيل لعله اليوم الذي يخرج الناس فيه من قبورهم، فقد قال سبحانه: "يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ" (١).
أَو يوم طي السماءِ كطي السجل للكتب، وقيل: يمكن أَن يراد به يوم شفاعة النبي ﷺ على ما أَشار إِليه قوله تعالى: "عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا" (٢). ولا يخفى أَن جميع ذلك دخل في يوم القيامة.
٣ - (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ):
وأَقسم بشاهد، أَي: بمن يشهد ذلك اليوم -وهو يوم القيامة- ويحضره من الخلائق المبعوثين فيه. (وَمَشْهُودٍ) أَي: وبما يحضر فيه من الأهوال والعجائب، وهكذا يقسم الله بيوم القيامة وما يكون فيه؛ تعظيمًا لذلك اليوم وإِرهابًا لمنكريه.
أَخرج الترمذي وجماعة عن أَبي هريرة مرفوعًا: "الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوه عرفة" وعن ابن عباس: الشاهد: محمد ﵊ مستدلا بقوله
стр. 5480
تعالى: "وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا" (١) (والمشهود) يوم القيامة مستدلا بقوله تعالى: "ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ" (٢). قال الزمخشري: قد اضطربت أَقوال المفسرين في المراد بهما.
وقال الآلوسي: جميع الأَقوال في ذلك -على ما وقفت عليه- نحو من ثلاثين قولا، وأَختار القول الأَول وهو أَن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة.
٤ - (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ):
هذه الجملة جواب القسم أَو دليله، كأَنه قيل: أَقسم بهذه الأَشياءِ: بالسماءِ ذات البروج، وباليوم الموعد وبشاهد ومشهود أَن كفار قريش المعذبين للمؤمنين لَمَلْعُونُونَ كما لعن أَصحاب الأُخدود الذين أَلقوا المؤمنين والمؤْمنات فيه.
وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أَذى أَهل مكة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من مؤمني الأُمم السابقة -من التعذيب على الإِيمان وإِلحاق أَنواع الأَذى بهم، ولكنهم صبروا، وذلك لكي يقتدوا بهم، ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، وليعلموا أَن كفارهم عند الله بمنزلة أُولئك المُعَذَّبين الْمُحْرِقين بالنار، وهم ملعونون مطرودون من رحمة الله، فالقتل هنا عبارة عن أَشد اللعن والطرد والسخط.
وقال بعضهم: الأَظهر أَن يقدر: إِنهم لمقتولون -أَي: كفار قريش- كما قتل أَصحاب الأُخدود، فيكون وَعْدًا له ﷺ بقتل الكفرة المتمردين -لإِعلاءِ دينه- ويكون معجزة بقتل رءُوسهم في غزوة بدر.
قال ابن كثير: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ): أَي؛ لعن أَصحاب الأُخدود - وهذا خبر عن قوم من الكفار عمدوا إِلى من عندهم من المؤمنين بالله فقهروهم وأَرادوهم أَن يرجعوا عن دينهم، فأَبوا عليهم، فحفروا لهم في الأَرض أُخدودًا وأَجّجوا فيه نارًا وأعدوا له وقودًا يسعرونها به، ثم أَرادوهم على الكفر فلم يقبلوا منهم فقذفوهم فيها.
стр. 5481
٥ - (النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ):
(النَّارِ): بدل اشتمال من الأُخدود، أَي: أَصحاب النار (ذَاتِ الْوَقُودِ)، وصف لها بأَنها نار عظيمة لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأَبدان الناس، وهي تلك النار التي أضرمها الكفار وسعروها لعذاب المؤمنين.
٦ - (إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ):
أَي: لُعِن الكفار الذين صنعوا الأخاديد حين أَحرقوا بالنار قاعدين حولها في مكان قريب منها مشرفين عليها من حافات الأُخدود وجوانبه.
فـ (عليها): بمعنى (حولها) كقول الأعشى.
وبات على النار الندي والمحلق.
٧ - (وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ):
(وَهُمْ) أَي: الكفار على ما يفعلون بالمؤمنين من تعذبيهم بالإِلقاءِ في النار إِن لم يرجعوا عن دينهم (شُهُودٌ) أَي: حضور لا يَرقُّونَ لهم؛ لشدة قسوة قلوبهم، وقيل: (شُهُودٌ) أَي: يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأن أَحدًا لم يقصر في أَداءِ ما أَمر به، أَو يشهدون على أَنفسهم بذلك يوم القيامة: يوم تشهد عليهم جوارحهم بأَعمالهم.
