← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

التفسير ٢٢ - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ … ﴾ الآية. بعد أن بينت الآية السابقة ما يحل للزوج أَخذه من الصداق وما يحرم، جاءت هذه الآية - والآيتان بعدها - لبيان من يحرم نكاحهن من النساء ومن يحل. سبب النزول: قال الآلوسي: أخرج ابن سعد، عن محمَّد بن كعب، قال: كان الرجل إذا تُوُفي عن امرأته. كان ابنه أحق بها أن ينكحها - إن شاء - إن لم تكن أمه - أو ينكحها من شاء. فلما مات أبو قيس بن الأسلت، قام ابنه حصْن، فورث نكاح امرأته، ولم ينفق عليها، ولم يورثها من المال شيئًا. فأتت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له. فقال: ارجعي، لعل الله ينزل فيك شيئًا، فنزلت ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ … ﴾ الآية. ونزلت ﴿ … لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا … ﴾ الآية. وقال الآلوسي أيضًا: وذكر الواحدي، وغيره، أَنها نزلت في حِصن المذكور. وفي الأسود بن خلف: زوج امرأة أبيه، وفي صفوان بن أمية بن خلف. تزوج امرأة أبيه: فاختة بنت الأسود، وفي منظور بن ريان: تزوج امرأة أَبيه؛ مليكة بنت خارجة. وقال القرطبي: كان في العرب قبائل، قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أَبيه. وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة. وكانت في قريش مباحة مع التراضي .. الخ. ولشيوع هذا المنكر بينهم، أفرد الله تحريمه بآية خاصة، لم يدرجه ضمن المحرمات في الآيتين التاليتين؛ اهتمامًا بشأن تحريمه، ومبالغة في الزجر عنه، والتنفير منه؛ لشدة قبحه. المعنى: ولا تتزوجوا مَن تزوجهن آباؤُكم من النساءِ بعد فراقهم لهن بموت أو طلاق؛ لشدة قبحه. لكن ما قد مضى وسبق من هذا الزواج - قبل نزول تحريمه في هذه الآية - فإنه معفو عنه. ويجب التفريق بين الزوجين فيما كان قائما من هذا الزواج، عند نزول هذه الآية. ويثبت النسب به، وعليكم أن تمتنعوا عن وطئهن، فإنهن أصبحن محرماتٍ عليكم.

стр. 807

﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: أي أن نكاح زوجات الآباء، الذي حرمه الله في هذه الآية، كان - ولا يزال في حكم الله - فعلة قبيحة، وأمرًا ممقوتًا بغيضًا. وَقَبُحَ هذا الطريق عند الله، وعند أصحاب المروءَات، طريقًا إلى الزواج. والنكاح: حقيقة لغوية في كل من العقد والوطء. واختلف في معناه شرعًا في آيات القرآن الكريم. فالشافعية يقولون: المراد منه العقد. ولذلك يحلون للابن المرأة التي زنى بها أبوه. وقال أبو حنيفة ﵁: يحرم على الرجل أن يتزوج بمن زنى بها أبوه. إذ النكاح عنده: عبارة عن الوطء ولو كان محرمًا. ٢٣ - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: المعنى: جاءَت هذه الآية - مع التي قبلها والتي بعدها - بتحريم نكاح خمسة عشر صنفًا من النساء. وهن: سبع من النسب، وسبع من جهة الرضاعة والمصاهرة، وواحدة ما دامت زوجة. وهي المحصنة. وقد تقدم في الآية السابقة، بيان تحريم ما نكح الآباءُ من النساء. ويأتي في الآية التالية، بيان تحريم المحصنات من النساء. فتكون هذه الآية وحدها، اشتملت على تحريم ثلاثة عشر نوعًا. وفيما يلي بيانها: سبعٌ يحرم نكاحهن من النسب، أي القرابة. وهن: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت. وستّ أخريات يحرم نكاحهن من الرضاعة والمصاهرة وهن: الأمهات، والأخوات من الرضاعة، وأمهات الزوجات وبناتهن، وحلائل الأبناء، والجمع بين الأختين. قال تعالى:

