ويحتمل أن يكون المراد به: ما يشمل العقلاء وغيرهم، ويكون المعنى: ولمشيئته تعالى، خضع وانقاد جميع الكائنات في السموات والأرض: طائعة أو مسخرة. كما في قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ … " (١) الآية.
٨٤ - ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾:
لَمَّا بين الله تعالى: أنه أخذ الميثاق على كل نبي: أن يؤمن بغيره من الأنبياء، وأنه لا يصح لأهل الكتاب أن يكفروا بدين الله الذي أنزله على محمد - وهو ممن أخذ الله الميثاق على الإيمان بهم وبدينهم - لَمَّا بين الله هذا كله - أمر نبيه محمدًا ﷺ ، أن يؤمن بمن سبقه من الأنبياء، وألا يفرق في الإيمان بين أحد من رسله، ليكون في الإيمان بهم، كما كانوا في شأن إخوانهم الأنبياء، وهو خاتمهم.
والمعنى: قل يا محمد، معبرا عن نفسك، وعن المؤمنين: آمنا بالله تعالى، وبما أُنزل علينا من القرآن العظيم، وما أُنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأنبياء من أبنائه الأسباط، من كتب. وما أُوتي موسى وعيسى من التوراة والإنجيل، وما أُعطي سائر الأنبياء من ربهم من مختلف الكتب: لا نفرق بينهم، فلا نؤمن ببعض، ونكفر ببعض كما فعل اليهود، إذ كفروا بعيسى ومحمد ﵉، وكما فعل النصارى إذ كفروا بمحمد ﷺ ، ونحن له منقادون: نطيعه فيما أمرنا به، وننتهي عما نهانا عنه.
٨٥ - ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾:
ومن يطلب دينا غير دين الإسلام يتدين به: عقيدة وعملا، فلن يقبله الله منه، لأنه غير ما شرعه الله لخلقه. وإذا كان الله لا يقبل دينا غير الإسلام - فكل من دان بغيره، يكون في الآخرة من الخاسرين، لأنه محروم من الثواب، خالد في العقاب.
стр. 632
روى أحمد في مسنده عن النبي ﷺ : "والذي نفسه بيده، لو أصبح فيكم موسى بن عمران، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم".
وروى أبو يعلى، والبزار، وأورده ابن كثير: "لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا اتباعي" وفي رواية: "لو كان موسى وعيسى حَيَّيْينِ لما وسعهما إلا اتباعي".
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾.
المفردات:
(لَعْنَةَ اللهِ): أي الطرد من رحمته.
(وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ): أي ولا هم يمهلون. فعذابهم موصول مستمر. أو لا يُنظَر إليهم، ولا يعتد بهم.
التفسير
٨٦ - ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)﴾:
سبب النزول:
أخرج عبد بن حميد وغيره، عن الحسن: أنهم - أي أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى - رأوا نعت محمد ﷺ ، في كتابهم، وأقروا وشهدوا أنه حق. فلما بُعث من غيرهم، حسدوا العرب على ذلك. فأنكروه. وكفروا بعد إقرارهم.
стр. 633
والمعنى: أي سبيل لأن يهدي الله قوما كفروا بمحمد، بعد ما آمنوا به قبل مبعثه، امتثالا لما جاء في كتبهم، وعلموا أن الرسول محمدًا حق حينما رأوه - بعد مبعثه - مطابقا لما جاءَ عنه في كتبهم، وجاءتهم الآيات الواضحات والمعجزات الشاهدات بصدقه!! والله لا يهدي القوم الظالمين لأنفسهم بكفرهم، ما داموا مُصِرِّين على عنادهم وحسدهم للرسول، على ما آتاه الله من فضله.
٨٧، ٨٨ - ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)﴾:
بعد أن بين الله شناعة الكفر بعد الإيمان، ووضع أن شريعة الرسول حق بما أيده الله به من الآيات، أتبعه عقاب أُولئك الكافرين. وذكر أن: أولئك الذين كفروا - بعد ما جاءَهم الرسول مؤَيدا بالآيات والمعجزات بعد ما عقدوا العزم على الإيمان به حين يبعث - يلعنهم الله، ويطردهم من رحمته، وتلعنهم الملائكة، وتطلب لهم الطرد من رحمة الله، ويلعنهم الناس أجمعون، من أهل الإيمان أتباع الحق، خالدين في اللعنة - أو في جهنم - التي هي مقر الملعونين: لا يخفف عنهم عذاب الله، ولا هم يُمهلون بأن يؤَخر عنهم العذاب من وقت لآخر، بل العذاب موصول مستمر.
ويجوز أن يكون معنى: (وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) ولا ينظر الله إليهم نظر رحمة، ولا يعتد بهم. فهم مهملون متروكون في عذابهم.
وهذه الآية وما قبلها وما بعدها إلى قوله تعالى: (وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) - وإن نزلت في أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ ، بعد مبعثه، مع أنهم كانوا مجمعين على الإيمان به حين يُبعث - لكنها عامة الحكم في كل من يكفر بعد الإيمان، فتشمل المرتدين بعد الإسلام.
стр. 634
٨٩ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾:
يعني: أن من تابوا من بعد كفرهم، وأصلحوا ما أفسدوه بالندم والإقبال على الطاعة بعد الإدبار عنها، فإن الله يغفر لهم ويرحمهم، لأن الله عظيم الغفران، بليغ الرحمة، وذلك من عظيم كرمه، ووافر رحمته. وقيل: معنى أصلحوا: دخلوا في الصلاح. كما يقال: أصبحوا: دخلوا في الصباح. وعلى هذا يكون الفعل لازما غير متعد، بخلافه على المعنى السابق فهو متعد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١) لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾.
المفردات:
(وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ): الذين أَخطأُوا طريق النجاة.
(وَلَوِ افْتَدَى بِهِ): معطوف على شرط مقدر يقتضيه المقام. والتقدير: لو أنفقه فيما يراه خيرا في الدنيا ولو افتدى به في الآخرة.
(لَن تَنَالُوا): لن تُصيبوا ولن تدركوا.
(الْبِرَّ): الخير والإحسان.
(مِمَّا تُحِبُّونَ): بعض ما تحبون فلا ينفقونه كله.
стр. 635
التفسير
٩٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)﴾:
سبب النزول:
لا يزال الكلام موصولا في أهل الكتاب.
فقد نزلت هذه الآية في اليهود، كما قال قتادة وعطاء والحسن - واختاره الطبري - كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفرا بمحمد والقرآن وبالذنوب التي اكتسبوها.
أو نزلت في اليهود والنصارى، كما قال أبو العالية: كفروا بمحمد ﷺ ، بعد إيمانهم بنَعْتِه وصفتِه. ثم ازدادوا كفرا بإقامتهم على كفرهم.
وسواء أكان سبب النزول، اليهودَ وحدهم أم اليهود مع النصارى، فالآية - بعمومها - تشمل كل من كفر بعد إيمان. فيدخل في حكمها: من ارتد عن الإسلام.
والمعنى: إن الذين كفروا بمحمد ﷺ ، وبما يجب الإيمان به بعد ما كانوا مؤمنين، ثم ازدادوا كفرا بتماديهم في الكفر والمعاصي - لن يقبل الله توبتهم إن تابوا بعد فوات الأوان. وذلك حين يحضرهم الموت. (وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ): عن طريق الحق، المخطئون سبيل النجاة.
فإن قيل: إن قبول التوبة مطلق في قوله تعالى: "وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ" (١) فكيف قيد قبولها هنا بكونها قبل حضور الموت؟
قلنا: إن ذلك راجع إلى تقييدها بذلك في قوله تعالى: "وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ … " (٢) وقوله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لم يُغَرْغِرْ (٣) ".
стр. 636
٩١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ … ﴾ الآية.
المعنى: إن الذين كفروا بما أنزل على محمد ﷺ ، وماتوا وهم كفار دون أن توقظهم الآيات، وتلفتهم النذر، فلن يقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهبا لو أنفقه - قبل أن يموت - في المبرات والخيرات. وكذا لو اقتدى به يوم القيامة. لو فرض أن له مالا يومئذ وأن الفداء بالمال ينفع .. قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (١).
والغرض من قوله تعالى: (وَلَو افْتَدَى بِهِ) تعميق اليأس في نفوس الكافرين المصرين على كفرهم، حتى يعلموا أنهم لا نجاة لهم بغير الإيمان.
(أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ):
أُولئك المصِرُّون على الكفر حتى ماتوا، لهم عذاب شديد الإيلام. وما لهم من ناصرين ينقذونهم من ذلك الجزاء الخالد.
٩٢ - ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾:
هذا كلام مستأنف، لبيان ما ينفع المؤمنين ويقبل منهم، إثر بيان ما لا ينفع الكفار ولا يقبل منهم.
المعنى: اختلف في تفسير البِرِّ الوارد في الآية. فابن عباس وابن مسعود وغيرهما، فسروه بالجنة.
وقيل: هو العمل الصالح. فقد جاءَ في الحديث الصحيح: "عَلَيْكُم بالصِّدْق، فإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ. وإِنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنة .. " رواه مسلم والبخاري وأحمد والترمذي. وقيل غير ذلك، مما يدور حول هذين المعنيين.
стр. 637
والأنسب تعميمه في كل خير وإحسان في الدنيا والآخرة: يمنحه الله تعالى لعباده (١). والمراد من الإنفاق: ما يشمل الزكاة، وصدقة التطوع، والأوقاف الخيرية، والهبات، وسائر وجوه الإنفاق في سبيل الله.
ومعنى الآية: لن تدركوا برِّيَ الوافر، وتصيبوا إحساني الغزير في الدنيا والآخرة - حتى تنفقوا - في وجوه الخير التي شرعتها لكم - بعض ما تحبون من الأموال المكسوبة من وجوه الحل. فلا يقبل الله الإنفاق من كسب حرام. فهو ردٌّ على منفقه. ولا يعظم الله ثواب من أنفق مما لا يحبه ولا تميل إليه نفسه من الأموال، لقلة منفعته لآخذه. قال تعالى: "وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ" (٢).
فالإنفاق: ينبغي أن يكون مما له أثر نافع عند من يأخذه، فإنه يدل على وفرة الرغبة في العطاء، وشدة الإحساس بحاجة من ينفق عليه، والرغبة في تنفيس كربته، ودفع حاجته.
والتعبير بقوله: (مِمَّا تُحِبُّونَ) يؤذن بمشروعية إنفاق البعض دون الكل. ولشدة عناية المولى سبحانه، باختيار مال النفقة من أحسن ما عند المنفق، وأعظمه نفعًا - ختم الآية بقوله:
(وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ):
يريد: وأي شيءٍ تنفقونه - قلّ أو كثر - بعلمه الله، فيثيبكم بحسن نياتكم ومقدار نفقاتكم وصفاتها.
وفي ذلك ما فيه من الحث على إنفاق الجيد، والتحذير من أنفاق الرديء.
وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ ، يسارعون إلى ما يدعوهم إليه مولاهم على خير وجه. فما إن نزلت هذه الآية حتى بادر المياسير منهم إلى تنفيذها.
стр. 638
يروي أصحاب الصحاح - واللفظ للنسائي عن أنس - قال: لما نزلت هذه الآية: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) قال أبو طلحة: إن ربنا ليسألنا من أموالنا. فأشهدك يا رسول الله أني جعلت أرضي لله، فقال رسول الله ﷺ : "اجعلها في قرابتك، في حسان بن ثابت، وأُبيّ بن كعب". وفي الموطأ "وكانت أحب أمواله إليه بيرحاء. وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب" وذكر الحديث: وجاء فيه أنه أرشده إلى أن يوصي بالثلث لا بالكل. إذ قال له: "بالثلث والثلث كثير. إنك إن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".
وكذلك فعل زيد بن حارثة. فقد عمد إلى فرس يقال له: سَبَل. وقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إِلَيَّ من فرسي هذه. فجاءَ بها إلى النبي ﷺ ، فقال: هذه في سبيل الله، فأجابه الرسول "إن الله قد قبلها منك".
وأعتق عُمَرُ نافعا مولاه. وكان عبد الله بن جعفر عرض عليه ألف دينار ثمنا له. وهكذا كانوا يفعلون.
فليتأس بهم مياسير المؤمنين، فينفقوا في سبيل الله مِمَّ يحبون، لا مِمَّا يسترذلون.
стр. 639
﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾.
المفردات:
(الطعَام): ما يطعم بالفم، كالخبز، والفاكهة، أو ما يؤَدى إليه، كالحنطة والشعير. والماءُ من الطعام؛ لأنه يطعم بالفم. ولذا قال تعالى: "وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي (١) " أي: ومن لم يذق ماءَ النهر فإنه مني.
(حلاً): أَى حلالا. والمراد: الإخبار عن أكل الطعام بأنه حلال لا ذات الطعام؛ لأن الحِل والحُرمة لا يتعلقان بذوات الأشياء، بل بأَفعال العباد المتعلقة بها.
والحِل: مصدر. فيوصف به المذكر والمؤنث، والمفرد وسواه، بلفظ واحد. ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: إسرائيل؛ يعقوب ﵇. وبنوه: ذريته.
﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾: دين إبراهيم.
﴿حَنِيفًا﴾: مائلا عن الباطل إلى الحق.
التفسير
٩٣ - ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾:
стр. 640
بعد أن أبطل القرآن الكريم - فى الآيات السابقة - بعض مفتريات أهل الكتاب، شرع فى إبطال فريتين أُخريين لهم: إحداهما: تتصل ببعض أحكام الطعام. والثانية: تتصل بالقبلة. وسيأْتي بيان ذلك.
سبب النزول:
ذكر الواحدى فى سبب النزول؛ أنه حين قال النبى ﷺ : "أنا على ملّةِ إبراهيم" قالت اليهود: وأنت تأكل لحوم الإِبل وأَلبانها؟. فقال النبى ﷺ : "كان ذالك حلالا لإِبراهيم ﵇، فنحن نحلله" فقالت اليهود: كل شيء نحرمه اليوم، كان محرما على نوح وإبراهيم، حتى انتهى إلينا. فأنزل الله تعالى هذه الآية تكذيباً لهم.
والمعنى: كل الطعام كان حلالا لبني إسرائيل، من قبل أن ينُزْل الله التوراة على موسى. فلم يحرم الله تعالى شيئاً منه، في شرائعه التي أنزلها على إبراهيم وابنه واسحق وحفيده إسرائيل -يعقوب ﵈، إلا ما حرمه إسرائيل على نفسه: اختياراً ونذراً. ولم يحرمه الله عليه ولا على أمته: تشريعاً. وليس صحيحا ما زعموه من أن الطعام المحرم عندهم كان محرما على نوح وإبراهيم وسائر الأنبياءِ، وأن ذالك ثابت فى التوراة - بل هو ابتداع منهم. أو حرّمه الله عليهم بظلمهم كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (١).
قل لهم يا محمد: فأتُوا بالتوراة فاتلوها، لتقيموا الدليل بذلك، على أن تحريمها شرع قديم لمن تقدّم من الرسل، إن كنتم صادقين فيما زعمتموه.
وبهذا التحدى، أخزاهم الله وفضحهم؛ إذ لم يقرءُوا التوراة أمامه، حتى لا يظهر كذبهم. وكان هذا من دلائل نبوته ﷺ .
أما ما حرمه إسرائيل على نفسه، فهو لحوم الإبل وأَلبانها. وكانت أحب الطعام إليه. وسبب ذلك على ما رواه الإمام أَحمد عن ابن عباس ﵄. قال حضرت
стр. 641
عصابةٌ من اليهود نبيَّ الله ﷺ ، فقالوا حدِّثنا عن خلالٍ نسألك عنهن: لا يعلمهن إلا نبى. قال: سلونى ما شئتم. ولكن اجعلوا ليَ ذمةَ الله وما أخذ يعقوبُ على بنيه، لئن أنا حدثتكم شيئا فعرفتموه لَتُبَايعُنِّي على الإسلام؟ قالوا فذلك لك. قال: فسلوني عما شئتم. قالوا: أخبرنا عن أربع خلال: أخبرنا: أي الطعام حَرَّمَ إسرائيلُ على نفسه؟ " ثم ذكر بقية أَسئلتهم. وأجاب الرسول ﷺ ، عن السؤَال الأول: "أنْشُدُكم بالذي أنزل التوراة على موسى: هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً وطال سَقَمه، فنذر الله نذراً لئن شفاه الله من سَقَمه لَيُحَرِّمَنِّ أحبَّ الأَشياءِ إليه، وأحب الطعام إليه. وكان أحب الطعام إليه لُحْمان الإِبل، وأحبُّ الشراب إليه ألبانَها فقالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد عليهم" إلى آخر الحديث.
فهذا الحديث، دل على أَنهم أقروا النبي ﷺ ، على أن تحريم لحوم الإبل وألبانها على يعقوب ﵇، لم يكن بشرع الله، بل بنذر يعقوب. فليس من حقهم أن يدَّعوا عموم التحريم، وأن ذلك تشريع نازل من السماء. بل هو أمر شخصي يتعلق بإسرائيل نفسه. . وفاءً بنذره.
فكل نَذْر يجب الوفاءُ به، فى حق صاحبه دون غيره.
ولعل إسرائيل ﵇، اعتبر ذلك قربة إلى الله من جهة ما فيه من قهر النفس، وإبعادها عن أحب ما تشتهيه.
وقهرُ النفس من المقاصد الشرعية.
وبالرجوع إلى التوراة في مظان هذا الموضوع، لم نجد فيها أساساً لدعواهم أن ذلك التحريم شرعه الله في أَي عهد من عهود النبوات، ولا لدعواهم أن التحريم انتقل إليهم من الشرائع السابقة كما زعموا، ولا لدعواهم أن الله حرمها عليهم بتحريم يعقوب لها على نفسه!
ولقد كان اليهود يدعون أن ذلك شرع قديم، ولكن الرسول كشف الغطاء عن الحق فبهتوا، وبان لهم- بذلك- أنهم في ضلالهم يعمهون.
ويرى الإِمام محمد عبده: أَن المراد بإِسرائيل في قوله: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ هو شعب بني إسرائيل؛ لأَن هذا هو الذي كان معروفًا بينهم عند إِلاطلاق.
стр. 642
ويرى الشيخ رشيد رضا في تفسيره: المنار: "أن هذا هو الأَقرب. إِذ لو أُريد بإِسرائيل يعقوب نفسه، لما كان هناك حاجة إلى قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ لأَن زمن يعقوب سابق على زمن نزول التوراة، سبقاً لا يُشتبه فيه حتى يحترز عنه.
ثم قال: والمتبادر عندي. أن المراد بما حرمه إسرائيل على نفسه: ما امتنعوا من أكله وحرموه على أنفسهم. بحكم العادة والتقليد لا بحكم من الله. كما يعهد مثل ذلك في جميع الأُمم. ومنه تحريم العرب للبحائر والسوائب وغير ذلك. مما حكاه القرآن في سورتي: المائدة والأَنعام. . انتهى كلام الشيخ رشيد.
ولكن الراجح: أن المراد بإِسرائيل يعقوب نفسه، كالرأي الأَول. لحديث الإمام أَحمد الذي تقدم.
وفائدة قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ أَنه لو كان الله شرع له ولبني إسرائيل ذلك، لذكر في التوراة؛ لأَنه سابق على نزولها على موسى. ولمّا اتضح أَنهم مفترون كاذبون بهروبهم من قراءَة التوراة - عقب الله الآية الكريمة بوعيد من يفتري الكذب على الله، وذلك في قوله تعالى:
٩٤ - ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾:
يعني: فمن اختلق على الله الكذب بنسبة حكم شرعي إِليه تعالى - من بعد وضوح الحجة على أَنه ليس كذلك - فأولئك هم الظالمون لأَنفسهم بالكفر، ولمن أَضلوهم بالإِغواءِ، لأنهم يتحملون التبعة الناشئة عن اختلافهم: منهم وممن اتبعوهم. وذلك منتهى الظلم.
وما في الآية من تهديد، ينتظم كل من افترى الكذب على الله بعد ما تبين له الحق.
واليهود داخلون في ذلك بالاُولى.
٩٥ - ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾:
أَى: يا محمد، قل لليهود - بعد ظهور كذبهم فيما زعموا - ظهر صدق الله فيما أَخبر به من أَن كل الطعام كان حلاًّ لبني إسرائيل إِلا ما حرَّم إِسرائيل على نفسه، كما ظهر- صدق الله في كل ما أخبر به على لسان نبيه. . فاتبِعُوا دين إبراهيم. فقد كان علي الحنيفية السمحة. وما كان من المشركين.
стр. 643
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
المفردات:
(أوَّلَ بَيْتٍ): أول موضع لعبادة الله وحده. (وُضِعَ لِلنَّاسِ): خصص لعبادتهم.
(بَكَّةَ): من أسماءِ مكة. عَلَم على البلد الحرام، وقيل: بكَّة: للبيت، ومكة للبد. أَصله من البكِّ. وهو الازدحام.
(آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ): دلائل واضحات. وسيأتي بيانها.
(مَقَامُ إبْرَاهِيمَ): المقام هو؛ الحجر الذي كان يقوم عليه إبراهيم، عند بناءِ البيت، أَو هو المكان الذى كان يقوم فيه للصلاة والعبادة.
(آمِناً): أَي أَوجب الله الأَمان لمن يأوى إليه. فلا يُعْتَدَى عليه بقتل أو بأذى.
التفسير
٩٦ - ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ. . .﴾ الآية.
بعد أَن كذَّبَ الله اليهود في زعمهم أَن ما حرّموه من الطعام شرع قديم لجميع الرسل. وبعد ما بيَّن أَن كل الطعام كان حلَا لًا لهم كغيرهم - كذبهم في زعم آخر، وهو: أَن بيت المقدس أعظم من الكعبة، فهو أَولى منها بأَن يكون القبلة (١).
стр. 644
سبب النزول:
روى عن مجاهد قال: تفاخر المسلمون اليهود، فقالت اليَهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة؛ لأنه مهاجر الأّنبياءِ، وفي الأرض المقدسة. وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل.، فأَنزل الله هذه الآية.
المعنى: إِن أَول بيت أُقيم لعبادة الله وحده، هو البيت الحرام بمكة. فقد بناه إبراهيم ﵇ بأَمر الله، وعاونه في البناءِ ولده إسماعيل. وأَمره الله أن يؤَذِّن في الناس بالحج إليه. قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (١).
أَخرج الشيخان، واللفظ لمسلم، عن أَبي ذر- ﵁ قال: "سأَلت رسول الله ﷺ عن أَوّل بَيْتٍ وُضِعَ فِي الأرضِ؟ قال: المسجد الحرام.
قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأَقصى. قلت: كم بينهما؟
قال: أَربعون عاماً (٢). ثم الأَرض لك مسجد. فحيثما أَدركتك الصلاة، فَصَلَّ".
وإذا كانت الكعبة أَول بيت وضع لعبادة الناس لربهم، فلا وجه لتفضيل بيت المقدس عليه، وإيثاره بأَن يكون هو القبلةَ دونها.
(مُبَارَكاً): بركة البيت بكثرة ثواب من يعبد الله فيه بصلاة وطواف وغيرهما من أَنوْاع الطاعات، وبتيسير الرزق لأَهله.
стр. 645
﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾: يهديهم إلى عبادة الله وحده، بحجهم إليه، وصلاتهم فيه، واستقبالهم له.
٩٧ - ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا … ﴾ الآية.
أى في البيت دلالات واضحات على أَنه من بناءِ إبراهيم ﵇.
منها: مقام إِبراهيم. وهو الحجر الذى كان يقوم عليه عند بناءِ البيت. أو المكان الذي كان يقوم فيه للصلاة والعبادة.
ومنها: وجوب الأَمن لداخله استجابةً لدعاءِ إبراهيم ﵇، بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا … ﴾ (١).
ومنها: وجوب الحج إِليه استجابة لنداءِ إبراهيم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٢).
وكما ثبت هذا بالقرآن، فهو ثابت أيضاً تاريخياً. ومعروف بالتواتر لدى العرب جيلا بعد جيل.
ومع دلالة هذه الآيات البينات على أولية البيت الزمنية، فهي - كذلك- أدلة واضحة على فضله وعُلُوّ شأْنه.
وقد عَرَضت الآية إلى فرضية الحج بقوله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾:
والحج: أَحد الأَركان الخمسة للإسلام. فمن استطاعه لزمه، وندب إليه تعجيله.
والاستطاعة: تكون بوجود الزاد الماءِ والراحلة، والقدرة البدنية، وأمن الطريق.
والمقصود من الزاد: مايكفيه من الطعام مدة سفره في حجه، زائدًا على نفقة من تلزمه نفقته ممن يعول. والمراد من الراحلة: وسيلة الانتقال أَياً كانت.
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾:
стр. 646
أَي ومن أَنكر الفريضة أَو تهاون فيها. فوبال ذلك عائد عليه وحده؛ لأنَّ اللهَ سبحانه غنى عن العالمين. فلا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم. ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (١).
وفي أسلوب الآية وختامها بقوله تعالى:
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: ما يدل على أهمية فريضة الحج، وعظيم منزلتها عند الله، وأنه فريضة لايحل لأَحد أن ينكرها، وإِلا كان كافرًا بشريعة الله. كما لا يجوز له أَن يتكاسل عنها، حتى لا يكون كافراً بنعم الله عليه، غير شاكر له على أفضاله.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾.
المفردات:
﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: المراد بها؛ الآيات الدالة على نبوة محمد ﷺ ، ومنها آيات القرآن الكريم.
﴿شَهِيدٌ﴾: مشاهد لما تعملون، رقيب عليه.
﴿تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: تمنعون الناس عن طريقه، وهو الإِسلام.
стр. 647
﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: تريدونها معوجة.
﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾: تشهدون بأنها سبيل مستقيمة.
﴿يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾: يستمسك بدينه.
التفسير
٩٨ - ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ. . .﴾ الآية.
المعنى: أمر الله نبيه محمدًا ﷺ ، أَن يوبخ كفار أهل الكتاب على كفرهم بما جاء به من الحق، فقال تعالى:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ. . .﴾ الآية.
وإنما دعاهم بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾؛ للمبالغة في تقبيح كفرهم؛ فإِن من كان على بينة من كتاب الله: تهدى إلى الحق - يكون كفره أشد قبحًا من غيره. فقد جاءَ في كتابهم من الأمارات الواضحة، ما يشهد بصدق محمد ﷺ ، وصحة نبوته، إذ كانوا يتحدثون بذلك قبل بعثته. فلما بُعثَ، تفرقوا واختلفوا.
وقد ختمت الآية بقوله :
﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾:
لتشديد التوبيخ، وتأكيد الإِنكار عليهم، وتهديدهم على هذا الكفر القبيح.
٩٩ - ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ. . .﴾ الآية.
وهذا أَمْرٌ آخر من الله لنبيه، ﷺ ، بتوبيخهم على الإِضلال، إِثر أَمره إياه بتوبيخهم على الضلال.
وتكرير الخطاب ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: لتأْكيد المبالغة في التوبيخ؛ لأن ذلك العنوان - كما يستدعى منهم الإِيمان بما هو مصدق لما معهم - يستدعى منهم كذلك، دعوة الناس إليه، وترغيبهم فيه. فصدهم عنه - بعد كفرهم به، وهم يعلمون أنه حق - في أَقصى مراتب القبح، وأبعد درجات الجحود. إذ لم يكتفوا بكفرهم وضلالهم، بل أَمعنوا في الإِضلال وأَوغلوا في الفتنة، فاحتالوا لفتنة المسلمين، وصَدِّ من يريد الإِسلام. عن الدخول فيه. وادعوا أَن صفة محمد ﷺ ، ليست في كتبهم، ولا وجدت البشارة به عندهم.
стр. 648
ثم أفصح عن غايتهم من جحودهم وكفرهم، فقال سبحانه مِنْ قائل:
﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
أي تريدون أَن تكون سبيل الله معوجة، وأنتم تشهدون أنها لا تحوم حولها شائبة اعوجاج.
ثم ختم الآية بقوله تعالى:
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: وفي هذا من التهديد والوعيد ما لا يخفى.
ولمَّا كان كفرهم صريحًا ظاهرًا، ختمت الآية الأُولى بشهادة الله تعالى على ما يعملون.
ولما كان صدهم للمؤمنين، بطريق السر والخفية، ختمت الآية الثانية بما يحسم حيلتهم من إِحاطة علمه بأعمالهم.
١٠٠ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾:
المعنى: قال ابن كثير: يحذر الله ﵎، عباده المؤمنين، من أن يطيعوا طائفة من أهل الكتاب، الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، وما منحهم من إرسال رسوله. كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم. . .﴾ (١) الآية. وهكذا قال ههنا: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾:
١٠١ - ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ. . .﴾ الَاية.
هذا استبعاد لوقوع الكفر منهم.
والمعنى: كيف يقع منكم الكفر -أَيها المؤمنون- بسبب إِغواءِ الكافرين لكم، وعندكم ما يعصمكم منه، فإن آيات الله تنزل عليكم من آن لآخر. وفيكم رسوله يبلغها إليكم- ويبينها لكم - على أتم وجه.
ومن كانوا كذلك، فلن يتأَثروا بإغواءِ الكافرين، مهما كان هذا الإِغواء!
стр. 649
﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾:
أي ومن يستمسك بدين الله -وهو الإِسلام- فقد هُديَ إلى طريق مستقيم: يوصل إلى الحق. فلا تُخْدَعوا بأكاذيب أعدائكم الكافرين. فهم بعيدون عن الطريق المستقيم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
المفردات:
﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أى التقوى التي تليق بِربوبيته وعبوديتكم.
﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾: بدينه. وهو الإِسلام. وسماه حَبْلاً؛ لأَنه يربط المسلمين- بعضهم ببعض- رباطًا وثيقًا، كما تربط الأشياءُ بالحبل.
التفسير
١٠٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾:
أمر الله - سبحانه- المؤمنين بأن يتقوه حق تقواه. وذلك ببذل أَقصى الجهد في امتثال أَوامره واجتناب نواهيه. بحيث يُطَاعُ ولا يعْصَى، وَيُذْكَرُ ولا يُنْسَى، وَيُشْكَرُ ولا يُكْفَر به.
стр. 650
وكرَّر نداءَهم بوصف الإِيمان؛ تشريفًا لهم إِثر تشريف. وحفزًا لهم على الطاعة؛ إِذ مقتضى الإِيمان: أن ينصاعوا إلى الامتثال. بحيث لا يراهم الله حيث نهاهم.
والمراد من قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هو عين المراد من قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) لأَن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
ثم عقب الله ذلك بنَهْيِهم عن الموت إلا على الإِسلام. والمراد: أن يستمروا على إِسلامهم فلا يباغتهم الموت إِلا وهم على هذه الحال الكريمة.
١٠٣ - ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا. . .﴾ الآية.
بعد أن: نهى الله المؤمنين عن طاعة أهل الكتاب، ونبَّههم إلى عاقبة ذلك في الدنيا والآخرة، وذَكَّرَهم بما يجب لله عليهم من تقوى الله حق تقاته، وتمسكهم بالإِسلام حتى يأْتيهم بالموت وهم مسلمون. - بعد هذا كله - عاد فأمرهم با الاعتصام بحبله، أي التمسك بالإِسلام: مجتمعين غير متفرقين. وأَن يتذكروا نعمة الله التى أنعم بها عليهم حين كانوا أعداءً: يقتل بعضهم بعضاً استجابة لعصبية الجاهلية، فأنقذهم من هذا ونجاهم منه، بأن هداهم للإِسلام، وألَّفَ به بين قلوبهم، فأصبحوا يتواصلون بالأُلفة واجتماع الكلمة.
وبهذا، صاروا إِخوانًا متحابين. وأعواناً متناصرين.
فالإِسلام يوجب الأُخوة بين المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٢). كما يوجب الولاءَ والنصرة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٣).
﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾:
стр. 651
أي وكنتم - بسبب كفركم وما جرَّكم إِليه من عداوتكم - مشرفين على الوقوع في نار جهنم؛ إِذ لو أدرككم الموت - على هذه الحال - لوقعتم فيها. ولكن الله أَنقذكم منها، بأَن هداكم للإِيمان، وزيَّنه في قلوبكم، فكان ربَاطا موحدًا لكم.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾:
أَي بمثل هذا البيان الواضح، يبين الله لكم سائر آياته؛ لكي تثبتوا على الهدى، وتزدادوا فيه اعتصاماً وقوة.
١٠٤ - ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ … ﴾ الآية.
يأْمر الله المؤمنين - بعد استكمال إيمانهم في أَنفسهم - أَن يمتد خيرهم، ويتجاوز برُّهم إلى غيرهم: بأَن يكون منهم جماعة متفقهة في الدين: يدعون الناس - على بصيرة - إلى الإِسلام. وكله خير. فيأْمرون بكل ما عُرِف حسنه عقلا وشرعًا، وينْهَوْنَ عن كل ما هو منكر كذلك.
وقد دلت الآية على أَن الأُمة: يجب عليها أَن تخصص طائفة منها: تقوم بالدعوة إلى الله، كما قال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١).
وهذا لا يعفى سائر أفراد الأُمة من القيام بهذا الواجب: كل بحسب طاقته.
ويؤَيد هذا، ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال ﷺ : "من رأَى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإِن لم يستطعْ فبلسانه، فإِن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإِيمان".
وفي رواية أُخرى لمسلم. "وليس وراءَ ذلك من الإِيمان حبةُ خردل".
стр. 652
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
أي وأولئك المتصفون بتلك الصفات العالية، هم الفائزون بخيْري الدنيا والآخرة.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
التفسير
١٠٥ - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾:
المعنى: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾: في دينهم ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: وهم اليهود والنصارى، حيث تفرق كل منهما فرقا مختلفة يكفِّر بعضها بعضا. واختلفوا التأويلات الزائغة، وكتم الآيات الناطقة وتحريفها، بسبب ما أخلدوا إليه من حطام الدنيا ..
فعلوا ذلك، من بعد ما جاءتهم البينات الواضحات، التى تحول دون الخلاف وسوء التأويل: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. أَي وأُولئك المختلفون لهم عذاب عظيم.
стр. 653
والآية وعيد للمتفرقين. وتهديد لمن يتشبه بهم من المؤمنين.
والاختلاف المنهى عنه في الدين المنصوص عليه في الآية: إنما هو الاختلاف في الأُصول.
أما الاختلاف في الفروع. الناشيء عن الاجتهاد في فهم النصوص، فأمر ثبت على عهد رسول الله صلى الله عليد وسلم وأقره.
ومن ثمَّ، كان للمجتهد المخطيء أجر كما أن للمصيب أجرين، لأَن الاختلاف في الفروع أفسح المجال للرخص. والمسلمون بحاجة إليها.
ثم زاد الله عباده المؤمنين تحذيرًا من التفرق والاختلاف، وترغيبًا في الاتحاد والائتلاف. ببيان مآل المؤتلفين والمختلفين بقوله :
١٠٦ - ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ. . .﴾ الآية.
أي: اذكروا يوم تَبْيَض وجوه المؤمنين بما يلقونه من مبشراتٍ ونعيم وتسوَدّ وجوه الكافرين بما يلقَون نُذُر وعذاب أليم.
والمراد بياض الوجوه وسوادها: بهجتها وكآبتها. قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ (١).
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾:
المعنى: أما الذين اسودت وجوههم فيقال لهم - على سبيل التوضيح - أكفرتم بعد إِيمانكم؟ فذوقوا العذاب بسبب كفركم ..
والمراد بهم: أهل الكتاب. فقد كفروا بما جاءَهم من الحق، فتفرقوا واختلفوا في دينهم، وكفروا بمحمد ﷺ ، بعد مبعثه، وكانوا يؤمنون به من قبل، ويستفتحون به على الذين كفروا.
стр. 654
وفي هذا يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ … ﴾ " (١).
إذ المراد بالكتاب: القرآن الكريم.
١٠٧ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾:
المعنى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ في هذا اليوم، ممن ثبتوا على الحق في الدنيا، لم يتفرقوا فيه ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أي في جنته ونعيمها، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي باقون فيها أبدا. ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (٢).
وإنما عبر عن الجنة بالرحمة؛ لأَنها دار رحمته، للإشعار بأَن دخولها، إِنما هو بفضل الله وبرحمته. لا بالعمل وحده.
١٠٨ - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾:
المعنى: تلك الآيات العظيمة المبشرة بإثابة الله للمؤمنين. المنذرة بتعذيبه للكافرين ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾: يا محمد. ﴿بِالْحَقِّ﴾: أي محقين عادلين فيما بَيّنَاهُ فيها من جزاءٍ للعباد حسب أعمالهم ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا﴾ ولو قليلا ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾.
أي وإذا كان لا يريد ظلماً لأحد من العالمين ولا يقصده فأنه لا يقع منه، فكل عبد ينال جزاءَ عمله حسب الوعد والوعيد. دون أن ينقص ثوابه إِن كان محسنًا، أَو يزاد عقابه إِن كان مسيئاً، أو يعاقب بغير ذنب. ولكن العباد هم الذين يظلمون أنفسهم باختيارهم الضلالة والهدى، واستحقاقهم العذاب بذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٣).
١٠٩ - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. . .﴾ الآية.
أي هما - وما فيهما - لله وحده: خلقًا وملكاً. وتدبيراً ومآلاً.
﴿ثُقِفُوا﴾: وجدوا.
﴿بِحَبْلٍ﴾: بعهد.
﴿بَاءُوا﴾: رجعوا.
﴿الْمَسْكَنَةُ﴾: الضعف والحاجة الناشئة عن فطرة فيهم.
التفسير
١١٠ - ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. . .﴾ الآية.
هذا كلام مستأنف، سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق، والدعوة إلى الخير.
والمعنى: كُنتُمْ أَيها المؤمنون - في علم الله القديم - خير جماعة قضى الله إخراجها وإِظهارها لهداية الناس.
﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾:
استئناف بيَّن الله تعالى به سبب كونهم خير أُمة أُخرجت للناس. أي تأمرونهم بما عرِف حسنه شرعًا وعقلا، وَتنْهَوْنهم عما ينكره الشرع والعقل.
والمراد من الإِيمان باللهِ: الإِيمان بكل ما يجب الإِيمان به من صفاته تعالى، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر …
وإِنما قدم الأَمر بالمعروف والنهى عن المنكر على الإِيمان باللهِ - مع تقدمه عليهما وجودًا ورتبة - لأن دلالتهما على أنهم خير أُمة أُخرجت للناس، أَظهر من دلالته على هذه الخيرية لأن جميع الأمم تشترك في الإيمان. وليقترن بقوله تعالى:
﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾:
والآية تشير إِلى تقبيح اليهود وذمهم، بتركهم الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما سجل الله عليهم ذلك بقوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (١).
стр. 657
والمعنى: ولو آمنوا جميعاً، مثل إيمانكم بمحمد وبكل ما جاء به، لكان ذلك خيرا لهم من البقاءِ على ما هم عليه؛ حُبًّا في الرياسة واستتباع العوام؛ لأن إيمانهم بمحمد - وبما جاءَ به - يحقق لهم سعادة الدنيا والآخرة. ولكنهم اختلفوا فكِان ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾: كعبد الله بن سلام، وأَضرابه ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: أَي المتمردون في الكفر، الخارجون عن الحدود.
١١١ - ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى. . .﴾ الآية.
سيقت هذه الآية، لتطمئن المؤمنين الصادقين؛ بأَن هؤُلاءِ الفاسقين من أهل الكتاب، لن يستطيعوا إلحاق أي ضرر بالغ بهم، ما داموا معتصمين بدينهم. وكل ما يستطيعون أن يلحقوه بهم، لا يتعدى أن يكون أَذى يسيراً لا يبالَى به: كالطعن: والشتم، والسخرية، والتهديد، والوعيد.
﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾: أَي ينهزموا مدبرين متقهقرين.
﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾: عليكم. وظهورهم على المسلمين - في بعض الأَحيان - يرجع إلى ترك المسلمين الاعتصام بدينهم، وإِهمالهم إِعداد العدة، كما أمرالله بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١).
١١٢ - ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ. . .﴾ الآية.
المعنى: أحيطوا بالذلة واحتوتهم، كاحتواءِ الخيمة بمن فيها.
والمراد: أنهم أُلزموا الذلة، والتصقت بهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم. فلا يظهر لهم أمر، ولا يرتفع لهم شأن، ولا يقوم لهم ملك من ذات أنفسهم.
стр. 658
وقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾: أَي؛ حيثما حلُّوا، ووجدوا.
﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾: الاستثناءُ هنا من عموم، الأَحوال، أي أن الذلة مضروبة عليهم في جميع الأَحوال، إِلا في إِحدى حالتين:
الأُولى: اعتصامهم بحبل من الله.
والثانية: اعتصامهم بحبل الناس.
والمراد من حبل الله. إِسلامهم. والمراد من حبل الناس دخولهم تحت ذمة المسلمين، على أن يؤَدوْا الجزية في مقابل حمايتهم، بشرط أن لا يخونوا ولا يغدروا فإن فعلوا هذا أَو ذاك - من الاعتصامين - كف المسلمون عن إذلالهم بالقتل والأَسر.
وأجاز بعض المفسرين: أن يراد من حَبْل الناس، لجوؤُهم إلى قوة غالبة في الأرض من غير المسلمين يستظلون بحمايتهم، ويستمدون منهم العون والقوة، كما هو شأنهم في هذا الزمان.
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: رجعوا به، مستحقين له.
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾: أي: فُرضت عليهم، وأُلصقت بهم، فاليهودي يشعر في نفسه - دائمًا - بالفقر، وإن كان موسراً غنيًّا، وبالضعف وإن كان قويًّا.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾:
أي. ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة عليهم، واستحقاقهم لغضب الله - واقع بهم بسبب استمرارهم على الكفر بآيات الله، وقتلهم الأَنبياءَ، وهم يعتقدون أنهم غير محقين في قتلهم.
стр. 659
﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾:
أَي: ذلك الكفر، والقتل للأَنبياءِ، كائن بسبب عصيانهم، واعتدائهم المستمر على حدود الله.
وتلك طبيعة اليهود دائمًا: تَمَرُّدٌ على الدِّين، واعتداءٌ على حرمات الله وحقوق عباده.
﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.
المفردات:
﴿قَائِمَةٌ﴾: مستقيمة عادلة، من أَقمت العود فقام. على معنى: استقام.
﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: ساعاته وأَوقاته.
﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾: يبادرون إليها، ويتنافسون فيها.
﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾: فلن يُحْرَموا ثوابه. وحسن الجزاءَ عليه. والأصل في الكفر: الستر، أي: لن يحْجَبَ عنهم ذلك الأَجر.
стр. 660
التفسير
١١٣ - ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾:
لما بيَّن الله سبحانه - فيما تقدم - أَن من أَهل الكتاب مؤمنين. وأن أكثرهم فاسقون. وفصَّل قبائح الفاسقين - ناسب أَن يعدد فضائل المؤمنين. ومهد لذلك بنفى المساواة بين الفريقين بقوله:
﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾:
أَي: ليس أهل الكتاب متساوين في هذه الأوصاف القبيحة.
ثم شرع في تعداد فضائل المؤمنين منهم فقال:
﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. أَي: جماعة مستقيمة على الحق. وهم الذين أسلموا منهم.
﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾:
أي: يقرءُون القرآن حال صلاتهم من الليل.
ومن تتمة تلك الفضائل، صفات أُخرى بينها بقوله تعالى:
١١٤ - ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ. . .﴾ الآية.
وهذه الصفات التي وصفهم الله بها. لم تكن موجودة في الفريق الآخر منهم. فقد انحرفوا عن الحق. ولم يعبدوا الله في جوف الليل، وأشركوا به، وألحدوا في صفاته، ووصفوا اليوم الآخر بخلاف وصفه. ولم يأمروا بالمعروف ولم يتناهوا عن منكر فعلوه، ولم يسارعوا في فعل الخيرات. فلذلك لا يستوون - عند الله - مع من آمن منهم. كما حكم الله بذلك.
وقد ختمت الآية بقوله تعالى:
﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ تأْكيداً لاستقامة أمر تلك الجماعة المؤمنة منهم؛ وِإيذاناً بفساد الفرقة التي لم تؤمن.
стр. 661
١١٥ - ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ. . .﴾ الآية.
أَي: ما يقدمونه من أفعال الخير، لن يضيع عند الله ثوابه، ولا ينقص جزاؤُه.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾:
أي: لا يخفى عليه عمل الأَتقياءِ، ولا يذهب لديه أَجر من أَحسن عملا.
وفي ذلك بشارة لهذا الفريق، وإِشعار بأَن التقوى أَساس الخير وعماده.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
المفردات:
﴿صِرٌّ﴾: بَرْدٌ شديد.
﴿حَرْثَ قَوْمٍ﴾: زرعهم.
التفسير
١١٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. . .﴾ الآية.
هذه الآية -والتي بعدها- في شأْن الكفار جميعًا. ويدخل فيهم أَهل الكتاب دخولا أَوليًّا.
стр. 662
والمعنى: إن الذين كفروا بما يجب الإيمان به - كيفما كان كفرهم - لن تدفع عنهم أَموالهم - مهما بلغت - ولا أَولادهم - مهما كانت معونتهم - من عذاب الله شيئاً: قليلاً كان أَو كثيراً.
وليس المراد: خصوص الأَموال والأَولاد، بل كل ما يعتبره الإنسان وسيلة قوة ومنعة.
وإِنما خص الأموال والأَولاد بالذكر؛ لأَن الإِنسان - في الغالب - يدفع عن نفسه تارة بالفداءِ بالمال، وأخرى بالاستعانة بالأولاد.
فأَخبرهم الله تعالى بأَن الكافر لا ينفعه شيءٌ من ذلك في الآخرة، ولا مخلص له من العذاب ولا محيص عنه.
﴿وَأُولَئِكَ﴾: المتصفون بالكفر.
﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: أهلها، الملازمون لها.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
لا يبرحونها أبدًا، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (١).
١١٧ - ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ. . .﴾ الآية.
بعد ما بين - سبحانه - أَن أَموال الكفار لا تدفع عنهم العذاب في الآخرة، أتبع ذلك بيان أَنهم لو أنفقوها في وجوه الخير والبر، لا يثابون عليها؛ لأَن الثواب على الطاعات، مشروط بتحقق الإيمان.
والمعنى: مثل ما ينفقونه في حياتهم الدنيا من المبرات والخيرات - في إحباطه بالكفر
وعدم انتفاعهم به - كزرع قوم ظلموا أَنفسهم بالكفر والمعاصى، فأرسل الله عليه ريحًا فيها برد شديد، فصيَّرته حطاماً لا ينتفع به، كما قال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (٢).
﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾: بإحباط الأَجر وذهاب الثواب على ما أنفقوا.
стр. 663
﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾:
أي: ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم، فأضاعوا ما عملوا، وأحبطوا ثواب ما أَنفقوا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
المفردات:
﴿بِطَانَةً﴾: بطانة الرجل؛ خَاصَّتُهُ وموضع سره. مأْخوذةٌ من بطانة الثوب.
﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾: من غير ملتكم.
﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾: لا يُقَصِّرُون ولا يدخرون وسعا في إِنزال الخبال بكم.
والخبال: الشر والفساد.
﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ العَنَت: المشقة. والمعنى: هم تمنوا ما يشق عليكم.
﴿الْبَغْضَاءُ﴾: الحقد والكراهية.
﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: بما انطوت عليه القلوب من الأَسرار. فإِنه سبحانه يعلم السر وأخفى.
стр. 664
التفسير
١١٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا. . .﴾ الآية.
بعد أن بين الله أحوال المؤمنين والكافرين، حذر المؤمنين من موالاة الكافرين، وجَعلهم موضع ثقتهم، باطلاعهم على بواطن أُمورهم. فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾:
أي: لا تتخذوا من غير المسلمين أصفياءَ: تجعلونهم مواضع سِرِّكم ومشورتكم لأَنهم لا يدخرون وسعاً في إلحاق الشرِّ والفساد بكم.
﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾:
أَي: أحَبوا أن يقع بكم ما يشق عليكم من أنواع المحن والبلاء في شئون دينكم ودنياكم.
﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾:
أي: قد ظهرت الكراهية من أفواههم، على فلتات أَلسنتهم.
﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾:
وَمَا تنطوى عليه صدورهم من الحقد والكراهية لكم أكبر مما ظهر على أفواههم.
﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾:
قد أوضحنا لكم الآيات الدالة على شديد بغضهم لكم. فلا توالوهم إن كنتم من ذوي العقول الواعية؛ فإِن مقتضى العقل السليم: ألا يتخذ الإِنسان أَحدًا من غير ملته صفيًّا له ومحل ثقه.
وفي هذا البيان ما يقطع عذرهم، إِذا ما خالفوا عن أمر ربهم، واتخذوا أولياءَهم من أعدائهم.
١١٩ - ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ. . .﴾ الآية.
لما نهى الله المؤمنين عن موالاة الكافرين، وبين أَنهم يبغضونهم ولا يدخرون وسعًا في خبالهم، عقب ذلك بما يؤَكد وجوب الانتهاء عن موالاتهم. فقال:
стр. 665
﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾:
أي: أنكم تخلصون لهم، وتوادونهم، وترجون لهم الخير. ولكنهم لا يحبونكم، ولا يرغبون إلا في خبالكم وفسادكم، ثم إنكم - إلى جانب حبكم لهم - تؤمنون بكل ما أُنزل من الكتب السماوية، وبالرسل الذين أُنزلت عليهم.
﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾: نفاقًا لكم وخداعًا حتى تستبطنوهم وتخبروهم بأسراركم، فيستغلوا مودتكم فيما ينفعهم، وفيما يَجْلب الخبال فيكم.
﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾:
أي: إذا فارقوكم، وخلصوا إلى أَنفسهم، عضوا أناملهم من الغيظ حسرة وأسفاً، حيث لم يجدوا إلى التشفي والنيل منكم سبيلا.
وعض الأَنامل في الآية، كناية عن شدة الغيظ.
﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾:
أي: قل لهم يا محمد: موتوا بغيظكم من بقائنا على الإسلام؛ فإن الله مُتِمُّ نعمته ومكمل دينه، وَمُعْلٍ كلمته، ولو كره الكافرون.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: فيعلم ما تنطوى عليه ضمائرهم، وَتُكنُّهُ سرائركم من البغضاءِ والحسد. ويكفي المسلمين شره، ويجازيكم عليه.
١٢٠ - ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا. . .﴾ الآية.
المعنى: إن نالكم خير -ولو كان قليلاً- أَحزنهم، وإن نزلت بكم مصيبة فادحة يفرحوا بها ويشمتوا بكم.
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾: على عداوتهم وكيدكم ﴿وَتَتَّقُوا﴾: الله في كل أُموركم: بفعل الواجبات وترك المنهيات. ومن ذلك ترك محبتهم واطلاعهم على أسراركم.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾: أي لا ينال منكم مكرهم وحيلهم التي يدبرونها لكم شيئاً قليلا من الضرر، بحفظ الله الذي وعد به، ما دمتم تتقون الله وتخشون عقابه.
стр. 666
﴿إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: من الكيد لكم، ومحاولة إلحاق الأَذى بكم.
﴿مُحِيطٌ﴾: لا يعْزُبُ عنه من ذلك شيءٌ.
ومقتضى علمه تعالى بما يعملون: أن يحاسبهم ويجزيهم عليه.
وقرئ بتاءِ الخطاب ﴿تَعْمَلُونَ﴾: والخطاب للمؤمنين.
والمعنى: إن الله محيط بما تعملونه، أيها المؤمنون، من الصبر والتقوى وسائر الطاعات.
والإِذعان لما نهاكم عنه من مَودَّةٍ من ليس على دينكم، وإطلاعهم على أَسراركم.
وفيه إشارة إِلى أن الامتثال مدعاة للغلب والفوز والانتصار، وأن المخالفة عن أوامر الله، سبيل الندامة والهلاك.
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾.
المفردات:
﴿غَدَوْتَ﴾: أصل الغدوِّ؛ الذهاب أَول النهار، ثم استعمل في مطلق الخروج.
﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾: تنزلهم الأَماكن المناسبة للقتال.
стр. 667
﴿هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾: أشرفتا على الهزيمة.
﴿بِبَدْرٍ﴾: بَدر. اسم لمكان بين مكة والمدينة كانت به الغزوة المعروفة باسمه.
﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾: قليل العَدَد والعُدَّة.
﴿من فَوْرِهِمْ﴾: أي من ساعتهم.
﴿مُسَوِّمِينَ﴾: مسوِّمين بكسر الواو المشددة. متخذين سمة. أي علامة تميزهم وبفتحها، بمعنى معلَّمين من الله تعالى.
التفسير
١٢١ - ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ. . .﴾ الآية.
سيقت الآية للاستشهاد على أن مصير الأتقياءَ الصابرين. النجاة من كيد الأَعداءِ. وأَن عدم الصبر والتقوى. لا يورث إلاَّ الأذى والضرر.
والمعنى: اذكر يا محمد - وذكِّر من معك - يوم خرجت من بيتك تنظم المؤمنين.
وتنزلهم مواقفهم من القتال. وأماكنهم من الصفوف لخوض المعركة: ترشدهم بما ترى، وتحذرهم المخالفة، وتعاهدهم وتوصيهم ألا يغادروا أماكنهم. مهما رأَوا من أمارات الانتصار. وكان ذلك في غزوة أُحد.
وجاء الخطاب - هنا - خاصًا بالنبي ﷺ ، مع عموم الخطاب - فما قبله وفيما بعده - له وللمؤمنين. لاختصاص مضمون الكلام هنا به ﵊.
وأمرُهُ بتذكر الوقت - مع أن المراد تذكر الأَحداث الواقعة - فيه مبالغة في استحضار ما وقع فيه.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم وأعمالكم. فيجازى كلا على قوله ونيته وعمله.
روى المفسرون وأصحاب السير: أن المشركين نزلوا بأُحد. قبيل منتصف شوال من السنة الثالثة للهجرة، يريدون القتال. فاستشار النبي ﷺ .
стр. 668
أَصحابه. فقال عبد الله بن أُبي بن سلول وفريق من الأَنصار: يا رسول الله، أَقم بالمدينة ولا تخرج إليهم؛ فوالله، ما خرجنا منها إلَى عدوّ قط إلا أصاب منّا، ولا دخلها علينا عدو إلا أَصبنا منه. فكيف وأنت فينا؟ فإِن أَقاموا أقاموا بشر محبس. وإِن دخلوا علينا قاتلهم الرجال. ورماهم النساءُ والصبيان بالحجارة من فوقهم - وإن رجعوا - رجعوا خائبين.
وأشار آخرون بالخروج. فقال ﵊:
"رأيت في منامي بقرةً مذبوحة حولي فأوَّلتها خيرًا. ورأيت في ذباب سيفي ثُلَماً، فأولْته هزيمة. ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأوَّلتها المدينة. فإِن رأَيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم؟ ".
فقال رجال - فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد - اخْرُجْ بنا إلى أعدائنا، وبالغوا. حتى دخل فلبس لامته (١) فلما رأوا ذلك ندموا على مبالغتهم، وقالوا: اصنع يا رسول الله ما رأيت. فقال ﵇:
"ما ينبغي لنبي أن يضع أداته - بعد ما لبسها - حتى يحكم الله بينه وبين عدوه (٢) ".
فخرج بعد صلاة الجمعة، وأصبح بشعب أُحد يوم السبت. ونزل في عدوة الوادي. وجعل ظهره وعسكره إلى أُحد. وسوى صفهم. وأمَّر عبدَ الله بن جُبَير على الرماة، وقال لهم: "انضحوا عنا بالنَّبل: لا يأتونا من ورائنا".
وكان عدد المسلمين ألفًا، وعدد المشركين ثلاثة آلاف: جاءُوا ليأخذوا بثأرهم يوم بدر.
١٢٢ - ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا. . .﴾ الآية.
والمعنى: اذكر يا محمد، حين همت طائفتان - وهما بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج - أن تفشلا أي تجبنا وتضعفا. وكانت هاتان الطائفتان جناحَيْ عسكر المسلمين يوم أحد.
стр. 669
وقد روى المفسرون أيضاً: أنه ﵊، خرج في زهاءِ ألف رجل، ووعدهم النصر إن صبروا واتقوا. فلما بلغوا الشوط - بستان بين المدينة وأُحد - انخذل عبد الله بن أُبي رأس المنافقين، في ثلاثمائة رجل. وقال: عَلَامَ نقتل أنفسنا وأولادنا؟!
فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم (١)، فقال ابن أُبي: لو نعلم قتالا لاتّبعناكم. فَهَمّ الحيَّانِ باتَّباعه، فعصمهم الله، فمضَوْا مع رسول الله ﷺ .
والظاهر أَن الهمَّ لم يكن عزيمة، إنما هو حديث نفسي، وخاطرة خطرت، مما لا يسلم منه إنسان غالباً؛ لقوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾: أيْ عاصمهما عن اتباع هذا الخاطر.
ولذلك مضيا مع رسول الله ﷺ .
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾:
المراد بالتوكل: الاعتماد على الله - سبحانه - مع الأخذ بالأَسباب. وإلا كان تواكلا.
والمعنى: وعلى الله فليعتمد المؤمنون، ولا يفكروا في الفشل. فإنه سبحانه، ينصر أهل العزم والثبات من عباده المؤمنين المتوكلين. كما قال تعالى، تذكيرا ببعض ما أَفادهم التوكل.
١٢٣ - ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ. . .﴾ الآية.
أَي: ولقد نصركم الله على قريش ببدرٍ وأَنتم قليلو العدد والعدة، فقد كان المسلمون يومئذٍ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا أو أربعة عشر، في قلة من السلاح أو المطايا. وكان عدُوُّهم ما بين التسعمائة والألف، في كثرة من السلاح والزاد والعتاد. ولو أن غزوة بدر جرت على مقاييس القوة والاستعداد - دون التوكل على الله - لكان النصر لقريش دون المسلمين. ولكن النصر جرى على سنة الله: من نصر المتقين الصابرين المتوكلين على الله، الممتثلين لأَمر قائدهم.
стр. 670
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: في الثبات، والصبر، وامتثال أوامِره، واجتناب نواهيه.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:
أي: لعل الله ينعم عليكم بالنصر فتشكروه عليه.
١٢٤ - ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾:
المعنى: اذكر يا محمد، إذ تقول للمؤمنين يوم أُحد: أَلن يكفيكم أن يمدكم ربكم المتفضل عليكم، بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين من الله؛ لتثبيتكم وتقوية قلوبكم على أعدائكم، إن أنتم توكلتم عليه وصبرتم! ولذا، عقب هذه الآية بقوله:
١٢٥ - ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾:
(بلى): أي نعم، يكفيكم الإِمداد بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين من الله وعقَّب إقراره لكفاية هذا العدد، بأَن وعدهم بأنهم - إن صبروا واتقوا وعاجلهم المشركون بالقتال في الحال - يُمِدهم بخمسة آلاف من الملائكة، فور إتيان الأَعداء بلا تأخير .. ولكنهم لَمَّا لم يصبروا وخالفوا أمر الرسول ﷺ لم تنزل الملائكة، ولذا لم يحصل النصر كما حصل في غزوة بدر. كما سيأتي بيانه في سورة الأنفال.
ومعنى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾: مميزين أنفسهم بعلامات يُعْرَفون بها: أو مغيرين على الأعداءِ. من: سَوّم على القوم: إذا أَغار عليهم، ففتك بهم.
وقرئ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ - بفتح الواو المشددة - بمعنى معلَّمين بعلامات من الله يعرفونها.
أو مرسلين من قِبَله. من سوّمه بمعنى: أَرسله.
وسياق ما تقدم من الآيات، ظاهر في أن الحديث هنا في غزوة أحد.
وأما ذكر غزوة بدر في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ. . .﴾ الآية.
فهو متوسط بين طرفي قصة أُحد؛ لتذكيرهم بنصر الله لهم فيها، حين صبروا.