وذكر في تخصيص خيريتها على هذه المدة أَن النبي ﷺ ذكر رجلًا من بني إِسرائيل لبس السلاح في سبيل الله أَلف شهر، فعجب المسلمون من ذلك، وتقاصرت إِليهم أَعمالهم. فأُعطوا ليلة هي خير من مدة ذلك الغازي. وقد روي ذلك عن مجاهد. وقيل: المراد من الأَلف التكثير كما في قوله تعالى: "يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ" (١).
وقد نزل القرآن -كما روي عن ابن عباس- جملة واحدة من اللَّوح المحفوظ إِلى بيت العزة من السماءِ الدنيا. ثم نزل به جبريل مفصلًا حسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم بما روي عن ابن عباس، بل حكى بعضهم الإِجماع عليه، نعم لا يبعده القول بأَن السفرة هناك نجموه لجبريل ﵇ وكان ينزل به على النبي ﷺ نجومًا في ثلاث وعشرين سنة، وفي رواية أُخرى عن ابن عباس: أَنه أُنزل في ليلة القدر جملة واحدة من السماءِ الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه في إِثر بعض، ومعنى إِنزال القرآن من اللوح المحفوظ: إِظهاره من عالم الغيب إِلى عالم الشهادة، أَو إِثباته لدي السفرة هناك أَو نحو ذلك.
واختلفت في الوقت الذي تلتمس فيه ليلة القدر. فقيل: إِنها في العشر الأَواخر من رمضان، وقيل: إِنها ليلة سبع وعشرين؛ لما رواه مسلم في صحيحه عن أُبي بن كعب عن رسول الله ﷺ إِنها ليلة سبع وعشرين، وقيل: إِنها ليلة ثلاث وعشرين، وقيل: إِنها ليلة أَربع وعشرين. والأَقوال فيها مختلفة جدًا، إِلا أَن الأَكثرين على أَنها في العشر الأواخر لكثرة الأَحاديث الصحيحة في ذلك. وأَكثرهم على أَنها في أَوتارها وكثير إِلى أنها الليلة السابعة والعشرون.
والحكمة في إِخفائها أَن يجتهد من يطلبها في العبادة في غيرها ليصادفها، فيحيي ليالي شهر رمضان كلها كما كان دأب السلف.
روى البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله ﷺ ليخبرنا بليلة القدر. فتلاحى رجلان فرفعت أَي: رفع تعيينها -وعسى أَن يكون خيرًا لكم.
стр. 5602
٤ - (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ):
استئناف مبين لمناط خيريتها على تلك المدة المتطاولة المقدرة بأَلف شهر، أَي: تتنزل فيها الملائكة من كل سماءِ إِلى الأَرض، أَو إِلى السماء الدنيا، مع البركة والرحمة. وينزل معها الروح وهو جبريل ﵇ كما قال الجمهور، وخص بالذكر لزيادة شرفه، وعلو قدره فضلا على أَنه النازل بالذكر، وقيل الروح -كما قال كعب ومقاتل-: طائفة من الملائكة. لا تُرى إِلا في تلك الليلة وقيل: حفظة على الملائكة كالحفظة علينا، وقيل: المراد به الرحمة كما قرئ (إِنَّهُ لَاَ يَيْئَسُ مِن رُّوحِ الله) بالضم.
(بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) أَي: ملتبسين بإِذن ربهم، أَي: بأَمره. والتقييد بذلك لتعظيم أَمر تنزلهم من أَجل كل أَمر قضاه الله لتلك السنة إِلى قابل، وأَظهره لملائكته، وقيل: تقييد التنزيل بالإِذن للإِشارة إِلى أَنهم يرغبون في أَهل الأَرض من المؤمنين ويشتاقون إليهم، فيستأَذنون فيؤذن لهم، وفي ذلك حث للمؤمنين على العمل، وترغيب لهم في الطاعة للحظوة بهذا اللقاءِ الكريم.
٥ - (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ):
أَي: ما ليلة القدر إلا سلامة وخير كلها، لا شر فيها، قال الضحاك في معنى ذلك إنه لا يقدِّر الله في تلك الليلة إِلا السلامة وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا والسلامة.
وقال مجاهد: إِنها سالمة من الشيطان وأذاه، أَو أَن المراد كونها سببًا تامًا للسلامة والنجاة من المهالك يوم القيامة، كما ورد أَن من قامها إِيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه.
وقيل المعنى: ما هي إِلاَّ سلام، أَي: تسليم، وذلك لكثرة التسليم والمسلمين من الملائكة على المؤمنين، فلا يلقون مؤمنًا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه، روي عن الشعبي ومنصور، وتستمر السلامة فيها من المهالك، ووسوسة الشيطان، وتسليم الملائكة على المؤمنين القائمين فيها إِلى غاية هي وقت طلوع الفجر أَي: هي ليلة كلها سلام وأَمن وكلها خير وبركة من مبدئها إِلى نهايتها. أَو أَن تنزل الملائكة فوجًا بعد فوج يتتابع إِلى طلوع الفجر.
стр. 5603
سورة البينة
وتسمى سورة القيامة، وسورة لم يكن، وسورة البرية وهي مدنية، وآياتها ثمان
مناسبتها لما قبلها:
هي أَن قوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا … ) إِلخ .. كان كالتعليل لإِنزال القرآن، كأَنه قيل: إِنا أَنزلناه لأَنه لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى يأْتيهم رسول يتلو صحفًا مطهرة؛ لذلك وقعت تالية للسورة السابقة.
أَهم مقاصد السورة:
١ - بينت تمرد أَهل الكتاب -اليهود والنصارى- على دعوة رسول الله ﷺ بعد أَن ظهر لهم الحق، وسطعت أَنواره بما عرفوا من الأَوصاف المذكورة في كتبهم للنبي المبعوث آخر الزمان وكانوا ينتظرون بعثته، فلما بُعث كفروا وعاندوا: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ … ) الآيات.
٢ - تحدث عن أَهم عناصر الإِيمان التي أُمورا بها، وهي إِخلاص العبادة لله العلي الكبير، والتوجه إِليه سبحانه في جميع الأَقوال والأَفعال مائلين عن كل دين يخالف دين التوحيد: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ .. ) الآية.
٣ - أَبرزت بيان ما ينتظر شر البرية من كفرة أَهل الكتاب والمشركين في الآخرة من عذاب أَليم، وخلود في نار الجحيم: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ .. ) الآية.
٤ - وختمت بالإِشادة بخير البرية. أَهل المنازل العالية الذين أَطاعوا الله حق طاعته، وتحدثت عن جزائهم في الآخرة لقاءَ اتصافهم بخشية ربهم وحسن مراقبته: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ .... ) الآيات.
стр. 5604
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥))
المفردات:
(أَهْلِ الْكِتَابِ) اليهود والنصارى.
(وَالْمُشْرِكِينَ): وعبدة الأَصنام والنيران من العرب والعجم.
(مُنفَكِّينَ) أَي: لم يكونوا منتهين ولا مفارقين لما كانوا عليه.
(الْبَيِّنَةُ): الحجة الواضحة.
(يَتْلُوا): يقرأ عليهم من حفظه (صُحُفًا مُطَهَّرَةً) أَي: صحفًا من القرآن منزهة عن الباطل والشبهات.
(فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) أَي: في الصحف أَحكام لا عوج فيها تبين الحق من الباطل.
(حُنَفَاءَ): مائلين عن الأَديان الباطلة إِلى الدين الحق.
(دِينُ الْقَيِّمَةِ) أَي: دين الملة المستقيمة.
стр. 5605
التفسير
١ - ٣ - (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ):
أَي: لم يكن الذين كفروا بمحمد ﷺ من أَهل الكتاب -اليهود والنصارى والمشركين وهم عبدة الأَصنام والنيران من مشركي العرب والعجم، لم يكونوا منتهين ولا مفارقين ما عاهدوا الله عليه من الوعد باتياع الحق والإِيمان بالرسول المبعوث في آخر الزمان، والعزم على إِنجاز هذا الوعد (حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ) أَي: إِلى أَن تأْتيهم الحجة الواضحة، والمراد بها محمد ﷺ أَي: إِنهم جعلوا إتيان البينة ميقاتًا لتنفيذ وعدهم بالإِيمان بالنبي الذي تحدثت عن بعثته كتبهم، وكان مقتضى ذلك أَن يؤمنوا به إِذا بعث فيهم مؤيدًا بالقرآن، ولكنهم افترقوا في أَمره، وجعلوا إِتيانه ميقاتًا للانفكاك والاقتران واختلاف الوعد. فآمن بعضهم بنبوته وأَنكرها بعضهم بغيًا وحسدًا.