стр. 808

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾: أي حرم الله عليكم نكاح أمهاتكم. والمراد من الأمهات: ما يشمل الأم والجدات لأب أو لأم. ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾: أي بنات الصلب، وبنات الأولاد: ذكورا كانوا أَو إناثًا. ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ من الجهات الثلاث: شقيقاتٍ أو لأب، أو لأم. ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾: من الجهات الثلاث، في كل نوع من هذه الأنواع: أي شقيقاتٍ، أو لأب، أَو لأم. والعمة تشمل أخت الأب أو الجد وإن علا. والخالة تشمل أخت الأم وأخت الجدة وإن علت. وبنات الأخ وبنات الأخت، تتناول القربى والبعدى. وبعد بيان الحرمات من النسب، انتقلت الآية، إِلى بيان ما يحرمه الرضاع، فقالت: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾: لقد أَثبت فيما الجزء من الآية الكريمة أن الرَّضاعة تمنح المرضعة وصف الأُمومة، فتسمى بذلك أمًّا للرضيع. وتمنح أَولادها وصف الأخوة للرضيع: ذكورًا وإناثًا ولو من أَزواج متعددين. ويسمَّوْن بذلك إخوة وأخوات. وينتقل التحريم - بحكم ذلك - من المرضعة إلى أصولها وفروعها، وإخوتها وأخواتها. وينتقل كذلك، إِلى صاحب اللبن - وهو زوج المرضعة - وأصوله وفروعه، وإخواته وأخواته فأبو المرضعة، جدّ للرضيع، وأمها جدَّة له. وبنها وبنتها أُخته، وأخوها خاله، وابنة بنتها ابنة أخته. وهكذا. وكذلك زوج المرضعة - صاحب اللبن - أبو الرضيع، وأبواه جداه من الرضاع، وبنته - ولو من غير المرضعة - أخته، وأخته عمته. وعلى كل، فالأَمر في الرضاع، كما في الحديث "يَحْرُمُ مِنَ الرضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" (١). والمراد من أَخوات المرء من الرضاعة: بناتُ من أرضعته، وبنات صاحب اللبن، وإن لم يَرْضعْنَ معه، بأَن وُلدْنَ قبله أَو بعده. والرضاع المحرم: يكون بوصول لبن المرأة إلى الجوف. مصًّا من الثدي، أو شربا من نحو إناء، أو مطبوخًا. وَرَضْعَةٌ واحدةٌ ولو مصَّة، تكفى في التحريم عند أكثر العلماء.

стр. 809

ولا تحريم عند الشافعي إلا بخمس رضعات متفرقات. لحديث ثبت عنده بذلك (١) والرضاع بعد الحولين، عند أكثر العلماء لا يحرم. والمراد: الحول القمري. واعتبر أبو حنيفة في إثبات حكم الرضاع: ستة أشهر بعد الحولين. واعتبر مالك - بعد الحولين - شهرًا أو نحوه. وقال الأوزاعي: إذا فطم لسنة، واستمر فطامه، فلا يعتبر الرضاع بعده. وعند الإمام الليث: أن الرضاع يحرم ولو للرجل الكبير. وهو مذهب عائشة. والفتوى على خلافه. ولكل دليله. وتفصيل الكلام على ذلك، في كتب الفقه. وبعد بيان المحرمات من جهة الرضاعة، التي لها لحمة كلحمة النسب، شرعت الآية في بيان المحرمات من جهة المصاهرة. في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: والمراد من هذا الجزء من الآية الكريمة: أن الرجل إذا عقد على البنت فإن أُمها تحرم عليه بمجرد العقد، حرمة أبدية. وإن لم يدخل بها. فلا تحل له بحال، وإذا عقد على امرأة لا تحرم عليه بنتها إِلا إِذا دخل بأُمها، فإنها حينئذ تحرم أبدًا، فإن لم يدخل بالأم، فلا تحرم عليه بنتها أبدًا. بل له أن يتزوجها بعد طلاق أمها. وليس المراد بالتعبير بربائبكم اللاتي في حجوركم، تقييد التحريم لبنت الزوجة، بكونها تتربى في حماية الزوج، وفي حضانته ورعايته - بل هو تعبير عما هو الغالب. وهو أن يكن في حضانة الأزواج مع أمهاتهن. كما يستفاد منه تأكيد معنى الحرمة، بتقوية الشبه بينهن وبين الأولاد. ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾: أي وحرم عليكم نكاح زوجات أبنائكم تحريمًا أبديًا. سواءٌ حصل الدخول أم لم يحصل والمراد بالابن من انتسب إليك بالولادة. فيشمل ابن الابن وإِن نزل. فزوجة ابن الابن، وابن البنت، تحرم كذلك على الجد.

стр. 810

وقد أجمع العلماءُ على ذلك. كما أَجمعوا على تحريم زوجة الأب على أبنائه وحفدته، وإِن لم يدخل بها. وسميت الزوجة حليلة؛ لحلها للزوج. وقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾: لإخراج زوجات الأبناء بالتبني. فيجوز التزوج بهن بعد طلاقهن. أما حرمة زوجات الأبناء من الرضاع، فثابتة بحديث: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النسَبِ (١) ". ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾: أي وَحُرِّمَ على الرجل أَن يجمع بين أختين في النكاح. فلا يتزوج الرجل امرأة، ثم يضم إليها أختها بطريق الزواج. وهذا بإجماع العلماء. واختلف في الجمع بينهما في الوطءِ بملك اليمين. فجمهور العلماء يحرمه، قياسًا على النكاح. وأهل الظاهر يجيزونه، كما جاز الجمع بينهما في الملك. عملا بقوله تعالى: في الآية التالية ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ولم يلتفت أهل الفتوى لهذا الرأي. وقالوا بحرمة ذلك، لأن سبب التحريم وهو البغضاءُ والنفور. والتقاطع بسبب الغير، حاصل في الوطء بملك اليمين - كالنكاح. ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: أي لكن ما قد مضى قبل النهي، لا تؤاخذون به. ويجب التفريق بينهما، إن وُجِدَ مثل ذلك، حين نزول الآية. وكما يحرم الجمع بين الأختين، يحرم الجمع بين المرأَة وعمتها. أو خالتها. وكذلك يحرم الجمع بين أكثر من أربع حرائر. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: أي إن الله كان - ولا يزال - عظيم الغفران لذنوب مَنْ تاب إلى الله وأَناب، واسع الرحمة، فلا يؤَاخذ إلا بعد النهي والإرشاد.

стр. 811

﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾. المفردات: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾: جمع محصنة. وقد ورد الإحصان في القرآن الكريم بمعانٍ مختلفة منها: التزويج والحرية، والعفة. والمراد هنا: ذوات الأزواج. ﴿مُحْصِنِينَ﴾. من الإحصان بمعنى العفة. ﴿مُسَافِحِينَ﴾: زانين. ﴿اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾: تمتعتم بهن. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾: مهورهن التي فرضت لهن. التفسير ٢٤ - ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ … ﴾ الآية. المعنى: وحرمت عليكم - مع من ذكر في الآية السابقة - النساءُ المتزوجات بالفعل. فلا يحل لكم أَن تعقدوا عليهن قبل مفارقة أزواجهن وانقضاء عدتهن: سواءٌ كُنَّ حرائرَ أم إماءٌ، وسواء كُنَّ مسلماتٍ أم كتابيات.

стр. 812

ويستثنى من ذلك الحكم، ما ملكت أيمانكم بسبب السبي الواقع لزوجات الكفار المحاربين. فَهُنَّ حلال لكم مطلقًا - بعد استبرائهن والتأَكد من عدم حملهن من أزواجهن الكافرين - لأَنه لا حرمة لهذا الزواج. وبهذا حل وطؤهن. ويرى بعض الفقهاء: أنه لا يحل وطؤُها إذا سبيت مع زوجها. ثم أكد الله تحريم من حرم من النساءِ في هاتين الآيتين، بقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: أي كَتَبَ الله عليكم كتابًا وفرضه فرضا. وهو تحريم جميع من ذكر من أصناف النساء، لتلتزموا به وتتبعوا تعاليمه. ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾: والمعنى: إن الله أحل لكم نكاح من عدا المذكورات ومن في حكمهن، مما فهم من الآيتين استنباطًا، ووضحته السنة، لأجل أن تبتغوا بأموالكم المحللات من ترغبون فيهن، حالة كونكم تريدون - بذلك - تحصين أنفسكن من الوقوع في السفاح، الذي لا يراد منه سوى قضاء الشهوة المحرمة، التي لا تليق بالإنسان الذي كرمه الله، وخلقه في أحسن تقويم. ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: معناه: فمن استمتعتم به ممن أحل الله لكم - عن طريق النكاح الصحيح - فآتوهن مهورهن التي اتفقتم عليها. أو ما يعادل مهر المثل إِذا لم يكن هناك اتفاق بخصوصه. وذلك حق مفروض عليكم لهن. لا بد من أَدائه إِذا تمسك كلٌّ بحقه. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾: بأن قبل أَحد الطرفين أن يكون كريما مع صاحبه. فزاد الزوج مثلًا على قيمة المهر الواجب، أو تنازلت الزوجة عن بعض حقها أَو كله .. فلا حرج في ذلك: لا حرج عليكم في الزيادة، ولا حرج عليهن في الحط. قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (١).

стр. 813

ثم ختمت الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: لإفادة أن ما شرع الله من الأحكام، إنما هو لمصلحة عباده. فهو: العليم بما ينفعهم ويقيم حياتهم على الجادة، الحكيم فيما يدبره لهم ويشرعه من أجلهم. ومن جملته هذه الأحكام السابقة. ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ المفردات: ﴿طَوْلًا﴾: غنى وسَعَة. والمراد هنا: المال الذي يعين على دفع المهر والإنفاق على الزوجة. ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾: الحرائر. ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾: عفيفات. ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾: غير زانيات. ﴿أَخْدَانٍ﴾: جمع خدن، وهو الصاحب في السر.

стр. 814

﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾: فإذا تزوجن. ﴿بِفَاحِشَةٍ﴾: الفاحشة، الزنى. ﴿الْعَنَتَ﴾: المشقة. التفسير ٢٥ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ … ﴾ الآية. المعنى: ومن لم يجد منكم - أيها الأحرار المؤمنون - سعة من المال، تمكنه من القيام بتكاليف الزواج من إحدى الحرائر المؤمنات - فلينكح أمَةً من الإماء المؤمنات، لخفة تكاليف الزواج منهن، ويتخذْ منها زوجة، دون غضاضة في ذلك الزواج. فقد يكون - في قوة إيمان الأمة - ما يعوضه خيرًا مما فاته من نكاح الحرة. والله - وحده - هو الذي يعلم حقيقة إيمانكم، الذي هو أَساس التفاضل بينكم عنده سبحانه. فأنتم جميعًا - أَحرارٌ وأرقَّاء - من جنس واحد: في الدين، وفي النسب. وأنتم جميعًا - أَمام الله - سواءٌ من هذه الناحية. أكرمكم عند الله أتقاكم. ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: معناه: فإذا رغب أحدكم أَن يتزوج إحدى الإِماء المسلمات، فليكن نكاحه إياها بإِذن وليها ومالكها. وليؤَدّ لها مهرها، من غير مطل أَو إضرار أَو نقص. بل المهر المتعارف لأمثالهن. واختاروهن عفيفات عن الزنى. ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: أي غير مجاهرات به، ولا مسرات، باتخاذهن الأخدان والأصحاب. ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾: المعنى: فإذا أُحصِنَت الأمَة بالزواج، وزنت بعد ذلك، فَحَدُّها على النصف من حد المرأة الحرة البكر، التي لم تتزوج: وهو خمسون جلدة.

стр. 815

وعلى هذا، فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ ليس جاريا مجرى الشرط في تنصيف الجلد، كما فهمه البعض. وبنى عليه أن الأمَةَ لا تحد إلا إِذا زنت بعد زواجها، وإِنما هو لدفع توهم أن التزوج بغير حدهن من الجلد إِلى الرجم كالحرائر. والذي يدل على ذلك، ما رواه البخاري ومسلم، عن زيد بن خالد الجهني، أن النبي ﷺ ، سئل عن الأمَة إذا زنت ولم تُحْصَنْ، فقال: "اجلِدُوهَا، ثُمَّ إن زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُم إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا. ثُم بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ" أي بحبل مضفور من الشعر. وإِنما كان حد الأمة المتزوجة الجلد، وعلى النصف من حد البِكر الحرة؛ لأن جريمة الزنى عن الأمة أخف منها بالنسبة للحرة؛ لأن الأمَة ضعيفة، ولا تستطيع الوصول إِلى تحصين نفسها كما تصل إليه الحرة. ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾: معناه: أن الزواج بالأمة المملوكة للمسلم الحر - عند عدم الطول - إنما هو لمن خاف الوقوع فيما يشق عليه. وهذا بخلاف من لا يخشى المشقة من الأحرار المسلمين. ويؤخذ من منطوق هذه الآية الكريمة: أن زواج الحر بالأمة مباح، بشروط ثلاثة: ١ - أن يخاف على نفسه المشقة إذا لم يتزوج. ٢ - وألا يجد من المال، ما يمكنه من تحمل تكاليف الزواج بالحرة. ٣ - وأن تكون الأمَة مؤمنة. وبهذا الظاهر أَخذ جماعة من العلماءَ، منهم الشافعي، ﵃. ومن العلماء من قال بعدم اشتراط شيء من ذلك. ومنهم أبو حنيفة ﵁ فهو يرى أَن هذه الشروط الثلاثة، إنما هي لمجرد الإرشاد إلى ما هو الأَفضل والأولى بالمؤمنين.

стр. 816

ثم ختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي وصبركم عن زواج المملوكات وعن الوقوع في الزنى - خير لكم، لئلا يصير الولد رقيقا. ونكاحها لأجنبي يقطع الطريق على سيدها أن يشتهيها فتلد منه الحر، وتضع أول خطواتها على طريق الحرية باعتبارها أم ولد. والإِسلام يتشوق إلى تحرير الرقاب، وتقليل الأرقاءِ. وإن لم تصبروا، وضعفت نفوسكم عما هو خير لكم، فلا تثريب عليكم. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾: لمن يقع في الزلل. ﴿رَحِيمٌ﴾: واسع الرحمة بالتيسير عليكم، وتخفيف المشقة. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١). ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾. المفردات: ﴿سُنَنَ﴾: جع سُنَّة، وهي الطريقة.

стр. 817

التفسير ٢٦ - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: يريد الله تعالى - بذكر ما سبق في هذه السورة من الأحكام والتشريعات - أَن يبين لكم ما فيه إرشادكم، ويهديكم إلى نهج مَنِ اصطفاهم من عباده من الأنبياء، في أصول ما شرعه الله لهم. فاتبعوهم واقتفوا أثرهم، وانسجوا على منوالهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١). ويريد كذلك فيما أَباحه لكم: أن يرشدكم إلى ما يكفكم عن المعاصي ويحملكم على التوبة منها. والله عليم بما خَلَقَ ومن خَلق … فيشرع لكم ما فيه صلاحكم في دينكم ودنياكم. والله حكيم في كل ما يأْمر به، وما يبيح فعله، وما ينهى عن ارتكابه. ٢٧ - ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾: المعنى: والله سبحانه، يريد أن يتوب عليكم، فيفتح لكم باب التوبة لتُقْبلوا عليها، فيتجاوز عن سيئاتكم. بل إنه يفرح بتوبتكم أشد من فرحكم بقبولها، لأنه أرحم بكم من أنفسكم. فشأنه الرحمة دائما. فاطرقوا بابه، والزموا رحابه. فإنما يريد المبطلون الذين يتبعون شهواتهم، ويصيرون وراءَ ضلالاتهم: أن تعدلوا عن الاستقامة، وتنحرفوا إلى الضلالة انحرافا عظيما. حتى تكونوا مثلهم. وهذا شأن المنحرفين دائما: يريدون أَن يكون الناس على طريقتهم، حتى يسلموا من ذمهم ولومهم. كما في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (٣).

стр. 818

٢٨ - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾: المعنى: يريد الله أن يخفف عنكم - أَيها المؤمنون - ويسهل عليكم أحكام شريعته، لتسهل عليكم طاعته سبحانه. وهنا مقتضى الحكمة، ومناط الرحمة … فما فعل الله ذلك إِلا لعلمه أن الإنسان خلق ضعيفًا أمام رغباته وشهواته. فرحمةً به، خفف عنه التكاليف ورخص له في كثير من الأحكام، وفتح أمامه باب التوبة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾. التفسير ٢٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾: بعد أَن بين الله - سبحانه - لعباده ما أحل لهم من النساء، وما حرم عليهم، شرع في بيان بعض الحرمات المتعلقة بالأموال والأنفس، وبيان الوسائل المشروعة في الحصول عليها. فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾: والمعنى: نادَى الله عباده - بوصف الإيمان - حفزا لهم على مراعاة تعاليمه، والاستماع إليه، والانتفاع بما شرعه لهم سبحانه، وعدم اقتراف ما يجردهم من صفة الإيمان المحببة

стр. 819

إلى نفوسهم. ثم نهاهم - جل شأنه - عن محاولة حصول بعضهم على أموال بعض، بأي وسيلة غير مشروعة: كالربا، والسرقة، والغصب، والرشوة، واليمين الكاذبة، وشهادة الزور … ونحو ذلك مما حرمه الله. وبيَّن وسيلةً من وسائل الكسب الحلال، وهي التجارة القائِمة عن تراضٍ يتعامل الناس فيها معًا، ويقيمونها بينهم، كما بينها رسول الله ﷺ ، وفصلها الفقهاء في كتبهم. ويلحق بالتجارة كل أسباب التملك التي أباحها الشارع. كالهبة، والصدقة، والإرث. وإِنما اختصت التجارة بالذكر من بين هذه الأسباب؛ لأن كسب الإنسان واضح فيها أَكثر من الطرق الأخرى، ولنفى ما قد يتوهم من أنها تشبه الربا. وعبّر سبحانه، عن الحصول على الأموال وأَخذها بالأكل؛ لأنه هو المقصود الأول للإنسان من جمع المال، أيًا كانت وسيلته. والتعبير بلفظ ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ - للدلالة على أن المال المأكول هو مال الآكل. فمال أَخيك هو مالك، باعتبار أن الجماعة المؤْمنة، متضامنة في السراء والضراء، وأَن ما يصيب أحد أعضائِها من الألم - يصيب الآخر لا محالة. فعندما تتفكك الأواصر بين أفراد جماعة ما، بسبب ظلم بعض أفرادها للبعض الآخر - تتولد الكراهية بينهم وتنمو. وفي ذلك فناءٌ للجماعة كلها … لا فرق بين ظالم ومظلوم. وقد عبرت الآية الكريمة عن هذا المعنى - بوضوح وجلاءٍ - في قوله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾: أي لا تكونوا سببا في هلاك جماعتكم، فهو هلاك لكم. ولا ترتكبوا من الآثام ما يؤَدي إِلى ذلك. بل ابتغوا - لأنفسكم وجماعتكم - الحياة الكريمة التي يسودها الوفاق والحب: باتباع معالم الهدى، والوقوف عندما أحل الله لكم. ففيه وحده صلاحكم في دنياكم وآخرتكم، لأنه سبحانه. رحيم بكم في نهيه إياكم عن ذلك.

стр. 820

٣٠ - ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: المعنى: بعد هذا البيان الحكيم المنبعث من الرحمة الإِلهية التي وسعت كل شيء، توعّد الله كل من تسوّل له نفسه: أن يرتكب ما يفسد رباط الجماعة المؤْمنة، متجاوزا بذلك حَدّ الشرع: ظالما لنفسه ولغيره … توعده بعذاب أليم في نار تلظّى: يصلى حرها، ويقاسي سعيرها. وذلك أمر هيِّنٌ على الله. ثم رغب الله في اجتناب ما نهاهم عنه، وحبَّبه إليهم ببيان ما يترتب على اجتناب الكبائر من تكفير صغائر الذنوب، والفوز بالجنة ونعيمها. فقال جَلَّ شأْنه: ٣١ - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾: المعنى: إِن تبتعدوا - أيها المسلمون - عن الذنوب الكبائر التي نهى الله عنها، وتوعدكم على فعلها، فأَطعتم الله ورسوله - كان ثمرة ذلك، أن نكفر عنكم سيئاتكم، ونستر عليكم معاصيَكم التي لم تبلغ حدَّ الكبيرة - بسبب هذه الطاعة، وندخِلَكُم دار النعيم حيث تقيمون فيها مكرمين، وتحْيَون فيها حياة لا يشوبها كدر ولا عناءٌ. وهذا مظهر آخر من مظاهر الرحمة الإلهية الشاملة، يتمثل في هذا الوعد الكريم من الله لعباده المتقين .. وفي إِسباغ فضله عليهم بالثواب الجزيل، الذي يزيد أضعافا على ما يستحقون. هذا، وقد قيل في تعريف الكبيرة كلام كثير. أظهره أنها: كل ما رتَّب الشارع عليه حَدًّا، أو صرح بالوعيد فيه نصًّا. وقد تكفلت السنة النبوية بذكر أمثلة واضحة لكبائر الذنوب. فقد روى الشيخان عن أَنس بن مالك ﵁ قال: "ذكر لنا رسولُ اللهِ ﷺ ، الكبائرَ فقال: الشِّرْكُ بالله. وعُقوقُ الوالدَيْن، وقتلُ النفسِ. وقال: ألا أنبِّئكم بأكبرِ الكبائر: قَوْل الزور. أو قال: شهادة الزور".

стр. 821

وروى الشيخان أيضا عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: "اجتنبوا السبعَ الموبِقات. قيل: يا رسول اللهِ، وما هُنَّ؟ قال: الشِّرْكُ باللهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النفسِ التي حرم الله إلا بالحق، وأكْلُ مالِ اليتيمِ، والزنى، والتَّوَلِّي يومَ الزحفِ، وقذْفُ المحْصناتِ الغافِلاتِ المؤْمناتِ". وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ أن النبي ﷺ ، قال: "الكبائرُ: الإشراك بالله، وعقوق الوالِدَيْن، وقَتْل النفس، واليمينُ الغَمُوسُ". وروى الشيخان، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ ، قال: "إنَّ مِنْ أَكبر الكبائر: شَتْمَ الرجل والِدَيْه، قالوا: وهل يشتمُ الرجل والِديْه؟ قال: نعم. يسبُّ الرجلُ أبا الرجلِ أَو أمَّه، فيسب أَباهُ وأمَّهُ". ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾. المفردات: ﴿تَتَمَنَّوْا﴾: من التمني. وهو إرادة ما يُعلم أو يُظَن ألا يكون. أَو هو التعلق بحصول أمْر في المستقبل.

стр. 822

التفسير ٣٢ - ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾: لما نهى الله المؤمنين - في آية سابقة - عن أكل أموال الناس بالباطل، وبيَّن أثر ذلك في هلاك الجماعة، نهاهم - في هذه الآية - عن التطلع إلى ما فضل الله به بعض الناس على بعض في الرزق. سبب النزول: روى في سبب نزول هذه الآية - وما بعدها - روايات منها: أن أم سلمة ﵂ قالت: "ليت الله كتب علينا الجهاد كما كتبه على الرجالِ، فيكون لنا من الأجر مثلهم". ومنها: أنه لما جعل الله تعالى، للذكر في الميراث مثل حظ الأنثيين، قالت النساء: نحن أحوج أن يكون لنا سهمان، وللرجال سهم؛ لأنا ضعفاءُ وهم أقوياءُ. وأقدر على طلب المعاش: فنزلت الآية. المعنى: ولا يتمنَّ أحدكم أن يكونَ له ما أَنعم الله به على أخيه دونه، مما يتعلق بأمور الدنيا ومتاعها، من مال أَو جاه. فللرجال نصيب مما اكتسبوه في حياتهم. وللنساء نصيب مما اكتسبن. وهذا التفاوت المادي، الذي جعله الله بين الرجل والمرأة في الميراث وبعض التكاليف - وإن أشعر بالتفاضل في الدنيا - فهو لحكمة اقتضاها اختلاف طبيعة كل من الرجل والمرأة، ومسئولية كل منهما. وهو ليس مقياسا للتفاضل في الآخرة. بل التفاوت فيها مبني على التفاضل في الأعمال الصالحة ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) راجع تفسير الآيتين: (١١، ١٢) من هذه السورة.

стр. 823

﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾: إذا رغبتم المزيد من نعمه، فإن خزائن الله لا تنفد. وذلك خير من الطمع فيما أنعم الله به على فريق من عباده ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾: فيعطى كل واحد من عباده ما يناسب استعداده، وتصلح به - في نظره - أمور حياته. وبهذا البيان الحكيم المعجز، عالج القرآن الكريم، ما يعتمل في نفوس كثير من الناس، حين يرون التفاوت الواضح: فيما أنعم الله به على عباده، وفضل بعضهم على بعض، في كثير من وجوه الرزق. وقد يصعب على الناس فهم الحكمة في ذلك. ولكن حياتهم في هذه الدنيا لن تستقيم إلا بهذا التفاوت فيما بينهم. وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢). ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾. المفردات: ﴿مَوَالِيَ﴾: جمع مَوْلَى؛ وهو يطلق على من يتولى شئون غيره. كما يطلق على من يتولاه غيره. والمراد هنا: ورثة.

стр. 824

﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: أي من حالفتموهم وعاهدتموهم. والأيَمان: جمع يمين. ويراد منه القسم، أو اليد اليمنى، لأَن المتحالفين يضع كل منهما يمينه في يمين الآخر عند التعاقد. التفسير ٣٣ - ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾: هذا شروع في بيان ما من شأنه أن يقوي بنيان الأسرة، ويحفظ عليها مالها. والمعنى: ولكل ميراث تركه الوالدان والأقْربون، جعلنا ورثةً متفاوتين في الأنصباء، تبعا لتفاوتهم في درجات قرابتهم من الميت: كلٌّ يرث ما قدَّره الله له من حق. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: أي: والذين عاقدتموهم، وتحالفتم معهم على النصرة والنصيحة والعطاء: بأن توصوا لهم بما لا يتجاوز الثلث مما تتركونه من أموال - فعليكم الوفاء بما عاهدتموهم عليه. قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾: إِن الله عليم بكل شيء من الأشياء - التي منها المنع والعطاءُ - شهيدٌ عليها، مطلع على أفعالكم. فيعلم منكم الوفاءَ أو عدمه. ثم أخذ يبين نوع الصلة التي يجب أن تكون بيت الزوجين، باعتبارهما حجر الأساس في استقرار الأسرة، وشيوع السعادة بين أَفرادها فقال:

стр. 825

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾. المفردات: ﴿قَوَّامُونَ﴾: جمع قَوَّام. وهو القائم بالتدبير والحفظ. ