سورة الأعلى
وتسمى سورة سبح، وهي مكية، وآياتها تسع عشرة آية
مناسبتها لما قبلها:
لما ذُكر في سورة طارق خلق الإِنسان، وأُشير إِلى خلق النبات في قوله تعالى: (وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ) وذُكر هاهنا خلق الإِنسان في قوله تعالى: (خَلَقَ فَسَوَّى) وخلق النبات في قوله تعالى: (أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى) ناسب أَن يقرن بينهما.
مقاصد السورة:
١ - تنزيه ذات الله الأَعلى، وصفاته، عما لا يليق بها (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى).
٢ - بيان الإِبداع فيما خلق -سبحانه- فجعله مستويًا في إِحكام وإِتقان، وقدر لكل شيءٍ خلَقه ما يصلحه، فهداه إِليه: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى).
٣ - توجيه العقول والأَبصار إِلى صنيع القدرة في إِخراج النبات من الأَرض التي تنشق عنه وتدُرجه من أَخضر نافع إِلى أَن يصير يابسًا أَسود وجعله رعيًا للدواب: (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى).
٤ - إِخبار الرسول ﷺ بأَن الله سيقرئه القرآن فيحفظه ولا ينسى منه شيئًا إِلا ما شاءَ الله، وأَنه ﷺ ميسر لليسرى (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ … ) الآيات.
٥ - أَمْرٌ للرسول ﷺ أَن يُذَكِّر بالقرآن وبما يوحَى إِليه ليذَّكر من يخاف الله ويرجو ثوابه:
(فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى).
٦ - إِعلامه ﷺ بأَن الأَشقى المصر على العناد والكفر سيرفض دعوتك، ويعرض عنك فلا تحزن، وسيصلى النَّار الشديدة، فلا يستريح من العذاب بالموت، ولا يحيا حياة نافعة: (وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى … ) الآيات.
стр. 5497
٧ - تأْكيد حصول الفلاح، والظَّفَرَ بالنجاة لمن تطهر من الشرك والمعاصي وذكر اسم خالقه بقلبه ولسانه، فصلى في خشوع وامتثال:
(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى).
٨ - التنصيص على أَن الذي ذكَّر به، ودعا إِليه ﷺ ثابت في الصحف الأُولى صحف إِبراهيم وموسى. فهو مما توافقت عليه الأَديان، وسجلته الكتب السماوية:
(إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣))
المفردات:
(سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى): التسبيح؛ التنزيه، أَي: نزه اسمه عن الإِلحاد فيه بالتأويلات الزائفة، وعن كل ما لا يليق به.
стр. 5498
(فَسَوَّى) أَي: فجعل المخلوقات كلها سواء في الإِحكام والإِتقان.
(وَالَّذِي قَدَّرَ) أَي: جعل الأشياء كلها على مقادير مخصوصة.
(الْمَرْعَى): ما ترعاه الدواب أَخضر غَضًّا.
(فَجَعَلَهُ غُثَاءً) أي: جافًّا يابسًا، وأصل الغشاء: الهالك البالي من ورق الشجر، ومنه غثاء السيل.
(حْوَى): أسود من القدم.
(وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى) أَي: يبتعد عنها ولا ينتفع بها الكافر فكان أَشقى الناس.
(يَصْلَى النَّارَ): يدخلها ويذوق حرها.
التفسير
١ - (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى):
أَي: جعل أَسماءَه - جل شأْنه - منزهة عن كل ما لا يليق بها فلا تطلقها على غيره على وجه يشعر بتشاركهما فيها، كأَن تقول لمن أَعطاك شيئًا: إِنه رزقني على وجه يشعر بالتشارك، ولا تسم بها غيره - تعالى - إِذا كانت متخصصة به كلفظ الجلالة "الله" والرحمن، ولا تذكرها في موضع لا يليق بها، أَو على وجه ينافي التعظيم والإِجلال، وهذا الوجه من التفسير مبني على الظاهر من أَن لفظ (اسم) غير زائد وذهب كثير إِلى أَنه زائد أَي: ذكر تأْكيدًا لضرب من التعظيم على سبيل الكناية.
وعليه فالمعنى: نزه ربك عما لا يليق به من الأَوصاف في ذاته وأَفعاله وأَسمائه، واستدل لهذا الرأْي بما أَخرجه الإِمام أَحمد وأَبو داود، وابن ماجه وغيرهم عن عقبة بن عامر قال: لما نزلت: "فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ" (١) قال لنا رسول الله ﷺ اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) قال: اجعلوها في سجودكم، ومن المعلوم أَن المجعول
стр. 5499
فيهما: سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأَعلى دون ذكر لفظ (اسم) كما استدل أَيضًا على أَن (اسم) زائد بما أَخرجه الإِمام أَحمد وأَبو داود، والطبراني، والبيهقي في سننه عن ابن عباس: أَن رسول الله ﷺ كان إِذا قرأَ (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) قال: سبحان ربي الأَعلى.
وقوله -سبحانه - (الأَعْلَى) صفة للرب، وهو الأَظهر، وأُريد بالعلو: أَنه -سبحانه- يعلو بقدره واقتداره لا بالمكان؛ لاستحالته عليه، ويجوز أَن يكون لفظ الأَعلى صفة للفظ (اسم) والمراد بعلوه حينئذ: تَرَفُّعُهُ عن أَن يشاركه اسم في حقيقته.
٢ - (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى):
صفة ثانية، وحذف مفعول (خلق) لقصد التعميم. أَي: خلق كل شيءٍ فجعل خلقه متساويًا كما تقتضيه حكمته وإِتقانه. ويتنسى لهذا المخلوق أَن يؤدي ما خلق له على أَكمل وجه، وقال في البحر، خلق كل شيء فسواه بحيث لم يأْت متفاوتًا بل مناسبًا في إِحكام وإِتقان للدلالة على أَنه من عالم حكيم.
٣ - (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى):
صفة أُخرى، وكذا حال ما بعده، أَي: جعل الأَشياءَ مقدرة على مقادير مخصوصة في أَجناسها، وأفرادها، وأَفعالها، وآجالها، وهدى كلا منها إِلى ما يصدر عنه، وينبغي له طبعًا واختيارًا، ويسره لما خلق له بخلق الإِلهامات، ونصب الدلالات، وإِنزال الآيات، ولو تأَملت في خلق الإِنسان وأَحوال النباتات والحيوانات لرأَيت عجبًا مما تحار فيه العقول، وتعجز عن إِدراك الأَلباب، وحسبك أَنه -سبحانه - وأَدع في الإِنسان عقلًا يميز به بين الخير والشر، والضار والنافع، وسخر له كنوز الأَرض وخيراتها وجعل كل ما عليها طيِّعا له منقادًا، ووجه الحيوانات إِلى مراتعها، والطيور إِلى مآكلها، والهوام إِلى حاجاتها، وأَما فنون هداياته في غير ذلك فمما لا يعلمه إلاَّ العليم الخبير. وعن السدي: قدر للولد في البطن تسعة أَشهر أَو أَقل أَو أَكثر، وهداه للخروج منه للتمام.
стр. 5500
٤، ٥ - (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى):
أَي: أَنَّه - جل وعلا - أَنبت ما ترعاه الدواب أَخضر غضًّا يكاد يبرق ويتلأْلأُ من طراوته، ثم جعله بعد ذلك (غُثَاءً) أَحوى: يابسًا جافًّا كأَوراق الشجر البالية، والحشائش والأَخلاط مما يقذف به السيل على جانب الوادي، ومنه: غثاء السيل. والعرب تسمي القوم إِذا اجتمعوا من قبائل شتى أَخلاطًا وغثاءً (أَحْوَى): من الحوة: وهي سواد يضرب إِلى الخضرة؛ إِشارة إِلى بلوغه الغاية في القدم، فهو صفة مؤكدة للغثاءِ لأَن الغثاءَ إِذا قدم وأَصابته المياه حتى اسود وتعفن صار أَحوى.
وتفسر الحُوَّة بشدة الخضرة، ولا ينافي ذلك تفسيرها بالسواد، لأَن شدة الخضرة ترى في بدءِ النظر إِليها كالسواد، والمعنى: أَخرج المرعى حال كونه أَحوى من شدة الخضرة، فجعله غثاءً بعد ذلك.
٦، ٧ - (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى):
بيان لهداية الله - تعالى - الخاصة برسوله ﷺ إِثر بيان هدايته -تعالى- العامة لسائر مخلوقاته، وهي هدايته - علية الصلاة والسلام - لتلقي الوحي، وحفظ القرآن الكريم الذي هو هدى للعالمين، وتوفيقه لهداية الناس أَجمعين.
والسين إِما للتأْكيد، وإِما لأَن المراد: إِقراءُ ما أَوحَي إِليه حينئذ، وما سيوحي إِليه بعد ذلك.