وكان أَهل الكتاب يستفتحون على المشركين، ويقولون: اللهم افتح علينا، وانصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان، وذلك لما يجدونه في التوراة والإِنجيل من نعوته وأَمارات بعثه، وكان المشركون يسمعون ذلك منهم فاعتقدوا صحته بما شاهدوا من نصر الله لهم على أَعدائهم، وكانوا يسألون اليهود عن رسول الله ﷺ وهل هو النبي المذكور في كتبهم، وإِيراد الصلة فعلا في قوله تعالى "الَّذِينَ كَفَرُوا" للإِشارة إِلى أَن كفرهم حادث بعد أَنبيائهم بإِلحادهم في صفات الله
(رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً) بيان للبينة، وأَن المراد منها محمد ﷺ وتنوينه للإِيذان بغاية ظهور أَمره، وأَنه حقيق بالتفخيم والتعظيم، وفي وصفه بأَنه (من الله) تأْكيد لما أَفاده التنوين في (رسول) من الفخامة الذاتية وذلك بالفخامة الإضافية إِلى الله تعالى، أَي: رسول وأَي رسول كائن من الله تعالى يتلو عليهم صفحا من القرآن مما حفظه عند التلقي من جبريل ﵇ منزهة عن الباطل، أَو المراد بتطهيرها: تطهير من يمسها كأَنه قيل: "لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ" (١).
стр. 5606
(فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) أَي: وفي تلك الصحف أَحكام مكتوبة لا عوج فيها تبين الحق من الباطل وقيل: المراد بالكتب التي فيها، هي كُتُب الأَنبياء السابقين، لأَن القرآن مصدق لها. فكأَنَّها فيه لا سيما وأَنه قد جمع ثمرتها.
٤ - (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ):
هذا ظاهر في أن كفرهم قد زاد، فمنهم من أَنكر نبوته ﷺ ظلمًا وحسدًا، ومنهم من آمن وأَطاع. قال جار الله: كان الكفار من الفريقين يقولون قبل البعث: لا ننفك عما نحن فيه من ديننا حتى يبعث الله النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإِنجيل وهو محمد ﷺ أي: إِنهم كانوا يعدون باتفاق الكلمة، والاجتماع على الحق إِذا جاءَهم ﷺ ثم ما فرقهم عن الحق، وأَقر بعضهم على الكفر إلا مجيؤه، والآية كلام مسوق لمزيد التشنيع على أَهل الكتاب خاصة، وتغليظ جناياتهم ببيان أَن ما نسب إِليهم من الانفكاك لم يكن لاشتباه ما في الأَمر، بل كان بعد وضوح الحق، وانقطاع الأَعذار بالكلية، وهو السر في وصفهم بإِيتاءِ الكتاب المنبِئ عن كمال تمكنهم منه بمطالعته والإِحاطة بكل ما فيه من الأَحكام والأَخبار التي من جملتها نعوت النبي ﷺ وذلك كقوله تعالى: "وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ" (١).
وإِنما أَفرد هنا أَهل الكتاب، بعد ما جمع بينهم وبين المشركين أَولا، وإِن كان التفرق من الفريقين، لأَن أَهل الكتاب كانوا على علم بأَمر بعثة الرسول ﷺ لوجوده في كتبهم فإِذا وصف بالتفرق من له كتاب كان من لا كتاب له أَدخل في الوصف بذلك وقد اختلف أَهل الكتاب اختلافًا كثيرًا، كما جاءَ في الحديث المروي من طرق عن أَبي داود وابن ماجه ومسند أَحمد عن أَبي هريرة الذي يقول فيه: "إِنِّ الْيَهُودَ اخْتَلَفُوا عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَإِنَّ النَصَارَى اخْتَلَفُوا عَلى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً" إِلى آخر الحديث.
стр. 5607
(إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ) أَي: وما تفرقوا في وقت من الأَوقات إِلا من بعد ما تبينوا الحجة الواضحة الدالة على أَن رسول الله ﷺ هو الموعود به في كتبهم دلالة جلية لا شك فيها.
وحاصل المعنى مختصرا: أَن أَهل الكتاب والمشركين ظلوا مستمسكين بما وعدوا به، وتعاهدوا عليه من الإِيمان بالنبي الموعود به في التوراة والإِنجيل لغاية هي بعثته ﷺ التي جعلوها ميقاتًا للإِيمان به، واتباع النور الذي أَنزل معه تنفيذًا لما وعدوا به، وتعاهدوا عليه، وكان مقتضى ذلك أَن يؤمنوا به بعد بعثه، وينصروه نصرًا مؤزرًا، ولكنهم تفرقوا واختلفوا فمنهم من آمن بنبوته ﷺ وهدي إِلى صرط مستقيم، منهم من أَعرض وجحد وأَنكرها طغيانًا وحسدًا.
٥ - (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ):
إِشارة لغاية قبح ما فعل اليهود والنصارى من تفرق في الإقرار بنبوة محمد ﷺ مع أَنهم ما كلفوا بما كلفوا به في كتابهم لشيءٍ من الأَشياءِ إِلا بأَن يعبدوا الله، فتكون عبادة الله هي المأْمور بها فحسب (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أَي: جاعلين دينهم خالصًا له تعالى، منزوهًا عن الشرك والنفاق (حُنَفَاءَ): مائلين عن الأَديان الباطلة إِلى الدين الحق، مؤمنين بالرسل جميعًا، إِذ كانت ملتهم ﵇ هي التوحيد، وهي الملة الحنيفية الحقة.
(وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) كما أُمروا بالصلاة والزكاةِ في شريعتهم، وعليه فالأَمر بهما ظاهر، وإِن أُريد ما في شريعتنا فمعنى أَمرهم بها في كتابهم: أَن أَمرهم باتباع شريعتنا أَمر لهم بجميع أَحكامها التي هما من جملتها.
(وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) إشارة إِلى ما ذكر من عبادة الله بالإِخلاص له، وإِقامة الشرائع
стр. 5608
التي أُمروا بها، والميل عن الأَديان الباطلة إِلى الدين الحق مع الإِيمان بجميع الرسل، أَي: ذلك هو دين الملة المستقيمة، أَو ذلك هو دين الحجج المستقيمة، أَو دين الكتب التي لا يأْتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، التي بعث بها -سبحانه- رسله.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨))
المفردات:
(كَفَرُوا): الكافر: هو من أعرض عن دين محمد ﷺ فلم يؤْمن به.
(وَالْمُشْرِكِينَ): هم الذين أَشركوا مع الله غيره في العبادة.
(الْبَرِيَّةِ): الخليقة، من براه الله يبروه: خلقه، والمعنى لا يختلف عما في قراءَة من قرأَ بالهمز (البَرِيئَةِ).
(عَدْنٍ) أَي: إِقامة.
(وَرَضُوا عَنْهُ): فرحوا بما أَعطاهم.
التفسير
٦ - (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ):
بيان الحال الفريقين -أَهل الكتاب والمشركين- في الآخرة إثر بيان حالهم في الدنيا.
стр. 5609
أَي: إِنهم في الآخرة في جهنم، بمعنى: يصيرون إِليها يوم القيامة، أَو إِنهم فيها الآن على معنى أَن ملابستهم لما يوجبها منزل منزلة ملابستهم لها أو يعذبون في قبورهم (خَالِدِينَ فِيهَا) أَي: إِن عذابهم فيها لا ينقطع وسيبقى أبدَ الآبدين، واشتراك الفريقين في الخلود لا ينافي تفاوت عذابهم في الكيفية، فإِن جهنم دركات وعذابها أَلوان، فيُعذب أَهل الكتاب بنوع من العذاب في درك منها، ويُعذب المشركون في درك أَسفل منه بعذاب أَشد، لأَن الشرك ظلم عظيم، وقد استدل بالآية على خلود الكفار مطلقًا في النار.
(أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ): أَشير إِليهم باعتبار اتصافهم بما اقترفوه من القبائح المذكورة فهم بذلك شر الخليفة، والمراد أَنهم شر الناس أَعمالا لكفرهم مع علمهم بصحة رسالته ﷺ ومشاهدتهم لمعجزاته الذاتية والخارجية، ولما أَقدموا عليه من تحريف الكلم عن مواضعه، وصد الناس عنه ﷺ ومحاربتهم له. فتكون الجملة في حيز التعليل لخلودهم في النار.
٧ - ٨ - (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨))
بيان لمحاسن أَحوال المؤمنين إِثر بيان سوءِ حال الكافرين وفق المتبع في السنة القرآنية من شفع الترهيب بالترغيب، أَي: إِن الذين آمنوا إِيمانًا يقينيًا، قارن فيه التصديق القلبي العمل الصالح بالجوارح (أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) أَي: هؤلاء المؤمنون المنعوتون ببلوغ الغاية من الشرف والفضيلة في الإِيمان والطاعة هم خير الناس ثوابًا حيث يكون
(جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) أَي: إِن جزاءَهم في الآخرة بمقابلة مالهم من الإِيمان الصادق، والعمل الطيب جنات إِقامة تجري من تحت أَشجارها الملتفة، وأَغصانها المتشابكة، وبين قصورها العالية أَنهار صافية رقراقة لزيادة المتعة، وكمال النعيم، يتمتعون فيها بفنون النعم الجسمانية والروحانية، لا يموتون ولا يخرجون منها، فهم في نعيم دائم لا ينقطع، والتعرض في قوله -سبحانه-: (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والبلوغ بهم إِلى الكمال مع الإِضافة
стр. 5610
إِلى ضميرهم، وجمع الجنات وتقييدها بالإِضافة إِلى عدن، وتأْبيد الخلود فيه من الدلالة الواضحة على حسن حالهم وعلو منزلتهم ما لا يخفي.
