الخبيث هو يهوذا. وكان من الحواريين المنافقين. وهو الذي دلَّهم على مكانه. وذلك أن عيسى جمع الحواريين تلك الليلة. وأوصاهم وقال: ليكفرن بي أحدكم. فذهب يهوذا إلى ملك اليهود وأخبره بمكانه، ومكان حوارييه. فلما توجه إليه الملك برجاله ودخلوا عليه البيت، لم يجدوه، فقد رفعه الله إليه. وألقى شبه عيسى على يهوذا. فأمر الملك بقتله.
فقال له: أنا يهوذا. فقال الملك: إن كنت يهوذا فأين عيسى؟ فقال يهوذا: إن كنت عيسى فأين يهوذا؟ فلم يعبأ الملك بهذه المعارضة، وصلبه لشبهه بعيسى.
ومن العجيب أن النصارى لا يعترفون بهذا الإنجيل، مع أنه وجد بمكتبه باب روما، وترجم إلى اللغة الإيطالية، ثم إلى الإنجليزية، وغيرها من لغات العالم. ولم يوجد بالعربية إلا بعد ترجمته من الإنجليزية أخيرا!!
بل من الأعجب أن النصارى لا يعترفون بهذا الإنجيل لمجرد مخالفته لا هو عليه من الأناجيل الأُخرى .. وليس ما عندهم من تلك الأناجيل ما هو أولى بالتصديق منه، لأنها ليس فيها ما يرجحها عليه، بل إن العكس هو الصحيح.
هذا هو مكر بني إسرائيل بعيسى، وإكرام الله له بإنجائه من مكرهم، وعقابه المنافق بقتله، بعد إلقاء شبه عيسى عليه!!
والمكر لغة: هو تدبير خفي، يقصد به إضرار لمن يُمكر به، ولا يطلق على الله إلا بأسلوب المشاكلة المعروف في علم المعاني. وهو التعبير عن الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته.
وقد أُطلق هنا على إنجاء الله لعيسى. وانتقامه من المنافق، لوقوعه في صحبة مكرهم. هكذا قالت طائفة من العلماء.
وقال غير واحد: المكر هو التدبير المحكم. وهو ليس بممتنع على الله تعالى؛ وفي الحديث الشريف: "رَبِّ أَعِنَّي ولَا تُعِنْ عَلَيَّ … وامكُرْ لي ولا تمكر علي (١) ".
ثم ختم الله الآية بقوله: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ):
أي أقواهم، وأشدهم مكرا. أو أنه أحسنهم مكرا، لبعد تدبيره عن الظلم.
стр. 597
ثم فصل هذا التدبير المحكم بقوله:
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾
المفردات:
(مُتَوَفِّيكَ): أي مستوفيك وآخذك إليَّ. مأخوذ من قولهم: توفيت ديني على فلان. أي استوفيته وأخذته. ويعتبر قوله عقبه (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ): تفسيرا له.
(وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا): أي مطهرك منهم بإبعادك عنهم بالرفع، فقد دنَّسهم الكفر.
(وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ): بتصديق ما جئت به. ومنه: أنه يأتي من بعدك نبي اسمه أحمد: يجب الإيمان به.
(فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا): بذلك.
(إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ): ومن لم يؤمن منهم بمحمد. فقد كفر بعيسى. فتسلب منه هذه الأفضلية.
стр. 598
(مِنَ الْآيَاتِ): من الحجج الدالة على صدقك.
(وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ): والقرآن المحكم المتقن. أو المنصف بالحكمة.
التفسير
٥٥ - ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا … ﴾ الآية.
اختلف المفسرون في المراد من التوفي هنا.
فمن العلماء من قال: إنه على حقيقته المعروفة. وإنه مرتبط بالآية السابقة.
والمعنى: ومكر اليهود بعيسى يريدون قتله. ومكر الله فأحبط تدبيرهم. والله خَيْرُ الحاكمين. فقد قال الله لعيسى: إني متوفيك حين يأتي أجلك. ولن أسلطهم عليك ليقتلوك. وقد حقق الله وعده إذ ألقى شبهه على يهوذا فقتلوه، وأنجى عيسى ورفعه إليه. وسيبقى إلى آخر الزمان ليبلغ شريعة محمد ﷺ للناس. ثم يتوفاه بعد ذلك. كما ورد في السنة الصحيحة على ما سنبينه.
فالآية على هذا كناية عن عصمته من الأعداء، مشفوعة بالبشارة برفعته.
وقال آخرون: معناه: إني مستوفيك، أي آخذك من الأرض. مأخوذ من قول العرب: توفيت ما لي على فلان، أي أخذته. وعلى هذا يكون قوله: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) تفسيرا للتَّوفي.
ونقل الحافظ ابن كثير، عن ابن عباس (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي مميتك.
ولكن هذا النقل معارض بما سنذكره من الأحاديث الدالة على بقائه إلى آخر الزمان، وبقوله تعالى: "وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ" (١). وهذا الوعد لم يتحقق إلى الآن، فإن اليهود - وأكثر الناس - لم يؤمنوا به. وذلك يدل على أنه لا يزال حيًا. وسيظل كذلك. حتى يؤمن به جميع الناس قبل موته، تحقيقًا لوعد الله تعالى. وسيكون ذلك آخر الزمان.
كما أنه معارض بما صح نقله عن ابن عباس من أنه رفع من غير وفاة.
وعلى هذا يكون قوله تعالى: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) مرادا منه: رافعك حيًّا بدون وفاة ..
стр. 599
ويشهد له - ولنزوله آخر الزمان - ما رواه الإمام مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "وَاللهِ، لينزلنّ ابن مريم حكما عادلا فليكسرَنَّ الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولَتُترَكَنَّ القلاص (١)، فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناءُ والتباغض والتحاسد، ولَيُدْعَوُنَّ إلى المال فلا يقبله أحد".
ولا ينزل عيسى بشرع جديد ينسخ شريعتنا، بل ينزل مجددا لما درس منها، ومتَّبعا لها، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "كيف أنتم إذا أُنزل فيكم ابن مريم وإمامُكم منكم"!
وبما أنه سينزل آخر الزمان، فلابد أنه يبقى حيا إلى حين ينزل ويبلغ شرع الرسول محمد ﷺ ، إذ لو مات قبل ذلك، لكان نزوله هذا بعثا له في الدنيا. ولا بعث إلا في الآخرة. كما دل عليه الكتاب والسنة.
والمراد من قوله: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أنه تعالى، يبعده عنهم بالرفع، حتى لا يبقى بين من دنسوا أنفسهم بالكفر، تنزيها له عن دنسهم. أو أنه يُبْعِد أَيديَهُم عنه، فلا تمسه بأذى .. فهم أنجاس لكفرهم.
ويصح أن يكون هذا وعدا من الله له، بأنه - في آخر الزمان - يزيل من طريقه الكافرين، فلا يستطيعون صده عن الهدى كما كانوا يفعلون قبل رفعه.
(وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ):
لا يقال للأُمة: إنها اتبعت رسولها إلا إذا كانت تنفذ ما جاءَ به: اعتقادا وقولا وعملا.
والنصارى - بعد أن رفع الله عيسى - انقسموا فرقا وشيعا: فمنهم من آمن به، على أنه عبد الله ورسوله وابن أَمَتِهِ. ومنهم من غلا فيه فيجعله ابن الله. ومنهم من قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة.
стр. 600
وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورد على من عدا الفرقة الأُولى، التي تعتبر متبعة لرسولها، في تنزيه الله عن الصاحبة والولد والشريك.
وهذه هي العقيدة السليمة التي جاءَ بها المرسلون جميعا.
وكل من دان بها، فهو تابع لرسوله. كما هو تابع لجميع المرسلين وأصحابهم هم المؤمنون. ومن عداهم فهم كافرون.
وقد وعد الله - في هذه الآية - أنه جاعل من اتبع عيسى ﵇، فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، أي أنهم يكونون أعلى منهم.
والعلو المقصود من الآية: يحتمل أن يكون علوًّا في الدرجة والمنزلة عنده تعالى. فالمتبعون له - في حكم الله وقضائه - في أعلى الدرجات إلى يوم القيامة. ولا مكانة ولا منزلة عنده - جلَّ وعلا - لِمَنْ لم يتبع عيسى: بأن كفر به، أو آمن به ولكنه جعله إلها أو ابن الله. تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.
ويحتمل أن يكون العلو بمعنى الغلبة والقهر. وذلك إما بالحجة والبرهان - ولا شك أن أهل الحق منهم، أقوى حجة على أهل الباطل منهم ومن غيرهم، كاليهود والمشركين - وإما بالقتل والأسر. وقد حدث ذلك بعد رفع عيسى.
وفي ذلك يقول الله تعالى: "قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ" (١). ولعله حدث في أوقات أُخرى مثل ذلك.
وقد انقرض المؤمنون المتبعون لما جاءَ به عيسى ﵇. وأصبح جميع النصارى قبل بعثة النبي محمد ﷺ ، يؤَلهون عيسى. ويقولون: هو ابن الله. أو هو الله. أو هو ثالث ثلاثة.
وعلى أي حال كانت عقيدة النصارى في عيسى، فإنهم - منذ البعثة المحمدية - لا يعتبرون متبعين لعيسى ﵇، إن كفروا بمحمد ﷺ .
стр. 601
فقد بشر به عيسى، وأوجب عليهم تصديقه. فإذا زال عنهم وصف اتباعهم لعيسى ﵇ بكفرهم بمحمد ﷺ ، أو عدم دخولهم في الإسلام - فقد زال استحقاقهم لوعد الله، بأن يجعل من يتبع عيسى، فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة لسببين:
أحدهما: كفرهم بمحمد ﷺ ، وبدينه.
وثانيهما: عقيدتهم الباطلة في عيسى.
وكلا السببين: مخرج لهم عن اتباعهم لعيسى ﵇، مستوجب لحرمانهم من وعد الله أن يكون متبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. فإنهم -بما جَنَوْا- أصبحوا كافرين.
فانتقل وعد الله لعيسى: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) من النصارى إلى المحمديين، الذين هم - باتباعهم محمدًا ﵊ يعتبرون متبعين لعيسى أيضًا: فيما جاءَ به من التوحيد وأُمهات الشرائع والأحكام، التي يشترك فيها جميع المرسلين.
ولهذا، ترى المسلمين ظهروا على من عداهم: - بالحجة التي لا ترد، والبرهان الذي لا يقهر. كما تراهم ظهروا عليهم، في الجهاد والاستيلاء على الأقطار والبلاد - فقد فتحوا بلاد كسرى وقيصر. وتجاوزوها إلى الصين والهند شرقا، وإلى غرب أُوروبا وشمال إفريقيا وجنوبها. ولا تجد قارة من القارات، ولا قطر من الأقطار، إلا وفيه الكثير من المسلمين. ولا يزال أمر هذا الدين مستقيما حتى تقوم الساعة كما قال ﷺ (١) - وصدق الله في وعده إذ يقول: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا" (٢).
(ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ):
المعنى: ثم إلى حُكْمِي وقضائي: مَرجِعُكم ومصيركم، أيها المختلفون في أمر عيسى ﵇، فأقضى بينكم فيما كنتم فيه تختلفون من أَمره وأمر دينه.
ثم فصل قضاءَه فيهم فقال:
стр. 602
٥٦ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾:
المعنى: فأَما الذين كفروا بأن جحدوا نبوته وجعلوه إلها، أو ابنا له تعالى، فيعذبهم الله عذابًا شديدًا: في الدنيا بالقتل والأسر، حتى يخضعوا أو يعطوا الجزية، في مقابل رعايتهم والدفاع عنهم. وفي الآخرة حيث يخلدون في النار، وما لهم من ناصرين يدفعون عنهم عذاب الله.
٥٧ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾:
المعنى: وأما الذين صدقوا بنبوتك يا عيسى، وصدقوا بجميع الرسالات، وعملوا الصالحات: في دينهم ودنياهم - فيعطيهم أُجورهم وافية وافرة. والله لا يحب الظالمين بالكفر والمعاصي، ولا يرضى عنهم بل يبغضهم ولا يرحمهم. فلذلك يعاقبهم في الدنيا والآخرة.
٥٨ - ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾:
المعنى: هذا الذي نتلوه عليك يا محمد، من أمر عيسى مع قومه، هو من البراهين الشاهدة بنبوتك. فإن ذلك مما لا يعلمه سوى أهل الكتاب - وأنت أُمي ولا صحبة لك مع أهل الإنجيل حتى تعلمه منهم - فلم يبق إلا أنك عرفته من الوحي.
وكما أنه من الآيات، فهو من القرآن الحكيم. أي المحكم المتقن المصون من الباطل. أو صاحب الحكمة وهي إصابة الحق.
والتعبير بالمضارع (نَتْلُوهُ) بدل الماضي - تلوناه - استحضار للصورة التي حصلت؛ للاعتناء بها.
ويمكن حمل المضارع على ظاهره - وهو الحال - لأن قصة عيسى لم يفرغ منها بعد.
стр. 603
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾
المفردات:
(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ): المثل هنا؛ بمعنى الحال والصفة العجيبة.
(كُن فَيَكُونُ): أي صِرْ بَشَرًا، فصار بشرا. والتعبير بالمضارع (فَيَكُونُ) بدل الماضي - فكان - لتصويره بصورة الحاضر المشاهد، إيذانًا بغرابته.
(فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ): من الشاكِّين. أو من المجادلين في شأنه بعد وضوح الحق. والخطاب لكل مكلف.
(حَاجَّكَ): أي جادلك.
(ثُمَّ نَبْتَهِلْ): أي ثم ندع الله: مضارع. من الابتهال وهو الدعاءُ.
(وَمَا مِنْ إِلَهٍ): ما: نافية. ومن: لتأكيد الاستغراق المفهوم من النكرة المنفية. وهي كلمة (إِلَهٍ) قاله الشهاب.
стр. 604
التفسير
٥٩ - ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾:
سبب النزول:
نزلت هذه الآية على الرسول ﷺ عند حضور وفد نجران.
وكان من جملة شبههم: أن قالوا: يا محمد لَمَّا سلمت أنه لا أب له من البشر، وجب أن يكون أبوه هو الله تعالى. فقال: "إن آدم ما كان له أب ولا أُم .. ولم يلزمه أن يكون ابنا لله تعالى، فكذا القول في عيسى" ﵇.
تلك خلاصة ما دار بين وفد نجران، وبين الرسول ﷺ من الحوار في دعواهم أن عيسى ابن الله.
والمعنى: إِن حَال عيسى - وصفته العجيبة في خلقه دون أب - كحال آدم أبي البشر، ﵇، أراد الله خلقه من تراب، ثم قال له - عند تعلق إرادته تعالى بتنفيذ خلقه - صرْ وكن بأمري بشرًا سويًّا: ذا لحم ودم، وعظام وأعصاب، وعقل وإرادة .. فصار بشرًا، كما أراده الله.
وتم بذلك خلقه من تراب دون أب أو أُم، فكان بذلك أعجب من خلق عيسى من أُم دون أب!! وإذا كنتم أيها النصارى، لا تقولون بأُلوهية آدم، ولا ببنوته لله - مع أن خلقه عجب من خلق عيسى - فكيف تقولون بألوهية عيسى، أو بُنُوته لله، وهو دون آدم في غرابة خلقه!!
والآية دليل على صحة القياس، وشرعية النظر والاستدلال.
فقد احتج الله على فساد ادعائهم الأُلوهية لعيسى محتجين بأنه ولد بغير أب .. احتج عليهم بخلق آدم بلا أب ولا أُم. فحيث لم يقولوا بأُلوهية من هو أعجب منه خلقا، وجب القول بعدم أُلوهية عيسى من باب أولى.
стр. 605
ولما كان هذا الاحتجاج واضح الدلالة على بطلان زعم النصارى في عيسان أتبعه قوله:
٦٠ - ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ﴾:
لما كان الامتراءُ - هنا - بمعنى الشك، فلذا لا يصح أن يكون الخطاب في الآية للرسول، بل لمن يجادله في شأن عيسى، ولكل من يخالجه شك في أمره ﵇.
والمعنى: الحق في شأن عيسى، نازل من ربك أيها المجادل في شأنه. فلا تكونن من الشاكين في أمره، بعدما أسفر الصبح - لذي عينين - بهذه الحجة القاطعة لكل ريب.
ويصح أن يكون الامتراءُ بمعنى المجادلة بالباطل. أي فلا تكونن بعد هذا الحق النازل من ربك، من المجادلين المحاجين فيه بالباطل. والخطاب فيه - كسابقه، لغير الرسول، فإن الرسول لا يجادل بالباطل.
٦١ - ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾:
أما الخطاب هنا، فللرسول ﷺ .
والمعنى: فمن جادلك في شأن عيسى - من بعد ما جاءَك من أدلة العلم - بأنه بشر لا يستحق الأُلوهية، كما هو شأن آدم الذي هو أعجب منه خلقًا، فاترك مجادلتهم فهم مقلدون معاندون: معرضون عن الحق بعد وضوحه. وأفحمهم فقل لهم: تعالوا ندع أبناءَنا وأبناءَكم، ونساءَنا ونساءَكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم يَبْتَهل كل منا إلى الله تعالى ويدعوه، أن يجعل لعنته على الكاذبين منا.
وقد حدث أن النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية أخبر وفد نجران بها، ودعاهم إلى الغدو في اليوم التالي، ومعهم نساؤُهم وأبناؤُهم. وحضر الرسول في الموعد، ومعه الحسن والحسين، وفاطمة وعلي، فلم يجدهم. فقد تشاوروا فيما بينهم، فقالوا للعاقب وكان صاحب رأيهم: يا عبد المسيح، ماذا ترى؟ فقال: والله، يا معشر النصارى، لقد عرفتم: أن محمدًا لنبي مرسل. ولقد جاءَكم بالفصل من خبر صاحبكم. ولقد علمتم أنه ما لاعَنَ قوم نبيا قط فبقى كبيرهم، ولا نبت صغيرهم. وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم. فإن كنتم أبيتم إلا إِلْفَ دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا النبي ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا ألا نلاعنك ونتركك على دينك، وأن نرجع على ديننا. ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا:
стр. 606
يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا. فإنكم عندنا رضا. فأمر أبا عبيدة أن يخرج معهم، ويقضي بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه - أفاده القرطبي.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن الضحاك وابن عباس: أن النبي ﷺ صالحهم على الجزية، ومقدارها ألف حلة في صَفَر، ومثلها في رجب، ودَرَاهم. وذلك بعد أن أشار عليهم يهود المدينة بالصلح وعدم الملاعنة وقالوا لهم: هو النبي الذي نجده في التوراة.
قد يقول قائل: إن الجزية فرضت بعد فتح مكة. ووفد نجران جاء قبلها. فكيف يقال: إن الرسول صالحهم على الجزية؟ والجواب: أن ذلك من باب المصالحة على ترك المباهلة. وجاء فرض الجزية - بعد ذلك - على وفق ما صنعه رسول الله.
وقد أُجيب بأجوبة أخرى، فارجع إليها - إن شئت - في تفسير ابن كثير.
وروى البخاري ومسلم وغيرهما عن حذيفة قال: جاء العاقب والسيد: صاحبا نجران، إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه (١). قال: فقال: أحدهما لصاحبه: لا تفعل. فو الله، إن كان نبيا فلاعناه، لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إن نعطيك ما سأَلْتنا وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا، فقال: "لأبعثن معكم رجلا أمينا حَقَّ أمينٍ. فاستَشْرَفَ أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح. فلما قام، قال رسول الله ﷺ : "هذا أمين هذه الأُمة".
٦٢ - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
المعنى: إن هذا الذي قصصناه عليك - يا محمد - في شأن عيسى، لهو القصص المطابق للواقع: الذي لا يصح العدول عنه إلى ما عليه النصارى في شأنه: من أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة.
(وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ): فلا شريك له في ملكه، بأي وجه من الوجوه. ولا معبود بحق سواه.
(وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ): أي الغالب الذي يَقْهَرُ ولا يُقْهَرُ. أو العزيز بمعنى: من لا نظير له.
(الْحَكِيمُ): المتقن لما يصنعه وما يدبره.
٦٣ - ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾:
стр. 607
فإن أعرض هؤُلاء النصارى عن الاعتراف بالحق في شأن عيسى، وعن اتباعك في دينك - بعد ما تبين لهم الحق - فإن الله عليم بهؤلاء المفسدين، فيعاقبهم على إفسادهم لعقائدهم وعقائد غيرهم. وأظهر في مكان الإضمار، فلم يقل: عليم بهم. بل قال: (عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) لإظهار فسادهم واستحقاقهم للعقوبة.
وفي هذا تهديد بليغ لهم.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾
المفردات:
(تَعَالَوْا): أَقبِلوا.
(إِلَى كَلِمَةٍ): إلى العمل بكلمة. والمراد بها هنا: الكلام الآتي بيانه في الآية الكريمة.
(سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ): مستوية عادلة نعمل بها جميعا، ولا نختلف فيها.
(وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ): أي لا يطيع بعضنا بعضا في معصية الله. وأهمها الشرك .. فإن طاعتهم في ذلك كاتخاذهم أربابا. وهذه الجملة بالنسبة لما قبلها تعميم بعد تخصيص. وسيأتي بيان ذلك في المعنى.
التفسير
٦٤ - ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا … ﴾ الآية.
نزلت هذه الآية في وفد نجران كما قاله: الحسن، والسدي وغيرهما.
стр. 608
وقال الجبائي: نزلت في اليهود والنصارى. ورجحه بعض المحققين، لعموم الخطاب لهما. وإن كان السياق مع الرأي الأول.
والمعنى: قل يا محمد لأهل الكتاب: أقبلوا إلى منهج موحد في العبادة: يستوي فيه المسلمون والنصارى واليهود. تسلكه جميعا. ولا نعدل عنه إلى سواه.
وهذا المنهج هو: (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) لا صنما ولا كوكبا ولا نارا ولا ملائكة ولا غير ذلك. (وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ): فلا يتخذ اليهود عزيرا ابنًا لله. ولا يتخذ النصارى المسيح ابنًا لله. ولا يقولوا: إنه ثالث ثلاثة، لتستووا بذلك مع المسلمين الذين لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، فإن هذا المنهج التوحيدي - كما دعا إليه القرآن - دعت إليه التوراة والإنجيل قبل تبديلهما. ولا تزال فيهما نصوص كثيرة تدعو إلى التوحيد: تركتموها وعملتم بنصوص أُخرى: اصطنعتموها، أَوْ أَسأَتم تَأويلها.
وكما دعت إلى التوحيد هذه الكتب الثلاثة - دعا إليه جميع الرسل. قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ" (١) فهو مبدأ مشترك بين جميع الأديان: قامت عليه الأدلة العقلية، إلى جانب الأدلة النقلية.
ومن اتخاذ البشر أربابًا: أن يأخذ تابعوهم بآراء متبوعيهم في تحليل أو تحريم، دون استناد إلى نص إلهي.
أخرج الترمذي - وحسنه - من حديث عدي بن حاتم: أنه لما نزلت هذه الآية قال: ما كنا نعبدهم يا رسول الله، فقال ﷺ : "أما كانوا يحللِّون لكم ويحرّمون فتأخذون بقولهم". قال: نعم. فقال ﷺ : "هو ذاك".
وإلى هذا المعنى، أشار قوله تعالى: "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ" (٢).
وقد جاء في أسفار العهد القديم: نصوص عديدة .. ناطقة بتوحيد الله وتنزيهه عن الشريك (٣).
стр. 609
ثم قال الله لنبيه محمد ﷺ : (فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ):
أي فإن أعرضوا عما دعوتهم إليه: من توحيد الله، وعدم إشراك غيره معه في العبادة - مع أن ذلك أمر مجمع عليه في جميع الرسالات - فاعلموا أنهم لزمتهم الحجة، ولكنهم أبَوا الحقَّ عنادًا، فقولوا لهم: أنصفونا واشهدوا معترفين لنا بأننا مسلمون مخلصون لربنا.
وفي هذا الطلب، تعريض لهم بأنهم لا إسلام لهم - أي لا إخلاص منهم لربهم - حين اعتقدوا في عيسى وعزير ما اعتقدوه فيهما. كما أنه يؤذن بأن من قاله واثق بعقيدته في ربه، مطمئن إلى الأدلة التي أيقن بها.
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾
المفردات:
(لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ): أي لِمَ تجادلون فيه؟ فيقول كل منكم: إنه كان على دينه.
(حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ): كأمر موسى وعيسى ﵉.
(فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ): هو أمر إبراهيم ﵇.
стр. 610
(حَنِيفًا): مائلا عن الأديان الزائفة، من الحنف. وهو الميل.
(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ): إن أحق الناس بالانتساب إليه، هم الذين اتبعوه في شريعته، ممن أُرسل إليهم.
(وَهَذَا النَّبِيُّ): محمد، لأن دينه التوحيد، كدين إبراهيم ﵉.
(وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ): مجتبيهم ومحب لهم، فلهذا ينصرهم ويحسن جزاءَهم.
التفسير
٦٥ - ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
سبب النزول:
روى عن ابن عباس أنه قال: اجتمعت نصارى نجران، وأحبار اليهود، عند رسول الله ﷺ ، فتنازعوا عنده. فقال الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا. وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا. فأنزل الله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ … ) الآية. ذكره ابن كثير.
والمعنى: يا أهل الكتاب لما تُجادلون في إبراهيم، فينسبه كل منكم إلى دينه، والحال أنه ما أُنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده بأَزمان بعيدة؟ فكيف يكون يهوديًا على شريعة موسى، أو نصرانيا على شريعة عيسى وهو سابق عليهما؟! كما أن كلتا الديانتين دخلهما التبديل، وزال ما بهما من العقائد السليمة والأحكام الصحيحة. فلا يشبهان ما كان عليه إبراهيم ﵇، من التوحيد والأحكام الشرعية الإلهية السليمة من التبديل. فكيف تقولون: إنه كان يهوديا أو نصرانيا؟ أتحاجون في ذلك؟ فهل تتعقلون؟
فإن قيل: لماذا ينكر الله على اليهود والنصارى ما قالوا؟ ويدلل على جهلهم وعدم تعقلهم، بتقدم زمان إبراهيم على كتابيهم - مع أن القرآن قال مثل ما قالوا في حقه: "وَلكِن كَانِ حَنِيفًا مُّسْلِمًا" كما سيأتي - فكيف يكون مسلما وهو سابق على الإسلام؟ ولماذا صح هذا عن إبراهيم بالنسبة إلى الإسلام، ولم يصح عنه بالنسبة إلى اليهودية أو النصرانية؟
стр. 611
فالجواب: أن المراد من كونه مسلما: أن دينه يتفق مع الإسلام: في الخضوع والاستسلام لله وحده دون شريك، وفي تنزيهه تعالى عن الصاحبة والولد. كما أنه يتفق معه في سائر أُصول العقائد والأحكام. كشأن جميع الأديان السماوية.
أما ما عليه اليهود والنصارى، فمخالف للأديان السماوية، حيث بدَّلوا التوراة والإنجيل، وحرَّفوهما عن أصليهما النازلين من عند الله، تحريفا يتصل بالنص وبالتأويل.
فإذا نفى القرآن عن إبراهيم: أنه كان يهوديًا أو نصرانيًا بقوله: "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا" فمعناه: أنه لم يكن على ما جاءَ فيهما من العقائد الخاطئة: كالبنوة لله والتثليث، وكذلك الأحكام المحرفة التي لا يمكن أن تكون شرعًا لله في أي زمان.
وإذا أثبت له أنه كان حنيفا مسلما بقوله: "وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا" فمعناه: أنه كان مائلا عن الأديان الباطلة - ومنها ما عليه اليهود والنصارى - ومنصرفا إلى الحق الذي جاء به الإسلام، فإنه هو الدين السماوي النظيف من تحريف البشر: المشتمل على المعارف والأحكام الإلهية الرئيسية: التي اشتركت فيها جميع الأديان السماوية، وإن اختلفت في كيفية تلك الأحكام المشتركة وطريقة أدائها.
٦٦ - ﴿هَا أَنتُمْ هؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾:
المعنى: ها أنتم هؤُلاء حاججتم فيما لكم به علم من أمر موسى وعيسى ومحمد ﵈. فعندكم التوراة والإنجيل تعرفوا منهما أمرهم، وإن كنتم غيرتم فيهما وبدلتم. فلماذا تحاجون في أمر دين إبراهيمن وأنتم لا علم لكم بتفاصيله ولا بما جاء في صحفه؟
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ): فلهذا جهلكم ورماكم بأنكم لا تعقلون.
٦٧ - ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾:
المعنى: ما كان إبراهيم يهوديا كما ادعى اليهود، ولا نصرانيا كما ادعى النصارى. ولكن كان حنيفًا: أي مائلا عن الأديان الباطلة. مسلما: أي على طريقة الإسلام من التوحيد
стр. 612
وتنزيه عما لا يليق، والمحافظة على أحكام الله دون تبديل. فلم يقل: إن الله اتخذ له ولدا كما قالوا. ولم يقل: إن له شريكا في الأُلوهية والعبادة كما زعموا.
٦٨ - ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
سبب النزول:
روى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رؤَساءُ اليهود: والله يا محمد، لقد أنا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك، وإنه كان يهوديا. وما بك إلا الحسد. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
والمعنى: إن أحق الناس بإبراهيم وأولاهم بالانتماء إلى دينه، هم هؤُلاء الذين اتبعوه من أُمته التي بعث إليها، وهذا النبي محمد والمؤمنون معه من أُمته، فإن دينهم الإسلام، وهو يقوم على توحيد الله وتنزيهه عن الصاحبة والولد، ودين إبراهيم كذلك، أما أنتم، فقد جعلتم عزيرا ابن الله، وجعلتم الله مجسما يمكن النظر إليه، وغيرتم في دينكم، وحرفتم في كتابكم، وكذبتم على أنبيائكم، ونسبتم إليهم الموبقات. فكيف تقولون: إنكم أَوْلى منا؟
ثم ختم الآية بقوله:
(وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ): أي ناصرهم ومجازيهم أحسن الجزاء.
﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾
стр. 613
المفردات:
(وَدَّتْ): أحبت.
(لَوْ يُضِلُّونَكُمْ): لو، بمعنى: أن. أي أن يضلوكم.
(وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ): الإضلال هنا بمعنى: الإهلاك مجازا. فالمعنى: وما يهلكون إلا أنفسهم بتمني إضلالكم. أو بمعنى: الإخراج عن الهدى. فالمعنى: وما تعود عاقبة الإضلال إلا على أنفسهم. أو بمعنى: الخداع. فهم يخدعونكم، وما يخدعون إلا أنفسهم في الحقيقة.
(وَمَا يَشْعُرُونَ): وما يفطنون لذلك.
(وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ): أي وأنتم تعلمون ما يدل على صحتها من التوراة والإنجيل.
(لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ): أي لماذا تسترونه أو تخلطونه به؟
التفسير
٦٩ - ﴿وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾:
سبب النزول:
دعا اليهود حذيفة وعمارا ومعاذا إلى اليهودية. فنزلت الآية.
وقيل: نزلت في اليهود وفي النصارى، وعلى كل، فهي لبيان إضلالهم لغيرهم، إثر بيان ضلالهم في أنفسهم، والإضلال هنا: بمعنى الرد إلى الكفر. كما قاله ابن عباس. أو الإهلاك: كما قاله ابن جرير الطبري.
والمعنى: أحبت جماعة من أهل الكتاب أن يوقعوكم في الضلال والكفر الذي تَرَدَّوْا فيه - بعد أن من الله عليكم بالهدى، وشرفكم بالإسلام - وما تعود عاقبة الإضلال لغيرهم ووباله إلا على أنفسهم، وما يفطنون لذلك، لما اعترى قلوبهم من الغشاوة وزعمهم أنهم على الحق.
ويجوز أن يكون المعنى: أحبت طائفة من أهل الكتاب أن يهلكوهم: بالتكفير والإخراج عن الإيمان، وما يهلكون إلا أنفسهم بما يفعلون. وما يفطنون لذلك، لزعمهم أنهم على الحق.
стр. 614
وحاصل المعنى في كليهما: أن محاولتهم إضلال المؤمنين غير مجدية. فقد عصمهم الله بقوة الإيمان. فلا فائدة تُرجى مما يفعلون. بل الأمر بالعكس. فإن ما أرادوه سينقلب وباله عليهم وهم لا يفطنون لذلك.
٧٠ - ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾:
المعنى: يا أهل الكتاب، لماذا تكفرون بآيات القرآن النازل من عند الله وأنتم تعلمون - التوراة والإنجيل - ما يدل على صحتها، ووجوب الاعتراف بها؟ أو: لماذا تكفرون بآيات التوراة والإنجيل الدالة على نبوة محمد ﷺ ، وأنتم تعلمون صدقها عليه، وموافقة أوصافه لما جاء فيها؟ أو: لماذا تكفرون بآيات الله الشاهدة بوحدانيته، وأنتم تعلمون ذلك بلا شبهة، فإنكم تشاهدون دلالتها على ذلك في كل حين؟ فكيف جعلتم له ولدا وهو غني عن الولد؟ وكيف قلتم إنه ثالث ثلاثة؟!
٧١ - ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
المعنى: يا أهل الكتاب، لماذا تسترون الحق بالباطل أو تخلطونه به، وذلك بتحريفكم آيات التوراة والإنجيل وسوءِ تأويلكم لها؟ ولماذا تكتمون الحق في شأن محمد وبشاراته الموجودة في كتبكم، وأنتم تعلمون أنه حق، وأن ما جاء به هو من عند الله تعالى؟
﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾
стр. 615
المفردات:
(وَجْهَ النَّهَارِ): أوله سمى وجها، لأنه أول ما يواجهك منه.
(أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ): أي كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم.
(أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ): أي يحاجوكم به عند كتاب ربكم: بالتحاكم إليه.
التفسير
٧٢ - ﴿وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾:
سبب النزول:
قال الحسن والسدي: تواطأَ اثنا عشر رجلا: من أحبار يهود خيبر وقرى عُرَيْنَة.
وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار - باللسان دون الاعتقاد - واكفروا آخره، وقولوا: إننا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءَنا فوجدنا محمدًا ليس بذاك، وظهر لنا كذبه وبطلان دينه. فإذا فعلتم ذلك، شك أصحابه في دينهم. وقالوا: إنهم أهل كتاب. وهم أعلم به. فيرجعون عن دينهم إلى دينكم … انتهى.
دبر اليهود هذه المكيدة: التي حكاها سبب النزول، على عادتهم في تدبير الكيد لمن عداهم. وأنت ترى أنها مكيدة خبيثة. ولكن الله يحفظ منها أولياءَه فإنه سبحانه: " … لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ" (١) "وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" (٢) فقد فضحهم المولى ﵎. فأنزل هذه الآية تنبيها لرسوله وللمؤمنين. وحفظ الله الإسلام من هذه المكيدة الشنعاء: "يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" (٣).
والمعنى: وقالت طائفة من أهل الكتاب - وهم أحبار اليهود - لآخرين من قومهم: آمِنُوا ظاهرا بالقرآن الذي أُنزل على المؤمنين أول النهار، واكفروا آخره .. لعل هؤلاء
стр. 616
المؤمنين يرجعون عن دينهم، حين يرونكم - وأنتم أهل الكتاب - بعد أن خالطتم المؤمنين - كفرتم به، ودرستهم دينهم - وإنما قالوا: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) مع أنهم لا يعترفون بأنه أُنزل عليهم من كل شيءٌ - من باب المجاراة لما يقوله المؤمنون.
٧٣ - ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾:
أشارت الآية السابقة، إلى أن رؤَساء اليهود، قالوا لأتباعهم: أظهرو الإيمان أول النهار بما أُنزل على المسلمين، واكفروا آخره، ليرجعوا عن دينهم إذا رأوكم - وأنتم أهل الكتاب - رجعتم عنه وكفرتم به. وإتماما لهذه المؤَامرة الشيطانية: أوصوا هؤُلاء الأتباع ألا يطلعوا المسلمين على شيء من أسرار كتابهم: كالبشارة بنبينا محمد ﵊ وأماراته .. فقالوا لهم:
(وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ):
من معاني الإيمان في اللغة: الثقة والطمأنينة. وهو المراد من قولهم: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ):
والمعنى: ولا تثقوا إلا بأبناء ملتكم من اليهود. ولا تطمئنوا إلا إليهم. فلا تذيعوا أسرارنا إلى المسلمين، فإن ذلك يفسد علينا تدبيرنا، ويجعلهم يتمسكون بدينهم أكثر مما هم متمسكون به، ويجعلهم أيضا، يحاجوننا بما تخبرونهم به.
وقد انتهى كلام اليهود عند قولهم: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ) كما رجحه الفراءُ.
وبعد أن بين الله لرسوله مؤَامرتهم هذه، وفضحهم بهذا البيان أتبعه هذا التكليف: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) أي قل يا محمد لهؤُلاء المتآمرين، توبيخا لهم: إن الهدى هدى الله. فلا يتوقف على إظهاركم ما عندكم من البشائر بنبوة محمد، والعلامات الدالة عليه، ولا يزيله كفركم آخر النهار بعد إيمانكم أوله، فمن أراد الله هداه، أقنعه
стр. 617
بما أيد به رسوله من الآيات البينات، وأورثه الطمأنينة التامة في قلبه، وحفظه من كيد الكائدين، وكشف له دسائسهم ومؤَامراتهم.
وأما قوله تعالى: (أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ) فهو مما أمر الله رسوله أن يقوله لليهود.
وفي الكلام جملة مقدرة يقتضيها المقام. والتقدير: أتكيدون هذا الكيد كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم، أو يحاجوكم به عند ربكم؟!
والمعنى على هذا: قل لهم يا محمد: إن الهدى هدى الله. أتفعلون ما تقدم من أمركم أتباعكم بالإيمان أول النهار والكفر آخره، وألَّا يُذيعوا للمسلمين نعت محمد في كتابكم، كراهة أن يُعطَى أحد مثل ما أُعطيتم من النبوة والكتاب، أو أن يحاجوكم بما أُوتيتم من كتاب عِندَ ربكم، بأن يقولوا لكم: تعالَوْا نَحْتَكِمْ إلى الله تعالى بقراءة كتابه الذي أنزله على موسى، ليظهر ما كتمتموه من نبوة محمد ﷺ وليَعْلُوَا بذلك حقهم على باطلكم، فقد جاءَت فيه بشاراته فأخفيتموها حقدا وحسدا؟! قل لهم يا محمد، إن الفضل بيد الله: يمنحه من يشاءُ. فلماذا تحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، وتخصون بني إسرائيل وحدهم بفضله، والله واسع الفضل فلا يضيق على أحد من أهل الاستحقاق، بليغ العلم فهو أعلم حيث يجعل رسالته؟!
وقد حكت سورة البقرة عنهم مثل تلك المؤامرة. فقد زَجُّوا جماعة منهم لينافقوا بالإيمان، وحذروهم من أن يخبروا المؤمنين بشيءٍ من صفات الرسول في التوراة، حتى لا يحاجوهم به، فلما أخبروهم بها، أنكروا عليهم ما فعلوا، وذلك ما حكاه الله فيها بقوله: "وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" (١).
ويرى بعض المفسرين: أن الآية - كلها - يمكن أن تكون خطابًا من الله للمؤمنين على جهة التثبيت لقلوبهم وتنوير بصائرهم، وحفظهم من تشكيك اليهود، وتزويرهم في دينهم.
стр. 618
والمعنى: ولا تصدقوا - يا معشر المؤمنين - إلا من تبع دينكم. أما غيرهم فاحذروهم.
قل لهم يا محمد: إن الهدى هدى الله الذي أنزله على محمد. أما ما يقوله أعداءُ الإسلام فهو من تزويرهم، فلا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم من الهدى والحق ولا أن يحاجوكم بما لديهم من دينهم عند ربكم. فلا قدرة لهم على ذلك. قل: إن الفضل بيد الله … إلخ.
وفي الآية تفسيرات أُخرى: لا تخلوا من مآخذ - فلذا تركناها.
٧٤ - ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾:
يختص بنبوته من يشاءُ من أهل الجدارة والاستحقاق، ويمنح فضله من هو جدير به. والله ذو الفضل العظيم. فلا يمنعه عن أهل الفضل ومستحقيه.
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾
المفردات:
(بِقِنطَارٍ): المراد به هنا، المال الكثير. وقد تقدم الكلام عليه في قوله تعالى: "وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ" (١).
(بِدِينَارٍ): هو عملة ذهبية مستعملة في الجاهلية والإسلام.
стр. 619
(لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ): يعنون بالأُميين: العرب؛ لجهلهم وقتئذ بالكتابة والقراءة: ومعنى كلامهم: ليس علينا فيما نأخذه من أموالهم مأخذ ولا حساب.
التفسير
٧٥ - ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:
لا يزال الكلام موصولا في أهل الكتاب، وبيان أحوالهم. ففي هذه الآية: يبين الله أن أهل الكتاب لم يكونوا - في المعاملة المالية مع العرب - على خلق واحد.
فمنهم أُمناء يؤَدون الحق إلى من استأمنهم عليه ولو كان مالا كثيرًا، كعبد الله بن سلام، استودعه عربي قرشي ألفًا ومائتي أُوقية ذهبًا - حين كان ابن سلام على يهوديته - فلما طلبها القرشي، أداها إليه كاملة.
ومنهم خَوَنَةٌ يجحدون أمانات العرب التس استأمنوهم عليها - ولو كانت مالا قليلا - ولا يؤَدونها إلا بتكرار المواجهة والمطالبة. زاعمين: أن الله أحل لهم سلب أموال الأُميين، إذ يقولون:
(لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ): أي ليس علينا إثم في أكل أموالهم. فلا حساب ولا عقاب من الله تعالى لهم. وهم - إذ يقولون هذا - يكذبون على الله تعالى، عن عمد وعلم بأنهم كاذبون.
ومن هؤُلاء - رجل اسمه فنحاص بن عازوراءَ استودعه قرشي آخر دينارًا فجحده.
وقد استفيد من الآية: أن الخيانة في الأمانة من أخلاق هؤُلاء، ولهذا يجب أن يتنزه عنها المؤمنون: امتثالا للمنهج الكريم الذي أوجب الله علينا نهجه وسلوكه: "إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا … " (١).
فلا يحل لمسلم أن يخون أحدًا ولو خالفه في الدين ..
стр. 620
قال رجل لابن عباس: "إنا نصيب - في العمد من أموال أهل الذمة - الدجاجة والشاة، ونقول: ليس علينا في ذلك بأس .. فقال له: هذا كما قال أهل الكتاب: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ)، إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا عن طيب أنفسهم". اهـ.
كما لا يصح لمسلم أيضًا: أن يتصف بالخيانة مع من خانه. قال ﷺ : "أَدِّ الأَمانةَ إِلَى مَنِ ائتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك" (١). والله تعالى يقول: "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا" (٢).
قال القرطبي: في الآية رد على الكفرة: الذين يُحَرِّمُونَ وَيُحَلِّلُونَ غير تحريم الله وتحليله، ويجعلون ذلك في الشرع.
واستدل أبو حنيفة بالآية، على ما ذهب إليه من مشروعية ملازمة الغريم بقوله تعالى:
(لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا):
واعلم أن الآية جاءَت مثالا للإنصاف. فلم ترم اليهود جميعًا بالخيانة. بل ذكرت أن فيهم بعض الأُمناء، إحقاقًا للحق.
٧٦ - ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾:
هذه الآية ردُّ لقولهم: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) وإيجاب للوفاء بالحقوق، وبيان لمحبة الله لأهل الوفاء.
والمعنى: بلى .. عليهم سبيل ومؤَاخذة في عدم رد الأمانات إلى أهلها: من أَوفى بعهده فأدى الحقوق لذويها، واتقى الله في أمره كله، فلم يخن الأمانة، ولم يكذب على الله، ولم يفعل سوءًا - فإن الله يحبهم لتقواهم ووفائهم، ويترتب على حبه لهم، منحهم أجزل الثواب.
стр. 621
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾
المفردات:
(يَشْتَرُونَ): يستبدلون.
(بِعَهْدِ اللَّهِ): بأمر الله المؤَكد.
(ثَمَنًا قَلِيلًا): عوضًا قليلا.
(لَا خَلَاقَ لَهُمْ): لا نصيب لهم.
(وَلَا يُزَكِّيهِمْ): ولا يطهرهم.
التفسير
٧٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ … ﴾ الآية.
سبب النزول:
ذكرت لهذه الآية أسباب نزول عديدة.
نذكر منها: ما أخرجه أصحاب الكتب الستة وغيرهم، عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقطع بها حقَّ امريءٍ مسلم لَقِيَ الله وهو عليه غضبان". فقال الأشعث بن قيس: فِيّ والله كان ذلك. كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى رسول الله ﷺ ،
стр. 622
فقال لي رسول الله ﷺ : أَلَكَ بَيِّنَةُ؟ قلت: لا. فقال لليهودي: احلف. فقلت: يا رسول الله، إذ يحلف فيذهب مالي. فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ … ) الآية.
وما أخرجه ابن جرير، عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحيي بن الأخطب: حرّفوا التوراة، وبدّلوا نعت رسول الله ﷺ ، وحكم الأمانات وغيرهما، وأخذوا على ذلك الرشوة.
والمعنى: إن الذين يستبدلون بما عاهدهم الله عليه، من بيان نعت محمد وعدم كتمانه، ويعتاضون عن أيمانهم الكاذبة الفاجرة، بالأثمان القليلة من أعراض الدنيا الزائلة - مهما عظمت - أُولئك لا نصيب لهم في ثواب الآخرة، ولا حَظَّ لهم في نعيمها.
(وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ): كلامًا فيه لطف بهم.
(وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ): بعين رحمته تعالى.
(وَلَا يُزَكِّيهِمْ): أي لا يطهرهم من دنس الذنوب بالمغفرة. بل يأمر بهم إلى النار. ولهم عذاب أليم على الكتمان، واستبدالهم عهد الله، والحلف زورًا، واستحلالهم أخذ المقابل على التزوير.
قال القرطبي: وقد دلت هذه الآية والأحاديث على أن حكم الحاكم لا يحل المال في الباطن بقضاء الظاهر، إذا علم المحكوم له بطلانه.
وفي الحديث الصحيح عن أُم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنكم تختصمون إلىَّ، وإنما أنا بشر، ولَعَلَّ بعضَكُم أن يكونَ أَلْحَنَ بحجتِه مِن بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار .. فليأخذها أو ليتركها" (١).
стр. 623
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾
المفردات:
(يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ): يميلونها بالكتاب؛ عدولا به عن الحق تحريفًا أو تأويلا. والَّليُّ: الميل. يقال: لوى برأسه إذ أماله. والكتاب: التوراة والإنجيل.
التفسير
٧٨ - ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:
روى الضحاك عن ابن عباس: أن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعا. وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل، وألحقوا بكتاب الله تعالى، ما ليس منه.
والمعنى: وإن من أهل الكتاب الخائنين، جماعة من علمائهم: يحرفون كلام الله، ويميلون به عن القصد، لتظنوا - أيها المسلمون - حينما تسمعونهم: أن ما حرفوه هو من صميم كتابهم الذي أنزله الله على رسولهم. وما هو - في الحقيقة - من الكتاب، بل من كلامهم. ويؤَكدون نسبته إلى الكتاب بقولهم: هو من عند الله، وما هو من عند الله. بل من عند أنفسهم. ويقولون على الله الكذب بنسبته إليه، وهم يعلمون أنهم عليه - سبحانه - يكذبون.
وكما وقع التحريف في القراءَة، وقع في تأويل النصوص في الكتابة.
ولهذا ترى التناقض والتكاذب والتهافت بين نسخها ..
فمن يقرأُ الأناجيل الأربعة، يجد الاختلاف بينها واسع النطاق. وبخاصة: فيما تورده عن صلب المسيح ﵇ (١)، وكذلك التوراة!!
стр. 624
وأما احتجاج الرسول بقوله: "فَأتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (١). فيُحمل على أن الرسول كان يعلم ببقاء بعض ما يفي بالغرض سالمًا عن التغيير. فإنهم لم يغيروا جميع ما في التوراة: إما لجهلهم بدلالة ما بقي على المقصود، أو لصرف الله إياهم عن تغييره.
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾
المفردات:
(وَالْحُكْمَ): أي الحكمة. وهي إصابة الحق.
(رَبَّانِيِّينَ): منسوبين إلى الرب سبحانه. والألف والنون يُزادان للمبالغة كثيرًا كَلِحْيانيٍّ لعظيم اللحية، وَرَقَبَانِيٍّ لغليظ الرقبة. والمراد من الرباني: العالم الفقيه، الراسخ في علوم الدين. وقيل: الحكيم التقي.
(بعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ): منقادون مستعدون للدين الحق.
التفسير
٧٩ - ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾:
стр. 625
لا يزال الكلام متصلا مع وفد نجران، فإنه روى: أن السورة - كلها - إلى قوله: "وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ … " نزلت بسببهم .. ذكره القرطبي.
وَرَوَى ابن إسحق وغيره، عن ابن عباس ﵄، قال: قال أبو رافع القُرظي - حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ، ودعاهم إلى الإسلام - أتريد يا محمد، أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران يُقال له: الرئيس: أوذاك تريد منا يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : "معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غيره. ما بذلك بعثني، وما بذلك أمرني" فأنزل الله تعالى الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم قال: كان ناس من يهود: يتعبدون الناس - من دون ربهم - بتحريفهم كتاب الله عن موضعه. فقال: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ … ) الآية.
وأي كان سبب النزول، فمعنى الآية: ما صح وما استقام لِبَشر اصطفاه ربه لتبليغ الرسالة إلى خلقه، وأعطاه الكتاب الذي يرشد الناس إلى عبادة ربهم، وأعطاه الحكمة - أي حسن التصرف في الأُمور - وأعطاه النبوة العاصمة من الخطأ، ثم يتنكر لربه الذي الذي اختاره لهداية خلقه، فيقول للناس: كونوا عبادًا لي إشراكًا مع الله أو إفرادًا: متجاوزين توحيد الله إلى ما طلبته منكم. ولكن يقول لهم: كونوا علماء عاملين، كاملين في العلم والعمل، لأنكم تعلمون الناس الكتاب وتدرسونه. فأولى بكم أن تتبعوه ولا تحيدوا عنه.
والتعبير بلفظ (ثم) لاستبعاد حصول ذلك القول من الرسول.
وإذا كان لا يصح لبشر آتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة: أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه، فلا يصح له أن يدعوهم إلى عبادة غيره من باب أولى.
وبهذه الآية حصل الرد البليغ من الله تعالى على النصارى الذي أَلَّهوا المسيح وعبدوه، وعلى اليهود الذين أَلَّهو عزيرًا وقدسوه، وعلى من زعم أن محمدًا ﵊،
стр. 626
يقصد بنبوته: أن يدعو الناس إلى عبادته، وعلى الأحبار الذين يتعبدون الناس من دون ربهم: بتحريفهم كتاب الله عن موضعه لمصلحتهم.
وخلاصة الرد: أن رُسُلَ الله برآءُ مما يصنعه أتباعهم. فإنه لا يعقل أن يأمروهم بهذا الكفر. وذلك هو ما يقوله عيسى ﵇، لربه لما يسأله: "أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ" إذ أجاب: "سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ" ثم قال "مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (١).
والآية توجب على أهل العلم أن يقرنوه بالعمل، حتى لا تَزِلَّ قدم بعد ثبوتها.
٨٠ - ﴿وَلَا يَأمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا … ﴾ الآية.
(وَلَا يَأمُرَكُمْ): بالنصب، معطوف على "يَقُولَ" في الآية السابقة، داخل معه في حيز ما لا يجوز على الرسل.
والمعنى: ما كان لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يقول للناس كونوا عبادًا لي من دون الله، ولا أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا .. أيليق به - وهو رسول الله - أن يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مخلصون منقادون لربكم!!
ومن قرأ: (وَلَا يَأمُرُكُمْ) بالرفع، فعلى الاستئناف.
والمقصود من القراءَتين واحد. وهو استحالة حدوث ذلك من الرسول.
وإذا كان سبب النزول وفد نجران، فلا إشكال في قوله تعالى لهم: (بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) فإن الإسلام يُراد منه حينئذ، الاستعداد للدين الحق، إرخاءً للعنان ومجاراة لهم.
стр. 627
وقيل إن سبب نزول الآيتين، ما أخرجه عبد بن حميد عن الحسن قال: بلغني أن رجلا قال: يا رسول الله، نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض؟ أفلا نسجد لك، قال: "لا. ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله. فإنه لا ينبغي أن يُسْجَدَ لأحد من دون الله تعالى". وعلى هذا، فالإسلام على ظاهره.
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾
المفردات:
(مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ): الميثاق، العهد الموثق المؤكد.
(لَمَا آتَيْتُكُم): اللام موطئة للقسم. وما: بمعنى الذي. كما نقله سيبويه عن الخليل. أي للذي آتيتكموه. وقيل: إن ما شرطية بمعنى إن. وهو الظاهر.
(وَحِكْمَةٍ): أي نبوة. سميت حكمة، لأنها منبعها.
(إِصْرِي): عهدي وميثاقي.
التفسير
٨١ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ … ﴾ الآية.
стр. 628
واذكر يا محمد، لأهل الكتاب، كيف أخذ الله العهد على النبيين جميعًا: لئن آتيتكم من كتاب تبلغونه لأُممكم، وحكمة - أي نبوة ورسالة إليهم - ثم جاءَكم رسول مصدق لما معكم لتصدقُنَّ بأنه مرسل من عندي إلى الناس، ولتنصرنه بالتبشير به، وحض أُممكم على أن تؤمن به، إذا بُعِث إليهم، وتنصره وتؤَيده فيما جاءَ به؟
قال تعالى لهم بعد أخذ الميثاق عليهم: هل أقررتم بالإيمان به ونصرته وأخذتم على ذلكم عهدي وقبلتموه لتنفذوه وتعملوا به؟ قالوا: أقررنا ووافقنا. قال الله تعالى: فليشهد بعضكم على بعض بهذا الإقرار، وأنا معكم من الشاهدين على إقراركم، وشهادة بعضكم على بعض.
والمراد من الرسول الذي يجيئهم مصدقًا لما معهم: كل رسول يعاصرهم أو يأتي بعدهم. فالآية الكريمة، تفيد: أن الله تعالى، أخذ الميثاق على الأنبياء: أن يصدق بعضهم بعضا ويؤيده ولا يعارضه، ويوصى باتباعه. فإن دين الجميع واحد. قال ﷺ : "الأَنبِيَاءُ بَنُو عَلَّاتٍ (١) أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ".
وبعموم الرسول، أخذ سعيد بن جبير وقتادة وطاووس والسدي والحسن. وهو ظاهر الآية. قال طاووس: أخذ الله ميثاق الأَوّل من الأنبياء: أن يؤمن بما جاءَ به الآخر.
ومن العلماء قال: المراد من الرسول، هو محمد ﷺ ، وهو الأرجح، وبه قال الإمام عليّ ﵁.
فقد أخرج عنه ابن جرير قال: "لم يبعث الله تعالى نبيا، آدم فمن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله تعالى عليه وسلم: لئن بعث - وهو حي - ليؤمن به ولينصرنه. ويأمره فيأخذ العهد على قومه" ثم تلا الآية.
وسواءٌ أكانت الآية عامة في تأييد جميع الرسل بعضهم لبعض، وحث أُممهم على اتباعهم، أم خاصة بتأييدهم لنبوة محمد ﷺ ، ونصرته بحَثِّ أُممهم على تأييده إن بعث - فالغرض من الآية: أن محمدًا ﷺ وقد أيده الله بالمعجزات المحققة لرسالته، وجاء مصدقا لما مع الأنبياء قبله، فهو مؤَيد من المرسلين قبله. وأن على أهل الكتاب المعاصرين له: أن يؤمنوا به، امتثالا لما جاءَ عنه في كتب رسلهم. فإن كتب المرسلين توصي بالإيمان بكل رسول.
стр. 629
والقرآن الكريم جرى على هذا النهج، قال تعالى: "قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" (١).
٨٢ - ﴿فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾:
أي فمن أعرض عن الإيمان بمحمد ﷺ بعد هذا الميثاق والإقرار والشهادة - فَأُولَئِكَ هُمُ الخارجون في الكفر إلى أفحش مراتبه: المستحقون لأشد العقاب.
ولما كان دين الأنبياء واحدًا، ودين محمد هو دين الأنبياء جميعا - أتبع هذا التهديد قوله:
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)﴾
المفردات:
(أَسْلَمَ): دان بالإسلام. أو انقاد وخضع.
(وَالْأَسْبَاطِ): الأسباط، الحفدة. والمراد بهم هنا: ذرية يعقوب ﵇. فهم حفدة لأبيه إسحاق وجده إبراهيم.
(وَمَن يَبْتَغِ): ومن يطلب.
стр. 630
التفسير
٨٣ - ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾:
سبب النزول:
ذكر الواحدي في سبب النزول، عن ابن عباس ﵄: أن أهل الكتابين اختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم ﵇: كل فرقة زعمت أنها أولى بدينه. فقال ﷺ : "كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم" فغضبوا. وقالوا: والله ما نرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك. فأنزل الله هذه الآية.
وعلى أي حال كان سبب النزول، فالكلام - في هذه الآية - مع أهل الكتاب الذين استمسكوا بدينهم، ونازعوا في الإسلام، وأعرضوا عنه .. فبعد أن أخبرهم الله تعالى، أنه أوصى الأنبياءَ بتأييده ونصرته، وأنذر من تولى عنه، ووبخهم الله على إعراضهم، وأنكره عليهم - قال ما معناه:
أيتولى هؤُلاء عن الإسلام إلى أديانهم المحرفة المنسوخة، فيبغون بذلك دينا غير دين الله!! كيف يطلبون غير دينه ، وقد استسلم وخضع له من في السموات والأرض طائعين وكارهين! فمشيئة الله نافذة فيهم، وَقَدَرُهُ جارٍ عليهم، أحبوا ذلك أم كرهوا.
فالصحيح مستسلم لقدر الله، محبٌّ لما وهبه الله من صحة. والعليل منقاد لقدر الله بمرضه طوعا أو كرها .. وهكذا كل أقدار الله تجري في خلقه، فيخضعون لها، وإن جرت على غير ما يحبون ويشتهون. فما شاءَه الله كان، وما لم يشأه لم يكن. فكيف يتمرد أهل الكتاب على دين هذا الإله القوي الفعال، ويكفرون به، مع أنهم إليه يُرجعون مقهورين، فيحاسبهم على طغيانهم وكفرهم!
стр. 631
ويحتمل أن يكون المراد به: ما يشمل العقلاء وغيرهم، ويكون المعنى: ولمشيئته تعالى، خضع وانقاد جميع الكائنات في السموات والأرض: طائعة أو مسخرة. كما في قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ … " (١) الآية.
٨٤ - ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾:
لَمَّا بين الله تعالى: أنه أخذ الميثاق على كل نبي: أن يؤمن بغيره من الأنبياء، وأنه لا يصح لأهل الكتاب أن يكفروا بدين الله الذي أنزله على محمد - وهو ممن أخذ الله الميثاق على الإيمان بهم وبدينهم - لَمَّا بين الله هذا كله - أمر نبيه محمدًا ﷺ ، أن يؤمن بمن سبقه من الأنبياء، وألا يفرق في الإيمان بين أحد من رسله، ليكون في الإيمان بهم، كما كانوا في شأن إخوانهم الأنبياء، وهو خاتمهم.
والمعنى: قل يا محمد، معبرا عن نفسك، وعن المؤمنين: آمنا بالله تعالى، وبما أُنزل علينا من القرآن العظيم، وما أُنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأنبياء من أبنائه الأسباط، من كتب. وما أُوتي موسى وعيسى من التوراة والإنجيل، وما أُعطي سائر الأنبياء من ربهم من مختلف الكتب: لا نفرق بينهم، فلا نؤمن ببعض، ونكفر ببعض كما فعل اليهود، إذ كفروا بعيسى ومحمد ﵉، وكما فعل النصارى إذ كفروا بمحمد ﷺ ، ونحن له منقادون: نطيعه فيما أمرنا به، وننتهي عما نهانا عنه.
٨٥ - ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾:
ومن يطلب دينا غير دين الإسلام يتدين به: عقيدة وعملا، فلن يقبله الله منه، لأنه غير ما شرعه الله لخلقه. وإذا كان الله لا يقبل دينا غير الإسلام - فكل من دان بغيره، يكون في الآخرة من الخاسرين، لأنه محروم من الثواب، خالد في العقاب.
стр. 632
روى أحمد في مسنده عن النبي ﷺ : "والذي نفسه بيده، لو أصبح فيكم موسى بن عمران، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم".
وروى أبو يعلى، والبزار، وأورده ابن كثير: "لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا اتباعي" وفي رواية: "لو كان موسى وعيسى حَيَّيْينِ لما وسعهما إلا اتباعي".
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾.
المفردات:
(لَعْنَةَ اللهِ): أي الطرد من رحمته.
(وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ): أي ولا هم يمهلون. فعذابهم موصول مستمر. أو لا يُنظَر إليهم، ولا يعتد بهم.
التفسير
٨٦ - ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)﴾:
سبب النزول:
أخرج عبد بن حميد وغيره، عن الحسن: أنهم - أي أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى - رأوا نعت محمد ﷺ ، في كتابهم، وأقروا وشهدوا أنه حق. فلما بُعث من غيرهم، حسدوا العرب على ذلك. فأنكروه. وكفروا بعد إقرارهم.
стр. 633
والمعنى: أي سبيل لأن يهدي الله قوما كفروا بمحمد، بعد ما آمنوا به قبل مبعثه، امتثالا لما جاء في كتبهم، وعلموا أن الرسول محمدًا حق حينما رأوه - بعد مبعثه - مطابقا لما جاءَ عنه في كتبهم، وجاءتهم الآيات الواضحات والمعجزات الشاهدات بصدقه!! والله لا يهدي القوم الظالمين لأنفسهم بكفرهم، ما داموا مُصِرِّين على عنادهم وحسدهم للرسول، على ما آتاه الله من فضله.
٨٧، ٨٨ - ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)﴾:
بعد أن بين الله شناعة الكفر بعد الإيمان، ووضع أن شريعة الرسول حق بما أيده الله به من الآيات، أتبعه عقاب أُولئك الكافرين. وذكر أن: أولئك الذين كفروا - بعد ما جاءَهم الرسول مؤَيدا بالآيات والمعجزات بعد ما عقدوا العزم على الإيمان به حين يبعث - يلعنهم الله، ويطردهم من رحمته، وتلعنهم الملائكة، وتطلب لهم الطرد من رحمة الله، ويلعنهم الناس أجمعون، من أهل الإيمان أتباع الحق، خالدين في اللعنة - أو في جهنم - التي هي مقر الملعونين: لا يخفف عنهم عذاب الله، ولا هم يُمهلون بأن يؤَخر عنهم العذاب من وقت لآخر، بل العذاب موصول مستمر.
ويجوز أن يكون معنى: (وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) ولا ينظر الله إليهم نظر رحمة، ولا يعتد بهم. فهم مهملون متروكون في عذابهم.
وهذه الآية وما قبلها وما بعدها إلى قوله تعالى: (وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) - وإن نزلت في أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ ، بعد مبعثه، مع أنهم كانوا مجمعين على الإيمان به حين يُبعث - لكنها عامة الحكم في كل من يكفر بعد الإيمان، فتشمل المرتدين بعد الإسلام.
стр. 634
٨٩ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾:
يعني: أن من تابوا من بعد كفرهم، وأصلحوا ما أفسدوه بالندم والإقبال على الطاعة بعد الإدبار عنها، فإن الله يغفر لهم ويرحمهم، لأن الله عظيم الغفران، بليغ الرحمة، وذلك من عظيم كرمه، ووافر رحمته. وقيل: معنى أصلحوا: دخلوا في الصلاح. كما يقال: أصبحوا: دخلوا في الصباح. وعلى هذا يكون الفعل لازما غير متعد، بخلافه على المعنى السابق فهو متعد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١) لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾.
المفردات:
(وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ): الذين أَخطأُوا طريق النجاة.
(وَلَوِ افْتَدَى بِهِ): معطوف على شرط مقدر يقتضيه المقام. والتقدير: لو أنفقه فيما يراه خيرا في الدنيا ولو افتدى به في الآخرة.
(لَن تَنَالُوا): لن تُصيبوا ولن تدركوا.
(الْبِرَّ): الخير والإحسان.
(مِمَّا تُحِبُّونَ): بعض ما تحبون فلا ينفقونه كله.
стр. 635
التفسير
٩٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)﴾:
سبب النزول:
لا يزال الكلام موصولا في أهل الكتاب.
فقد نزلت هذه الآية في اليهود، كما قال قتادة وعطاء والحسن - واختاره الطبري - كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفرا بمحمد والقرآن وبالذنوب التي اكتسبوها.
أو نزلت في اليهود والنصارى، كما قال أبو العالية: كفروا بمحمد ﷺ ، بعد إيمانهم بنَعْتِه وصفتِه. ثم ازدادوا كفرا بإقامتهم على كفرهم.
وسواء أكان سبب النزول، اليهودَ وحدهم أم اليهود مع النصارى، فالآية - بعمومها - تشمل كل من كفر بعد إيمان. فيدخل في حكمها: من ارتد عن الإسلام.
والمعنى: إن الذين كفروا بمحمد ﷺ ، وبما يجب الإيمان به بعد ما كانوا مؤمنين، ثم ازدادوا كفرا بتماديهم في الكفر والمعاصي - لن يقبل الله توبتهم إن تابوا بعد فوات الأوان. وذلك حين يحضرهم الموت. (وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ): عن طريق الحق، المخطئون سبيل النجاة.
فإن قيل: إن قبول التوبة مطلق في قوله تعالى: "وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ" (١) فكيف قيد قبولها هنا بكونها قبل حضور الموت؟
قلنا: إن ذلك راجع إلى تقييدها بذلك في قوله تعالى: "وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ … " (٢) وقوله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لم يُغَرْغِرْ (٣) ".