﴿أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: شغلهم الاهتمام بها.
﴿لَبَرَزَ﴾: لخرج ولظهر.
﴿مَضَاجِعِهِمْ﴾: المراد بها؛ مصارعهم في أَرض الموقعة.
﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾: ليختبر وهو العليم.
﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾: وليطهرها من الشبهات وينقيها.
التفسير
١٥٣ - ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ. . .﴾ الآية.
هذه الآية مرتبطة بما قبلها. وهما في شأن غزوة أُحد.
والمعنى: ثم صرفكم الله عن جهاد المشركين، حين تصعدون في الأرض وتبعدون فيها هربًا. لا تلوون على أَحد ولا تلتفتون إليه لتعينوه، أَو تنجدوه؛ لانشغالكم بالهرب والنجاة بأَنفسكم.
وهو تصوير لما كان عليه حال المسلمين عند انهزامهم في أُحد.
﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾:
أي في مؤَخرة جيشكم أثناء هربكم وفشلكم؛ للعودة إلى القتال.
﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾:
فجزاكم غمًّا وحزناً بفوات النصر والظفر بالغنيمة، وقتل من قتل منكم بسبب غمكم للرسول ﷺ ، بمخالفة أمره. أو جزاكم على مخالفتكم غمًّا متصلاً بغمًّ.
قال القفال: وعندنا: أن الله تعالى، ما أَراد بقوله: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ اثنين، وإِنما أراد مواصلة الغموم وطولها. أي أن الله عاقبكم بغموم كثيرة. مثل: قتل إخوانكم وأقارِبكم،
стр. 703
ونزول المشركين من فوق الجبل عليكم، بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم.
فكأنه تعالى قال: أَثابكم هذه الغموم المتعاقبة؛ ليصير ذلك زاجرًا لكم عن الإقدام على المعصية، والاشتغال بما يخالف أمر الله تعالى.
﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾: هذا متعلق بقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾: أي ولقد عفا الله عنكم، بعد ندمكم وصادق توبتكم. لينتهي غَمُّكُم وحزنكم على ما فاتكم وما أَصابكم. أَو هو متعلق بقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾.
قال الحسن: جعلكم مغمومين يوم أُحد، في مقابلة ما جعلتم المشركين مغمومين يوم بدر؛ لأَجل أن يسهل عليكم أمر الدنيا في أَعينكم، فلا تحزنوا بفواتها.
والأول أَولى.
والمراد بما فاتهم: النصر والغنيمة، وبما أصابهم: القتل والهزيمة.
﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: عليم بجلائل أعمالكم ودقائقها، لا يخفى عليه من ذلك شيء. وهو يثيبكم أو يعاقبكم على ما يكون منكم. فخافوا بأسه. وارجوا ثوابه.
١٥٤ - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا. . .﴾ الآية.
المعنى: أن الله ، أكرم المؤمنين بالنعاس. بعد ما نزلت بهم الغموم لتطمئنَّ قلوبهم، ويهدأَ روعهم فإِنما ينعس من يأْمن. والخائف لا ينام.
وقد أنزل الله عليهم النعاس بعد المعركة وهم صافون، استعدادا لما يتوقعون من كَرَّةِ العدو عليهم، بعد أَن كان متجها إلى مكة.
стр. 704
روى الإِمام البخاري، عن أبي طلحة، قال: "غَشِيَنَا النعاسُ، ونحن في مصافّنا يوم أُحد. فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه".
وكان هذا من رحمة الله بهم بعد ما أصابهم.
﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾: وهم المؤمنون والصادقون.
﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: وهم المنافقون الذين خرجوا مع الرسول، غير راغبين في الخروج. فقد كان هَمُّ هؤُلاءِ أنفُسهُم. فلم يغشَهم النعاس.
أما المؤمنون، فقد كان همهم الرسولَ وسلامتَه، حتى يأخذَ الإِسلام سبيله إلى قلوب العالمين، بقيادته وتوجيهه.
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّة﴾: أي يظنون أن الله لا ينصر محمداً، وأَن دينه باطل، وأن الله لن يكون مع المؤمنين.
وهذا الظن لا يصدر عن قلب مؤمن. فلهذا وصفه الله بأنه: ظن الجاهلية. أي ظن أهل الجاهلية، الذين يجهلون أن الله ينصرُ رسلهُ، ويؤَيدُهم على أعدائهم.
﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾: كان من رأي عبد الله بن أُبَيّ وسائر المنافقين: ألاَّ يخرجوا للقتال، بل يبقوا بالمدينة حتى يهاجَمُوا فيها من المشركين.
ولكن أكثر أصحاب الرسول -ممن لم يشهدوا بدرا- أصروا على الخروج، كما سبق بيانه. فنزل النبي ﷺ على رأيهم. وقال مقالته المعروفة:
"ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أن يَضَعَ أداتَهُ بَعْدَ ما لَبِسَهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بينَه وبَيْنَ عَدُوِّه (١) ".
فلما حدث ما حدث، قال المنافقون: لم يكن لنا شيء من الأَمر، أي لم يؤخذ برأينا، وإِنما خرجنا كَرهًا.
стр. 705
﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾: بيده مقاليد الأشياء، يقدر ويدبر كيف يشاء. وقد قضى بأن يخرج المسلمون في أَحد، وأَن ينهزموا لِحِكَمٍ يعلمها سبحانه، ويستفيدوا من درس الهزيمة، فلا يفعلوا ما يؤَدي إلى مثلها.
﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾: يضمرون الشرك والشك في عون الله للمسلمين، ويظهرون لك الإيمان.
﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾: أي يحدثون أنفسهم، أو يقول بعضهم لبعض: لو كان لنا من الرأي والتدبير شيءٌ ما خرجنا من بيوتنا، ولَمَا قُتل منا من قتل، ولا هُزِمنا. ولكنا غُلبنا على الأَمر، فأصابنا ما أصابنا.
﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾:
أي قل يا محمد؛ تنيهًا لهم إلى أن ما حدث من القتل كان تقديرًا من الله، - وما قدره الله لا بد أن يقع. حتى لو قعدوا ولم يغادر بيته منهم أحد، يوم أحد، لخرج الذين قدَّر الله عليهم أن يُقْتَلُوا إلى مصارعهم، التي قدر الله تعالى قتلهم فيها، وقتلوا هنالك ألبتة. فلا مفر من قدر الله. والتدبير لا ينفع مع التقدير.
﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾: أي وليختبر الله ضمائركم وأسراركم -وهو بها أعلم- وليطهر قلوبكم من الشبهات- كتب عليكم القتال وما أَصابكم فيه.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: لا تخفى عليه من سرائركم خافية. فهو يجازيكم على ما تخفون. وهو غني بعلمه إياكم من اختباركم. وإنما يفعل ذلك؛ ليميز لكم الخبيث من الطيب، فيتبين لكم المؤمن من المنافق.
стр. 706
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾
المفردات:
﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾: أوقعهم في الزلل بما زَيَّنَه لهم.
﴿ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾: أوغلوا فيها.