والمعنى. ستقرئك ما أُوحي إِليك الآن، وما يوحى إِليك بعد ذلك على لسان جبريل ﵇ وذلك بأَن يقرأَ جبريل ﵇ ما يقرأُ على الرسول ﷺ من الوحي وهو أُمِّيٌّ لا يكتب ولا يقرأُ فيحفظه ولا ينساه في وقت من الأوقات: لفترة الحفظ والإِتقان، ليكون ذلك آية أُخرى للرسول ﷺ وجُوِّزَ أَن يكون المعنى: سنجعلك قارئًا بإِلهام القراءَة بدون تعليم أَحد إِياك كما هي العادة، ولما كان الوعد بعدم الإِنساءِ على وجه
стр. 5501
قد يشعر بالتأييد واللزوم وربما يوهم استحالة نسيانه، جاءَ نسيانه، جاءَ الاستثناءُ في قوله تعالى: (إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ) أَي: إِنه -سبحانه- إِذا أَراد نسيانك شيئًا لم يعجزه ذلك وهو لم يشأْ أَن ينسيه شيئًا فيكون القصد نفي نسيانه رأْسًا.
روي أنه ﷺ أَسقط آية في قراءَته في الصلاة فحسب أُبيٌّ أَنها نسخت، فسأله، فقال ﵊: نسيتها. والذي ذكره أُبيُّ عن نسيانه ﷺ إِن صح ذلك فهو في غير ما يتعلق بالأَحكام التي أُمر بتبليغها، وكل ما يقال غير ذلك فهو من مدخلات الملحدين التي جازت على عقول الغافلين.
والاستثناءُ بشارة من الله لنبيه، وبالجملة: ففائدة هذا الاستثناءِ أَن يعرِّف الله -تعالى- رسوله ﷺ قدرته حتى يعلم -صلوات الله وسلامه عليه- أَن عدم نسيانه من فضله وإِحسانه - تعالى.
(إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى): تأْكيد لوعده - تعالى - لرسوله ﷺ أَي: إِن الذي وعدك بأَنه سيقرئك، وأَنه سيحفِّظك ما تقرأُ عالم بالسر والجهر فلا يفوته شيءٌ مما يكون في نفسك، وهو مالك قلبك وعقلك، وخافي سرك.
وفي قدرته أَن يحفظ عليك ما وهبك، ولو شاءَ لسلبه، ولن تستطيع دفعه لأَنك لا تستطيع أَن تخفى عنه شيئًا.
وقيل: إِن الآية تعليل للآية السابقة: أَي: لأَنه يعلم ما ظهر وما بطن من الأُمور التي من جملتها حالك وحرصك على حفظ ما يوحى إِليك بأَسره، فينسيك ما شاءَ إِنساءَه، ويبقى لك محفوظًا ما شاءَ إِبقاءَه لما يناط ويتعلق بكل منهما من المصالح والحكم التشريعية.
٨ - (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى):
عطف على قوله -تعالى-: (سَنُقْرِئُكَ) الآية، أَي: نوفقك توفيقًا مستمرًّا للشريعة السمحة التي يسهل على النفوس قبولها، وعلى العقول فهمها في كل باب من أَبواب الدين علمًا وتعليمًا واهتداءً وهداية مما يتعلق بتكميل نفسه الشريفة ﷺ وتكميل غيره، فيندمج فيه تيسير الطريق إِلى تلقي الوحي، والإِحاطه بما فيه.
стр. 5502
وتعليق التيسير به صلوات الله وسلامه عليه -مع أَن الشائع تعليقه بالأُمور المسخرة للفاعل- كما في قوله تعالى: "وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي" (١). للإِيذان بقوة تمكينه ﵊ من اليسرى والتصرف فيها بحيث صار ذلك ملكة راسخة له، كأَنه ﷺ فطر عليها. كما في قوله - صلوات الله عليه: (اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ).
وبعد ما وعد الله سبحانه رسوله بذلك الفضل العظيم أَخذ يأْمره بتذكير عباده وتنبيههم من غفلاتهم، وتوجيههم إِلى ما هو خير لهم من تنزيه اسم الله تعالى والاستعداد لامتثال أَوامره، والتزام أَحكامه فقال - سبحانه:
٩ - (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى):
أَي: فذكِّر الناس بما يوحى إِليك من القرآن الكريم وغيره من الوحي، واهدهم إِلى ما في ثناياه وتضاعيفه من الأَحكام الشرعية ودم على ما تفعله، وأَشار -سبحانه- بقوله: (إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى) إِلى أَن رسول الله ﷺ كان يُذَكِّرُ أَهل الباطل ويفرغ في تذكيرهم غاية الجهد، ويتجاوز فيه كل حدٍّ معهود حرصًا على الإِيمان وتوحيدًا للملك الديان، وما كان ذلك يزيد بعضهم إِلاَّ كفرًا وعنادًا وتمردًا وفسادًا، فأُمِرَ ﵊، تخفيًا عليه- بأَن يخص التذكير بتوقع النفع في الجملة، وذلك بأَن يكون من يذكِّره كلا أَو بعضًا ممن يرجى منه الاستجابة والانتفاع، ولا يتعب نفسه الكريمة في تذكير من لا يورثه التذكير إِلا عُتُوًّا ونفورًا، من الذين طبع الله على قلوبهم، وتمسكوا بما ورثوا عن آبائهم من جهل وجحود، كما في قوله -تعالى -: "فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ" (٢) وقوله تعالى: "فَأَعْرِضْ عَمَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا" (٣) وقد أَعلم الله رسوله ﷺ بمن طبع على قلبه فلم تنفذ إِليه الهداية.
стр. 5503
وقيل: إِن المعنى ليس كما ذكرنا، وإِنما هو استبعاد النفع بالنسبة إِلى هؤُلاءِ المذكورين والمطلوب تذكير الجميع سواء انتفعوا بالذكرى أو لم ينتفعوا كأَنه قيل: افعل ما أُمرت به لتؤجر وإِن لم ينتفعوا به، وفيه تسلية له ﷺ .
١٠ - (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى):
أَي إِن الذكرى نافعة حتمًا في فريق من الناس، وهو من يخشى الله -تعالى - حق خشيته فيتفكر في شأْن ما تُذَكِّرُهُ به، وتوجهه إِليه فيقف على حقيقته، فيؤمن به وبكل ما تدعوه إِليه، وترشده إشل اتباعه.
١١ - (وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى):
أَي: يتجنب الذكرى ويتحاماها، ولا ينتفع بها الكافر المصر على كفره، وهو الذي غلبه شقاؤُه، فأَعرض عن النور الساطع، والبرهان القاطع، وخلا قلبه، من خشية الله. فكان أَشقى أنواع الكفرة.
وقيل: المراد به الكافر المتوغل في عداوة الرسول ﷺ كالوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة وقيل: إِن الآية نزلت فيهما. والمتوغل في عداوة الرسول أَشقى من غير المتوغل فيها.
١٢ - (الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى):
أَي: إِن هذا الكافر الذي هو أَشقى أَنواع الكفرة: جزاؤُه أَن يعذَّب بالنَّار الكبرى التي هي الطبقة السفلى من أَطباق النار، كما قال الفراء، ولا بُعْد في تفاوت نار الآخرة وفي أَن بعضها أَكبر من بعض، وأشد حرارة، والنار الكبرى هي نار الآخرة، والصغرى هي نار الدنيا ولا شك في أَن نار الآخرة أَقوى أَثرًا وأَشد إِيلامًا لمن يعذبون بها من هذه النار التي نعرفها، ففي الصحيحين عن أَبي هريرة مرفوعًا "ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم".
ثم إِن من شقى وذاق عذابه بتلك النَّار الكبرى يخلد فيها ولا ينقطع عذابه عند غاية، ولا يجد لآلامه نهاية، كما قال تعالى:
стр. 5504
١٣ - (ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا):
أَي: لا يموت الأَشقى في نار جهنم فيستريح من العذاب، ولا يحيا فيها حياة طيبة تنفعه كما قال - تعالى-: "لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا" (١).
و (ثم) للتراخي في مراتب الشدة؛ لأَن التردد في النار بين الموت والحياة، الذي أُشير به إِلى الخلود في النار الكبرى أَفظع من نفس الصلى وهو دخول النار، فهو متراخ عنه أَي: عن الصلى في مراتب الشدة، ونفي الحياة في الآية لا يناقض نفي الموت، لأَن الحياة المنفية هي الحياة التي يرغب فيها، ويتمنى صاحبها أَن تدوم، وحياة المعذب بتلك النار الكبرى ممقوتة عنده، يتمنى في كل لحظة تمر عليه لو فقدها، فكأَنها ليست بحياة.
(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧))
المفردات:
(قَدْ أَفْلَحَ) أَي: نجا من المكروه، وفاز بالمطلوب.
(مَنْ تَزَكَّى) أَي: تطهر من الشرك واتعظ بالذكرى.
(وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ) أَي: كبر لافتتاح الصلوات الخمس، أَو هي وما يتيسر من النوافل.
التفسير
١٤، ١٥ - (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى):
أَي: قد فاز بالمطلوب، وظفر بكل ما يرجوه في دينه ودنياه مَنْ تطهر من الكفر والشرك بتذكره وامتثاله، وحمْلُه على ذلك مروي عن أَبي عباس وغيره، وأَخرج البزار وابن مردويه
стр. 5505
عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ أَنه قال في ذلك: "من شهد أَن لا إِله إِلا الله، وخلع الأَنداد، وشهد أَني رسول الله". واعتبر بعضهم في التزكي أَمرين، فقال: أَي تطهر من الشرك والمعصية.
وقيل: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) أَي: تكثَّر من التقوى والخشية، من الزكاء: وهو النماءُ، وقيل: تطهر للصلاة، وقيل: أَتى الزكاة، وروى هذا عن جماعة منهم أَبو الأَحوص وقتادة.
(وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) أَي: ذكر اسمه تعالى بلسانه وقلبه لا بلسانه مع غفلة القلب، وقيل: المراد بهذا الذكر تكبيرة الإِحرام (فَصَلَّى) أَي: الصلوات الخمس كما أَخرجه ابن المنذر وغيره عن ابن عباس، وقيل: الصلوات الخمس وما تيسر من النوافل، وإِنما اقتصر على ذكر الصلاة، لأَن الفرائض والواجبات الدينية لم تكن تامة يوم نزول السورة وكانت الصلاة أَهم ما نزل -إِن كان نزل غيرها- كذا قيل وعن على - كرم الله وجهه- (تَزَكَّى): تصدق صدقة الفطر (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ): كبَّر يوم العيد فصلى العيد، وقال أَبو الأَحوص: إِذا أَتى أَحدهم سائل وهو يريد الصلاة فليقدم بين يدي صلاته زكاة. فإن الله يقول: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى).
١٦، ١٧ - (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى):
الخطاب لكفار مكة، كأَنه قيل لهم: أَنتم الأَشقياءُ لا تفعلون ذلك من التطهر من الشرك وذكر اسم الله تعالى، بل تفضلون الحياة الفانية وترضون بها وتطمئنون إِليها، وتعرضون عن الآخرة إِعراضًا كليًا كما في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا" (١) ويحتمل أَن يكون الخطاب لجميع الناس، والمراد بإيثارها ما هو أَعم مما ذكر، ومما لا يخلو عنه الناس غالبًا من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي والإِقبال عليها، وعن ابن مسعود ما يؤيد ذلك، والالتفات من الغيبة حسبما يقتضيه السياق -إِلى الخطاب لتشديد التوبيخ للأَشقياءِ الذين وبخوا فيما سبق بقوله
стр. 5506
- تعالى -: (وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى) على أَن الخطاب خاص بهم، أَما إِذا أُريد بالخطاب ما يعم ويشمل الكفار والمسلمين، فيكون في حق الكفار لتشديد التوبيخ كما سبق، وفي حق المسلمين لتشديد العقاب.
(وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) أَي: تؤْثرون الدنيا على الآخرة والحال أن الآخرة خير في نفسها، فتعيمها مع كونه في غاية اللذة وأَنه خالص عن شائبة ما يكدر صفوه، أَبَديٌّ لا انصرام له، والدنيا مع ذلك فانية لا بقاءَ لها، فكيف يؤْثر عاقل ما يفنى على ما يبقى، ويهتم بما يزول عنه قريبًا، ويترك الاهتمام بدار البقاءِ والخلد؟! قال ابن جرير في روايته عن ابن مسعود أَنه استقرئ (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) فلما بلغ (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) ترك القراءَة، وأَقبل على أَصحابه فقال: آثرنا الدنيا على الآخرة؟! فسكت القوم، فقال: آثرنا الدنيا رأَينا زينتها، ونساءَها، وطعامها، وشرابها، وزُويت عنا الآخرة، فاخترنا هذا العاجل، وتركنا الآجل. وقال الإِمام أحمد بسنده عن أَبي موسى الأَشعري: إِن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أَحب دنياه، أَضَرَّ بآخرتهِ، ومَن أَحبَّ آخرتَه أَضَرَّ بدنياه، فآثِروا ما يَبْقَى على ما يَفْنَى".
(إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩))
стр. 5507
التفسير
١٨، ١٩ - (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)): الإشارة إلى السورة كلها، عن ابن عباس: لما نزلت (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) قال: كلها في صحف إِبراهيم وموسى، وقيل: الإِشارة إِلى قوله - تعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) حتى قوله - تعالى-: (وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) وروي ذلك عن قتادة. والإِشارة إِلى ما في السورة كلها، أي: إِلى مضمونها ومقاصدها؛ فإِن ذلك ثابت في الصحف الأُولى التي هي صحف إِبراهيم وموسى، وفي إِبهامها ووصفها بالأُولى ثم بيانها بقوله - سبحانه-: (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) إِشارة إِلى أَنها قد بلغت الغاية في التفخيم، وعلو الشأْن، وكانت صحف إِبراهيم عشرة، وكذا صحف موسى ﵇ أُنزلت عليه قبل التوراة وكانت عبرًا ومواعظ، روي عن أَبي ذر أَنه قال: قلت: يا رسول الله: فما كانت صحف موسى؟ قال: كانت عبرًا كلها. قلت: فما كانت صحف إِبراهيم؟ قال: أَمثال كلها. والله أَعلم.
стр. 5508
سورة الغاشية
هذه السورة مكية، وعدد آياتها ست وعشرون آية
مناسبتها لما قبلها:
لَمَّا أَشار في السورة السابقة إِلى المؤمن والكافر والجنة والنار إِجمالًا، ناسب أَن تأْتي هذه السورة عقبها لبسط هذا الكلام وتوضيحه.
مقاصد السورة:
بدأَت بالحديث عن يوم القيامة بأُسلوب يُشَوق إِلى سماعه؛ لبيان ما فيه من أَهوال وشدائد، وبلاءٍ وعناءٍ مشيرة إِلى أَن الناس يوم القيامة فريقان، فمنهم من لا يرون فيه كرامة عند استقبالهم، وإِنما يلقون كل مهانة وعنت ومذلة، ثم يدخلون نارًا حامية، وَيُسْقَوْنَ من عين آنية، ومنهم من يستقبلون ذلك اليوم فرحين مستبشرين بمظاهر الرحمة الواسعة والنعيم المعدِّ لهم: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ .... ) الآيات. ثم ساقت السورة الكريمة الأَدلة والبراهين الواضحة على قدرة الله الباهرة على البعث بما يشاهدونه بأَعينهم، والسماء العظيمة، والجبال الشاهقة، والأَرض المنبسطة: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ … ) الآيات. ثم أَبرزت أَمر الله لرسوله ﷺ بالتذكير؛ لأَن مهمته الأُولى بالنسبة إِليهم مبينة أَنه ليس مُسَلَّطًا عليهم فيجبرهم على الإِيمان: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ).
وكان ختام السورة بيان أَن من تولى وكفر بعد هذا التذكير، فسوف يأخذه الله بذنبه ويعذبه العذاب الأَكبر حين يرجع إِليه بعد الموت، لأَن رجوعهم جميعًا إِليه، وحسابهم عليه: (إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ … ) الآيات.
стр. 5509
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧))
المفردات:
(الْغَاشِيَةِ): من أسماءِ يوم القيامة من غَشِيَهُ الأَمرُ: إِذا غطاه.
(خَاشِعَةٌ): أَي: ذليلة، يقال: خشع في صلاته: إِذا تذلل ونكَّس رأْسه.
(عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ) أَي: عملت عملًا شاقا تعبت فيه في الدنيا، ولا جدوى له في الآخرة.
(تَصْلَى) أَي: تدخل.
(آنِيَةٍ) أَي: بلغت أَناها -بفتح الهمزة وكسرها- وهو غاية حرها.
(إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ): وهو شجر في النار يشبه الشوك أَمَرُّ من الصبر وأَنْتَنُ من الجِيفةِ، وقيل غير ذلك كما سيأْتي في الشرح.
التفسير:
١ - (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ):
هل استفهام أُريد به التعجيب من حديث القيامة، والتشويق إِلى سماعه والإِشعار بأَنه من الأَحاديث البديعة التي حقها أَن تتناقلها الرواة، ويتنافس في تلقيها الدعاة من كل
стр. 5510
حاضر وباد. وهي اسم من أَسماءِ القيامة .. قال ابن عباس، وقتادة وابن زيد وسفيان -والجمهور، وأَطلق عليها (الغاشية) لأَنها تغشى الناس بشدائدها وتكتنفهم بأَهوالها.
وظاهر كلام قطرب أَن (هل) بمعنى (قد) حيث قال: قد جاءَك حديث القيامة يا محمد.
٢، ٣ - (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ):
هاتان الآيتان وما بعدها إِلى قوله تعالى: (وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) استئناف وقع جوابًا عن الاستفهام التشويقي، كأَنه قيل من جهته ﷺ : ما أَتاتي حديثها فما هو؟ قال ابن عباس ﵄: لم يكن أَتاه ﵊ حديثها، فأَخبر الله رسوله ﵊ عنها فقال: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ) أَي: وجوه الكفار -يوم إِذ غشيتهم الغاشية- ذليلة لما اعترى أَصحابها من الخزي والهوان؛ لأَن المراد بخشوعها: ذُلُّهَا، ولم توصف بالذل ابتداءً لما في وصفها بالخشوع من الإِشارة إِلى التهكم، وأَنها لم تخشع في وقت ينفع فيه الخشوع، وإِنما خص الوجوه بذلك، لأَن الحزن والسرور إِذا استحكما في المرءِ أَثَّرَا في وجهه
(عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ) أَي: تعمل في النار عملًا شاقا تتعب فيه، وهو جَرُّ السلاسل والأَغلال، والخوض في النار والصعود والهبوط فيها جزاءَ التكبر عن العمل وطاعة الله تعالى في الدنيا.
وقيل: عملت في الدنيا أَعمال السوءِ، والْتَذَّتْ بها وتنعمت، فهي في نَصَبٍ منها في الآخرة.
وعن زيد بن أَسلم أَنه قال: أَي: عاملة في الدنيا ناصبة فيها؛ لأَنها على غير هدى.
فلا ثمرة لها إِلاَّ النَّصَبُ، وخاتمتها النار.
٤، ٥ (تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ):
أَي: تدخل نارًا قد أُحميت مددًا طويلة، فلا حر يعدل حرها، لأَن أَعمالها في الدنيا كانت خاسرة غلب عليها الشر والضلال.
(تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ) أَي: من عين ماءٍ بلغت أَناها بوصولها إِلى أَقصى غايتها في الحراراة، قال ابن عباس ومجاهد والحسن والسّدي: قد
стр. 5511
انتهي حرها وغليانها وحان شربها، والتأْنيث في هذه الصِّفات والأَفعال راجع إِلى الوجوه، والمراد أَصحابها بدليل قوله تعالى - تعالى -:
٦، ٧ - (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ):
بيان لطعامهم إثر بيان شرابهم، أَي: إِن طعامهم في النار الذي ليس لهم طعام سواه هو الضريع، وهو كما قال عكرمة: شجرة ذات شوك لاصقة بالأَرض، وقال غير واحد: هو جنس من الشوك ترعاه الإِبل رَطْبًا فإِذا يبس تَحَامَتْهُ، وهو شر الطعام وأَبشعه لا تقربه دابة، أَو هو سُمٌّ قاتل، وقريش تسميه في الربيع الشِّبْرِق وفي الصيف الضَّرِيع، والظاهر أَنه يستحضر لهم حقيقة، أَشار إِلى ذلك الآلوسي.
وقيل: هو شجرة نارية تشبه الضريع أَمَرُّ من الصبر وأَنْتَنُ من الجِيفة، وأَشد حرارة من النار، والله -سبحانه - الذي أَخرج من الشجر الأَخضر نارًا لا يعجزه أَن ينبت في النار شجر الضريع.
والمعذبون من الكفار طبقات، فمنهم مَن طعامُه في النار الضريع، ومنهم من طعامه الغسلين، ومنهم من طعامه الزقوم، فلا تناقض بين هذه الآية وبين قوله: "وَلا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (١).
(لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) أَي: إِن طعامهم ليس من جنس الطعام الذي يذهب الجوع ويمد بالسَّمَنِ، وإِنما هو من شوك، والشوك ممَّا ترعاه الإِبل وتقبل عليه، وهذا نوع منه تعرض عنه الإِبل ولا تقربه؛ فليس له من منفعة الغذاءِ شيءٌ، وقيل: إِنه طعام عنده يتضرع إِلى الله تعالى ويطلب الخلاص عنه. وليس فيه منفعتا الغذاءٍ أَصلًا، وتنكير الجوع للتحقير، أَي: لا يغني من جوع مَّا.
стр. 5512
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦))
المفردات:
(نَاعِمَةٌ) من النعومة، وكُنّي بها عن البهجة وحسن المنظر.
(رَاضِيَةٌ) أَي: قد رضيت بسعيها.
(عَالِيَةٍ): مرتفعة، أَو عالية القدر، فالعلو إِما حسي وإِما معنوي.
(لاغِيَةً) أَي: لا تسمع فيها نفسًا لاغية، والمراد أَنها لا تتحدث باللغو: وهو كل قبيح من الكلام، أَو كل ما لا يعتد به من الأَقوال والأَفعال، أَو هو الباطل.
(مَرْفُوعَةٌ): كثيرة الفُرُشِ عالية السمت.
(وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ) أَي: معدة بين أَيديهم، والأَكواب: جمع كوب، وهو قدح لا عروة له.
(وَنَمَارِقُ) أَي: وسائد صنعت للاتكاءِ عليها، والنمارق: جمع نمرقة، وهي الوسادة الصغيرة -بضم النون والراءُ، وبكسرهما وفتحهما.
(وَزَرَابِيُّ) أَي: بُسُطٌ عراض فاخرة، أَو هي الطنافس التي لها خَمْل وهو الهدب، واحدها زَرَبيَّةٌ - مثلثة الزاي.
стр. 5513
التفسير
٨ - ١١ - (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً):
لَمَّا ذكر -سبحانه- حال الأَشقياءِ شرع في رواية حديث أَهل الجنة، وتقديم حكاية أَهل النار لأَنه أَدخل في تهويل الغاشية، وتفخيم حديثها، ولأَن حكاية حسن حال أَهل الجنة، وما يتقبلونه فيها من النعيم بعد حكاية سوءِ حال أَهل النار، ممَّا يزيد المحكي -حسنًا وجمالًا.
والمعنى: أَن وجوه المؤمنين يوم القيامة ناعمة، أَي: ذات بهحة، وحسن، وإِشراق، ونصارة، كقوله تعالى: "تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ" (١) ولا تكون كذلك إِلاَّ إِذا كانت فرحة بما لقيت من جزاءِ سعيها في الدنيا، وهذا المعنى على أَن ناعمة من النعومة، وأَما إذا كانت من النعيم، فيكون المعنى: وجوهٌ متنعمة في الجنة يوم القيامة، وهي وجوه المؤمنين، جزاءَ طاعتهم، وإِيمانهم بالله تعالى، ولم تعطف هذه الجملة (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ) على ما قبلها وهي: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ) إِيذانًا بكمال تباين مضمونهما.
(لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ) أَي: راضية بعملها الذي عملته في الدنيا تنفيذًا لأَمر ربها واتباعًا لهدي الرسول ﷺ حيث شاهدت ثمرته
(فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ) أَي: مرتفعة السمت، ووصفها بذلك لأَن خير الأَماكن ما كان مرتفعًا شاهق البناءِ كقوله:
إن الذي سمك السماءَ بنى لنا … بيتًا دعائمه أَعز وأَطوال
أَو في جنة عالية القدر فالعلو إما حسي أَو معنوي، وجمع بينهما أَبو حيان، وعلو القدر: أَن تكون رفيعة في أَوصافها ومزاياها، وبما اختصت به من أَلوان النعيم، وسميت دار النعيم بالجنة لأن اسمها مأْخوذ من الاجتنان، وهو الستر؛ لتكاثف أَشجارها ولتظليلها بالتفاف أَغصانها
(لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً) الإِسناد إِلى الوجوه والمراد: أَصحابها الذين يتأَتى خطابهم أَي:
стр. 5514
لا تسمع فيها كلمة ذات لغو أَو لا تسمع نفسًا تلغو، فإِن كلام أَهل الجنة ذِكْر وطاعة وحمدٌ لله على ما رزقهم من النعيم الدائم، ويراد باللَّغو: الباطل، أَو كل قبيح من الكلام، أَو ما لا يعتد به من الأَقوال والأَفعال، وفي تنزيه نعيم أَهل الجنة عمَّا هو من لوازم نعيم غيرهم في الدنيا تنبيه للمؤمنين إِلى أَنه لا يليق بهم أَن يكونوا من أَهل اللَّغو مهما فاض عليهم النعيم، واتسعت لهم النعمة، بمعنى أَن نعيمهم ينبغي أَن يكون نعيم أَهل الفضل والجد لا نعيم أَهل الجهل والحمق.
١٢، ١٥ - (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ):
أَي: في تلك الجنة عين عظيمة لا ينقطع ماؤُها عن الجريان، أَو عيون كثيرة، كقوله تعالى: (عَلِمَتْ نَفْسٌ) أي: نفوس، والتنوين في (عين) للتعظيم، أَو التكثير، ووصف ماءَ العيون بالجريان للإِشارة إِلى أَنه بارد صافٍ، لأَن ماءَ العيون إِذا كان جاريًا يكون في العادة باردًا صافيًا مع ما في منظر الماءٍ الجاري من مسرة وارتياح.
(فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ) أَي: أن سرر الجنة مرفوعة عن الأَرض، أو رفيعة المقدار، كثيرة الفرش؛ زيادة لهم في الراحة والنعيم. قالوا: فإذا أَرادوا الجلوس عليها تواضعت لهم.
(وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ) بين أَيديهم لمن أرادها من أَصحابها، أو موضوعه على حافة العيون، معدة للشرب، لا تحتاج إلى من يملؤها، وهي قداح لا عُري لها.
(وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ) وهي الوسائد التي صف بعضها إِلى بعض للاستناد إِليها، والاتكاءِ عليها، سواءٌ أَكانت هذه على السرر أَو في جوانب المسكن، فإذا أَراد المؤمن أَن يجلس جلس على واحدة واستند إِلى أَخرى.
والنمارق: جمع نُمْرُقَة، وهي الوسادة الصغيرة.
١٦ - (وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ):
أَي: بسط عراض فاخرة، مبسوطة هنا وهناك لمن أَراد الجلوس عليها، أَو مفرقة في المجالس. وقال الفراءُ: هي الطنافس التي لها خمل رقيق، أَي: هدب، وقال الراغب: إِنها في الأَصل ثياب محبرة منسوبة إلى موضع، ثم استعيرت للبسط، وواحد الزرابي زربية - مثلثة الزاي.
стр. 5515
(أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠))
المفردات:
(الإِبِلِ): اسم جمع لا واحد من لفظه، يصدق على القليل والكثير، وهو مؤنث، والإِبل: الجمال.
(سُطِحَتْ) أَي: بسطت ومهدت للإِقامة عليها.
(بِمُصَيْطِر) أَي: بمسلط عليهم قاهر لهم.
