وابن جرير وغيرهم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون أَلف زمام، مع كل زمام سبعونه أَلف ملك يجرونها)، وفي رواية بزيادة (حتى تُنصب على يسار العرش لها تَغَيّظ وزفير).
قال الآلوسي: وحمله على المجاز لا يدعو إِليه إِلاَّ استحالة الانتقال الذي يقتضيه المجيء الحقيقي، وهو لعمري غير مستحيل، فيجوز أَن تخرج وتنتقل من محلها في الحشر ثم تعود إِليه، والحال في ذلك اليوم وراءَ ما تتخيله الأَذهان. أهـ.
(يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ) أَي: في ذلك اليوم العصيب؛ والموقف الرهيب تذهب الغفلة ويتذكر الإِنسان عمله الذي نسيه، وفرط فيه، وذلك بمشاهدة آثاره وأَحكامه، أَو بمشاهدة عينه، بناءً على أَن الأَعمال تتجسم في النشأَة الآخرة، فتبرز كل من الحسنات والسيئات بما يناسبها من الصور الحسنة أَو القبيحة أَو (يتذكر) من التذكر بمعنى الاتعاظ، أَي: يتعظ بما ترى من آثار قدرة الله وبالغ عظمته، وقوله - سبحانه -: (وأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى) اعتراض جيءَ به لتحقيق أَن ما وقع منه ليس بتذكر حقيقة لخلوه عن الفائدة؛ لكونه وقع في غير أَوانه، أَي: ومن أَين تكون له منفعة الذكرى وقد فات وقتها بمضي الحياة التي أَضاعها بغفلته؟! ولو كان على بصيرة من أَمره لعلم أَن الحياة هي دار العمل ولا جزاءَ فيها، وأَن الآخرة التي تذكر فيها هي دار الجزاءِ ولا عمل فيها.
٢٤ - (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي):
استئناف وقع جوابًا عن سؤال مقدر، كأَنه قيل: ماذا يكون عند تذكره؟ فقيل: (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) أَي: يدفعه ما يقبض به نفسه من الندم والحسرة إِلى أَن يقول: يا ليتني قدمت عملًا صالحًا ينفعني في آخرتي فهي حياتي في الباقية، أَو يا ليتني قدمت وعملت أَعمالًا نافعة وقت حياتي في الدنيا لأَنتفع بها اليوم.
٢٥، ٢٦ - (فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ):
ففي ذلك اليوم الذي ذكر فيه ما سبق من الأَحوال والأَقوال كدك الأَرض، ومجيء ربك والملائكة صَفًّا صَفًّا، وكشف جهنم للناظرين أَو الإتيان بها، وتذكر الإِنسان لما نسيه في
стр. 5532
ذلك اليوم (لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) الهاءُ إِما لله، أَي: لا يتولى عذاب الكافر ووثاقه بتقييده بالسلاسل والأَغلال لا يتولى ذلك أَحد ولا يباشره أَحد إِلاَّ الله، إِذ الأَمر كله له - تعالى - في ذلك اليوم، والمراد أَنه ليس أَحد أَشد عذابًا من تعذيب الله لذلك الكافر وإِما أَن تكون الهاء للإِنسان الموصوف، أَي: لا يُعَذَّب ولا يوثق أَحد من الزبانية أَحدًا من أَهل النار مثل ما يعذبون ذلك الكافر ويوثقونه، كأَنه أَشدهم عذابًا ووثاقًا. لأَنه أَكثرهم سيئات وقبائح، وبعد أَن ذكر الأَلوسي هذا الوجه قال: وهو وجه حسن، بل هو أَرجح من الأَول، وقيل: إِن الضمير يراد به أُبي بن خلف، أَي: لا يعذب أَحدًا أَبدًا مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه لتناهيه في كفره وعناده أَحد.
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠))
المفردات:
(رَاضِيَةً): بما أَعطاها الله من النعم الكثيرة.
(مَرْضِيَّةً): يرضى الله عنها بما قدمت من عمل صالح.
(فِي عِبَادِي) أَي: في زمرة عبادي الصالحين.
التفسير
٢٧، ٢٨ - (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً):
الآيتان وما بعدهما حكاية لأَحوال من اطمأَن بذكر الله وطاعته من النفوس الزكية المطمئنة إِثر حكاية من اطمأَن إِلى الدنيا وسكن إِليها من المجرمين الظالمين.
стр. 5533
والمعنى: ينادي الله النفس المطمئنة، أَي: يقول الله لها (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ) الآية إِما دون واسطة إِكرامًا لها كما كلم موسى، وإِمَّا على لسان ملك، واستظهر أَن ذلك القول عند تمام الحساب، وقيل: عند البعث، وقيل: عند دخول الجنة، ويراد بها النفس الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا فزع يوم القيامة، المتوفاة على الإِيمان، المطمئنة إِلى الحق الواصلة إِلى ثلج اليقين وبرودته بحيث لا يخالطها شك، ولا يمازجها سخونة اضطرب القلب في الحق أَصلا، لأَنها إِذا وصلت إِلى معرفته - تعالى - حق المعرفةى اطمأَنت واستغنت به -سبحانه- عن وجودها، وسائر شئونها، ولم تلتفت إِلى ما سواه - جل وعلا - وذلك أَعلى مراتب الاطمئنان.
(ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ) أَي: إِلى محل عنايته - تعالى - وموقف كرامته وإِلى ما أَعد لعباده في جنته، ولا يخفى ما في قوله -سبحانه-: (إِلَى رَبِّكِ) من مزيد اللطف (رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) أَي: راضية بما تعطاه من النعم الكثيرة، ومرضية عند الله بما عملت رضي عنها وأَرضاها.
٢٩، ٣٠ - (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي):
أَي: فادخلي في زمرة عبادي الصالحين المخلصين وانتظمي في سلكهم، واستضيئي بضوئهم.
(وَادْخُلِي جَنَّتِي) أَي: مع عبادي، ويراد بهم الخواص كما قال تعالى: "وأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ" (١) وكان الأَمر بالدخول في جملة عباد الله الصالحين إِشارة إِلى السعادة الروحانية لكمال استئناس النفس بالجليس الصالح. والأَمر بدخول الجنة إِشارة إِلى السعادة الجسمانية.
стр. 5534
ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت الآيات، فروى الضحاك عن ابن عباس ﵄ أَنها نزلت في عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - حين اشترى بئر رومة وجعلها سقاية للناس، وقيل: نزلت في خبيب بن عدي الذي صلبه أَهل مكة، وجعلوا وجهه إِلى المدينة فقال: اللهم إِن كان لي عندك خير، فحول وجهي نحو قبلتك، فحول الله وجهه نحوها. فلم يستطيع أَحد أَن يحوله بعدُ، وقيل: هي عامة في المؤمنين؛ إِذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والله أَعلم.
стр. 5535
سورة البلد
هذه السورة مكية، وآياتها عشرون
صلتها بما قبلها:
لَمَّا ذم الله في السورة التي قبلها - وهي (سورة الفجر) - ونعى على من أَحب المال حبا جما وأَكل التراث أَكلًا لَمًّا جمع فيه بين الحلال والحرام وما يحمد وما لا يحمد، ولم يخص ويحث على إِطعام المسكين، ذكر هنا - جل شأْنه - الخصال التي تطلب من صاحب المال لينجومن العذاب الأَليم ويقي نفسه من غضب ربه، وهذه الخصال هي تخليص العبيد من الرقّ، وإِطعام ذوي الفاقة والحاجة.
وكذا لَمَّا ذكر هنا النفس المطمئنة ذكر هنا بعض ما يحصل به اطمئنان نفس الرسول والمؤمنين، حيث وعد الله رسوله ﷺ بدخول مكة وفتحها.
بعض مقاصد السورة:
١ - بدأَت السورة الكريمة بالقَسَم بمكة لحرمتها وشرفها؛ لأَن فيها أَول بيت وضعه الله لعبادته - تعالى - ولأَنها مولد الرسول ﷺ وموطن آبائه من لدن إِسماعيل - عيله السلام - إِيماءً إِلى شرف رسوله، وتعظيمًا لمنزلته ومكانته عند ربه.
٢ - أَبانت السورة أَن الإِنسان قد جعله الله في مكابدة ومشقة من يوم ولادته إِلى يوم القيامة، إشارة إِلى أَن العاقل ينبغي أَن يؤمن ويعمل صالحًا كي يدخل الجنة فيحسن ماله وينعم في أُخراه؛ فيستريح من معاناة الشدائد، ولا تسلمه أَعماله القبيحة إِلى النار وبئس المصير (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ).
٣ - جاءَت السورة بنعم جليلة امتن الله بها على عباده؛ حثًّا لهم على أَن يؤدوا شكرها ويقوموا بحقها ويجاهدوا في تحقيقها؛ حتى يجتازوا العقبة الكثود التي تعترض طريقهم إِلى الجنة، وذلك بإِنفاق المال في فك إِسار الأَرقاءِ من قيد العبودية، وفي إِطعام الفقراءِ واليتامى والمساكين، وذلك بعد أَن يكون الإِيمان قد تمكن من قلوبهم: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ … ) إِلى قوله تعالى -: (وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ).
стр. 5536
ثم ختمت السورة الكريمة ببيان أَن الناس يوم القيامة صنفان: أَهل اليمين والبركة أَوأَصحاب الجنة: (أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) وصنف الشؤْم والبوار، أَو أَهل النار: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤))
المفردات:
(حِلٌّ): حلال، أَي: يحل لك أَن تقاتل فيها، وقيل غير ذلك وسيأْتي.
(فِي كَبَدٍ): في مشقة وشدة، وأَصله: من كبد الشخص كبدًا: إِذا وجعه كبده، ثم استعمل في كل تعب ومشقة.
التفسير
١ - (لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ):
المراد بالبلد هنا: مكة المكرامة - زادها الله تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا - وفضلها معروف ومعلوم؛ حيث جعلها الله - تعالى - حرمًا آمنًا، وجعل مسجدها قبلة لأَهل الأَرض جميعًا "وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ" (١)، وجعل من دخله كان آمنًا، وشرف مقام إِبراهيم فقال -سبحانه-: "وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى" (٢) وأَمر الناس بحج هذا البيت
стр. 5537
"وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ" (١) كما قال في حقه -تعظيمًا له-: "وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وأَمْنًا" (٢) وقد حرام -سبحانه- صيد هذا المكان المبارك، وقطع شجرة، وجعله بإِزاءِ البيت المعمور في السماءِ، إِلى غير ذلك من الفضائل والمزايا التي لا تتأَتى لغيره من الأَمكنة في الأَرض سوي البقعة الطيبة المباركة التي دفن فيها سيدنا رسول الله ﷺ فهي أَفضل مكان في الأَرض وفي السماءِ؛ لأَنها تضم جسده الشريف.
هذا، وفي رحاب مكة المكرمة يكون التلاقي حيث البيت العتيق في ابتداءِ الأَمر أَول بيت وضع للناس، ثم رسالة سيدنا محمد ﷺ تأْتى في النهاية خاتمة للرسالات، فيجمع الله لتلك البقعة المباركة بين عظيم البدءِ وكريم النهاية.
ولَمَّا اجتمعت هذه الفضائل لمكة أَقسم الله بها، وله -سبحانه- أَن يقسم بما شاءَ على ما شاء، قال تعالى: (لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) أَي: أُقسم بهذا البلد لشرف مكانته وسموّ منزلته وحرف (لا) هنا لتأْكيد القسم وتقويته، وهذا كثير ومأْلوف في اللغة العربية.
٢ - (وأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ):
هذا وعد من الله لرسوله بأَنه سينزله ويمكنه من البلد الحرام (مكة) ويحلها له فيفتحها ويقاتل بها ويقتل من شاءَ ويترك من شاءَ، وقد جعل الله له ذلك يوم الفتح، فقد أَمر رسول الله ﷺ بقتل عبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة يوم الفتح، قال ﷺ : "إِنَّ الله - تعالى - حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَات وَالْأَرْضَ فَهِيَ حَرَامٌ إِلى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، لَم تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْليِ، وَلَنْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا يُخْتَلى خَلاهَا، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلا تَحِلُّ لُقْطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ" (٣)، فقال العباس: إِلاَّ الإِذخِر (٤)؛ فإِنها لقيوننا (٥) وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ : "إِلاَّ الْإِذْخِر".
стр. 5538
وقيل في قوله تعالى: (وأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ): إِنَّ الكفار كانوا يحترمون هذا البلد ولا ينتهكون فيه الحرمات، ولكنهم كانوا يستحلون إِيذاءَك، ولو تمكنوا منك لقتلوك، فأَنت حل في اعتقادهم لا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك مع إِكرام الله - تعالى - إِياك بالنبوة، فعن شرحبيل: يحرمون أَن يقتلوا بها صيدًا أَو بعضدوا بها شجرة ويستحلون إِخراجك وقتلك، وعلى هذا فيكون المقام تثبيت لرسول الله ﷺ وبعث له على احتمال ما كان يكابد ويعاني في أَهل مكة، المقام تثبيت لرسول الله ﷺ وبعث له على احتمال ما كان يكابد ويعاني من أَهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوتهم له.
وقيل المعنى: وأَنت مقيم وحالٌ بها، فكأَنه - تعالى - عظَّم مكة من جهة أَنه ﷺ مقيم بها، إِلى غير ذلك من الأَقوال، والآية الكريمة تتسع لكل هذه المعاني.
٣ - (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ):
هذا عطف على قوله - تعالى -: (بِهَذَا الْبَلَدِ) وداخل في المقسم به، أَي: وأُقسم بوالد وبما ولد، والمراد بالوالد هو آدم ﵇ وبما ولد: هم جميع ذريته، أَقسم بهم -سبحانه- إِذْ إِنهم أَعجب ما خلق الله على وجه الأَرض لما منحهم -جل شأْنه- من البيان والنطق والتدبير، واستخراج المعلوم، واستعمار الأَرض، وفيهم الأَنبياء، والدعاة إِلى الله، والأَنصار لدينه، بل إِن كل ما في الأَرض مخلوق لهم، قال تعالى: "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا" (١).
وأَمر الملائكة بالسجود لآدم، وعلَّمه الأَسماءَ كلها، قال -سبحانه-: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" (٢)، وقيل: أَقسم -جل شأْنه- بآدم والصالحين من ذريته بناءً على أَن الصالحين والمفسدين كأَنهم ليسوا من أَولاده، أَو أَراد بالوالد إِبراهيم وإِسماعيل ﵉ وما ولد: محمد ﷺ وذلك لأَن إِبراهيم وإِسماعيل قد أقاما البيت في مكة، ومحمد ﷺ والمؤمنون سكانها.
стр. 5539
ويحتمل أَن الوالد: النبيّ ﷺ لتقدم ذكره بقوله تعالى: "وَأَنتَ حِلٌّ) وما ولد: أُمته؛ لقوله ﵊: "إِنَّما أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدهِ" (١) فأَقسم به وبأُمته بعد أَن أَقسم ببلده مبالغة في تشريفه ﵊.
٤ - (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ):
هذا جوب القسم، أَي: أَقسم بالبلد الحرام ووالد وما ولد لقد أَوجدنا الإِنسان محاطًا بتعب ومشقة وعناءٍ، فإِنه لا يزال يقاسي ضروب الشدائد وفنون المتاعب من وقت نفخ الروح فيه إِلى حين نزعها منه وما وراء ذلك؛ فقد خلقه الله أَطوارًا كلها شدة ومشقة، تارة في بطن أُمه، ثم زمان الإِرضاع، ثم إِذا بلغ يكون الكد والتعب في تحصيل المعاش، ويكابد كذلك في أَمر دينه وذلك بالشكر على السَّرَّاءِ والصبر على الضَّرَّاءِ، ويعاني ويُكابد المشاق في أداءِ العبادات، ثم الموت ومساءَلة الملك وظلمة القبر، ثم البعث والعرض على الله إِلى أَن يستقر به القرار إِماَّ في الجنة وإِمَّا في الجنة وإِمَّا في النار.
(أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠))
المفردات:
(لُبَدًا): جمَّا كثيرًا.
(النَّجْدَيْنِ): طريقي الخير والشر، أَو الثديين.
стр. 5540
التفسير
٥ - (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ):
أَي: أَيظن هذا الشقي الذي يؤدى ويناوئ الرسول ويصد عن سبيل الله ويستذل المؤمنين ويستضعفهم، أَيظن أَلاَّ يقدر أَحد على أَن ينال منه أَو يصيبه بالأَذى والضرر، ويخال ويظن أَنه يقونه وجبروته وماله وسلطانه لا يقدر أَحد على الانتقام منه ومكافأَته على سوءِ صنيعه؟ إِن الله خلقه في المشاق والشدائد والمكابدة التي لا يستطيع منها فكاكًا ولا تحولًا إِنه - سبحانه- قادر عليه لا يفلت من قبضته ولا يهرب من سلطانه، فهو وغيره من المخلوفات كلها تحت قهر عظمته ورهن قدرته ووفق مشيئته وإِرادته، ولو كان الأَمر للإِنسان لما اختار هذه الشدائد.
والاستفهام هنا جاءَ إِنكارًا وتهديدًا لكل إِنسان بدر منه ذلك، وإِن قيل: إِن الآية نزلت في أَشخاص بأَعيانهم كأَبي الأَشد أُسيد بن كلدة الجمحي، أَو الوليد بن المغيرة، أَو أَبي جهل عمرو بن هشام، أَو الحارث بن عامر.
٦ - (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا):
أَي: يقول هذا الصِّنف من الناس -افتخارًا واعتزازًا بما لديه من طريف المال وتليده- يقول: أَهلكت وأَنفقت مالًا كثيرًا في المفاجر والعظائم والمعالي والمكارم، فمن الذي يحاسبني عليه، وفي الحق أَن الأَمر ليس كما يزعم هذا السفيه، بل إِن الأَموال التي أَهلكها كانت معول هدم وأَداة تخريب وتسلُّط. وانتهاكًا للحرمات، وترويعًا للآمنين، وتعبيدًا للأَحرار وهتكًا للأَعراض، وسفكًا للدماءٍ، وتضييعًا للعقول، وكانت عاقبة أَمرها سوءًا وذلك باستعمالها للصدّ عن سبيل الله وإِيذاءِ رسوله ﷺ والتنكيل بمن آمن به وصدق، وهذا السفيه وأَمثاله مع ذلك يحسبون أَنهم يحسنون صنعًا، وأَنهم إِذا رجعوا إِلى ربهم يوم القيامة ستكون لهم العاقبة الحسنى، وقد حكى الله عنهم ذلك بقوله: "وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى" (١) وكَذَبُوا؛ فقد خيَّب الله ظنهم ورد عليهم بقوله: "فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 5541
بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ" (١)، ويقول: "وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا" (٢). هذا وإِن الله سيحاسبهم على أَموالهم من أَين اكتسبوها وقيم أَنفقوها، ولا تزول أَقدامهم يوم القيامة حتى يسأَلوا عن ذلك.