﴿غُزًّى﴾: جمع غازٍ. وهو المقاتل.
التفسير
١٥٥ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا … ﴾ الآية.
الجمعان هما: جمع المسلمين وجمع المشركين. ويوم التقائهما. وهو يوم أحد. والذين توَلَّوا منهم: هم المسلمين الذين رجعوا إلى المدينة. بعد أن تركوا الرماة أماكنهم. أو هم الرماة الذين خالفوا أمر الرسول ﷺ : وهو ألا يبرحوا أماكنهم بأي حال.
стр. 707
والمعنى: إن الذين تركوا رسول الله ﷺ . ورجعوا متأثرين بدعابة المنافقين منكم يوم التقى الجمعان بأحد. إنما أوقعهم الشيطان في الزلل ببعض ما كسبوه من الذنوب والمعاصي. كمخالفة أمر رسول الله ﷺ بالثبات حتى النصر، وألا تغريهم الغنائم التي لاحت لهم.
والتعبير ببعض ما كسبوا؛ للإيذان بأن الشيطان لم يستزلهم إلا من ناحية المخالفات أما الأعمال الصالحة من الإيمان. والخروج مع الرسول ﷺ وسائر الطيبات -فلا حيلة للشيطان فيها حتى يستزلهم عن طريقها. وهذا يشعر بأن جانب الخير فيهم وافرٌ متين.
﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾: فغفر لهم هذا الذنب.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: واسع المغفرة.
﴿حَلِيمٌ﴾: عظيم الحلم، فقلا يعجل بالعقوبة على من عصاه.
١٥٦ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا … ﴾ الآية.
هذا تحذير للمؤمنين الصادقين في عهده ﷺ أن يحذوا حذو الكفار في التثبيط عن الجهاد.
والمراد بالذين كفروا: المنافقون؛ لأن هذه الآيات متعلقة بشرح أحوالهم.
ومع أن الآية نزلت في هؤلاء الصادقين من أصحاب رسول الله لتحذيرهم، فهي قاعدة عامة لنهي المؤمنين -في كل عصر- عن أن يثبطوا عن الجهاد في سبيل الله.
﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾:
أي: في شأنهم، أو لأجلهم؛ لأن إخوانهم الذين قالوا هذا في حقهم، ماتوا أو قتلوا. ومعنى أخوتهم لهم: اتفاقهم معهم نسباً أو مودة.
﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾:
الضرب في الأرض: الإبعاد فيها للتجارة ونحوها. والغُزَّى جمع غاز وهو القتل. ولإفراد كونهم غزاة بالذكر -مع اندراجه تحت الضرب في الأرض- لأنه المقصود بيانه.
وذكر الضرب الأرض: توطئة له. وتقديمه؛ لكثرة وقوعه.
стр. 708
على أن الغزو قد يوجد بدون ضرب في الأرض وسفر فيها.
﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾:
أَي: لو لم يخرجوا وكانوا مقيمين عندنا، ما ماتوا وما قتلوا. وذلك جهل منهم بأن الله قدر الآجال، وأن الضرب في الأرض أو الغزو، لا يكون سبباً في الموت، أو القتل. وهم إنما قصدوا -بذلك- تعويق المؤمنين عن الجهاد.
قال الرازي: وذلك لأن في الطباع محبة الحياة، وكراهية الموت والقتل. فإن قيل للمرء: إذا تحرزت للسفر والجهاد، فأنت سليم طيب العيش، وإن تقحَّمت أحدهما (١)، وصلت إلى الموت أو القتل -فالغالب أن ينفر طبعه عن ذلك، ويرغب في ملازمة البيت، وكان ذلك من مكايد المنافقين في التنفير من الجهاد. أ. هـ.
﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾:
هذا تعليل لنهي المؤمنين عن مشابهة المنافقين في اعتقادهم ورأيهم.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا، لا تكونوا مثل الكافرين -المنافقين- في اعتقاد أن الحذر يمنع من القدر، وأن إخوانهم لو لم يخرجوا من المدينة. لما قتلوا. ولا تمتنعوا عن الجهاد -في أي مكان- تأثروا بما قالوا، ليجهل الله معاصاتكم لهم -فيما أرادوه منكم- سبباً لحسرة بالغة في قلوبهم.
وقيل: إنه متعلق بـ ﴿قالوا﴾ في قوله: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾، فتكون اللام للعاقبة. على حد قوله تعالى ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (٢).
والمعنى: أن الله يجعل ذلك القول حسرة في قلوبهم، حين يرون من قتل منهم، وأنهم فشلوا في صرفهم عن الجهاد.
أو أن هذه الحسرة تكون يوم القيامة، حين يرون ما أعد للمجاهدين من الثواب العظيم.
стр. 709
وما قلناه أولاً أولى.
﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾:
هذا رد حاسم لمقالتهم. فليس الإحياء والإماتة إلا في يد الله سبحانه. هو مقدِّرُهما .. فالموت يأتي القاعد في بيته متى حان أجله، كما يأتي المجاهد في حربه كذلك. وربما أصابت المنية القاعد، ولم تنزل بالغازي.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: فيجازيكم على أقوالكم وأفعالكم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
١٥٧ - ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾:
سيقت هذه الآية؛ لبيان أن الموت - في سبيل الله - وسيلة إلى نيل غفرانه ورحمته.
وأنه خير مما يحرص عليه هؤلاء المنافقون في الحياة، وجمع حطام الدنيا، ومتاعها الزائل. كما سيقت لتحذيرهم مما يريده المنافقون، من إعظام الفجيعة في قتلى المؤمنين في غزوة أحد.
والمعنى: ولئن قتلتم في الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، وفزتم بشرف الشهادة، أو متم بغير قتل - وأنتم في سبيل الله - فذلك لا يقتضي الجزع، لأن مغفرة الله ورحمته، لمن ينال شرف القتل أو الموت في سبيله - خير من البقاء في الدنيا وما يجمعون من منافعها.
١٥٨ - ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾:
المعنى: ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون للحساب والجزاء، لا إلى غيره.
ومن كان مرجعه إلى الله، فعليه أن يقدر لذلك قدره، بأن يكون فراره مما يسبب العقاب، لا من الجهاد الذي يقتضي عظيم الثواب.
وقدم القتل على الموت في الآية السابقة. لأنها كانت في المقاتلين. والغالب في شأنهم القتل.
أما هذه الآية؛ فهي لبيان أن مصير جميع العباد إليه تعالى. والغالب في حالهم الموت. فلذا قدمه على القتل.
والحشر: جمع الخلائق إلى الله بعد البعث، تمهيداً للحساب والجزاء.
стр. 710
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾.
المفردات:
﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾: رفقت بهم.
﴿فَظًّا﴾: الفظ؛ سيء الخلق.
﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾: قاسيه.
﴿يَخْذُلْكُمْ﴾: يمنع عنكم النصر.
التفسير
١٥٩ - ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ … ﴾ الآية.
بيان لعظم حلم النبي ﷺ ورحمة الله به وبهم، بعد ما كانت منهم من مخالفة أمر الرسول وفرارهم، كما سبق بيانه.
أي: فبسبب رحمةٍ واسعةٍ من الله - بك وبهم - وفَّقك الله لصفح عنهم: فلنت لهم ورفقت بهم، ولم تغلظ عليهم في الملام. مع أنهم فعلوا ما يقتضي أشد التعنيف. إذ ترك أكثر الرماة أماكنهم فوق الجبل، واشتغلوا بجمع الغنيمة. فمكنوا المشركين من صعوده مكانهم، وقلب ميزان المعركة لصالحهم. وترتيب عليه أن أكثر الجيش فر، وترك الرسول
стр. 711
في قلة من أصحابه، فناله من أذى المشركين ما ناله، حتى أرجفوا بقتله.!! فكان لين الرسول معهم - بعد ذلك - رحمة من رحمات الله به وبهم. إذ كان سبباً في بقاء الإسلام، وجمع قلوب المسلمين.
ولذا قال :
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾:
أي: ولو كنت جافي الطبع، قاسِيَ القلب، فعاملتهم بقسوة، وعنّفتهم على ما كان منهم، وأشحت عنهم غضباً عليهم - لنفرت قلوبهم منك، فتفرقوا عنك، ولم تستطع أداء رسالتك، وتبليغ دعوتك على وجهها الأكمل.
فَلِينُهُ ﷺ معهم - على خطئهم وعفوه عنهم - لم يكن عن ضعف، وإنما كان ناشئاً عن الرحمة التي فطره الله عليها.
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾:
قال صاحب الكشاف: اعف عنهم فيما يتعلق بحقك، واستغفر لهم فيما يتعلق بحق الله.
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾:
أي: في أمر الحرب وغيره، من كل أمر له خطر ولم ينزل في شأنه وحي؛ استظهاراً برأيهم، وتطييباً لنفوسهم، ورفعاً لأقدارهم، وتقريراً لسنة التشاور في الأمة الإسلامية.
وقد جاء في الكشاف: وعن الحسن ﵁: قد علم الله أنه ما به حاجة، ولكنه أراد أن يستن به من بعده.
وقيل: كانت العرب، إذا لم يشاوروا في الأمر، شق عليهم ذلك. فأمر رسول الله ﷺ بمشاورة أصحابه، لئلا يثقل عليهم استقلالُه بالرأي دونهم. وكان ﷺ ، يدرك - تمام الإدراك - ما للمشاورة من أثر في الوصول إلى الصواب.
стр. 712
وفي ذلك يقول ﷺ :"ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم (١) ".
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾:
أي: فإذا استقر رأيك، وسكنت نفسك - بعد المشاور - فأمْضِ الأمر ولا تتردد، وتوكل على الله في تنفيذ ما عزمت عليه فإنه هو المعين لك في أمور الدين والدنيا.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾: عليه في جميع أمورهم. وإنما يحبهم؛ لأنهم أخلصوا نفوسهم له، وطردوا عنها ما سواه، إذ لم يروا في غيره غناء.
وحب الله لهم، مجاز عن توفيقه وإرشاده لهم في الدنيا، وحسن المثوبة في الآخرة.
١٦٠ - ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ … ﴾ الآية.
أي: إن يمددكم الله بأسباب النصر، ووسائل الغلب، فلن يغلبكم غالب. فاتقوه وتوكلوا عليه وحده، وأعدوا للقتال عدته: من حشد الجنود، وإعداد السلاح، والتدبير المصحوب بالإيمان والصبر والثقة بالله .. فإن ذلك يوجب لكم النصر والغلب. وما النصر إلا من عند الله …
﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾:
أي: وإن يمنع نصره عنكم، فمن هذا الذي ينصركم من بعده خذلانه لكم.
والمراد أنه لا ناصر لكم سواه.
وفي هذا تنبيه إلى أن الأمر كله لله.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أمر المؤمنين بأن يخصوا الله - تعالى - بالتوكل عليه، والثقة به، في جميع أمورهم، مع الأخذ في الأسباب.
والمراد بالتوكل، غير التواكل الذي هو ترك الأخذ بالأسباب، مما يقع فيه كثير من المسلمين، بناء على خطئهم في فهم المراد من التوكل. وهذا التواكل محرم شرعاً ..
стр. 713
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾.
المرادفات:
﴿يَغُلّ﴾ يخون. فالغُلُولُ: الخيانة وأخذ الشيء خفية. وخص - في الشرع - بالسرقة من المغنم قبل القسمة. وفي قراءة "يُغَلّ" بضم الياء وفتح الغين، أي ينسب إلى الغلول.
﴿بَاءَ بِسَخَطٍ﴾: رجع بغضب شديد من الله.
التفسير
١٦١ - ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ … ﴾ الآية
أي ما صح وما استقام - عقلاً وشرعاً - لنبي من الأنبياء، أن يخون في المغانم وغيرها، أو يُنسَبَ إلى الخيانة.
وفي هذا تنزيه لمقامه ﷺ ، عن جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة، ومنها قسمة الغنائم، وتنبيه على عصمته ﵇. فإن النبوة تنافي ذلك.
والمراد: تنزيه ساحته ﷺ ، عما ظنة الرماة الذين تركوا أماكنهم يوم أحد، حرصاً على الغنيمة، وخوفاً من أن يقول رسول الله ﷺ : من أخذ شيئاً فهو له … فيحرموا - فقال الرسول ﷺ لهم معاتباً متعجباً: "طننتم أنَّا نَغُل"؟! فنزلت الآية (١).
стр. 714
وعن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، قال:"اتَّهَمَ المنافقون رسول الله ﷺ بشيء فُقِدَ، فأنزل الله الآية".
﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾:
أي ومن يخن يأت بما خان فيه يوم القيامة، يحمله أمام أهل المحشر؛ ليفتضح أمره.
وقد ورد أحاديث كثيرة في عاقبة الغلول، وأنه من الكبائر.
فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كان على ثَقَلِ (١) النبي ﷺ رجل يقال له كركرة فمات فقال النبي ﷺ : هو في النار؛ فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها (٢) ".
وقد امتنع رسول الله ﷺ من صلاة الجنازة على من غل (٣).
﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾.
أي: تعطى كل نفس مكلفة جزاء ما عملت - من خير أو شر - وافياً تاماً، قليلاً كان أو كثيراً.
والغال داخلاً في هذا العموم دخولاً أولياً.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾:
أي: وكل الناس لا يظلمون بنقص من ثواب ما عملوا من الخير، أو زيادة من العقاب على ما اقترفوا من الشر. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ (٤).
стр. 715
١٦٢ - ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ … ﴾ الآية.
المعنى: أغفلتم عن عدل الله، فحسبتم أن من اتبع رضوان الله وسعى في تحصيله: بفعل الطاعات وترك المنهيات، كمن رجع بغضب شديد من الله عليه؛ بسبب الكفر والمعاصي، ومنها الغلول؟
أي: لا يستوي من اتبع رضوان الله - بالتزام شريعته، فاستحق ثواب الله ونعيمه - ومن حاد عنه، فاستحق غضبه وشديد عقابه، فلا محيد له عنه.
﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾.
أي: مقره ومثواه جهنم: يلقى فيه عذاب الهون؛ جزاء تفريطه في أوامر الله تعالى ونواهيه.
(وبئس المصير).
أي: وبئس مآله ومرجعه السيئ: جهنم.
١٦٣ - ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ … ﴾ الآية.
أي: المتبعون رضوان الله والذين باءوا بسخطه، ذوو درجات ومنازل متفاوتة في الثواب والعقاب.
فأصحاب الثواب متفاوتون في الدرجات. والمستحقون لغضب الله وعذابه، متفاوتون كذلك. والدرجات تكون في النعيم، وتكون في العذاب. يدل لذلك قوله تعالى ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (١) بعد قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ (٢).
والمراد بقوله تعالى: (عند الله) أي: في علمه تعالى وحكمه.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾:
أي: بصير بالأعمال التي عملوها من خير أو شر. سيجازيهم عليها: كلاً بحسبه من ثواب أو عقاب.
стр. 716
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾.
المرادفات:
﴿مَنَّ﴾: المن؛ التفضل والإنعام بغير مقابل.
﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: من جنسهم.
﴿الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾: القرآن والسنة.
﴿أَنَّى هَذَا﴾: من أين هذا؟.
التفسير
١٦٤ - ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ … ﴾ الآية.
أي: أنعم الله تعالى وتفضل على المؤمنين، ببعثه الرسول فيهم من جنسهم: عربياً مثلهم: نشأ بينهم، وعرفوا أخلاقه وصفاته.
وإذا كان الرسول إليهم من جنسهم، كان ذلك أبلغ من الامتنان. حيث يسهل عليهم مخاطبته ومجالسته، ومعرفة أمور الدين منه.
وبعثته ﷺ فيهم - وهو منهم - شرف للعرب، وفخر عظيم لهم. وإن كانت رسالته عامة للعالمين أجمعين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١).
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾: وهو القرآن، وبعد أن كانوا أهل جاهلية. لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي.
стр. 717
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: أي ويطهرهم مما كانوا فيه من دنس الجاهلية؛ وخبيث المعتقدات.
حيث دعاهم إلى العقيدة الصحيحة، والأخلاق الكريمة، والأعمال الصالحة.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾:
أي: ويعلمهم القرآن وشرائعه، وحكمه وأحكامه، والسنة وما اشتملت عليه من بيان لمُبْهم الكتاب، وتفصيل لِمُجمَله.
﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾:
أي: وإنهم كانوا - من قبل بعثته - لفي ضلال، واضح الدلالة على الجهالة، ظاهر لكل من اطلع على عاداتهم وأخلاقهم وعقائدهم.
١٦٥ - ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا … ﴾ الآية.
كلام مستأنف، سيق لإبطال بعض ما نشأ من الظنون الفاسدة بعد معركة أحد، إثر إبطال بعض آخر منها.
والمعنى: أفعلتم ما فعلتم من أسباب الهزيمة ولمَّا أصابتكم مصيبة يوم أحد بقتل سبعين شهيداً منكم ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾: يوم بدر بقتل سبعين من كفار قريش وأسر سبعين منهم - لما حدث هذا - قلتم: من أين هذا الذي أصابنا وقد وعدنا الله النصر؟!.
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾: بسبب عصيانكم أمر رسول الله، حيث أمركم بالثبات في مكانكم فعصيتم.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾:
فهو ينصركم حين تستحقون النصر، ويكتب عليكم الغلبة حين تقصرون في التزام أسبابه.
وفي ختم الآية بما ذكر: ما يرشد إلى أن الأمر كله بيده وتحت قدرته، .
стр. 718
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾.
المرادفات:
﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: أي يوم أحد، حيث التقى جمع المؤمنين وجمع المشركين.
﴿وَلِيَعْلَمَ﴾: وليظهر ويميز.
﴿نَافَقُوا﴾: النفاق؛ إظهار الإيمان وإبطال الكفر.
﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾: أي فادفعوا عن أنفسكم.
التفسير
١٦٦ - ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ … ﴾ الآية.
أي: وما نزل بكم من استشهاد بعضكم، يوم التقى الجمعان: جمع المؤمنين بقيادة رسول الله، وجمع المشركين بقيادة أبو سفيان ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي فكائن بقضاء الله وقدره، حسبما جرت به سنته في خلقه، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١).
стр. 719
وفي ذلك تسلية لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، ومواساة لهم فيما أصابهم. فالمؤمن إذا عرف ذلك، يرضه ويُسلِّمُ بما قضاه الله وقدره.
﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
أي: وليظهر المؤمن الصادق من غيره، وليميز الله الخبيث من الطيب.
١٦٧ - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا … ﴾ الآية.
أي: وليظهر غير الصادقين في الإيمان.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾:
أي: وقيل للمنهزمين من عبد الله ابن أُبي - رأس المنافقين - تعالوا قاتلوا في سبيل الله لإعلاء دينه ونصرة نبيه، أو ادفعوا عن أنفسكم وأموالكم، إن لم تقاتلوا لوجه لله. وممن قال لهم ذلك. عبد الله بن عمرو بن حرام.
﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾:
هذا استئناف بياني، أي قالوا: لو كنا نعلم أنكم تلقون قتالاً لاتبعناكم وسرنا معكم. أو قالوا استهزاءً: لو نعلم فنون الحرب وأساليبها لاتبعناكم.
ثم كشف الله حقيقة أمرهم فقال:
﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾:
أي هم - يوم قولهم ذلك - أقرب للكفر منهم للإيمان، حيث تركوا الجهاد في سبيل الله، وقالوا ذلك كاذبين.
وإنما لم يصرح القرآن بحقيقة كفرهم، لنطقهم بالشهادتين. وهم - في الواقع - لا إيمان في قلوبهم.
стр. 720
﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾.
هذه جملة - تبين حال المنافقين الدائمة، لا في هذا اليوم فقط. أن أنهم يتكلمون بكلمة التوحيد وليس في قلوبهم منه شيء؛ لإضمارهم الكفر والعداوة والبغضاء لأهل الإسلام.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾:
أي: والله سبحانه عليم بما انطوت عليه صدورهم من الشر والفساد، وبأن ما قالوه بأفواههم، ليس كائناً في قلوبهم، بل مخالفاً له.
١٦٨ - ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا … ﴾ الآية.
أي: الذين قالوا في حق إخوانهم في الدين، أو ذوي قرابتهم الذين خرجوا مع المؤمنين وقاتلوا، وقد قعدوا هم عن مشاركتهم والجهاد معهم.
﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾: أي لو أطاعونا في ترك السير مع الرسول والمؤمنين، ما قُتلُوا كما أننا لم نقتل.
وفي ذلك ما يدل على أن المنافقين، حرَّضوا المؤمنين على التخاذل والقعود عن الجهاد.
﴿قُلْ فَادْرَءُوا﴾: أي قل لهم يا محمد: إن كان القعود ينجي من الموت كما تزعمون.
فادفعوا عن أنفسكم الموت الذي كتب عليكم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: فيما تزعمون من أن الموت لم يقع بكم، لأنكم قعدتكم وجبنتم. قال تعالى ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا. قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (١).
стр. 721
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾.
التفسير
١٦٩ - ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا … ﴾ الآية.
كلام مستأنف: سبق لبيان أن القتل الذي يحذرونه، ويحذِّرون الناس منه، ليس مما يحذر ويتقى. بل هو من أجلّ المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون.
والخطاب لرسول الله ﷺ ، أو لكل من يقف على الخطاب ويصلح له.
أي: لا تحسبن الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً كسائر من يموت.
﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾:
أي: بل هم أحياء حياة كريمة عند ربهم، في دار كرامته، حيث ينعمون النعيم اللائق بما قدموا من بذل أرواحهم في سبيله.
﴿يُرْزَقُونَ﴾: برزق الجنة على وجه يعلمه الله.
فالحياة والرزق للشهداء، قد جاء بها القرآن. فيجب الإيمان بها.
وقد وردت السنة الصحيحة مبينة ما عليه الشهداء في الجنة.
روى مسلم (١) في صحيحه بسنده، عن مسروق، أنه سأل عبد الله (يعني ابن مسعود) عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
стр. 722
فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل … " الحديث.
وروى الإمام أحمد في مسنده، عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهبٍ، في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم، وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب. فقال الله: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله في هؤلاء الآيات": ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ … ﴾. وكذلك رواه أبو داود، والحاكم في مستدركه.
١٧٠ - ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ … ﴾ الآية.
هذه تتمة أحوال الشهداء في الآخرة. فهم أحياء عند بهم يرزقون. وهو فرحون بما أعطاهم الله من ثوابه وكرامته، وإحسانه الدائم الذي لا يسلب عنهم.
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾:
أي: يُسرُّون بإخوانهم الذين يقاتلون بعدهم في سبيل الله، ولمَّا يظفروا بالشهادة، بأن لهم إحدى الحسنيين: النصر، أو الشهادة.
﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾:
أي: أنهم لا يخفون حين يقدمون عليهم شهداء مثلهم.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: على ما تركوه وراءهم من دنيا فانية.
وهذا يبعث في نفوس الأحياء الجد في الجهاد، والرغبة في نيل منازل الشهداء.
стр. 723
﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)﴾.
التفسير
١٧١ - ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ … ﴾ الآية.
أي: يتجدد استبشارهم وسرورهم بنعمة من الله وفضل عظيمين في الجنة: دار الثواب، حيث يجدون فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (١).
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
أي: ويستبشرون بأن الله عادل رحيم بعباده: يكافيء المؤمنين، ولا يضيع أجرهم على أعمالهم. بل يضاعف الحسنة بعشر أمثالها، إلى أضعاف مضاعفة.
والآية - وإن نزلت في شهداء غزوة أحد - حكمها عام في جميع شهداء المؤمنين؛ المجاهدين في سبيل الله.
стр. 724
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾.
المفردات:
﴿الْقَرْحُ﴾: الجرح.
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾: كافينا وحافظنا.
﴿الْوَكِيلُ﴾: المتصرف. أو الكافي. أو الكافل.
التفسير
١٧٢ - ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾:
هذا كلام مستأنف؛ سيق لبيان فضل أهل أُحد: الذين أصابتهم الجراح وأثخنتهم. ولكنهم استجابوا لدعوة الله ورسوله؛ ليرهبوا المشركين، حتى لا يحملهم ما حسبوه نصراً في المعركة، على الذهاب إلى المدينة. ليتموا نصرهم على المسلمين.
رُوِي أن أبا سفيان وأصحابه، لما انصرفوا من أُحد، فبلغوا الروحاء: ندموا وهموا بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوة. فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان. وقال: "لا يخرجنَّ معنا
стр. 725
إلا من حضر يومنا بالأمس" فخرج ﷺ ، مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال. وكان بأصحابه القرح، فتحاملوا على أنفسهم حتى يفوتهم الأجر، وألقى الله تعالى الرعب في قلوب المشركين. فذهبوا، فنزلت الآية (١).
والمعنى: الذين لبَّوا دعوة الله ورسوله: للخروج خلف المشركين، من بعد ما أصابهم الجرح في غزوة أُحد، ليمنعوهم من العودة إلى المدينة - هؤلاء الذي أحسنوا في خروجهم واتقوا مخافة نبيهم، وخافوا الأضرار المترتبة عليها - لهم أجر عظيم، وثواب جزيل من عند الله.
١٧٣ - ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾:
لما أُصيب المسلمون في أُحد، نادى أبو سفيان، قائد جيش المشركين: موعدنا بدر من العام المقبل. فقال ﷺ : "قولوا: نعم. إن شاء الله" فلما كان العالم المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة، حتى نزل مَرَّ الظهران، فألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان، فبدا له الرجوع. ولكنه خشي أن رجوعه يزيد المسلمين جُرأة، فبعث إليهم في المدينة من يُثَبِّطُهم.
وقيل: إن الذي حمل رسالته، هو نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد قدم معتمراً. فسأله ذلك، والتزم له عشراً من الإبل. فخرج نعيم. فوجد المسلمين يتجهزون للخروج فقال لهم: أتوكم في دياركم، فلم يفلت منكم أحد إلا شريد. أفترون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم؟ فقال ﷺ : "والذي نفسي بيده، لأخرجنَّ، ولو لم يخرج معي أحد" فخرج في سبعين راكباً، كلهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 726
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾: أي فزادهم هذا التخذيل إيماناً وثقة بالله. وقالوا في يقين صادق.
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: الله كافينا: يَرُدُّ عنا أعدائنا وينصرنا، ونعم الكفيل الله تعالى.
١٧٤ - ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ … ﴾ الآية.
اتجه المسلمون إلى لقاء المشركين في بدر، حسبما تواعدوا مع أبي سفيان عقب عزوة أُحد. فلم يجدوا أحداً من المشركين فيها. ووجدوا السوق قائمة. فاتجروا فيها بما معهم، فربحوا ربحاً وفيرا .. وقد أقاموا بها ثمانية أيام.
والمعنى: فعادوا من بدر الثانية، بنعمة من الله عظيمة: وهي العافية والثبات على الإيمان والزيادة فيه، وخوف العدو منهم. كما عادوا بفضل منه تعالى، وهو ما ربحوه في تجارتهم.
﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾:
أي حرصوا على فعل ما يرضي الله تعالى عنهم. من المبادرة إلى فعل الطاعات. ومنها: خروجهم لبدر، وترك المنهيات. ففازوا برضوان الله، وتأييده، ونصره.
﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾: يخص به من والاه.
وتنكير الفضل، ووصفه بالعظيم، دليل على سمو قدره، وعظيم منزلته.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: فيها إشارة إلى الإيمان القوي، يمحو الخوف من القلوب .. إلا خوف الله تعالى.
قال الإمام محمد عبده: من تدبر هذه الآية الكبيرة حق التدبر، علم أن المؤمن الصادق، لا يكون جباناً. فإن الشجاعة وصف ثابت للمؤمنين الصادقين. إذا شاركهم فيه غيرهم، فإنه لا يدرك فيه مداهم. لأن الكفار والمنافقين. أحرص الناس على حياة، والخوف من الله ليس جبناً؛ لأنه خوف ممزوج بالحب؛ ولأنه خوف موصول بالأمن: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١) ولأن المؤمنين ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢).
١٧٦ - ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا … ﴾ الآية.
كان للمنافقين مواقف شائنة في غزوة أحد: أحزنت النبي ﷺ فإن الرسول - لما وافق على رأي أغلبية المسلمين بالخروج للقاء المشركين خارج المدينة - غضب عبد الله بن أبي ابن سلول - رأس المنافقين - لأنه كان من رأيه البقاء بالمدينة. فأضمر الغدر. فلما كان جيش المسلمين بالشوط - هو بستان بين أُحد والمدينة - رجع عبد الله بن أُبيّ بثلاثمائة من أصحابه. وقال: عصاني محمد، واتبع الولدان - يقصد الشبان - ونسي هذا المنافق: أن عبء القتال يقع عليهم لا على الشيوخ. وأنهم كانوا هم الأغلبية. وقال أيضا: علام نقتل أنفسنا؟ وكان هذا المقال الباطل منه، تبريراً لذلك الموقف الشائن المخذل: الذي أضر بوحدة المسلمين، وهم مقبلون على لقاء العدو.
حينئذ تبعهم عبد الله بن عمرو: والد جابر بن عبد الله. وقال: يا قوم: أذكركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم. فقالوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ (٣) فقال لهم والد جابر: أبعدكم الله، فسيغني الله عنكم نبيه.
ولما فعل عبد الله بن أبي ذلك، همت طائفتان أن تفشلا. وهما: بنو حارثة من الخزرج، وبنو سلمة من الأوس. فعصمهما الله، وعدلتا عما اعتزمتا.
стр. 729
ولما دارت الدائرة على المسلمين في أُحد، بسبب موقف المنافقين أولاً، وبسبب ترك الرماة أماكنهم فوق الجبل لحماية ظهور المسلمين ثانياً، ورجعوا إلى المدينة تثقلهم الجراح - بعدما استشهد بعضهم - سخر بهم المنافقون، وأظهروا ما في قلوبهم من البغضاء، وقالوا في حق إخوانهم الذين قتلوا في المعركة: ﴿ … لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ (١) وكانوا - بهذا الموقف - جديرين بما وصفهم به الله: ﴿ … هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ (٢).
ولما ستعرض الرسول تلك المواقف الشائنة من المنافقين، حزن وتألم. فأنزل الله تلك الآية؛ لتسليته.
والمعنى: لا يحزنك المنافقون الذين يسارعون بما فعلوا في الكفر، فإنه لا يفعل ذلك إلا الكافرون الذين لم تطمئن قلوبهم بالإيمان. والشيء من معدنه لا يستغرب.
﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾:
أي لن يضر دينه شيئاً من الضرر. فإذا كان عملهم هذا أساء إلى الإسلام والمسلمين في غزوة أحد، فلن يؤدي إلى ضعف دين الله. فقد أتم الله نوره. وأظهر دينه على الدين كله "والله غالب على أمره" (٣).
ولقد استفاد المسلمون من هذه الغزوة، إذ عرفوا أعدائهم المنبثِّين فيما بينهم من المنافقين، فأخذوا حذرهم منهم.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾:
أي: يريد الله ألا يجعل لهم نصيباً في نعيم الآخرة، بسبب ما أبدوه من أسباب الفرقة والتخذيل والشماتة: فيما أصاب المسلمين، وما انطوت عليه نفوسهم من الكفر بدينه.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: وعقاب أليم، فوق عذاب الحرمان من نعيم الجنة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٤).
стр. 730
١٧٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
المعنى: إن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان - بعد ما قام برهانه - لن يضروا دين الله شيئاً من الضرر. فسيمضي إلى ما شاء الله من النمو والازدهار. وما يضروا بمكائدهم سوى أنفسهم، حيث يضرونها: في الدنيا بالتلوث بالكفر الذي قام البرهان على فساده، وفي الآخرة بالعقاب. وذلك هو قوله تعالى:
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: لا يعصمهم منه عاصم، ولا ينقذهم منه منقذ.
وقد أكدت هذه الآية، وما أفادته الآية السابقة، من أن السعي في الإضرار بالإسلام، لا يضر الإسلام. فإنه ماضٍ إلى ما كتبه الله من الذيوع والانتشار. وإنما يضر ذلك السعي صاحبه في الدنيا والآخرة. كما عممت الحكم في جميع الكفار: سواء أكانوا منافقين أو صرحاء بالكفر.
١٧٨ - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ … ﴾ الآية.
المعنى: ولا يعتقدن الذين كفروا: أن إمهالنا لهم، وعدم تعجيلنا بعقوبتهم علي كيدهم للإسلام - خير لأنفسهم، فإن فازوا في غزوة من الغزوات، أو في مكر سيء فعلوه بالإسلام، ولم يعجل الله بعقوبتهم، فلا يفرحوا بذلك. فهذا إملاء من الله لهم وإمهال، حتى تأتيهم عقوبة الله في أوانها، بعد أن تزداد مآثمهم، مصداقاً لقوله تعالى:
﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾:
أي: ما نمليهم ونؤخر عقوبتهم، إلا لتكون عاقبتهم أن يزدادوا إثماً على إثمهم: بكثرة المعاصي فيستحقوا أشد العذاب، إن لم يرجعوا - بهذا الإمهال - عما هم فيه من الكفر والمعاصي.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾:
أي: ولهم في الآخرة عذاب مهين: يقلل منزلتهم في الدنيا بالكفر والمعاصي، والكيد للإسلام والمسلمين، والبادئ أظلم.
стр. 731
روى الشيخان عن النبي ﷺ : "إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته".
وقد استفيد من الآية: أن الله تعالى. لا يعجل بعقوبة الكفار والعصاة.
والحكمة من ذلك: أن يترك لهم فرصة واسعة للتفكير فيما هم فيه، لعلهم يرجعون إلى رشدهم، ولا تكون لهم حجة على الله، ليقولوا: لولا أخرتنا. لعلنا نرجع ونتوب. فإن لم يرجعوا، ازدادوا إثماً واستحقوا أشد العذاب، حيث لم يستفيدوا بإمهال الله لهم.
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾.
المفردات:
﴿لِيَذَرَ﴾: ليترك.
﴿يَمِيزَ﴾: يفرق ويعزل.
﴿يَجْتَبِي﴾: يختار.
التفسير
١٧٩ - ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ … ﴾ الآية.
بيّن الله تعالى في هذه الآية - بعض حِكَمِه في أحداث غزة أحد، ومشاهداها المختلفة. والمعنى:
ما كان الله ليترك المؤمنين على ما هم عليه، من اختلاط المنافقين بالصادقين منهم، وعدم تبين حالهم لهم؛ لما في ذلك من خطورة عليهم وعلى الإسلام. فإن أعدى أعداء
стр. 732
المسلمين، مَنْ لبس ثوب الصديق، واستتر فيما بينهم، فعاملوه معاملة المخلص، وكاشفوه بالأسرار - وهو يدبر لهم أسباب المعاطب في الخفاء، ويباطن أعدائهم بالولاء - فلا بد أن يدبر الله من أسباب المحن، ما يفضح به نفاق المنافقين ويكف به ستر المرائي، ويظهر به إخلاص المخلصين، وصبر المستيقن وبلاءه: في سبيل دينه ورسوله وربه. فلذا جاءت تلك المحن في غزوة أحد. فكشفت للنبي ﷺ ، حجم النفاق ومداه، بما كان من رجوع ابن أبي - رأس النفاق - وثلاثمائة ممن كانوا على مذهبه، وإشاعته - وبعض من حضر منهم الموقعة - أكذوبة قتله ﷺ التي زعمها ابن قميئة المشرك. وقول بعضهم: علام نقاتل وقد قتل محمد؟ ودعوتهم إلى أخذ الأمان من أبي سفيان، والرجوع إلى ما كانوا عليه من كفر. وقول بعض آخر: لو كان محمد نبياً لما قتل. وإلى غير ذلك مما كشف الله به أستارهم. كما كشفت تلك الغزوة للنبي أيضاً: صدق المخلصين، واستبسالهم في الدفاع عنه وعن الإسلام الذي دانوا به، ورجوعهم إليه بعد فرارهم من نبال المشركين، وشدة حملتهم عليهم. وذلك بعد أن علموا: أنه حيٌّ لم يمت - كما أشاعه المنافقون. فقد ناداهم النبي ﷺ قائلاً: إليّ عباد الله، فلبَّوا سراعاً، وبالرغم مما بهم من جراح: فرحين ببقائه بين ظهرانيهم: يقودهم في دعوة الإسلام، حتى يظهره الله على الدين كله.
فكما استبان بذلك أمر المنافقين للرسول، استبان به - كذلك - إخلاص المؤمنين الصادقين. وبذلك تحقق ما أراده الله من أغراض هذا الامتحان. وهو أن يتميز الخبيث من الطيب.
والأثر المترتب على ذلك: أن يعرف المخلصون بعضهم بعضا، ويتماسكوا. وأن يحذروا المنافقين الذين هُتكَتْ أستارهم، وعرفت أسماؤهم. وحقيقة نواياهم.
ولا شك أن ذلك له أثره في مستقبل الدعوة الإسلامية.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾:
стр. 733
أي: ما كان الله ليظهركم على ما غاب عنكم من الأسرار مباشرة، بأن يقذفه في قلوبكم، ومن غير أن يعقد من الأسباب ما يكشف به الأمور الخفية عليكم. فإن إظهار الغيب - بغير إبراز الأسباب - لا يكون إلا للرسول. ولهذا قال سبحانه:
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾:
أي: ولكن الله يصطفي ويختار من رسله من يشاء، ويطلعه على ما يشاء من غيبه، ويحقق له بالوقائع ما أخبره به من الغيب. كما فعل مع النبي ﷺ ، إذ أطلعه على نفاق المنافقين، ثم حقق له - بوقعة أحد - ما أخبره به من نفاقهم.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾:
أي: فداوموا على ما أنتم عليه من الإيمان بالله ورسله، بعد ما عرفتم أسرار هذه المحنة التي حلت بكم في أُحد، وعرفتم حكمتها.
﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾:
وإن تدوموا على ما أنتم عليه من الإيمان، وتتقوا مخالفة الله ورسوله، فلكم على ذلك أجر عظيم.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾.
المفردات:
﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾: سيجعل ما بخلوا به طوقاً في أعناقهم.
стр. 734
التفسير
١٨٠ - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ … ﴾ الآية.
بعد أن بين الله أحداث أُحد، وأسرار المنافقين فيها، وأمر المسلمين بالتقوى - شرع يحض المسلمين على بذل المال في سبيل الله، فإنه من أهم أسباب التقوى والوقاية من مكائد المشركين: الذين عرفوا جِدّهم في القضاء على الإسلام والمسلمين، وبين لهم عاقبة البخل في البذل.
والمعنى: ولا يظنن الذين يبخلون في سبيل الله، بما أعطاهم الله من فضله من المال، فلا يبذلونه في إعداد أسباب القوة والغلبة على الأعداء، ولا ينفقونه على الفقراء، وفي سبيل الخير - لا يحسبوا ذلك البخل خيراً لهم، ونفعاً يعود عليهم. بل هو شر كبير لهم. فإنهم سيضعفون أمام أعدائهم، لعدم إعدادهم العدة للقائهم. كما أنه يورث الحقد في قلوب الفقراء، ويبعثهم على الإخلال بالأمن، ويغريهم بالنهب والسلب، والسرقة والقتل، لمن منعوا عنهم حق الله فيما آتاهم الله من فضله. فضلاً عما ينتظرهم من عقوبة في الآخرة: بينها الله بقوله:
﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾:
أي: سيجعل الله المال الذي بخلوا به عن وجوهه المشروعة، طوقاً في أعناقهم يوم القيامة.
وفي ذلك يروي البخاري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه، يقول: أنا مالك، أنا كنزك. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ … ﴾ الآية.
والشجاع الأقرع: الثعبان القوي. والزبيبتان: نقطتان سودوان فوق عيني الثعبان. واللهزمتان: الشدقان.
وروى النسائي والطبراني بسنده، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل مسلم أبداً".
стр. 735
﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾:
أي: ولله مآل السموات والأرض ومن فيها. فمصير هذه الدنيا إلى زوال. ثم يستقبل الخلائق - بعد ذلك - حساباً على ما قدموا من أعمال ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١) ومن كان أمرهم إلى ذلك، فلا يصح لهم أن يبخلوا ببذل المال، فيما شرعه الله من وجوه البر والإحسان، فيندموا بتقصيرهم فيما ينفعهم، وحرمانهم من له حق عليهم.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾:
فلا يغيب عن علمه من أحسن ومن أساء. فيجزي كلاًّ على ما عمله أعمالهم.
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾
التفسير
١٨١ - ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ … ﴾ الآية.
لما حثَّ الله المسلمين على البذل، ونهاهم عن البخل: الذي هو من ألزم الصفات القبيحة لليهود - أتبع ذلك الحديث عن اليهود، وبخلهم، وبعض آثامهم.
стр. 736
سبب النزول:
قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: لما نزل قول الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (١) قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربك فسأل عباده القرض. فنزلت هذه الآية.
وروى البغوي في معالم التنزيل، عن عكرمة والسدي ومقاتل: أنه ﷺ ، كتب مع أبي بكر ﵁، إلى يهود بني قينقاع: يدعوهم إلى الإسلام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً. فقال فنحاص اليهودي: إن الله فقير حتى سألنا القرض. فلطمه أبو بكر ﵁، في وجهه، وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد، لضربت عنقك. فشكاه لرسول الله ﷺ ، وجحد ما قاله. فنزلت.
والمعنى: لقد علم الله قول اليهود الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء: مجترئين - بهذا القول الشنيع - على من لا تنفد خزائنه.
﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾:
سنكتب هذه الفرية التي بلغت الغاية في الشناعة والقبح، ونكتب أيضاً: قتلهم الأنبياء بغير حق. ولا يكون قتلهم إلا ظلما. فهم دعاة الحق.
﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾:
أي: ويقال لهم من جهة الله تعالى، تقريعاً وإهانة - وهم يعذبون بالنار - ذوقوا عذاب الإحراق بالنار. ليجتمع لهم العذاب لجسدي، مع العذاب الروحي.
١٨٢ - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾:
أي ذلك العذاب، عقاب عادل بسبب ما فعلتموه في الدنيا من الآثام، وبأن الله ليس بظالم لعبيده. فبقدر العمل يكون الجزاء. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢).
ونسبة العمل إلى الأيدي - مع أنه قد يكون بغيرها - لأن أكثر الأعمال تزاول بها.
وصيغة (ظَلاَّمٍ) للنسب: أي ليس منسوباً إلى الظلم، ومن استعمال هذه الصيغة في النسب قولهم: نجَّار: أي منسوب إلى النجارة، وحداد: أي منسوب إلى الحدادة، وعطار: أي منسوب إلى العطارة.
стр. 737
﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾.
المفردات:
﴿عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ العهد: حفظ الشيء مراعاته، حالاً بعد حال.
﴿بِقُرْبَانٍ﴾ القربان: كل ما يتقرب به إلى المعبود.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: المعجزات الواضحات.
﴿وَالزُّبُرِ﴾: هو المواعظ والزواجر. جمع زبور، من: زبرته، بمعنى: زجرته.
التفسير
١٨٣ - ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ … ﴾ الآية.
أي هؤلاء اليهود الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، هم الذين قالوا للنبي ﷺ عندما دعاهم إلى الإيمان برسالته المؤيدة بالمعجزات الكافية - قالوا: لن نؤمن لرسول ولن نصدق به، حتى يأتي بقربان تحرقه النار. كما كان يفعله أنبياء بني إسرائيل.
قل لهم يا محمد: قد جاءكم رسل من قبلي: بالمعجزات، وبالقربان الذي تأكله النار كما طلبتم. فلم قتلتم هؤلاء الأنبياء. كيحيى وزكريا، إن كنتم صادقين في أنكم تؤمنون لرسول يأتيكم بمثل هذا القربان؟
стр. 738
والغرض المقصود من الآية: تكذيبهم في وعدهم بالإيمان لو جاءهم الرسول ﷺ ، بالقربان الذي طلبوه؛ لأن لهم سوابق في تكذيب من جاء به، وقتله.
والنار التي تأكل القربان، لم نقف على نص يعول عليه: يبين مصدرها، وكيفية إحراقها.
١٨٤ - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ … ﴾:
هذه الآية تسلية لرسول الله ﷺ ، عما لقيه من تعنت أهل الكتاب، ببيان: أن ذلك شأنهم وعادتهم، ليعلم أنه ليس أول رسول كذبه قومه. فكم من الرسل قبله جاءوا أممهم بالحجج الواضحة، والمواعظ الزاجرة، والكتب التي أضاءت الطريق إلى الله، فكذبوهم. وجحدوا ما جاءوا به من الشرائع. والبلوى إذا عمَّت، هانت.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾.
التفسير
١٨٥ - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ … ﴾ الآية.
وعْدٌ من الله للمصدقين، ووعيد للمكذبين؛ ببيان أن الحياة فانية، وأن مردَّ الجميع إلى الله، يجزي كل نفس بما عملت. فمن كان من المصدقين العاملين، أُبعِد عن النار، وأُدخل الجنة. ففاوز بالنجاة، والنعيم المقيم. ومن كان من المكذبين الضالين الذين اطمأنوا إلى الحياة الدنيا وزينتها - خابوا، وخسروا، إذ آثروا الحياة الدنيا على الآخرة. وما الحياة الدنيا إلا متاع زائل يغُرُّ الجاهل، ولا يسر العاقل.
стр. 739
﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾.
المفردات:
﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾: لتختبرن فيها بالإصابة ببعض البلايا.
﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: من الجد في الأمور. مأخوذ من عزم الأمر. أي جد فيه.
﴿مِيثَاقَ﴾: الميثاق، العهد.
﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: أي طرحوه خلفها. والمقصود: أنهم أهملوا، ولم يعملوا به.
﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: واستبدلوا بهذا الميثاق، مقابلاً قليلاً، من أعراض الدنيا.
التفسير
١٨٦ - ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾:
الربط:
بعد أن أخبر الله تعالى: أن كل نفس ذائقة الموت، ليتسلى كل امرئٍ عمن فقده من أحبابه بهذا القضاء الشامل، أتبع ذلك إخبار النبي ﷺ ، والمؤمنين: أنهم سيلقون أنواعاً من البلاء: في أنفسهم وأموالهم. وسيؤذون من أعدائهم؛ ليوطنوا
стр. 740
أنفسهم على احتمال ذلك عند وقوعه. فقال جل شأنه: ﴿لَتُبْلَوُنَّ … ﴾ الآية.
والخطاب في ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾: لرسول الله ﷺ ، والمؤمنين، وما فيه من التوكيد لتحقيق وقوع البلاء، مبالغة في الحث على ما أريد منهم من التهيؤ له، والصبر عليه، لما فيه من الحكم.
ولما كان المولى يعلم بحال عباده من قبل أن يخلقهم، فالمراد بابتلائه لهم: إصابتهم ببعض البلايا، ليظهر ما علمه أزلاً من حالهم: من الثبات والصبر، أو الجزع والهلع، فيجازي كلاً بما كسب.
والمعنى: لتختبرن حتماً ﴿فِي أَمْوَالِكُمْ﴾: بنقصها أو تلفها، أو استيلاء الأعداء عليها، أو نحو ذلك.
﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾: بالقتل والأسر والجرح، والأمراض الجسدية، والمتاعب النفسية.
﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾: قطعاً.
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: التوراة والإنجيل وما بينها.
﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: وهم اليهود والنصارى.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: وسائر الكفار.
﴿أَذًى كَثِيرًا﴾: من الطعن في الإسلام، والقدح في رسلكم، وصد من أراد الإيمان، وتخطئة من آمن، ومحاولة تكفيره، وتحريضه على معاداة رسوله.
والخطاب هنا - فيما يلي - وإن كان لرسول الله وأصحابه - فحكمه عام للمسلمين جميعاً: في كل زمان ومكان، إلى يوم القيامة.
ولما أكد أن ذلك سيحدث لهم، أمرهم أن يقابلوه بالصبر والتقوى، فقال: