← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

سبب النزول: قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: لما نزل قول الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (١) قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربك فسأل عباده القرض. فنزلت هذه الآية. وروى البغوي في معالم التنزيل، عن عكرمة والسدي ومقاتل: أنه ﷺ ، كتب مع أبي بكر ﵁، إلى يهود بني قينقاع: يدعوهم إلى الإسلام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً. فقال فنحاص اليهودي: إن الله فقير حتى سألنا القرض. فلطمه أبو بكر ﵁، في وجهه، وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد، لضربت عنقك. فشكاه لرسول الله ﷺ ، وجحد ما قاله. فنزلت. والمعنى: لقد علم الله قول اليهود الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء: مجترئين - بهذا القول الشنيع - على من لا تنفد خزائنه. ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: سنكتب هذه الفرية التي بلغت الغاية في الشناعة والقبح، ونكتب أيضاً: قتلهم الأنبياء بغير حق. ولا يكون قتلهم إلا ظلما. فهم دعاة الحق. ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: أي: ويقال لهم من جهة الله تعالى، تقريعاً وإهانة - وهم يعذبون بالنار - ذوقوا عذاب الإحراق بالنار. ليجتمع لهم العذاب لجسدي، مع العذاب الروحي. ١٨٢ - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: أي ذلك العذاب، عقاب عادل بسبب ما فعلتموه في الدنيا من الآثام، وبأن الله ليس بظالم لعبيده. فبقدر العمل يكون الجزاء. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢). ونسبة العمل إلى الأيدي - مع أنه قد يكون بغيرها - لأن أكثر الأعمال تزاول بها. وصيغة (ظَلاَّمٍ) للنسب: أي ليس منسوباً إلى الظلم، ومن استعمال هذه الصيغة في النسب قولهم: نجَّار: أي منسوب إلى النجارة، وحداد: أي منسوب إلى الحدادة، وعطار: أي منسوب إلى العطارة.

стр. 737

﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾. المفردات: ﴿عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ العهد: حفظ الشيء مراعاته، حالاً بعد حال. ﴿بِقُرْبَانٍ﴾ القربان: كل ما يتقرب به إلى المعبود. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: المعجزات الواضحات. ﴿وَالزُّبُرِ﴾: هو المواعظ والزواجر. جمع زبور، من: زبرته، بمعنى: زجرته. التفسير ١٨٣ - ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ … ﴾ الآية. أي هؤلاء اليهود الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، هم الذين قالوا للنبي ﷺ عندما دعاهم إلى الإيمان برسالته المؤيدة بالمعجزات الكافية - قالوا: لن نؤمن لرسول ولن نصدق به، حتى يأتي بقربان تحرقه النار. كما كان يفعله أنبياء بني إسرائيل. قل لهم يا محمد: قد جاءكم رسل من قبلي: بالمعجزات، وبالقربان الذي تأكله النار كما طلبتم. فلم قتلتم هؤلاء الأنبياء. كيحيى وزكريا، إن كنتم صادقين في أنكم تؤمنون لرسول يأتيكم بمثل هذا القربان؟

стр. 738

والغرض المقصود من الآية: تكذيبهم في وعدهم بالإيمان لو جاءهم الرسول ﷺ ، بالقربان الذي طلبوه؛ لأن لهم سوابق في تكذيب من جاء به، وقتله. والنار التي تأكل القربان، لم نقف على نص يعول عليه: يبين مصدرها، وكيفية إحراقها. ١٨٤ - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ … ﴾: هذه الآية تسلية لرسول الله ﷺ ، عما لقيه من تعنت أهل الكتاب، ببيان: أن ذلك شأنهم وعادتهم، ليعلم أنه ليس أول رسول كذبه قومه. فكم من الرسل قبله جاءوا أممهم بالحجج الواضحة، والمواعظ الزاجرة، والكتب التي أضاءت الطريق إلى الله، فكذبوهم. وجحدوا ما جاءوا به من الشرائع. والبلوى إذا عمَّت، هانت. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾. التفسير ١٨٥ - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ … ﴾ الآية. وعْدٌ من الله للمصدقين، ووعيد للمكذبين؛ ببيان أن الحياة فانية، وأن مردَّ الجميع إلى الله، يجزي كل نفس بما عملت. فمن كان من المصدقين العاملين، أُبعِد عن النار، وأُدخل الجنة. ففاوز بالنجاة، والنعيم المقيم. ومن كان من المكذبين الضالين الذين اطمأنوا إلى الحياة الدنيا وزينتها - خابوا، وخسروا، إذ آثروا الحياة الدنيا على الآخرة. وما الحياة الدنيا إلا متاع زائل يغُرُّ الجاهل، ولا يسر العاقل.

стр. 739

﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾. المفردات: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾: لتختبرن فيها بالإصابة ببعض البلايا. ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: من الجد في الأمور. مأخوذ من عزم الأمر. أي جد فيه. ﴿مِيثَاقَ﴾: الميثاق، العهد. ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: أي طرحوه خلفها. والمقصود: أنهم أهملوا، ولم يعملوا به. ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: واستبدلوا بهذا الميثاق، مقابلاً قليلاً، من أعراض الدنيا. التفسير ١٨٦ - ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: الربط: بعد أن أخبر الله تعالى: أن كل نفس ذائقة الموت، ليتسلى كل امرئٍ عمن فقده من أحبابه بهذا القضاء الشامل، أتبع ذلك إخبار النبي ﷺ ، والمؤمنين: أنهم سيلقون أنواعاً من البلاء: في أنفسهم وأموالهم. وسيؤذون من أعدائهم؛ ليوطنوا

стр. 740

أنفسهم على احتمال ذلك عند وقوعه. فقال جل شأنه: ﴿لَتُبْلَوُنَّ … ﴾ الآية. والخطاب في ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾: لرسول الله ﷺ ، والمؤمنين، وما فيه من التوكيد لتحقيق وقوع البلاء، مبالغة في الحث على ما أريد منهم من التهيؤ له، والصبر عليه، لما فيه من الحكم. ولما كان المولى يعلم بحال عباده من قبل أن يخلقهم، فالمراد بابتلائه لهم: إصابتهم ببعض البلايا، ليظهر ما علمه أزلاً من حالهم: من الثبات والصبر، أو الجزع والهلع، فيجازي كلاً بما كسب. والمعنى: لتختبرن حتماً ﴿فِي أَمْوَالِكُمْ﴾: بنقصها أو تلفها، أو استيلاء الأعداء عليها، أو نحو ذلك. ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾: بالقتل والأسر والجرح، والأمراض الجسدية، والمتاعب النفسية. ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾: قطعاً. ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: التوراة والإنجيل وما بينها. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: وهم اليهود والنصارى. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: وسائر الكفار. ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾: من الطعن في الإسلام، والقدح في رسلكم، وصد من أراد الإيمان، وتخطئة من آمن، ومحاولة تكفيره، وتحريضه على معاداة رسوله. والخطاب هنا - فيما يلي - وإن كان لرسول الله وأصحابه - فحكمه عام للمسلمين جميعاً: في كل زمان ومكان، إلى يوم القيامة. ولما أكد أن ذلك سيحدث لهم، أمرهم أن يقابلوه بالصبر والتقوى، فقال:

стр. 741

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: أي: وإن تصبروا على تلك الشدائد عند وقوعا، وتقابلوها بحسن التحمل، وعدم الجزع، وعفة اللسان، وتتخذوا لكم وقاية منها باللجوء إلى الله، وتساوى المحبوب والمكروه لديكم في سبيل رضاه تعالى، واتخاذ أسباب الوقاية والعلاج من الأمراض والجراح، وإرهاب الخصوم والأعداء بأسباب القوة والغلبة - إن تفعلوا ذلك - فإن الصبر والتقوى منكم، من عزم الأمور والجد فيها. وهو فضيلة يتنافس فيها المتنافسون. وأنتم بها أحق وأولى. ويجوز أن يكون المعنى: وإن تصبروا وتتقوا، فهو خير لكم، فإن الصبر والتقوى مما يجب أن يعزم عليه كل أحد، لما فيهما من كمال المزية والشرف. وإنما أَخبرهم بذلك قبل وقوعه، وأمرهم بالثبات والتقوى، ليستعدوا للقائه، فإن هجوم الشدائد قد يزلزل الأقدام. أما الاستعداد لها، فإنه يهون أمرها. وعبر عن اليهود والنصارى بقوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: للتنبيه على أن مدار ما يسمعونه منهم من الأذى ينسبونه - كاذبين - إلى كتابهم. وكتابهم منه براء. فهو مدسوس عليه منهم، تحريفاً أو سوء تأويل. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) ". ومن أمثلة ذلك قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ (٢) ". وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.