(إِيَابَهُمْ) أَي: رجوعهم بعد الموت إِلينا لا إِلى سوانا. والإِياب: مصدر (آب)، بمعنى رجع.
التفسير
١٧ - (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ):
استئناف مسوق لتقرير ما فصل من حديث الغاشية، وما هو مبني عليه من البعث الذي هم فيه مختلفون، وذلك بالاستشهاد عليه أَربعة أَدلة مشاهدة لا يستطيعون إِنكارها.
وأَخرج عبد بن حميد وغيره عن قتادة قال: لَمَّا نعت الله - تعالى - ما في الجنة عجب من ذلك أَهل الضلال، فأَنزل : (أَفَلا يَنْظُرُونَ) الآية.
والهمزة للإِنكار والتوبيخ، أَي: أَينكرون البعث وأَحكامه، ويستبعدون وقوعه من قدرة الله فلا ينظرون إِلى الإِبل التي هي نصب أَعينهم، يستعملونها كل حين،
стр. 5516
ولا يستطيعون إِنكارها كيف خلقت خلقًا بديعًا معدولًا به عن سنن خلق سائر أَنواع الحيوانات في عظم جثتها، وشدة قوتها، وعجيب هيئاتها اللائقة بتأَتِّي ما يصدر عنها من الأَعمال الشاقة كنحمل الأَثقال العظيمة وهي باركة؟ ثم إِيصالها الأَحمال الفادحة إِلى مختلف الأَقطار؟ وفي صبرها على الجوع والعطش حتى إِن ظمأَها ليبلغ ثمانية أَيام، وقدرتها على قطع الفيافي والقفار مع لين وسهولة في السير حتى اعتبرت بحق سفينة الصحراءِ؟ وفي أَنها تكتفي في غذائها بما تسير من شوك وشجر وغير ذلك ممَّا لا يكاد يرعاه سائر البهائم! وهي مع ضخامتها تنقاد للضعيف، وتخضع للصغير وتبرك لتحمل من قرب، ثم تنهض بما تحمل! وينتقع بأَصوافها وأَوبارهم وأَلبانها ولحومها! وفيها غير ذلك من المزايا التي لا يماثلها فيها حيوان آخر!
وخُصَّت بالذِّكر لأَنها أَعْجب ما عند العرب، ولهم على أَحوالها أَتم وقوف، وعن الحسن أَنها خُصت بالذكر لأَنها تأْكل النوى والْقَتَّ، وتخرج اللبن، وقيل له: الفيل أَعظم في الأُعجوبة، فقال: العرب بعيدة العهد بالفيل، ثم هو خنزير لا يؤكل لحمه ولا يركب ظهره كما يركب ظهر البعير من غير مشقة في ترويضه، ولا يحلب دره.
والتناسب بينها وبين المتعاطفات عليها -كما قال عصام الدين-: إِن خيال العرب جامع بين الأَربعة، لأَن ما لهم النفيس الإِبل، ومدار السقي لهم على السماءِ، ورعيهم في الأَرض، وحفظ مالهم الجبال.
١٨، ٢٠ - (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ):
أَي: وإِلى السماءِ التي تقع عليها أَبصارهم ليلًا ونهارًا، كيف رُفعت رفعًا بعيد المدى بلا مساك ولا عمد بحيث لا ينال ذلك الفهم والإِدراك؟! وكيف زُيِّنت بنجوم تكثر هذه الكثرة فلا تدخل في حساب الخلق، صنع الله الذي أَتقن كل شيءِ خَلَقَه، كما قال تعالى: "أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ" (١).
стр. 5517
(وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ) على الأَرض نصبًا ثابتًا راسخًا مع ارتفاعها الشَّاهق لئلا تميد الأَرض بأَهلها وتنزلزل، وجعل في تلك الجبال ما جعل ممَّا فيه خيرهم وصلاحهم.
(وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) أَي: مدت بتوطئة وتمهيد، حسبما يقتضيه صلاح أُمور أَهلها بحيث يسهل عليهم أَن يضربوا فيها، ويتقلبوا عليها. فهي كلها بساط واحد تنبسط من الأُفق إِلى الأُفق.
فبهذه الآيات الأَربعة، نُبِّهَ البدوي إِلى استدلال بما شاهده من بعيره الذي يركب عليه والسماء التي فوق رأْسه، والجبل الذي ينتفع بما فيه، والأَرض التي هي مستقرة ومثواه، بها يستدل على أَن من خلق هذه الأَشياءَ الشاهدة على قدرة الخالق العظيم، المالك المتصرف، لا يعجزه أَن يحقق البعث والنشور، وذلك ليرجعوا عمَّا هم عليه من الإِنكار والنفور، ويسمعوا إِنذارك، ويستعدوا ليوم اللقاءِ بالإِيمان والطاعة.
(فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦))
المفردات:
(بِمُصَيْطِرٍ): بمسلط عليهم، قاهر لهم.
(إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى): إِلا مَن أَعرض عن الطاعة.
(إيَابَهُمْ): رجوعهم إِلينا لا إلى غيرنا، من (آب) إِذا رجع.
стр. 5518
التفسير:
٢١ - ٢٤ - (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ * إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ):
بدأَت الآيات بقوله تعالى: (فَذَكِّرْ) فالفاءُ لترتيب الأَمر بالتذكير على عدم النظر في مخلوقات الله الدالة على قدرته البالغة، والتي هي نصب أَعينهم أَي: فاقتصر على التذكير، ولا تلح عليهم، ولا تعبأْ بما يقع منهم من إِعراض عن النظر والتفكير، وقوله -سبحانه- (إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) تعليل للأَمر بالتذكير وتحديد لذلك الأَمر الذي بعث الله لأَجله رسوله ﷺ وهو تذكير الناس بالأَدلة وبما نسوه من أُمور دينهم، وليس في سلطانه ﵊ أَن يخلق الاعتقاد فيهم، أَو أَن يكون رقيبًا على قلوبهم، لأَنه هاد ومرشد، وليس عليه إِلاَّ البلاغ.
(لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) أَي: لست بمتسلط عليهم، تقرهم على ما تريد، وتدفعهم إِليه كقوله تعالى: "وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ" (١).
(إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ) أَي: لكن من أَعرض عن الطاعة وجحد الحق المفروض عليه، فإِن الله تعالى الولاية عليه والقهر.
(فَيُعَذِّبُهُ الله الْعَذَابَ الْأَكَبَرَ): وهو عذاب الآخرة، فإِنه الأَكبر، وعذاب الدنيا بالنسبة إِليه أَصغر، وقيل: المعنى: لست بمصيطر عليهم إِلاَّ من تولَّى وأَقام على الكفر فإِنك مسلط عليه بما يؤذن لك من جهاده وقتله وسبيه وأَسره، وبعد ذلك يعذبه الله - تعالى - في جهنم. فيكون في الآية وعيد لهم بجهادهم وقتالهم. حيث يقتلون ويؤسرون، ويعذاب جهنم في الآخرة، ويجوز أَن يكون إِيعادًا بالجهاد فقط، على أَن المراد بالعذاب الأَكبر: القتل وسبي النساء والأَولاد، وسائر ما يترتب على الجهاد من البلايا، فيكون فيه إِشارة إِلى أَن هذه الأَمة أَكبر عذابها في الدنيا، لا ما كان في الأُمم السابقة من الخسف والمسخ ونحوهما.
стр. 5519
٢٥، ٢٦ - (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ):
تعليل لتعذيبه إِياهم بالعذاب الأَكبر، أَي: إِن إِلينا رجوعهم بالموت والبعث، لا لأَحد سوانا لا استقلالًا، ولا اشتراكًا، بمعنى أَن إِيابهم ليس إِلاَّ إِلى المقتدر على الانتقام الذي لا يملك هذا العذاب سواه.
(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) أَي: إِن حسابهم علينا في المحشر لا على غيرنا، فنحاسبهم على أَعمالهم، ونجازيهم بها جزاءَ أَمثالهم، و (على) في قوله: (عَلَيْنَا) لتأْكيد الوعيد لا للوجوب؛ إِذ لا يجب على الله شيءٌ. وفي تصدير الجملتين بـ "إِنَّ"، وتقديم خبرها، والإِثيان بضمير العظمة، وعطف الثانية على الأُولى بكلمة (ثم) المفيدة لبعد منزلة الحساب في الهول والشدة: ما يدل على غاية السخط الموجب لتشديد العذاب. والله أعلم.
стр. 5520
سورة الفجر
هذه السورة مكية، وآياتها ثلاثون
مناسبتها لما قبلها:
لما ذكر -سبحانه- في السورة السابقة "وُجُوهٌ يَوْمَئذٍ خَاشِعةٌ" و"وُجُوهٌ يَوْمَئذٍ نَاعِمَةٌ" أَتبعه - تعالى- في هذه السورة بذكر طوائف المكذبين والمتجبرين كقوم عاد وثمود، وقوم فرعون، وهؤُلاءِ وجوههم خاشعة ذليلة، وأَشار -سبحانه- إِلى الصنف الآخر الذين اتصفوا بأَن وجوههم ناعمة بقوله - تعالى - (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ" وتلك مناسبة واضحة لمجيءِ هذه السورة بعد السورة السابقة وأَيضًا فيها مما يتعلق بأَمر الغاشية وما فيها.
أَهم مقاصدها:
١ - ذكرت السورة قصص بعض المكذبين لرسل الله، وبينت ما حل بهم من تنكيل، وتدمير (أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ) الآيات.
