← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

١٩ - (وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى): هذه الآية جاءَت مقررة ومؤكدة للآية السابقة، أي: إن هذا الأتقى قد قدم ما قدم من المال والخير والعمل الصالح والتزكى والتطهر، وليس لشيءٍ آخر، فليس مكافأَة على يدٍ قدمت له، أو نعمة أُسديت إليه، حتى لا يكون قد قصد بإعطاء ما بذل مجازاة لصاحب النعمة. ٢٠ - (إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى): أي: لكنه فعل ما فعل لخالص وجه الله من غير أن يشوبه طمع في ثواب أو رهبة من عقاب. ٢١ - (وَلَسَوْفَ يَرْضَى): هذا وعد من الله للأَتقى بأَنه -سبحانه- سينيله وسيعطيه كل ما يبتغيه على أكمل الوجوه وأجملها. وقيل: ولسوف يرضى الله عنه، لأن رضا الله عن عبده، أكمل للعبد من رضاه عن ربه . وبالجملة فلا بدَّ من حصول الأمرين -رضا العبد ورضا الله- كما قال تعالى: "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً" (١). والله أعلم.

стр. 5567

سورة الضحى هذه السورة الكريمة مكية، وآياتها إحدى عشرة آية صلتها لما قبلها: لَمَّا ذكر -سبحانه- فيما قبلها (سورة الليل) قوله تعالى: "وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى" وكان سيدُ الأَتقياءِ هو رسول الله ﷺ عقب -سبحانه- ذلك بذكر نعمه على رسوله ﵊ في تلك السورة من قوله: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) إِلى قوله: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) وجاءَ في كتاب روح المعاني للآلوسي: وقال الإِمام: لَمَّا كانت السورة الأولى (سورة الليل) سورة أَبي بكر ﵁ وهذه سورة رسول الله ﷺ عقب بها، ولم يجعل بينهما واسطة؛ ليعلم أَن لا واسطة بين رسوله ﷺ والصديق ﵁ وتقديم سورة الصديق على سورته ﷺ لا يدل على أَفضليته منه ﷺ أَلا ترى أَنه - تعالى - أَقسم أَولًا بشيءٍ من مخلوقاته -سبحانه- ثم أَقسم بنفسه في عدة مواضع منها السورة السابقة على ما عرفت، والخدم تتقدم بين يدي السادة، وكثير من السنن أَمر بتقديمه على فروض العبادة، ولا يضر النَّوْرَ تأَخرُه عن أَغصانه، ولا السِّنَان كونه في أَطراف مُرَّانه (١)، ثم ما ذكر زهرة ربيع لا تتحمل الفرك كما لا يخفى. بعض مقاصد السورة: ١ - أَنها أَكدت -بالقسم- أَن رسول الله ﷺ لم يتركه ربه ولم يبغضه، وإِنما هو عنده في كريم المكانة، وجلال القدر ورفيع المنزلة: (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى). ٢ - أَنها جاءَت بما يثلج صدر الرسول ﷺ ويقر عينه؛ وذلك بأَن بشرته بأَن عطاءَ ربّه له عظيم، فسيعطيه ويمنحه ما يرضيه: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى).

стр. 5568

٣ - أن الآيات -بعد ذلك- ذَكَّرت الرسول ﵊ بنعم الله عليه ليكمل إيناسه ويزيد اطمئنانه: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى). وكانت نهاية السورة وصيته -سبحانه- لرسوله ﷺ أن يكون على تذكُّر دائم لنعم الله السابقة عليه، وذلك بأَن يرعى اليتيم ويؤويه، ويعطف على السائل والمحتاج ويعطيه، وأن يذكر ويحدث بنعم الله عليه شكرًا له -سبحانه- وتعليمًا لعباده حتى يكونوا على الجادة وسواءِ الصراط. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)) المفردات: (وَالضُّحَى): وقت ارتفاع الشمس بعد بزوغها وطلوعها. (إِذَا سَجَى): إذا سكن أَهله، وقيل غير ذلك. (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ): ما تركك ربُّك منذ اختارك، وأَصل (ودع) من التوديع، وهو من الدعة وهو أَن تدعو للمسافر أَن يدفع عنه كآبة السفر، وأَن يبلغه الدعة وخفض العيش ثم صار متعارقًا على تشييع المسافر وتركه، ثم استعمل في الترك مطلقًا. (وَمَا قَلَى): وما أَبغضك منذ أَحبك.

стр. 5569

سبب النزول: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أَو ليلتين، فأَتت امرأَة فقالت: يا محمد ما أَرى شيطانك إلاَّ قد تركك: فأَنزل الله (وَالضُّحَى … ) الآية. رواه الإِمام أَحمد والبخاري ومسلم وغيرهم: قيل: إِن المرأَة هي العوراءُ بنت حرب زوج أَبي لهب، وهي حمالة الحطب. وأَخرج الحاكم عن زيد بن أَرقم: لَمَّا نزلت "تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهبِ .. " الآية، قيل لامرأَة أَبي لهب أُم جميل إِن محمد ﷺ قد هجاك، فأَتته ﵊ وهو جالس في الملأ فقالت: يا محمد علام تهجوني؟ فقال: "إِنِّي مَا هَجَوْتُكِ، مَا هَجَاكِ إِلاَّ اللهُ تَعَالى"، فقالت: هل رأَيتني أَحمل حطبًا أَو في جيدي حبلًا من مسد؟ ثم انطلقت فمكث رسول الله ﷺ لا ينزل عليه، فأَتته فقالت: ما أَرى صاحبك إِلاَّ قد ودعك وقلاك فأَنزل الله ذلك. التفسير ١، ٢ - (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى): أَقسم -سبحانه- بالضحى، وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس وتلقى بشعاعها، وأَقسم بالليل إِذا سجى وسكن أَهله، أَو إِذا غطى بظلامه النهار، أَو ستر كل شيءٍ. وخص وقت الضحى بالقسم، لأَنه وقت اجتماع الناس، وكمال أَنسهم بعد الخوف وعدم الاطمئنان في الليل لظلمته وانقطاع الحركة فيه؛ فبشره -سبحانه- بأَنه بعد وحشتك بسبب فترة الوحي يظهر الضحى بنزوله، ويكمل أُنسك وينشرح صدرك. وكان قسمه -سبحانه- بالليل؛ لأَنه وقت الراحة بعد العناءِ، والسكون بعد الحركة والاضطراب، أَو أَنه -جل شأْنه- أَقسم بالضحى والليل؛ لأَنهما وقتان فيها صلاته ﵊ التي جعلت قرة عينه، وسبب مزيد قربه وأُنسه، أَما الضحى فلما رواه الدالرقطني عن ابن عباس مرفوعًا: "كُتبَ عَليَّ النَّحْرُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وأُمِرْتُ بِصَلَاةِ الضُّحَي وَلَمْ

стр. 5570

تُؤْمَرُوا بِهَا"، وأَما الليل فلقوله تعالى: "وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا" (١) أَو أَنه أَقسم بالضحى لأَنه الساعة التي كلَّم الله فيها موسى ﵇ وأَلقى فيها السحرة سجَّدًا لقوله تعالى: "وأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى" (٢) وأَقسم بالليل لأَنه الوقت الذي أُسري وعرج به ﷺ إِلى بيت المقدس، ثم إلى السموات العلا، فإِلى سدرة المنتهى؛ فاكتسب الضحى والليل تلك الفضيلة، وهذه المزية لكون كل منهما كان وقتًا وظرفًا لحدث عظيم. ٣ - (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى): هذا جواب القسم، أَي: ما تركك ربك منذ اصطفاك، ولا أَبغضك بعد أن أَحبك واجتباك؛ فأَنت لديه في رفيع المكانة وجليل القدر، وشرف المنزلة التي لا تدانيها منزلة أَحد من الخلق. وحذف المفعول فلم يرد بلفظ (وما قلاك) لئلا يواجه ﵊ بنسبة القلى والبغض إِليه وإِن كان في كلام منفي وذلك لطفًا به ﷺ وشفقة عليه. واختلفوا في قدر مدة انقطاع الوحي، فقال ابن عباس: خمسة وعشرون يومًا، وقيل: أَربعون يومًا، أَو اثنا عشر يومًا أَو خمسة عشر يومًا، أَو أَربعة أَيام، قال العلامة الآلوسي -بعد أَن أَتى بهذه الأَقوال: وأَنت تعلم أَن مثل ذلك ممَّا يتفاوت العلم بمبدئه؛ ولا يكاد يعلم على التحقيق إِلاَّ منه ﵊ والله تعالى أَعلم. كما اختلفوا في سبب احتباس جبريل ﵇: فذكر بعض المفسرين أَن اليهود سأَلت رسول الله ﷺ عن الروح وذي القرنين وأَصحاب الكهف فقال: "سَأُخْبِرُكُم غَدًا" ولم يقل: "إِن شاء الله"، وقيل: السبب كون جرو (كلب صغير) في بيته، وقيل غير ذلك، ويحتمل أَن فترة الوحي كانت لزيادة تشويق الرسول ﷺ إِلى الوحي

стр. 5571

حتى يكتمل أُنسه وفرحه بنزول، فقد روى البخاري أَن النبي ﷺ قال لجبريل: "ما يمنعك أَن تزورنا أَكثر ممَّا تزورنا"؟ فزلت "وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ" (١). قال الإمام الفخر الرازي في تفسيره: هذه الواقعة تدل على أَن القرآن من عند الله؛ إِذ لو كان من عنده لما امتنع. ٤ - (وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى): لَمَّا نزل قوله تعالى: "مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى" حصل لرسول اله ﷺ بهذا تشريف عظيم، فكأَنه ﵊ استعظم هذا التشريف، فقيل له: (وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى) أَي: إِن هذا التشريف وإِن كان عظيمًا إِلاَّ أَن مَا لَك عندنا في الآخرة خير منه وأَعظم، أَو أَن المعنى: وللأَحوال الآتية خير لك من الماضية، كأَنه -تعالى - وعد بأَنه سيزيده كل يوم عزًّا إلى عز، ومنصبًا إلى منصب، أَو أَن خيرات الدنيا مشوبة بالآفات والنقص والانقطاع، ولذات الآخرة كثيرة خالصة كاملة دائمة. ٥ - (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى): هذا تَرَقٍّ وسمو بقدر رسول الله ﷺ ورفع لمنزلته، فبعد أن أبان أنه في محل الإِعزار والتكريم، وأَنه لم يتركه ولم يبغضه بعد أَن أَحبه واجتباه، وأن الآخرة تكون خيرًا له وأَفضل ممَّا أَكرم به في الدنيا، بعد ذلك سوف يكون الإرضاء التام، وتحقيق ما تصبو إِليه نفس الرسول ويرجوه، وذلك بأَن يعطيه ربّه كل ما يرجوه منه -سبحانه- حتى يكون ﷺ راضيًا وتلك المنزلة هي الشفاعة في جميع المؤمنين. ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أَن النبي ﷺ تلا قول الله تعالى في إِبراهيم: "فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (٢)، وقول عيسى: "إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ" (٣) فرفع يديه وقال: "اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي" وبكى، فقال الله تعالى لجبريل: "اذْهَبْ إِلى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ- فَسَلْهُ مَا يُبْكِيهِ" فأَتى جبريلُ

стр. 5572

النبيَّ ﷺ فأَخبره، فقال الله تعالى لجبريل: "اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ اللهَ يَقُولُ لَكَ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوؤُكَ". وقال على -كرم الله وجهه- لأَهل العراق: إِنكم تقولون: إن أَرجى آية في كتاب الله تعالى: "قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" (١) قالوا: إنا نقول ذلك، قال: ولكنا أَهل البيت نقول: إِن أَرجى آية في كتاب الله قوله تعالى: "وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى". هذا وقد ورد في الحديث الشريف أَن هذه الآية لَمَّا نزلت قال النبيّ ﷺ : "إذًا واللهِ لا أَرضَى وَوَاحِدٌ مِن أُمَّتي فِي النَّارِ" كما ذكره القرطبي في تفسيره. وذكره الطبري عن ابن عباس في أهل البيت. (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)) المفردات: (آوى): جعل له مأْوى إِليه، وضمه إلى من يرعاه. (ضَالًّا): غافلًا لم تكن تدري القرآن والشرائع التي لا تهتدى إليها العقول وإنما طريقها الوحي. (عَائِلًا): مفتقرًا مُعْدِمَا، من (عال الرجل) يعيل عليه: إذا افتقر.

стр. 5573

(تَقْهَرْ): تذله وتحقره، أَو تظلمه. (تَنْهَرْ): تزجره وتغلظ له في القول. (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ): وانتشر أَنعم الله عليك بالشكر والثناءِ. التفسير ٦ - (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى): عدد -سبحانه- نعمه ومننه على رسوله ﷺ تقوية لقلبه ووعدًا له بدوام نعمه عليه فيزداد فؤاده الشريف وصدره الرحيب طمأْنينة وسرورًا وانشراحًا وحبورًا أَي: قد علَّمك ربك صغيرًا، قد مات أَبوك فضمك إلى من قام بأَمرك ورعاك، فكان ﵊ بعد أُمه في حجر جده وعنايته، ثم كفله عمه الشقيق الشفيق أبو طالب بوصية من أَبيه عبد المطلب، أَو باختبار الرسول له، وكان أَبو طالب شديد الاعتناءِ به إِلى أَن بعثه الله، وكان يرى منه في صغره ما لم ير من صغير، قال أَبو طالب لأَخيه العباس بن عبد المطلب: وكنت كثيرًا ما أَسمع منه كلامًا يعجبني، وذلك عند مضي بعض الليل، وكنا لا نسمي على الطعام والشراب ولا نحمد بعده، وكان يقول في أَول الطعام: باسم الله الأَحد، فإِذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله، فكنت أَعجب منه، ولم أر منه كذبة ولا ضحكًا ولا جاهلية ولا وقف مع الصبيان وهم يلعبون، وقيل: أَلم أَجدك يتيمًا لم ترغب فيك المراضع فآواك إلى مرضعة تحنو عليك، ورزقها بصحبتك الخير والبركة حتى أَحبتك وتكفلتك. ٧ - (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى): أَي: ووجدك وعلمك عن الشرائع التي لا تهتدي إِليها العقول وإِنما طريقها وسبيلها هو السماع، فهداك الله إلى مناهجها وطرقها. وذلك في أثناء ما أوحى الله إليك من الكتاب المبين، وعلمك ما لم تكن تعلم.

стр. 5574

وجمهور العلماءِ على أَنه ﵊ قد فطر على الإِيمان بالله، وما كان ﷺ على دين قومه لحظة واحدة بدليل قوله تعالى: "مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى" (١)، وأنه كان يتعبد في الغار قبل البعثة على دين إبراهيم. وقيل: ضل في الطريق وهو مع عمه أَبي طالب في رحلة الشام عندما عدل إِبليس بناقته ﷺ عن الطريق فجاءَ جبريل ﵇ وردّه إِلى القافلة، وقيل ضل عن جده في شعاب مكة فرآه أَبو جهل منصرفا عن أَغنامه فردّه إِلى جده وهو متعلق بأَستار الكعبة يضرع إلى الله تعالى ويقول: يارب ردَّ ولدي محمدًا … اردده ربّي واصطنع عندي يدا ٨ - (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى): أَي: عَلِمَكَ مفتقرًا فأَغناك بما أَفاءَ الله عليك من ربح التجارة في مال السيدة خديجة وبما وهبته ﵂ له ﷺ . أَو أَغناك بالقناعة، فجعل قلبك راضيًا، أَو أَغناك بالحجج والبراهين. ٩ - (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ): أَي: لا تقهر بظلمه، ولا تتسلط عليه بأَخذ ماله، بل عليك أَن تدفع إليه حقه، وخص اليتيم لأَنه لا ناصر له غير الله، وفيه أَيضًا تذكير الرسول ﷺ بيتمه ليكون أَكثر رعاية له، ودلت هذه الآية على اللطف والشفقة على اليتيم وبره والإِحسان إِليه، لأَن ذلك يلين القلب ويذهب قسوته وغلظته، فعن أَبي هريرة ﵁ أَن رجلا شكا إِلى النبي ﷺ قسوة فقال: "إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ فَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيم وأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ" (٢) وفي الصحيح أَن رسول الله ﷺ قال: "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ كَهَاتَيْنِ" وأَشار بالسبابة والوسطى.

стр. 5575

١٠ - (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ): أَي: لا تغلظ له القول ولا تزجره، ولكن تلطف معه وردّه ولو بعطاءٍ قليل أَو ردٍّ جميل واذكر فقرك. وقد روي أَن النبي ﷺ قال: "رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفِ شَاةٍ" والرسول ﷺ يشير بهذا إلى أن الملائكة قد تأْتي في صورة من يسأَل أَصحاب المال وذوي النعم اختبارًا لهم وابتلاءً. وقيل المراد بالسائل هنا: الذي يسأَل عن الدين ويريد أَن يعرف ما جهل منه، أَو ما التبس عليه، فيه، أَي: فلا ترده بالغلظة والجفوة، وأَجبه برفق ولين هذا، وإن إِجابة السائل عن الدين فرض كفاية على العالم. وعن أَبي هارون العبدي قال: كنا إِذا أَتينا أَبا سعيد الخدري ﵁ يقول: مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ إِن رسول الله ﵊ قال: "إِنَّ الناسَ لَكُمْ تَبَعٌ، وإِنَّ رجَالًا يأْتَونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الأَرضِ يَتَفَقَّهُون، فَإِذا أَتوْكُمْ فاسْتَوْصُوا بهم خَيْراَ" (١). ١١ - (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ): أَي: انشر وأَظهر وأَذِعْ ما أَنعم الله به عليك بالشكر والثناءِ؛ فالتحدث بنعم الله والاعتراف بها شكر؛ أَخرج البخاري في الأَدب وغيره عن رسول الله ﷺ مرفوعًا "مَنْ أُعْطَيِ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيَجْزِ بِهِ، فإِنْ لَمْ يَجِدْ فَليُثْنِ بِهِ، فَمَنْ أَثْنى بِهِ فَقدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرهُ، وَمَنْ تَحَلَّى بمَا لَمْ يُعْط كَانَ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ" (٢) ولذا استحب بعض السلف التحدث بما عمله من الخير إِذا لم يرد به الرياءَ والافتخار، وظن الاقتداءَ به، وأَمن على نفسه الفتنة. جاءَ في تفسير القرطبي: وكان أَبو فراس عبد الله بن غالب إِذا أَصبح يقول: لقد رزقني الله البارحة كذا، قرأْت كذا؛ وصليت كذا، وذكرت الله كذا، وفعلت كذا فقلنا له: يا أَبا فراس: إِن مثلك لا يقول هذا: قال: يقول الله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) وتقولون أَنتم: لا تحدث بنعمة الله.

стр. 5576

والمراد أَمر الرسول ﷺ أَن يتحدث بما أَفاضه الله عليه من ضروب النعم وفنونها، ومن جملتها ما تقدم، وما أَوحى الله إِليه به. وحاصل المعنى: أَنك كنت يتيمًا وضالا وعائلا، فآواك الله، وهداك، وأَغناك، فمهما يكن من شيءٍ فلا تنس نعمة الله عليك في هذه الثلاث، واقْتَدِ بالله فَتَعَطَّفْ على اليتيم وَآوِهِ؛ فقد ذقت اليتم ورأَيت كيف فعل الله بك، وتَرَحَّمْ على السائل وَتَفَقَّدْهُ بمعروفك، ولا تزجره وترده عن بابك، كما رحمك ربك فأَغناك بعد فقر، وحدث بنعم الله كلها، ويدخل في ذلك هدايتك الضُّلاَّلَ وتعليمهم الشرائع والقرآن مقتديًا بالله في أَن هداك وأَرشدك، وفي الدعاءِ النبوي المأْثور: " … وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِك، مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْك، قَابِلِيهَا، وأَتِمَّهَا عَلَيْنَا" اللهم آمين.

стр. 5577

سورة ألم نشرح هذه السورة مكية، وعدد آياتها ثمان، وتسمى أَيضا سورة الشرح مناسبتها لما قبلها: هي شديدة الاتصال بما قبلها، أَي: بسورة "الضحى" حتى إِنه روي عن طاوس وعمر بن عبد العزيز أَنهما كانا يقولان: إِنهما سورة واحدة، وكانا يقرآنهما في الركعة الواحدة، وما كانا يفصلان بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم، وعلى ذلك الشيعة -كما حكاه الطبرسي منهم- ورد ذلك الإِمام. وقال الآلوسي: والحق أَنهما متصلتان معنى مع كونهما سورتين يفصل بينهما بالبسملة، ويدل على شدة اتصالهما ما في حديث الإِسراءِ الذي أَخرجه ابن أَبي حاتم أَن الله تعالى قال لرسوله ﵊: يا محمد أَلم أَجدك يتيمًا فآويت وضالا فهديت، وعائلا فأَغنيت، وشرحت لك صدرك، حططت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، ولا أُذكر إِلا ذُكرت معي .. إِلى آخره، والجمع بينهما في الحديث يدل دلالة قوية على ما بينهما من تناسب. أَهم مقاصد السورة: ابتدأَت بالحديث عن نعم الله العديدة على عبده محمد ﷺ وذلك بشرح صدره بالإِيمان، وتنوير قلبه بالحكمة والعرفان، وعصمته من الذنوب والآثام، وتيسير أَعباء النبوة عليه حتى أَدى الأَمانة، وبلغ الرسالة، قال تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ .. ) الآيات. ثم تحدثت كذلك عن إِعلاءِ منزلته ﷺ والتنويه بما يلغه من تكريم وتعظيم حيث جعله مذكورًا على لسان كل مؤمن مقرونًا باسمه جل وعلا. قال تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ). ثم طمأَنت الرسول وهو ومن معه يقاسي الشدائد والأهوال من كفار مكة، طمأَنته إلى ما ينتظره من الفرج، والنصر القريب على الأَعداءِ، قال تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا).

стр. 5578

وختمت السورة بتذكير الرسول بما يجب عليه بعد الفراغ من أَمر الدعوة، ومقتضيات الجهاد، وذلك ببذل الجهد في عبادة أُخرى بحيث لا يخلى وقتاً من أَوقاته منها متجها إِلى رَبِّه وحده بمسائله وحاجاته، قال تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ* وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)) المفردات: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ): أي أَلم نوسعه، ونجعله رحيبًا بما أَودعناه فيه من الحكم والعلوم؟! والاستفهام للتقرير، كأَنه قيل: قد شرحنا لك صدرك. (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ): الوزر؛ الحمل الثقيل، أَي: حططنا عنك حملك الثقيل الذي تلقيه عليك أَعباءُ النبوَةِ. (أَنقَضَ ظَهْرَكَ): أَي: أَثقله وأَوهنه حتى سمع له نقيض، وهو الصوت الخفي الذي يسمع من الرحل فوق ظهر البعير من ثقل الحمل وشدته، والكلام على التمثيل. التفسير: ١ - ٤ - (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ): المعنى: أَلم نوسع لك صدرك بإِخراجك من تلك الحيرة التي كان يضيق لها لما تلاقيه من جحود قومك وعنادهم؟ وذلك بما أودعناه فيه من الحكم والعلوم والهدى ونور الإِيمان؛

стр. 5579

حتى يتيسر لك تلقى ما يوحى إِليك بعد ما كان يشق عليك!؟ وعن الحسن: ملئَ علما وحكمة. وقيل المعنى: أَلم نفسح لك صدرك حتى وسع عالمي الغيب والشهادة وجمع بين ملكتي الاستفادة، والإفادة، ووجه نسبة الشرح إِلى الصدر: لأَنه لما كان محلا لأَحوال النفس، ومخزنًا لسرائرها من العلوم والإِدراكات، والملكات، والإِرادات وغيرها -عبَّر بشرحه عن توسيع دائرة تصرفات النفس بتأييدها بالقوة القدسية، والكمالات الإِلهية. وعن ابن عباس وجماعة أَنه إِشارة إِلى شق صدره الشريف في صباه ﵊ وقد وقع هذا الشق على ما في بعض الأَخبار، وهو عند مرضعته حليمة السعدية، وقد ذكر ذلك كثير من المفسرين. وفي حديث لأبس يعلي، وأبي نعيم وابن عساكر ما يدل على تكرار هذا له ﵊ وهو عند حليمة، وروى أَنه وقع له أَيضًا وهو ابن عشرين سنة وأَشهر، كما في الدر المنثور، ووردت في شق الصدر للرسول الله ﷺ روايات كثيرة، فمن أَرادها فليرجع إِليها في أَمكنتها من كتب السيرة، والله وحده أَعلم بمدى صحة ما قيل. (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ): عطف على مضمون الجملة السابقة. كأَنه قيل: شرحنا لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، أَي: خففنا عنك ما أَثقل ظهرك من أعباءِ النبوة، ومشاق القيام بأَمرها، والوزر: الحمل الثقيل، وقيل: المراد به الأُمور التي فعلها ﷺ عن اجتهاد وعُوتِبَ عليها، ووضْعها: غفرانها كقوله تعالى: "لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تأَخَّرَ" (١) واختار أَبو حيان كون وضع الوزر كناية عن عصمته ﷺ من الذنوب وتطهيره من الأدناس، عبر عن ذلك بالوضع، على سبيل المبالغة في انتفائه. (الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ) أَي: أَثقله وأوهنه حتى سمع له نقيض يصدر عنه لثقل الحمل، وهو صوت خفيف كالصوت الذي ينبعث من الرحل على ظهر البعير لثقل الحِمْل، والكلام على التمثيل، مثل به حاله ﵊ مما كان يثقل عليه ويؤلمه من عدم

стр. 5580

إِحاطته بتفاصيل الأَحكام والشرائع مما لا يُدْرك إِلا بالوحي، أو من حرصه على إِسلام المعاندين من قومه، وتلهفه عليه وغير ذلك من أُمور تثقل عليه ﷺ . "وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ" بالنبوة وغيرها، وأَيُّ رفع أكمل وأَسمى من أَن يقرن اسمه ﷺ باسمه في كلمة الشهادة والأَذان والإِقامة، وجعل طاعته في غير موضع من القرآن. فقال سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ" (١) "وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ" (٢) وصلى عليه مع ملائكته، وأمر المؤمنين بالصلاة عليه، وخاطبه بالأَلقاب في قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثَّرُ" "يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ" "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ" "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ" وأَخذ على الأَنبياءِ وأُممهم أَن يؤمنوا به، وذكره سبحانه في كتب الأَولين، وفي حديث مرفوع أَخرجه أَبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن أَبي سعيد الخدري أَن رسول الله ﷺ قال: "أَتَانِي جبَرِيلُ ﵇ فقال: إِنَّ ربَّك يقول: أَتَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قُلْتُ: اللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، قَالَ: "إِذَا ذُكِرْتُ ذُكْرْت مَعِي" واقتصرَ بما ذكر على ما هو أَعظم قدرًا من أَفراد رفع الذكر. (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) المفردات: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ): يقال: عسر الأَمر عسرًا، مثل: قرب قربًا، وعسارة بالفتح فهو عسير، أَي: صعب شديد، إِشارة إِلى ما هم فيه من فقر وضيق. (يُسْرًا) أَي: سعة وغنى. (فَانصَبْ) أَي: فأَتْعبْ نفسك في طلب الآخرة، ونصِبَ نصبًا، من باب: تَعِبَ: أَعيا

стр. 5581

التفسير ٥ - (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا): وعد للنبي ﷺ بتيسير كل عسير له وللمؤمنين، مسوق لتسليته والتنفيس عنه أَي: فإِن مع الشدة التي أَنت فيها من مقاساة أَذى المشركين بمكة يسرًا. كأَنه قيل: خولناك ما خولناك من جلائل النعم لتأْييدك، فكن على ثقة بفضل الله ولطفه ولا تيأَس، فإِن بعد الشدة التي صادقتك من المعاندين لدعوتك يسرًا عظيمًا وذلك بإِظهارك عليهم، وقهرك لهم. وقيل هذا المعنى: كان المشركون يعيرون رسول الله والمؤمنين بالفقر حتى سبق إِلى وهمه أَنهم رغبوا عن الإِسلام لافتقار أَهله، فذكره سبحانه بما أَنعم به عليه من نعم عظيمة ثم قال: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ) أَي: الذي أَنتم فيه (يُسْرًا) عظيما، وأَي يسر، والمراد به: ما تيسر لهم من فتوح في أيام رسول الله ﷺ أَو يسر الدنيا مطلقًا. ٦ - (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا): يحتمل أَن تكون تكريرًا للجملة السابقة لتقرير معناها في النفوس، وتمكينه في القلوب ويحتمل أَن تكون وعدًا مستأْنفًا له ﷺ ، واحتمال الاستئناف هو الراجح، كما يقول الآلوسي لما علم من فضل التأْسيس على التأْكيد لإِفادة التأْسيس لمعنى جديد والتنوين في (يُسْرًا) للتعظيم. والمراد: أَن مع ذلك العسر يسرًا آخر، ولن يغلب عسر يسرين، ويشير إِلى ذلك ما أَخرجه عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال؟ ذُكِر لنا أن رسول الله ﷺ بشر بهذه الآية أَصحابه فقال ﵊: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ إنْ شاءَ يُسْرَيْنِ". وهذا مما تنطق به قواعد اللغة؛ لأَن العسر أُعيد معرفة، فكان واحدًا؛ لأَن المعرفة إِذا أُعيدت معرفة، كانت الثانية عين الأُولى، واليسر أُعيد نكرة، والنكرة إذا أُعيدت نكرة كانت الثانية غير الأُولى، والمراد باليسرين يسر الدنيا ويسر الآخرة والإِتيان بكلمة (مع) في الجملتين للإِيذان بغاية مقاربة اليسر للعسر زيادة في التسلية.

стр. 5582

٧، ٨ - (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ): أَي: فإِذا فرغت من التبليغ، وقيل: من الغزو، فاجتهد في العبادة، وأَتعب نفسك فيها ببذل أَقصى طاقتك في أَدائها شكرًا لما أوليناك من النعم السابقة، ووعدناك من الآلاءِ الآتية، والنصَبُ فيها ألا يخلى وقتًا من أَوقاته منها، فإِذا فرغ من عبادة أَتبعها بأُخرى، وفي ذلك من الحث له ﷺ على العبادة ما فيه (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) أَي: وإِلى ربِّك وحده تكون رغبتك بالسؤال في حرص وإِقبال ولا تسأَل غيره. فإِنه القادر على إِنقاذك وتفريج كروبك، في الدنيا وتحقيق آمالك فيما عنده في الدار الباقية. قال ابن كثير: المعنى: إِذا فرغت من أُمور الدنيا وأَشغالها، وقطعت علائقها فانصب في العبادة، وقم إِليها نشيطًا فارغ البال، وأَخلص لربك النية والرغبة. وقبل: فإِذا فرغت من صلاتك، فاجتهد في الدعاءِ، وأَخرج ابن جرير وغيره من طرق عن ابن عباس قال: أَي: إِذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، وروى نحوه عن الضحاك وقتادة، وأَخرج ابن نصر وجماعة عن مجاهد، أَي: إِذا فرغت من أسباب نفسك. وفي رواية: من دنياك فصلِّ، وقيل غير ذلك، والله أَعلم.

стр. 5583

سورة والتين ويقال لها سورة التين بلا واو، وهي مكية، وآياتها ثمان آيات مناسبها لما قبلها: لما ذكر سبحانه في السورة السابقة (أَلَمْ نَشْرَحَ) حال رسول الله ﷺ وهو أَكمل النوع الإِنساني بالاتفاق، بل أَكمل خلق الله على الإِطلاق، ذكر في هذه حال النوع الإِنساني بعامة وما ينتهي إِليه أَمره، وما أَعده سبحانه لمن آمن منه بذلك الفرد الأَكمل، ناسب أَن يقرن بينهما. أَهم مقاصدها: ابتدأَت السورة بالقسم بالبقاع المشرفة، والأَماكن المقدسة التي خصها سبحانه بإِنزال الوحي فيها على أَنبيائه ورسله وهي بيت المقدس، وجبل الطور، ومكة المكرمة، أَقسم بها جلَّ وعلا على أَنه كرم الإِنسان، فخلقه في أَحسن تقويم، وأَشارت إِلى أَنه إِذا لم يشكر نعمة الله عليه رده سبحانه إِلى أَسفل سافلين: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ .... ) الآيات. وختمت ببيان عدل الله بإِثابة المؤمنين بأَعظم المثوبات الحسان، جزاء ما عملوا، وعقاب الكافرين المكذبين بيوم الدين بأَقصى العقوبات، (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ .... ) الآيات.

стр. 5584

بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)) المفردات: (طُورِ سِينِينَ): هو جبل الطور الذي كلم الله عليه موسى ﵇ وقيل: سينين وسيناءَ -بكسر السين وفتحها- علمان على الموضع الذي هو فيه، ولذلك أُضيف إِليهما. (الْبَلَدِ الأَمِينِ): مكة المكرمة. (تَقْوِيمٍ): أَكمل تعديل، يقال: قَوَّمَ العودَ: عدّله وجعله مستقيمًا. (غَيْرُ مَمْنُونٍ): غير مقطوع، من المن: وهو القطع. (بِالدِّينِ): المراد به الجزاءُ. التفسير ١ - (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ): أَقسم الله - تعالى - ببقاع مباركة عظيمة ظهر فيها الخير والبركة بسكنى الأَنبياءِ والمراسلين، فأَقسم بالتين، وقد اختلف المفسرون في المراد منها على أَقوال كثيرة، فقيل:

стр. 5585

يراد بها مسجد دمشق، وقيل: هي نفسها، وقيل: الجبل الذي عندها، واختلفوا كذلك في الزيتون، فقال كعب الأَحبار، وقتادة، وابن زيد وغيرهم: هي مسجد بيت المقدس وقيل: بيت المقدس نفسه، وقيل غير ذلك؛ لأَنها منابت التين والزيتون، وعلى هذه الأَقوال يكون التين والزيتون كناية عن مواضع كنى بها عن مغارسها التي تكثر فيها، حتى يتناسب الإِقسام بهما مع الإِقسام بطور سينين، وبالبلد الأَمين اللتين عطفتا عليهما، وقال قليل من المفسرين: إِن الإِقسام هو بالنوعين لذاتهما، لاختصاصهما بخواص عجيبة، وفوائد عظيمة، روى أَبو ذر أَنه أَهدى إلى النبي ﷺ طبق من تين، فأَكل منه، وقال لأَصحابه: "كلو، فلو قلت: إِن فاكهة نزلت من الجنة لقلت: هذه" إِلى آخر ما روي، وأَما الزيتون فهو إِدام، وله فوائد جمة، وشجرته من الشجرة المباركة المشهود لها في التنزيل، وعن معاذ بن جبل أَنه مر بشجرة زيتون، فأَخذ منها سواكًا فاستاك به وقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة". ورجح الرأْي الأَول على الثاني حيث فقد في الثاني التناسب الذي يقتضيه العطف إذ عُطِفَت الأَماكن على الأَشجار، وهو أَن المراد بهما مغارسهما-: ٢ - (وَطُورِ سِينِينَ): هو الجبل الذي كلم الله تعالى - عليه موسى ﵇ ويقال له أَيضًا: طور سيناء -بفتح السين وكسرها مع المد- وهو بقرب التيه، وقيل: إِن سينين وسيناءِ علمان على البقعة التي فيها الجبل، وعن قتادة أَنه قال: سينين مبارك حسن ذو شجر، وقيل: كل جبل فيه أَشجار مثمرة يسمى سينين وسيناء. ٣ - (وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ): وهو مكة المكرمة، وَأَمَانَتَهَا أَنها تحفظ من دخلها كما يحفظ الأَمينُ ما يؤتمن عليه، ويبذل الجهد في حفظه وصيانته، فلا يعتريه أَي: أَذى أَو عدوان.

стр. 5586

ويجوز أَن يكون الأَمين بمعنى المأْمون، لأَنه مأْمون الغوائل فلا يصيب داخله أَي ضر ولا يقع عليه أَي اعتداءِ على نفسه أَو ماله كما قال تعالى: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ" (١). ونسبه الأَمين بمعنى الأمانة أو بمعنى المأْمون الغوائل إِلى البلد مجازية، والإِتيان باسم الإِشارة للتعظيم. والغرض من القسم بهذه الأَشياءِ الإِبانة عن شرف البقاع المباركة دينيا ودنيويًا، وعما ظهر فيها من خير وبركة ببعثة الأَنبياء والمرسلين. وقال ابن كثير: ذهب بعض الأَئمة إِلى أَن هذه محال ثلاثة بعث الله في كل منها نبيًا مرسلا من أُولي العزم أَصحاب الشرائع الكبار، فالأَول محلة التين والزيتون وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى ﵇ والثاني طور سنين وهو طور سيناءَ الذي كلم الله منه موسى بن عمران، والثالث مكة وهو البلد الأَمين الذي من دخله كان آمنًا وهو أَثر إِبراهيم ﵇ -أَرسل فيه محمدًا ﷺ وقد ذكر في آخر التوراة هذه الأماكن الثلاثة. قالوا: "جاءَ الله من طور سيناءَ، يعني الجبل الذي كلم الله عليه موسى، وأَشرق من ساعير. يعني جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى، واستعلن من جبال فاران، يعني جبال مكة التي أَرسل الله منها محمدًا ﷺ " أهـ. ابن كثير. ٤ - (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ): جواب القسم، أَي: لَقد خلقنا جنس الإِنسان -وهو شامل للمؤمن والكافر- في أَحسن ما يكون من التعديل والتقويم صورة ومعنى، حيث بَرَأَهُ -سبحانه- مستوى القامة، متناسب الأَعضاءِ حسن الصورة. قوي الإِحساس، سليم العقل، متصفًا بالحياة والعلم، والسمع البصر، والإِرادة والتكلم، وغير ذلك من الصفات والعجائب التي أَودعت فيه. ويكفي في هذا الباب -وهو القول الفصل- أَن الله خلق آدم بيديه،، وأَمر -سبحانه- ملائكته ﵈ بالسجود له وهم المكرمون لديه.

стр. 5587

٥ - (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ): ثم للتراخي، أَي: ثم كان عاقبة أَمره أَن جعلناه من أَهل النار الذين هم أَقبح من كل قبيح صورة،، أَسفل من كل سافل شكلا وتركيبًا، لعدم استقامة كل منهم على موجب ما خلقناه عليه من الصفات السوية، والصورة الحسنة التي لو عمل بمقتضاها لكان في أَعلى عليين، أَو ثم رددناه أسفل ممن سفل من أَهل الدركات، أَو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أَسفل ممن سفل هيئة وبنية حيث نكسناه في خلْقِه، فقوس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وكَلَّ سمعه وبصره، وتغير كل شيءٍ فيه، فمشيه دليف (١)، وصوته خفات (٢)، وقوته ضعف، وشهامته خرف أَي: فساد عقل كما قال تعالى: "وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ" (٣) وقوله تعالى: "وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ" (٤). ٦ - (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ): أَي: ثم رددنا الإِنسان إِلى صورة مشوهة قبيحة في النار إِلا الذين آمنوا وجروا في عملهم على موجب تلك الصفات التي منحهم الله إِياها، ونشأَهم عليها، فإِنهم لا يردون أَسفل سافلين ولا تقبح صورهم يوم القيامة، وإِنما يكون لهم ثواب غير منقطع على طاعتهم وامتثالهم وشكرهم لله على نعمائه، يزدادون به بهجة إِلى بهجتهم، وحسنًا إِلى حسنهم، والاستثناءَ متصل من ضمير رددناه العائد على الإِنسان؛ فإِنه في معنى الجمع. أَو المعنى: لكن الذين كانوا مؤمنين صالحين من الزمني والهرمي، فلهم ثواب متصل دائم، أَو غير ممنون به عليهم جزاءَ امتثالهم وصبرهم على الابتلاءِ بالشيخوخة والهرم، ومقاساة المشاق، والقيام بالعبادة مع ضعفهم ووهنهم. أَخراج ابن أَبي حاتم عن ابن عباس أَنه قال في الآية: إِذا كبر العبد وضعف عن العمل كتب له أَجر ما كان يعمل في شبيبته.

стр. 5588

٧ - (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ): خطاب للإِنسان الكافر على سبيل الالتفات لتشديد التوبيخ والتقريع، والاستفهام إِنكاري، أَي: فأَي شيءٍ يضطرك -أَيها الإِنسان- بعد ما بينا من الدليل القاطع. على قدرة الله على البعث والبرهان الساطع على أَنه واقع لا محالة إِلى أَن تكون مكذبًا به فإِن الله خلقك من نطفة، وقوَّمك على وجه يبهر الأذهان، ويضيق عنه نطاق البيان مع تحويلك من حال إِلى حال، وذلك من أَوضح الدلائل على قدرة الله على البعث والجزاءِ. وقيل: الخطاب لرسول الله ﷺ أَي: فأَي شيءٍ ينسبك إِلى الكذب بسبب إِخبارك بالجزاءِ بعد ظهور هذه الدلائل الناطقة به؟! وهذا القول اختاره ابن أَبي حاتم. ٨ - (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ): أَي: أَليس الذي فعل ما ذكر بأَحكم الحاكمين صنعًا وتدبيرًا حتى يتوهم عدم الإِعادة والجزاءِ؟! وكان النبي إِذا قرأَ هذه الآية. قال: "بَلَى وَأَنَا على ذلك من الشاهدين" ومآل الاستفهام في قوله تعالى: (أَلَيْسَ) أَن الله أَعلى المدبرين حكمة؛ ولهذا وضع الجزاءَ لهذا النوع الإِنساني ليحفظ لمن عمل منه واتقى منزلته من الكرامة التي أَعدها بأصل خلقته، وهو سبحانه لا يجوز ولا يظلم أَحدًا لأَنه أَعدل العادلين وبذلك استحال عدم كونه أَحكم الحاكمين، وتعين الجزاء بعد البعث حتى ينصف المظلوم في الدنيا من ظالمه، وليؤْتي كل ذي حق حقه، والجملة تقرير لما قبلها. وقيل: إِن الحكم بمعنى القضاء، فهي وعيد للكفار، وبيان بأَن الله يحكم على كلٍّ بما هو أَهله من الجزاءِ؛ لأَنه -سبحانه- أَحكمهم قضاءً بالحق، وعدلا بين الخلق - والله أَعلم.

стр. 5589

سورة العلق تسمى سورة (اقرأ) وهي مكية، وآياتها تسع عشرة آية وهي أَول ما نزل من القرآن مناسبتها لما قبلها: لما ذكر -سبحانه- في سورة التين والزيتون خلق الإِنسان في أَحسن تقويم، بين هنا أَنه تعالى خلقه من علق، فكان ما تقدم كالبيان لكمال تصويره، وهنا كالبيان للمادة التي خلق منها وذكر -سبحانه- هنا أَيضًا من أَحواله في الآخرة ما هو أَبسط وأَكثر مما ذكره هناك. أَهم مقاصدها: ابتدأَت السورة بالدعوة إِلى القراءَة والتعليم، وأَشارت إِلى بعض المراحل في خلق الإِنسان، وبينت فضل الله على رسوله الكريم بإِنزال القرآن، وتذكيره بأَول النعماءِ وهو يتعبد ربه بغار حراءَ حيث تنزل عليه الوحي بآيات الذكر الحكيم: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ) الآيات. ثم تحدثت عن طغيان الإِنسان في هذه الحياة مغترًّا بما أُوتي من قوة وثراءٍ، وعن تمرده على أَوامر ربه بسبب ما أَولاه، وهددته بالعودة إِلى خالقه لينال الجزاءَ: (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رآهُ اسْتَغْنَى … ) الآيات. ثم تناولت قصة أَبي جهل الذي كان يتوعد الرسول وينهاه عن الصلاة انتصارًا لعبادة الأَوثان: (أَرأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى* عَبْدًا إِذَا صَلَّى). الآيات. ثم أَبرزت تهديد ذلك الشقي، وزجره بأَقصى العقوبات إِذا استمر على بغيه وضلاله: (كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بالنَّاصِيَةِ) إِلخ الآيتين. وكان ختام السورة: الإِشارة إِلى عجز ذلك الشقي عن تنفيذ تهديده للرسول ﷺ بكثرة عشيرته ووفرة أَنصاره حين أَغلَظ ﷺ له القول لردعه: (فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) الآيات.

стр. 5590

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)) المفردات: (بِاسْمِ رَبِّكَ): أَي؛ سمّ باسم ربك قائلًا: باسم الله، ثم اقرأْ. (مِنْ عَلَقٍ): أَي؛ دم جامد، جمع علقة. التفسير ١، ٢ - (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ): عن ابن عباس ومجاهد: هذه أَول سورة نزلت، والجمهور على أَن الفاتحة أَول سورة نزلت، ثم سورة (ن) وفي شرح صحيح مسلم الصحيح أَن أَول ما نزل اقرأْ، أَي: مطلقًا، وأَول ما نزل بعد فترة الوحي (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) وجزم جابر بن زيد بأَن أَول ما نزل (اقْرَأْ) ثم (ن) ثم (يا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ) ثم (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) ثم (الفاتحة) وقيل: أَول ما نزل صدرها إِلى قوله تعالى: (عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) وكان ذلك في غار حراءَ، ثم نزل آخرها حين شاءَ الله تعالى، وهو ظاهر ما أَخرجه الإِمام أَحمد والشيخان وعبد بن حميد عبد الرزاق وغيرهم عن طريق ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة في حديث بدءِ الوحي، وفيه: أَن النبي ﷺ أَول ما تمثل له الملك الذي يتلقى عنه الوحي، وهو يتحنث في غار حراءَ، في شهر رمضان، قال له الملك: اقرأْ، قال رسول الله: فقلت: ما أَنا بقارئٍ

стр. 5591

قال: فأَخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أَرسلني، فقال: اقرأْ فقلت: ما أَنا بقاري، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أَرسلني، فقال: اقرأْ، فقلت: ما أَنا بقارئ، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، فقال: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" حتى بلغ " عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" فرجع بها رسول الله ترتجف بوادره (١) حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: "يا خديجة مالي"؟! وأَخبرها الخبر. وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من محله. والمعنى: اقرأْ ما يوحى إِليك من القرآن الكريم، فإِن الأَمر بالقراءَة يقتضي مقروءًا قطعًا، أَي: اقرأْ ملتبسًا باسم ربك، أَعني مبتدئًا به، لتتحقق مقارنته لجميع أَجزاء المقروءِ، كأَنه قيل: سمّ باسم ربك ثم اقرأْ، وهو ظاهر في أَنه لو افتتح بغير اسمه لم يكن ممتثلًا، وهذا أَول خطاب إلهي وجه إِلى النبي ﷺ . قال الآلوسي: والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إِلى الكمال اللائق شيئًا فشيئًا مع الإِضافة إِلى ضميره ﵇ للإِشعار بتبليغه ﵊ إِلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية بإِنزال الوحي المتواتر. أهـ. ووصف الرب بقوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ) لتذكير رسوله ﷺ أَول النعماءِ الفائضة عليه، -صلوات الله وسلامه عليه- منه تعالى -وهي الخلق- مع ما في ذلك من التنبيه على أَنه تعالى قادر على تعليم القراءَة بأَلطف وجه، إِذ القادر على الخلق والإِيجاد لا يعجزه قطعًا تعليم القراءَة. وقيل: أُريد بوصف الرب بالذي خلق في قوله: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ" تأكيد عدم إِرادة غيره تعالى من الأَرباب، فإِن العرب كانت تسمى الأَصنام أَربابًا لكنهم لا ينسبون الخلق إِليها. ولم يذكر مفعول خلق، لأَنه في معنى فِعْل لازم، أَي: الذي حصل منه الخلق، واستأَثر به، أَو أَنه لم يذكر لأَنه أُريد تقديره بأَمر عام، كأَن يقال: الذي خلق كل شيءٍ، فيتناول كل مخلوق لأَنه مطلق، فليس بعض المخلوقات أَولى بتقديره من بعض (خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ).

стр. 5592

تخصيص الإِنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق لشرفه، وفيه من بدائع الصنع والتدبير ما فيه، مع أَن الله قد خص الإِنسان بالرسالة إِلى الثقلين، وعن الزمخشري: أَن المناسب أَن يراد خلق الإِنسان بعد الأَمر بقراءَة القرآن تنبيهًا على أَن خلقه للقراءَة، والدراية، وعلى هذا يكون عدم ذكره في الجملة الأُولى، وذكره في الثانية قصدًا لتفخيمه بالإِيهام ثم التفسير، ودلالة على عجيب فطرته، وكان خلقه من دم جامد، لبيان كمال قدرته تعالى؛ بإِظهار ما بين حالتيه الأُولى والآخرة من التباين البيِّن، وللتنبيه على أَن الذي خلقه من هذه المادة ثم سواه بشرًا سويًّا في أَحسن تقويم، قادر على كل شيءٍ، ولما كان الإِنسان مرادًا به الجمع قيل: "علق" ولم يقل: من علقة. ٣ - ٥ - (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ): أَي: امض لما أَمرتك به من القراءَة (وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ) استئناف وارد لإِزاحة ما أَبداه ﷺ من العذر بقوله -صلوات الله وسلامه عليه- لجبريل ﵇: ما أَنا بقارئ، حين قال له: اقرأْ. يريد ﷺ أَن القراءَة شأْن من يكتب ويقرأَ، وأَنا أُمّيّ، فقيل له: وربك العظيم الكريم الذي أَمرك بالقراءَة، لا يدانيه كريم. (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) أَي: علَّم -سبحانه- وحده بواسطة الكتابة بالقلم وليس ذلك لغيره، علَّمه، وكما عَلَّم -سبحانه- القاري بواسطة الكتابة بالقلم يُعلِّمك القراءَة بدونها وإِن كنت أُميًّا، وحقيقة الكرم كما قيل: إِعطاءَ ما ينبغي لا لغرض، فهو صفة لا يشاركه تعالى في إِطلاقها أَحد. (عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) أَي: علمه بالقلم وبدونه من الأُمور الكلية والجزئية، والجلية، والخفية ما لم يخطر بباله، فدل على كمال كرمه - تعالى - حيث علم - سبحانه- عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إِلى نور العلم، قال القرطبي: نبه - سبحانه- على فضل علم الكتابة لما فيه من الفوائد العظيمة التي لا يحيط بها إِنسان، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أَخبار الأَولين ومقالتهم، ولا كتب الله المنزلة إِلاَّ بالكتابة، ولولاها ما استقامت أُمور الدين والدنيا وهذه الآيات الخمس أَول ما تنزل من القرآن كما ثبت في الصحاح، وقد فصل ذلك أَول السورة.

стр. 5593

(كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)) المفردات: (لَيَطْغَى): ليتجاوز الحد في المعصية وفي الاستكبار على ربه. (الرُّجْعَى): مصدر بمعنى الرجوع، أَي: إِلى ربك رجوع هذا الطاغي. (وَتَوَلَّى): أَعرض عن الإِيمان. (لَنَسْفَعًا بالنَّاصِيَةِ) أَي: لنأْخذن بناصيته، ولنسحبنه بها إلى النار، والسفع: القبض على الشيءِ وجذبه بشدة. والناصية: شعر مقدم الرأْس. (نَادِيَهُ): أَي: أَهله وعشيرته، والنادي والنَّدِي: المجلس الذي يجتمعون فيه، والإِسناد مجازي. (الزَّبَانِيَةَ): مأْخوذ من الزبن، وهو الدفع، ويراد الملائكة الشداد الغلاظ.

стр. 5594

التفسير ٦ - ٨ - (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رآهُ اسْتَغْنَى* إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى): روي أَن هذه الآيات وما بعدها إِلى آخر السورة نزلت في أَبي جهل بعد زمن من نزول ما قبلها، وكان طاغيًا متكبرًا فخورًا بكثرة ماله، مبالغًا في عداوة رسول الله ﷺ وفي الحديث الصحيح: أَن أَبا جهل حلف باللات والعزى لئن أَتى محمدًا ﷺ يصلي، ليطأَن على رقبته، وليعفرن وجهه، فأَتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليفعل، فما فاجأَهم منه إِلاَّ وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له: مالك؟ فقال: إِن بيني وبينه خندقًا من نار، وهولًا، وأَجنحة، فقال رسول الله ﷺ : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا، والآيات وإِن نزلت في أَبي جهل إِلاَّ أَن الحكم عام في كل طاغ متكبر، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والمعنى: ابتدأَت الآيات بكلمة (كَلاَّ) ردعًا وزجرًا لهذا الإِنسان الذي كفر نعمة ربه بطغيانه واستكباره، ووُجِّه إِليه الردع وإِن لم يسبق ذكره لدلالة الكلام عليه، حيث إِن الآيات من مفتتح السورة إِلى هذا المقطع تدل على أَن الله تفضل على الإِنسان بأَعظم المنن التي كرمه بها، فكان بشرًا سويًّا، وذلك يستدعي الشكر والعرفان، لكنه كما قال سبحانه: "إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى" أَي: ليتجاوز الحد في الطغيان والاستكبار على عبادة الله، واتباع هوى النفس فيما يفعل وما يدع (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) أَي: بالغ في الطغيان لأَنه رأَى نفسه ذا مال وثروة، وبطش قوة (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) تهديد لهذا الإِنسان الطاغي، وتحذير له من عاقبة الطغيان على طريق الالتفات؛ للتشديد في العقوبة، أَي: إِلى ربك وحده أَيها الإِنسان، لا إِلى غيره -استقلالًا أَم اشتراكًا- المرجع والمصير بالموت والبعث، فيجازيك على أَعمالك التي اقترفتها بما تستحق من تعذيب وتنكيل. ٩، ١٠ - (أَرأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى* عَبْدًا إِذَا صَلَّى): ذكر لبعض آثار الطغيان، ووعيد عليها، وتعجيب منها؛ وتعجيب منها؛ للإِيذان بأَنها من الشناعة والغرابة بمكان بحيث يجب أَن يراها كل من تتأَتى منه الرؤية، ويقضي منها العجب العجاب

стр. 5595

ولا خلاف بين المفسرين كما قال ابن عطية في أَن المصلي هو رسول الله ﷺ والناهي هو أَبو جهل. والإِتيان بلفظ (العبد) منكرًا لتفخيمه ﵊ واستعظام النهي، وتأكيد التعجيب منه، وكلمة (أَرأَيت) صارت تستعمل في معنى (أَخبروني) على أَنها لا يقصد بها في مثل هذه الآية الاستخبار الحقيقي، ولكن يقصد بها إنكار الحالة المستخبر عنها وتقبيحها. ولَمَّا كانت الرؤية سببًا للإِخبار عن المرئي، أَجري الاستفهام عنها مجرى الاستخبار. ١١ - ١٤ - (أَرأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى* أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى* أَرأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى* أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى): أَي: أَخبرني يا من له أَدنى تمييز عن هذا الذي ينهى بعض عباد الله فضلًا عن النبي المجتبي، ينهاه عن الصلاة، إِن كان على طريقة سوية فيما ينهي عنه من عبادة الله تعالى: (أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى) أَو كان آمرًا بالمعروف والتقوى فيما يدعو إِليه من عبادة الأَصنام كما يزعم، أَو كان على التكذيب للحق، والتولي عن الدين الصحيح. (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) أَي: أَلم يعلم هذا الطاغي الفاجر بأَنَّ الله يراه؟! أَي: يطلع على أَحواله من هداه وضلاله، فيجازيه على حسب ذلك، أَلم يعلم ذلك حتى اجترأَ على ما فعل من إِفك وطغيان، وهذا وعيد له، وتهديد على ما وقع منه. وقيل المعنى: أَخبرني إِن كان هذا العبد المصلي وهو النبي ﷺ الذي تنهاه عن الصلاة صالحًا مهتديًا في قوله وفعله (أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى) أَي: أَو كان آمرًا بالإِخلاص والتوحيد، داعيًا إِلى الهدى والرشاد، كيف تزجره وتنهاه، فما أَبلهك أَيها الغبي الذي تنهى مَنْ هذه أَوصافه عن الصلاة، ثم عاد الخطاب إِلى رسول الله ﷺ فقال: "أَرأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى" أَي: أَخبرني يا محمد إِن كذب بالقرآن، وأَعرض عن الإِيمان. (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) أَي: أَلم يعلم ذلك الشقي أَن الله مطلع على أَحواله، مراقب لأَفعاله، وسيجازيه -سبحانه- عليها يوم الدين، ويله ما أَجهله وأَغباه.

стр. 5596

١٥ - ١٦ - (كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَا بالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ): بدئت الآية بكلمة (كَلاَّ) لوعيد ذلك الناهي -وهو أَبو جهل- وزجره حيث إِنه سبحانه له بالرصاد، كما قال تعالى: "لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ" أَي: والله لئن لم ينته عمَّا هو عليه بتركه والابتعاد عنه (لَنَسْفَعًا بالنَّاصِيَةِ) أَي: لنأْخذن بناصيته ولَنَسْحَبَنَّهُ بها إِلى النار، لنذلنه بذلك الإِذلال الشديد. يقال: سفعت بالشيءٍ: إِذا قبضت عليه وجذبته بشدة، والمراد بالناصية: شعر مقدم الرأْس، وقيل: المراد لنسحبنه على وجهه في الدنيا يوم بدر، وفيه بشارة بأَنه تعالى يمكِّن المسلمين من ناصيته حتى يجروه إِن لم ينته، وقد فعل (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ) بدل من الناصية، أَي: هي ناصية وصفت بالكذب وبتعمد الخطإِ على الإِسناد المجازي، وهما لصاحبها حقيقة، وذلك يفيد المبالغة، حيث يدل على وصفه بذلك بطريق الأولى، ويفيد أَنه لشدة كذبه وخطئه، كأَنَّ كل جزء من أَجزائه يكذب ويخطي، وفي هذا الإِسناد من الحسن والجزالة ما ليس في قولك: ناصيةُ كاذب خاطئ. ١٧، ١٨ - (فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ): هذا إِشارة إِلى ما صح من أَن أَبا جهل مر برسول الله ﷺ وهو يصلِّي فقال: أَلم أَنهك، فأَغلظ ﵊ له. فقال: أَتهددني، وأَنا أَكثر أَهل الوادي ناديًا، فنزل (فَلْيَدْعُ نَادِيَه) فالأَمر للتعجيز، إِشارة إِلى أَنه لا يقدر على ذلك، ولا يستطيعه، أَي: فليدع أَهله وعشيرته لنصرته في إِيذاء الرسول ﷺ ومنعه من الصلاة في المسجد إِن قدروا على ذلك، والنادي وكذلك الندي: المكان الذي ينتدى فيه القوم، أَي يجتمعون للحديث، والإِسناد مجازي (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) أَي: ملائكة العذاب، وهم غلاظ شداد، ليجروه إلى النار، ويلقوه فيها، والزنانية في الأَصل عند العرب: الشُّرَط، واحدها: شَرْطي،

стр. 5597

وهم أَعوان الأَمير من الزبن وهو الدفع، وسميت ملائكة العذاب بذلك لدفعهم من يعذبونه إِلى النار. قال ابن عباس: لو دعا نادية، لأَخذته ملائكة العذاب من ساعته. ١٩ - (كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ): (كَلاَّ) ردع لذلك اللَّعين بعد ردع، وزجر له إِثر زجر (لا تُطِعْهُ) فيما دعاك إِليه من ترك العبادة، ودُمْ على ما أَنت عليه من معاصاته والإِعراض عنه (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) أَي: وصل لله تعالى، وواظب على سجودك وصلاتك غير مكترث بما صدر عنه من تهديد ووعِيد، وتقرب إِلى ربك بطاعته، والامتثال إِلى أَمره ونهيه، وفي الحديث الذي خرجه مسلم وغيره ما يشير إِلى فضل السجود إِذ يقول ﷺ : "أَقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" والله أَعلم.

стр. 5598

سورة القدر وهي مكية، وآياتها خمس آيات وسميت بذلك لتكرار ذكر ليلة القدر فيها، وعظم شرفها مناسبتها لما قبلها: لَمَّا كانت كالتعليل للأَمر بقراءَة القرآن في بدءِ السورة السابقة (العلق). كأَنه قبل: اقرأْ القرآن لأَن قدره عظيم، وشأْنه فخيم، لذلك ذكرت هذه عقب تلك. أَهم مقاصدها: ١ - تحدثت عن بدءِ نزول القرآن، وأَنه كان في ليلة القدر: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ). ٢ - أَبرزت الشرف العظيم لتلك الليلة على العدد الكثير من الأَيام والليالي لما فيها، من الأنوار والنفحات الربانية: "لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ". ٣ - أَكدت علوَّ قدر هذه الليلة. يتنزل الملائكة المقربين من عند الرحمن من أَجل كل أَمر قدره الله لتلك السنة إِلى قابل: "تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ". ٤ - أَشارت في ختامها إِلى أَن سلام الملائكة على أَهل الإِيمان مستمر إِلى طلوع الفجر: (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ).

стр. 5599

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)) المفردات: (فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) أَي: ليلة تقدير الأُمور وقضائها، والقدر: بمعنى التقدير، وهي بذلك تشرف وتفضل سائر الليالي. (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) أَي: لم تبلغ درايتك وعلمك غاية فضلها العظيم. (وَالرُّوحُ فِيهَا) أَي: جبريل ﵇ أَو خلق من خلق الله لم يُر مثلهم. (سَلامٌ هِيَ): أي: أَنها سلام من كل أَمر مخوف إلى مطلع الفجر. أَو تسليم من الملائكة على المؤمنين إِلى تلك الغاية. التفسير ١ - (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ): يخبر الله تعالى بأَنه -سبحانه- عظم القرآن الكريم بإِسناد إِنزاله إليه -جل شأْنه- لا إِلى غيره، أَنزله -سبحانه- في ليلة مباركة كما قال تعالى: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ" (١) وهي ليلة القدر التي جعلها الله من ليالي شهر رمضان، كما قال سبحانه " شَهْرُ

стр. 5600

رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ" (١) وفي إِسناد إِنزاله إِليه - سبحانه - مرتين في قوله: (إنا) وقوله: (أَنزلناه) مع تأْكيد الجملة في الآية الكريمة مزيد من التعظيم والتفخيم مع إِفادة اختصاص الإِنزال به تعالى كما قال الزمخشري. وفي التعبير عن القرآن بضمير الغائب في "أَنزَلْنَاهُ" مع عدم تقدم ذكره تعظيم له أَي: تعظيم؛ لما أَنه يُشعر بأَنه لعلو شأْنه كأَنه حاضر عند كل أَحد، والمراد: ابتدأَنا في تلك الليلة إِنزاله على محمد ﷺ . ٢ - (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ): تعظيم لليلة القدر التي خصها - تعالى - بإنزال القرآن، أَي: ولم تبلغ درايتك غاية فضلها؛ لأَن علوها خارج عن دائرة دراية الخلق، لا يَعْلَم ذلك، ولا يُعْلِمُ به إِلاَّ علاَّم الغيوب، كما يشعر به قوله تعالى: ٣ - (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ): بيان إِجمالي لشأْنها إِثر تشويقه ﵊ إِلى درايتها بقوله: "وَمَا أَدْرَاكَ" فإِن ذلك معرب بالوعد بإِدراكها وإِعلام الله له ﷺ بها. وقد روي عن سفيان بن عيينة أَمر أَن كل ما في القرآن من قوله تعالى: "وَمَا أَدْرَاكَ" أَعلم به الله تعالى نبيه ﷺ وما فيه من قوله سبحانه: (وَمَا يُدْرِيكَ) لم يعلمه به أَي: هي خير من أَلف شهر ليس فيها ليلة القدر، وسبب ارتقائها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من إِنزال القرآن، وتنزل الملائكة والروح فيها، وفصل كل أَمر حكيم، ولذلك فإِن العبادة فيها أَكثر ثوابًا، وأَعظم فضلًا من العبادة في أَشهر كثيرة ليس فيها ليلة القدر، والعمل القليل قد يفضل الكثير باعتبار الزمان والمكان، وكيفية الأداءِ، وهو اختيار ابن جرير، وهو الصواب كما يقول ابن كثير.

стр. 5601

وذكر في تخصيص خيريتها على هذه المدة أَن النبي ﷺ ذكر رجلًا من بني إِسرائيل لبس السلاح في سبيل الله أَلف شهر، فعجب المسلمون من ذلك، وتقاصرت إِليهم أَعمالهم. فأُعطوا ليلة هي خير من مدة ذلك الغازي. وقد روي ذلك عن مجاهد. وقيل: المراد من الأَلف التكثير كما في قوله تعالى: "يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ" (١). وقد نزل القرآن -كما روي عن ابن عباس- جملة واحدة من اللَّوح المحفوظ إِلى بيت العزة من السماءِ الدنيا. ثم نزل به جبريل مفصلًا حسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم بما روي عن ابن عباس، بل حكى بعضهم الإِجماع عليه، نعم لا يبعده القول بأَن السفرة هناك نجموه لجبريل ﵇ وكان ينزل به على النبي ﷺ نجومًا في ثلاث وعشرين سنة، وفي رواية أُخرى عن ابن عباس: أَنه أُنزل في ليلة القدر جملة واحدة من السماءِ الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه في إِثر بعض، ومعنى إِنزال القرآن من اللوح المحفوظ: إِظهاره من عالم الغيب إِلى عالم الشهادة، أَو إِثباته لدي السفرة هناك أَو نحو ذلك. واختلفت في الوقت الذي تلتمس فيه ليلة القدر. فقيل: إِنها في العشر الأَواخر من رمضان، وقيل: إِنها ليلة سبع وعشرين؛ لما رواه مسلم في صحيحه عن أُبي بن كعب عن رسول الله ﷺ إِنها ليلة سبع وعشرين، وقيل: إِنها ليلة ثلاث وعشرين، وقيل: إِنها ليلة أَربع وعشرين. والأَقوال فيها مختلفة جدًا، إِلا أَن الأَكثرين على أَنها في العشر الأواخر لكثرة الأَحاديث الصحيحة في ذلك. وأَكثرهم على أَنها في أَوتارها وكثير إِلى أنها الليلة السابعة والعشرون. والحكمة في إِخفائها أَن يجتهد من يطلبها في العبادة في غيرها ليصادفها، فيحيي ليالي شهر رمضان كلها كما كان دأب السلف. روى البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله ﷺ ليخبرنا بليلة القدر. فتلاحى رجلان فرفعت أَي: رفع تعيينها -وعسى أَن يكون خيرًا لكم.

стр. 5602

٤ - (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ): استئناف مبين لمناط خيريتها على تلك المدة المتطاولة المقدرة بأَلف شهر، أَي: تتنزل فيها الملائكة من كل سماءِ إِلى الأَرض، أَو إِلى السماء الدنيا، مع البركة والرحمة. وينزل معها الروح وهو جبريل ﵇ كما قال الجمهور، وخص بالذكر لزيادة شرفه، وعلو قدره فضلا على أَنه النازل بالذكر، وقيل الروح -كما قال كعب ومقاتل-: طائفة من الملائكة. لا تُرى إِلا في تلك الليلة وقيل: حفظة على الملائكة كالحفظة علينا، وقيل: المراد به الرحمة كما قرئ (إِنَّهُ لَاَ يَيْئَسُ مِن رُّوحِ الله) بالضم. (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) أَي: ملتبسين بإِذن ربهم، أَي: بأَمره. والتقييد بذلك لتعظيم أَمر تنزلهم من أَجل كل أَمر قضاه الله لتلك السنة إِلى قابل، وأَظهره لملائكته، وقيل: تقييد التنزيل بالإِذن للإِشارة إِلى أَنهم يرغبون في أَهل الأَرض من المؤمنين ويشتاقون إليهم، فيستأَذنون فيؤذن لهم، وفي ذلك حث للمؤمنين على العمل، وترغيب لهم في الطاعة للحظوة بهذا اللقاءِ الكريم. ٥ - (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ): أَي: ما ليلة القدر إلا سلامة وخير كلها، لا شر فيها، قال الضحاك في معنى ذلك إنه لا يقدِّر الله في تلك الليلة إِلا السلامة وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا والسلامة. وقال مجاهد: إِنها سالمة من الشيطان وأذاه، أَو أَن المراد كونها سببًا تامًا للسلامة والنجاة من المهالك يوم القيامة، كما ورد أَن من قامها إِيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه. وقيل المعنى: ما هي إِلاَّ سلام، أَي: تسليم، وذلك لكثرة التسليم والمسلمين من الملائكة على المؤمنين، فلا يلقون مؤمنًا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه، روي عن الشعبي ومنصور، وتستمر السلامة فيها من المهالك، ووسوسة الشيطان، وتسليم الملائكة على المؤمنين القائمين فيها إِلى غاية هي وقت طلوع الفجر أَي: هي ليلة كلها سلام وأَمن وكلها خير وبركة من مبدئها إِلى نهايتها. أَو أَن تنزل الملائكة فوجًا بعد فوج يتتابع إِلى طلوع الفجر.

стр. 5603

سورة البينة وتسمى سورة القيامة، وسورة لم يكن، وسورة البرية وهي مدنية، وآياتها ثمان مناسبتها لما قبلها: هي أَن قوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا … ) إِلخ .. كان كالتعليل لإِنزال القرآن، كأَنه قيل: إِنا أَنزلناه لأَنه لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى يأْتيهم رسول يتلو صحفًا مطهرة؛ لذلك وقعت تالية للسورة السابقة. أَهم مقاصد السورة: ١ - بينت تمرد أَهل الكتاب -اليهود والنصارى- على دعوة رسول الله ﷺ بعد أَن ظهر لهم الحق، وسطعت أَنواره بما عرفوا من الأَوصاف المذكورة في كتبهم للنبي المبعوث آخر الزمان وكانوا ينتظرون بعثته، فلما بُعث كفروا وعاندوا: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ … ) الآيات. ٢ - تحدث عن أَهم عناصر الإِيمان التي أُمورا بها، وهي إِخلاص العبادة لله العلي الكبير، والتوجه إِليه سبحانه في جميع الأَقوال والأَفعال مائلين عن كل دين يخالف دين التوحيد: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ .. ) الآية. ٣ - أَبرزت بيان ما ينتظر شر البرية من كفرة أَهل الكتاب والمشركين في الآخرة من عذاب أَليم، وخلود في نار الجحيم: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ .. ) الآية. ٤ - وختمت بالإِشادة بخير البرية. أَهل المنازل العالية الذين أَطاعوا الله حق طاعته، وتحدثت عن جزائهم في الآخرة لقاءَ اتصافهم بخشية ربهم وحسن مراقبته: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ .... ) الآيات.

стр. 5604

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)) المفردات: (أَهْلِ الْكِتَابِ) اليهود والنصارى. (وَالْمُشْرِكِينَ): وعبدة الأَصنام والنيران من العرب والعجم. (مُنفَكِّينَ) أَي: لم يكونوا منتهين ولا مفارقين لما كانوا عليه. (الْبَيِّنَةُ): الحجة الواضحة. (يَتْلُوا): يقرأ عليهم من حفظه (صُحُفًا مُطَهَّرَةً) أَي: صحفًا من القرآن منزهة عن الباطل والشبهات. (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) أَي: في الصحف أَحكام لا عوج فيها تبين الحق من الباطل. (حُنَفَاءَ): مائلين عن الأَديان الباطلة إِلى الدين الحق. (دِينُ الْقَيِّمَةِ) أَي: دين الملة المستقيمة.

стр. 5605

التفسير ١ - ٣ - (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ): أَي: لم يكن الذين كفروا بمحمد ﷺ من أَهل الكتاب -اليهود والنصارى والمشركين وهم عبدة الأَصنام والنيران من مشركي العرب والعجم، لم يكونوا منتهين ولا مفارقين ما عاهدوا الله عليه من الوعد باتياع الحق والإِيمان بالرسول المبعوث في آخر الزمان، والعزم على إِنجاز هذا الوعد (حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ) أَي: إِلى أَن تأْتيهم الحجة الواضحة، والمراد بها محمد ﷺ أَي: إِنهم جعلوا إتيان البينة ميقاتًا لتنفيذ وعدهم بالإِيمان بالنبي الذي تحدثت عن بعثته كتبهم، وكان مقتضى ذلك أَن يؤمنوا به إِذا بعث فيهم مؤيدًا بالقرآن، ولكنهم افترقوا في أَمره، وجعلوا إِتيانه ميقاتًا للانفكاك والاقتران واختلاف الوعد. فآمن بعضهم بنبوته وأَنكرها بعضهم بغيًا وحسدًا. وكان أَهل الكتاب يستفتحون على المشركين، ويقولون: اللهم افتح علينا، وانصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان، وذلك لما يجدونه في التوراة والإِنجيل من نعوته وأَمارات بعثه، وكان المشركون يسمعون ذلك منهم فاعتقدوا صحته بما شاهدوا من نصر الله لهم على أَعدائهم، وكانوا يسألون اليهود عن رسول الله ﷺ وهل هو النبي المذكور في كتبهم، وإِيراد الصلة فعلا في قوله تعالى "الَّذِينَ كَفَرُوا" للإِشارة إِلى أَن كفرهم حادث بعد أَنبيائهم بإِلحادهم في صفات الله (رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً) بيان للبينة، وأَن المراد منها محمد ﷺ وتنوينه للإِيذان بغاية ظهور أَمره، وأَنه حقيق بالتفخيم والتعظيم، وفي وصفه بأَنه (من الله) تأْكيد لما أَفاده التنوين في (رسول) من الفخامة الذاتية وذلك بالفخامة الإضافية إِلى الله تعالى، أَي: رسول وأَي رسول كائن من الله تعالى يتلو عليهم صفحا من القرآن مما حفظه عند التلقي من جبريل ﵇ منزهة عن الباطل، أَو المراد بتطهيرها: تطهير من يمسها كأَنه قيل: "لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ" (١).
следующие страницы →