هذا وقد عبر عن الإِنفاق في هذه الوجوه السيئة بالإِهلاك إِظهارًا لعدم المبالاة، وأَنه لم يفعل ذلك رجاءَ نفع، أَو أَنه إِشارة إِلى أَنه مال ضائع لا خير فيه، أَو يقول ذلك إِعلانًا عن شدة عداوته لرسول الله ﷺ .
٧ - (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ):
أَي: أَيظن ذلك المغرور الأَحمق أَن أَحداً لم يره حين أَنفق وأَهلك هذا المال في تلك الموبقات والمهالك والسفاهات، أَيظن أَن ذلك يخفى على الله الرقيب العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية في الأَرض ولا في السماء؟! إِنه -سبحانه - مطلع عليه، وسيحاسبه يوم القيامة ويجازيه على ما قدم.
٨ - ١٠ - (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ):
جاءَت هذه الآيات البينات تذكيرًا لذلك المشرك بنعم الله عليه ليتغظ ويعتبر ويرجع إِلى ربه، أَي: أَلم نجعل ونخلق له عينين يبصر بهما، وينظر ويتصرف على ما ينفعه وما يضره، ويتفكر بعد النظر في ملكوت السموات والأَرض، ويرى من بديع صنع الله وكمال إبداعه ما يدلَّه على ربه، وأَلم نجعل له لسانًا لافِظاً ينطق به ويكون ترجمانًا عماً يختلج به فؤاده، وما يتردد في صدره، ويكون لسانه أَداة للتآلف والتعارف بينه وبين بني البشر جميعًا؛ اقتدار لهم على إِعمار الأَرض واستقرار الحياة فيها، وأَلم نجعل له شفتين يطبقهما على فمه منعا من تناثر الطعام، وتمكينًا له من نطق سديد لتقيم التفاهم بين الناس، كما وأَن الشفتين للإِنسان مظهر من مظاهر تناسق خلقته وكمالها، فهما آية وعلامة على تكريم
стр. 5542
الله له وكمال عنايته به، روى الحافظ ابن عساكر عن مكحول قال: قال النبي ﷺ : "يَقُولُ الله تعالى: يَابْنَ آدَمَ: قَدْ أَنْعَمْتُ عَلَيْكَ نِعمًا لا تُحْصِي عَدَدَهَا، وَلا تُطِيقُ شُكْرَهَا وَإِنَّ مِمَّا أَنعَمْتَ بهِ عَليْكَ أَنْ جَعَلْتُ لَكَ عَيْنَيْن تَنْظُرُ بِهمَا، وَجَعَلْتُ لَهُمَا غِطَاءً فَانْظُرْ بعَيْنَيْكَ إِلى مَا أَحْلَلْتُ لَك، وإِنْ رأَيْتَ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ فأَطْبِقْ عَلَيْهِمَا غِطَاءَهُمَا، وَجَعَلُتْ لَكَ لِسَانًا، وَجَعَلْتُ لَكَ غِلاقًا فَانْطِقْ بِمَا أَمَرْتُكَ وأَحْلَلْتُ لَك، وَإِنْ عُرضَ عَليْكَ مَا حَرَّمتُ عَليْكَ فأَغْلِقْ عَليْكَ لِسَانَكَ، وَجَعَلْتُ لَكَ فَرْجًا، وَجَعَلْت لَهُ سِتْرًا، فأَصِبْ بفَرْجكَ مَا أَحْلَلْتُ لَكَ، فَإِنْ عُرضَ عَلَيْكَ مَا حَرَّمْتُ عَليْكَ فأَرْخ عَلَيْكَ سِتْرَك، ابْنَ آدَمَ: إِنَّكَ لا تَحْمِلُ سُخْطِي وَلا تُطِيق انْتِقَامِي".
(وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ):
أَي: وأَرشدناه إِلى طريق الخير ليسلكه فينجو ويفلح، وبينا له طريق الشر لينأَى عنه ويتجنبه كيلا يهلك، وذلك حتى لا يكون للناس على الله حجة. روي عن قتادة قال: ذُكر لنا أَن النبي ﷺ كان يقول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا هُمَا النَّجْدانِ: نَجْدُ الْخَيْرِ، ونَجْدُ الشَّرِّ، فَلِمَ تَجْعَلُ نَجْدَ الشَّرِّ أَحبَّ إِليْكَ مِنْ نَجِدِ الْخَيْرِ؟ ".
وروى عن عكرمة قال: النجدان: الثديان، وهو مروي عن ابن عباس وعلى ﵄ لأَنَّهُما كالطريقين لحياة الولد ورزقه، أَي: إِن الله يهدي ويرشد الرضيع إِليهما دون إِرشاد أَو دلالة من أَحد.
(فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦))
стр. 5543
المفردات:
(اقْتَحَمَ): الاقتحام؛ الدخول في الشيء بسرعة وشدة من غير روية.
(الْعَقَبَةُ): الطريق الوعر في الجبل، والمراد بها هنا: الأَعمال الصالحة لما في القيام بها من المعاناة والمشقة ومجاهدة النفس.
(فَكُّ رَقَبَةٍ): الفك: تخليص شيءٍ من شيءٍ، والمراد تخليص رقبة العبد بالإِعتاق.
(مَسْغَبَةٍ): مجاعة، قال الراغب: الجوع من التعب.
(مَقْرَبَةٍ): قرابة.
(مَتْرَبَةٍ): افتقار، يقال: ترب: إِذا افتقر، فكأَنه قد لصق بالتراب من الفقر.
التفسير
١١ - (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ):
أَي: فهلا أَنفق ماله الذي يزعم أَنه أَهلكه في المكام والمفاخرة، أَو في عداوة النبي صلي الله عيله وسلم هلاَّ أَنفقه في شكر الله على نعمه العظيمة وآلائه الجليلة؟: لم يفعل ذلك، بل قصر فجحد النعمة وكفر بالنعم، واتبع هوى نفسه، وكان الأُولى به أَن يكون عارفًا الفضل ربه، متعرفًا عليه في الرخاءٍ ليعرفه في الشدة، حاملا نفسه على اقتحام الشدائد والدخول في الصالحات بمسارعة ومسابقة، والقيام بمشاق الأَعمال وأَكثرها تعبًا وعناءً ومجاهدة لنفسه حتى يجتاز العقبة الكئود والحاجز الصعب الذي يحول بين المرءِ ورحمة ربه ورضوانه في الجنة، ولا يجتازه إِلا بقهر النفس ورياضتها على المكاره، وحملها على أَن تكون تابعة لما جاءَ به الله، الجنة قد حفت بالمكاره، وحفت النار بالشهوات.
وقيل: هذا دعاءٌ على هذا الكافر أَلاَّ يرزقه الله الخير أَي: فلا نجا ولا سلم من لم ينفق ماله في فك الرقاب وإِطعام الجياع.
стр. 5544
١٢ - (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ):
أَي: وما أَعلمك وأَخبرك ما اقتحام العقبة ومجاوزتها وتخطيها؛ وهذا ينبئُ عن عظيم شأْنها وكبير خطرها، وقد أَبانها الله لرسوله بقوله بعد: (فَكُّ رَقَبَةٍ) إِلخ.
قال سفيان بن عيينة: كل شيءٍ قال فيه: (وَمَا أَدْرَاكَ) فإِنه أَخبر به، وكل شيءٍ قال فيه: (وَمَا يُدْرِيكَ) فإِنه لم يخبر به.
١٣ - (فَكُّ رَقَبَةٍ):
أَي: الإِسهام والمساعدة في تحرير الرقيق من إِسار الرق، وتخليصه من ربقة العبودية بأَن يعطيه بعض ماله ليكون ذلك عونًا له على فكاك نفسه من ذل الرق، لينعم بالحرية، ولله -سبحانه - قد خفف على هؤُلاءِ المترفين ذوي النعم الكثيرة فلم يأْمرهم بعتق الرقبة كلها حتى لا يشق عليهم ذلك، وإِنما حثهم على إِعطاءِ الرقيق المكاتب ما يساعده على تحرير رقبته وتخليصها من الرق، فقد ورد أَن أَعرابيًّا قال: يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة قال: "عِتْقُ النَّسمَةِ، وفَكُّ الرَقَبَةِ" قال: أَو ليستا بواحدة، قال ﷺ : "لا، إِنَّ عِتق النَّسمَةِ أَنْ تَنَفَردَ بعِتْقِهَا، وفَكُّ الرَقَبَةِ أَن تُعِين فِي عِتْقِهَا".
هذا، وإِن عتق الرقبة كلها فضلا كبيرًا وثوابًا عظيمًا بيّنه ﷺ بقوله: "أَيُّمَا امرئٍ مُسْلمٍ أَعتقَ امرأً مسلمًا كانَ فِكَاكَهُ مِنَ النارِ يجزي كلُّ عضوٍ منهُ عضوًا منه، وأَيما امرأةٍ مسلمةٍ أعتقت امرأةً مسلمةً كانت فِكاكَهَا مِنَ النارِ يجْزي كلُّ عضوٍ منهَا عضوًا مِنهَا" (١).
١٤ - (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ):
إِطعام الطعام فضيلة، رغب فيه الإِسلام ودعا إليه الرسول الكريم وحث عليه، غير أَنه مع السغب وفي يوم المجاعة والجوع العام يكون أَفضل وأزكى وأنمى في أَعمال البر، روي عنه ﷺ أَنه قال: "مِنْ مُوجباتِ الرَّحمةِ إِطعامُ المُسلمِ السَّغْبَانِ" (٢). أَي: إِنه قام بالإِطعام
стр. 5545
في وقت اشتدت بالناس الحاجة، وعمتهم الفاقة، وأَصابهم الجهد، وعز فيه القوت وقل الطعام، وقال الراغب في المسغبة: الجوع مع التعب.
١٥ - (يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ):
أَي: قات وأَطعم هذا الغنى صغيرًا ضعيفًا فُقد أَبوه ومات عائله، وهو لا يملك مالا ولا يجد قوتًا ولا يقدر على كسب، فضلا على أَن هذا اليتيم له بذلك الغنيّ قرابة وصلة، وفي إِطعامه يكون قد جمع بيْن الصدقة وصلة الرحم، وفيهما من الثواب ما فيهما. وقيل لا يخص القريب نسبًا بل يشمل من له قرب بالجوار.
١٦ - (أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ):
أَي: أَو أَطعم من أَسكنته الحاجة، وقعد به الفقر، وهدّه العوز؛ فلم يملك ما يسد به خَلَّته، أَو يقضي به حاجته، بل صار في حالة لا يقيه من التراب شيءٌ فهو كما يقولون يفترش الغبراءَ، ويلتحف بالسماءِ. وقيل: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت له.
هذا، وإِن ذلك الغني الفاجر الذي عناه القرآن سواءً أَكان شخصًا بعينه أَم هو كل من كان على هذا النحو من الغلظة والشدة والقسوة، إِن هذا الفاجر الذي تكبر بماله وتجبر بسلطانه قد ترك ما هو أَحق بالإِنفاق وأَولى بالبذل والإِعطاءِ: من رفيق ذليل، إِلى يتيم قريب فقير إِلى مسكين معدم مجهود، ترك ذلك وتجاوزه إِلى السفه وإِهلاك المال في غير ما نفع أَو خير بل أَهلكه فيما يرديه ولا ينجيه من عداوة الرسول ﷺ والصد عن سبيل الله.
(ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠))
стр. 5546
المفردات:
(تَوَاصَوْا): أَوصى بعضهم بعضًا.
(أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ): أَهل اليمين، وهي الجهة التي فيها السعداء، أَو أَصحاب الْيُمْنِ؛ لأَنهم ميامين ومباركون على أَنفسهم وعلى غيرهم.
(أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ): هم أَهل جهة الشمال التي فيها الأَشقياءُ، أَو أَصحاب الشؤم الشر على أنفسهم وعلى غيرهم.
(مُؤْصَدَةٌ) مغلقة ومطبقة.
التفسير
١٧ - (ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ):
كلمة (ثُمَّ) هنا تفيد التراخي والتباعد في الرتبة والفضيلة، أَي: إِن مرتبة الإِيمان ومنزلته فوق جميع ما سبقه من فك الرقبة وما عطف عليه؛ لأَن الإِيمان وحده يكون سببًا للنجاة بدون أَعمال، وذلك فيمن آمن إِيمانًا كاملا تامًّا ومات في يومه قبل أَن يتمكن من عمل شيءٍ من التكاليفَ؛ فإِن ذلك ينفعه ويخلصه من النار، بخلاف الأَعمال فإِنه لا يتعد بها بدون الإِيمان.
والمعنى: ثم لا يكون مقتحَمًا للعقبة إلا إِذا كان من الذين اتصفوا بالإِيمان وتحلوا به وماتوا على ذلك؛ إِذ كل عمل لا يكون معه إِيمان بالله لا يعتد به ولا ينظر إِليه، قال تعالى في حق غير المؤْمنين: "وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءًا مَنْثُورًا" (١) وقال: "وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ" (٢) وقيل: إِذا فعل الطاعات لوجه الله وهو غير مؤمن ثم آمن بسيدنا محمد ﷺ ومات على الإِيمان فإِنها تنفعه، فقد ورد أَن حكيم بن حزام قال -بعد ما أَسلم-: يا رسول الله: إِنَّا كنا نتحنث (ننعبد) بأَعمال في الجاهلية، فهل لنا فيها من شيءٍ؟ فقال ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنَ الْخَيْرِ".
стр. 5547
(وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ):
أَي: يوصي بعضهم بعضًا بالصبر وحبس النفس ورياضتها على تحمل تبعات الطاعات ومشاقها، ومغالبة شهوات المعاصي وسورتها وغلوائها، والبعد عن بطر النعمة والفتنة بها وأَشرها، والتَّجَافِي من الجزع في المصائب والنوازل وأَهوالها.
(وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ):
أَي: يحث بعضهم بعضًا على الأَخذ بأَسباب الرحمة، وذلك بأَن يرحم المظلوم فيعينه على أَخذ حقه، ويشفق على الفقير فيعطيه مما أَفاءَ الله عليه، ويمنع المقدم على المنكر من مقارفته، وأَن يدل غيره على طريق الخير والحق، ويمنعه من سلوك طريق الشر والباطل ما وسعه ذلك، وفي الجملة يكونون محل رحمة ومكان شفقة: يعاونون غيرهم من أَرباب الحاجات وأَصحاب الكربات حتى يكون الله في عونهم ويعمهم برحمته.
وفي قوله: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) إِشارة إِلى تعظيم أَمر الله بالصبر على شدائد التكاليف الشرعية، وبذل الجهد والوسع فيها، وفي قوله: (وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) إِشارة إِلى الشفقة على خلق الله، هذا وإِن الطاعات لا تقوم إِلاَّ على هذين الأَصلين صدق مع الحق سبحانه، وخُلق مع الخلق وشفقة بهم.
١٨ - (أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ):
أَي: أَولئك الذين علت منزلتهم وارتفعت مكانتهم باتصافهم بالصفات الجليلة والنعوت العظيمة أَصحاب اليمين والبركة، فهم مباركون وميادمين على أَنفسهم وعلى غيرهم ممن يعاشرونهم ويخالطونهم، أَو هم أَهل الجنة السعداءُ.
١٩، ٢٠ - (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ):
أَي: والذي كذبوا بآياتنا وأَنكروها ولم يؤمنوا بها مع كمال ظهورها ووضوح حجتها هم -دون غيرهم- أَرباب الشؤْم والشر، وأَهل الشقاءِ والبؤس، تتسلط عليهم نار شديدة الإِحراق، مطبقة ومغلقة عليهم لا يفتح لهم منها باب، ولا يخرجون منها من غم أُصيبوا به، ولا يخفف عنهم من عذابها، فهم فيها أَبد الآباد، لا تنفك عنهم، وما هم منها بمخرجين.
стр. 5548
سورة الشمس
هذه السورة الكريمة نزلت بمكة المكرمة وآياتها خمس عشرة آية
صلتها بما قبلها:
أَنه لما ختم -سبحانه- السورة التي قبلها (البلد) بذكر أَصحاب الميمنة وأَصحاب الشأَمة أَعاد ذكرهما هنا ولكن بصورة أُخرى وأُسلوب آخر فقال: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)، ثم كان قوله تعالى في السورة: (فأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) كالبيان والتوضيح لقوله تعالى في سورة البلد: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) على أَنهما طريقًا الخير والشر.
بعض مقاصد هذه السورة:
١ - أن الله -جلت قدرته- ابتدأَ السورة الكريمة بالقسم بأَنواع من خلقه: بالشمس وضحاها، والقمر إِذا تبعها وقد اكتمل نوره، وبالنهار إِذا أَبان وأَظهر الأَشياءَ بضيائه، إِلى قوله: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) أَقسم -تعالى - بهذه المخلوقات على أَن الإِنسان يفوز ويسعد إِذا تطهر من الذنوب وأَنمى نفسه وأَعلاها بالطاعات، وأَنه يخسر ويهلك إِذا غمس نفسه في المعاصي وتردى في الفجور: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا).
٢ - أَن السورة جاءَت بقصة (ثمود) قوم سيدنا صالح، وقد كذبوا به وتجاوزوا الحد في الطغيان حتى عقروا الناقة التي كانت آية ومعجزة دالة على وحدانية الله، وعلى صدق رسالة صالح ﵇ ثم ما كان من إِهلاك الله لهم بتدبيرهم واستئصالهم وتسوية الأَرض بهم، وختمت السورة ببيان أَن الله لا يخشى عاقبة إِهلاكهم فإِنه "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسأَلونَ".
стр. 5549
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠))
المفردات:
(ضُحَاهَا): ضوؤُها.
(جَلاَّهَا): أَظهر الأَرض وكشفها وأَبان ما عليها.
(يَغْشَاهَا): يغطي الدنيا ويسترها بظلامه.
(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا): أَنشأَها وأَبدعها بتعديل أَعضائها وقواها الظاهرة والباطنة.
(فأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا): عرَّفها وبيَّن لها رشدها من ضلالها.
(زَكَّاهَا): طَهَرَهَا من الذنوب، أَو زادها وأَعلاها بعمل الطاعات.
(دَسَّاهَا): نقصها وغمسها وأَخفاها بالفجور.
التفسير
١ - (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا):
أَقسم -سبحانه- بالشمس وهي خلق من خلقه كبير نفعها، عظيم خطرها، فهي -بما أَودعه الله فيها- تمد الكائنات بأَسباب الحياة والصحة والنماءِ وتدفع عنها كثيرًا من
стр. 5550
الأَدواءِ والأَمراض. (وَضُحَاهَا) وأَقسم -جلت قدرته- بضحي الشمس -وهو إِشراقها وارتفاعها- لأَن هذا الوقت يكون أَكثر أوقاتها خيرًا، وأَعظمها فائدة ونفعًا، أَو أَنه أَقسم بهذا الوقت -وهو وقت الضحى- لأَنه الوقت الذي يكون فيه الناس في أَمر معاشهم وشواغل دنياهم، أَما عباد الرحمن فهم في هذه الآونة ينقطعون عن هذه الأَعمال ويأخذون أَنفسهم من تلك الشواغل ويخلدون إِلى ربهم يتبتلون له ويعبدونه بما شرعه من صلاة الضحى.
٢ - (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا):
أَي: أَقسم بالقمر في زمن اكتماله وتمامه وقت أَن يتلو ضوؤُه ضوءَ الشمس ويتبعها فيتلاقى فيه الضوءَان ويتعانق النوران، وذلك في الليالي البيض من كل شهر: ليلة الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، حيث ينعم الله على عباده بليل مشرق مضيءٍ، وهنا في هذا الوقت الذي يعم فيه الطفل الإِلهي والفيض الرباني يسنُّ رسول الله ﷺ لأُمته أَن يشكروا ربهم على هذا الخير فيصوموا نهار تلك الليالي النيّرات المشرقات عرفانًا بعظيم فضله عليهم.
٣ - (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا):
وأَقسم - سبحانه - بالنهار إِذا أَظهر وأبان ما في الأَرض من حيوان وغيره ليكون ذلك عونًا للإِنسان على التعرف على ما فيها من خير ونفع له، ليتوخى ويقصد ما يصلح لأَمر دينه ومعاشه، ويبتعد وينأَى عما يضره ويؤذيه.
٤ - (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا):
كما أَقسم بالليل الذي يغطي الكائنات ويسترها فيكون ذلك إِيذانًا بالهجوع والسكون فيه قطعًا للكد والتعب، واستجمامًا بعد العناءِ. كما يكون انقطاعًا من بعض عباد الله المخبتين الطائعين إِلى ربهم يحيون هزيعًا من الليل في طاعة مولاهم بعيدًا عن صخب النهار. وضجيج الحياة وإِخلاصًا وإِفرادًا له -سبحانه- بالعبادة دون رياء أَو سمعة أَو نفاق ليكون ذلك أَرجى في قبول الطاعة في وقت يتجلى فيه ربنا على عباده، وبخاصة في الثلث الأَخير من الليل، فعن أَبي هريرة ﵁ أَن النبي ﷺ قال: "يَتَنَزَّلَ رَبُّنَا تَبَارَكَ
стр. 5551
وتَعَالى - كُلَّ لَيْلةٍ إِلى سَمَاءِ الدُّنْيَا، حيِنَ يَبْقَى ثُلثُ اللَّيلِ الْأَخير، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فأَغْفِرَ لَهُ؟ " (١).
٥ - (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا):
أَي: أَقسم سبحانه بالسماءِ وعظمتها، وبما اشتملت عليه من أَنواع الخلائق البديعة والأَسرار العظيمة، وما فيها من اللوح والكرسي والعرش، وكونها مقرًّا وسكنًا لأَكثر الملائكة الذين لا يعصون الله ما أَمرهم ويفعلون ما يؤمرون وما ضمت من اللطائف العلوية التي لا يدرك كنهها ولا يقف على حقيقتها كثير من الخلق. (وَمَا بَنَاهَا) أَي: وما خلقها ورفعها، أَقسم بذاته العلية ونسب وأَسند بناءَها إِليه -جلت عظمته- إِشعارًا بعظيم هذه المخلوقات الجليلة.
أَو أَن المراد إِبداع صنعها وكمال تركيبها، فقد شد أَجزاءً بعضها إِلى بعض برباط وثيق كما يشد ويربط أَجزاءِ البناءِ الواحد.
٦ - (وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا):
وأَقسم بالأَرض التي عليها يستقر الإِنسان ويسعى في إِعمارها، وما فيها من بديع صنعه -سبحانه- من ماءٍ وزرع وحيوان وطير، وما في جوفها من معادن ومواد لها نفع كبير للإِنسان، وجميع ما يلج ويدخل فيها، وما يخرج منها.
(وَمَا طَحَاهَا) وأَقسم بمن بسطها ومهَّدها وَذلَّلَها وهو الله - جل شأْنه - وذلك لييسر على عباده السير فيها والتقلب في جنباتها والمشي في مناكبها ونواحيها، ابتغاءً للرزق وسعيًا وراءَ الخير والنفع، وقيل: طحوها: وبسطها.
٧ - (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا):
وأَقسم - جل شأْنه - بالنفس، وهي نفس آدم ﵇ أَو كل نفس منفوسة ومخلوقة.
стр. 5552
(وَمَا سَوَّاهَا): وهو الله، فقد خلقها -سبحانه- فأَحسن خلقها وصورها فأَبدع تصويرها، وذلك على نظام تام عجيب؛ لتؤدي رسالتها في الحياة على أَكمل وجه. وقيل: وتسويتها وخلقها وتركيبها على صورة كريمة مع إِحكام وإِبداع.
٨ - (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا):
أَي: إِنه -سبحانه- عرف كل نفس وأَرشدها إِلى سبيل الخير والتقوى ودعاها إِليه، كما بين لها طريق الشر والفجور، ونهاها عن السير فيه واتباعه، وكان من دعاءِ رسول الله ﷺ "اللهم آت نفسي تقواها، وزكِّها أَنت خير من زكَّاها" كما رواه مسلم.
وذكر ابن كثير أَن هناك روايات فيها مقال أَنه كان يقول ذلك عندما يقرأُ الآية.
٩، ١٠ - (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا):
هذا جواب القسم (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) وما عطف عليه، بمعنى: لقد أَفلح، وحذفت منه اللام لطول الكلام المقتضي للتخفيف، وقيل: الجواب تقديره: لتبعثن، وقال الزمخشري: تقديره: ليُدَمْدِمَنَّ الله عليهم -أَي: على أَهل مكة- لتكذبيهم رسول الله ﷺ كما دمدم على ثمود لأَنَّهم كذبوا صالحًا، وأَما (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) فكلام تابع لقوله: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) جاءَ على سبيل الاستطراد، أَي: قد فاز ونجا من طهر نفسه من الذنوب بتباعده عنها فلم يقارفها، أَو طهرها ونقَّاها منها بالتوبة النصوح والاستغفار، وذلك بعد الوقوع فيها أَو نَمَّاها وزاد في منزلتها رفعة وسموًّا، فمصطنع المعروف والمبادر إِلى أَعمال البر شهر نفسه ورفعها وأَعلى ذكرها، وقد خسر وهلك من غمس نفسه في الذنوب وأَحاطها بالمعاصي وأَخفاها في الدناءَات والفسوق، فانحطَّ بها إِلى درك الرذيلة ومهاوي الكفر فالفاسق الفاجر دائمًا يكون قليل المروءَة، هابط الهمة، ذليل النفس، ناكسَ الرأْسِ، خاملًا متروكًا منسيًّا، وذلك بفعله السوءَ والفحشاء.
وقيل: قد أَفلحت نفس زكَّاها الله، وقد خسرت نفس أَضلها الله، والأَول هو المتبادر، لقوله تعالى: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى" (١)
стр. 5553
وفي القسم بهذه الكائنات بعث للإِنسان على التفكر في بديع صنع الله والتدبر في آياته.
(كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥))
المفردات:
(بِطَغْوَاهَا): بطغيانها ومجاوزتها الحد في العصيان، أَو العذاب الذي أُنذروا به لأَنه كان صيحة مجاوزة للحد.
(انْبَعَثَ): انطلق بسرعة بعد أَن بعثه قومه وحرضوه.
(سُقْيَاهَا): شربها ونصيبها من الماءِ الذي اختصها الله به في يومها.
(فَعَقَرُوهَا): فقتلوها.
(فَدَمْدَمَ): فأَطبق الله عليهم العذاب، أَو أَهلكهم جميعًا.
(فَسَوَّاهَا): سَّوي بلادهم بالأَرض، أَو جعلهم سواءً في نزول العذاب بهم.
(عُقْبَاهَا): عاقبة إِهلاكهم وتَبِعَته.
التفسير:
١١ - (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا):
أَي: إِن ثمود قوم نبي الله صالح ﵇ قد كذبت نبيها بسبب أَنهم قد تجاوزوا الحد في العصيان والكفر؛ فطغيانهم حملهم على التكذيب، أَو أَنهم كذبوا بالعذاب الذي توعدهم وأنذرهم به؛ لأَنه كان صيحة زائدة عن القدر المعتاد، قال تعالى: "فأَمَّا ثَمُودُ فأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ" (١).
стр. 5554
١٢ - (إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا):
أَي: كذبت ثمود حين قام شقيها قُدار بن سالف بعد أَن بعثه قومه وحرضوه على عقر النافة، قال تعالى: "فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ" (١).
١٣ - (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا):
أَي: إِن ثمود لَمَّا اقترحوا آية من رسول الله صالح تدل على نبوته أَخرج لهم بإِذن الله ناقة من الصَخرة. وقال لهم: هذه ناقة الله وآيته الدالة على توحيده وقدرته، وعلى نبوتي ولها شرب يوم من ذلك البئر ولكم كذلك شرب يوم من البئر نفسه، فلكلٍّ نصيبه، ونهاهم وحذرهم من أَن يمسُّوها بسوءٍ، أَو أَن يمنعوها من سقياها وشربها في نوبتها، ولا يستأثروا به عليها، فشق ذلك عليهم.
١٤ - (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا):
أَي: فكذبوا نبيَّهم صالحًا ﵇ فيما أَوعدهم وأَنذرهم به من العذاب، وفعلوا ما حذرهم منه، فقتلوا الناقة، وأُسند العَقْرُ والقتلُ إِليهم لأَنهم قد رضوا وتواطأُوا على ذلك: بل إِنهم قد حرضوا وحضُّوا أَشقاهم على اقتراف هذه الفعلة الشنعاء، قال قتادة: بلغنا أَنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذَكَرُهُمْ وأُنثاهم.
(فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا) أَي: أَطبق الله عليهم العذاب واستأْصلهم به فسَّوى الدمامة والإِهلاك عليهم؛ لأَن الصيحة أَهلكتهم جميعًا فأَنت على صغيرهم وكبيرهم، وذلك بسبب ذنبهم الذي هو الكفر والتكذيب وعقر الناقة، أَو أَهلكهم فجعلهم تحت التراب وسوَّى عليهم الأَرض.
стр. 5555
١٥ - (وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا):
أَي: فعل الله ذلك بهم غير خائف أَن تلحقه تبعة إِهلاكهم من أَحد؛ إِذا لا يُسأَل -سبحانه- عمَّا يفعل، ولا معقب لحكمه، أَو يخاف رسول الله صالح عاقبة إِهلاك قومه، ولا يخشى ضررًا يعود عليه من عذابهم؛ لأَنه بصَّرهم فأَنذرهم وحذرهم، ونجَّاه الله حين أَهلكهم، وقيل: ولا يخاف ذلك الكافر الذي قام يعقر الناقة (قدار بن سالف) عاقبة ما صنع، فقد أَقدم على فعلته وهو كالآمن مِن نزول الهلاك به وبقومه، وذلك كناية عن إيغاله في الكفر، وتماديه في التكذيب، وإِفراطه في الجهل، والقول الأَول أَولى لدلالة السياق عليه. والله أَعلم.
стр. 5556
سورة الليل
هذه السورة الكريمة مكية، وآياتها إِحدى وعشرون آية
صلتها لما قبلها:
لَمَّا ذكر -سبحانه- فيما قبلها (سورة الشمس) "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا" ذكر جل شأْنه في هذه السورة من الأَوصاف والنعوت ما يحصل به الفوز والفلاح، وما تحصل به الخيبة والخسران: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) إِلى قوله تعالى -: (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) ففي هذه السورة نوع تفضيل لذلك، وبخاصة أَنه - جل وعلا - عقب بشيءٍ من أَنواع الفلاح وأَنواع الخيبة، وذلك من قوله: (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى … ) إِلى آخر السورة.
بعض مقاصد السورة:
١ - أَقسم الله -جلت قدرته- بنوع من مخلوقاته العظيمة التي يتجلَّى نفعها وتظهر فائدتها ويتضح جلالها لكل ذي عينين: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى). أَقسم سبحانه بذلك على أَن أَعمال الناس مختلفة في حياتهم، وأَن منها الخير والبر، ومنها الشر والفجور، وأنهم متفاوتون في درجات الخير، كما أَنهم متباينون في دركات الشر، وأَنهم مختلفون في الجزاءِ: ففريق في الجنة، وفريق في السعير (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى).
٢ - بينت السورة طريق الخير بقوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) إِلخ، وأَوضحت سبيل الشر بقوله: (وأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى … ) الآية، وحذرت من افتتان بعض الناس بما أَعطاه الله من المال، وأَبانت أَن ذلك لا ينفعه ولا ينجيه (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى).
٣ - جاءَت السورة في نهايتها بنموذج للطالح الشقي: (الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) وبنموذج آخر للصالح التَّقي: (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) وذلك إِرشاد للناس ليبتعدوا ويميلوا عن
стр. 5557
طريق الشر، ويعلموا ويقصدوا طريق الخير ليقيهم الله لظى النار وسعيرها (وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى).
سبب النزول:
الجمهور على أَن هذه السورة نزلت في الصديق أبو بكر ﵁ روى ذلك بأَسانيد صحيحة عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما، وعن عبد الله بن الزبير قال: كان أَبو بكر ﵁ يعتق على الإِسلام بمكة فكان يعتق عجائز ونساء إِذا أَسلمن، فقال له أَبوه: أَي: بُنيّ أَراك تعتق أُناسًا ضعفاءً، فلو أَنك تعتق رجالًا جلداءَ يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: أَبَتِ إِنما أُريد -أَظنه قال- ما عند الله.
وقال السدّي: إِنها نزلت في أَبي الدحداح الأَنصاري، وذلك أَنه كان في دار منافق نخلة يقع منها في دار يتامى في جواره بعض البلح فيأْخذه منهم، فقال له ﷺ : "دعها لهم ولك بدلها محل في الجنة" فأَبى، فاشتراها أَبو الداحاح بحائطها فقال للنبي ﵊: أَهَبُهَا لهم بالنخلة التي في الجنة؟ فقال ﷺ : "افعل" فوهبها، فنزلت، والأَول هو الصحيح.
ولفظ الآية الكريمة وإِن كان عامَّا وهو قوله تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) إِلخ فالصديق ﵁ داخل فيها وأَولى الأُمة بعمومها، فهو مقدم الأُمة وسابقهم في جميع هذه الأَوصاف وسائر الصفات الحميدة؛ فإِنه كان صديِقًا تقيًّا كريمًا جوادًا بذَّالًا لأَمواله في طاعة الله، ونصرة رسوله، ولم يكن لأَحد عنده منَّة ولا نعمة يحتاج إِلى أَن يكافئه بها، ولكن كان فضله على السادات والرؤساء من سائر القبائل؛ ولهذا قال عروة بن مسعود -وهو سيد ثقيف- يوم صلح الحديبية: أَما والله لولا يَدٌ لك عندي لم أَجزك بها لأَجبتك، وكان الصديق ﵁ قد أَغلظ له في المقال، فإِذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساءِ القبائل فكيف بمن عداهم؟
стр. 5558
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤))
المفردات:
(يَغْشَى): يغطى بظلمته.
(تَجَلَّى): انكشف وظهر.
(إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى): شتَّى: واحده شتيت، أَي: مختلف، وإِنما قيل للمختلف: شتيت لتباعد ما بين بعضه وبعضه، أَي: إِن عملكم لمتفرق ومختلف في حقيقته وفي جزائه.
التفسير
١، ٢ - (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى):
أَقسم -سبحانه- بالليل الذي يأَوى فيه كل حيوان إِلى مأْواه، ويسكن الخلق عن الاضطراب والضرب في الأَرض، ويغشاهم النوم الذي جعله الله راحة لأَبدانهم وغذاءً لأَرواحهم ثم أَقسم بالنهار إِذا جاءَ انكشف وظهر بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة، وجاءَ الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعاشهم وتتحرك الطير من أَوكارها والهوام من مكامنها، فلو كان الدهر كله ليلًا لتعذر على الناس السعي في معاشهم، ولو كان كله نهارًا لمنعوا الراحة ونالهم الكلال، لكن كانت المصلحة في تعاقب الليل والنهار، وقال تعالى: "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا" (١) وقال -سبحانه- (وَسَخَّرَ
стр. 5559
لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ" (١) أَي: أَقسم إِذا غطى النهار أَو يغطي كل شيءٍ بظلمته، أَو يغشي الأَرض ويسترها بظلامه، وأَقسم بالنهار إِذا انكشف وظهر ضوؤه.
٣ - (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى):
القَسم إِما بالخلق وإِما بالخالق، فأَقسم بخلق الذكر والأُنثى، وما في هذا الخلق من إِبداع واقتدار حيث خلقهما من نفس واحدة، وغاير بينهما في كثير من الغرائز والصفات والطبائع فتركيب كلٍّ مختلف عن تركيب الآخر في كثير من الأَعضاء والغدد وغيرها، والذكر يتباين في بعض المهام عن الأُنثى، ولكلٍّ خصائصه ودوره ورسالته في الحياة، أَو أَقسم بالخالق وهو الله القادر العظيم الذي خلقها على نظام بديع وإِبداع حكيم، وأَنه -جلت قدرته- جعل الحياة لا ينتظم أَمرها ولا يستقيم شأْنها إِلاَّ بهما معًا، هذا ولمراد بالذكر والأُنثى، آدم وحواء، أَو جميع ذوي الأَرواح الذين هم أَشرف المخلوقات.
٤ - (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى):
هذا جواب القسم، أَي: إِن عملكم لمتباين ومختلف في جزائه، فمنكم الصالح التقي الذي يثاب على عمله بالجزاءِ الحسن، ومنكم الكافر والمذنب الذي يعاقب على ما بدر وصدر منه وفقًا لعدل الله في إِثابة الصالح ومعاقبة العاصي والكافر، كما أَن عملكم لمختلف ومتباين في الدنيا أَيضًا، فبعض الناس يحرث، وآخر يصنع، وذاك يداوي، وسواه يعمل في شئون الحياة المختلقة، لأَنها لا تسير ولا تستقيم إلاَّ بتعاون الناس كلُّ في شأْن من شئونها وعمل من أَعمالها؛ حتى يشعروا جميعًا أَن كلاًّ منهم في حاجة إِلى الآخر؛ ليتم التعاون ويكمل الترابط، ويتخذ بعضهم بعضًا سُخريًّا، فلا يشعر أَحد أَنه في غنى عن الآخر.
стр. 5560
(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١))
المفردات:
(بِالْحُسْنَى): بكلمة التوحيد: لا إِله إلا الله. أَو بملة الإِسلام، وقيل غير ذلك.
(لِلْيُسْرَى): للخصلة المؤدية والمفضية إِلى اليسر والراحة.
(لِلْعُسْرَى): للخصلة والصفة الموصلة إِلى العسر والشدة والعذاب.
(اسْتَغْنَى): زهد ورغب عمَّا لدى الله من الثواب، وقيل غير ذلك.
(تَرَدَّى): سقط وهلك، تَفَعَّلَ من (الردى) وهو الهلاك.
التفسير
٥ - (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى):
هذا تفصيل وتفريع يوضح تباين الناس واختلافهم في سعيهم وعملهم، أَي: فأَما الذي يعطي ويمنح ممَّا رزقه الله وأَعطاه؛ فيبذل الغني بعض ماله للفقير، ويرشد العالمُ الجاهل، ويهدي الراشد الضال، ويعطي الطبيب من عمله وطبه المريض أَخذًا بأَسباب الشفاءِ، ويمنح صاحب الجاه والسلطان من جاهه وسلطانه مظلومًا يعينه على أَخذ حقه، أَو يدفع عنهُ جيفًا وقع به أَو يرد ويمنع ظالمًا عن ظلمه، فإِن كل ذلك عون على الخير، وبذل من عطاءِ الله، وذلك حملًا للإِعطاء على معناه الواسع الذي يعم بذل المال وغيره، قال تعالى:
"وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ" (١).
стр. 5561
(وَاتَّقَى) أَي: كان في وقاية من غضب الله وعقابه، فلم يفعل ما نهى الله عنه واتقى المحارم، أَو اتقى وبَعُد عن البخل، أَو اتقى الرياءَ وأَخلص لله عمله.
٦ - (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى):
أَي: وأَيقن بكلمة التوحيد وهي (لا إِله إِلا الله) أَو بملة الإِسلام، أَو مصدقًا بأَن الله -تعالت عظمته- سيعطيه الخلف والعوض الذي وعده الله به في قوله تعالى: "وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ" (١) وكلمة (الحسنى) تسع كل خصلة حسنة؛ إِذ كلها ترجع إِلى ثواب الله الذي هو الجنة.
٧ - (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى):
للعاقبة اليسرى والمآل الحسن، أَي: فسنسهل عليه كل ما كلف به من الطاعات فيفعلها ونيسر له سبيل البعد عن المنهيات فيتركها، أَو نيسر له العود إِلى الطاعة التي فعلها. قالوا: أَمارة قبول الطاعة أَنها تثمر وتفضي إِلى طاعة، وكل هذا له المصير الكريم لدي الله -سبحانه-.
٨ - (وأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى):
أَي: وأَما الذي ضن وشح وبخل بعطاءِ الله له؛ فلم يبذل منه شيئًا لمحتاج إِليه، ولم يفرج كربة مكروب، ولم يغث ملهوفًا، ولم يعن مظلومًا، ومنع الموجود، وأَساءَ الظن بالمعبود.
وبالجملة، فإِنه انغلق على نفسه ومنعها الخير، وظن أَن ما عنده إِنما ناله بعلمه وذكائه وفطنته.
٩ - (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى):
أَي: وكفر فلم يعتقد بكلمة التوحيد، أَو كذب بالجنة، أَو بما وعده الله من الجزاءِ والخلف والعرض، فعن أَبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : (مَا مِنْ
стр. 5562
يَومْ يُصْبِحُ الْعبَادُ فِيهِ إِلاَّ وَمَلَكَانِ يَنْزِلانِ فَيَقَول أَحدهما: اللَّهم أَعْطِ مُنفِقًا خَلَفًا، ويقُولُ الآخَرُ: اللَّهم أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) كما رواه مسلم.
١٠ - (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى):
أَي: للخصلة المفضية والمؤدية إِلى العسر والشدة: كعذاب القبر، وشدة الحساب، ودخول النار، أَي: سنهيئه لذلك ونعده له؛ إِذ قد علم الله ذلك منه وقدره عليه.
وقيل: التيسير في العطاءِ بمعنى اللطف، وفي البخل بمعنى الخذلان، واليسرى والعسرى الطاعة، لكونها أَيسر شيءٍ على المتقي وأَعسره على غيره، والمعنى على هذا: فأَما من أَعطى فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة عليه أَيسر الأُمور وأَهوانها، من قوله تعالى: "فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ" (١) وأَما من بخل فسنخذله ونمنعه الأَلطاف حتى تكون الطاعة أَعسر شيءٍ عليه وأَشد، وذلك من قوله تعالى: "وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ك أَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ" (٢).
١١ - (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى):
أَي: وما ينفعه ماله ولا يدفع عنه العذاب في النار إِذا سقط وهلك فيها.
والمعنى: فماذا يغني ويمنع عنه ماله الذي بخل به وتركه لورثته ولم يصحبه منه شيءٌ إِلى آخرته التي هي موضع فقره وحاجته، كما قال تعالى: "وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ" (٣)، وقال: "وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا" (٤) أَي: لا ينجيه هذا المال الذي تركه إِذا هلك وسقط في النار، إِنما الذي ينتفع الإِنسان به هو ما يقدمه لنفسه من أَعمال البر: كإِعطاءِ الأَموال في حقوقها دون المال الذي يخلفه على ورثته.
стр. 5563
(إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى (١٣))
المفردات:
(لَلْهُدَى): للإِرشاد والتبيين لطريق الخير من طريق الشر.
(لَلآخِرَةَ وَالأُولَى): للدنيا والآخرة.
التفسير
١٢ - (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى):
أَي: إِن أَمر إِرشاد العباد وتبيين طريق الهدى وما يؤدي إِليه، وتمييزه عن طريق الضلال وما ينتهي إِليه -إِن هذا الأَمر- من شأْننا نحن وليس لأَحد سوانا دَخْلٌ فيه، غير أَن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - ليس عليهم إِلاَّ البلاغ فحسب، قال تعالى: "إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ" (١).
١٣ - (وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى):
أَي: إِن التصرف الكلي المطلق في الدارين -الدنيا الآخرة- لنا وحدنا نفعل فيهما ما تشاءُ وكيفما نشاءُ، أَو إِن لنا كل ما في الدارين، فلا ينفعنا اهتداؤكم كما لا يضرنا ضلالكم: "مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا" (٢).
وما دام الأَمر كذلك فإِن على العاقل أَن يعتمد على ربه في طلبهما، ولا يلجأُ أَو يركز إِلى أَحد في ذلك؛ لأَنه يكون قد أَخطأَ الطريق، وجانبه التوفيق.
стр. 5564
(فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١))
المفردات:
(فَأَنْذَرْتُكُمْ): فحذرتكم وخوفتكم.
(تَلَظَّى): أَصله: تتلظى، أَي: تتوقد وتتلهب.
(لَا يَصْلَاهَا): لا يجد صلاها وهو حرها.
(وَسَيُجَنَّبُهَا): وسيكون في جانب والنار في جانب آخر، أَي: يكون بعيدًا عنها.
(يَتَزَكَّى): يطلب من الله أَن يكون طاهرًا من الذنوب، أَو يكون ناميًا زائدًا في الخير.
(نِعْمَةٍ): منة ويد.
(تُجْزَى): يكافأُ صاحبها عليها.
التفسير
١٤ - (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى):
أَي: فحذرتكم وخوفتكم يا أَهل مكة نارًا تتوهج وتتوقد.
١٥ - (لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى):
أَي: لا يعذب بين طبقاتها إِلاَّ الكافر؛ فإِنه أَشد شقاءً من الفاسق والعاصي، ثم بين -سبحانه- ذلك الأَشقي بقوله:
стр. 5565
١٦ - (الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى):
أَي: الذي كذب بالحق وكفر بوحدانية الله فاعتقد له الشريك، أَو جحده وأَنكره كما كذب برسله - عليهم الصلاة والسلام - وأَعرض وأَدبر عن طاعة الله وتجنبها.
هذا، وقد يبدو أَن غير الأَشقى كالعصاة والفساق لا يعذبون في النار، والأَمر ليس كذلك إِذ الصلى في اللغة: أَن يحفروا حفيرة فيجمعوا فيها جمرًا كثيرًا ثم يعمدوا إِلى شاة فيدسوها وسطه بين أَطباقه، فالمعنى -إِذن-: لا يعذب بين أَطباق النار ولا يقاسي حرها على وجه الأَشدّية إِلاَّ الأَشقى، أَما العاصي والفاسق فلا يعذب بين أَطباقها ولا يقاسي حرها على هذه الصورة، ولا يلزم منه أَنه لا يدخلها ولا يعذب بها أَصلًا، بل يجوز أَن يدخلها ويعذب بها على وجهها في الطبقة الأُولى عذابًا دون ذلك العذاب، حتى إِن بعض العصاة من تبلغ النار إِلى كعبة، وأَشد العصاة من تبلغ وتصل إِلى موضع سجوده فيحسه، ولا يعذب أَحد من المؤمنين بين أَطباقها البتَّة بوعد الله تعالى.
١٧ - (وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى):
أَي: وسيكون الأَكثر تقى المبالغ في اتقاءِ الكفر والمعاصي -سيكون- في جانب، وتكون النار في جانب آخر، فلا يحوم حولها بل يمر بها ويطَّلع عليها دون أَن يؤلم بمسها، ويُصَاُر به إِلى الجنة، وإِنما أَطلعه الله عليها إِظهارًا لإِكرامه له بإِنجائه من عذابها وجعله في دار كرامته، قال تعالى: "وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا" (١).
١٨ - (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى):
هذا بيان للصفات التي يتحلى بها الأتقى، والتي اقتضت أَن يجنب النار، أَي: هو الذي يعطي ماله ويصرفه ابتغاءَ تزكية نفسه وتطهيرها من الذنوب أَو هو الذي يرغب ويطلب من ربه أَن يكون زاكيًا ناميًا في الخير، مسارعًا ومسابقًا فيه، لا يزيد بعمله هذا رياءً ولا سمعة، إِنه سيكون بعيدًا عن هذه النار.
стр. 5566
١٩ - (وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى):
هذه الآية جاءَت مقررة ومؤكدة للآية السابقة، أي: إن هذا الأتقى قد قدم ما قدم من المال والخير والعمل الصالح والتزكى والتطهر، وليس لشيءٍ آخر، فليس مكافأَة على يدٍ قدمت له، أو نعمة أُسديت إليه، حتى لا يكون قد قصد بإعطاء ما بذل مجازاة لصاحب النعمة.
٢٠ - (إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى):
أي: لكنه فعل ما فعل لخالص وجه الله من غير أن يشوبه طمع في ثواب أو رهبة من عقاب.
٢١ - (وَلَسَوْفَ يَرْضَى):
هذا وعد من الله للأَتقى بأَنه -سبحانه- سينيله وسيعطيه كل ما يبتغيه على أكمل الوجوه وأجملها. وقيل: ولسوف يرضى الله عنه، لأن رضا الله عن عبده، أكمل للعبد من رضاه عن ربه .
وبالجملة فلا بدَّ من حصول الأمرين -رضا العبد ورضا الله- كما قال تعالى: "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً" (١). والله أعلم.
стр. 5567
سورة الضحى
هذه السورة الكريمة مكية، وآياتها إحدى عشرة آية
صلتها لما قبلها:
لَمَّا ذكر -سبحانه- فيما قبلها (سورة الليل) قوله تعالى: "وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى" وكان سيدُ الأَتقياءِ هو رسول الله ﷺ عقب -سبحانه- ذلك بذكر نعمه على رسوله ﵊ في تلك السورة من قوله: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) إِلى قوله: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) وجاءَ في كتاب روح المعاني للآلوسي: وقال الإِمام: لَمَّا كانت السورة الأولى (سورة الليل) سورة أَبي بكر ﵁ وهذه سورة رسول الله ﷺ عقب بها، ولم يجعل بينهما واسطة؛ ليعلم أَن لا واسطة بين رسوله ﷺ والصديق ﵁ وتقديم سورة الصديق على سورته ﷺ لا يدل على أَفضليته منه ﷺ أَلا ترى أَنه - تعالى - أَقسم أَولًا بشيءٍ من مخلوقاته -سبحانه- ثم أَقسم بنفسه في عدة مواضع منها السورة السابقة على ما عرفت، والخدم تتقدم بين يدي السادة، وكثير من السنن أَمر بتقديمه على فروض العبادة، ولا يضر النَّوْرَ تأَخرُه عن أَغصانه، ولا السِّنَان كونه في أَطراف مُرَّانه (١)، ثم ما ذكر زهرة ربيع لا تتحمل الفرك كما لا يخفى.
بعض مقاصد السورة:
١ - أَنها أَكدت -بالقسم- أَن رسول الله ﷺ لم يتركه ربه ولم يبغضه، وإِنما هو عنده في كريم المكانة، وجلال القدر ورفيع المنزلة: (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى).
٢ - أَنها جاءَت بما يثلج صدر الرسول ﷺ ويقر عينه؛ وذلك بأَن بشرته بأَن عطاءَ ربّه له عظيم، فسيعطيه ويمنحه ما يرضيه: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى).
стр. 5568
٣ - أن الآيات -بعد ذلك- ذَكَّرت الرسول ﵊ بنعم الله عليه ليكمل إيناسه ويزيد اطمئنانه: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى).
وكانت نهاية السورة وصيته -سبحانه- لرسوله ﷺ أن يكون على تذكُّر دائم لنعم الله السابقة عليه، وذلك بأَن يرعى اليتيم ويؤويه، ويعطف على السائل والمحتاج ويعطيه، وأن يذكر ويحدث بنعم الله عليه شكرًا له -سبحانه- وتعليمًا لعباده حتى يكونوا على الجادة وسواءِ الصراط.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥))
المفردات:
(وَالضُّحَى): وقت ارتفاع الشمس بعد بزوغها وطلوعها.
(إِذَا سَجَى): إذا سكن أَهله، وقيل غير ذلك.
(مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ): ما تركك ربُّك منذ اختارك، وأَصل (ودع) من التوديع، وهو من الدعة وهو أَن تدعو للمسافر أَن يدفع عنه كآبة السفر، وأَن يبلغه الدعة وخفض العيش ثم صار متعارقًا على تشييع المسافر وتركه، ثم استعمل في الترك مطلقًا.
(وَمَا قَلَى): وما أَبغضك منذ أَحبك.
стр. 5569
سبب النزول:
اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أَو ليلتين، فأَتت امرأَة فقالت: يا محمد ما أَرى شيطانك إلاَّ قد تركك: فأَنزل الله (وَالضُّحَى … ) الآية. رواه الإِمام أَحمد والبخاري ومسلم وغيرهم: قيل: إِن المرأَة هي العوراءُ بنت حرب زوج أَبي لهب، وهي حمالة الحطب.
وأَخرج الحاكم عن زيد بن أَرقم: لَمَّا نزلت "تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهبِ .. " الآية، قيل لامرأَة أَبي لهب أُم جميل إِن محمد ﷺ قد هجاك، فأَتته ﵊ وهو جالس في الملأ فقالت: يا محمد علام تهجوني؟ فقال: "إِنِّي مَا هَجَوْتُكِ، مَا هَجَاكِ إِلاَّ اللهُ تَعَالى"، فقالت: هل رأَيتني أَحمل حطبًا أَو في جيدي حبلًا من مسد؟ ثم انطلقت فمكث رسول الله ﷺ لا ينزل عليه، فأَتته فقالت: ما أَرى صاحبك إِلاَّ قد ودعك وقلاك فأَنزل الله ذلك.
التفسير
١، ٢ - (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى):
أَقسم -سبحانه- بالضحى، وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس وتلقى بشعاعها، وأَقسم بالليل إِذا سجى وسكن أَهله، أَو إِذا غطى بظلامه النهار، أَو ستر كل شيءٍ.
وخص وقت الضحى بالقسم، لأَنه وقت اجتماع الناس، وكمال أَنسهم بعد الخوف وعدم الاطمئنان في الليل لظلمته وانقطاع الحركة فيه؛ فبشره -سبحانه- بأَنه بعد وحشتك بسبب فترة الوحي يظهر الضحى بنزوله، ويكمل أُنسك وينشرح صدرك. وكان قسمه -سبحانه- بالليل؛ لأَنه وقت الراحة بعد العناءِ، والسكون بعد الحركة والاضطراب، أَو أَنه -جل شأْنه- أَقسم بالضحى والليل؛ لأَنهما وقتان فيها صلاته ﵊ التي جعلت قرة عينه، وسبب مزيد قربه وأُنسه، أَما الضحى فلما رواه الدالرقطني عن ابن عباس مرفوعًا: "كُتبَ عَليَّ النَّحْرُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وأُمِرْتُ بِصَلَاةِ الضُّحَي وَلَمْ
стр. 5570
تُؤْمَرُوا بِهَا"، وأَما الليل فلقوله تعالى: "وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا" (١) أَو أَنه أَقسم بالضحى لأَنه الساعة التي كلَّم الله فيها موسى ﵇ وأَلقى فيها السحرة سجَّدًا لقوله تعالى: "وأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى" (٢) وأَقسم بالليل لأَنه الوقت الذي أُسري وعرج به ﷺ إِلى بيت المقدس، ثم إلى السموات العلا، فإِلى سدرة المنتهى؛ فاكتسب الضحى والليل تلك الفضيلة، وهذه المزية لكون كل منهما كان وقتًا وظرفًا لحدث عظيم.
٣ - (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى):
هذا جواب القسم، أَي: ما تركك ربك منذ اصطفاك، ولا أَبغضك بعد أن أَحبك واجتباك؛ فأَنت لديه في رفيع المكانة وجليل القدر، وشرف المنزلة التي لا تدانيها منزلة أَحد من الخلق.
وحذف المفعول فلم يرد بلفظ (وما قلاك) لئلا يواجه ﵊ بنسبة القلى والبغض إِليه وإِن كان في كلام منفي وذلك لطفًا به ﷺ وشفقة عليه.
واختلفوا في قدر مدة انقطاع الوحي، فقال ابن عباس: خمسة وعشرون يومًا، وقيل: أَربعون يومًا، أَو اثنا عشر يومًا أَو خمسة عشر يومًا، أَو أَربعة أَيام، قال العلامة الآلوسي -بعد أَن أَتى بهذه الأَقوال: وأَنت تعلم أَن مثل ذلك ممَّا يتفاوت العلم بمبدئه؛ ولا يكاد يعلم على التحقيق إِلاَّ منه ﵊ والله تعالى أَعلم.
كما اختلفوا في سبب احتباس جبريل ﵇: فذكر بعض المفسرين أَن اليهود سأَلت رسول الله ﷺ عن الروح وذي القرنين وأَصحاب الكهف فقال: "سَأُخْبِرُكُم غَدًا" ولم يقل: "إِن شاء الله"، وقيل: السبب كون جرو (كلب صغير) في بيته، وقيل غير ذلك، ويحتمل أَن فترة الوحي كانت لزيادة تشويق الرسول ﷺ إِلى الوحي