٢ - أَبرزت ما بدر من الإِنسان حينما اختبره ربه في هذه الحياة بالخير والشر، والغنى والفقر، وأَشارت إِلى طبيعته في حبه لشديد للمال، والرغبة في الاستزادة منه، ولا يسأَلون أَهو من حلال أَم من حرام؟! (فأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ) الآيات.
٣ - تحدثت عن الآخرة وأَهوالها وشدائدها، وعن مجيءِ ربك لفصل القضاءِ والملائكة صفًّا صفًّا، وإِحضار جهنم، وانقسام الناس إِلى سعداءَ، وأَشقياءَ (كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا) الآيات.
٤ - لفتت الأَنظار إِلى ندم المفرطين والعصاة، وأَسفهم في وقت لا ينفع فيه الندم، ولا يجدي الأَسف، بل هم يومئذ يعذبون عذابًا لا مثيل له، ويوثقون وثاقًا بلغ الغاية في الضبط والإِحكام (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) الآيات.
٥ - ختمت السورة ببيان أَن مرجع المؤمن عند الموت إلى الرحمة والرضوان، ونعيم الجنان (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي).
стр. 5521
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤))
المفردات:
(وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ): الزوج والفرد من كل شيءٍ.
(وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) أَي: يمضي بحركة الكون العجيبة، أَو أَقسم بالليل وقت أَن يُسْرَى فيه، وإِسناد السرى إِليه مجاز على حد (ليل نائم) أَي: ينام فيه.
(لِذِي حِجْرٍ) أَي: لذي عقل، سمي به لأَنه يحجر صاحبه ويمنعه عن التهافت فيما لا ينبغي.
(إِرَمَ): هي عاد الأُولى؛ تسمية لهم باسم جدهم، وقيل: إِرم: بلدتهم وأَرضهم التي كانوا عليها.
(ذَاتِ الْعِمَادِ) أَي: أَن قدودهم وقاماتهم كالأَعمدة في الطول.
стр. 5522
(جَابُوا الصَّخْرَ) أَي: قطعوا صخر الجبال، واتخذوا فيها بيوتًا، ومنه: يجوب فلان البلاد، أَي: يقطعها.
(ذِي الأَوْتَادِ) أَي: الجنود الكثيرة، وكانت لهم مضارب كثيرة، يشدون خيامها إِذا نزلوا بالأَوتاد.
(فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ): الصب: التتابع، والسوط: الجلد المضفور، أَي: المجدول، وذلك مجاز عن إِيقاع العذاب بهم على أَبلغ الوجوه؛ إِذ الصب يشعر بالدوام، والوسط بزيادة الإِيلام، بمعنى أَنهم عذبوا عذابًا مؤلمًا دائمًا.
(لَبِالْمِرْصَادِ): وهو المكان الذي يقوم فيه الرصد، وهذا مثل لإِرصاده العباد، وأَنهم لا يفوتونه، وأَنه عالم بما يصدر عنهم، فيجازيهم عليه.
التفسير:
١ - ٥ - (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ):
أَقسم الله -سبحانه- بهذه الأَقسام الخمسة لشرفها وعظمها، ولما فيها من الفوائد الدينية والدنوينة، فأَقسم بالفجر -وهو الصبح- لما يحصل به من ظهور الضوءِ، وانتشار الناس لتحصيل الرزق، وقيل: هو صلاة الفجر؛ لأَنها مشهودة يشهدها ملائكة الليل، وملائكة النهار، وعن مسروق، ومجاهد، ومحمد بن كعب: المراد به فجر يوم النحر خاصة، وهو خاتمة الليالي العشر، كما أَقسم بالليالي العشر لشرفها بما يقع فيها، والمراد بها: عشر ذي الحجة كما قال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف، وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعًا: "مَا مِنْ أَيَّام الْعَمَلُ الصَّالِحُ أَحَبُّ إِلى الله فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّام) يعني عشر ذي الحجة. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبيل الله إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بنَفْسَهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ)، وقيل: المراد العشر الأَول من المحرم وفيها يوم عاشوراء، وقد ورد في فضله ما ورد. وروي
стр. 5523
عن ابن عباس أَنهن العشر الأَواخر من رمضان، واستدل له بعضهم بالحديث المتفق على صحته؛ قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها-: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذاَ دَخَلَ الْعَشْرُ -تعني العشر الأَواخر من رمضان- شَدَّ مِئْزَرَهُ وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أهله" وأَيًّا ما كان فتنكير ليالٍ للتعظيم، وقيل: للتبعيض، لأَنها بعض ليالي السنة أَو الشهر. وكونه للتعظيم والتفخيم أَولى.
(وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) أَي: أَقسم -سبحانه- بشفع الأَشياءٍ ووترها، أَو بشفع هذه الليالي وترها، أَو بشفع الصلاة وترها، أَو بيوم النحر وهو شفع، وبيوم عرفة وهو وتر، وقد كثرت فيها الأَقوال، والله أَعلم بحقيقة الحال.
(وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) أَي: أَقسم بالليل وقت أَن يسري فيه، وإِسناد السُّرى إليه مجاز، على حد "ليل نائم" أَي: يُنام فيه: أَو المراد: أَقسم بالليل إِذ يمضي بقدرة الله العجيبة، كقوله تعالى: "وَاللَّيْلِ إِذَا أَدْبَرَ" والقسم بالليل لما فيه من الستر الذي قد يقتضيه الحال، وجواب هذا القَسَم والأَقسام السابقة محذوف يدل عليه قوله تعالى "أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ" إِلى قوله: "فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ" أَي: ليعذبن الذين كفروا بالله، وأَنكروا البعث أَشد العذاب وأَقساه
(هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْر) المشار إِليه بـ (ذَلِكَ) هو الأَمور الخمسة المقسم بها، والاستفهام للتقرير، أَي: إِن في هذه الأُمور المشتملة على باهر الحكمة وعجيب الصنعة قسمًا مقنعًا لذي عقل ولب فضلا على أَنها مستحقة لأَن يقسم بها تنبيهًا على شأْنها، وفخامة قدرها لإِشارتها إِلى الخالق العظيم.
٦، ٨ - (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ):
استشهاد بعلمه ﵊ بما يدل عليه من تعذيب عاد وأَضرابهم المشاركين لقومه ﷺ في الطغيان والفساد، كأَنه قيل: أَلم تعلم علمًا يوازي العيان في الإِيقان كيف عذب ربك عادًا ونظائرهم؟! فيعذب هؤُلاءِ أَيضًا لاشتراكم فيما يوجبه
стр. 5524
الكفر والمعاصي؟! والاستفهام للتقرير، والمراد بعاد: أَولاد عاد بن إِرم بن عوص بن سام ابن نوح ﵇ وهم قوم هود ﵇ سُمُّوا باسم أَبيهم، كما سمى بنو هاشم هاشمًا.
وقيل لأَوائلهم: عاد الأُولى، ولأَواخرهم: عاد الآخرة، وإِطلاق اسم الأَب على نسله مجاز شائع حتى أُلحق بعضه بالحقيقة.
(إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ): إِرم عطف بيان لعاد زيادة في التعريف بهم، وللإِيذان بأَنهم عاد الأُولى، وهو تسمية لهم باسم جدهم، والأَكثرون على أَنها اسم مدينة عظيمة باليمن، والوصفان لها، والمراد: ذات البناءِ الرفيع، ولقد أَرسل الله إِلى عاد هودًا ﵇ فكذبوه وخالفوه فنجاه الله ونجى من آمن معه منهم، وأَهلكهم بريح صرصر عاتية "سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا" (١) وذكرت قصتهم في القرآن في غير موضع، وكانوا يسكنون خيام الشعر ذات الأَعمدة التي ترفع عليها -عن قتادة وابن عباس في رواية عطاءِ: المراد: ذات الخيام والأَعمدة.
وقد يراد بذات العماد الوصف لإِرم نفسها، بمعنى أَنها ذات القدود الطويلة، على تشبيه قاماتهم بالأَعمدة، واشتهر أَنه كان طول أَحدهم اثني عشر ذراعًا وأَكثر، وقيل غير ذلك.
(الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ): صفة أُخرى لإِرم، أَي: ليس لهم مثيل في عظم الأَجرام، وقوة البطش في بلاد الدنيا، حتى قيل: كان الرجل منهم يحمل الصخرة، ويلقيها على الحي فيهلك كل من فيه، وهم الذين قالوا؛ "مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً" (٢) وكانوا يسكنون عُمَان وحضرموت من بلاد الأَحقاف (٣).
стр. 5525
قال تعالى: "وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ) (١) وقد امتن عليهم -سبحانه- بقوله: "وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً" (٢).
٩ - (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ):
عطف على عاد، وثمود: قبيلة مشهورة، سميت باسم جدهم (ثمود) أَخي جديس، وهما ابنا عامر بن إِرم بن سام بن نوح ﵇ كانوا عربًا من العارية يسكنون الحجر بين الحجاز وتبوك، وكانوا يعبدون الأَصنام، وقد جابوا صخر الجبال أَي: قطعوه، واتخذوا فيها بيوتًا نحتوها من الصخر، كما قال تعالى: "وَتَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ" (٣) وهم أَول من نحت الجبال، والصخور، والرخام، وقيل: إِنهم بنوا أَلفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة بوادي القرى.
١٠ - ١٢ - (وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ):
أَي: وفرعون ذي الجنود الكثيرة، وكانت لهم مضارب متعددة يضربون أَوتادها إِذا نزلوا حتى تستوعب تلك الأَعداد الموفورة، وقيل: إِنه كان يدق للمعذب أَربعة أَوتاد، ويشده مبطوحًا على الأَرض فيعذبه بما يريد من ضرب أَو إِحراق أَو غيرهما.
(الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ): صفة للمذكورين: عاد، وثمود، وفرعون، أَي: وعتوا في البلاد التي كانت لهم وتجاوزوا الحد في الظلم والطغيان:
(فأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) أَي: بالكفر بالله، واقتراف سائر المعاصي.
١٣ - (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ):
المراد: إِيقاع العذاب بهم على أَبلغ الوجوه وأَشدها، إِذ الصب لشيءٍ مائع يشعر بالتتابع والسوط بشعر بزيادة الإِيلام، حيث إِنه شاع استعماله في الجلد المضفور الذي يتخذ عادة للمبالغة في العقاب، أَي: عذبوا عذابًا دائمًا مؤلمًا.
стр. 5526
١٤ - (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ):
تعليل لما قبله، والأَصل في المرصاد المكان الذي يقوم فيه الرصد للمراقبة والاستطلاع. والمراد أَنه - تعالى - يرقب عمل كل إِنسان، ويحصيه عليه، ويجازي بالخير خيرًا، وبالشر شرًّا، ولا يفوته من الخلق أَحد، ولا من أَعمالهم شيءٌ، ومنهم أُولئك الجبابرة الطُّغاة الذين عاثوا في الأَرض فسادًا، واتخذوا الله أَندادًا وشركاء، وأَضرابهم ككفار مكة.
(فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠))
المفردات:
(إِذَا مَا ابْتَلاهُ): عامله معاملة المختبر.
(فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ): أَي ضيقه عليه.
(التُّرَاثَ): المال الموروث.
(أَكْلًا لَمًّا) أَي: شديدًا لا تتركون منه شيئًا، واللَّمُّ: الجمع.
(جَمًّا): كثيرًا مع حرص يقال: جم الماءُ في الحوض: إِذا كثر واجتمع.
стр. 5527
التفسير
١٥ - (فأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ):
هذه الآية وما بعدها كلام متصل بما قبله، أَي: الواجب لمن علم أَن ربه بالمرصاد أَن يسعى للعاقبة ولا يصرف كل همه للعاجلة، كأَنه قيل: إِنه - تعالى - لبالمرصاد من أَجل الآخرة لمراقبة أَحوال عباده ومجازاتهم على أَعمالهم خيرًا كانت أَو شرًّا، فهو - سبحانه- لا يطلب إلا السعي لها، أَما الإِنسان فقد عكس، وأَصبح كل همه الدنيا ولذائذها (إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ) أَي: عامله معاملة المختبر بالغنى واليسار (فأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ) بالمال الوفير، والجاه العريض، وأَسباب القوة والعزة (فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) أَي: أَكرمني بذلك لمزيد استحقاقي له، فيرى أَن الإِكرام في كثرة الحظ من الدنيا، ولم يخطر بباله أَنه فضل تفضل الله به عليه في دنياه ليختبره هل يشكر أَو يكفر؟! كما قال الله - تعالى-: "أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ" (١).
١٦ - (وأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ):
وأَما هو -أَي: هذا الإِنسان- إِذا ما اختبره ربه (فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) أَي: إِنه يرى الهوان والمذلة في الفقر، وقلة الحظ من الدنيا التي هي كل همه، وغفل عن أَن التقتير قد يؤَدي إِلى كرامة الدارين، وأَن التوسعة قد تفضي إِلى خسرانهما، وأَن كل ما يقع قد اقتضته الحكم البالغة لله - تعالى - فإِن الله يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب ويضيق على من يحب ومن لا يحب، فقد يوسع على الكافر وهو مهان، ويضيق على المؤمن وهو مكرم، وإِنما المدار في ذلك على طاعة الله في الحالين؛ بأَن يشكر الله إِذا كان غنيًا، وأَن يصبر إِذا كان فقيرًا.
стр. 5528
١٧ - (كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ):
بدئت الآية بقوله سبحانه (كَلاَّ) لردع الإِنسان عن قوليه المحكيين في الآيات السابقة والتكذيب له فيهما، وقال ابن عباس ﵄ المعنى: لم أَبتله بالغنى لكرامته عليّ، ولم أَبتله بالفقر لهوانه عليّ، بل ذلك لمحض القضاءِ والقدر، قوله -سبحانه- (بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) إِلى آخره، انتقال وترق من ذمه بالقبيح من القول إِلى الأَقبح من الفِعْلِ، وتوجيه الخطاب إِلى كفار مكة الداخلين فيما سبق دخولا أَوليًا لتشديد التقريع أَي: بل لكم أَفعال وأَحوال أَشد شرًا مما ذكر، وأَدل على تهالككم على المال الذي أَكرمكم الله بكثرته فتبخلون به، وتحرمون اليتيم الذي هو أَهل له، وأَحق بالبر به والإِحسان إليه كما جاءَ في الحديث الذي رواه ابن ماجة عن أَبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتَيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يتَيِمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ" وورد أَيضًا: (أَنَا وَكَافِلُ اليَتيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ، وقرن بين أُصبعيه: الوسطى والتي تلي الإِبهام) كما رواه البخاري ومسلم.
١٨ - (وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ):
أَي: لا يحض بعضكم بعضًا على إِطعام المساكين، ولا تأْمرون به، والمراد من المسكين، ما يعم الفقير.
١٩ - (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا):
أَي: وتأْكلون المال الموروث أَكلا ذا كمٍّ وجمع من أَي جهة حصل لكم من حلال أَو حرام، وكانوا لا يورثون النساء والصبيان، ويأْكلون أَنصباءَهم ويقولون: لا يأْكل الميراث إِلا من يقاتل ويحمي الحوزة، أَو يأْكلون ما تركه المورث سواء أَجَمَعَه من حلال أَم من حرام عالمين بذلك.
وفي الكشاف: يجوز أَن يذم الوارث الذي ظفر بالمال سهلا مهلا من غير أَن يفرق في جمعه فيسرف في إِنفاقه، ويأْكله أَكلا واسعًا جامعًا.
стр. 5529
٢٠ - (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا):
أَي: كثيرًا، كما قال ابن عباس. وزاد بعضهم: فاحشا، والمراد: أَنكم تحبونه مع حرص وشره، والْجَمُّ: الكثير.
(كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦))
المفردات:
(دَكًّا دَكًّا) الدك: الهدم وكسر الحائط، والجبل، أَي: دكت الأَرض مرة بعد أُخرى حتى صارت هباءً منشورًا.
(وَجَاءَ رَبُّكَ) أَي: أَمره وقضاؤُه.
(وأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى): ومن أَين له التذكر؟! استفهام إنكاري لتحقيق أَنه ليس يتذكر لعدم جدواه ولوقوعه بعد أَوانه.
التفسير:
٢١ - (كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا):
يخبر - تعالى - عما يقع يوم القيامة من الأَهوال العظيمة، والشدائد المذهلة فيقول: (كَلاَّ) وهي ردع وزجر لهم عن أَفعالهم القبيحة، وقد يكون معناها "حقًّا" وقوله
стр. 5530
- سبحانه-: (إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا) إِلى آخره استئناف جيءَ به بطريق الوعيد تعليلا للردع.
أَي: إِذا هدم كل ما على الأَرض بالدك والزلزلة مرة بعد أُخرى حتى انكسر وتفتت، وأَصبح كل ما على وجهها من جبال، وقصور وأَبنية وحصون هباءً منشورًا، وتكرير الدك للاستيعاب، بمعنى أَنها دكت دكا متتابعًا، وقال المبرد: الدك: حط المرتفع بالبسط والتسوية، وعليه فالمعنى: إِذا سويت الأَرض تسوية بعد تسوية، ولم يبق على وجهها شيءٌ حتى صارت كالصخرة الملساءِ،، وأَيا ما كان فهو عبارة عمَّا عرض لها عند النفخة الثانية.
٢٢ - (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا):
أَي: وجاءَ أَمر ربك وقضاؤُه بحذف المضاف للتهويل، واختار جماعة أَنه تمثيل لظهور آيات اقتداره، ووضوح آثار قدرته وسلطانه ورأَي السلف ﵃ أَنه مجيء من غير تكييف ولا تمثيل نؤمن به ولا نطلب معناه.
(وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) أَي: جنسهم، فيشمل ملائكة السموات والأَرض جميعًا، يجيئون بين يدي ربهم مصطفين، أَو ذوي صفوف، فإِنه قيل: ينزل ملائكة كل سماءٍ فيصطفون صفا بحسب مراتبهم ومنازلهم محدقين بالإِنس والجن. وروي أَن ملائكة كل سماءٍ تكون صفا حول الأَرض، فالصوف سبعة على ما هو الظاهر، والآية تصور لنا الهيبة والعظمة، وظهور السلطان الإِلهي في ذلك اليوم.