٨ - (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ):
أَي: وما أَنكروا منهم وما عابوا عليهم وما كان ذنبهم عندهم إِلا إِيمانهم بالله، إِنْ عُدَّ ذلك ذنبًا وجرمًا يستحق الإِنسان عليه العقاب والمؤاخذة، وهو من باب تأْكيد المدح بما يشبه الذم، على منهاج قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أَن سيوفهم … بهن فلوا من قراع الكتائب
(الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ): ذكر -سبحانه - الأَوصاف التي يستحق الله بها أَن يُؤمَن به وأَن يُعْبَد، وهو كونه عزيزًا غالبًا قادرًا يُخْشَى عقابه، حميدًا مُنْعِمًا يجب له الحمد على نعمته ويُرْجَى ثوابه.
стр. 5482
٩ - (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ):
الله الذي له -وحده- ملك السموات والأَرض، فكل ما فيهما تحق عليه عبادته والخشوع له -سبحانه- وما نقموه منهم هو الحق الذي لا ينقمه إِلا مبطل منغمس في الغي، وأَن الناقمين أَهل لانتقام الله منهم بعذاب لا يَعْدِلُه عذاب.
(وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ): هذا وعد المؤمنين، ووعيد لمعذبيهم، فإِن علم الله -جل شأْنه- الجامع لصفات الجلال والجمال شامل ومحيط بجميع الأَشياءِ التي من جملتها أَعمال الفريقين، وسيجازي كلا منهما على عمله.
١٠ - (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ):
المعنى: إِن الذين ابتلوا المؤمنين والمؤمنات في دينهم بالأَذى والإِحراق بالنار لِيرتدوا عن دينهم ثم لم يرجع هؤُلاءِ عن فتنة المؤمنين وتعذبيهم، ولم يقلعوا عما فعلوا ويندموا على ما أَسلفوا فلهم في الآخرة عذاب جهنم جزاء كفرهم، ولهم عذاب الحريق جزاء إِحراقهم المؤمنين.
قيل: يجوز أَن يكون المراد بـ (الَّذِينَ فَتَنُوا) أَصحاب الأُخدود خاصة، وبـ (الَّذِين آمَنُوا) المطروحين في الأُخدود.
وقال بعضهم، المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات بكل أَنواع العذاب كعمار وياسر وبلال، والأَصواب العموم، ليشمل كل من صد عن سبيل الله وعذب المؤمنين ليرجعوا عن دينهم.
التفسير
١١ - (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ):
المعنى: إِن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأَنهار لجمعهم بين الإِيمان والعمل الصالح، وذلك النعيم الذي جُوزُوا وكُوفِئوا به من دخولهم الجنات وتمتعهم بما فيها هو الفوز الكبير الذي يصغر عنده الفوز بالدنيا وما فيها من الْمُتَع والرغائب، وكيف لا وقد ظفروا بكل خير ونجوا وسلموا من كل شر!
١٢ - (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ):
استئناف خوطب به النبي ﷺ إِيذانًا بأَن لكفار قومه نصيبًا موفورًا منه؛ كما ينبئ عنه ذكر الرب مع الإِضافة إِلى ضميره ﵊ أَي: إِن أَخذ ربك الجبابرة والظَّلَمَةَ بالعذاب بالغ الغاية في الشدة والقوة والعنف والبطش؛ لأَنه بطش ربك القادر على كل شيءِ.
١٣ - (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ):
أي: أَنه وحده - هو الذي يُبْدِئ الخلق بالإِنشاءِ، وهو -سبحانه - يعيده بإِحيائه يوم القيامة للحشر والجزاءِ، ودل باقتداره على البدءِ والإِعادة على شدة بطشه. أَو بيدئُ البطش بالكفرة في الدنيا، ثم يعيده في الآخرة.
١٤ - (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ):
وهو -سبحانه- الغفور لذنوب من يشاءُ من عباده المؤمنين، وقيل: لمن تاب إِليه وأَطاع أَمره. (الْوَدُودُ): أَي، كثير المحبة لمن أَطاعه وأَحبه، وعن ابن عباس: المتودد إِلى عباده بالمغفرة.
١٥ - (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ):
(ذُو الْعَرْشِ) أَي: صاحب العرش، والمراد: مالكه أَو خالقه، والعرش أَعظم المخلوقات،
стр. 5485
وجاءَ في الأَخبار عن عظمه ما يبهر العقول، وقال القفال: ذو العرش: ذو الملك والسلطان. (الْمَجِيدُ): العظيم في ذاته وصفاته فإِنه - جلّ شأَنه - واجب الوجود، تام القدرة، كامل الحكمة.
١٦ - (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ):
لأَن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة، وفي التنكير من التفخيم ما لا يخفى، أي: أَنه -سبحانه- لا يعجزه شيءٌ، ولا معقب لحكمه، ولا يسأَل عما يفعل لعظمته وقهره وحكمته كما روي عن أَبي بكر الصديق أَنه قيل له وهو في مرض الموت: هل نظر إِليك الطبيب؟ قال: نعم، قالوا فما قال لك؟ قال: قال لي: إِني فَعَّال لما أُريد -يريد أَن الطبيب على الحقيقة هو الله- فهو سبحانه فعال لما يريد؛ لا يتخلف عن قدرته مراد.
١٧ - (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ):
تقرير لكونه فعالا لما يريد، وكذلك لشدة بطشه بالظَّلَمَةِ والعصاة والكفرة الْعُتاة، وتسلية له ﷺ بالإِشعار بأَنه سيصيب كفار قومه ما أَصاب الجنود، والمراد بالجنود هنا: الأَقوام والجماعات الذين تجندوا على أَنبياءِ الله واجتمعوا على أَذاهم.
والمعنى: هل بلغك يا محمد ما أَحلّ الله بهم من البأْس وأَنزل عليهم من النقمة التي لم يردّها عنهم رَادٌّ ولم يدفعها عنهم دافع؟ وهذا تقرير لقوله تعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) أَي: إِذَا أَخذ الظالم أَخذه أَخذًا أَليمًا شديدًا: أَخذ عزيز مقتدر، عن عمر ابن ميمون قال: مر النبي ﷺ على امرأة تقرأُ: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ) فقال: "نَعَمْ جَاءَني".
١٨ - (فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ):
قوم فرعون وثمود (بدل من الجنود) والمراد بحديثهم: ما صدر عنهم من التمادي في الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال.
والمعنى: قد أَتاك حديث قوم فرعون وثمود، وعرفت ما فعلوا وما فُعِلَ بهم، وما حل بهم من جزاءِ تماديهم في الباطل، فَذَكر قومك بأَيام الله وأَنذرهم أَن يصيبهم مثل ما أَصاب
стр. 5486
أَمثالهم ممن خرجوا عن طاعته، وحاربوا رسله، وكذبوا بأنبيائه، وهذا تنبيه لمن كفر بالنبي ﷺ وكذَّب بالقرآن ليتعظ.
١٩ - (بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ):
أَي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب، وهذا إِضراب انتقالي عن مماثلة كفار قريش لمن سبقهم من الأُمم المكذبة، وبيان لكونهم أَشد منهم في الكفر والطغيان كما ينبئُ عنه العدول عن (يكذبون) إِلى قوله تعالى: (بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ) المفيد لإِحاطة التكذيب بهم في كل جانب، مع ما في تنكير (تكذيب) من الدلالة على تعظيمه وتهويله، فكأَنه قيل: ليس قومك مثلهم، بل هم أَشد منهم فإِنهم غرقى مغمورون في تكذيب عظيم للقرآن الكريم، فهم أَدنى منهم في استحقاق العذاب.
٢٠ - (وَاللَّهُ مِنْ وَرَاءِهِمْ مُحِيطٌ):
أَي: والله - سبحانه تعالى - متمكن منهم، عالم بهم، قادر عليهم، قاهر لهم لا يفوتونه ولا يعجزونه، والإِحاطة بهم من ورائهم قيل: لأَنهم لا يفوتونه كما لا يفوت الشَّيءُ من الشَّيءِ المحيط به، فالكلام تصوير لعدم نجاتهم من بأْس الله.
٢١ - (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ):
هذا رد لكفرهم، وإِبطال لتكذيبهم، وتحقيق للحق، أَي: بل هذا الذي جئتهم فكذبوا به كتاب شريف عالي المنزلة في الكتب السماوية في نظمه وإِعجازه، فلا يحق تكذيبه والكفر به.
٢٢ - (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ):
المعنى: أَن القرآن محفوظ بعد التنزيل من التغيير والتبديل، والزيادة والنقص، كما قال تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (١) وقيل: مكتوب ومحفوظ في ذلك اللوح عن وصول الشياطين إِليه، واللوح المحفوظ نحن نؤمن به، ولا يلزمنا البحث عن ماهيته وحقيقته وكيفية كتابته ونحو ذلك. والله أَعلم.
стр. 5487
سورة الطارق
وهي مكية، وآياتها سبع عشرة آية، نزلت بعد سورة البلد
صلتها بما قبلها:
لما ذكر تكذيب الكفار للقرآن في السورة السابقة (سورة البروج) في قوله تعالى: "بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ" (١) نبّه في هذه السورة: (سورة الطارق) على نشأة الإِنسان وبدءِ خلقه، ثم ذكر قدر هذا القرآن وعلو شأنه الذي كذَّب به هذا الإِنسان الضعيف.
أَهم مقاصد السورة:
١ - بُدئَت السورة الكريمة بالقسم السماءِ وما حوت من نجم وكواكب على أَن كلَّ نفس عليها رقيب يحصى أَعمالها (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) إِلى قوله تعالى: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ).
٢ - دعت السورة الإِنسان أَن يفكر وينظر في نشأته ومم خلق؟ ليعلم أَن الذي أَنشأه بقدرته قوي قادر على إِعادته بعد موته للحساب (فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ) إِلى قوله تعالى: (فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ).
٣ - في السورة قسم آخر بالسماءِ ذات المطر، والأَرض التي تنشق عن النبات على أَن القرآن فاصل بين الحق والباطل وهو خير كله، ومن حقه -وقد وصفه الله بهذا- أَن يكون معظَّما يترفع به قارئه وسامعه عن أَن يلم بهزل أَو يتفكه بمزاج، ومع ذلك فقد اشتد الكفار في عداوته وإِنكاره والكيد له، وقد رَدَّ الله كيدهم بكيد أَشد لا يقدرون على دفعه (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) إِلى قوله تعالى: (وَأَكِيدُ كَيْدًا).
٤ - ختمت السورة بطلب إِمهال الكافرين حتى يأَتيهم العذاب: (فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا).
التفسير:
١ - (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ):
أَقسم الله بالسماء وما جعل فيها من الكواكب التي تضيءُ عند طلوعها ليلا، وتختفي نهارًا.
٢ - (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ):
هذا الأَسلوب للتنويه بشأن الطارق بعد تفخيمه وتعظيمه، بالإِقسام به، وتنبيه على أَن رفعة قدره وعلو شأنه مرتبة لا ينالها ولا يصل إِلى معرفتها عقول الخلق؛ فلا بد من تلقيها من الخلاق العليم.
والمعنى: وأَي شيء أَعلمك بالطارق وما حقيقة هذا الكوكب؟
٣ - (النَّجْمُ الثَّاقِبُ):
أَي: النجم المضيءُ كأنه يثقب الظلام بضوئه وينفذ فيه، وروى لأَنه يدرأُ الظلام، أَي: يدفعه، وقال الغراءُ: الثاقب: المرتفع.
٤ - (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ):
المعنى: ما كل نفس إِلا عليها حافظ، أَي: مهيمن ورقيب وهو الله كما في قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا) (١).
وقيل: معنى (حَافِظٌ): من يحفظ عملها من الملائكة ويحصى عليها ما تكسب من خير أَو شر، كما في قوله تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ) (٢) وروى ذلك عن ابن سيرين وقتادة.
стр. 5490
وقيل: (حَافِظٌ) أَي: عقل يرشده إِلى مصالحه ويكفه عمَّا يضره.
والجملة جواب القسم.
٥ - (فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ):
لَمَّا أَثبت -سبحانه- أَن على الإِنسان حافظًا ورقيبًا منه -تعالى - أو من ملائكته، حثه على النظر في نشأته الأُولى حتى يعلم أَن من أَنشأهُ على هذه النشأة قادر على إِعادته وجزائه، فليعمل ليوم الإِعادة والجزاء، وليُرْضِ ربه ولا يُملى على حفظته إِلا ما يسره في آخرته وعاقبة أَمره.
وأَما على تقدير أَن المراد بالحافظ العقل، فلأنه لَمَّا أَثبت -سبحانه- أَن للإِنسان عقلًا يرشده إِلى مصالحه ويكفه عن مضاره، حثه على استعماله فيما ينفعه، وعدم تعطيله وإِلغائه، كأَنه قيل: فلينظر بعقله وليتفكر به في مبدأَ خلقه حتى تتضح له قدرة واهبه - سبحانه - وأَنه إِذا قدر على إِنشائه من مواد ليس فيها حياة ظاهرة فهو -سبحانه- على إِعادته أَقدر وأَقدر، فليعمل بما يُسَر به حين الإِعادة والرجوع إِلى مولاه.
