← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

﴿إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: من الكيد لكم، ومحاولة إلحاق الأَذى بكم. ﴿مُحِيطٌ﴾: لا يعْزُبُ عنه من ذلك شيءٌ. ومقتضى علمه تعالى بما يعملون: أن يحاسبهم ويجزيهم عليه. وقرئ بتاءِ الخطاب ﴿تَعْمَلُونَ﴾: والخطاب للمؤمنين. والمعنى: إن الله محيط بما تعملونه، أيها المؤمنون، من الصبر والتقوى وسائر الطاعات. والإِذعان لما نهاكم عنه من مَودَّةٍ من ليس على دينكم، وإطلاعهم على أَسراركم. وفيه إشارة إِلى أن الامتثال مدعاة للغلب والفوز والانتصار، وأن المخالفة عن أوامر الله، سبيل الندامة والهلاك. ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. المفردات: ﴿غَدَوْتَ﴾: أصل الغدوِّ؛ الذهاب أَول النهار، ثم استعمل في مطلق الخروج. ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾: تنزلهم الأَماكن المناسبة للقتال.

стр. 667

﴿هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾: أشرفتا على الهزيمة. ﴿بِبَدْرٍ﴾: بَدر. اسم لمكان بين مكة والمدينة كانت به الغزوة المعروفة باسمه. ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾: قليل العَدَد والعُدَّة. ﴿من فَوْرِهِمْ﴾: أي من ساعتهم. ﴿مُسَوِّمِينَ﴾: مسوِّمين بكسر الواو المشددة. متخذين سمة. أي علامة تميزهم وبفتحها، بمعنى معلَّمين من الله تعالى. التفسير ١٢١ - ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ. . .﴾ الآية. سيقت الآية للاستشهاد على أن مصير الأتقياءَ الصابرين. النجاة من كيد الأَعداءِ. وأَن عدم الصبر والتقوى. لا يورث إلاَّ الأذى والضرر. والمعنى: اذكر يا محمد - وذكِّر من معك - يوم خرجت من بيتك تنظم المؤمنين. وتنزلهم مواقفهم من القتال. وأماكنهم من الصفوف لخوض المعركة: ترشدهم بما ترى، وتحذرهم المخالفة، وتعاهدهم وتوصيهم ألا يغادروا أماكنهم. مهما رأَوا من أمارات الانتصار. وكان ذلك في غزوة أُحد. وجاء الخطاب - هنا - خاصًا بالنبي ﷺ ، مع عموم الخطاب - فما قبله وفيما بعده - له وللمؤمنين. لاختصاص مضمون الكلام هنا به ﵊. وأمرُهُ بتذكر الوقت - مع أن المراد تذكر الأَحداث الواقعة - فيه مبالغة في استحضار ما وقع فيه. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم وأعمالكم. فيجازى كلا على قوله ونيته وعمله. روى المفسرون وأصحاب السير: أن المشركين نزلوا بأُحد. قبيل منتصف شوال من السنة الثالثة للهجرة، يريدون القتال. فاستشار النبي ﷺ .

стр. 668

أَصحابه. فقال عبد الله بن أُبي بن سلول وفريق من الأَنصار: يا رسول الله، أَقم بالمدينة ولا تخرج إليهم؛ فوالله، ما خرجنا منها إلَى عدوّ قط إلا أصاب منّا، ولا دخلها علينا عدو إلا أَصبنا منه. فكيف وأنت فينا؟ فإِن أَقاموا أقاموا بشر محبس. وإِن دخلوا علينا قاتلهم الرجال. ورماهم النساءُ والصبيان بالحجارة من فوقهم - وإن رجعوا - رجعوا خائبين. وأشار آخرون بالخروج. فقال ﵊: "رأيت في منامي بقرةً مذبوحة حولي فأوَّلتها خيرًا. ورأيت في ذباب سيفي ثُلَماً، فأولْته هزيمة. ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأوَّلتها المدينة. فإِن رأَيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم؟ ". فقال رجال - فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد - اخْرُجْ بنا إلى أعدائنا، وبالغوا. حتى دخل فلبس لامته (١) فلما رأوا ذلك ندموا على مبالغتهم، وقالوا: اصنع يا رسول الله ما رأيت. فقال ﵇: "ما ينبغي لنبي أن يضع أداته - بعد ما لبسها - حتى يحكم الله بينه وبين عدوه (٢) ". فخرج بعد صلاة الجمعة، وأصبح بشعب أُحد يوم السبت. ونزل في عدوة الوادي. وجعل ظهره وعسكره إلى أُحد. وسوى صفهم. وأمَّر عبدَ الله بن جُبَير على الرماة، وقال لهم: "انضحوا عنا بالنَّبل: لا يأتونا من ورائنا". وكان عدد المسلمين ألفًا، وعدد المشركين ثلاثة آلاف: جاءُوا ليأخذوا بثأرهم يوم بدر. ١٢٢ - ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا. . .﴾ الآية. والمعنى: اذكر يا محمد، حين همت طائفتان - وهما بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج - أن تفشلا أي تجبنا وتضعفا. وكانت هاتان الطائفتان جناحَيْ عسكر المسلمين يوم أحد.

стр. 669

وقد روى المفسرون أيضاً: أنه ﵊، خرج في زهاءِ ألف رجل، ووعدهم النصر إن صبروا واتقوا. فلما بلغوا الشوط - بستان بين المدينة وأُحد - انخذل عبد الله بن أُبي رأس المنافقين، في ثلاثمائة رجل. وقال: عَلَامَ نقتل أنفسنا وأولادنا؟! فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم (١)، فقال ابن أُبي: لو نعلم قتالا لاتّبعناكم. فَهَمّ الحيَّانِ باتَّباعه، فعصمهم الله، فمضَوْا مع رسول الله ﷺ . والظاهر أَن الهمَّ لم يكن عزيمة، إنما هو حديث نفسي، وخاطرة خطرت، مما لا يسلم منه إنسان غالباً؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾: أيْ عاصمهما عن اتباع هذا الخاطر. ولذلك مضيا مع رسول الله ﷺ . ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: المراد بالتوكل: الاعتماد على الله - سبحانه - مع الأخذ بالأَسباب. وإلا كان تواكلا. والمعنى: وعلى الله فليعتمد المؤمنون، ولا يفكروا في الفشل. فإنه سبحانه، ينصر أهل العزم والثبات من عباده المؤمنين المتوكلين. كما قال تعالى، تذكيرا ببعض ما أَفادهم التوكل. ١٢٣ - ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ. . .﴾ الآية. أَي: ولقد نصركم الله على قريش ببدرٍ وأَنتم قليلو العدد والعدة، فقد كان المسلمون يومئذٍ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا أو أربعة عشر، في قلة من السلاح أو المطايا. وكان عدُوُّهم ما بين التسعمائة والألف، في كثرة من السلاح والزاد والعتاد. ولو أن غزوة بدر جرت على مقاييس القوة والاستعداد - دون التوكل على الله - لكان النصر لقريش دون المسلمين. ولكن النصر جرى على سنة الله: من نصر المتقين الصابرين المتوكلين على الله، الممتثلين لأَمر قائدهم.

стр. 670

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: في الثبات، والصبر، وامتثال أوامِره، واجتناب نواهيه. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي: لعل الله ينعم عليكم بالنصر فتشكروه عليه. ١٢٤ - ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾: المعنى: اذكر يا محمد، إذ تقول للمؤمنين يوم أُحد: أَلن يكفيكم أن يمدكم ربكم المتفضل عليكم، بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين من الله؛ لتثبيتكم وتقوية قلوبكم على أعدائكم، إن أنتم توكلتم عليه وصبرتم! ولذا، عقب هذه الآية بقوله: ١٢٥ - ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾: (بلى): أي نعم، يكفيكم الإِمداد بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين من الله وعقَّب إقراره لكفاية هذا العدد، بأَن وعدهم بأنهم - إن صبروا واتقوا وعاجلهم المشركون بالقتال في الحال - يُمِدهم بخمسة آلاف من الملائكة، فور إتيان الأَعداء بلا تأخير .. ولكنهم لَمَّا لم يصبروا وخالفوا أمر الرسول ﷺ لم تنزل الملائكة، ولذا لم يحصل النصر كما حصل في غزوة بدر. كما سيأتي بيانه في سورة الأنفال. ومعنى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾: مميزين أنفسهم بعلامات يُعْرَفون بها: أو مغيرين على الأعداءِ. من: سَوّم على القوم: إذا أَغار عليهم، ففتك بهم. وقرئ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ - بفتح الواو المشددة - بمعنى معلَّمين بعلامات من الله يعرفونها. أو مرسلين من قِبَله. من سوّمه بمعنى: أَرسله. وسياق ما تقدم من الآيات، ظاهر في أن الحديث هنا في غزوة أحد. وأما ذكر غزوة بدر في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ. . .﴾ الآية. فهو متوسط بين طرفي قصة أُحد؛ لتذكيرهم بنصر الله لهم فيها، حين صبروا.

стр. 671

وهناك قول ثان. وهو أَن الظرف في قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾. وعلى هذا، يكون وعد الرسول للمؤمنين بالإمداد بثلاثة آلاف وخمسة آلاف - إنما ذلك في غزوة بدر، بعد ما أمدهم بألف؛ ليزدادوا ثباتًا. وهذا الرأى ارتضاه ابن جرير، وهو مرويّ عن الحسن البصري، وعامر الشعبي، والربيع بن أنس وغيرهم. والظاهر هو الرأي الأوَّل، كما قلنا. ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. المفردات: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾: لينقص فريقًا من الكافرين بالقتل والأَسر. ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ الكبت: شدة الغيظ، أَوْ وَهْنٌ يقع في القلب. ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾: فيرتدوا منقطعي الآمال.

стр. 672

التفسير ١٢٦ - ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ. . .﴾ الآية. أي وما جعل الله الإِمداد بالملائكة ولا الوعد به، إِلا بشارة لكم بالنصر، وتطميناً لقلوبكم؛ حتى تثبتوا أمام عدوكم. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: فهو الميسر لأَسبابه. ﴿الْعَزِيزِ﴾: الذي يَغلِبُ ولا يُغْلَبُ. ﴿الْحَكِيمِ﴾: الذي يضع الأمور في مواضعها. فينصر من يشاءُ، على مقتضى حكمته. ١٢٧ - ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: متعلق بقوله تعالى فيما تقدم: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ (١) وما بينهما. تحقيق له، وبيان لكيفيته. أَي نصركم ببدر؛ لينتقص بذلك منهم بقتل فريق، وأسْر آخر. وهو ما كان من قتل سبعين وأَسر سبعين من صناديدهم - أو ليغيظهم أشد الغيظ بعُلوّ شأن المسلمين وظهورهم عليهم، فيرجعوا منهزمين منقطعي الآمال في الفوز. ١٢٨ - ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. . .﴾ الآية. جملة متوسطة: بين المعطوف: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ والمعطوف عليه: ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ لتحقيق أن لا تأثير للمنصورين في النصر، إثر بيان أن لا تأْثير للناصرين، ببيان أن مردَّ الأَمر إلى الله لا لغيره. وتخصيص النفي بالرسول ﷺ ، للدلالة على الانتفاء من غيره بالطريق الأَولى. والمعنى: أن مالِكَ أَمرهم على الإِطلاق؛ هو الله : نصركم عليهم، ليهلكهم أو يكبتهم ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إن أسلموا ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ إن أصَرُّوا. وليس لك من أمرهم شيءٌ. إنما أَنت عبد مأمور بإِنذارهم وجهادهم. والمراد بتعذيبهم: التعذيب الأُخروي الشديد.

стр. 673

﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾: تعليل لقوله تعالى: ﴿يُعَذِّبَهُمْ﴾: أَي يعذبهم؛ لظلمهم بمعاداة الإِسلام والمسلمين وقتالهم. ١٢٩ - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: سيقت هذه الآية؛ لتأكيد ما تقدم، من أن الأَمر كله بيد الله وحده. والمعنى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خلقاً وملكاً وتصرفاً، لا معقب لحكمه. ولا يسأل عما يفعل. ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: المغفرة له بواسع رحمته، المبنية على بديع حكمته. ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾: تعذيبه بكمال عدله والتعبير بلفظ (ما) في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تغليب لغير العقلاء؛ لكثرتهم؛ لأن الموجودات من غير العقلاء أكثر. والتعبير بلفظ (مَن) في قوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ لأَن الحساب والثواب والعقاب، لا يكون إلا للعقلاء. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: شأنه أن يستر ذنوب عباده، ويعفو عمن أساء، ويتجاوز لهم عما اقترفوا: رحمة منه وفضلا. وتقديم المغفرة على العذاب، للإيذان بأن رحمته - دائما -سابقةٌ غضبه. وختم الآية بصفتي الغفران والرحمة - دون مقابلهما - لمزيد الاعتناءِ بشأن المغفرة والرحمة؛ لأَنه تعالى، كتب على نفسه الرحمة ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (١).

стр. 674

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ المفردات: ﴿أَضْعَافًا﴾: الأضعاف؛ الأمثال. وضعف الشيء: مثله الذي يصير به اثنين. ﴿مُضَاعَفَةً﴾: فيه إشارة إلى تكرار التضعيف مرة بعد مرة. التفسير ١٣٠ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: كان يهود المدينة أشهر المتعاملين بالربا، فنهى الله سبحانه المؤمنين أن يرتكبوا هذه الفعلة النكراء؛ فإن الربا: يجتث مال الفقير ويضيع جهده في رزق عياله، ويزيد في ثراءِ الأغنياءِ مع الدعة والراحة .. وهو الذي يقطع أَواصر المودة والتعاطف بين الناس. وهذه هى الآية الثالثة في شأن الربا. أما الأولى والثانية، فقد سبقتا في سورة البقرة (١). وهذه الآية في تحريم ربا النسيئة، أي التأْجيل. فهو الذي كان يزيد بالتأجيل أضعافا مضاعفة، وكان مشهورا في الجاهلية. وقد سبق في سورة البقرة ما يدل على تحريم قليل الربا وكثيره: عاجله وآجله، وأَن ليس للدائن سوى رأس ماله. وَقَد حَرَّمَتهُ السنة بقوله ﷺ :

стр. 675

"لَعَنَ الله آكل الربا وموكله، وشاهده وكاتبه، والْمُحَلَلَ له" (١). والمراد بالأَكل هنا: أَخذ مال الربا للانتفاع به في أي وجه، وإنما عبر بالأكل؛ لأَنه المقصود الأَعظم من كسب المال، وللتشنيع على آكل الربا. بأَنه يدخل جوفه السحت بدلا من الطيبات. والربا حرام مطلقاً … وإِن لم يُضَعّف كما تقدم. وليس قوله تعالى: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ قيدا في التحريم. وإِنما جاءَ لبيان ما كان عليه الحال في ربا الجاهلية. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: بامتثال أَوامره، واجتناب نواهيه. ومنها النهي عن أكل الربا. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: عسى أَن تفلحوا. والتعبير بلفظ (لَعَلَّ): يدل على أنه يُرْجَى نيل الفلاح وقرب الامل في حصوله، لمن جدَّ مخلصاً في طلبه. ١٣١ - ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾: أي: وحاذروا أَن تستهينوا بالربا، فينزع منكم الإِيمان؛ فإِن من الذنوب ذنوباً - منها الربا - ينزع الله بها الإيمان من المقيم عليها. قال أَبو حنيفة ﵀: هى أَخوف آية في القرآن، حيث أَوعد المؤمنين بالنار المعدة للكافرين، إن لم يتقوه في اجتناب محارمه. ولا شك أَن في وصف النار بأنها أُعدت للكافرين زجرًا عظيما، ووعيدًا شديدًا. وفيه تنبيه إلى أَن الربا قريب من الكفر. ١٣٢ - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ. . .﴾ الآية. وأطيعوا الله باجتناب كل ما نهى عنه - ومنه أَكل الربا - وامتثال كل ما أمر به وأَطيعوا الرسول فيما بلغكم عن الله، وفيما تضمنته سنته من أوامر ونواه. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. . . (٢)﴾.

стр. 676

﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: رجاءَ أن تنزل بكم رحمته، وتفوزوا بخيرَيِ الدنيا والآخرة. ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. المفردات: ﴿أُعِدَّتْ﴾: هيئت. ﴿السَّرَّاءِ﴾: الرخاءِ واليسر. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: الشدة والعسر. ﴿الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾: الممسكين الغيظ عند امتلاءِ نفوسهم به. فلا ينتقمون ممن غاظهم. وأَصل الكظم: شد فم القربة عند امتلائها. والغيظ: هيجان الطبع عند رؤية ما يُنْكَرُ. ﴿فَاحِشَةً﴾: الفاحشة؛ كل ما عظُم قبحه من الذنوب. ﴿يُصِرُّوا﴾: يقيموا.

стр. 677

التفسير ١٣٣ - ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ. . .﴾ الآية. لما حذَّر الله في الآيات السابقة، من الأَفعال المستتبعة للعقاب، عقبه بالحث على الأَفعال المستتبعة للثواب، فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي: بادروا وسابقوا إلى كل ما يحقق لكم مغفرة ربكم لذنوبكم، ويوصلكم إِلى نيل مرضاته، ودخول جنته الواسعة. وذلك يكون بإِقبالكم على طاعته، ومن امتثال أوامره، واجتناب نواهيه. ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: أي: كعرضهما. وليس المراد التحديد، وإِنما هو كناية عن غاية سعتها، وعظيم رحبها بما هو -في تصور المخاطبين- أَوسع الأَشياءِ وأَرحبها. وخص العرض بالذكر - مع أنه دون الطول - للمبالغة في البسط والسعة، ويطلق العرض أيضاً على السعة. ويجوز أَن يراد منه هذا المعنى هنا. ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾: أي هيأَها الله لعباده الذين يتقون عذابه، بامتثال أوامره واجتناب محارمه. ثم وصف الله عباده المتقين، ببعض صفاتهم التي تؤهلهم لمغفرته، ودخول جنته فقال: ١٣٤ - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ. . .﴾ الآية. أي في اليسر والعسر، والفرح والحزن، والمنشط والمكره. والمراد: أَنهم ينفقون في كل أحوالهم، فهى دائرة بين السَّراءِ والضَّراء. وهذه هى الصفة الأُولى. وإنما ابتديء بالإنفاق؛ لأَن الجود بالمال - وبخاصة في حال العسرة والشدة - من أَشق الأمور على النفوس. وفيه أقوى الأدلة على الإِخلاص؛ لأن حاجة المسلمين إلى الإنفاق - آنذاك بل وكل

стр. 678

آن - كانت أَشد، لمجاهدة العدو، ومواساة المسلمين. ولأن النهي عن الربا يستدعي بديلا عنه. ولذلك يقترن النهي عن الربا - في القرآن - بالحث على الصدقة. وحذف، مفعول ﴿يُنْفِقُونَ﴾: ليعم كل ما يصلح للإنفاق؛ أو لأَن المراد وصفهم بالإِنفاق، دون نظر إلى ما ينفقون. كما تقول: فلان يعطي ويمنع. لا تقصد إلاَّ وصفه بالإِعطاءِ والمنع. ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾: صفة ثانية. وكظم الغيظ: حبسه وكتمه مع القدرة على إمضائه. والغيظ: هيجان الطبع عند رؤية ما ينكر. والفرق بينه وبين الغضب - على ما قيل - أن الغضب يتبعه إرادة الانتقام ألبتة، ولا كذلك الغيظ. والغيظ أصل الغضب. وكثيراً ما يتلازمان. وكظم الغيظ من أجمل الأخلاق وأَنبلها وأحبها إلى الله. وفي الحديث الشريف: "من كظم غيضًا وهو قادر على أَن ينفذه، ملأ اللهُ جوفَه أَمناً وإِيمانًا" (١). وعبر في الصفة الأولى بالفعل المضارع ﴿يُنْفِقُونَ﴾: قصدًا لإرادة أَن يجددوا الإنفاق من آن لآخر. وعبر بالكاظمين وهو اسم فاعل: لقصد الثبات والاستمرار على ضبط النفس. ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾: هذه صفة ثالثة، جاءَت على اسم الفاعل؛ للدلالة على الثبوت والدوام أيضًا. والعفو: ترك عقوبة من يستحق العقوبة من الناس؛ لذنب جناه. وهو أكمل من كظم الغيظ. لأَن الغيظ؛ مجرد ضبط للنفس، ولا يلزمه الاِغضاءُ عن الاساءَة. أما العفو؛ فيقتضي تناسي الإساءة واعتبارها كأن لم تكن. وفي الحديث الصحيح: ". . . وما زادَ اللهُ عبداً بِعَفْوٍ إلاَّ عِزًّا" (٢).

стр. 679

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: أَي كل المحسنين، ويدخل فيهم، من تقدم ذكرهم. والحب: ميل القلب إِلى المحبوب. والمراد به - في الآية - ما يلزم عنه من الثواب والرضوان. والمعنى: أن الله يرضى عن المحسنين جميعا، ويجازيهم على إِحسانهم أَحسن الجزاء. والإِحسان يشمل: إتقان العمل، والإِتيان به على الوجه الأكمل. ومنه قول الرسول ﷺ ، وقد سئل عن الإِحسان: "أنْ تَعبُدَ اللهَ كأَنك تَراه، فإِن لم تَكُنْ تَراهُ فَإنهُ يَرَاكَ" (١). ويشمل أيضاً: إيصَالَ النفع إلى الغير، ودَفْعَ الضرر عنه. ولا يكمل الإِحسان حتى يكون خالصًا لوجه الله: لا ينتظر المحسن مكافأة عليه، ولا يكون مكافأَة على إِحسان سابق وصل إِليه. وفي الحديث الشريف: "لَيسَ الواصلُ بالمكافيءَ" (٢) والمراد بالواصل: المحسن. وقال الثورى: الإِحسان: أَن تحسن إلى من أساءَ إليك. فأَما من أَحسن إليك، فإنه متاجرة كنقد السوق: خذ مني وهات. ولمكانة الإِحسان عند الله، أَثاب عليه بأَعلى أنواع الثواب، وهو محبته كما قال في ختام الآية: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ١٣٥ - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:

стр. 680

هذه هي الصفة الرابعة من صفات المتقين. عطفت على ما قبلها. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: جملة متوسطة بين المعطوف والمعطوف عليه: مشيرة إلى ما بينهما من التفاوت في الفضل. فإِن درجة الأَولين من التقوى أَعلى، وحظهم أَوفى. ويجوز أن يكون: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ معطوف على ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ فكأنه لما ذكر الصنف الأَعلى من المتقين. وهم: المتصفون بتلك الأوصاف الجميلة - ذكر من دونهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾: أي - أتَوْا بمعصية تفاقَمَ قبحها، وعَظُمَ شرُّها وخطرها. ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: أي جَنَوْا على أَنفسهم بارتكاب أي ذنب من الذنوب الكبائر أَو الصغائر. ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾: أي تذكروا عظمته وجلاله، وحقه في أن يُعْبَدَ ولا يُعصَى، وأنه الذي يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات. ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾: عقب تَذَكرِهم لله. والمراد بالاستغفار: الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم معاودته، ورد المظالم لأَصحابها. أَما التوبة بمجرد اللسان، فتلك توبة الكذابين. وفي مثل هذه التوبة الكاذبة، يقول بعض العارفين: استغفارُنا هذا يحتاج إلى استغفار. ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾: أَي لا أَحد يقبل توبة التائبين، ويعفو عن العاصين، غيره سبحانه. وفي هذا دعوة منه تعالى، إلى الالتجاءِ إليه، وطلب عفوه ومغفرته؛ لأنه لا ملجأَ ولا مَنْجى منه إِلا إليه، ولا حيلة للمذنب إلا طلب فضله - سبحانه - والتماس رحمته.

стр. 681

﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾: هذا عطف على ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ وجملة: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ متوسطة بين المتعاطفين. ومعنى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾: أَنهم لا يقيمون على معصية من المعاصي: كبيرة كانت أم صغيرة. بل يرجعون إلى الله، ويتوبون إليه من قريب. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أَن من تاب تاب الله عليه، وأَن إِقامتهم على الذنب - ولو كان صغيرًا - قبح، لا يليق بمؤمن؛ لأن الصغيرة لا تبقى صغيرة مع الإصرار، كما أن الإِصرار على الذنب يتنافى مع الاستغفار. قال ﷺ : "ما أصَرَّ من استغْفَرَ" (١). ١٣٦ - ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: أي الموصوفون بما تقدم من الصفات. ﴿جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: أي جزاؤُهم على هذه الصفات التي تجملوا بها: ستر خطاياهم، وعدم مؤَاخذتهم عليها. ﴿وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي تَجرى من تحت قصورها الأنهار المختلفة: التي ذكرها الله في قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى. . .﴾ (٢). وهذه الجنات، ضمن تلك الجنة: التي أَخبر سبحانه، أن عرضها السموات والأَرض.

стр. 682

﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: أي ماكثين فيها، لا يخرجون منها أبداً. كما قال سبحانه: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (١). ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: ذلك المذكور من المغفرة والجنات. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾. المفردات: ﴿خَلَتْ﴾: مضت. ﴿سُنَنٌ﴾: السنن؛ الطرائق. والمراد منها عقوبات الأُمم المكذبة. ﴿مَوْعِظَةٌ﴾: الموعظة؛ التذكير بما يرقق القلب من: مرغبات في الطاعة، ومنفرات عن المعصية.

стр. 683

﴿تَهِنُوا﴾: تضعفوا. ﴿الْأَعْلَوْنَ﴾: المتفوقون بالدِّين، الظاهرون على العدو. ﴿مَسَّ﴾: المس؛ الإِصابة. ﴿قَرْحٌ﴾: القَرْح؛ الجُرْحُ. أَو أَلَمُهُ. ﴿نُدَاوِلُهَا﴾: نجعلها متبادلة. فنجعل الغلبة لهؤُلاءِ مرة، ولهؤلاءِ مرة أُخرى. ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾: لِيُنَقى ويُخَلِّصَ. ﴿وَيَمْحَقَ﴾: يسحق وَيُهْلِكَ. التفسير ١٣٧ - ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ. . .﴾ الآية. هذا رجوع إلى قصة أُحُد، بعد أَن تخللها تذكيرُ المؤمنين بما كان من نصر الله لهم في بدر؛ تسليةً لهم عما أَصابهم من الهزيمة في أُحُد، وإرشاداً لهم إِلى بعض النصائح التي تستتبع رضا الله ونصره. وجِمَاعها: تقوى الله، وطاعة الله ورسوله، والاستغفار من الذنوب. والمعنى: قد مضت من قبل زمانكم طرائق: سنها الله تعالى، في المكذبين من الأمم السابقة. فقد تكون لهم الغَلَبَةُ في بعض المواطن على المؤمنين، ثم تكون العاقبة - في النهاية - للمؤمنين، والدائرة على المكذبين. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: أي تَعَرَّفُوا أخبارهم وما نزل بهم؛ لتعلموا أن سنَّة الله في الغابربن: نصرُ أوليائه، وخذلانُ أَعدائه. كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١).

стр. 684

١٣٨ - ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾: (هَذَا): إشارة إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾: أي هذا الذي عرفتكم به، من أن سنة الله - في الماضين - أن تكون الدائرة على الكافرين والعاقبة للمتقين - بيان للناس جميعاً، وإيضاح لحسن مآل المؤمنين، وسوءِ عاقبة المكذبين وهدى وتذكير للمتقين. وتخصيص المتقين بذلك؛ لأنه لا ينتفع بهذا البيان فيهتدى ويتعظ، إلا المتقون الذين شرح الله صدورهم للإسلام، وخافوا الله رب العالمين. ١٣٩ - ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ. . .﴾ الآية. أي ولا تضعفوا - أَيها المؤمنون - عن الجهاد، وتتثاقلوا عنه، لكثرة من قتال منكم في أُحُد. ولا تحزنوا لذلك، فيشغلكم ويقعدكم عن قتال عدوكم - والحال أنكم أَعلى شأْنا منهم، فإنكم على الحق. وَهم على الباطل. وأنتم أولياءُ الله. وهم أعداؤه وأولياءُ الشيطان وقتلاكم في الجنة. وقتلاهم في النار. ومَن هم على هذه الحال، لا ينبغي لهم أَن يهنوا ولا أن يحزنوا لما أصابهم، فإن العاقبة لهم. وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ وَعدٌ لهم بالنصر على أعدائهم - فيما يستقبل من الأيام: وبشرى بأَنهم الغالبون المنتصرون، ما داموا متمسكين بتعاليم دينهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: أي إن كنتم مؤمنين حقا فلا تهنوا ولا تحزنوا؛ لأَن الإِيمان يوجب قوة القلب، ويزيد الثقة بالله تعالى، وعدم المبالاة بأَعدائه. ويجوز أَن يكون المعنى: إن كنتم مصدقين بوعدي لكم بالنصرة على عدوكم، فلا تهنوا ولا تحزنوا. ١٤٠ - ﴿إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ … ﴾ الآية. المراد بالقوم: أهل مكة المشركون. والقَرح بفتح القاف: الجرح. وبالضم: ألمه. وقد قريء بهما.

стр. 685

وهذه الآية من تمام المعنى الذي سيقت له الآية السابقة. أَي لا داعيَ للوَهَن والحزن، فإِن ما أصابكم يوم أُحد من القتل، والجراح والآلام، قد أَصاب كفارَ قريش مثلُهُ يوم بدر، فلم يثنهم ذلك عن معاودة حربكم مع ما هم عليه من باطل. فأَنتم أَولى منهم بالثبات، وأَجدر منهم بقوة العزيمة؛ لأَنكم على الحق. ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: تلك: مبتدأ، والأيام خبر. كما تقول: هى الأَيام: تُبْلِي كُلَّ جديد. والإِشارة، إلى أيام الحروب، أو الأيام بعامة. والمداولة: نقل الشيء من واحد إلى آخر. يقال: الدنيا دُوَل. أي تنتقل من قوم إلى آخرين. ثم عنهم إلى غيرهم. والمعنى: أن النصر تارة يكون للمؤمنين إِذا تمسكوا بإيمانهم، واستعدوا لعدوهم. وتارة أخرى يكون للكافرين. والله لا ينصر الكافرين إلا ابتلاء للمؤمنين، وتمحيصاً لإيمانهم. ودرسًا يستفيدون منه في مستقبل غزواتهم. حتى لا يعودوا إلى الأسباب التي أدت بهم إلى مثل تلك المحنة. قال الرازى في تعليل ما يقع من النصر للكافرين: إنه تعالى، لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات؛ وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات، لحصل العلم الاضطراري: بأَن الإيمان حق وما سواه باطل. ولو كان كذلك لبطل التكليف، والثواب والعقاب. فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أَهل الإِيمان وأُخرى على أهل الكفر؛ لتكون الشبهات باقية، وكيف يدفعها بالنظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام، فيعظم ثوابه عند الله. ا. هـ. وصيغة المضارع ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ الدالة على التجدد: تؤذن بأَن تلك المداولة سُنةٌ مسلوكة في جميع الأمم، متجددة فيهم. ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أَي وتلك الأَيام نداولها بين الناس لوجوه من المصالح، وضروب من الحكم؛ وليعلم الله المؤمنين المتميزين بالإيمان، علما مقترنا بالواقع.

стр. 686

والمراد بالعلم هنا: العلم التنجيزي بالواقع. وهذا لا ينافى علمه بهم قديمًا. والمقصود أنه يبرز -في الواقع- ما سبق في علمه عنهم قديمًا من تمييزهم بإيمانهم عن سواهم، لِيُجْزَى كل بما عمل، لا بما علمه الله أزلا في شأنه. وذلك هو المقصود بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (١). ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾: هذا سبب آخر لمداولة الأيام بين الناس. والشهداء: جمع شهيد. أي وليكرم قومًا منكم بالشهادة في الدفاع عن الدين. وتلك كانت أمنيةً لبعض المسلمين، الذين فاتتهم الشهادة في غزوة بدر. أو هو جمع شاهد: أي ليتخذ منكم شهودًا بذلك على الأُمم يوم القيامة، وذلك منصب جليل، لا يستحقه إلا مَنْ وطَّنُوا أنفسهم على التضحيات الجسيمة، الذين بذلوا النفس والنفيس في سبيل الله. هذا وجميع المؤمنين الصادقين، سيكونون شهداءَ على الأُمم السابقة يوم القيامة. كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٢) لأَنهم أهل البذل والتضحية في سبيله، في جميع بقاع الأَرض، حيث ينشرون دعوة دينه الخالد في كل قاصٍ ودانٍ. ولفظ الاتخاذ ينبيء عن الاصطفاء، ففيه من تشريف المؤمنين ما فيه. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: جملة متوسطة بين المتعاطفات؛ للإشارة إلى أن الله يبغض الكفار أعداء المؤمنين، فلن ينصرهم عليهم. وما يكون لهم من نصر في بعض المواطن، فليس ذلك عن حب الله لهم، وإنما لِلْحِكم التي بينها الله في الآيتين السابقتين (١٣٩، ١٤٠) وفي الآية اللاحقة (١٤١).

стр. 687

١٤١ - ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾: أي وليطهرَ نفوس المؤمنين، وينقّيَها من الشوائب التي تكون قد علقت بها، فيصيروا مؤْمنين خالصين: يصبرون على البأساء، ويثبتون عند اللقاء، وتتطهر نفوسهم من كل صفة لا تليق بمن باع نفسه لإعلاء كلمة الله. ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾: إن كان المراد من اللفظ: العموم، فمعنى الْمَحق: النقصان وإظهار المسلمين عليهم، ما داموا صادقي الإيمان، متخذي العدة والعتاد لمقاتلة أعداء الله. وإن كان المراد الكفارَ من أهل مكة: الذين حاربوا رسول الله ﷺ يوم أُحد، وأصروا على الكفر - فمعنى المَحْق: الاستئصال. وقد كان ذلك. قال أبو حيان: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾: أي يهلكهم شيئًا فشيئًا. والمعنى: أن الدولة إن كانت للكافرين على المؤمنين، كانت سببًا لتمييز المؤمن من غيره، وسببًا لاستشهاد من قُتل منهم، وسببًا لتطهير المؤمن من الذنب. فقد جمعت فوائد كثيرة للمؤمنين. وإن كان النصر للمؤمنين على الكافرين، كان سببا لمحق الكافرين بالكلية، واستئصالهم. قاله ابن عباس. ويحمل ذلك ما كان عليه في أَهل مكة. ١٤٢ - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾: (أمْ) هنا: أفادت الانتقال من الكلام السابق إلى الكلام اللاحق، واستبعاد أن يظنوا دخول الجنة بدون جهاد وصبر عليه. والمعنى: بَل أظننتم أَن تدخلوا الجنة، ولما يتحقق جهاد المجاهدين منكم، وصبْرُ الصابرين عليه. فيعلم الله ذلك واقعًا دالا على صدق الإيمان، مستتبعا لدخول الجنان!!

стр. 688

وكلمة ﴿لَمَّا﴾: وإن أفادت نفى ما بعدها من الجهاد والصبر، ولكنها تفيد تَوَقُّعَ حصولهما منهم، وقد وقعا فعلا: في الغزوات التي تلت غزوة أُحد. ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾. المفردات: ﴿تَمَنَّوْنَ﴾: أي ترغبون. ﴿الْمَوْتَ﴾: المراد به هنا؛ القتال. وقيل: هو على حقيقته؛ طلبًا للشهادة. ﴿تَلْقَوْهُ﴾: أي تلقوا سببه. وهو القتال. ﴿رَأَيْتُمُوهُ﴾: أي رأيتم الموت، برؤية من يموت في الحرب. ﴿خَلَتْ﴾: مضت. ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ المراد: مَن يرتد عن دينه أو ينهزم. التفسير ١٤٣ - ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ. . .﴾ الآية. هذا خطاب من الله تعالى، عاتب فيه الذين ألَحُّوا على رسول الله ﷺ ، في الخروج من المدينة إلى أُحُد للقاء المشركين، الذين نزلوا عنده قادمين من مكة، لقتال المسلمين انتقامًا ليوم بدر. ولما التقى الجمعان انهزم فريق منهم، ولم يثبتوا أَمام المشركين. وكان هؤُلاءِ هم الذين ألحوا في الخروج، ممن لم يشهدوا بدرًا، وتَمنَّوْا أَن يحضروا

стр. 689

مع النبي ﷺ لينالوا به شرف الشهادة إن ماتوا، أو أَجر الجهاد وكرامة المجاهدين إِن رجعوا كأصحاب بدر. وقد عُرف مما جاءَ في غزوة أُحد: أن النبي ﷺ كان -أوّل الأَمر- يميل إلى البقاءَ في المدينة، حتى إذا هاجمها كفار مكة، صدهم المسلمون متحصنين بها … الرجال يضربونهم بالسيوف والسهام. والنساءُ والصبيان يقذفونهم من فوقهم بالحجارة، وبكل ما تصل إليه أيديهم. لولا موقف أولئك المُلِحِّين. والمعنى: ولقد كنتم تحبون الموت في سبيل الله، وترغبون في الشهادة من قبل أَن تَلْقَوْهُ، وأنتم بالمدَينْة. ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: أي فقد تحققت أُمنيتكم، إذ استجاب الرسول ﷺ لرغبتكم، وأذن لكم بلقاء عدوكم، فرأيتم الموت الذي تمنيتموه حين سقط شهداؤُكم. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: فما بالكم لم تثبتوا في قتال عدوكم، ولو صبرتم لما هزمتم! ١٤٤ - ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ. . .﴾ الآية. لَمّا التقى الجمعان في أُحد، ظهر المسلمون على المشركين في أول اللقاءَ، وجعلوا يتعقبونهم ويجمعون الغنائم في إثرهم، ولكن الرماة الذين أمرهم الرسولُ بحماية ظهور المسلمين -أثناء قتالهم- رأوا المسلمين منتصرين على المشركين: يتعقبونهم ويجمعون غنائمهم. فتركوا أماكنَهم ليشاركوا إِخوانهم في جمع الغنائم، مخالفين أمْرَ الرسولِ فيما فعلوا. فانتبه المشركون لما فعل الرماة، فاحتَلُّوا مكانَهم فوق الجبل. وجعلوا ينضحون المسلمين بالنبل .. واستطاعوا بذلك أن ينالوا من المسلمين، حتى رمى ابنُ قميئة الرسولَ ﵇، بحجر فَشَجَّ رَأسَه، وكَسَر رُبَاعِيَّتَهُ. ثم أَقبل يريد قتلَه، فدافع عن النبي مصعبُ

стр. 690

ابن عمير، فقتله ابن قميئة -وهو يرى أنه قتل رسول الله- فصاح قائلا. قتلت محمدًا، وصرخ بها صارخ، فسمعها المسلمون، فسرى الوهن في نفوس كثير منهم. حتى قال بعض المستضعفين: ليت عبد الله بن أُبي يأخذ لنا أمانًا من أبي سفيان. وقال ناس من المنافقين: لو كان نبياً -حقاً- لما قُتل … ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم. والتقى أنس بن النضر، بالمنهزمين من المسلمين، فقال لهم: يا قوم إن كان محمد قتل فإن رب محمد حَيٌّ لا يموت، فقاتلوا على ما قاتل عليه. وموتوا كرامًا على ما مات عليه. وشاءَ الله أن يحفظ رسوله لأُمته، وأن يظهر كذب ابن قميئة. فنادى رسول الله ﷺ : إلى عباد الله. وكان حوله - حينئذ - أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة ابن عبيد الله، وجماعة من المسلمين، فأقبل المنهزمون. بعد ما سمعوا صوته ﵇، فأَنزل الله عتابًا للمنهزمين: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ. . .﴾ إلى نهاية الآية: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: والمعنى: وما محمد إلا رسول كسائر من مضى قبله من الرسل: مهمته التبليغ وإلزام الحجة. وسيمضي إلى ربه كسائر من مضى من الأَنبياءِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (١)، ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٢). ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾: أي توليتم مدبرين من القتال، منهزمين أمام الكفار. أو ارتددتم عن دينكم، كما وقع من بعض المنافقين.

стр. 691

وعلى كل: فالمراد، أنه لا ينبغي أن تجعلوا وفاة الرسول -بموت أو قتل- سببًا في تولِّيكم منهزمين عن قتال الكفار وجهادهم؛ استبعادا لقتله. فقد مضى من قبله أمثاله من الرسل. وما كان موتهم أَو قتلهم سببًا في ارتداد أتباعهم عن دينهم، ولا في تخلِّيهم عن جهاد أعدائهم. ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾: هذا وعيد من الله لكل من تهتز عقيدته، أو يفر من المعركة أمام أَعداء الإِسلام. والمعنى: ومن يُدْبر عن دينه لأَي سبب، أو ينهزمْ أَمام الكافرين ولا يستبسل في الدفاع عن دينه ووطنه. ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ﴾ بما فعل من تولِّيه مدبرًا. ﴿شَيْئًا﴾ أي أَقل ضرر. وإِنما يضر نفسه: بتعريضها لسخط الله، وازدراءِ الناس له، كما يضر قومه؛ فإِن الله لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين. ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾: أي وسيجزي الله من شكروه بصبرهم على دينهم ولقاء عدوهم، جزاءً يليق بكرمه .. ومِن ذلك النصر على الأعداءِ وحسن ثواب الآخرة. والتعبير بقوله: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ يفيد أن جزاءَهم متوقع قريبًا، فإن السين للتقريب، وقد حقق الله وعده، ونصرهم فيما استقبلوه من غزوات. وما عند الله - في الآخرة - أعظم وأكرم.

стр. 692

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾. المفردات: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أمره وقضائه. ﴿مُؤَجَّلًا﴾: مؤَقتاً بوقت معلوم. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾: وكثير من الأَنبياءِ. ﴿رِبِّيُّونَ﴾: منسوبون إِلى الربِّ بالتقوى والصلاح. مفرده رِبِّيٌّ. ﴿وَهَنُوا﴾: الوهن؛ شدة الضعف في القلب. ﴿اسْتَكَانُوا﴾: ذَلوا وخضعوا لما يريد بهم عدوهم. ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾: أي تجاوزنا الحدَّ في ارتكاب الكبائر.

стр. 693

التفسير ١٤٥ - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا. . .﴾ الآية. بعد أن بينت الآية السابقة، ما كان من المسلمين، حين شاع قتل رسول الله ﷺ وسلم في غزوة أُحد، من خوف وهلع، حتى تولى فريق منهم عن القتال مدبراً، حذراً من الموت، وحرصًا على الحياة - جاءت هذه الآية تنبيهاً على خطئهم فيما فعلوا: حيث أوضحت أن موت أيِّ إنسان لا يكون إلا بأمر الله، وفي الوقت الذي تعلقت مشيئته - تعالى- بوقوعه فيه، والذى حدده نهايةً لأَجله، وإِن اقتحم المعارك والأَهوال، وخاض المخاوف، وأَقبل على الجهاد راغبًا فيه، طالبًا لدرجات الشهداء عند الله. فالآجال موقوتة. كتب الله ذلك. ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾: أي مؤقتا بأجل وغاية: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (١). وفي هذه الآية من التحريض على الجهاد والترغيب فيه، ما لا يخفى. كما أن فيها تنبيهًا إِلى أن الخوف والجبن والاستكانة، لا تُنجى من الموت ولا تطيل الأجل. كما يستفاد من الآية: أن موت الرسول ﷺ كغيره، لا يكون إِلا بانتهاء أجله، فلا يموت قبل استيفائه. ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾: أي ومن يقصد بعمله وجهاده الحصول على حُظوظ الدنيا ومتاعها، يعطه الله النصيب الذي قَدَّره له منها. ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾: أي ومن يقصد بعمل الصالحات والجهاد في سبيل الله، الفوز بنعيم الآخرة، ويخلص النية لله في طلب ذلك، يؤْته الله ما شاء من نعيمها.

стр. 694

﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾: المراد بهم الذين ثبتوا على الإِسلام، وصبروا على المكاره، وبذلوا أقصى الجَهد في طاعة الله، والجهاد في سبيله: لا يصرفهم عن ذلك صارف. أَي سيجزيهم الله - في الآخرة - الجزاءَ الأَوفى، الذي لا يعلم مقداره إلا الله تعالى. ولهم في الدنيا ما قسم لهم من خيرها ومتاعها، دون حرمان. والآية: يجوز أن تكون خاصة بأَهل أُحد، وأن تكون عامة لهم ولغيرهم. وهو أَرجح. فإنها من القواعد العامة في الدين. ١٤٦ - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ. . .﴾ الآية. أي وكثير من الأنبياء السابقين، قاتل معهم جماعات كثيرة، منسوبون إلى الرَّب بالتقوى، ممن آمنوا بهم، واتبعوا هديهم. ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أَي فما فترت عزائمهم، ولا ضعفت قلوبهم، ولا اضطربت نفوسهم بسبب ما أُصييوا به -أثناءَ القتال- من جراحات، وقتل، وآلام، وما كانوا يعانون من متاعب ومشاق. ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾: عن لقاءِ الأعداءِ وجهادهم، وما شكَّوا في صدق رسلهم. ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾: أي وما ذلوا للعدو، ولا استسلموا لإِرادته: يفعل بهم ما يشاءُ، ويقضي في شأنهم بما يريد. وفي هذه الآية أيضًا: لَوْمٌ لمن خارت عزائمهم من المسلمين يوم أُحد، عند تَغلُّب الكفار عليهم، والإِرجاف بقتل الرسول ﷺ ، وتقريعٌ لمن استكانوا حين أرادوا الاستعانة بابن أُبي -رأس المنافقين- في طلب الأمان من أَبي سفيان. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾: أي والله يرضى عن الصابرين، في البأساءِ والضراءِ، وحين البأس.

стр. 695

والمراد بالصَّابرين: إمَّا أُولئك المعهودون: الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ في أُحد .. وإما كل الذين يصدق عليهم هذا الوصف. وهو الأَرجح. ويدخل من ثبت في أُحُدٍ بالأولَى. ١٤٧ - ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: بعد أن بينت الآية السابقة، حسن أفعال الرِّبَّييَّن، جاءَت هذه الآية مبينة لحسن أقوالهم. والمعنى: ما كان لهم قول -في حال الشدة وملاقاة الأعداءِ- إلا دعاؤُهم: أن يغفر الله لهم ذنوبَهُم وَتَجَاوُزَهم الحدَّ في أمرهم، بارتكاب ما عسى أن يكون لهم من كبائر، وأن يثبتَهم في مواطن الشدة بتأْييد من عنده. ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أي واجعل الغلبة لنا على الذين يريدون أَن يطفئوا نور الله، وطمس معالم الهدى والرشاد. والنصر هو الغاية القصوى. وقد قدَّموا في دعائهم طلب المغفرة لتصفوَ نفوسُهم، ويخلصوا من شوائب الذنوب، فيكونَ ذلك أقربَ إلى استجابة دعائهم، بتثبيت الأقدام والنصر، فإِن الله - سبحانه - إِنما يتقبل الدعاء من المتقين الطاهرين من الذنوب. واستغفارُهم من الصغائر والكبائر، وإضافتها إلى أنفسهم - مع أنهم رِبِّيُّون اتقياء - هضمٌ لأَنفسهم، واتهامٌ لها، وشعورٌ بالتقصير في جانب الله تعالى. وكذلك يكون حال المسلم مع الله تعالى.

стр. 696

١٤٨ - ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. . .﴾ الآية. أي أعطاهم الله أجر الدنيا. وهو النصر والغنيمة، وطيب الذكر في الدنيا، ومنحهم ثواب الآخرة الحسن. وهو الجنة والرضوان، والنعيم المقيم. وقد أخبرت الآية بوقوع الثواب من الله في الآخرة، مع أنه لم يقع بعد، لأَنه في حكم الواقع. فإِنَّ وَعْدَ الله لا يتخلف. ووصف ثواب الآخرة بالحُسنِ دون ثواب الدنيا؛ لأَن نِعَمَ الدنيا - وإِن عظمت - فهى مشوبة بالكدر. وهي إلى زوال وإن طال الأَجل. أما نِعَمُ الآخرة، فإنها خالصة من جميع الأكدار، دائمة باقية. وكلها حسنة. فلذا وصفها بالحسن دون نعم الدنيا. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: أي يرضى عنهم، ويريد الخير بهم. ويجوز أن يراد بالمحسنين: هؤلاء الربانيون الذين أحسنوا في أفعالهم حين ثبتوا مع أَنبيائهم، فلم يضعفوا، وأحسنوا في أقوالهم. ويجوز أن يراد كل من أحسن في أي زمان، وفي أي مكان في القتال وغيره، في حياة الرسل وبعد وفاتهم. وهذا أَنسب؛ لما فيه من ترغيب المؤمنين في تحصيل ما حكى عن الربانيين، من الصفات الحميدة، والأفعال المجيدة، ويدخل هؤلاء الربانيون بالأَوْلى.

стр. 697

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. المفردات: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾: أي يردوكم إلى ما كنتم عليه في الجاهلية. ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾: المأْوى، المكان الذي يرجعون إِليه ﴿مَثْوَى﴾: مثوى الإِنسان؛ مكان إقامته الدائمة. ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾: أصل معناه؛ تبطلون حِسَّهم. والمراد: تستأْصلونهم قتلا. ﴿فَشِلْتُمْ﴾: جَبُنتم وضعُف رأيكم، وأصابكم الخَورُ فَهُزِمتم. ﴿وَتَنَازَعْتُمْ﴾: افترقت كلمتكم، واختلفتم. ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾: ليختبركم.

стр. 698

التفسير ١٤٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾: دَعَا المنافقون -في أعقاب هزيمة أُحد- إلى طلب الأَمان من أبي سفيان: رأس المشركين يومئذ، كما قالوا للمؤمنين المنهزمين: ارجعوا إلى إخوانكم، واطلبوا الأَمان منهم، وادخلوا في دينهم. فنزلت هذه الآية تحذيرًا للمؤمنين من طاعة المنافقين، الذين كفروا بنفاقهم. وقيل: نزلت بسبب قول أهل الكتاب للمؤمنين: لو كان محمد نبياً حقًّا، لما غُلِبَ، ولما أصاب أصحابَهُ ما أصابهم .. وخصوص السبب، لا يمنع إرادة العموم من اللفظ. والمعنى: يأَيها المؤمنون: إن تطيعوا الكافرين -في فضائحهم الزائفة وتشكيكاتهم الواهية- يرجعوكم إلى ما كنتم عليه في الجاهلية، من الكفر والمعاصي، فترجعوا خاسرين في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا، فبالذلة والهوان بالأنقياد إلى الأعداء. وكفى به مهانة. وأما في الآخرة، فبالحِرْمان من الثواب العظيم والوقوع في العذاب المقيم .. وكفى بذلك خسرانا. ١٥٠ - ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾: بل الله ناصركم إن امتثلتم أمره واجتنبتم نهيه، وأعددتم لعدوه ما استطعتم من قوة، وكنتم كالبنيان: يشد بعضه بعضاً. فلا تتولوا سواه ولا تلوذوا بغيره. ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾: يمنحكم القوة، ويهيء لكم أسباب النصر.

стр. 699

١٥١ - ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ. . .﴾ الآية. قال كثير من المفسرين: إن المراد بالذين كفروا - هنا - هم مشركو مكة. وذلك لأنهم رأَوا - وهم في الطريق إلى مكة عائدين من أُحد - أنهم أخطأوا إذ لم يقضوا على المسلمين، فأرادوا الرجوع للقضاء على من بقى منهم. حتى يتم لهم النصر. فنزلت هذه الآية، تطمينًا للمسلمين. ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾: علة لإلقاءِ الرعب في قلوبهم. والمعنى: سَيُلْقِي اللهُ الرُّعبَ في قلوبهم بسبب إشراكهم - بعبادته - آلهةً ليس على صحة أُلوهيتها حجة، حتى ينزلها الله. ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾: أي جزاؤُهم النار. ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾: وساءَ هذا المثوى والمستقر للكافرين .. ووصفهم بالظالمين، لأن الشرك أَعظم الظلم للنفس وأفظعه. ١٥٢ - ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ. . .﴾ الآية. المراد بوعد الله: ما تكرر في القرآن؛ من نصر المؤمنين إذا صبروا وصدقوا في القتال. كقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (١). والمعنى: ولقد حقق الله لكم وعده بالنصر على الكافرين، إذ تستأصلونهم بالقتل بأَمر الله وقضائه. كما حدث في أَول غزوة أُحد، حيث مكنهم من قتل جماعة من صناديد قريش، وظل النصر حليفهم إلى وقت اختلاف الرماة مع رئيسهم -ابن جبير- وذلك حين رأَوا اشتغال الجيش بجمع الغنائم عند أول بوادر النصر … فهو يرى ألَّا يبرحوا أماكنهم كيفما كانت المعركة؛ امتثالا لأَمر الرسول ﷺ . وهم يرون الانصراف إلى جمع

стр. 700

الغنائم، ظنا منهم أن العدو انهزم: مخالفين أمر الرسول بالبقاءِ في أماكنهم مهما حل بالعدو … ونفذوا رأيهم، وتركوا مراكزهم، وأخذوا في جمع الأسلاب، ولم يبق مع ابن جبير إلا عدد قليل دون العشرة، ففطن المشركون لهذه الثغرة، فقتلوا الرُّمَاةَ، وهاجموا المسلمين منها. وذلك يقصه الله تعالى بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾: أي والذي رأوه هو الغلبة على المشركين. وذلك حين صُرع طلحة بن عثمان - صاحب لواءِ المشركين، وصُرع معه تسعة نفر، كانوا حول اللواءِ. ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾: وهم الذين أرادوا الغنيمة. قال عبد الله بن مسعود: ما شَعَرنا أن أحدًا من أَصحاب النبي- ﷺ يريد الدنيا وعرضها، حتى كان يوم أُحد!! ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: وهم عبد الله بن جبير وأصحابه: الذين ثبتوا معه بعد ترك أصحابهم لهم حتى استشهدوا. ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾: ثم كفكم عن المشركين، بمنع معونته عنكم، بعد الفشل والتنازع والعصيان. وألقى عليكم الهزيمة؛ ليمتحنكم بالمصائب، فيظهر ما علمه منكم من الاضطراب والفرار، حتى تحذروهما - وأَسبابهما - فيما تستقبلون من قتال الكفار. ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾: تفضلا لصدور ندمكم على ما وقع منكم. ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: بالعفو عنهم، وقبول توبتهم. أَو في جميع الأحوال؛ لأَن الابتلاءَ رحمة؛ لما فيه من تمييز الصادقين من المارقين، وإثابة الصابرين على ما صبروا، كما أن النصر رحمةٌ ظاهرةٌ، ونعمةٌ واضحةٌ.

стр. 701

﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾. المفردات: ﴿تُصْعِدُونَ﴾: تشتدون في العَدْوِ منهزمين. ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾: ولا تلتفتون إليه لجدكم في الهرب؛ فرارا من الطلب. ﴿أُخْرَاكُمْ﴾: مؤخرة جيشكم. ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾: جزاكم الله غمًّا بالهزيمة بسبب غمكم للرسول بالمخالفة، أو غمًّا متصلا بغم. ﴿أَمَنَةً﴾: أمناً وسلاماً. ﴿يَغْشَى﴾: يغطى.

стр. 702

﴿أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: شغلهم الاهتمام بها. ﴿لَبَرَزَ﴾: لخرج ولظهر. ﴿مَضَاجِعِهِمْ﴾: المراد بها؛ مصارعهم في أَرض الموقعة. ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾: ليختبر وهو العليم. ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾: وليطهرها من الشبهات وينقيها. التفسير ١٥٣ - ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ. . .﴾ الآية. هذه الآية مرتبطة بما قبلها. وهما في شأن غزوة أُحد. والمعنى: ثم صرفكم الله عن جهاد المشركين، حين تصعدون في الأرض وتبعدون فيها هربًا. لا تلوون على أَحد ولا تلتفتون إليه لتعينوه، أَو تنجدوه؛ لانشغالكم بالهرب والنجاة بأَنفسكم. وهو تصوير لما كان عليه حال المسلمين عند انهزامهم في أُحد. ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾: أي في مؤَخرة جيشكم أثناء هربكم وفشلكم؛ للعودة إلى القتال. ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾: فجزاكم غمًّا وحزناً بفوات النصر والظفر بالغنيمة، وقتل من قتل منكم بسبب غمكم للرسول ﷺ ، بمخالفة أمره. أو جزاكم على مخالفتكم غمًّا متصلاً بغمًّ. قال القفال: وعندنا: أن الله تعالى، ما أَراد بقوله: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ اثنين، وإِنما أراد مواصلة الغموم وطولها. أي أن الله عاقبكم بغموم كثيرة. مثل: قتل إخوانكم وأقارِبكم،

стр. 703

ونزول المشركين من فوق الجبل عليكم، بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم. فكأنه تعالى قال: أَثابكم هذه الغموم المتعاقبة؛ ليصير ذلك زاجرًا لكم عن الإقدام على المعصية، والاشتغال بما يخالف أمر الله تعالى. ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾: هذا متعلق بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾: أي ولقد عفا الله عنكم، بعد ندمكم وصادق توبتكم. لينتهي غَمُّكُم وحزنكم على ما فاتكم وما أَصابكم. أَو هو متعلق بقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾. قال الحسن: جعلكم مغمومين يوم أُحد، في مقابلة ما جعلتم المشركين مغمومين يوم بدر؛ لأَجل أن يسهل عليكم أمر الدنيا في أَعينكم، فلا تحزنوا بفواتها. والأول أَولى. والمراد بما فاتهم: النصر والغنيمة، وبما أصابهم: القتل والهزيمة. ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: عليم بجلائل أعمالكم ودقائقها، لا يخفى عليه من ذلك شيء. وهو يثيبكم أو يعاقبكم على ما يكون منكم. فخافوا بأسه. وارجوا ثوابه. ١٥٤ - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا. . .﴾ الآية. المعنى: أن الله ، أكرم المؤمنين بالنعاس. بعد ما نزلت بهم الغموم لتطمئنَّ قلوبهم، ويهدأَ روعهم فإِنما ينعس من يأْمن. والخائف لا ينام. وقد أنزل الله عليهم النعاس بعد المعركة وهم صافون، استعدادا لما يتوقعون من كَرَّةِ العدو عليهم، بعد أَن كان متجها إلى مكة.

стр. 704

روى الإِمام البخاري، عن أبي طلحة، قال: "غَشِيَنَا النعاسُ، ونحن في مصافّنا يوم أُحد. فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه". وكان هذا من رحمة الله بهم بعد ما أصابهم. ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾: وهم المؤمنون والصادقون. ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: وهم المنافقون الذين خرجوا مع الرسول، غير راغبين في الخروج. فقد كان هَمُّ هؤُلاءِ أنفُسهُم. فلم يغشَهم النعاس. أما المؤمنون، فقد كان همهم الرسولَ وسلامتَه، حتى يأخذَ الإِسلام سبيله إلى قلوب العالمين، بقيادته وتوجيهه. ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّة﴾: أي يظنون أن الله لا ينصر محمداً، وأَن دينه باطل، وأن الله لن يكون مع المؤمنين. وهذا الظن لا يصدر عن قلب مؤمن. فلهذا وصفه الله بأنه: ظن الجاهلية. أي ظن أهل الجاهلية، الذين يجهلون أن الله ينصرُ رسلهُ، ويؤَيدُهم على أعدائهم. ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾: كان من رأي عبد الله بن أُبَيّ وسائر المنافقين: ألاَّ يخرجوا للقتال، بل يبقوا بالمدينة حتى يهاجَمُوا فيها من المشركين. ولكن أكثر أصحاب الرسول -ممن لم يشهدوا بدرا- أصروا على الخروج، كما سبق بيانه. فنزل النبي ﷺ على رأيهم. وقال مقالته المعروفة: "ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أن يَضَعَ أداتَهُ بَعْدَ ما لَبِسَهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بينَه وبَيْنَ عَدُوِّه (١) ". فلما حدث ما حدث، قال المنافقون: لم يكن لنا شيء من الأَمر، أي لم يؤخذ برأينا، وإِنما خرجنا كَرهًا.

стр. 705

﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾: بيده مقاليد الأشياء، يقدر ويدبر كيف يشاء. وقد قضى بأن يخرج المسلمون في أَحد، وأَن ينهزموا لِحِكَمٍ يعلمها سبحانه، ويستفيدوا من درس الهزيمة، فلا يفعلوا ما يؤَدي إلى مثلها. ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾: يضمرون الشرك والشك في عون الله للمسلمين، ويظهرون لك الإيمان. ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾: أي يحدثون أنفسهم، أو يقول بعضهم لبعض: لو كان لنا من الرأي والتدبير شيءٌ ما خرجنا من بيوتنا، ولَمَا قُتل منا من قتل، ولا هُزِمنا. ولكنا غُلبنا على الأَمر، فأصابنا ما أصابنا. ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾: أي قل يا محمد؛ تنيهًا لهم إلى أن ما حدث من القتل كان تقديرًا من الله، - وما قدره الله لا بد أن يقع. حتى لو قعدوا ولم يغادر بيته منهم أحد، يوم أحد، لخرج الذين قدَّر الله عليهم أن يُقْتَلُوا إلى مصارعهم، التي قدر الله تعالى قتلهم فيها، وقتلوا هنالك ألبتة. فلا مفر من قدر الله. والتدبير لا ينفع مع التقدير. ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾: أي وليختبر الله ضمائركم وأسراركم -وهو بها أعلم- وليطهر قلوبكم من الشبهات- كتب عليكم القتال وما أَصابكم فيه. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: لا تخفى عليه من سرائركم خافية. فهو يجازيكم على ما تخفون. وهو غني بعلمه إياكم من اختباركم. وإنما يفعل ذلك؛ ليميز لكم الخبيث من الطيب، فيتبين لكم المؤمن من المنافق.
следующие страницы →