٢٣ - (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى):
أَي: وكشفت جهنم يوم القيامة للناظرين بعد أَن كانت غائبة عنهم، فالمجيء متجوز فيه كما في قوله تعالى: "وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى" (١)، وقوله سبحانه: "وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ" (٢) والأَرجح أَن يكون المجيءُ على حقيقته، فقد أَخرج مسلم والترمذي
стр. 5531
وابن جرير وغيرهم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون أَلف زمام، مع كل زمام سبعونه أَلف ملك يجرونها)، وفي رواية بزيادة (حتى تُنصب على يسار العرش لها تَغَيّظ وزفير).
قال الآلوسي: وحمله على المجاز لا يدعو إِليه إِلاَّ استحالة الانتقال الذي يقتضيه المجيء الحقيقي، وهو لعمري غير مستحيل، فيجوز أَن تخرج وتنتقل من محلها في الحشر ثم تعود إِليه، والحال في ذلك اليوم وراءَ ما تتخيله الأَذهان. أهـ.
(يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ) أَي: في ذلك اليوم العصيب؛ والموقف الرهيب تذهب الغفلة ويتذكر الإِنسان عمله الذي نسيه، وفرط فيه، وذلك بمشاهدة آثاره وأَحكامه، أَو بمشاهدة عينه، بناءً على أَن الأَعمال تتجسم في النشأَة الآخرة، فتبرز كل من الحسنات والسيئات بما يناسبها من الصور الحسنة أَو القبيحة أَو (يتذكر) من التذكر بمعنى الاتعاظ، أَي: يتعظ بما ترى من آثار قدرة الله وبالغ عظمته، وقوله - سبحانه -: (وأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى) اعتراض جيءَ به لتحقيق أَن ما وقع منه ليس بتذكر حقيقة لخلوه عن الفائدة؛ لكونه وقع في غير أَوانه، أَي: ومن أَين تكون له منفعة الذكرى وقد فات وقتها بمضي الحياة التي أَضاعها بغفلته؟! ولو كان على بصيرة من أَمره لعلم أَن الحياة هي دار العمل ولا جزاءَ فيها، وأَن الآخرة التي تذكر فيها هي دار الجزاءِ ولا عمل فيها.
٢٤ - (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي):
استئناف وقع جوابًا عن سؤال مقدر، كأَنه قيل: ماذا يكون عند تذكره؟ فقيل: (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) أَي: يدفعه ما يقبض به نفسه من الندم والحسرة إِلى أَن يقول: يا ليتني قدمت عملًا صالحًا ينفعني في آخرتي فهي حياتي في الباقية، أَو يا ليتني قدمت وعملت أَعمالًا نافعة وقت حياتي في الدنيا لأَنتفع بها اليوم.
٢٥، ٢٦ - (فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ):
ففي ذلك اليوم الذي ذكر فيه ما سبق من الأَحوال والأَقوال كدك الأَرض، ومجيء ربك والملائكة صَفًّا صَفًّا، وكشف جهنم للناظرين أَو الإتيان بها، وتذكر الإِنسان لما نسيه في
стр. 5532
ذلك اليوم (لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) الهاءُ إِما لله، أَي: لا يتولى عذاب الكافر ووثاقه بتقييده بالسلاسل والأَغلال لا يتولى ذلك أَحد ولا يباشره أَحد إِلاَّ الله، إِذ الأَمر كله له - تعالى - في ذلك اليوم، والمراد أَنه ليس أَحد أَشد عذابًا من تعذيب الله لذلك الكافر وإِما أَن تكون الهاء للإِنسان الموصوف، أَي: لا يُعَذَّب ولا يوثق أَحد من الزبانية أَحدًا من أَهل النار مثل ما يعذبون ذلك الكافر ويوثقونه، كأَنه أَشدهم عذابًا ووثاقًا. لأَنه أَكثرهم سيئات وقبائح، وبعد أَن ذكر الأَلوسي هذا الوجه قال: وهو وجه حسن، بل هو أَرجح من الأَول، وقيل: إِن الضمير يراد به أُبي بن خلف، أَي: لا يعذب أَحدًا أَبدًا مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه لتناهيه في كفره وعناده أَحد.
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠))
المفردات:
(رَاضِيَةً): بما أَعطاها الله من النعم الكثيرة.
(مَرْضِيَّةً): يرضى الله عنها بما قدمت من عمل صالح.
(فِي عِبَادِي) أَي: في زمرة عبادي الصالحين.
التفسير
٢٧، ٢٨ - (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً):
الآيتان وما بعدهما حكاية لأَحوال من اطمأَن بذكر الله وطاعته من النفوس الزكية المطمئنة إِثر حكاية من اطمأَن إِلى الدنيا وسكن إِليها من المجرمين الظالمين.
стр. 5533
والمعنى: ينادي الله النفس المطمئنة، أَي: يقول الله لها (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ) الآية إِما دون واسطة إِكرامًا لها كما كلم موسى، وإِمَّا على لسان ملك، واستظهر أَن ذلك القول عند تمام الحساب، وقيل: عند البعث، وقيل: عند دخول الجنة، ويراد بها النفس الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا فزع يوم القيامة، المتوفاة على الإِيمان، المطمئنة إِلى الحق الواصلة إِلى ثلج اليقين وبرودته بحيث لا يخالطها شك، ولا يمازجها سخونة اضطرب القلب في الحق أَصلا، لأَنها إِذا وصلت إِلى معرفته - تعالى - حق المعرفةى اطمأَنت واستغنت به -سبحانه- عن وجودها، وسائر شئونها، ولم تلتفت إِلى ما سواه - جل وعلا - وذلك أَعلى مراتب الاطمئنان.
(ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ) أَي: إِلى محل عنايته - تعالى - وموقف كرامته وإِلى ما أَعد لعباده في جنته، ولا يخفى ما في قوله -سبحانه-: (إِلَى رَبِّكِ) من مزيد اللطف (رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) أَي: راضية بما تعطاه من النعم الكثيرة، ومرضية عند الله بما عملت رضي عنها وأَرضاها.
٢٩، ٣٠ - (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي):
أَي: فادخلي في زمرة عبادي الصالحين المخلصين وانتظمي في سلكهم، واستضيئي بضوئهم.
(وَادْخُلِي جَنَّتِي) أَي: مع عبادي، ويراد بهم الخواص كما قال تعالى: "وأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ" (١) وكان الأَمر بالدخول في جملة عباد الله الصالحين إِشارة إِلى السعادة الروحانية لكمال استئناس النفس بالجليس الصالح. والأَمر بدخول الجنة إِشارة إِلى السعادة الجسمانية.
стр. 5534
ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت الآيات، فروى الضحاك عن ابن عباس ﵄ أَنها نزلت في عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - حين اشترى بئر رومة وجعلها سقاية للناس، وقيل: نزلت في خبيب بن عدي الذي صلبه أَهل مكة، وجعلوا وجهه إِلى المدينة فقال: اللهم إِن كان لي عندك خير، فحول وجهي نحو قبلتك، فحول الله وجهه نحوها. فلم يستطيع أَحد أَن يحوله بعدُ، وقيل: هي عامة في المؤمنين؛ إِذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والله أَعلم.
стр. 5535
سورة البلد
هذه السورة مكية، وآياتها عشرون
صلتها بما قبلها:
لَمَّا ذم الله في السورة التي قبلها - وهي (سورة الفجر) - ونعى على من أَحب المال حبا جما وأَكل التراث أَكلًا لَمًّا جمع فيه بين الحلال والحرام وما يحمد وما لا يحمد، ولم يخص ويحث على إِطعام المسكين، ذكر هنا - جل شأْنه - الخصال التي تطلب من صاحب المال لينجومن العذاب الأَليم ويقي نفسه من غضب ربه، وهذه الخصال هي تخليص العبيد من الرقّ، وإِطعام ذوي الفاقة والحاجة.
وكذا لَمَّا ذكر هنا النفس المطمئنة ذكر هنا بعض ما يحصل به اطمئنان نفس الرسول والمؤمنين، حيث وعد الله رسوله ﷺ بدخول مكة وفتحها.
بعض مقاصد السورة:
١ - بدأَت السورة الكريمة بالقَسَم بمكة لحرمتها وشرفها؛ لأَن فيها أَول بيت وضعه الله لعبادته - تعالى - ولأَنها مولد الرسول ﷺ وموطن آبائه من لدن إِسماعيل - عيله السلام - إِيماءً إِلى شرف رسوله، وتعظيمًا لمنزلته ومكانته عند ربه.
٢ - أَبانت السورة أَن الإِنسان قد جعله الله في مكابدة ومشقة من يوم ولادته إِلى يوم القيامة، إشارة إِلى أَن العاقل ينبغي أَن يؤمن ويعمل صالحًا كي يدخل الجنة فيحسن ماله وينعم في أُخراه؛ فيستريح من معاناة الشدائد، ولا تسلمه أَعماله القبيحة إِلى النار وبئس المصير (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ).
٣ - جاءَت السورة بنعم جليلة امتن الله بها على عباده؛ حثًّا لهم على أَن يؤدوا شكرها ويقوموا بحقها ويجاهدوا في تحقيقها؛ حتى يجتازوا العقبة الكثود التي تعترض طريقهم إِلى الجنة، وذلك بإِنفاق المال في فك إِسار الأَرقاءِ من قيد العبودية، وفي إِطعام الفقراءِ واليتامى والمساكين، وذلك بعد أَن يكون الإِيمان قد تمكن من قلوبهم: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ … ) إِلى قوله تعالى -: (وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ).