← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ويرى البعض: أن الخطاب للأولياء، فقد كان الولي - في الجاهلية - يزوج ابنته أو أخته، ويأخذ الصداق لنفسه. فأنزل الله الآية لمنع ذلك. ولا مانع من أن يجعل الخطاب عامًا للمسلمين، فيشمل الأزواج والأولياء، الزوج مطالب بإعطاء الزوجة صداقها. والولي مطالب بدفعه لها، بعد تسلمه من الزوج. وهي كاملة التصرف فيه بعد ذلك. ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾: أي فإن طابت نفوسهن بإعطائكم شيئًا من هذا الصداق - قل أو كثر - فلا مانع من أخذه والانتفاع به. بشرط أن يكون ذلك عن طيب نفس منهن: من غير إكراه ولا إلجاء بسوء العشرة، أو الإضرار بهن. وإلا كان حرامًا. كما سيأتي بيانه في الآية (٢٠) من هذه السورة. ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾: أي فخذوه وانتفعوا به أخذا لا ضرر ولا تبعة عليكم فيه. فليس المراد خصوص الأكل. إنما المراد: حل التصرف فيه. وخص الأكل بالذكر؛ لأن أكثر وجوه الانتفاع بالمال، عن طريق الأكل. ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾. المفردات: ﴿السُّفَهَاءَ﴾: جمع سفيه. والمراد هنا: الذي لا يحسن التصرف في المال. ﴿قِيَامًا﴾: ما تقوم به أموركم، وتصلح شئونكم. التفسير ٥ - ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾:

стр. 772

لما بينت الآيات السابقة، وما يجب على الأولياء من المحافظة على أموال اليتامى، وأمرهم بالزواج من غير اليتيمان، عند خوف عدم العدل معهن، مع بيان وجوب المهر للزوجة، رجع السياق - في هذه الآية - إلى بيان ما بقي من الأحكام المتعلقة باليتامى. وبيانها ما يلي: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾: أي ولا تعطوا - أيها الأولياء - اليتامى أموالهم التي تحت أيديكم؛ لأنهم لا يحسنوا التصرف فيها، ولا القيام على حفظها واستثمارها. وقد جعل الله تلك الأموال، قيامًا لليتامى: منها يتعيشون، وعليها يعتمدون فيما يحتاجون إليه في معاشهم وحياتهم. وإنما أُضيفت الأموال إلى الأولياء مبالغة في حملهم على المحافظة عليا، حيث نَزَّلَ أموال اليتامى منزلة أموال الأولياء، لأنهم متحدون في الجنس والنسب غالبًا. وذلك نظير قوله تعالى في هذه السورة ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١): أي لا يقتل بعضكم بعضا. فعبر عن النوع بالنفس؛ مبالغة في الزجر عن القتل. كأنَّ من قتل غيره، فلقد قتل نفسه. وقد ذهب إلى تفسير الآية بما ذكر: عكرمة، وابن جبير، وكثير من المفسرين. هذا وفي الآية دلالة قوية على النهي عن إضاعة المال، والأمر بالمحافظة عليه، والعمل على حسن التصرف فيه، والتدبير له، لأن الله تعالى - قد جعله سببًا في إصلاح المعاش، وانتظام الأمور. ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾: أي اجعلوا الأموال مكانًا لرزقهم وكسوتهم. وذلك بالاتجار فيها واستثمارها، فتكون نفقاتهم من غلتها وربحها، لا من أصل المال. وإلا أكله الإنفاق، وهذا هو سر التعبير بقوله: ﴿فِيهاَ﴾. ولم يقل: منها. وقد روى الترمذي أن رسول الله ﷺ ، قال: "ألَا مَنْ وَلِيَ يتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِر فِيهِ، ولا يَتْرُكُهُ حَتَّى تَأكُلَهُ الصَّدَقَةُ".

стр. 773

﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: أي وليقل كل من ولي أمر سفيه أو يتيم، قولًا ليِّنًا تَطيب به نفسه. مثل أن يقول له: المال مالك، وما أنا إلا خازن عليه أحفظه لك من الضياع، وعند الكبر - أو الرشد والتدبر للأمر - سأسلمه لك، ونحو ذلك من العبارات التي فيها دلالة على الرفق والرحمة، والعناية بشئونهم. ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾. المفردات: ﴿وَابْتَلُوا﴾ الابتلاء: الاختبار والتجربة. ﴿بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾: بلغوا الحلم وهو حد التكليف. ﴿آنَسْتُمْ﴾: أبصرتم، وتبينتم. ﴿رُشْدًا﴾: أي حسن تصرف في الأموال. ﴿إِسْرَافًا﴾: الإسراف؛ مجاوزة الحد المعتاد في التصرف. ﴿وَبِدَارًا﴾ البدار؛ المسارعة في الشيء. ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾: العفة؛ ترك ما لا ينبغي من الشهوات، والمراد فليتنزه عن الأكل من مال اليتيم.

стр. 774

التفسير ٦ - ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا … ﴾ الآية. أي اختبروا اليتامى - أيها الأولياء - قبيل البلوغ، بالإذن لهم في التصرف في بعض أموالهم، لتعرفوا حسن تصرفهم فيها وضبطهم لها. فإن تبينتم منهم رشدا - بعد البلوغ، وهداية إلى حسن التصرف - فادفعوا إليهم أموالهم التي تحت أيديكم. وإلا فاستمروا على الابتلاء والتجربة، حتى تعرفوا منهم ذلك. وقد ذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن الاختبار قبل البلوغ. ويدل على هذا قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. وقد فَرَّعَ أبو حنيفة على هذا: أن تَصَرُّفَ الصبي العاقل المميز صحيح، متى كان بإذن الولي. وقال الشافعي: لا يباشر الصبي العقد بنفسه، وإِنما يباشره وليه، فإذا تمت الصفقة، قام الولي بالتعاقد. وظاهر الآية: دال على أَن أَموال اليتامي، لا تدفع إليهم، إلا إذا بلغوا راشدين. والبلوغ: إما بالاحتلام للذكور، وبالحيض للإناث. وإما بالسن، وهو عند الشافعي والحنابلة: خمس عشرة سنة. وعند المالكية. سبع عشرة سنة. وفرق الحنفية بين الذكور والإناث: فجعلوه للذكور ثمانية عشر عاما، وللإناث سبعة عشر عاما. وكل ذلك بالحساب القمري. فإذا بلغ غير رشيد، فلا يسلَّم له ماله، عند جمهور الفقهاء. ومنهم صاحبا أبي حنيفة. وقال أبو حنيفة: يُسَلَّم له إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة وإن لم يثبت رشده؛ لأنه يصلح أَن يكون جدًا، وهو يستحيى أن يحجر على مثله، ولكن النص لا يساعد مذهبه. فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.

стр. 775

﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾: هذا نهي للأولياء والأوصياء، عن أكل أموال اليتامى: مسرفين في الإنفاق منها، ومتعجلين أكلها، مخافة أن يكبروا فينتزعوها من أيديهم. فإن الكثير من الأولياء، يستعجل بعض التصرفات التي يكون لهم فيها منفعة، حتى لا تفوتهم إذا كبر اليتيم وتسلَّم ماله. ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾: نهى الله الأولياء - في الجملة السابقة - عن أكل مال اليتامى مسرفين ومبادرين كبرهم، حتى يظفروا بما يريدون. وفي هذه الجملة من الآية، يرشد الأولياء، إلى أن من كان منهم ذا مال ويسار، فليكف نفسه عن الأكل من أموال اليتيم التي تحت يده، وليبالغ في إعفاف نفسه وإِبعادها عنه. فلا يأكل منه شيئًا. ومن كان منهم فقيرا فليأخذ من مال اليتيم، بقدر حاجته من سد الجوعة وستر العورة … لا يزيد عن ذلك. ومن هذا يتبين جواز انتفاع الوصي والولي بقدر حاجته، من غير إسراف. أما إذا أسرف، فإنه يكون ظالما. وفاعله يدخل تحت مَنْ قال الله فيهم، في هذه السورة بعد ثلاث آيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (١). وقد روى الإمام أحمد والنسائي، وأبو داود، عن ابن عمر: أن رجلًا سأل النبي ﷺ ، فقال: ليس لي مال. وإني وليٌّ يتيم. أفآكل من ماله؟ فقال: "كُلْ مِنْ مَالِ يتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ، وَلَا مُتأثِّلٍ مَالًا (٢): وَمِنْ غَيْرِ أنْ تَقِيَ مَالَكَ بِمَالِهِ". وإِلى هذا الظاهر، ذهب عطاء وقتادة، وهو أحد الروايات عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد والزهري، وآخرون: ما يأخذه الفقير - بقدر حاجته - يكون قرضا. وعليه أن يرده إذا أيسر.

стр. 776

وعن عمر، أنه قال: أنْزَلْتُ نفسي من هذا المال بمنزلة وليِّ اليتيم: إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرت قضيت (١). وقد ذهب جماعة إلى أنه ليس للولي أن ينتفع من مال اليتيم بشيء. وأن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (٢)، وقد أنكر أبو بكر بن العربي القول بالنسخ، لان الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ فكيف ينسخ الظلم المعروف؟. والحق من هذه الآراء: أن للولي الفقير، أن يأخذ من مال اليتيم، ما يفي بحاجته، من غير إسراف ولا تبذير، وليس عليه ردُّ ما أخذه؛ لأنَّ ما أخذه نظير نظره ورعايته المال .. وأما الغني، فلا ينبغي أن يأْخذ من مال اليتيم شيئًا؛ لأن الله تعالى، أمره بالعفة، والكف عنه. ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾: أي فإذا أديتم - أيها الأولياء - أموال اليتامى إليهم فأحضروا شهودا عليهم، بأنهم تسلموها، وأبرئوا ذمتكم منها، كيلا يكون بينكم وبينهم نزاع؛ لأن الإشهاد أبعد عن التهمة، وأنفى للريبة والخصومة، وأدخَلُ في الأمانة. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: أي وكفى الله محاسبا وشهيدا ورقيبا على الأولياء، في حال تسليمهم الأموال لليتامى، هل هي كاملة، أو منقوصة؟. وفي هذه الجملة، تحذير للمسلمين، من أخذ شيء من أموالى اليتامى - وأن الإشهاد - وإن أسقط الدعوى في الدنيا أمام القضاء - فهو لا يحل ما أخذه الولي من مال اليتيم، عند الله في الآخرة، فإذا كان الولي خائنا، فإن الله سيحاسبه؛ لأنه لا تخفى عليه خافية.

стр. 777

﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾. التفسير ٧ - ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾: بعد أن بين الله تعالى، الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى - التي آلت إليهم بالميراث - شرع في الكلام - على أحكام المواريث. فأجملها في هذه الآية الكريمة، إبطالا لما كان عليه أهل الجاهلية من حرمان الصغار والنساء منه، وسَيفصلها فيما يأتي: سبب النزول: نزلت هذه الآية في شأن زوجة أوس بن ثابت وأولاده وابني عمه. فقد روى ابن مردويه وغيره، عن جابر: أن أوس بن ثابت، مات عن زوجته أم كحة وابنتين، وابن صغير، وابني عمه - وهما وصياه - فأخذا ماله: ولم يعطيا أولاده وزوجته منه شيئا، كعادتهم في الجاهلية. فقالت الزوجة للوصيين: تزوجا بالبنتين وكانت بهما دمامة فأبيا. فأتت رسول الله ﷺ ، وأخبرته الخبر. فدعاهما. فقالا: يا رسول الله، ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل كَلاًّ (١) ولا ينكأُ عدوًا (٢). فصرفهم النبي ﷺ ، حتى يَنزلَ حكمُ الله في شأنهم، فأنزل الله هذه الآية. فأرسل إلى ابن العم. وقال لهما: لا تحركا من الميراث شيئًا، فإِنه قد أنزلَ عَليّ فِيه شيء

стр. 778

أخبرت أن للذكر وأنثى نصيبًا. ثم نزلت بعد ذلك الآيات في تفصيل الميراث. فدعا رسول الله ﷺ بالميراث، فأعطى المرأة الثمن، وقسم الباقي بين الأولاد، للذكر مثل حظ الأنثيين. ولم يعط ابني العم شيئًا. وفي بعض طرق الحديث: أن الورثة كانوا زوجة وابنتين وابني العم، وأعطى رسول الله ﷺ ابني العم ما بقي بعد نصيب الزوجة والبنتين. ومن هذا يتبين: كيف أنصف الإِسلام المرأة، وحفظها من الضياع. ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾: والمقصود من الرجال والنساء: الذكور والإناث، وإن كانوا صغارا. أي للذكور نصيب مما تركه آباؤهم وأمهاتهم وأقاربهم، كالإِخوة والأخوات، والأعمام والعمات. وللإناث نصيب مما ترك آباؤُهن وأمهاتهن وأقاربهن. وبهذا، بطل ما كان عليه أهل الجاهلية، من توريث البالغين من الرجال فقط، حيث جعل للجميع حظًا ونصيبا في الإرث. وكان يكفى أن يقال: لكل واحد نصيب مما ترك. الوالدان والأقربون. ولكنه تعالى، شاء أن يفصل فيجعل للرجال نصيبا وللنساء نصيبا مما تركه الوالدان والأقربون، إيذانا بأصالة النساء في استحقاق الميراث، ومنعًا من صرف هذا المجمل إلى الرجال وحدهم، على ما كانت عليه عادة الجاهلية، ومبالغةً. في إبطال هذه العادة الظالمة. ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ أي لكل من الصنفين - الرجال والنساء - نصيب من المتروك. سواء أكان المتروك قليلًا أم كثيرا، عظيم القيمة أو حقيرها، عقارًا ثابتا أو منقولا. فلا يحق لبعض الورثة أن يستأثر ببعض الميراث دون الآخرين، كالسلاح والخيل، وغير ذلك. كما كان شائعًا في الجاهلية. وتقديم القليل على الكثير - في الآية - للتنبيه على وجوب دخوله في الميراث ببن المستحقين، لأنه مظنَّة التهاون فيه.

стр. 779

﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾: أي فرض الله ذلك حظًا مفروضا مقدرًا، تجب مراعاته، وتحرم مخالفته. ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾. المفردات: ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾: أصحاب القرابة غير الوارثين. ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾: فأعطوهم من المال الموروث. التفسير ٨ - ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: بعد أن بين الله - فيما سبق - استحقاق الوارثين من الرجال والنساء، بين في هذه الآية: أن من لا يرث من أقارب المتوفى، ومن اليتامى والمساكين الأجانب، يُسْتَحَبُّ إعطاؤُهم شيئًا من التركة إذا حضروا قسمة التركة، تطييبا لنفوسهم وجبرًا لخواطرهم. ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾: أي وإذا حضر قسمة الميراث، أصحاب القرابة ممن لا حق لهم في الميراث، أو حضرها اليتامى والمسا كين من الأجانب. ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾: أي فأَعطوهم من المال المتروك شيئًا، تطيب به نفوسهم، ويجبر خاطرهم ويدفع ما قد يسرى في نفوسهم من حسد الورثة على ما ورثوه. ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: أَي قولًا لينا جميلا. مثل وددنا لو أَعطيناكم أَكثر من هذا، ودعائكم لهم بالبركة، وعدم مَنِّكم عليهم.

стр. 780

وقد ذهب جمهور فقهاء الأمصار، إلى أن هذا الإعطاء على سبيل الاستحباب، إذ لو كان واجبًا، لبينه الله، كما بين سائر الحقوق، ولتوفرت الدواعي على نقله. ولكنه لم ينقل. فدل ذلك على عدم وجوبه. وعلى ذلك فالآية محكمة لا نسخ فيها. وقد نقل عن ابن عباس أنه قال: والله ما نسخت هذه الآية، ولكن الناس تهاونوا بها. ومن العلماء من قال: إن الإعطاء كان واجبا قبل نزول آيات المواريث. ثم نسخ. والأول هو الصحيح المعوَّل عليه؛ لأن نص الآية مشعر بتقدم آيات المواريث عليها، فمعنى ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾: أي قسمة الميراث على أربابه، ولا يقسم الميراث، ما لم تعلم أنصباء الورثة، والأمر بالرزق في قوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾: إنما هو في نصيب البالغين من الورثة، أما الصغار فلا يعطى من نصيبهم شيء. ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾. المفردات: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ الخشية: الخوف والحذر. ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾: عَدْلًا وصوابًا. التفسير ٩ - ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: يأمر الله تعالى الأولياء في هذه الآية الكريمة: بأن يخافوا ربهم ويتقوه في رعاية اليتامى الذين يَلُونَ أمورهم. فعليهم أن يعاملوهم بمثل ما يحبون أن يُعَامَلَ بهِ أبناؤُهم الضعفاء من بعدهم. وذلك بحفظ أموال اليتامى ورعايتها.

стр. 781

أخرج هذا المعنى ابن جرير، عن ابن عباس، حيث قال: يعني بذلك: الرجل يكون له أولاد صغار يَخشَى عليهم الضياع، ويخاف عليهم ألا يحسن إليهم من يلي أمرهم. يقول: فإن وَلي ضعافا يتامى مثل ذريته، فليحسِنْ إليهم، ولَا يأكُل أموالهم. وخلاصة المعنى: عاملوا اليتامى بما تحبون أن يُعَامَلَ به أولادكم من بعدكم. ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: أي وليقولوا لليتامى قولًا لينا، تظهر فيه الشفقة والحنان، مع العناية بتهذيب خلقهم وتوجيههم إلى الرشاد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾. المفردات: ﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾: أَي يأكلون ما يؤَدى بهم إلى النار، ليعاقبوا فيها على ما أكلوه. ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾: أي وسيدخلون نارا هائلة. من صَلِي النار - بكسر اللام - أي قاسى حرها. والسعير: النار الموقدة. من سَعَرت النار أوقدتها وألهبتها. التفسير ١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾: سيقت هذه الآية؛ لتأكيد الأوامر والنواهي، التي سبقت في شأن اليتامى. وهي وعيد شديد، لمن يتعدى على أموالهم، بأخذها ظلما وعدوانا. أما إذا أخذ منها الولي

стр. 782

الفقير، بمقدار حاجته، كما سيق - في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ - من هذه السورة، فلا إثم فيه. والمراد من قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ أنهم يأْكلون من أموال اليتامى في الدنيا، ما يؤَدى بهم إلى النار في الآخرة. أو أن من يأكل مال اليتيم في الدنيا، يجازى في الآخرة على ذلك، بأن يأكل النار حقيقة. كما أخرجه ابن جرير في حديث الإسراء. وفيه: أن الرسول صلى الله عليه "رَأى أنَاسًا تُلْقىَ في أفْوَاهِهِم صخُورٌ مِنَ النارِ، وَتَخْرُج مِنْ أدبَارِهِمْ. فَسَألَ: مَن هَؤُلَاءِ يَا جبْرِيلُ؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ: هَؤُلَاء هُمُ الذِينَ يَأكُلونَ أمْوَالَ الْيَتَامى ظُلمًا". والآية عامة في كل من يأكل مال اليتيم ظلما وعدوانا: وَلِيًّا كَان أَو غيره. وفيها من المبالغة في الوعيد على ذلك والتحذير ما لا يخفى. ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾.

стр. 783

التفسير ١١ - ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ … ﴾ الآية. لقد بيَّن الله فيما سبق - أن لكل من الرجال والنساء، نصيبًا في الميراث. وكان بيانًا مجملًا. وفي هذه الآية - وما يليها - بين الله من يستحق الميراث تفصيلا. ولقد ذُكرت المواريث في ثلاث آيات من سورة. وهي الآيتان (١١، ١٢) والآية التي ختمت بها هذه السورة، وهي قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقد قرر الله - في هذه الآيات الثلاث - الميراث للرجال والنساء: كبارهم وصغارهم. وأعطى كل واحد نصيبه. وأبْطل ما كانَ عليه أهل الجاهلية من حرمان الإناث والصغار من الذكور. وتوريث من ليس له حق في الميراث. فقد كانت أسباب الميراث في الجاهلية: ١ - النسب: مع قَصْرِه على البالغين من الرجال: القادرين على الضرب والطعن، وركوب الخيل. ٢ - التَّبَنِّي: فكان للمتبنى ما للابن الحقيقي في الميراث وغيره. وأبطل الإسلام ذلك. ٣ - الحلف والعهد: فكان الرجل يقول للآخر: دمِي دَمُكَ، وَهَدْمِي هَدْمُكَ، وترثُني وأَرثُكَ. فإِذا مات أَحدهما قبل الآخر، ورث الحي الميت. وبقى هذا الأخير مَعمولا به في صدر الإِسلام، إِلى أَن نزلت آيات المواريث. وقد كان من أَسباب الميراث، في صدر الإِسلام: الهجرة والمؤاخاة. أول العصر المدني. فقد كان المهاجري يرث الأنصاري، دون قرابته وذوي رحمه، للأخوَّة التي آخى بينهما

стр. 784

رسول الله ﷺ . كما قال ابن عباس. ثم نسخ الله ذلك، واستقر الأمر - عند جميع المسلمين - بعد نزول آيات الميراث، على أسباب ثلاثة هي: ١ - النسب. ٢ - النكاح. ٣ - الولاء (١). والحكمة في تشريع ما كان في صدر الإِسلام ظاهرة. لأن أَقارب المسلمين. كان أغلبهم كفارًا. وكان المسلمون - لقلتهم وفقرهم - في حاجة إلى التكافل والتناصر والتعاون بينهم. ولا سيما: المهاجرون الذين أخرجوا من ديارهم وأَموالهم. سبب النزول: أخرج الإِمام أحمد، وأبو داود والترمذي. عن جابر بن عبد الله ﵁. قال: "جاءَت امرأة سعد بن الرّبيع إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتِلَ أبوهما معك في أحُدٍ شهيدًا. وإنَّ عمَّهما أخذَ مالَهما فلم يَدَعْ لهما مالًا. ولا تُنكَحانِ إلا ولهما مالٌ. فقال: يقضِي اللهُ في ذلك. فنزلتْ آيةُ الميراثِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ … ﴾ الآية. فأرسل رسولُ اللهِ ﷺ ، إِلى عمِّهما فقال له: أَعْطِ ابْنَتَي سَعْدٍ الثلثين، وَأمهُمَا الثمُن. وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ". ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: أي يأمركم الله في ميراث أولادكم أَمرًا مؤَكدًا: بأن يكون للذكر، مثل حظ الأنثيين. والولد: يطلق على الذَّكر والأنثى. ويدخل أولاد الابن في الأولاد، لأنهم يرثون عند عدم وجود الأولاد. فإذا مات الميت، وترك أولادًا ذكورا وإناثا، كان للذكر مثل نصيب اثنتين من الإناث.

стр. 785

والحكمة في جعل حظ الذكر - في الميراث - ضعف حظ الأنثى: أن الرجل مكلف بأعباء وواجبات مالية، لا تلزم بها المرأَة. فهُوَ الذي يدفع المهر، وينفق على الزوجة والأولاد - بعد ذلك - نفقة شاملة. أما المرأة، فهي تأْخذ المهر: لا تُلزم بأي نفقة: لنفسها أو أولادها ولو كانت غنية. وبذلك ترى أن العدالة تقضى بأن يكون نصيبها في الميراث أقل من نصيب الرجل. وأن الإسلام كان معها كريما، حينما أعطاها نصف نصيب الرجل، وجعل لها فيه كامل التصرف. فلا مجال لما يقال من أن الإِسلام بخسها حقها. ولا عدالة فيما يطالبون به من مساواتها بالرجل في الميراث. أفلا يذكر هؤلاء: أن المرأة كانت - قديمًا - محرومةً من الميراث عند العرب وغيرهم، وأن بعض الشعوب - إلى الآن - تحرم على الزوجة كل تصرف في مالها، وتجعل حق التصرف فيه لزوجها، ولو بغير إذن منها؟! ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾: أي فإن كانت الأولاد إناثا لا ذكر معهن، وكان عددهن أكثر من اثنتين، فلهن ثلثا التركة، مهما بلغ عددهن. ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾: أي إن ترك الميت بنتا واحدة: لا أَخ لها ولا أخت. فلها نصف الميراث. بالغا ما بلغ. والنصف الآخر على باقي الورثة، حسب أَنصبتهم في الميراث. وهذا الذي تقدم، هو نصيب الذكور مع الإناث من الأولاد، ونصيب البنات إذا كن أكثر من اثنتين، ونصيب البنت الواحدة إذا انفردت.

стр. 786

أما نصيب البنتين، فلم يذكر في الآية الكريمة. وقد اختلف فيه العلماءُ: ١ - فقال الجمهور: للبنتين الثلثان. فحكمهما حكم الثلاث فأَكثر. ودليلهم ما يأتي: (أ) قياس البنتين على الأُختين، حيث قال الله فيهما: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ (١) والبنت أقرب إلى الميت من الأخت. فإذا حازت الأختان الثلثين، فأولى أن يكون ذلك للبنتين. (ب) أن البنت تأخذ مع أخيها الثلث. فأولى أن تخذه مع أختها. (ج) ما ورد عن ابن مسعود، من أَن رسول الله ﷺ ، جعل للبنت مع بنت الابن الثلثين. فأولى أن يكون الثلثان للبنتين. (د) الحديث المذكور في سبب النزول، فهو صريح في أن رسول الله ﷺ ، أعطى لابنتي سعد بن الربيع الثلثين. وعلى ذلك، يكون المعنى المراد من الآية: فإن كن نساء: اثنتين فما فوق. ٢ - وقال ابن عباس: إن البنتين: كالبنت الواحدة. نصيبهما النصف. لأن الله جعل لما زاد على الاثنتين الثلثين. فلا تعطى البنتان الثلثين. وإِنما تأخذان النصف. والراجح ما ذهب إليه الجمهور، لقوة أدلته. هذا، وأولاد الابن كأولاد الصلب - في كل ما تقدم - عند عدم وجودهم. وتعرف أَحوال ميراثهم من كتب الفقه. ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾: بعد أن بين الله نصاب الأولاد: ذكورا أو إناثًا أو مجتمعين، شرع في بيان ميراث الأب وإلام. فإن كان الميت قد ترك أبويه وولدا ذكرا أو أنثى: واحدًا أو أكثر، فلأبويه السدس. ولأمه السدس. والباقي يعطى للأولاد على النظام المتقدم في بيان نصيبهم. فان كان الميت قد ترك بنتًا واحدة - مع الأب والأم - أخذت البنت النصف، ولكل من

стр. 787

الأبوين: السدس. والباقي من التركة يأخذه الأب تعصيبًا. لقول رسول الله ﷺ : "ألحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأهْلِهَا. فَمَا بقِيَ فَلَأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ (١) ". ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾: أي إذا مات الميت ولم يترك ولدًا: ذكرًا كان أو أنثى، وورثه أبوه وأمه، أخذت أمه ثلث التركة، والباقي للأب. وهو الثلثان. لأن الميراث انحصر فيهما. فبعد أن أخذت الأم فرضها، يأخذ الأب الباقي. ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾: أي: أن نصيب الأم يصير سدسًا. لو كان الميت قد ترك عددًا من الإخوة من أي نوع: اثنين فأكثر، ولو كانوا غير وارثين. أما إذا كان للميت أخ واحد أو أخت واحدة، فلا يحجب الأم من الثلث إلى السدس، بل يبقى لها الثلث. هذا الذي تقدم، هو مذهب الجمهور. من أن الاثنين من الإِخوة يُصيِّران نصيب الأم السدس، بدلا من الثلث. ويرى ابن عباس: أَن نصيبها لا ينقص عن الثلث مع الاثنين من الإِخوة والأخوات. أخذًا من قوله تعالى: ﴿إِخْوَةٌ﴾ وأقل الجمع ثلاثة. والجمهور يقولون: الاثنان جمع، فقد ورد إطلاق الجمع على الاثنين. قال تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٢). وقال: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ (٣). وأَيضًا، فقد رأى الجمهور: أن كلًا من البنتين والأختين. كالثلاث في الميراث. فيكون الاثنان من الأخوة كالثلاثة، في الحجب من الثلث إلى السدس.

стр. 788

ومن مسائل ميراث الأبوين: ما إذا كانا موجودين مع أحد الزوجين. فإذا ماتت امرأة عن زوجها وأبيها وأمها، فلو أَعطينا الزوج النصف كما سيأتي، وأعطينا ألام الثلث لعدم وجود ولد ولا عدد من الأخوة، لكان الباقي للأب هو السدس. فيكون نصيب الأم - وهي أنثى - ضعف نصيب الأب وهو رجل. وهذا لم يعهد في الميراث .. وقعت هذه المسألة في عهد الصحابة: فقضى فيها عمر، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وجمهور من الصحابة: بأن نصيب الأم ثلث الباقي بعد فرض الزوج، وللأب ثلثا الباقي. وخالف ابن عباس في ذلك. وقال: للأُم ثلث المال، وتناظر زيد بن ثابت فيها مع ابن عباس. فقال ابن عباس لزيد: لا أجد في كتاب الله أن للأم ثلث الباقي. فقال زيد ليس في كتاب الله إعطاؤُها الثلث مع وجود الزوج. وكأن زيدًا يريد أَن يقول: أن الله تعالى، أعطاها الثلث - إن كان الميراث منحصرًا في الأَبوين، وإلا كان قول الله - تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ عدم الفائدة. ومثل المسألة المتقدمة: ما إذا كان الميت الزوج، وترك زوجة وأبًا وأمًّا. فللزوجة الربع وللأم ثلث الباقي، وللأب ثلثاه. وتعرف هاتان المسألتان في الميراث، بالعُمَرِيتين؛ لقضاءِ عمر فيهما بذلك. وقد وافقه جمهور الصحابة على ذلك. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: أي تقسيم الميراث على النحو المتقدم: للأَولاد والأبوين، لا يكون إلا بعد أداءِ وصية قد أوصى بها قبل موته أَو بعد سداد دين كان عليه قبل موته. فلا يأخذ أي وارث شيئًا من الميراث، إلا بعد سداد الديون، وتنفيذ الوصايا؛ لأنهما حق لغير الورثة. فلا يورث.

стр. 789

هذا، والحقوق المتعلقة بالتركة: ما يأتي، على هذا الترتيب: (١) ما يتعلق بتجهيز الميت ودفنه. (٢) سداد ديونه حتى تبرأ ذمته. (٣) ما يكون قد استدركه من أعمال الخير قرب وفاته، كالوصايا، في حدود الثلث. ويقدم سداد الديون على تنفيذ الوصية، إذا لم يتسع المال الموروث لهما. وإِنما قدم الله الوصية في الآية الكريمة على الدين، اهتمامًا بشأنها؛ لأنها مظنة للتفريط في أدائها. ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾: أي: هؤُلاء الذين أوصاكم الله بهم، وبين أنصباءَهم في المال الموروث هم:: آباؤكم وأَبناؤكم. والله يَعلَمُ أقربهم لكم نفعًا. وأنتم لا تدرون ذلك. ولهذا تولى قسمة المال بينهم حسب علمه. ولم يتركه لكم، لعدم علمكم بمن يستحق الأكثر، ومن يستحق الأقل. ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾: أي فَرَضَ الله ذلك الذي تقدم، فريضة عليكم، وألزمكم به. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: فهو يعلم ما به صلاح خلقه، وهو ذو حكمة: يضع كل شيء في موضعه. ويقضي بما يراه حقا. فعليكم أن تنفذوا وصيته، وأَن تستسلموا لما قضى به من قسمة المواريث. فهو العليم بمواضع المصلحة، دون سواه.

стр. 790

﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾. المفردات: ﴿كَلَالَةً﴾: مصدر من فعل"كَلَّ" بمعنى الكلال. وهو العجز والإعياء، وكَلَّ الرجلُ كلالة، إذا مات وليس له والد أو ولد يرثه؛ لأنه عجز عن بلوغ القرابة القوية. ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾: أي غير مدخلٍ الضررَ على الورثة، في وصيه أو دين. كأن يوصى بأكثر من الثلث. أو يقر بدَيْن ليس عليه.

стр. 791

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ حدود الله: شرائعه وأحكامه. وأَطلق عليها الحدود، لشبهها بالحدود والحواجز، من حيث إن المكلف: لا يجوز له أن يتعداها إلى غيرها. التفسير ١٢ - ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ … ﴾ الآية. المعنى: ﴿وَلَكُمْ﴾ أيها الأزواج. ﴿نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾: أي نساؤُكم، بعد وفاتهن من أموال منقولة وغير منقولة. ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾: أي ولد من بطنها أو من صلب بنيها، أو أولاد بنيها .. نزولًا إلى غير حد: ذكرا كان أو أنثى، واحدًا أَو أكثر، منكم أو من غيركم. كما فهم من إضافته إِلى الزوجات في قوله تعالى: ﴿لَهُنَّ﴾ والباقي بعد النصف الذي استحقه الزوج يعطَى لذوى الفروض والعصبات، الذين لهم حق ميراث الزوجات. ولبيت المال، إِن لم يكن لهن وارث أصلًا. ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾: على النحو المذكور ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾: من المال. والباقي لسائر الورثة. والنصيبان المذكوران للأزواج من زوجاتهم. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: فالباقي من مال الزوجة المتوفاة - بعد تنفيذ وصيتها وقضاء دينها - يأخذ منه الزوج النصف تارة، والربع تارة أخرى. حسب التفصيل السابق. ويفهم من الآية: وجوب تقديم الوصية والدَّين على قسمة الميراث. فإن استوعبا التركة، فلا ميراث لأحد منها. وإن كانت التركة تكفي الدَّين وحده أو الوصية وحدها، قُدِّم الدَّين على الوصية. وقد أجمع العلماءُ: على أن نصيب الزوج من زوجته النصف أو الربع، على النحو الذي بينته الآية الكريمة.

стр. 792

﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾: أي ولزوجاتكم الربع مما تركتم - أيها الأزواج - من المال. والباقي لسائر ورثتكم، أو لبيت المال، إن لم يكن لكم وارث: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ منهن أو من غيرهن: ذكرًا كان أو أنثى. واحدًا أو أكثر. ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ﴾: على النحو المذكور. ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾: من المال. ويقوم ولد الابن مقام ولد الصلب في كل ذلك. وما بقي، فالشأن فيه كما تقدم ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: كما سبق بيانه. وقد أجمع العلماء: على أن كلا من الربع أو الثمن، يكون للزوجة إِن انفردت، وللزوجتين أو الثلاث أو الأربع إذا اجتمعن: يقسم الربع بينهن بالسوية، عند عدم الولد للزوج. والثمن كذلك عند وجوده. وقد فرض الله تعالى، للرجل - بحق الزواج - ضعف ما فرض للمرأة. كما في النسب. ذلك بما فضله الله به، إذ جعله قوَّامًا عليها. ثم شرع في بيان أحكام من يحتمل السقوط من الورثة - بعد بيان أحكام الآباء والأولاد، والأزواج والزوجات، وهم لا يسقطون بحال - فقال، جل شأنه: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ الكلالة هو من لم يكن له والد ولا ولد عند موته. ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾: تورث كلالة كذلك. ﴿وَلَهُ﴾ أي للرجل الذي يورث كلالة ﴿أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ لأمه، وكذلك إذا كان للمرأة التي تورث كلالة، أخ أو أخت لأمها ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾: أي من الأخ أَو الأخت لأم ﴿السُّدُسُ﴾: يستوي فيه ذَكَرُهم وأنثاهم ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾: أي فإن زاد الإخوة لأم عن الواحد، فهم جميعًا: شركاء في الثلث - وإِن كثر عددهم - يقتسمونه بينهم بالسوية. لا فرق بين ذَكَرِهم وأنثاهم. وقد أجمع العلماءُ: على أن المراد من الإخوة - هنا - الإخوة لأم لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾: والإخوة للأبوين أو للأب، لا يرثون هكذا. إِذ هم المعنيون بما جاء في قوله تعالى في آخر هذه السورة: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وإن كانوا أيضًا يسمون: كلالة. مثل الإخوة لأم، لقوله تعالى في صدر

стр. 793

تلك الآية: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ … الآية. وفي كل حال من أحوال ميراث الكلالة، يأخذ الأخوة لأم نصيبهم ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ تنفيذ ﴿وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ من الرجل أو المرأة صاحبي التركة ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ ثبت على كل منهما أو أوصى به، وكذا الحكم في مثله فيما تقدم: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾: أي غير جَالب لورثته الضرر بعد موته، بالزيادة على الثلث في الوصية. أو بقصد الإضرار بهم، دون التقرب بها إلى الله تعالى. أو بالإقرار بِدَين لا يلزمه. ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾: أي يوصيكم الله بكل ذلك، وصية مؤَكدة، صادرة من عنده، واجبة الرعاية والتنفيذ. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بكل شيء: عِلْمَ إحاطةٍ وشمول. فيعلم جميع أحوالكم ونياتهم: حسنة كانت أو سيئة فيجزيهم عليها. ﴿حَلِيمٌ﴾: لا يعاجل المخالفين بعقوبته، إمهالا؛ لعلَّهم يتوبون، وليس إهمالا، فكل سيلقى جزاءه. واستيفاء الكلام على ميراث الإخوة لأم وأحكام الوصية، مبسوط في كتب الفقه. ١٣، ١٤ - ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: بعد أن أوضحت الآيات السابقة، طائفة من أهم أحكام الوصية والميراث وحقوق اليتامى والنساء - جاءت هاتان الآيتان: تشددان في الالتزام بها بترغيب الطائعين، وتحذير المخالفين. والمعنى: ﴿تِلْكَ﴾ الأحكام العظيمة الشأْن، التي مضت في شئون النساء واليتامى والمواريث والوصايا وسواها.

стр. 794

﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾: شرائع الله: الكثيرة النفع، التي هي كالحدود والحواجز، التي لا يجوز تجاوزها. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: بامتثال كل التكاليف، وفي جملتها تلك الحدود. ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾: عظيمة النعيم، عالية الدرجات. ومن عظمها أنها ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: لا يخرجون منها، ولا يموتون فيها: قال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ (١). وقال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (٢). ﴿وَذَلِكَ﴾: الجزاءُ الكريم بتلك الجنات العالية هو ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: فقد حصلوا به على أَسمى المطالب، ونجوا من كل المكاره. ولا فوز يدنو من ذلك الفوز، الذي نالوه بطاعة ربهم وجزيل كرمه. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾: أي من يتجاوز شرائعه المحدودة في جميع الأحكام، مستحلا مخالفَتها، أو مستهينًا بها، عاصيًا بتركها - ويدخل في هذا الوعيد العام - المخالفون لما بينته الآيات السابقة. ﴿يُدْخِلْهُ﴾ الله. ﴿نَارًا﴾ هائلة: شديدة الإحراق حال كون الداخل إلى تلك النار. ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾: لا يبرحها. ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: أي وله فوق عذاب الحريق الجسماني، عذاب روحاني، مهين: مذل. لا يعرف كنهه إلا الله تعالى.

стр. 795

﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾. المفردات: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾: معناها لغة؛ الفعلة الشديدة القبح. والمراد منها هنا: الزنى. لأنه من أقبح الفواحش. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾: احبسوهن. ﴿سَبِيلًا﴾ السبيل: الطريق الموصل؛ سواء أكان سهلا أم صعبًا. التفسير ١٥ - ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: بعد أن قررت الآيات السابقة، حقوقًا للنساء في الميراث - كان أهل الجاهلية ينكرونها عليهم ولا يعترفون لهم بها جاءَت هذه الآية، والتي تليها - ببيان ما عليهن من واجب العفة، وصيانة العرض، وتوضحان: أنهن ارتكبن الفاحشة، عوقبن؛ صيانة لهن من الخزي، وللأسرة من العار، والضياع؛ وللمجتمع من الفساد والانحلال. وللإيذان بأن باب التوبة مفتوح أمام الزناة، حضا على تطهير القلوب، والرجوع إلى الله: بالإقلاع عن الجريمة النكراء.

стр. 796

والمعنى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾: أي والنساء اللاتي يفعلن ويرتكبن فاحشة الزنى القبيحة - حال كونهم من إناثكم أيها المسلمون، سواء أكن ثيبات أم أبكارا. ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾: أي فاطلبوا ممن قذفهن أي يُشهِدَ على زناهم - عند عدم إقرارهن به - أربعة رجال عدول منكم أيها المؤمنون. فلا تصح شهادة النساء، ولا تقبل شهادة غير المسلمين، ولا غير العدول. ولخطورة الادعاء بالزنى. اختص - وحده - بشهادة هذا العدد: تغليظًا على المدعي وسترًا على العباد، وصيانة للأنساب. ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾: أي فإن أدى الأربعة الشهادة عليهن، برؤيتهم للجريمة رؤية واضحة محققة، أثناء التلبث الكامل بها. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾: أي فاحبسوهن في البيوت؛ عقوبة لهن طول خيانتهن. ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾: أي حتى ينهي الموت حياتهن، بقبض أرواحهن. ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: أو إلى أن يجعل الله لهن طريقًا آخر لعقوبتهن على اقتراف جريمة الزنا. وهكذا شأن الله تعالى، في علاج الجرائم الاجتماعية؛ المنتشرة بين الطبقات، الجارية منهم مجرى الغرائز: لا يعالجها بالحسم من أول الأمر، ولكنه يتدرج في علاجها، فيبدأ بالأخف، وينتهي بالأشد، حتى لا يكون الحسم - من أول الأمر - صعبًا على النفوس. وقد حدث مثل ذلك في عقوبة الخمر وسواها. فسبحانك أنت الحكيم العليم. ١٦ - ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾: المعنى: والرجل والمرأة اللذان يرتكبان فاحشة الزنى القبيحة منكم - أيها المسلمون - ﴿فَآذُوهُمَا﴾: بالتقريع والتوبيخ، وبيان أن ما ارتكباه جريمة في حق المجتمع وحق أنفسهما، وأنهما تعديا حدود الله بما اقترفاه.

стр. 797

ورأى ابن عباس: أَن يضاف إلى ذلك الضرب، وهذا الإيذاءُ عقوبة للزناة من الرجال: أبكارًا كانوا أو غير أبكار. وكذا للزانيات من النساء، ثيبات وأبكارًا، فوق عقوبة الحبس الخاصة بهن. فالإيذاء: عقوبة مشتركة بين الجنسين، بعد ثبوت الزنى عليهما بأربعة شهداء استكملوا الشروط السابقة، ومثل ثبوته بهؤُلاء الشهود، ثبوته بالإقرار. فهو سيد الأدلة. وقد ثبت بالسنة. ﴿فَإِنْ تَابَا﴾: أي إن رجع الزانيان من الفريقين عن جريمتهما بعد الإيذاء. ﴿وَأَصْلَحَا﴾: عملهما وسلوكهما، وظهرت الاستقامة عليهما. ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾: فاقْبَلوا توبتَهما، وكفُّوا الإيذاءَ عنهما. وتبقى عقوبة الحبس على الزانيات بعد توبتهن؛ احتياطًا للأعراض. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾: أي إن الله كان ولا يزال، عظيم التوبة على عباده، واسع الرحمة بهم. وإنما اختص النساءُ - أول الإِسلام - بعقوبة الحبس دون الرجال؛ لأن الرجل هو عائل الأسرة، والقَوَّام عليها. فلو حُبِس حتى يموت، لكان في ذلك ضياعٌ واسع المدى لأسرته. والله لا يرضى بذلك. وقد بقيت عقوبة الزنى على النحو السابق: الإيذاءُ للرجال والنساء. والحبس للنساء خاصة حتى الموت. حتى جعل الله لهن السبيل الذي وعد به. فيما رواه الإِمام أحمد، وأبو داود ومسلم والترمذي، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه رسم، قال: "خُذُوا عَنِّي. خُذُوا عَنِّي .. قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ البِكْرُ بِالْبكْرِ: جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَام. وَالثَّيِّبُ بِالثيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ". وقد نسخ جلد الشيب الوارد في الحديث بما فعله النبي ﷺ مع ماعز والغامدية، فإنه رجمهما ولم يجلدهما مع أنهما ثيبان وبقيت على الثيب عقوبة الرجم. وبذا، تكون عقوبة الحبس - التي شرعت أول الإسلام - قد انتهت بتشريع الرجم للمحصن والجلد لغيره، ذكرا كان أم أنثى.

стр. 798

﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾. المفردات: ﴿السُّوءَ﴾: القبح والمراد هنا: المعاصي مطلقًا. ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ الجهالة: الجهل والسفه بارتكاب ما لا يليق بالعقلاء. وليس المراد بها عدم العلم، فإن من لا يعلم. لا يحتاج إلى التوبة. التفسير ١٧ - ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ بعد أن أوضحت الآيتان السابقات، عقاب من أتى بالفاحشة من النساء والرجال، وأن باب التوبة مفتوح - جاءت الآيتان تؤكدان ذلك، وتذكران الشروط التي تجعل التوبة مظنونة القبول. ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾: أي: إنما قبول التوبة ثابت ومتحقق من الله - فاء بوعده الصادق - للذين يعملون المعصية: صغيرة كانت أو كبيرة، جاهلين - أي سفهاء غير متدبرين - عاقبة ما يصنعون.

стр. 799

ثم يتوبون إلى الله من ذنوبهم - توبة صادقة، ويستيقظون من غفلتهم - في وقت قريب، قبل أن تبلغ الروح الحلقوم، وتظهر أسباب الموت وأماراته. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: التائبون قبل فوات الأوان ﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: أي يقبل توبتهم تفضلًا منه، تحقيقًا لوعده الذي لا يتخلف. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: ولا يزال ﴿عَلِيمًا﴾: يحيط علمه بكل شيء. فيعلم الصادق في توبته وغيره ﴿حَكِيمًا﴾: عظيم الحكمة في التدبير كل الأمور، وتصريف جميع الشئون ومن حكمته: أن فتح باب التوبة أمام العصاة جميعًا؛ حسمًا لمادة الفساد. وقد اتفقت الأمة، على أن التوبة من الذنب، واجبة على المؤمنين. لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾: صحيحة ولا مقبولة ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: ويستمرون عليها. ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾: فإن توبة هؤلاء لا يقبلها الله تعالى؛ لأنها جاءت في وقت اليأس من الحياة. أما التوبة المقبولة، فهي التي تكون في وقت الأمل في الحياة، مع الرغبة في إصلاح الحال بعدها. ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: أي وليست التوبة أيضًا للذين يقربون من الموت وهم كفار. فيقولوا آمنا في وقت الغرغرة، فإنها توبة مردودة على صاحبها. كما رد الله توبة فرعون لما أدركه الغرق. ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: أي أولئك جميعًا هيأنا لهم عذابًا عظيمًا شديد الإيلام، يتفاوتون في تفاوتهم في الكفر والمعاصي.

стр. 800

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾. المفردات: ﴿كَرْهًا﴾: مكرهين بدون رضاهن. ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ العضل: المنع والحبس والتضييق. ﴿بِفَاحِشَةٍ﴾: كل ما فحش قبحه قولًا أو فعلا. والمراد بها هنا: نحو الزنى والنشوز. ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾: واضحة ظاهرة. التفسير ١٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ … ﴾ الآية. فيما تقدم من الآيات، أبطل الله - سبحانه - عادات كانت للجاهلية، في شأن اليتامى وأموالهم. وميراث النساء. واستطرد الحديث، إلى وجوب الحفاظ على عفتهن وتأديبهن، إن ارتكبن الفاحشة، استكمالًا لعناصر إصلاح الأسرة. وفي هذه الآية، ينهى عن عادات جاهلية أخرى، تتعلق بالنساء في أنفسهن وأموالهن.

стр. 801

سبب النزول: روى البخاري، عن ابن عباس، قال: "كانوا إذا مات الرجلُ كانَ أولياؤُه أحقّ بامرأته: إن شاءَ بعضهم تزوجها، وإِن شاءُوا زوّجوها، وإن شاءُوا لم يزوجوها. فهم أحق بها من أهلها". فنزلت هذه الآية. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ﴾: أي: لا يحل لكم أيها المؤمنون: أن ترثوا من أقاربكم زوجاتهم بعد وفاتهم، كما تورث الأموال والعقارات. وتقولوا: نرثهن كما نرث أموالهم. ﴿كَرْهًا﴾: كارهات لذلك، بأن تتزوجوهن أو تزوجوهن من غيركم، بدون رضاهن، أو تمنعوهن من الزواج. كأنما تتصرفون في أموال ورثتموها. فإن ما كان من أفعال الجاهلية المنكرة، لا يليق بكم أيها المؤمنون. ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾: أي ولا تضيقوا أيها الأزواج، على زوجاتكم اللاتي كرهتموهن لدمامة أو سآمة وملل، وتحبسوهن لديكم، مع سوء العشرة؛ ليفتدين أنفسهن منكم ببعض صداقكم لهن، فتأْخذوه منهن بدون رضاهن. ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: أي إلا أن يرتكبن فعلةً واضحة القبح، ظاهرة الشناعة تجعلها - وحدها - المسئولة عن هدم الحياة الزوجية: كالزنى، أو النشوز. وعندئذ، يكون من العدل: أن يأخذ الزوج المظلوم، بعض ما أداه لها صداقًا ليخالعها عليه، إذْ هي التي هدمت بيته بظلمها، وعدوانها. ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أي بما عُرِفَ في الشرع حسنُه، من الإنفاق قدر طاقتكم، من غير إسراف. ومن القسم بالعدل، والقول اللين، وانبساطة الوجه؛ لتعيشوا سعداء. ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾: وسئمتم عشرتهن لدمامتهن، أو سوء في خلقهن يمكن احتماله، فلا تفارقوهن بمجرد كراهة النفس، وذهاب الحب، واصبروا على معاشرتهن ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: فلعلكم تكرهون شيئًا بحكم النفس والهوى،

стр. 802

ويجعل الله تعالى فيه خيرًا كثيرًا: دنيويًا كان أو أخرويًا. وأَنتم لا تعلمون ذلك الخير ولا تدركونه. بسبب كراهتكم لهن! فأحسنوا إليهم وعاشروهن بالمعروف، لتَرَوْا ثمرة ذلك. فإن المعروف يتعقب الخير دائمًا. ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾. المفردات: ﴿قِنْطَارًا﴾: هو مائة رطل كما في القاموس والعرف. والمراد منه: الشيء الكثير. ﴿بُهْتَانًا﴾ البهتان: الكذب الذي يواجه به المكذوب عليه فيحيره. والمراد به هنا: الظلم الذي يتحير في ارتكابه. ﴿أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ الإِفضاءُ إلى الشيء: الوصول إليه بالملامسة. والمراد به هنا: الاتصال الجنسي. أو ما يكون بين الزوجين في خلوة. ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: عهدًا وثيقًا قويًّا. التفسير ٢٠ - ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا … ﴾ الآية. بعد أن تحدثت الآية السابقة. عن حكم الفراق الذي سببه الزوجة، وأنه يتيح للزوج أن يأخذ من زوجته، بعض ما أعطاها من ماله؛ تعويضًا عما لحقه من الضرر،

стр. 803

جاءَت هذه الآية لتبين أنه إن طلقها - دون أن يكون منها نشوز وإساءة - فليس له أن يأخذ مما أصدقها إياه شيئًا، ولو كان قليلًا، وإن كان الذي أعطاها إياه مالًا كثيرًا. والمعنى: وإن أردتم - أيا الأزواج - تزوج امرأة ترغبون فيها، لتقوم مكان زوجة ترغبون عنها، وتريدون طلاقها، وقد كنتم أعطيتم من قبل ذلك من تريدون فراقها مالًا كثيرًا: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾: فلا تستردوا من الكثير الذي أعطيتموه لها شيئًا ولو قليلًا، فضلا عن أن تأخُذُوا مِنه كثيرًا. وقد استدل بظاهر الآية، على جواز المغالاة في المهور. روي أن عمر ﵁، قال على المنبر: لا تُغاَلوا في مُهور نسائكم. فقامت امرأة فقالت: يا ابن الخطاب، الله يعطينا وأنت تمنع؟ وتلت هذه الآية، فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر، ورجع عن النهي عن المغالاة (١). ومع سكوت عمر عن النهي عنها، فالقصد في المهور أفضل. ففي الحديث: "أعْظَمُ النِّسَاء بَرَكَةً أيْسَرُهُنَّ مُؤْنَةً (٢) ". وذهب العلماءُ إلى أنه لا حد لأكثر الصداق. واختلف في أقله. وقد تكفلت كتب الفقه ببيان الآراء في ذلك. وبعد النهي الصريح عن أخذ شيء من صداق من يراد طلاقها، انتقلت الآية إلى تأكيد هذا النهي - بطريق الإنكار - على من يسترد شيئًا من الصداق، وتوبيخه على ذلك، بقوله تعالى: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: أي أتأخذون هذا الصداق - أو شيئًا منه - ظالمين للزوجات بهذا الأخذ، وآثمين به إثمًا بينًا واضحًا!

стр. 804

كان أحدهم إِذا أراد التزوج بامرأة، رمى الزوجة التي عنده بفاحشة ظلمًا، كي يلجئها إلى الافتداء منه بصداقها أو ببعضه، فَنُهوا عن ذلك (١). ٢١ - ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ … ﴾ الآية. هذا إنكار على الأخذ من صداق الزوجة، بعد إنكار في الآية قبلها، وتنفير منه إثر تنفير. وتعجيب من حال هذا الذي يظلم زوجته بغير حق! والمعنى: بأي وجه، ولأي سبب تفعلون هذا، وتتناسون أنه - جرى بينكم وبينهن ما يؤَكد حقهن فيما أخذنه صداقًا! فقد بذلت المرأة نفسها لزوجها، وجعلت ذاتها موضع تمتعه، وحصلت الألفة التامة، والمودة الكاملة بينهما. فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئًا بذله لها بطيب نفس! إن هذا لا يليق بمن له طبع سليم، وذوق مستقيم. ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: يوم تزوجتموهن على ما أخذه الله للنساء على الرجال، من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢). ومن ألجأ زوجته إلى الافتداء بصداقها، لم يكن تسريحه لها بإحسان، بل بالإساءة. وقد أكدت السنة ما جاءت به الآية. قال ﷺ في حجة الوداع: "وَاستَوصُوا بِالنِّسَاء خَيْرًا، فَإنَّكُمْ أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمَانَةِ الله وَاستَحْلَلتُمْ فرُوجَهُن بِكَلِمَةِ الله (٣) ".

стр. 805

﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾. المفردات: ﴿سَلَفَ﴾: مضى وتقدم. ﴿فَاحِشَةً﴾: فعلة شديدة القبح. ﴿مَقْتًا﴾: بغضًا شديدًا. ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: وقبح طريقًا. ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾: جمع ربيبة وهي بنت امرأة الرجل من غيره. ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ الحِجْرُ: الحضن. والمراد في كفالتكم وتحت رعايتكم. ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾: زوجات أبنائكم. وسميت الزوجة حليلة؛ لحلها للزوج.

стр. 806

التفسير ٢٢ - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ … ﴾ الآية. بعد أن بينت الآية السابقة ما يحل للزوج أَخذه من الصداق وما يحرم، جاءت هذه الآية - والآيتان بعدها - لبيان من يحرم نكاحهن من النساء ومن يحل. سبب النزول: قال الآلوسي: أخرج ابن سعد، عن محمَّد بن كعب، قال: كان الرجل إذا تُوُفي عن امرأته. كان ابنه أحق بها أن ينكحها - إن شاء - إن لم تكن أمه - أو ينكحها من شاء. فلما مات أبو قيس بن الأسلت، قام ابنه حصْن، فورث نكاح امرأته، ولم ينفق عليها، ولم يورثها من المال شيئًا. فأتت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له. فقال: ارجعي، لعل الله ينزل فيك شيئًا، فنزلت ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ … ﴾ الآية. ونزلت ﴿ … لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا … ﴾ الآية. وقال الآلوسي أيضًا: وذكر الواحدي، وغيره، أَنها نزلت في حِصن المذكور. وفي الأسود بن خلف: زوج امرأة أبيه، وفي صفوان بن أمية بن خلف. تزوج امرأة أبيه: فاختة بنت الأسود، وفي منظور بن ريان: تزوج امرأة أَبيه؛ مليكة بنت خارجة. وقال القرطبي: كان في العرب قبائل، قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أَبيه. وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة. وكانت في قريش مباحة مع التراضي .. الخ. ولشيوع هذا المنكر بينهم، أفرد الله تحريمه بآية خاصة، لم يدرجه ضمن المحرمات في الآيتين التاليتين؛ اهتمامًا بشأن تحريمه، ومبالغة في الزجر عنه، والتنفير منه؛ لشدة قبحه. المعنى: ولا تتزوجوا مَن تزوجهن آباؤُكم من النساءِ بعد فراقهم لهن بموت أو طلاق؛ لشدة قبحه. لكن ما قد مضى وسبق من هذا الزواج - قبل نزول تحريمه في هذه الآية - فإنه معفو عنه. ويجب التفريق بين الزوجين فيما كان قائما من هذا الزواج، عند نزول هذه الآية. ويثبت النسب به، وعليكم أن تمتنعوا عن وطئهن، فإنهن أصبحن محرماتٍ عليكم.

стр. 807

﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: أي أن نكاح زوجات الآباء، الذي حرمه الله في هذه الآية، كان - ولا يزال في حكم الله - فعلة قبيحة، وأمرًا ممقوتًا بغيضًا. وَقَبُحَ هذا الطريق عند الله، وعند أصحاب المروءَات، طريقًا إلى الزواج. والنكاح: حقيقة لغوية في كل من العقد والوطء. واختلف في معناه شرعًا في آيات القرآن الكريم. فالشافعية يقولون: المراد منه العقد. ولذلك يحلون للابن المرأة التي زنى بها أبوه. وقال أبو حنيفة ﵁: يحرم على الرجل أن يتزوج بمن زنى بها أبوه. إذ النكاح عنده: عبارة عن الوطء ولو كان محرمًا. ٢٣ - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: المعنى: جاءَت هذه الآية - مع التي قبلها والتي بعدها - بتحريم نكاح خمسة عشر صنفًا من النساء. وهن: سبع من النسب، وسبع من جهة الرضاعة والمصاهرة، وواحدة ما دامت زوجة. وهي المحصنة. وقد تقدم في الآية السابقة، بيان تحريم ما نكح الآباءُ من النساء. ويأتي في الآية التالية، بيان تحريم المحصنات من النساء. فتكون هذه الآية وحدها، اشتملت على تحريم ثلاثة عشر نوعًا. وفيما يلي بيانها: سبعٌ يحرم نكاحهن من النسب، أي القرابة. وهن: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت. وستّ أخريات يحرم نكاحهن من الرضاعة والمصاهرة وهن: الأمهات، والأخوات من الرضاعة، وأمهات الزوجات وبناتهن، وحلائل الأبناء، والجمع بين الأختين. قال تعالى:

стр. 808

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾: أي حرم الله عليكم نكاح أمهاتكم. والمراد من الأمهات: ما يشمل الأم والجدات لأب أو لأم. ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾: أي بنات الصلب، وبنات الأولاد: ذكورا كانوا أَو إناثًا. ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ من الجهات الثلاث: شقيقاتٍ أو لأب، أو لأم. ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾: من الجهات الثلاث، في كل نوع من هذه الأنواع: أي شقيقاتٍ، أو لأب، أَو لأم. والعمة تشمل أخت الأب أو الجد وإن علا. والخالة تشمل أخت الأم وأخت الجدة وإن علت. وبنات الأخ وبنات الأخت، تتناول القربى والبعدى. وبعد بيان الحرمات من النسب، انتقلت الآية، إِلى بيان ما يحرمه الرضاع، فقالت: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾: لقد أَثبت فيما الجزء من الآية الكريمة أن الرَّضاعة تمنح المرضعة وصف الأُمومة، فتسمى بذلك أمًّا للرضيع. وتمنح أَولادها وصف الأخوة للرضيع: ذكورًا وإناثًا ولو من أَزواج متعددين. ويسمَّوْن بذلك إخوة وأخوات. وينتقل التحريم - بحكم ذلك - من المرضعة إلى أصولها وفروعها، وإخوتها وأخواتها. وينتقل كذلك، إِلى صاحب اللبن - وهو زوج المرضعة - وأصوله وفروعه، وإخواته وأخواته فأبو المرضعة، جدّ للرضيع، وأمها جدَّة له. وبنها وبنتها أُخته، وأخوها خاله، وابنة بنتها ابنة أخته. وهكذا. وكذلك زوج المرضعة - صاحب اللبن - أبو الرضيع، وأبواه جداه من الرضاع، وبنته - ولو من غير المرضعة - أخته، وأخته عمته. وعلى كل، فالأَمر في الرضاع، كما في الحديث "يَحْرُمُ مِنَ الرضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" (١). والمراد من أَخوات المرء من الرضاعة: بناتُ من أرضعته، وبنات صاحب اللبن، وإن لم يَرْضعْنَ معه، بأَن وُلدْنَ قبله أَو بعده. والرضاع المحرم: يكون بوصول لبن المرأة إلى الجوف. مصًّا من الثدي، أو شربا من نحو إناء، أو مطبوخًا. وَرَضْعَةٌ واحدةٌ ولو مصَّة، تكفى في التحريم عند أكثر العلماء.

стр. 809

ولا تحريم عند الشافعي إلا بخمس رضعات متفرقات. لحديث ثبت عنده بذلك (١) والرضاع بعد الحولين، عند أكثر العلماء لا يحرم. والمراد: الحول القمري. واعتبر أبو حنيفة في إثبات حكم الرضاع: ستة أشهر بعد الحولين. واعتبر مالك - بعد الحولين - شهرًا أو نحوه. وقال الأوزاعي: إذا فطم لسنة، واستمر فطامه، فلا يعتبر الرضاع بعده. وعند الإمام الليث: أن الرضاع يحرم ولو للرجل الكبير. وهو مذهب عائشة. والفتوى على خلافه. ولكل دليله. وتفصيل الكلام على ذلك، في كتب الفقه. وبعد بيان المحرمات من جهة الرضاعة، التي لها لحمة كلحمة النسب، شرعت الآية في بيان المحرمات من جهة المصاهرة. في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: والمراد من هذا الجزء من الآية الكريمة: أن الرجل إذا عقد على البنت فإن أُمها تحرم عليه بمجرد العقد، حرمة أبدية. وإن لم يدخل بها. فلا تحل له بحال، وإذا عقد على امرأة لا تحرم عليه بنتها إِلا إِذا دخل بأُمها، فإنها حينئذ تحرم أبدًا، فإن لم يدخل بالأم، فلا تحرم عليه بنتها أبدًا. بل له أن يتزوجها بعد طلاق أمها. وليس المراد بالتعبير بربائبكم اللاتي في حجوركم، تقييد التحريم لبنت الزوجة، بكونها تتربى في حماية الزوج، وفي حضانته ورعايته - بل هو تعبير عما هو الغالب. وهو أن يكن في حضانة الأزواج مع أمهاتهن. كما يستفاد منه تأكيد معنى الحرمة، بتقوية الشبه بينهن وبين الأولاد. ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾: أي وحرم عليكم نكاح زوجات أبنائكم تحريمًا أبديًا. سواءٌ حصل الدخول أم لم يحصل والمراد بالابن من انتسب إليك بالولادة. فيشمل ابن الابن وإِن نزل. فزوجة ابن الابن، وابن البنت، تحرم كذلك على الجد.

стр. 810

وقد أجمع العلماءُ على ذلك. كما أَجمعوا على تحريم زوجة الأب على أبنائه وحفدته، وإِن لم يدخل بها. وسميت الزوجة حليلة؛ لحلها للزوج. وقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾: لإخراج زوجات الأبناء بالتبني. فيجوز التزوج بهن بعد طلاقهن. أما حرمة زوجات الأبناء من الرضاع، فثابتة بحديث: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النسَبِ (١) ". ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾: أي وَحُرِّمَ على الرجل أَن يجمع بين أختين في النكاح. فلا يتزوج الرجل امرأة، ثم يضم إليها أختها بطريق الزواج. وهذا بإجماع العلماء. واختلف في الجمع بينهما في الوطءِ بملك اليمين. فجمهور العلماء يحرمه، قياسًا على النكاح. وأهل الظاهر يجيزونه، كما جاز الجمع بينهما في الملك. عملا بقوله تعالى: في الآية التالية ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ولم يلتفت أهل الفتوى لهذا الرأي. وقالوا بحرمة ذلك، لأن سبب التحريم وهو البغضاءُ والنفور. والتقاطع بسبب الغير، حاصل في الوطء بملك اليمين - كالنكاح. ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: أي لكن ما قد مضى قبل النهي، لا تؤاخذون به. ويجب التفريق بينهما، إن وُجِدَ مثل ذلك، حين نزول الآية. وكما يحرم الجمع بين الأختين، يحرم الجمع بين المرأَة وعمتها. أو خالتها. وكذلك يحرم الجمع بين أكثر من أربع حرائر. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: أي إن الله كان - ولا يزال - عظيم الغفران لذنوب مَنْ تاب إلى الله وأَناب، واسع الرحمة، فلا يؤَاخذ إلا بعد النهي والإرشاد.
следующие страницы →