стр. 742

وبعد أن أخبر الله المؤمنين بأنهم سيبتَلون في أموالهم وأنفسهم، وسيؤذَون من أهل الكتاب والمشركين، عقبه بذكر بعض إيذائهم، فقال مستأنفاً: ١٨٧ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾: المعنى: واذكر - يا محمَّد - حين أخذ الله العهد المؤكد على الذين أعطاهم الكتاب: من علماء اليهود والنصارى، فقال لهم بأسلوب التأكيد: لتبينن هذا الكتاب الذي أنزل عليكم للناس، ولا تكتمون عنهم ما فيه من الحقائق التي منها شواهد نبوتك يا محمد وأماراتها، فنبذوا هذا العهد الوثيق المأخوذ عليهم، وطرحوه وراءهم ظهريا، إذ لم يعلموا به. فلم يبينوا الكتاب، بل كتموه واستبدلوا بالوفاء به عوضا ومقابلا قليلاً. هو الرياسة الدينية والجاه، والمال الحرام الذي يرتشون به، ويأخذونه من غير وجهه المشروع. فبئس شيئاً يشترونه ويأخذونه: ذلك الثمن القليل الذي آثروه على الوفاء بالميثاق: بتبيان الكتاب، وعدم كتمانه. والآية - وإن نزلت توبيخا وتهديداً ووعيدا لأهل الكتاب، على كتمانهم العلم، وعدم بيان الحق لأغراض دنيوية - ففيها تحذير ضمني للعلماء عن أن يسلكوا سبيلهم، فيحل بهم مثل عقابهم. وقد جاء ذلك - صراحة - في قوله ﷺ : "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلمٍ فَكَتَمَهُ، أَلْجمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بلِجًامٍ مِنْ نَارٍ (١) " عن علي ﵁: ما أخذ الله العهد على أهل الجهل أَن يتعلموا حتى أخذه على أهل العلم أن يعلموا. وعن محمَّد بن كعب: لا يحل لأحد من العلماء أن يسكت على علمه. ولا يحل لجاهل أن يسكت على جهله حتى يسأل. والإتيان بقوله: (وَلَا تَكْتُمُونَهُ) بعد قوله: (لَتبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ) - مع أنه يستلزم عدم الكتمان - للمبالغة في إيجاب التبيين، وتأكيد وجوب الامتثال.

стр. 743

والتعبير عن إيثارهم عرض الدنيا، على بيان الكتاب بقوله: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: أي عرضاً حقيراً - مع أنه لا شراءَ ولا بيع - للإيذان بأنهم جعلوا دين الله موردًا للرزق، ووسيلة إلى مآربهم الذاتية. كما يصل التجار. ولم يجعلوهُ سبيلا للهداية والإرشاد، كما يفعل العلماءُ والصالحون الصادقون. وذلك شاهد على فساد ضمائرهم، وداعٍ إلى عدم الثقة بأقوالهم وأفعالهم، والبعد عن تصديقهم. ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾. المفردات: (يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا): يفرحون بما جاءوا به نفاقاً أو رياءً، من الأقوال والأفعال. (بمفازة من العذاب): بمنجاة منه. (ملك السموات والأرض): سلطان عليهما خَلقًا ومُلكًا وتدبيراً وتصرفاً. التفسير ١٨٨ - ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: لا يزال الكلام موصولا مع أهل الكتاب: فالآية نازلة فيهم: أخرج الإِمام أحمد، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن بن عوف: أن مروان بن محمَّد، قال: اذهب يا رافع - بَوَّابه - إلى ابن عباس ﵁، فقل له: لئن كان كل

стр. 744

امرئ منا فرحَ بما أتي وأحب أن يحمد بما لم بفعل - معذباً؛ لنُعَذَّبنَّ أجمعون. فقال ابن عباس: وما لكم وهذه! إنما نزلت هذه في أهل الكتاب. ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. وتلا ابن عباس ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ ، عن شيء فكتموه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه. وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه. وَرَوَى نحوه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي وغيرهم. وقيل: نزلت في المنافقين: لِمَا رواه البخاري ومسم وغيرهما - واللفظ للبخاري عن أبي سعيد الخُدري: أن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله - عليه وسلم، كانوا إذا خرج رسول الله ﷺ ، إلى الغزو تخلفوا عنه؛ وفرحوا بمقعدهم. خلاف رسول الله ﷺ ، فإذا قدم رسول الله ﷺ ، من الغزو، اعتذروا إليه، وحلفوا وأحبوا أن يُحمَدُوا بما لم يفعلوا. فنزلت: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا … ﴾ الآية. وعلى هذا، فالمراد من حُب المنافقين أن يحمدوا بما لم يفعلوا: أنهم أرادوا أن يحمدهم المؤمنون بسرورهم الذي أظهروه نفاقاً بنصر المؤمنين، ولم يكن سرورًا نابعًا من قلوبهم. فاعتبره الله تعالى في حكم المنفى.

стр. 745

وقد جاء التصريح بسرورهم الظاهري بالنصر، في رواية طويلة، لابن مردويه، في تفسيره. جاء فيها: وإن كان لهم نصر وفتح، حلفوا لهم؛ ليرضوهم. ويحمدوهم على سرورهم بالنصر والفتح. ولا منافاة ببن ما قاله ابن عباس، وما قاله أبو سعيد الخدري، في سبب النزول، فالآية عامة في جميع ما ذكر. وهي - وإن نزلت لهدا السبب الخاص، أو ذاك، أو لهما معًا - فهي بعموم لفظها، عامة لكل من يأتي بشي من الحسنات: بظاهره أو بحقيقته، فيفرح به فرح إعجاب، ويود أن يمدحه الناس بما هو عار عنه من الفضائل. كأن يقولوا فيه: هو صادق فيما قال. أو مخلص. فما فعل. أو عظيم الإحسان والمبرات، أو نحو ذلك مما ليس فيه. ويدخل في هذا العموم: من نزلت فيهم الآية، دخولا أولياً. والخطاب في قوله تعالى: (لَا تَحْسَبَن) للنبي ﷺ ، أو لكل من يصلح للخطاب. والمعنى: لا تظنن الذين يفرحون - فرح إعجاب - بما جاءوا به مما ظاهره الخير، وباطنه النفاق أو العجب، أو التجرد عن النية الصالحة، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، بأن يقال: إِنهم صادقون، أو مخلصون، أو محسنون، أو غير ذلك، من الصفات الجميلة: التي أرادوا أن تقال في شأنهم على وجه الحمد والثناء، وهم منها برآء. (فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بمَفاَزَةٍ منَ العَذَابِ): فلا تظننهم بمنجاة من العذاب الآخرة، وإن أفلتوا من المؤاخذة الدنيوية. والمقصود من نهيه ﷺ : أن يظنهم ناجين من العذاب، هو التنبيه على أنهم معذبون حتما على نياتهم الخبيثة، ونفاقهم الممقوت، وليس المقصود نهيه حقيقة

стр. 746

عن ظنه نجاتهم. فهو ﵇ عليم باستحقاقهم العذاب، ما داموا مصرين على ما هم عليه من الطوية الخبيثة؛ طبقًا لما نزل عليه من شرع الله تعالى. وذكر قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾. بعد قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ لتأكيد الوعيد؛ لطول الكلام. أما قوله: (بِمَفاَزَةٍ) فهو المفعول الثاني لـ (تحسبن) الأول. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: هذه الجملة قصد بها: أن العذاب الذي لا ينجو منه هؤُلاء، وليسوا منه بمفازة، هو عذاب بليغ الإيلام، في شدته ومدته ونوعه. وليس عذابًا هيناً، يمكن احتماله. ١٨٩ - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾: أي: له تعالى - وحده - السلطان فيهما: خلقا وتدبيرًا، وإحياء لمن فيهما وإماتةً، وتعذيبا وإثابة. ومن كان كذلك، لا يقال: إنه فقير، وبعض عباده أغنياء، كما زعم اليهود، إذ قالوا: ﴿ … إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (١). ولا يفلت من عقابه من أحب أن يحمد بما لم يفعل، كما فعلوا هم وغيرهم. ﴿وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَديرٌ﴾: فكما قدر على خلق السموات والأرض، يقدر على بعث الخلائق وجزائهم على أقوالهم وأفعالهم ونياتهم: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٢).

стр. 747

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)﴾. المفردات: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: تعاقبهما. فيكون أحدهما خلفة للآخر، أو تفاوتهما طولا وقصرا، وضياء وظلمة. ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: لأصحاب العقول الخالصة البريئة مما يعطلها. ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾: ما أبدعته عبثًا خاليًا عن الحكمة. ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: فاحفظنا منه. ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾: أهلكته، أو فضحته، أو أهنته. التفسير ١٩٠ - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾: لما ذكر الله - تعالى: أن له ملكَ السموات والأرض، وأنه على كل شيء قدير، عقبه ببيان أن في خلقهما - من الآيات والشواهد - ما يدل على ذلك ويقرره. فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: من عجيب الإبداع، وإحكام الصنعة، وبقائهما في الفضاء، دون أن يختل توازنهما، ودوران كل كوكب في فلكه بانتظام، دون فتور

стр. 748

أو اصطدام، وتوالي ملايين الدهور عليهما بغير خلل ولا فساد، وأداء كل جزء منهما، وكل نجم أو كوكب لما نيط به من النافع - إن في هذا: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ وتعاقبهما على سطح الأرض، كل منهما خلفًا للآخر، حسب تدبير الله لأرضنا الكروية، إذ جعلها تدور تحت أشعة الشمس، فيعم ضوؤُها نصف الأرض المقابل لها، وينعم أهله بنور النهار، فينشطون ويباشرون شئون معاشهم. ويظلم النصف الآخر الذي لا يقابلها، فيسكن أهله ويستريحون. ثم ينعكس الأمر عندما يكون النصف الآخر مقابلا لأشعتها. وهكذا دواليلك .. ويجوز أن يكون المراد من اختلافهما: تفاوتهما طولا وقصرًا، حسب الفصول الأربعة التابعة لوضع الأرض من الشمس، وحسب البعد عن القطبين أو القرب منهما، أو اختلافهما نفعًا أو حرارة، أو غير ذلك من وجوه الاختلاف - إن في كل هذا التدبير المحكم العجيب: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: أي: لَدلائل عظيمة لأَصحاب العقول الخالصة من ظلمة الجهل والتقليد. فإنهم - بالنظر اليسير في بدائع خلق السموات والأرض، وقوانينه وضوابطه ونظمه - يصلون إلى الجزم بوجود صانع حكيم، ومالك واحد لهذا الملك العظيم: أحكم التدبير، وأتقن التقدير، وأنه لا بد أَن ينتهي إليه المصير، فيحاسب كل امرئ على ما كسب من خير فيثيبه، أو شر فيعاقبه. ورحم الله الشيخ أبا سليمان الداراني، إذ يقول: إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء، إلا رأيت لله عليَّ فيه نعمة، ولي فيه عبرةً (١). ١٩١ - ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾: المقصود من ذكره تعالى: تذكره وشغل القلب به، وعدم الغفلة عنه بشواغل الدنيا. سواء أصحب ذلك ذكر لساني أم لم يصحبه.

стр. 749

والمقصود من ذكرهم له قائمين وقاعدين ومضجعين على جنوبهم: أن يذكروه في كل حال حسب الإِمكان، حتى يخشوه في تصرفاتهم. وتخصيص هذه الأحوال الثلاثة بالذكر؛ لأنها هي المعهودة التي لا يخلو عنها الإِنسان غالبًا. فكما يذكرونه فيها يذكرونه في غيرها. كالمشي والسباحة ونحوهما. ومعنى هذه الآية، مرتبط بما قبلها عل النحو الآتي: المعنى: إن في خلق السموات والأرض - وما فيه من الإبداع والإحكام، والحِكَمِ والمنافع، وفي اختلاف الليل والنهار لَعَلَامَاتٍ واضحات لأصحاب العقول على وجود رَبٍّ لهذا الكون: واحد عظيم. وأدلةً شاهدات له بكل كمال، وتنزهه عن كل نقص. وأولو الألباب - هؤلاء - هم الذين يتذكرون الله في كل حال، بعد أن أثرت آياته في نفوسهم، وهدت إلى معرفته عقولُهُم، وجعلتهم يجددون التفكر في خلق السموات والأرض ليزدادوا معرفة بخالقها، وإيمانًا واثقًا بمبدعها، وخشية من التقصير في واجبات مدبرها. فالعلم: يهدى إلى قوة الإيمان والخشية من الديان: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١). وهكذا شأن القرآن: يشيد بالعقل ويرفع قدره، ويحضُّ على المعرفة والنظر في الآيات. وشأن الإِسلام يقوم: على دعائم العقل والعلم والعرفان. ولا يرضى بالجمود والتقليد الذي عليه أرباب الأديان المختلفة. ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾: ليس المراد أنهم يقولون هذه الجملة الدعائية - وما يليها - بالنص الحرفي، بعد تفكرهم في خلق السموات والأرض، بل المراد: أنهم يعبرون عما ينفعل في نفوسهم من مشاعر الإقرار بقدرة الله وحكمته، ووجوب الإِيمان به تعالى وباليوم الآخر، وما حول ذلك من الحمد والثناء والإنابة.

стр. 750

والمعنى: يقول أولو الألباب، الذاكرون الله بعد تفكرهم في خلق السموات والأرض: ربنا ما خلقت هذا الكون البديع العظيم الشأن عبثاً، بل منتظماً لِحِكَمٍ جليلة، ومصالح عظيمة. من جملتها أن يكون مدارًا لمعايش العباد، ومنارًا يرشدهم إلى أحوال المبدأ والمعاد، حسبما جاءت به الرسل والكتب الإلهية. والإشارة بكلمة (هَذَا) راجعة إلى السموات والأرض لقصد التعظيم، كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١). وإفرادها وتذكيرها - مع رجوعها إلى السموات والأرض - لأنه أريد بها: الكون جميعه. (سُبْحَانَكَ): تنزيها لك عن أن تخلقه باطلا، وعن كل ما لا يليق بك من الصفات. (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ): فاحفظنا من عذابها، فقد عرفناك ونزهناك عن العبث، وأطعناك وآمنا بالبعث والجزاء. ١٩٢ - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)﴾: أي: رَبَّناَ إنَّكَ مَنْ تُدْخِلْهُ النَّارَ لكفره ومعصيته (فَقَدْ أخْزَيْته): فقد فضحته وأهنته وأهلكته .. ولا شيء أشد من ذلك. فلهذا نسألك الوقاية من عذاب النار، ومن الخزي والعار. (وَمَا لِلظَّالِمِينَ): لأنفسهم بالكفر والمعاصي. (مِنْ أنصَارِ): يخلصونهم من عذابها. فلا الآلهة التي عبدوها: ولا الرؤَساء الذين أطاعوهم في الكفر، بقادرين على إنقاذهم منها. ولم يقل وما لهم من أَنصار، بل قال: (وَمَا لِلظالِمِينَ مِنْ أنصَارٍ): لذمّهم، والإشعار بأن ظلمهم هو سبب تعذيبهم.

стр. 751

﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾. المرادفات: ﴿الْأَبْرَارِ﴾: جمع بَر. والبَرُّ والبارُّ، هو كثير البر والإحسان. ﴿لَا تُخْزِنَا﴾: لا تُهنا، ولا تفضحنا .. أو لا تهلكنا. ﴿فَاسْتَجَابَ﴾: بمعنى أَجاب. ﴿هَاجَرُوا﴾: تركُوا الشِّركَ أو تركوا الأوطان والعشائر. التفسير ١٩٣ - ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾:

стр. 752

المنادِى: هو محمَّد ﷺ . ونداؤُه: دعوته إلى الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وذلك هو سبيل ربه. كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ (١). وقال محمَّد بن كعب: المنادِي: هو القرآن. والمعنى: ربنا إننا سمعنا داعياً: يدعو الناس للإيمان بأن آمِنُوا بربكم: مالككم ومتعهدكم في جميع أموركم، فاستجبنا لدعائه، وبادرنا بالإيمان. والمقصود من إيمانهم بربهم - سبحانه - إيمانهم بجميع ما يجب له من الصفات اللائقة بربوبيته، وتنزيهه عما سواه، وإيمانهم بدينه الذي شرعه لهم، على لسان ذلك المنادى، وهو نبينا محمَّد ﷺ . ﴿رَبَّنَا﴾: كرر نداءَه تعالى؛ لإظهار كمال التضرع والخشوع والاستعطاف. ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: فامح عنا كبائرنا. ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾: وحط عنا صغائرنا، ببركة إيماننا. ويجوز أن تكون الجملتان بمعنى واحد. والتكرير للمبالغة في الدعاء بتكفير الذنوب جميعًا. ﴿وَتَوَفَّناَ مَعَ الْأبْرَارِ﴾: مُكْرَمين بمحبتهم، معدودين في جملتهم وزمرتهم. ١٩٤ - ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾: أي: ربنا وأعطنا من الثواب، ما وعدتنا على ألسنة رسلك، وإنما قالوا: (عَلَى رُسُلِكَ) بالجمع، ولم يقولوا (على رسولك) بالإفراد، مع أن المنادِي هو محمد ﷺ ، للإشارة إلى أن الثواب الذي بشرهم به على الإيمان، أمر مجْمَع عليه من الرسل جميعاً.

стр. 753

﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ولا تُهِنَّا فيه بعدم قبول أعمالنا الصالحة لقلتها، وعقابنا على تقصيرنا. ﴿إنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: إن شأنك يا ربنا، ألاَّ تخلف وعدك بقبول طاعة المطبع وإثابته عليها، والعفو عن المؤمن المقصر المستغفر. وهذه الجملة تعليل لما طمعوا فيه من تحقيق المولى الكريم دعاءهم. وتلك الدعوات ليست لخوفهم من إخلافه تعالى وعدَه بالثواب والحفظ من النار للمؤمنين، بل لخوفهم من أن يتغير حالهم، وتسوء خاتمتهم، فلا يكونوا - حينئذ - من جملة الموعودين بالثواب والنجاة. فمرجعها إلى الدعاء بالتثبيت على الإيمان والصلاح. أو للمبالغة في التعبد والخشوع. وقد يفسر الميعاد بالبعث ولقاء الله يوم القيامة، وبه قال ابن عباس. ويكون المعنى: ربنا لا تخزنا يوم القيامة الذي نعلم يقينا: أنه واقع لا ريب فيه، فإن وعدك الحق، وإنك لا تخلف الميعاد. ١٩٥ - ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ … ﴾ الآية. ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾: أي أجابهم إِلى ما طلبوا، ووعدهم بتحقيق ما سألوا. ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾: بفتح همزة (أَنِّي) أي فاستجاب لهم ربهم: بأَني لا أحبط عمل عامل منكم أيها المؤمنون. أما قراءة كسر الهمزة، فبتقدير: قائلا: (إني لا أضيع) … الخ. ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: فكلا الصنفين في الثواب على الطاعة سواء، لا فرق بينكم فيه إِلا بقدر العمل وكيفيته. دون أن يكون للذكورة أو الأُنوثة دخل فيه. وعلل هذه المساواة بقوله جل وعلا: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾: فالذكر مفتقر في وجوده إلى الأنثى. والأنثى مفتقرة في وجودها إلى الرجل، فالأصل واحد. ويجوز أن يكون المعنى: بعضكم من بعض في الطاعة والعمل الصالح. أي أنتما متماثلان. فلا وجه للتفرقة بينكما في الثواب، فإن المماثلة في العمل، تستدعي المماثلة في الأجر.

стр. 754

﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: من أجل دينهم وطاعتهم لربهم. والهجرة هنا: هجر الشرك. أو هجر الأوطان والعشائر. والإخراج من الديار، مراد به: أنهم هاجروا منها بالإكراه والإجبار لا بالاختيار والإرادة. ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾: من أجل ديني. ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾: وجاهدوا المشركين واستشهدوا. ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: لأغفرنها لهم، ولأستُرنَّهَا عليهم. ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: ينعمون بنعيمها الذي لا يخطر مثله على بال، ويغتبطون بجريان الأنهار من تحتها. ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: لا يثيبه غيره، ولا يقدر عليه سواه. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾: خير الجزاء. ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾. المفردات: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾: التقلب: التنقل. والمراد هنا: تنقلهم للتكسب بالاتجار والزراعة وغيرها، وتقلبهم في النعمة. ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾: تَمَتُّعٌ يسير. ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ﴾: المأوى، محل الإقامة. ﴿الْمِهَادُ﴾: المكان الممهد.

стр. 755

﴿نُزُلًا﴾: النزل؛ ما يقدم للضيف عند نزوله أو المنزل. ومنه قول الله تعالى: ﴿ … كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ (١). التفسير ١٩٦ - ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾: الخطاب في ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾: إما للنبي ﷺ ؛ لتثبيته على ما هو عليه من عدم اغتراره بنعمتهم. فكأنه قال له: دُمْ على ما أنت عليه من عدم الاغترار بتقلبهم في النعمة، وتبسطهم في المكاسب والمتاجر والمزارع. وهذا كقوله تعالى للرسول: ﴿فَلَا تُطِع المُكَذِّبِينَ﴾ (٢) أي استمر على ما أنت عليه من عدم طاعتهم. وقيل: الخطاب - وإن كان له ﷺ فالمراد به: نهي المؤمنين عن الاغترار بما فيه الكفار من النعيم، كما يوجه الخطاب إِلى رئيس القوم، والمراد به أتباعه. وقيل: هو خطاب لكل من يصلح له من المؤمنين. ذكر المفسرون بأسانيدهم: أن بعض المؤمنين كانوا يرون المشركين في رخاء ولين عيشي، فيقولون: إن أَعداءَ الله - تعالى - فيما نرى من الخير، وقد هلكنا من الجوع والجهد … فنزلت الآية. والمعنى: لا يخدعنك ما هم عليه من سعة الرزق، وإصابة الربح، ورخاء العيش، فتظنه خيرا متصلاً، ومتاعًا دائمًا. ١٩٧ - ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: أي هو ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ مهمَا عَظُمَ، في جانب ما ذكر من ثواب الله للمؤمنين، فعما قريب يموتون، فينقضي نعيمهم الذي استدرجهم الله به، ويُمسُون مرتهنين بأعمالهم السيئة.

стр. 756

﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: ثم إِنهم - بعد ذلك التمتع اليسير والتنعم القليل - صائرون إلى عذاب جهنم التي مهدوها وهيئوها لأنفسهم بكفرهم. وساء ما يمهدون لأنفسهم: جهنم!! والتعبير بالمهاد عن النار؛ للتهكم بسوء اختيارهم. فإن العاقل لا يهييء لنفسه مكان عذاب وَهَوَان يقيم فيه. ١٩٨ - ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾: لما حذَّر الله المؤمنين من الاغترار بما فيه الكافرون من نعيم فانٍ، أتبعه بيان حسن عاقبة المؤمنين، ليزدادوا صبرا على ما هم فيه من شظف العيش، انتظارا لهذا النعيم المقيم. والمعنى: هذا حال الذين كفروا ومآلهم الفظيع ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ بالإيمان والعمل الصالح، لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار، خالدين فيها لا يبرحونها أبداً. ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: رزقًا كريمًا من عند الله، أو منزلا عظيما من عنده. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾: أي ما أعده الله لمن أطاعه من النعيم الكثير الدائم، خير للأبرار، وأَبقى مما يتقلب فيه الكفار، من قليل زائل، ونعيم حائل، وحطام فان. وصدق رسول الله ﷺ ، إِذ يقول: "ما الدنيا في الآخرة إلا مثلُ ما يَجعلُ أحدُكم أُصْبُعَهُ في اليمِّ فلينظُرْ بمَ يرجع؟! " (١). وتكرار وعدهم بالجنات التي تجرى من تحتها الأنهار؛ ليعظم سرورهم، ويتكامل به سوءُ حال الكفرة، مع ما فيه من زيادة الوعد بالخلود في هذا النعيم. ولهذه الاعتبارات، جاء الوعد بأسلوب الاستدراك.

стр. 757

﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾. المفردات: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾: خاضعين له. ﴿لَا يَشْتَرُونَ﴾: لَا يستبدلون. ﴿اصْبِرُوا﴾: الصبر، حبس النفس على المكاره. ﴿وَصَابِرُوا﴾: المصابرة؛ مغالبة العدو في الصبر. ﴿وَرَابِطُوا﴾: المرابطة؛ الملازمة في سبيل الله. التفسير ١٩٩ - ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: هذه جملة مستأنفة؛ لبيان أن أهل الكتاب ليسوا جميعًا على ما تقدم من نبذ الميثاق، وتحريف الكتاب الحق، لنفع دنيوي. بل منهم مَن له مناقب جليلة. وقد نزلت هذه الآية، فيمن أسلم من أَهل الكتاب: من أحبار اليهود ومِن النصارى.

стр. 758

أما أحبار اليهود، فلم يبلغوا عشرة، كما قال ابن كثير، وفيهم عبد الله بن سلام، وزيد بن سعنة. وأما النصارى، فكانوا كثيرين، فقد أسلم أربعون من أهل نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الروم. وترجع قلة من آمن من اليهود، إلى أنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا. وترجع كثرة من آمن من النصارى، إلى أنهم أقرب إِليهم مودة قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١). ومن هؤُلاء النجاشي - ملك الحبشة - وبعض علماء دينه. فقد قال ابن كثير: وقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب ﵁، لما قرأ سورة "كهيعص" بحضرة النجاشي، وعنده بعض البطاركة والقساوسة، بكى وبكَوْا معه، حتى أخضبوا لِحَاهُم! وقال ابن كثير أيضاً: ثبت في الصحيحين: أن النجاشي لما مات، نعاه النبي ﷺ ، إلى أصحابه وقال: "إن أخًا لكم بالحبشة قد مَات، فخرج إلى الصحراء فَصَفَّهُم وصلى عليه". وروى ابن جرير وغيره: أَن رسول الله ﷺ ، حين مات النجاشي، قال: إن أخاكم أصحمة قد مات"، فخرج رسول الله ﷺ ، فصلى كما يصلى على الجنائز، فكبر عليه أربعاً، فقال المنافقين: يُصَلِّي على عِلْجٍ (٢) مات بأرض الحبشة! فأنزل الله:

стр. 759

﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ … ﴾ الآية. والمعنى: وإن بعض أهل الكتاب لَمَن يؤمن بالله على ما يجب له من صفات الكمال، وما أنزل إِليكم من القرآن، وما أنزلَ إليهم من التوراة والإنجيل مجردَيْن عن تحريف الحرفين منهم، خاضعِين لله فيما أمرهم به. من الإيمان بمحمد وما أنزل عليه - كما أمرهم به كتابهم - لا - يستبدلون بآيات الله التي أنزلها في التوراة والإنجيل، عوضًا قليلاً، فلم يشتركوا مع قومهم في كتمان ما جاء بهما من البشارة بالنبي محمَّد ﷺ ، ووجوب الإيمان به، ولا في تحريفهما؛ رغبة في عرَض قليل من أعراض الدنيا الفانية، كالرياسة والرشوة، والإتاوات التي يفرضونها على قومهم. وقدم الإيمان بما أنزل إلى المؤمنين وهو القرآن، على ما أُنزل إليهم وهو التوراة والإنجيل، للإيذان بأن إيمانهم بكتابهم يجب أن يكون تابعًا لما جاء في القرآن، من رَدّ ما فيهما نحو البنوة لله تعالى، ومن انتهاء العمل، بأحكامهما المنسوخة بالقرآن، وتصديق ما جاءَ بهما مما أقره القرآن الكريم شرعا لجميع المرسلين. فهذا هو شأْن المسلمين، فإنهم - مع إيمانهم بالقرآن - يجب عليهم أَن يؤمنوا بالتوراة والإنجيل على هذا النحو، فلا يقولوا كما قال كفار أهل الكتاب: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١). ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: أي أولئك المتصفون بهذه الصفات الحميدة من أهل الكتاب، لهم أجرهم اللائق بهم عند ربهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: لنفوذ علمه في كل شيء. ومن كان كذلك، يسارع إِلى منحهم الأجر الموعود لهم.

стр. 760

وأهل الكتاب: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا … ﴾ (١). وقال ﷺ : "ثلاثة يؤتَون أجرهم مرتين: رجلٌ من أهل الكتاب، آمن بِنَبيِّه، ثم آمن بِي، وعبدٌ مملوكٌ أدَّى حق الله وحق مواليه، ورجلٌ كانت له أمَةٌ فَأدَّبهَا فَأحسن تأديبها، ثم أعتقها فتزوجها". أخرجه البخاري ومسلم. ولما ذكر الله في هذه السورة كثيراً من الأحكام، ختمها بما يوجب المحافظة عليها فقال: ٢٠٠ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: والمعنى: يأيها الذين آمنوا: اصبروا على مشاق الطاعات، من واجبات يجب فعلها، ومنهيات يتحتم تركها، ونافسوا وغالبوا غيركم في الصبر في مواطن الجد، من الحروب، وهوى النفوس، وعزائم الأمور. وتخصيص المصابرة بالأمر بها - بعد الأمر بالصبر الشامل لها - اهتمامًا بها؛ لكونها أشد منه وأشق. ﴿وَرَابِطُوا﴾: أقيموا على حدود البلاد وثغورها، وما هو عرضة للخطر منها، متأهبين للغزو. مأخوذ من: ربط الخيل وشدها. وليس بلازم أن يكون الرباط بالخيل، في كل حال أو زمان أو مكان. إذ المقصود: رصد حركات العدو، والتأهب لصده عن البلاد الإِسلامية. وليس بلازم أن يكون في أطراف الإقليم فحسب. بل في أي مكان منه يمكن أن يصل إليه العدو، ولو في قلب الوطن. ففي هذا الزمان، يمكن أن يصل العدو بطائراته إلي أي مكان في وطن عدوه. فالرباط في هذه الحالة، يكون بالإقامة في كل مكان منه يظن أن يقصده العدو، مع التأهب بكافة أنواع الأسلحة المضادة لهجومه أو استطلاعه، واستعمال أحدث أنواع الأجهزة لرصده: أرضًا، أو بحرًا، أو جواً.

стр. 761

والرباط في سبيل الله، له أجر عظيم. قال ﷺ : "رِبَاطُ يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها" أخرجه البخاري، عن سهل بن سعد الساعدي برفعه. وقال ﷺ : "رباط يوم وليلة خيرٌ من صيامِ شهرٍ وقيامِه، وإن ماتَ جرَى عليه عملُه الذي كان يعملُه، وأُجريَ عليه رِزقُه، وَأمنَ الفَتَّان". أخرجه مسلم عن سليمان الفارسي برفعه. وعن ابن عباس وغيره: أن الرباط: هو انتظار الصلاة بعد الصلاة. واستُدلَّ لهذا الرأي، بقوله ﷺ : "ألا أخبرُكُم بما يمحو اللهُ به الخطايا، ويرفعُ به الدرجاتِ: إِسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاةِ بعد الصلاةِ فذلكم الرِّباطُ فذلكُم الرِّباطُ، فذلكُم الرِّباطُ" أخرجه مسلم والنسائي والحاكم ومالك وابن أبي حاتم. والحق: أن هذا الحديث لا يدل على ذلك، بل على تسمية هذا الانتظار رباطا، وأن له أجراً عظيما. وقد مر حديثان للبخاري ومسلم، دالان على فضل الرباط. وأخرج أحمد عن فضالة بن عبيد، قال: سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "كُلُّ مَيتٍ يُخْتَمُ على عملِهِ، إلا الذي مات مرابطًا في سبيلِ الله، فإنه يَنْمى له عملُه إلى يومِ القيامة، ويأمنُ فِتنةَ القَبْر". وأخرج مثله ابن حبان، وأبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: بفعل ما أُمرتم به، وترك ما نهيتم عنه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لكي تفوزوا في الدنيا بالنصر وتحقيق الآمال، وفي الآخرة بجزيل الثواب .. والله أعلم.

стр. 762

سورة النساء وآياتها ١٧٦ نزلت بعد الممتحنة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذه السورة مدنية، وآياتها ست وسبعون ومائة. نزلت بعد الممتحنة. وسميت سورة النساء؛ لاشتمالها على أحكام كثيرة تتعلق بالنساء. أهم مقاصد السورة: ١ - افتتحت هذه السورة باستهلال عظيم التأثير في الضمائر والقلوب، حتى يتلقى ما تشتمل عليه من أحكام بالطاعة والإذعان. فقد نادى الله الناس وأمرهم بالتقوى، وحثهم على امتثال أمره، والبعد عن معاصيه. ٢ - وذكر مبدأ الإنسان وما يجب على أفراده من التناصر والتعاطف، والتعاون ورعاية ذوي الأرحام، وأتبع ذلك ما يلي: ٣ - رعاية حقوق الضعفاء من اليتامى والنساء والسفهاء. ٤ - العناية بالأحكام المتعلقة بالأسرة من: النكاح، والميراث، ووجوب العدل بين النساء عند التزوج بأكثر من واحدة. ٥ - الأمر بالمحافظة على الأموال والأعراض، وبيان ما أُحل منها وما حرم. ٦ - بيان العقوبات الرادعة عن الاعتداء على الأعراض والأموال والأنفس. ٧ - تعرضت السورة لكثير من شئون المنافقين ومآلهم في الآخرة. ثم جاء فيها ما يلي: ٨ - المجادلة مع أهل الكتاب وذكر بعض أخبارهم ومعتقداتهم. ٩ - والأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، والعدل في الأحكام بين الناس، وبالرجوع إلى الله ورسوله عند التنازع.

стр. 763

١٠ - ثم ورد فيها آية التيمم، وصلاة الخوف، وصلاة المسافر وبعض أحكام الجهاد. ١١ - وفيها الأمر بالإحسان إلى الوالدين وذوي الأرحام ورعاية حقوق الجار وابن السبيل والرقيق. إلى غير ذلك، من المقاصد الكريمة، والأحكام النافعة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾. المفردات: ﴿بَثَّ﴾: نشر وفرّق. ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾: أصلها تتساءَلون. والمراد: يسأل بعضكم بعضا بالله تعالى. ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾: جمع رحم، والمراد بها: القرابة. ﴿رَقِيبًا﴾: الرقيب؛ هو الحفيظ المطلع. التفسير ١ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾: هذا خطاب يعم جميع المكلفين، من الذكور والإناث، منذ نزول الآية إلى يوم القيامة. والمعنى: احذروا عقاب الله بأداءِ حقوقه، وحقوق العباد. وفي ذكر اسمه تعالى، بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين - تأْكِيدٌ للأمر بإيجاب الامتثال؛ وفاءً بحق نعمه عليكم.

стр. 764

وفي قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾: تنبيه إلى القدرة التامة، والنعمة الشاملة، حثاً على التقوى، وخوفا من العقاب، وشكراً للنعمة؛ وطلباً للثواب. ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: هي نفس آدم ﵇ وليس هناك سوى آدم واحد، وهذا ما عليه جمهور المحدثين والفقهاء. ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: أي وخلق من هذه النفس الواحدة زوجها: حواء. ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾: أي ونشر وفرق من آدم وزوجه رجالا كثيراً ونساءً كثيرات، بطريق التوالد والتناسل. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أعاد الأمر بالتقوى؛ لعظم شأنها وجليل خطرها، في المأمورين في هذه السورة. ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾: أي الذي يسأل بعضكم بعضا بالله، فيقول أحدكم لصاحبه: أسأَلك بالله، أن تفعل كذا. على سبيل الاستعطاف. ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾: أي واتقوا قطيعة الأرحام. وقرأ حمزَةُ ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ بالجر عطفا على الضمير في (بِهِ) أي واتقُوا الله الذي تساءَلون به وبالأرحامِ، فقد كان أجدهم يقول لصاحبه: أسألك باللهِ وبالرحم: أن تفعل أو لا تفعل. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾: أي احْذروا مخالفته بالتمسك بتقواه، لأنه رقيب عليكم وحفيظ لأعمالكم، فلا تخفى عليه خافية منكم. فالجملة تحذير للناس وتخويف لهم، من بأس الله الذي أُمروا بتقواه، ببيان أنه تعالى رقيب عليهم، قد أحصى عليهم أَعمالهم، وسيحاسبهم عليها. والمراد من أنه كان عليهم رقيبا: أن رقابته عليهم موجودة منذ نشأتهم، كما أنها باقية إلى فنائهم. فلم يفلت منها أحد. ولن يغيب عنها إنسان، إلى أن تقوم الساعة.

стр. 765

﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾. المفردات: ﴿وَآتُوا﴾: المراد بإتيانها أن يحافظوا عليها، ولا يتعرضوا لها بسوء، حتى يسلموها لليتامى عند البلوغ والرشد كاملة. إلا ما صرف منها في ضرورات اليتامى وحاجاتهم. ﴿الْيَتَامَى﴾: جمع يتيم؛ وهو من مات أبوه. وخصه العرف والشرع بالصغير دون البلوغ. ﴿تَتَبَدَّلُوا﴾: يقال: تبدل الشيءُ بالشيء واستبدله به إذا أخذ الأول بدل الثاني. فالباءُ داخلة على المتروك. ﴿الْخَبِيثَ﴾: الحرام، أو الرديء. ﴿بِالطَّيِّبِ﴾: بالحلال، أَو بالجيد. ﴿حُوبًا﴾: إثما وذنبا. التفسير ٢ - ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾: بعد أن أمر الله الناس جميعاً بتقواه، أمر الأولياء والأوصياء على اليتامى، بأن يحفظوا أموالهم ولا يتعرضوا لها بسوء، حتى تسلَّم إليهم - بعد البلوغ - كاملة غير منقوصة، فإيتاءُ الأموال يراد به: الحفظ والصيانة لها. واليتامى باقية على معناها العرفي والشرعي. أو المراد بالإيتاء: الإعطاء.

стр. 766

والمعنى: وأعطوا اليتامى أموالهم بعد البلوغ وإيناس الرشد منهم، ولا تحبسوها عنهم. وتسميتهم يتامى؛ لقرب عهدهم بالصِّغَر. وفيه إشارة إلى تسليمهم أموالهم عند البلوغ مباشرة، من غير مماطلة. قبل أن يزول وصف اليتيم عنهم. والأول أرجح؛ لأن دفع الأموال إِلى اليتامى بعد البلوغ، سيأتي قريبا في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١). ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾: أي ولا تأخذوا الحرام - وهو أموال اليتامى - بدل الحلال وهو أَموالكم. أو المعنى: ولا تستبدلوا بالرديء من أموالكم الجيد من أموال اليتامى، فقد كان بعض الأوصياء يأخذ الشاة السمينة من مال اليتيم، ويضع بدلا منها شاة مهزولة، ويقول: شاة بشاة. ويأخذ الدرهم الجيد، ويضع مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾: أي ولا تأخذوا أموال اليتامى مضمومة إلى أموالكم، وتسَوُّوا بينهما في الإنفاق منهما. من غير مبالاة. مع أن أحدهما حرام والآخر حلال. ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾: أي إن أخذ الخبيث لليتيم بدل الطيب، وأَكل ماله على الصفة المذكورة - ذنب عظيم، وإثم كبير. وسيظل كذلك. وفي الآية دليل على أن ذلك من كبائر الذنوب. وفيها عدة تأكيدات للمحافظة على أموال اليتامى. حيث وصّى بالمحافظة عليها حتى يتسلموها كاملة سليمة، ونهى عن استبدال غيرها بها، وعن ضمها لأموالهم، وأكلها من غير مبالاة بما يلحقهم من جراء ذلك. ثم ختم ذلك ببيان أَن هذا إثم كبير، وذنب عظيم.

стр. 767

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾. المفردات: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾: أي أَلَّا تعدلوا، من: أَقسط أي عدل. وأما قسط، فمعناه: ظلم. ﴿فِي الْيَتَامَى﴾: المراد: اليتيمات. ﴿فَانْكِحُوا﴾: تزوجوا. ﴿مَا طَابَ﴾: ما حل. أو ما مالت إليه نفوسكم. ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾: أي اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثاً، وأربعاً أربعاً. ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾: ألا تجوروا وتظلموا. التفسير ٣ - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾: لما عَظَّم الله حق اليتامى في أموالهم فأمر الأولياءَ بحفظها، وعدم التفريط فيها. إلى أن تؤَدى إليهم، وجعل أَكلها ذنبا عظيما. أَتبع ذلك التوصية بحقوق اليتيمات: في أنفسهن، وفي أموالهن. وقد صح في سبب نزول هذه الآية. ما رواه البخاري وغيره: "عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂: أنه قد سألها عروة عن هذه الآية: فقالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليِّها: تشركه في حاله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن

стр. 768

يتزوجها، بغير أن يُقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره. فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساءِ" … الحديث رواه البخاري في كتاب التفسير. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى … ﴾: وإن خفتم عقاب الله، بسبب ما علمتموه - أو غلب على ظنكم من عدم العدل في تزوجكم من يتامى النساء اللائي تحت ولايتكم، بعدم إعطائهن صداق مثيلاتهن: أو بسوء معاملتهن - فاتركوا التزوج بهن، وانكحوا ما حل أو ما مالت إليه نفوسكم من النساء غيرهن. ولكل واحد منكم الخيار في أن يتزوج اثنتين أَو ثلاثًا أو أربعًا. بحيث لا يزيد العدد الذي في عصمته على أربع، فِإن ظننتم عدم العدل - عند تعدُّد الزوجات في شأن القسم والعشرة والمؤنة - فتزوجوا واحدة فقط. أو تمتعوا بما شئتم من الإماء بملك اليمين. فإن ذلك أقرب إلى عدم الجَوْر. إِذ الواحدة تستقل بزوجها والإماءُ لا حق لهن في القسم. هذا وقد أجمع فُقَهاءُ الأمصار: على عدم جواز الزيادة على أربع. وقد ثبت عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال لغيلان الثقفي حين أسلم وتحته عشر نسوة: "أمْسِكْ أربَعًا، وفارِقْ سَائِرَهُنَّ" رواه أحمد والترمذي. وابن ماجه. وقد قال الشافعي: "دلت سنة رسول الله ﷺ ، المبينة عن الله: أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله، ﷺ ، أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة". وهذا الذي قاله الشافعي مجمع عليه. وقد أبيح للرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة، لحكم كثيرة أهمها: ١ - أن الحروب تقع كثيرا. والرجال هم الذين يخوضون غمارها، ويموت الكثير منهم وتتأَيَّم النساء، وتتيتم، ويفقدن العائل والمعين، فيصبحن في حاجة إلى من يقوم بشئونهن. فلو لم يجز التعدد، لكثر عدد الأيامى منهن. وفي ذلك ما يعرضهن للفساد.

стр. 769

٢ - عدد النساء أكثر من عدد الرجال في كثير من بلاد العالم. فإباحة التعدد علاج لهذه الحالة، حتى لا يتعرضن لعبث العابثين، ومذلة الفقر والحاجة، فزواج إحداهن برجل متزوج بأخرى، إبعاد لها عن الشقاء. وأخذ بيدها إلى ما يصون كرامتها وعفتها. ٣ - وقد تمرضُ الزوجة أو تكون عقيما، ويأبى زوجها مفارقتها برًّا بها، ووفاءً لها. فهل نمنعه من الزواج بغيرها فيقع في الحرج؟ أو نلزمه بتطليقها ليتزوج بأخرى فيزيد ألمها وتحرم من العطف والحنان؟ أو نبيح له أن يتزوج معها غيرها؟ إذا حكمنا العقل في ذلك، نرى أن الخصلة الأخيرة هي الجديرة بالرجحان. وهذا هو الذي شرعه الله. ٤ - للمرأة في شبابها فترات لا تصلح فيها للتمتع الجنسي، كفترة الحيض والنفاس والولادة. فإذا كان زوجها قويا لا يصبر عن النساء. فهل نبيح له الزواج بأُخرى، كما تقضى به الشريعة، أو يدنس نفسه بالحرام كما يريده من يبغون حظر التعدد؟. ٥ - إذا فقدت الزوجة ما يحببها إلى زوجها، من وسامة وجمال، أو حسن عشرة ولين خلق، فليس من الحكمة منع الرجل من الزواج بغيرها، مع إبقائه عليها رعاية لماضي العشرة بينهما، وحفاظا على بقائها مع أولادها منه، حتى يتربوا بين والديهم، فإن منعه من الزواج بغيرها حينئذ، يفضي إلى انحراف الزوج، وكراهته لأولاده، وفي ذلك شر كبير. هذه بعض حكم إباحة الزواج بأكثر من واحدة. وقد وضع الشارع له قيودا. فحرم الزيادة على أربع، وأوجب العدل على الرجل، إذا تزوج بأكثر من واحدة. فإن وقع جور على إحداهن - فلها أن ترفع أمرها إلى الحاكم ليرفع عنها ما وقع عليها أو يخففه. فإن استحكم الخلاف وتعذر الوفاق فللحاكم أن يفرق بينهما: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ (١).

стр. 770

﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾. المفردات: ﴿وَآتُوا﴾ الإيتاءُ: للإعطاء والمناولة، أو الالتزام. ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾: جمع صدقة بضم الدال. وهو المهر. ﴿نِحْلَةً﴾: عطية من غير عوض. وفسرها بن عباس بالفريضة، فهي عطية من الله مفروضة على الأزواج. ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾: صفتان من هُنؤ الطعام ومرؤ. والهنيء ما يلذ للأكل. والمريءُ ما سهل هضمه، وحسنت عاقبته. والمراد: أنه لا تبعة ولا عقاب عليه: أي حلالاً طيباً. التفسير ٤ - ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾: بعد ما بين الله في الآية السابقة، ما يحل الزاج بهن من النساء، وما يجب على الزوج من العدل بين الزوجيتين أو الزوجات - بين في هذه الآية، ما يجب على الزوج لزوجته. من دفع صداق لها أو إلزام نفسه به فقال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾: الخطاب في الآية للأزواج، لأن الضمائر في الآية السابقة لهم، وهذه معطوفة على ما سبق. والمعنى: وأعطوا النساء اللاتي تعقدون عليهن مهورهم نحلة: أي عطية من الله مفروضة عليكم. والصداق: آية من آيات المودة، وتوثيق لعرى الصلة بين الزوجين، كي تدوم الألفة وتعظم المحبة، وهو دليل على صدق رغبة الزوج في زوجته.

стр. 771

ويرى البعض: أن الخطاب للأولياء، فقد كان الولي - في الجاهلية - يزوج ابنته أو أخته، ويأخذ الصداق لنفسه. فأنزل الله الآية لمنع ذلك. ولا مانع من أن يجعل الخطاب عامًا للمسلمين، فيشمل الأزواج والأولياء، الزوج مطالب بإعطاء الزوجة صداقها. والولي مطالب بدفعه لها، بعد تسلمه من الزوج. وهي كاملة التصرف فيه بعد ذلك. ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾: أي فإن طابت نفوسهن بإعطائكم شيئًا من هذا الصداق - قل أو كثر - فلا مانع من أخذه والانتفاع به. بشرط أن يكون ذلك عن طيب نفس منهن: من غير إكراه ولا إلجاء بسوء العشرة، أو الإضرار بهن. وإلا كان حرامًا. كما سيأتي بيانه في الآية (٢٠) من هذه السورة. ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾: أي فخذوه وانتفعوا به أخذا لا ضرر ولا تبعة عليكم فيه. فليس المراد خصوص الأكل. إنما المراد: حل التصرف فيه. وخص الأكل بالذكر؛ لأن أكثر وجوه الانتفاع بالمال، عن طريق الأكل. ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾. المفردات: ﴿السُّفَهَاءَ﴾: جمع سفيه. والمراد هنا: الذي لا يحسن التصرف في المال. ﴿قِيَامًا﴾: ما تقوم به أموركم، وتصلح شئونكم. التفسير ٥ - ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾:

стр. 772

لما بينت الآيات السابقة، وما يجب على الأولياء من المحافظة على أموال اليتامى، وأمرهم بالزواج من غير اليتيمان، عند خوف عدم العدل معهن، مع بيان وجوب المهر للزوجة، رجع السياق - في هذه الآية - إلى بيان ما بقي من الأحكام المتعلقة باليتامى. وبيانها ما يلي: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾: أي ولا تعطوا - أيها الأولياء - اليتامى أموالهم التي تحت أيديكم؛ لأنهم لا يحسنوا التصرف فيها، ولا القيام على حفظها واستثمارها. وقد جعل الله تلك الأموال، قيامًا لليتامى: منها يتعيشون، وعليها يعتمدون فيما يحتاجون إليه في معاشهم وحياتهم. وإنما أُضيفت الأموال إلى الأولياء مبالغة في حملهم على المحافظة عليا، حيث نَزَّلَ أموال اليتامى منزلة أموال الأولياء، لأنهم متحدون في الجنس والنسب غالبًا. وذلك نظير قوله تعالى في هذه السورة ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١): أي لا يقتل بعضكم بعضا. فعبر عن النوع بالنفس؛ مبالغة في الزجر عن القتل. كأنَّ من قتل غيره، فلقد قتل نفسه. وقد ذهب إلى تفسير الآية بما ذكر: عكرمة، وابن جبير، وكثير من المفسرين. هذا وفي الآية دلالة قوية على النهي عن إضاعة المال، والأمر بالمحافظة عليه، والعمل على حسن التصرف فيه، والتدبير له، لأن الله تعالى - قد جعله سببًا في إصلاح المعاش، وانتظام الأمور. ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾: أي اجعلوا الأموال مكانًا لرزقهم وكسوتهم. وذلك بالاتجار فيها واستثمارها، فتكون نفقاتهم من غلتها وربحها، لا من أصل المال. وإلا أكله الإنفاق، وهذا هو سر التعبير بقوله: ﴿فِيهاَ﴾. ولم يقل: منها. وقد روى الترمذي أن رسول الله ﷺ ، قال: "ألَا مَنْ وَلِيَ يتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِر فِيهِ، ولا يَتْرُكُهُ حَتَّى تَأكُلَهُ الصَّدَقَةُ".

стр. 773

﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: أي وليقل كل من ولي أمر سفيه أو يتيم، قولًا ليِّنًا تَطيب به نفسه. مثل أن يقول له: المال مالك، وما أنا إلا خازن عليه أحفظه لك من الضياع، وعند الكبر - أو الرشد والتدبر للأمر - سأسلمه لك، ونحو ذلك من العبارات التي فيها دلالة على الرفق والرحمة، والعناية بشئونهم. ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾. المفردات: ﴿وَابْتَلُوا﴾ الابتلاء: الاختبار والتجربة. ﴿بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾: بلغوا الحلم وهو حد التكليف. ﴿آنَسْتُمْ﴾: أبصرتم، وتبينتم. ﴿رُشْدًا﴾: أي حسن تصرف في الأموال. ﴿إِسْرَافًا﴾: الإسراف؛ مجاوزة الحد المعتاد في التصرف. ﴿وَبِدَارًا﴾ البدار؛ المسارعة في الشيء. ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾: العفة؛ ترك ما لا ينبغي من الشهوات، والمراد فليتنزه عن الأكل من مال اليتيم.

стр. 774

التفسير ٦ - ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا … ﴾ الآية. أي اختبروا اليتامى - أيها الأولياء - قبيل البلوغ، بالإذن لهم في التصرف في بعض أموالهم، لتعرفوا حسن تصرفهم فيها وضبطهم لها. فإن تبينتم منهم رشدا - بعد البلوغ، وهداية إلى حسن التصرف - فادفعوا إليهم أموالهم التي تحت أيديكم. وإلا فاستمروا على الابتلاء والتجربة، حتى تعرفوا منهم ذلك. وقد ذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن الاختبار قبل البلوغ. ويدل على هذا قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. وقد فَرَّعَ أبو حنيفة على هذا: أن تَصَرُّفَ الصبي العاقل المميز صحيح، متى كان بإذن الولي. وقال الشافعي: لا يباشر الصبي العقد بنفسه، وإِنما يباشره وليه، فإذا تمت الصفقة، قام الولي بالتعاقد. وظاهر الآية: دال على أَن أَموال اليتامي، لا تدفع إليهم، إلا إذا بلغوا راشدين. والبلوغ: إما بالاحتلام للذكور، وبالحيض للإناث. وإما بالسن، وهو عند الشافعي والحنابلة: خمس عشرة سنة. وعند المالكية. سبع عشرة سنة. وفرق الحنفية بين الذكور والإناث: فجعلوه للذكور ثمانية عشر عاما، وللإناث سبعة عشر عاما. وكل ذلك بالحساب القمري. فإذا بلغ غير رشيد، فلا يسلَّم له ماله، عند جمهور الفقهاء. ومنهم صاحبا أبي حنيفة. وقال أبو حنيفة: يُسَلَّم له إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة وإن لم يثبت رشده؛ لأنه يصلح أَن يكون جدًا، وهو يستحيى أن يحجر على مثله، ولكن النص لا يساعد مذهبه. فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.

стр. 775

﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾: هذا نهي للأولياء والأوصياء، عن أكل أموال اليتامى: مسرفين في الإنفاق منها، ومتعجلين أكلها، مخافة أن يكبروا فينتزعوها من أيديهم. فإن الكثير من الأولياء، يستعجل بعض التصرفات التي يكون لهم فيها منفعة، حتى لا تفوتهم إذا كبر اليتيم وتسلَّم ماله. ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾: نهى الله الأولياء - في الجملة السابقة - عن أكل مال اليتامى مسرفين ومبادرين كبرهم، حتى يظفروا بما يريدون. وفي هذه الجملة من الآية، يرشد الأولياء، إلى أن من كان منهم ذا مال ويسار، فليكف نفسه عن الأكل من أموال اليتيم التي تحت يده، وليبالغ في إعفاف نفسه وإِبعادها عنه. فلا يأكل منه شيئًا. ومن كان منهم فقيرا فليأخذ من مال اليتيم، بقدر حاجته من سد الجوعة وستر العورة … لا يزيد عن ذلك. ومن هذا يتبين جواز انتفاع الوصي والولي بقدر حاجته، من غير إسراف. أما إذا أسرف، فإنه يكون ظالما. وفاعله يدخل تحت مَنْ قال الله فيهم، في هذه السورة بعد ثلاث آيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (١). وقد روى الإمام أحمد والنسائي، وأبو داود، عن ابن عمر: أن رجلًا سأل النبي ﷺ ، فقال: ليس لي مال. وإني وليٌّ يتيم. أفآكل من ماله؟ فقال: "كُلْ مِنْ مَالِ يتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ، وَلَا مُتأثِّلٍ مَالًا (٢): وَمِنْ غَيْرِ أنْ تَقِيَ مَالَكَ بِمَالِهِ". وإِلى هذا الظاهر، ذهب عطاء وقتادة، وهو أحد الروايات عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد والزهري، وآخرون: ما يأخذه الفقير - بقدر حاجته - يكون قرضا. وعليه أن يرده إذا أيسر.
следующие страницы →