﵃ استئناف بياني وقع جوابًا لمن يقول: هل لهم بعد ذلك جزاءٌ، فأُجيب بالجملة السابقة، أَي: ﵃ بقبول أَعمالهم ومكافأَتهم عليها.
(وَرَضُوا عَنْهُ) أَي: فرحوا بما أَعطاهم من الكرامة والنعيم الدائم، حيث بلغوا من المطالب قاصبها، وملكوا من المآرب ناصيتها، وأَتيح لهم ما لا عين رأَت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
(ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) أَي: ما ذكر من الجزاءِ، والإِنعام لمن اتصف بخشية الله، وحسن مراقبته، فإِن الخشية التي هي من خصائص العلماءِ بشئون الله مناط لجميع الكمالات العلمية والعملية المستتبعة للسعادة الدينية والدنيوية، ولولاها لم تترك المناهي والمعاصي، ولما كان الاستعداد ليوم يؤْخذ فيه بالنواصي والأَقدام.
وفي ذلك إشارة إِلى مجرد الإِيمان والعمل الصالح ليس موصلا إِلى أَقصى المراتب، بل الموصل إِلى ذلك خشية الله : "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (١).
стр. 5611
سورة الزلزلة
هذه السورة مدنية، وعدد آياتها ثمان آيات، وسميت بذلك لافتتاحها بها
مناسبتها لما قبلها:
لما ذكر - سبحانه- في السورة السابقة جزاءَ الفريقين - المؤمنين خير البرية، والكافرين شر البرية، كان ذلك كالمحرك عن السؤال عن وقت ذلك الجزاء، فبينه في هذه السورة.
أَهم مقاصدها:
تحدثت عن أحوال القيامة، وأَهوالها الشديدة بذكر الزلزال الشديد الذي يقع، بين يدي الساعة، فيحصل بسببه أُمور عجيبة، يندهش لها الإِنسان بما يرى من انهيار كل راسخ * وزوال كل شامخ، وإِخراج الأَرض لما فيها من موتى، وإِلقاءِ ما في بطنها من كنوز ودقائق، وشهادتها على كل إِنسان بما عمل على ظهرها فتقول له: عملت يوم كذا كذا وذلك بإِيحاءِ ربك لها: (إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا … ) الآيات.
كما تحدثت أَيضًا عن خروج النَّاس من قبورهم وانصرافهم إِلى موقف الحساب، ليروا جزاءَ الطاعة، وعقوبة المعصية اللتين قدرتا التقدير العادل، وضبطتا الضبط الدقيق، ليتبينوا مصيرهم، هل هو إِلي الجنة أَو إِلى السعير؟ جزاءً وفاقا لما عملوا: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا … ) الآيات.
стр. 5612
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨))
المفردات:
(زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا): أَي: حركت تحريكًا عنيفا بالغ الغاية في الشدة.
(أَثْقَالَهَا) أَي: كنوزها وموتاها وكل ما في بطنها، جمع ثِقْل -بكسر وإِسكان- وهو الحمل الثقيل: وقيل: جمع ثقل -بالتحريك- وهو كل نفيس مصون.
(يَصْدُرُ) ينصرف، يقال: صدر الناس عن الوِرد، أَي: انصرفوا عنه.
(أَشْتَاتًا): متفرقين، جمع شتيت، أَي: متفرق.
(مِثْقَالَ ذَرَّةٍ): أي: مقدار وزن نملة صغيرة، أَو مقدار وزن ذرة مما يرى في شعاع الشمس الداخل من الكوة، وهو الهباء.
стр. 5613
التفسير
١ - ٣ - (إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا):
أَي: إِذا حركت الأَرض تحريكًا عنيفًا ليس له ما يشبهه أَو يدانيه في الهول والشدة، إِذ هو مخصوص بها حسبما تقتضيه المشيئة الإِلهية المنبئة على الحكم البالغة.
أَو المعنى: إذا حركت تحريكًا عجبيًا لا يقادر قدره، ولا يستبان كنهه. وذلك عند نفخة البعث؛ لقوله تعالى: (وأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا) أَي: لفظت بسبب الزلزال كنوزها وموتاها أَحياءً للحساب والجزاءِ. روي ذلك عن النقاش، والزجاج، منذر بن سعيد، واقتصر بعضهم على تفسير الأَثقال بالكنوز وقال: تخرج الأَرض كنوزها يوم القيامة ليراها أَهل الموقف، فيتحسر العصاة إِذا نظروا إِليها، حيث عصوا الله فيها، ثم تركوها لا تغني عنهم شيئًا، وعليه فالأَثقال جمع ثقل -بالتحريك- وهو كل نفيس مصون.
(وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا) أَي: ما بالها زلزلت هذه الشدة، ولفظت ما في بطنها، قال ذلك كل فرد من أَفراد الإِنسان عند الزلزلة والعودة إِلى الحياة، لما شاهدوا من الأَمر الهائل الذي بهرهم لفظاعته، حيث سيرت الجبال في الجو، وصيرت هباءً، على أَن المؤْمن يقول ذلك بطريق الاستعظام، والكافر يقوله بطريق التعجب، وقيل: هذا قول الكافر؛ لأَنه كان لا يؤمن بالبعث، وأَما المؤمن فيقول: "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ" (١).
٤، ٥ - (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا):
أَي: يوم إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا الشديد المتكرر تحدث الخلق أخبارها.
قيل: ينطقها الله حقيقة، فتخبر بطريق المقال بما عُمِلَ عليها من خير وشر، وتشهد على كل واحد بما عمل على ظهرها، ويشهد لذلك ما أَخرجه الإِمام أَحمد والترمذي عن أَبي هريرة قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) ثم قال: "أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارَهَا"؟ قالوا: اللهُ وَرسولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلى كل عَبْد وأَمَة
стр. 5614
بِمَا عَمِلَ ظَهْرِهَا فَتَقُولُ: عَمِلَ يَوْمَ كَذَا كَذَا، وقال يحيى بن سلام: تحدث بما أَخرجت من أَثقالها، ويشهد له ما في حديث ابن ماجه في سننه: "تَقُولُ الأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَارَبِّ هَذَا مَا اسْتَوْدَعْتَنِي" وعن ابن مسعود: تحدث بقيام الساعة إِذا قال الإِنسان: ما لها، فتخبر أَن أَمر الدنيا قد انقضى وأَمر الآخرة قد أَتى. فيكون ذلك جوابًا عند سؤَالهم، إِلى غير ذلك مما قيل.
وقيل: يكون تحديثها بطريق الحال، حيث تدل دلالة ظاهرة على ما لأَجله وقع زلزالها وإِخراج أَثقالها، وذلك بما يخلق الله فيها من الأَحوال التي تقوم مقام الحديث باللسان، حتى ينظر من يقول: ما لها؟ إِلى تلك الأَحوال، فيعلم لِمَ زلزلت؟ ولم لفظت أَثقالها
(بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) بمعنى أَنها تحدث أَخبارها بسبب إِيحاءِ الله لها، وأَمره - سبحانه- إِياها بالتحدث عن أَخبارها، فالمراد من الوحي: الإِيحاءِ والإِلهام، كما أَوحى الله إِلى أُم موسى، وقيل: الوحي إِليها: وحي إِرسال، بأَن يرسل إِليها رسولا من الملائكة بذلك فتعيه وتعمل بمقتضاه وفق تقدير العزيز العليم.
٦ - (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ):
أَي: يوم إِن يقع ما ذكر يخرج الناس من قبورهم، وينصرفون إِلى موقف الحساب متفرقين بحسب أَعمالهم، بيض الوجوه فزعين، ومقيدين بالسلاسل، وغير مقيدين، ليبصروا أَجزية أَعمالهم خيرًا كانت أَو شرًا، وتجسم لهم الأَعمال نورانية وظلمانية كما قيل، وقيل: ليعرفوا أَعمالهم، ويقفوا عليها تفصيلا عند الحساب، وعليه فلا حاجة إِلى تجسيمها؛ لأَن الرؤية علمية، وليست بصرية.
وقيل: ينصرفون من موقف الحساب متفرقين؛ فآخذ جهة اليمين إِلى الجنة، وآخذ جهة الشمال إلى النار، وعن ابن عباس: أَهل الإِيمان على حدة، وأَهل كل دين على حدة.
٧، ٨ - (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه):
تفصيل للرائين وما يرونه من الأَعمال خيرها وشرها. وسبب النزول -على ما أَخرج ابن أَبي حاتم عن سعيد بن جبير- أَنه لما نزل "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلى حُبِّه" كان المسلمون
стр. 5615
يرون أَنهم لا يؤْجرون على الشيءِ القليل إِذا أَعطوه، فيجيءُ المسكين إِلى أَبوابهم، فيستقلون أَن يعطوه التمرة والبسرة، فيردونه ويقولون: ما هذا بشيءٍ، إِنما نؤْجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان آخرون يرون أَنهم لا يلامون على الذنب اليسير، الكذبة، والنظرة، والغيبة، وأَشباه ذلك، ويقولون: إِنما وعد الله تعالى النار على الكبائر فنزلت الآيتان ترغبانهم في القليل من الخير أَن يعلموه، وتحذرانهم اليسير من الشر أَن يأْتوا به ويعملوه.
وقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يتصدقون بعد نزول الآيتين بالقليل والكثير وبما عزَّ وهان، لا يدخرون في ذلك وسعًا، أُسوة برسول الله ﷺ فقد، أَخرج الزجاجي في أَماليه عن أَنس بن مالك أَن سائلا أَتى النبي ﷺ فأَعطاه تمرة، فقال السائل: نبي من الأَنبياء يتصدق بتمرة؟! فقال النبي ﷺ : (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ فِيهَا مَثَاقِيلَ ذَرَّةٍ كَثِيرَةٍ) وجاءَ أَنه ﵊ قال: (اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَة).
والمعنى: فمن يعمل -من مؤْمن أَو كافر- خيرًا أَو شرًّا يَرَ جزاءَ عمله يوم الحساب، ولو كان ما عمله يعادل في القلة وزن ذرة أي: أَقل شيءٍ يعرفونه، قيل: هي النملة الصغيرة وقيل: هي واحدة الذر، وهو الهباءَ الذي يُرى في شعاع الشمس الداخل من كوة، وروى عن ابن عباس أَنه أَدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها، وقال: كل من هؤلاء مثقال ذرة، كما روي عنه أَيضًا في شرح الآية أَنه قال: ليس مؤمن ولا كافر عمل خيرًا أَو شرًّا في الدنيا إلاَّ أراه الله إِيَّاه يوم القيامة، فأَما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته، فيغفر الله له سيئاته -أَي: إذا كان مجتنبًا للكبائر- ويثيبه على حسناته، وأَما الكافر فيرى كذلك حسناته وسيئاته، فيرد الله حسناته، ويعذبه بسيئاته.
وقيل في معنى رد حسناته: إِنه لا يثاب عليها لكفره، وهو محبط للعمل، لكنه يخفف عنه العذاب؛ للأَحاديث الصحيحة، فقد ورد أَن حاتمًا يخفف عنه العذاب لكرمه، وأَن أَبا لهب كذلك لسروره بولادة النبي ﷺ وإعتاقه جاريته "ثويبة" حين بشرته بذلك، والحديث في تخفيف عذاب أَبي طالب مشهور كما قالوا، ويشيرون إِلى الحديث الذي روي بطرق في البخاري: حدثنا مسدد بسنده عن العباس بن عبد المطلب
стр. 5616
﵁ قال للنبي ﷺ : ما أَغنيت عن عمك؟ فإِنه كان يحوطك ويغضب لك قال: "هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ"، وفي البخاري أيضًا عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري أَنه سمع رسول الله ﷺ وذكر عنده عمه: (لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ) وتحدث مسلم عن ذلك في باب الشفاعة من صحيحة.
وقيل في معنى إِحباط عمل الكفار: إِنه لا ينجيهم من العذاب المخلد كأَعمال غيرهم، وهو معنى (هباء) في الآية الكريمة: "وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا" (١) وبظاهرها استدل قوم على حبوط جميع أَعمال الكافر لكفره، فلا ينتفع منها بشيءٍ، وادُّعي في شرح المقاصد الإِجماع على ذلك، ورده الآلوسي فقال: ودعوى الإِجماع على إِحباطها بالكلية غير تامة، كيف وهم مطالبون بالتكاليف في المعاملات والجنايات اتفاقًا، ولا شك أَنه لا معنى للخطاب بها إِلَّا عقاب تاركها، وثواب فاعلها، وأَقله التخفيف، وإِلى هذا ذهب العلامة شهاب الدين الخفاجي عليه الرحمة أ. هـ
ونقل عن التبصرة في شرح المشارق، وتفسير الثعلبي: أَن أَعمال الكفرة الحسنة التي لا تحتاج إِلى اشتراط الإِيمان: كإِنحاءِ الغريق، وإِطفاءِ الحريق، وإِطعام ابن السبيل، يُجْزَون عليها في الدنيا، ولا تدخر لهم في الآخرة كالمؤمنين بالإِجماع للتصريح به في الأَحاديث وعليه فالكافر يرى جزاءَ خيره في الدنيا في نفسه وماله وأَهله، ويعذب بِشَرِّه في الآخرة، والمؤمن يرى جزاءَ شرِّه في الدنيا بما يبتلى به ممَّا يكره، ويرى جزاءَ خيره في الآخرة، روي عن أَبي أَيوب أَنه ﷺ قال له إِذ رفع يده: (مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ خَيرًا فجَزَاؤُه في الآخِرَةِ، ومَنْ عَمِلَ مِنكُمْ شَرًّا يَرَهُ فِي الدُّنْيَا مُصِيبَاتٍ وَأَمْرَاضًا، وَمن يكن فِيهِ مِثْقَالُ ذرةٍ من خَيرٍ دَخَلَ الْجَنَّة) وتقديم عمل الخير في الآية لأَنه أشرف القسمين والمقصود بالأَصالة، وليس في الآية تكرار؛ لأَن الأَول متصل بقوله: (خَيْرًا يَرَه) والثاني متصل بقوله: (شَرًّا يَرَه) والله أعلم.
стр. 5617
سورة العاديات
وهي مكية، وآياتها إحدى عشرة آية
مناسبتها لما قبلها:
لَمَّا ذكر في السورة التي قبلها (سورة الزلزلة) الجزاءَ على الخير والشر. أَتبع ذلك في هذه السورة (سورة العاديات) بتوبيخ مَنْ آثر دنياه على آخرته، ولمن يستعد ليوم القيامة بعمل الخير في دنياه.
مقاصد السورة:
١ - بُدئت السورة الكريمة بالقسم بخيل الجهاد على أَن الإِنسان لكفور بنعمة ربه: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا .. ) إلى قوله تعالى: (إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ).
٢ - ثم ذكرت أن الإِنسان لشهيد على نفسه بذلك يوم القيامة، وأَنه محب للمال حريص عليه (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ).
٣ - وختمت السورة بذكر البعث وما فيه من جزاءٍ وثواب وعقاب: (أَفلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ … ) الآية.
стр. 5618
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١))
المفردات:
(الْعَادِيَاتِ): الخيل تعدو في الغزو، واحدتها: عَادِيَةَ، من العَدْو، وهو الجري.
(ضَبْحًا): الضَّبْح؛ صوت أَنفاس الخيل عند عَدْوِها.
(فَالْمُورِيَاتِ): واحدها موريَة، من الإِيراءِ، وهو إِخراج النار.
(قَدْحًا): القدح؛ الضرب والصك المعروف، يقال: قدح فَأَوْرَى: إِذا أَخرج النار، وقدح فَأَصْلَد: إذا لم يخرجها.
(فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا): فالخيل تُغِير على العدو مُبَاغتة في وقت الصباح، واحدها: مُغيرة، من أَغَار على العدو: إذا هجم عليه بغتة.
(فَأَثَرْنَ): من الإِثارة وهي تهييج وتحريك الغبار.
(نَقْعًا): الغبار، وقيل: رفع الصوت.
(فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا): فوسطن، بمعنى توسطن، أَي: صِرْن وسطه بِه، أَي: بذلك الوقت، أَو النقع.
стр. 5619
(جَمْعًا): من جموع الأعداءِ.
(لَكَنُودٌ): لكفور جَحُود، من كَنَدَ النعمة: كَفَرها ولم يشكرها، وأَصل الكنود: الأَرض التي لا تنبت شيئًا، شبه بها الإِنسان الذي يمنع الخير ويجحد ما عليه من واجبات.
(الْخَيْرِ): المال.
(لَشَدِيدٌ): لبخيل، أَو لَقَويّ.
(بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ): أُخرج وأُثير ما في الأَموات، أَي: بعثوا.
(وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ:) أَي؛ أُظهر ما في القلوب مُحَصَّلًا مجموعًا، أو مُيِّز خيره من شره، فقد استعمل (حَصَّل الشيءَ) بمعنى مَيَّزه من غيره كما في البحر، وأصل التحصيل: إِخراج اللُّب من القشر، كإِخراج البُر من التبن.
التفسير
١ - (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا):
(وَالْعَادِيَاتِ) الجمهور على أَنه قسم بخَيْلِ الغزاة في سبيل الله تعالى التي تعدو، أَي: تجري مسرعة نحو العدو فتضبح (ضَبْحًا) والضبح: صوت أَنفاسها عند عَدْوِهَا، وأخرج ابن جرير عن على -كرم اللهُ وَجْهَه-: الضَّبح من الخيل الحمحمة.
٢ - (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا):
المراد بها الخيل أَيضًا، أَي: فالخيل التي تُوري النار وتخرج شَرَرَها من صدم حوافرها للحجارة، واندفاعها في سيرها عند الجري.
٣ - (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا):
أَي: فالخيل تُغِير على العدو وتعدو لتهجم عليه وقت الصباح، لأَخذه بغتة على غير أَهبة واستعداد، وفي وصف الله سبحانه للخيل بما سبق من أَنها العاديات المُوريات المُغيرات
стр. 5620
إِشارة إِلى الغاية من اقتناء الخيل وهو الجهاد والفروسية والقوة، لا للخيلاءِ والزينة كما يفعل كثير من أغنياءِ هذا الزمان.
٤ - (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا):
أَي: فهيجت هذه الخيل، وأَثارت في مواقع العدو غبارًا شديدًا كثيفًا، ويجوز أَن يراد بالنفع: الصباح، أي: فهيجن في المُغار عليهم صياحًا وجلبة.
٥ - (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا):
المعنى: فتوسطن بذلك الرقت أَو النقع جمعًا من الأعداءِ، ففرقن صفوفه، وشَتَّتْنَ شمله، قال الآلوسي: والفاءَات كما في الإِرشاد للدلالة على ترتيب ما بعد كل منها على ما قبله، فَتَوَسُّط الجمع مترتب على الإِثارة المترتبة على الإيراءِ المُتَرَتِّب على العَدْو.
٦ - (إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ):
هذا ذكر المحلوف عليه والمقسم به بتلك الأَيْمَانِ السابقة فقال: (إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) أَي: إِنَّ الإنسان طُبِع على نكران الحق وجحوده وكفران النعمة، وعدم شكر المنعم، وأَخرج البخاري في الأَدب المفرد، والحكيم الترمذي وغيرهما تفسير (الكنود) بالذي يمنع رِفْدَه، وينزل وحده، ويضرب عبده، والجمهور على تفسيره بالكفور.
وكل ما ذكر يدخل تحت هذا العنوان وقيل: المراد بالإِنسان كافر معين، لما روي عن ابن عباس أَنها نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي، وقيل: المراد به كل الناس، على معنى أنَّ طبع الإنسان يحمله على ذلك إلَّا إذا عصمه الله بلطفه وتوفيقه من ذلك، واختاره عصام الدين، وقال: فيه مدح للغزاة لسعيهم على خلاف طبعهم.
٧ - (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ):
أَي: وإِن الإنسان على كفره وكنوده وجحوده لنعم ربه في الآخرة لشهيد على نفسه معترف بذنوبه، وقال ابن عباس وقتادة: ضمير (إنه) عائد على الله تعالى، أي: وإِن
стр. 5621
ربه شاهد عليه، فيكون الكلام على سبيل الوعيد والتهديد، واختاره التبريزي.
٨ - (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ):
أَي: وإِن الإِنسان لحبه المال وتعلقه به لشديد أَي: لبخيل، وتفسير الخير بالمال ورد بهذا المعنى في القرآن كثيرًا حتى زعم عكرمة: أَن الخير حيث وقع في القرآن هو المال، وخصه بعضهم بالمال الكثير، وفسر به قوله تعالى: "إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ" (١) وإطلاق كونه خيرًا على المال باعتبار ما يراه الناس، وإلَّا فمنه ما هو شر يوم القيامة.
وجوز غير واحد أن يراد بالشديد: القوي، ولعله الأظهر، أَي: وإنه لقوي مبالغ في حبه للمال، والمراد قوة حبه له، قال الزمخشري: المعنى: وإِنه لحب المال وإيثاره الدنيا وطلبها قوي مُطِيق، وهو لحب عبادة الله وشكر نعمه سبحانه ضعيف متقاعس، وفي قول آخر للزمخشري في الكشاف: جواز أَن يراد بالخير هو ما عند الله من الطاعات، على أَن المعنى: وإِنه لحب الخيرات غير هاشٍّ منبسط، ولكنه شديد منقبض، ثم هدد الإنسان الذي هذه صفاته وتوعده بقوله:
٩ - (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ):
تهديد ووعيد، والهمزة للإنكار، والفاءُ للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والمعنى: أيفعل ما يفعل من القبائح فلا يعلم مآله إِذا بعثر ونُثر مَنْ في القبور من الموتى، أي: بعثوا.
١٠ - (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ):
أَي: جُمع ما في القلوب من خير اكتسبوه، وشر اقترفوه، أَو أُظهر كإِظهار اللُّب من القشر، أو مُيِّز خيره من شره، وقد سجله الله عليهم في صحفهم، وتخصيص (مَا فِي الصُّدُورِ) أي: القلوب، لأنه الأَصل لأَعمال الجوارح، ولذا كانت الأَعمال بالنيات.
стр. 5622
١١ - (إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ):
أَي: إن مربيهم وخالقهم خبير بأَعمالهم وجزائهم يوم البعث والحساب، أي عالم بظواهر ما عملوا وبواطنه، ومجازيهم عليه.
قال الزمخشري: معنى علمه بهم يوم القيامة: مجازاته لهم على مقادير أعمالهم، لأَن ذلك أَثر علمه وخُبْره بهم.
стр. 5623
سورة القارعة
مكية وآيتها إحدى عشر آية
مناسبتها لما قبلها:
ختمت السورة السابقة (سورة العاديات) بذكر بعض أَوصاف يوم القيامة، وهذه السورة بأَسرها في وصف ذلك اليوم وما يكون فيه من أهوال.
مقاصد السورة:
١ - بُدئت السورة الكريمة بتهويل شأْن القارعة التي تقرع الناس ويصك صوتها أَسماعهم:
(الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ … ) الآية.
٢ - ثم ذكرت بعض أهوالها وما يحدث للناس وما تكون عليه الجبال: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ … ). الآية
٣ - وبينت جزاءَ الصالحين المؤمنين وجزاءَ الكافرين والمخالفين: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ .. ) الآية.
стр. 5624
بسم الله الرحمن الرحيم.
(الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١))
المفردات:
(الْقَارِعَةُ): من أَسماء يوم القيامة كالحاقة والطَّامَّة، وقيل: صوت النفخة، وقال الضحاك: هي النار، وأيًّا ما كان فهي من القرع: وهو الضرب بشدة بحيث يحصل منه صوت شديد.
(الْفَرَاشِ): قال في الصحاح؛ جمع فراشة التي تطير وتتهافت على النار، وقال الفراءُ: وهو غوغاءُ الجراد، سمي فراشًا لتفرشه وانتشاره.
(الْمَبْثُوثِ): المتفرق المنتشر.
(الْعِهْنِ): الصوف مطلقًا، أَو المصبوغ منه ذو الأَلوان.
(الْمَنفُوشِ): المُفَرَّق بالأَصابع ونحوها.
(ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ): بأَن رجحت حسناته على سيئاته، قال الكشاف: الموازين: جمع موزون، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله، أَو جمع ميزان، وثقلها: رجحانها.
стр. 5625
(عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) أي: عيشة يرضاها صاحبها وتطيب نفسه بها.
(خَفَّتْ مَوَازِينُهُ): بأن رجحت سيئاته على حسناته - يقال: خَفَّ ميزانه، أي: سقطت قيمته فكأَنه ليس بشيءٍ.
(فأُمُّهُ هَاوِيَةٌ): فمأْواه جهنم.
التفسير
١ - (الْقَارِعَةُ):
الجمهور على أَنها القيامة نفسها، ومبدؤها النفخة الأُولى، ومنتهاها فصل القضاءِ بين الخلائق، وسمِّيت بذلك لأنها تقرع القلوب بهولها، كما تسمى الحادثة العظيمة من حوادث الدهر ومصائبه قارعة، قال تعالى: "وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ" (١) أَي: حادثة عظيمة تقرعهم وتصكهم.
٢ - (مَا الْقَارِعَةُ):
تهويل لشأْنها، أي: أَي شيءٍ عجيب هي في فخامتها وخطرها وفظاعتها؟! وهذا أُسلوب يراد به تهويل أمرها، كأنها لشدة ما يكون فيها من الأَهوال يصعب تصويرها ويتعذر إِدراك حقيقتها.
٣ - (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ):
ثم زاد أمرها تعظيمًا فقال: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ) أَي: وأي شيءٍ أَعلمك ما شأْن القارعة في شدة هولها على النفوس، كأنه لا شيء يحيط بها، مهما تخيلت أمرها، فهي أعظم من تقديرك وتوقُّعاتك، ولما ذكر سبحانه أَن إِدراك حقيقتها ممَّا لا سبيل إليه أَخذ يعرف بزمانها الذي تكون فيه، وما يحدث للناس حينئذ من الأَهوال فقال:
стр. 5626
٤ - (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ):
قال صاحب التأْويلات: اختلفوا في تأْويله على وجوه، لكن كلها ترجع إلى معنى واحد وهو الإشارة إلى الحيرة والاضطراب من هول ذلك اليوم، واختار غير واحد أن المراد بالفراش المبثوت: الحشرة الصغيرة التي تراها تترامى على ضوء السراج ليلًا، وبها يضرب المثل في الجهل بالعاقبة شُبَّهُوا في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والمجيء والذهابِ على غير نظام والتَّطايُرِ إلى الداعي من كل جهة حين يُدْعَوْن إلى المحشر -شبهوا- بالفراش المتفرق المتطاير.
٥ - (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ):
أي: إنّ الجبال -وهي الثقيلة والقوية والتماسك- تصير في ذلك اليوم خفيفة هشة كالصوف الذي نُفِش ففرقت شعراته بعضها عن بعض حتى صار على حال يطير مع أَضعف ريح، وإذا كان هذا هو حال ما يحصل لبعض الأَجسام العظيمة التي من طبيعتها الاستقرار والثبات لفخامتها وثقلها، فما بالك بما يحدث للإنسان، وهو المخلوق الضعيف؟!
وفي هذا تحذير للإنسان وتخويف له كما ترى، وبعد أن ذكر أَوصاف ذلك اليوم وبما يكون من أحوال بعض الخلائق فيه، أعقب ذلك بذكر الجزاءِ على الأعمال فقال:
٦ - (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ):
هذا بيان لتحزُّب الناس وانقسامهم حزبين، وتنبيه على كيفية الأَحوال الخاصة بكل منها إشارة إِلى وزن الأعمال، وهو ممَّا يجب الإيمان به، ويكون هذا بعد تطاير الصحف وأَخذها بالأَيمان والشمائل، (وبعد السؤال والحساب كما ذكره الواحدي) وتوزن الأَعمال بميزان الله أعلم بماهيته وبكيفية الوزن، قال القرطبي، لا يكون الميزان في حق كل أَحد؛ لما في الحديث الصحيح الذي جاءَ فيه: "فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ"، وذكر القاضي منذر بن سعيد البلوطي أن أهل الصبر لا توزن أَعمالهم وإِنما يصب لهم الأَجر صبًّا، وأَنكر المعتزلة الوزن حقيقة، وكذلك أنكره جماعة من أهل السنة منهم مجاهد والضحاك والأعمش، وقالوا: إن الوزن عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل.
стр. 5627
٧ - (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ):
أي: فهو في عيشة يرضاها صاحبها، تطيب نفسه بها لما يراه من النعيم، وما يلقاه من الثواب والتكريم.
٨ - ٩ - (وأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ* فأُمُّهُ هَاوِيَةٌ):
أي: وأما من خفت موازينه بأَن لم تكن له حسنة يعتد بها أَو رجحت سيئاته على حسناته ممن كان في الدنيا عظيم لا خير فيه، أَكل خير الله وعبد غيره، وعاث في الأًرض فسادُا -لم يكن شيئًا له قيمة فلا ترجع له كفة ميزان لو وضع فيها- (يقال: خف ميزانه، أي: سقطت قيمته ومروءَته فكأنه ليس بشيءٍ، حتى لو وضع في كفة ميزان لم يرجح بها على أُختها).
٩ - (فأُمُّهُ هَاوِيَةٌ):
أَي: فمأْواه (هَاوِيَةٌ) أُريد بها النار كما يؤذن به قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَة) فإنه تقرير لها بعد إبهامها، والإشعار بخروجها عن المعهود للتفخيم والتهويل، وذكر إن إطلاق (هاوية) على النار لغاية عمقها وبعد مهواها، وعبر عن المأْوى بالأُم على التشبيه بها، فالأُم مفزع الولد ومأواه، وفيه من التهكم ما فيه.
١٠ - (وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ):
أي: وما أعلمك ما الهاوية وأي شيءٍ تكون؟! والهاءُ للسكت ثم فسرها بعد إبهامها فقال:
١١ - (نَارٌ حَامِيَةٌ):
أي: هي نار حارة شديدة الحرارة، قوية اللَّهب والسَّعير، لا تبلغ حرارتَها أيةُ نار مهما سُعِّرت وأُلقي فيها من وقود، عن أَبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي
стр. 5628
تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". قالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية، فقال: "إِنَّها فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا" رواه البخاري، وروى مثله مسلم مع المخالفة في بعض الآلفاظ (ابن كثير).
هذا وعلينا أن نؤمن بما ذكره الله تعالى من الميزان في هذه الآية، وفي مثل قوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (١) ومن وزن الأَعمال وذلك لتمييز مقدار كل عمل وليلقى كلٌّ جزاءَ ما عمل، وليس علينا أن نبحث فيما وراء ذلك والله أعلم.
стр. 5629
سورة التكاثر
مكية، وآياتها ثمان، نزلت بعد سورة الكوثر
مناسبتها لما قبلها:
في السورة السابقة (سورة القارعة) جاءَ ذكر بعض أَهوال يوم القيامة وجزاءَ الأَخيار والأَشرار، وفي هذه السورة جاءَ ذكر الجحيم وهي الهاوية التي ذكرت في السورة السابقة، كما جاءَ السؤال عما قدم المرءُ من أَعمال وهذه بعض أَحوال الآخرة.
مقاصد السورة:
١ - بدئت السورة الكريمة بتوبيخ النَّاس لأنهم شغلوا بالتكاثر في أُمور الدنيا عن العمل للآخرة حتى دهمتهم المنايا: (أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ).
٢ - ثم أنذرتهم بما سيلقون يوم القيامة من معاينة النار: (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) إلخ.
٣ - ثم أنذرتهم بما يكون من سؤالهم عما كذبوا فيه من النعيم في الدنيا، وهل أَدوا حق شكره لواهب النعم: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨))
стр. 5630
المفردات:
(أَلْهَاكُمْ): شغلكم عن طاعة ربكم، من اللهو: وهو الغفلة، ثم شاع في كل شاغل، وخصه العرف بالشاغل الذي يسر المرءَ، وهو قريب من اللعب، ولذا ورد بمعناه كثيرًا، وقال الراغب: اللهو: ما يشغلك عما يعني ويهم.
(التَّكَاثُرُ): التباري في الكثرة والتباهي بكثرة العدد والأَموال والأَولاد.
(زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ): مُتُّم ودفنتم في القبور، أَو عددتم الموتى تكاثرًا.
(كَلاَّ): كلمة ردع، أو بمعني حقًّا.
(لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ): لو تعلمون مآلكم علمًا يقينًا لما أَلهاكم التكاثر.
(لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) أَي: والله لتشاهدُنَّ النار الموقدة: (دار العذاب).
(ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) أَي: ثم لترونها رؤية يقينية مبعثها المشاهدة والمعاينة.
(النَّعِيمِ): كل ما يتلذذ من مطعم ومشرب ومفرش ومركب وغير ذلك.
التفسير
١ - ٢ - (أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ):
أي: شغلكم عن الجد والاجتهاد وصرفكم عن العمل للآخرة تَبَاهِيكم بالأَنصار والأَولاد وتفاخركم بالأموال والأحساب والأنساب، والتَّبَارِي في كثرة العدد، بأَن يقول هؤُلاء: نحن أكثر هؤُلاءِ: نحن أكثر، حتى إذا استدعيتم عدد الأحياء صرتم إلى المقابر وانتقلتم إلى ذكر مَن فيها فتكاثرتم بالأموات.
أَخراج ابن أبي حاتم عن أبي بريدة قال: نزلت في قبيلتين من قبائل الأَنصار في بني حارثة وبني الحارث تفاخروا وتكاثروا فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان وفلان؟! وقال الآخرون مثل ذلك -تفاخروا بالأحياءِ- ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثلا فلان تشير إلى القبر ومثل فلان؟ وفعل الآخرون مثل ذلك، فأَنزل الله
стр. 5631
تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ) وزيادة المقابر على ما تقدم على ظاهرها، وقيل المراد: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم منفقين أعماركم في طلب الدنيا والتهالك عليها إلى أن أتاكم الموت وأنتم لاهون عن العمل لآخرتكم، وزيادة القبور على هذا عبارة عن الموت.
قال الآلوسي: وفي هذا إشارة إلى تحقق البعث، يحكى أن أعرابيًّا سمع ذلك فقال: بعث القوم ورب الكعبة فإن الزائر منصرف لا مقيم، وعن عمر بن عبد العزيز أَنه قال: لا بد لمن زار أن يراجع إلى جنة أو نار، وفيه أيضًا إشارة إلى قصر زمن اللبث في المقابر، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع، قال ابن كثير: والصحيح أَن المراد بقوله تعالى: (زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ) أَي: صرتم إليها ودفنتم فيها -روى أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) في الأموال والأولاد عن الطاعة (حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ) أي: حَتَّى يَأْتِيكُمُ المَوتُ، ثم نبههم إلى خطأ ما هم فيه، وزجرهم عن البقاءِ على تلك الحال التي تنتهي إلى وخيم العاقبة فقال:
٣ - (كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ):
كَلاَّ: أَي؛ ارتدعوا عن الاشتغال بما لا يعينكم وانتبهوا إلى ما وقعتم فيه من خطأ. (سَوْفَ تَعْلَمُونَ): وتعرفون سوءَ مغبة ما أَنتم عليه إذا عاينتم عاقبته وشاهدتم جزاءَه، ونزل بكم عقابة، وهذا إنذار لهم ليخافوا فينتبهوا عن غفلتهم، ثم أَكد هذا وزاد في التهديد فقال:
٤ - (ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ):
وعيد بعد وعيد والتكوير تأْكيد للردع والإنذار لهم، و (ثُمَّ) للدلالة على أن الإنذار الثاني أَبلغ من الأَول وأَشد كما يقول العظيم لعبده: أَقول لك ثم أَقول لك: لا تفعل.
والمعنى: سوف تعلمون خطأَ ما أَنتم عليه إذا عاينتم ما قُدَّامكم من أهوال الآخرة، وإِن هذا التنبيه نصيحة لكم ورحمة بكم، وقال على كرم الله وجهه: الزجر الأَول في القبور،
стр. 5632
والثاني في النشور، فلا تكرار، فالتراخي على ظاهره، وقال الضَّحاك: الزجر الأَول للكافرين والثاني للمؤْمنين، ثم كرّر التنبيه أيضًا فقال:
٥ - (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ):
أي: ارتدعوا عن تغريركم بأَنفسكم فإنكم لو تعلمون يقينًا سوءَ مصيركم وعاقبة أمركم وما يُفْضِي إليه حالكم لفزعتم من تكاثركم وَلَشَغَلَكم هذا عن افتخاركم بأموالكم وأولادكم، وتزودتم بالعمل الصالح لآخرتكم ومآلكم.
وإنما ذكر - سبحانه تعالى - هذا زيادة في زجرهم لتغريريهم بأَنفسهم، وخداعهم لها فقد جرت عادة الغافلين أنهم يدعون اليقظة والمعرفة إذا ذكِّروا بغفلتهم، ثم ذكر لهم بعض ما يفضي إليه هذا اللهو وهو عذاب الآخرة بعد خزي الدنيا فقال:
٦ - (لَتَرَوْنَّ الْجَحِيمَ):
أي: أُقسم لكم وأُؤَكد -أيها الناس- أنكم ستشاهدون النار الموقدة، وهي دار العذاب التي أُعدت لمن يلهو وينصرف عن الحق، والجملة جواب قسم مضمر، أَكد به الوعيد وشدد به التهديد، وأَوضح به ما أُنذروا به بعد إبهامه تفيخمًا لشأْنه، وإعظامًا لقدره، وما هددوا به سابقًا هو قوله تعالى: (كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ) فتوعدهم بهذه الحال وهي رؤْية النار التي إذا زفرت زفرة واحدة خَر كل رسول مقرب وكل ولي عابد على ركبتيه من المهابة والمعاينة؛ لرؤْية ما فيها من الأَهوال على ما جاءَت به الآثار، فاجعلوا صورة عذابها حاضرة في أذهانكم.
وقيل: المراد برؤية الجحيم ذوق عذابها، وهذا استعمال شائع في الكتاب الكريم، ثم كرر ذلك للتأكيد فقال:
٧ - (ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ):
أي: ثم أقسم وأُؤكد أنكم ستشاهدونها عيانًا ويقينًا قال الآلوسي: أي الرؤْية التي هي نفس اليقين، فإن الانكشاف بالرؤية والمشاهدة فوق سائر الانكشافات، فهو أَحق
стр. 5633
بأَن يكون عين اليقين، واليقين (١) في اللغة - على ما قيل: العلم الذي لا شك فيه، ثم شدد عليهم وزاد في تأْنيبهم فقال:
٨ - (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ):
أَي: ثم لتسأَلن يومئذ عن شكر ما أَنعم الله به عليكم من الصحة والأَمن والرزق وغير ذلك أَي: ماذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته؟!
قيل: الخطاب في (لَتُسْأَلُنَّ) للكفار، وعليه ابن عباس: وقيل: الخطاب مخصوص بكل من أَلهته دنياه عن دينه، والنعيم مخصوص بما شغله عن ذلك، وخير القول في النعيم قول مجاهد؛ كل لذة من لذات الدنيا.
وفي التفسير الكبير: الحق أَن السؤَال يعم المؤمن والكافر عن جميع النعم به سواء كان ما لابد منه أم لا؛ لأَن كل ما يهب الله تعالى يجب أَن يكون مصروفًا لطاعته سبحانه لا إِلى معصيته فيكون السؤال واقعًا عن الكل، ويؤكده قوله ﵊ "لا تَزولُ قَدَمَا العَبْدِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ:
١ - عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ
٢ - وعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبلاهُ.
٣ - وعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ.
٤ - وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ بِهِ"؛ لأَن كل نعيم داخل فيما ذكره ﷺ وما ورد في بعض الآثار مثل ما روي عن عمر ﵁ أَنه قال: أي نعيم نسأَل عنه يا رسول الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأَموالنا، فقال رسول الله ﷺ : "ظِلَالُ المَسَاكِنِ وَالأَشْجَارِ وَالأَخْبِيَةِ الَّتِي تقِيكُمُ الحَرَّ وَالبَردَ، وَالمَاءُ البَارِدُ فِي اليَوْمِ الحَارِّ" فذلك من باب التمثيل ببعض أَفراد خصت بالذكر لأَمر اقتضاه الحال، ويؤيد ذلك قوله ﵊ في غير رواية عند ذكر شيءٍ من ذلك: "هَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ" بمن التبعيضية، والله أعلم.
стр. 5634
سورة العصر
مكية، وآياتها ثلاث آيات
مناسبتها لما قبلها:
في السورة السابقة (سورة التكاثر) بيان حال من أَلهاه التكاثر عن العمل لآخرته وما آل إليه أمره، وفي هذه السورة بيان حال من لم يلهه التكاثر عن عمل الصالحات.
مقاصد السورة:
١ - أَقسم الله تعالى بالزمان لما يقع فيه من أَحداث وعبر يستدل بها على قدرة خالقه وبالغ حكمته على أن جنس الإنسان لفي خسر: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ).
٢ - استثنى الله سبحانه من جنس الإنسان الخاسر مَنْ اتصفوا بأَربعة أَشياءَ:
١ - بالإيمان.
٢ - بالعمل الصالح.
٣ - بالتواصي بالحق.
٤ - بالتَّواصي بالصبر.
فهؤُلاءِ المؤمنون الصالحون الذين يعلمون الخير ويدعون غيرهم للعمل به، ولا يزحزحهم عن الدعوة إِليه ما يلاقونه في سبيله من مشقة وبلاء، هؤلاءِ ناجون من الخسران، مفلحون في الدنيا والآخرة: (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).
بسم الله الرحمن الرحيم.
(وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِنَّ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣))
стр. 5635
المفردات:
(الْعَصْرِ): صلاة العصر، وقيل: الزمان والدهر، وقيل: العشي، وقيل غير ذلك.
(الإِنسَانَ): جنس الإِنسان.
(لَفِي خُسْرٍ): لفي خسران ونقصان وهلاك.
(وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ): وأَوصى بعضهم بعضًا بالحق، وهو الخير كله.
(الصَّبْرِ): قوة النفس تدعوها إلى احتمال المشقة والمكاره.
بعض ما جاء فيها:
قال الآلوسي: سورة العصر، وآياتها ثلاث، وهي على قصرها جمعت من العلوم ما جمعت، فقد روي عن الشافعي - عليه الرحمة - أنه قال: لو لم ينزل غير هذه السورة لكفت الناس؛ لأَنَّهَا شملت جميع علوم القرآن، وأَخرج الطبراني في الأَوسط، والبيهقي في الشعب: عن أبي حذيفة -وكانت له صحبة- قال: كان الرجلان من أَصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأَ أحدهما على الآخر سورة العصر، ثم يسلم أَحدهما على الآخر.
التفسير
١ - (وَالْعَصْرِ):
أَقسم الله بصلاة العصر لفضلها؛ لأنها الصلاة الوسطى عند الجمهور لقوله ﵇ (شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الوُسْطَى: صَلاةِ العَصْرِ):
وفي الحديث: "مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ" وخُصَّت صلاة العصر بالفضل لأَن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس على تجارتهم ومكاسبهم آخر النهار، واشتغالهم بمعايشهم في ذلك الوقت، وقال قتادة: العصر: العشي، وهو ما بعد الزوال إِلى الغروب: أقسم به كما أَقسم بالضحى لما فيها من دلائل القدرة، وقال ابن عباس: هو الزمان والدهر -أقسم به سبحانه- لاشتماله على أَصناف العجائب، ولما فيه
стр. 5636
من أَحداث وعبر يستدل بها على قدرته وبالغ حكمته وواسع علمه، وكان الكفار في الجاهلية ينسبون أحداث الزمان ونوائبه وكوارثه إلى الدهر، فيقولون: هذه نائبة من نوائب الدهر، وهذا زمان بلاءٍ وعناءٍ، فأرشدهم إِلى أَن الدهر خَلْقٌ من خلقه، وأن الزمان ظرف تقع فيه الحوادث خيرها وشرها، فإِذا وقعت للمرءِ مصيبة فبما كسبت يداه، وليس الدهر فيها من سبب.
٢ - (إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ):
أَي: إن كل إِنسان لفي نوع من الخسران لغلبة الأهواءِ والشهوات والرغبات والمطامع عليهم في أَعمالهم ومساعيهم، وصرف أَعمارهم في مطالبهم التي لا ينتفعون بها في الآخرة، بل ربما تَضُرُّ بهم، وتكون سبب شقائهم وعذابهم، و (أَل) في الإِنسان لشمول جميع الجنس بدليل الاستثناء الذي جاءَ بعدها: (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا) إلخ، والتنكير في (خُسْرٍ) قيل: للتعظيم، أي: في خسر عظيم، ويجوز أن يكون للتنويع، أي: نوع من الخسران غير ما يعرفه الإِنسان.
٣ - (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ):
(إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) استثني المولى جلَّ وعلا من جنس الإِنسان الواقع في الخسران، واستثنى سبحانه الذين آمنوا بقلوبهم إِيمانًا صادقًا خالصًا لله، وعملوا الصالحات بجوارحهم، فجمعوا بين صدق العقيدة وصدق العمل، وتجد في كتاب الله دائمًا قرن الإِيمان بالعمل الصالح؛ للإِشارة إلى أن الإِيمان بلا عمل كزرع بلا ثمر، قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا" (١) والذين آمنوا وعملوا الصالحات في تجارة لن تبور؛ لأَنَّهُم باعوا الفاني الخسيس واشتروا الباقي النفيس، واستبدلوا الباقيات الصالحات بالغاديات الرائحات، فيا لها من صفقة ما أَربحها، ومنفعة جامعة للخير ما أوضحها وأنجحها!! وهذا هو قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
стр. 5637
الصَّالِحَاتِ) بيان لتكميلهم لأَنفسهم، وقوله تعالى: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) بيان لتكميلهم لغيرهم، أَي: وَصّى بعضهم بعضا بالحق -وهو الأَمر الثابت الذذي لا سبيل لإِنكاره ولا زوال في الدارين لمحاسن آثاره، وهو الخير كله: من توحيد، وطاعة، واتباع كتبه ورسله، -جل شأْنه- وزهد في الدنيا، ورغبة في الآخرة.
(وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ):
أَي: وأَوصى بعضهم بعضًا بالصبر على المعاصي التي تشتاق إليها النفس بحكم الطبيعة البشرية، وعلى الطاعات التي يشق عليها أداؤُها، وعلى ما يبتلي الله سبحانه به عباده من المصائب، والصبر المذكور داخل في الحق، وذكره بعده لإِبراز كمال العناية به. وفي السورة دعوة إِلى الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأَنه يجب على الإِنسان أَن يحب لأَخيه من الخير ما يحبه لنفسه.
стр. 5638
سورة الهُمَزَة
مكية، وآياتها تسع آيات
مناسبتها لما قبلها:
ذكر في السورة السابقة (سورة العصر) أَن جميع أَفراد الإِنسان منغمسون في الضلال والخسران إِلا من عصم الله، وفي هذه السورة (سورة الهمزة) يبين -سبحانه- أَحوال بعض الخاسرين، وصفات أَهل الضلال.
مقاصد السورة:
١ - في السورة وعيد لمن اعتاد أَن يعيب الناس وجمع مالا كثيرًا وعَدَّدَهُ افتخارًا ظانًّا أَن ماله أَخلده: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ* يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ).
٢ - وفي السورة تهديد لهؤُلاء بإِلقائهم في نار موقدة تحطم أَجسامهم وقلوبهم، وتغلق عليهم أَبوابها فلا خلاص لهم منها: (كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) إِلى آخر السورة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩))
стр. 5639
المفردات:
(هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ): الهمز: الكسر، واللمز: الطعن، شاعًا في النَّيْل من أَعراض الناس.
وقيل الهَمْز: الطَّعنِ في الوجه، واللَّمْز: الطعن في الخلف، وقيل: الهمّاز: الطاعن بالقول، واللماز: الطاعن بالفعل، وقيل: اللُّمَزَةُ: الطَّعَّان في الأَنساب خاصة، وقيل غير ذلك، والمراد: طَعّان غَيّاب عَيّاب، وبناءُ فُعَلَة يدل على أَن ذلك صار طبعًا وعادة ونحوهما: الضُّحكة.
(وَعَدَّدَهُ): عدّه مرة بعد أُخرى، أَو جعله عُدَّةً لنوائب الدهر.
(أَخْلَدَهُ): أَخلده وخلَّده بمعنى، أَي: تركه خالدًا، أَي: ماكثًا مكثًا لا يتناهى، أو مكثًا طويلًا جدًا.
(كَلاَّ): ردع عن كل ما سبق.
(لَيُنْبَذَنَّ): ليطرحن، والنَّبذ: الطرح مع الإهانة والتحقير.
(الْحُطَمَةِ): النَّار التي تحطم كل ما يلقى فيها، أَي: تكسره.
(تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ): تصل إِلى القلوب وتُحِيطُ بها، أَو يقصد بالاطلاع: المعرفة والعلم.
(مُؤْصَدَةٌ): مطبقة، من: أَوصدت الباب، أي: أَغلقته.
(فِي عَمَدٍ): العمد: واحدها عمود، أَو عماد.
(مُمَدَّدَةٍ): صفة لِعَمَد أَي: طوال.
التفسير
١ - (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ):
أَي: هلاك وعذاب شديد وعقاب أَليم، وقيل: واد في جهنم أُعد وهيئ لمن دَأْبُه أَن يعيب النَّاس ويغض من أَقدارهم، وينتقص من هممهم في حضورهم أَو في غيبتهم، يفعل ذلك بالقول أَو الإِشارة، ويتكلم في أَعراضهم بما لا يليق، مما تأْباه النفوس الكبيرة،
стр. 5640
وتتباعد عنه أَصحاب الهمم العالية: وروى عن ابن عباس أَنه سئل عن الهمزَةِ اللُّمَزَةِ فقال: "هو المشَّاءُ بالنميمة، المُفَرِّق بين الجمع، المُغْري بين الإخوان.
قيل: نزلت السورة في الأَخنس بن شريق، كان يلمز الناس ويغتابهم، وقيل: في أُمية ابن خلف؛ وكان يهمز النبي ويعيبه، وقيل: في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب الرسول ويغض منه، ثم بيَّن التَّنْزِيل سبب عيبه وطعْنه في الناس فقال:
٢ - (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ):
أَي: إِن الذي دعاه إلى الحطِّ من الناس والغضِّ من أَقدارهم والزراية عليهم هو جمعه للمال وتعديده له -أي: عَدُّه مرة بعد أُخرى؛ حبًّا له، وشغفًا به، وتهالكًا عليه، وقيل: جعله أَصنافًا وأنواعًا: كعقار، ونقود، أَو جعله عُدَّةً المصائب الأَيام ومدخرًا لنوائب الدهر ونوازله، وتنكير (مَالًا) للتكثير، ويجوز أَن يكون للتحقير والتقليل باعتبار أَنه عند الله أَقل وأَحقر، ثم بين سبحانه خطأَه في ظنه فقال:
٣ - (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ):
أَي: يظن ذلك العيّاب الطَّعّان أن ما عنده من المال جعله خالدًا، والمراد أن المال طوَّل أَمله ومنَّاه الأَماني البعيدة، فهو يعمل من تشييد البنيان، وغرس الأَشجار، وشق الأَنهار، ونحو ذلك، عَمَلَ من يظن أَن ماله أَبقاه حيا، والإِظهار في (مَالَهُ) في مقام الإِضمار لزيادة التقرير، ويجوز أَن يراد أَنه حسب ذلك حقيقة؛ لفرط غروره واشتغاله بالجمع والتكاثر عما أَمامه من قوارع الآخرة، أَو لزعمه أن الحياة والسلامة عن الأَمراض تدور على مراعاة الأَسباب الظاهرة، وأَن المال هو أَساس كمل شيءٍ، وأَنه هو الذي يصنع كل شيءٍ، وهذا زعم فاسد، ثم أَخذ في بيان ما أَعد لهم من العذاب الشديد فقال:
٤ - (كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ):
كلَّا: ردع له عن كل ما تضمننه الجمل السابقة من الصفات القبيحة (لَيُنْبَذَنَّ) جواب قسم مقدر، والجملة استئناف مبين لعلة الردع، أي: والله ليُطْرَحَنَّ وَيُلْقَيَنَّ بسبب