٦ - (خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ):
أَي: خُلق الإِنسان من ماءٍ دافق مصبوب بدفع وسرعة في الرحم، والمراد بالماءٍ الدافق: التي الذي يحمل الحيوانات المنوية التي تلقح بويضة المرأَة ويتكون الجنين.
٧ - (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ):
أَي: يخرج هذا الماءُ (مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ) وهو الظهر.
(وَالتَّرَائِبِ): وهي عظام الصدر. قال الآلوسي: لو جعل ما بين الصلب والترائب كناية عن البدن كله لم يبعد.
стр. 5491
ولعلماءٍ العصر كلام في ذلك يمكن الرجوع إليه لمعرفة الاجتهادات القديمة والحديثة ولا يجوز تفسير القرآن بما لا يصل إِلى حد العلم القطعي، مع الدعوة إِلى الفكر والنظر ومداومة البحث الذي قد يوصل إِلى الحقيقة التي لا تقبل الشك وذلك ممكن غير مستحيل. قال تعالى: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ" (١).
٨ - (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ):
أَي: إِن الله الذي خلق الإِنسان ممَّا ذكر لقادر على إِعادته بعد موته، وبعثه بعد هلاكه، لا يصعب عليه ذلك ولا يعجز عنه سبحانه.
٩ - (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ):
في يوم القيامة تبلي السرائر، أَي: تظهر وتبدو، ويصير السر علانية والمكنون، مشهودًا، وسواءٌ منه ما أَسِرَّ في القلوب من العقائد والنيات وغيرها، وما أَخفي من الأَعمال، حيث يميز بين ما طاب منها وما خبث.
١٠ - (فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ):
المعنى: فما للإِنسان المنكر للبعث من قوة في نفسه يمتنع بها من العذاب، ولا ناصر يمنعه ويحميه فيدفع العذاب عنه.
стр. 5492
(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧))
المفردات:
(ذَاتِ الرَّجْعِ): ذات المطر لرجوعه كل حين، أَو لرجوعه إِلى المصدر الذي تبخر منه وتكاثف ونزل ماء.
(ذَاتِ الصَّدْعِ): ذات الانشقاق عن النبات.
(إِنَّهُ) أَي: إِن القرآن.
(لَقَوْلٌ فَصْلٌ): لقول فاصل بين الحق والباطل، كما قيل له: فرقان.
(وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ) أَي: وما القرآن باللعب والباطل.
(يَكِيدُونَ كَيْدًا): يمكرون مكرًا بالغ الغاية لصد الناس عن القرآن.
(وَأَكِيدُ كَيْدًا): أُجازيهم على فعلهم بالاستدراج لهم.
التفسير:
١١ - (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ):
أَقسم بالسماء التي ينزل منها المطر، وسمي المطر رجعًا لأن العرب كانوا يرون أَن السحاب يحمل بخار الماء من بحار الأرض ثم يرجعه إِلى الأَرض، أَو سموا
стр. 5493
المطر بذلك تفاؤلا ليرجع، أَو لأَن الله يرجعه بين الفينة والفينة ليشرب الناس ويسقوا زرعهم ودوابهم، ولولا ذلك لهلك الجميع، وعن مجاهد: تفسير السماء بالسحاب، والراجع بالمطر، وقيل: الرجع: الملائكة ﵈ سُمُّوا بذلك لرجوعهم بأعمال العباد.
١٢ - (وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ):
وأَقسم -سبحانه- بالأَرض ذات الصدع، أَي: ذات الانشقاق عن النبات الذي يخرج منها.
١٣ - (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ):
المعنى: إِن القرآن الذي أُنزل على الرسول لقول فاصل بين الحق والباطل، والهدي والضلال، قد بلغ الغاية في ذلك حتى كأَنه نفس الفصل.
١٤ - (وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ):
أَي: ليس في القرآن شائبة لعب ولا باطل، بل كله جد محض، فمن حقه أَن يهتدى به الغُوَاة، وتخضع له رقاب العُتَاة، ومن الواجب نحو القرآن -وقد وصفه الله بذلك- أَن يكون مَهِبيًا في الصدور، مُعَظمًا في القلوب، ويترفع به قارئه وسامعه أَن يُلِم بهزل -أَو يتفكه بمزاح، وأَن يلقى ذهنه إِلى أَن جبار السموات يخاطبه فيأمره وينهاه، ويقف عند وعده ووعيده، حتى إِنه إِن لم يخف من الله ولم يخش عذابه فالأَولى به أَن يكون جادًّا غير هازل وفي الحكم على القرآن بأنه فصل أَخرج الترمذي وغيره عن على - كرم الله وجهه - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنها ستكونُ فتنةُ، قلتُ: فمَا المخْرجُ
стр. 5494
منها يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: كتابُ اللهِ؛ فيه نبأُ مَن قبلكمُ، وخَبرُ ما بعدكمُ، وحُكْمُ ما بينكم، هو الفصلُ ليسَ بالهزلِ .. " إِلخ الحديث.
١٥ - (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا):
ثم أَخبر -سبحانه- عن الكافرين المكذبين بالقرآن الذين يصدون عن سبيل الله وعن الحق فقال: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ) أَي: يمكرون بالناس في دعوتهم إِلى مخالفة القرآن والإِعراض عنه، ويُعْمِلُونَ المكايد في إِبطال أَمره وإِطفاءِ نوره ويبذلون جهدًا كبيرًا في هذا الكيد، وهم وإِن بلغوا الغاية في كيدهم فقدرتهم ضعيفة، وقوتهم محدودة.
١٦ - (وَأَكِيدُ كَيْدًا):
أَي: أَقابل كيدهم بتدبير قوى لا يمكن رده ولا يستطاع دفعه وذلك بمثل إِملائهم -واستدراجهم من حيث لا يعلمون، وانتظار الميقات الذي وقَّته للبطش بهم والانتقام منهم، وإِعلاءِ شأن القرآن وانتشار الدين ورفعة قدر الرسول ﷺ .
١٧ - (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) (١):
(فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ) أَي: فَتَأَنَّ وانتظر الانتقام منهم، ولا تستعجل به ولا تدع عليهم بالهلاك، ولا تيأَس من عقابهم، والفاء في قوله تعالى: (فَمَهِّلِ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أَي: أَن الله هو الذي سيتولى كيدهم ولن يهملهم، فلا تشغل نفسك بالتصدي والتعرض لمكايدهم، وذِكْرُ (الْكَافِرِينَ) وعدم الاكتفاءِ بضميرهم لذمهم ونعتهم بأَبي الخبائث وأَساس جميع الشرور وهو الكفر.
стр. 5495
(أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا): بدل من (مَهِّل) والمعنى: أَمهل الكافرين إِمهالا رويدًا، أَي: قليلا، أَو قريبًا.
وعن السدي أَنه قال: أَمهلهم حتى آمر بالقتال، وآتيك فيهم بأمر حاسم، أَي: أَمهل الذين كفروا بدعوتك التي واجهتهم بها، ولعله المراد بالإِمهال القريب أَو القليل، واختار بعضهم أَن يكون المراد الإِمهال إِلى يوم القيامة ليعم من واجههم بالدعوة ومن كفروا بها بعد، لأَن ما وقع بعد الأَمر بالقتال -كالذي وقع بالكفار يوم بدر وفي سائر الغزوات- لم يعم جميع الكفار، وما يكون يوم القيامة يعمهم جميعًا، والتقريب يكون باعتبار أَن كل آت قريب.
والظاهر ما قاله السدي، وقد أَصابهم بعد الأَمر بالقتال ما أَصابهم من قتل أَبطالهم وقهرهم وإِذلالهم، وظاهر كلام أَبي حيان أَن الأَمر الثاني (أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) تأَكيد للأَمر الأَول (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ) والمخالفة بين اللفظين بين "مَهِّل" و"أَمْهِل" لزيادة تثبيته ﷺ وتصبيره ﵊ ودلت الزيادة المشعرة بالتغاير على أن كلاًّ من اللفظين كلام مستقل بالأمر بالثاني فهو أَوكد من مجرد التكرار، والله أَعلم.
стр. 5496
سورة الأعلى
وتسمى سورة سبح، وهي مكية، وآياتها تسع عشرة آية
مناسبتها لما قبلها:
لما ذُكر في سورة طارق خلق الإِنسان، وأُشير إِلى خلق النبات في قوله تعالى: (وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ) وذُكر هاهنا خلق الإِنسان في قوله تعالى: (خَلَقَ فَسَوَّى) وخلق النبات في قوله تعالى: (أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى) ناسب أَن يقرن بينهما.
مقاصد السورة:
١ - تنزيه ذات الله الأَعلى، وصفاته، عما لا يليق بها (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى).
٢ - بيان الإِبداع فيما خلق -سبحانه- فجعله مستويًا في إِحكام وإِتقان، وقدر لكل شيءٍ خلَقه ما يصلحه، فهداه إِليه: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى).
٣ - توجيه العقول والأَبصار إِلى صنيع القدرة في إِخراج النبات من الأَرض التي تنشق عنه وتدُرجه من أَخضر نافع إِلى أَن يصير يابسًا أَسود وجعله رعيًا للدواب: (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى).
٤ - إِخبار الرسول ﷺ بأَن الله سيقرئه القرآن فيحفظه ولا ينسى منه شيئًا إِلا ما شاءَ الله، وأَنه ﷺ ميسر لليسرى (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ … ) الآيات.
٥ - أَمْرٌ للرسول ﷺ أَن يُذَكِّر بالقرآن وبما يوحَى إِليه ليذَّكر من يخاف الله ويرجو ثوابه:
(فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى).
٦ - إِعلامه ﷺ بأَن الأَشقى المصر على العناد والكفر سيرفض دعوتك، ويعرض عنك فلا تحزن، وسيصلى النَّار الشديدة، فلا يستريح من العذاب بالموت، ولا يحيا حياة نافعة: (وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى … ) الآيات.
стр. 5497
٧ - تأْكيد حصول الفلاح، والظَّفَرَ بالنجاة لمن تطهر من الشرك والمعاصي وذكر اسم خالقه بقلبه ولسانه، فصلى في خشوع وامتثال:
(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى).
٨ - التنصيص على أَن الذي ذكَّر به، ودعا إِليه ﷺ ثابت في الصحف الأُولى صحف إِبراهيم وموسى. فهو مما توافقت عليه الأَديان، وسجلته الكتب السماوية:
(إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣))
المفردات:
(سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى): التسبيح؛ التنزيه، أَي: نزه اسمه عن الإِلحاد فيه بالتأويلات الزائفة، وعن كل ما لا يليق به.
стр. 5498
(فَسَوَّى) أَي: فجعل المخلوقات كلها سواء في الإِحكام والإِتقان.
(وَالَّذِي قَدَّرَ) أَي: جعل الأشياء كلها على مقادير مخصوصة.
(الْمَرْعَى): ما ترعاه الدواب أَخضر غَضًّا.
(فَجَعَلَهُ غُثَاءً) أي: جافًّا يابسًا، وأصل الغشاء: الهالك البالي من ورق الشجر، ومنه غثاء السيل.
(حْوَى): أسود من القدم.
(وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى) أَي: يبتعد عنها ولا ينتفع بها الكافر فكان أَشقى الناس.
(يَصْلَى النَّارَ): يدخلها ويذوق حرها.
التفسير
١ - (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى):
أَي: جعل أَسماءَه - جل شأْنه - منزهة عن كل ما لا يليق بها فلا تطلقها على غيره على وجه يشعر بتشاركهما فيها، كأَن تقول لمن أَعطاك شيئًا: إِنه رزقني على وجه يشعر بالتشارك، ولا تسم بها غيره - تعالى - إِذا كانت متخصصة به كلفظ الجلالة "الله" والرحمن، ولا تذكرها في موضع لا يليق بها، أَو على وجه ينافي التعظيم والإِجلال، وهذا الوجه من التفسير مبني على الظاهر من أَن لفظ (اسم) غير زائد وذهب كثير إِلى أَنه زائد أَي: ذكر تأْكيدًا لضرب من التعظيم على سبيل الكناية.
وعليه فالمعنى: نزه ربك عما لا يليق به من الأَوصاف في ذاته وأَفعاله وأَسمائه، واستدل لهذا الرأْي بما أَخرجه الإِمام أَحمد وأَبو داود، وابن ماجه وغيرهم عن عقبة بن عامر قال: لما نزلت: "فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ" (١) قال لنا رسول الله ﷺ اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) قال: اجعلوها في سجودكم، ومن المعلوم أَن المجعول
стр. 5499
فيهما: سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأَعلى دون ذكر لفظ (اسم) كما استدل أَيضًا على أَن (اسم) زائد بما أَخرجه الإِمام أَحمد وأَبو داود، والطبراني، والبيهقي في سننه عن ابن عباس: أَن رسول الله ﷺ كان إِذا قرأَ (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) قال: سبحان ربي الأَعلى.
وقوله -سبحانه - (الأَعْلَى) صفة للرب، وهو الأَظهر، وأُريد بالعلو: أَنه -سبحانه- يعلو بقدره واقتداره لا بالمكان؛ لاستحالته عليه، ويجوز أَن يكون لفظ الأَعلى صفة للفظ (اسم) والمراد بعلوه حينئذ: تَرَفُّعُهُ عن أَن يشاركه اسم في حقيقته.
٢ - (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى):
صفة ثانية، وحذف مفعول (خلق) لقصد التعميم. أَي: خلق كل شيءٍ فجعل خلقه متساويًا كما تقتضيه حكمته وإِتقانه. ويتنسى لهذا المخلوق أَن يؤدي ما خلق له على أَكمل وجه، وقال في البحر، خلق كل شيء فسواه بحيث لم يأْت متفاوتًا بل مناسبًا في إِحكام وإِتقان للدلالة على أَنه من عالم حكيم.
٣ - (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى):
صفة أُخرى، وكذا حال ما بعده، أَي: جعل الأَشياءَ مقدرة على مقادير مخصوصة في أَجناسها، وأفرادها، وأَفعالها، وآجالها، وهدى كلا منها إِلى ما يصدر عنه، وينبغي له طبعًا واختيارًا، ويسره لما خلق له بخلق الإِلهامات، ونصب الدلالات، وإِنزال الآيات، ولو تأَملت في خلق الإِنسان وأَحوال النباتات والحيوانات لرأَيت عجبًا مما تحار فيه العقول، وتعجز عن إِدراك الأَلباب، وحسبك أَنه -سبحانه - وأَدع في الإِنسان عقلًا يميز به بين الخير والشر، والضار والنافع، وسخر له كنوز الأَرض وخيراتها وجعل كل ما عليها طيِّعا له منقادًا، ووجه الحيوانات إِلى مراتعها، والطيور إِلى مآكلها، والهوام إِلى حاجاتها، وأَما فنون هداياته في غير ذلك فمما لا يعلمه إلاَّ العليم الخبير. وعن السدي: قدر للولد في البطن تسعة أَشهر أَو أَقل أَو أَكثر، وهداه للخروج منه للتمام.
стр. 5500
٤، ٥ - (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى):
أَي: أَنَّه - جل وعلا - أَنبت ما ترعاه الدواب أَخضر غضًّا يكاد يبرق ويتلأْلأُ من طراوته، ثم جعله بعد ذلك (غُثَاءً) أَحوى: يابسًا جافًّا كأَوراق الشجر البالية، والحشائش والأَخلاط مما يقذف به السيل على جانب الوادي، ومنه: غثاء السيل. والعرب تسمي القوم إِذا اجتمعوا من قبائل شتى أَخلاطًا وغثاءً (أَحْوَى): من الحوة: وهي سواد يضرب إِلى الخضرة؛ إِشارة إِلى بلوغه الغاية في القدم، فهو صفة مؤكدة للغثاءِ لأَن الغثاءَ إِذا قدم وأَصابته المياه حتى اسود وتعفن صار أَحوى.
وتفسر الحُوَّة بشدة الخضرة، ولا ينافي ذلك تفسيرها بالسواد، لأَن شدة الخضرة ترى في بدءِ النظر إِليها كالسواد، والمعنى: أَخرج المرعى حال كونه أَحوى من شدة الخضرة، فجعله غثاءً بعد ذلك.
٦، ٧ - (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى):
بيان لهداية الله - تعالى - الخاصة برسوله ﷺ إِثر بيان هدايته -تعالى- العامة لسائر مخلوقاته، وهي هدايته - علية الصلاة والسلام - لتلقي الوحي، وحفظ القرآن الكريم الذي هو هدى للعالمين، وتوفيقه لهداية الناس أَجمعين.
والسين إِما للتأْكيد، وإِما لأَن المراد: إِقراءُ ما أَوحَي إِليه حينئذ، وما سيوحي إِليه بعد ذلك.
والمعنى. ستقرئك ما أُوحي إِليك الآن، وما يوحى إِليك بعد ذلك على لسان جبريل ﵇ وذلك بأَن يقرأَ جبريل ﵇ ما يقرأُ على الرسول ﷺ من الوحي وهو أُمِّيٌّ لا يكتب ولا يقرأُ فيحفظه ولا ينساه في وقت من الأوقات: لفترة الحفظ والإِتقان، ليكون ذلك آية أُخرى للرسول ﷺ وجُوِّزَ أَن يكون المعنى: سنجعلك قارئًا بإِلهام القراءَة بدون تعليم أَحد إِياك كما هي العادة، ولما كان الوعد بعدم الإِنساءِ على وجه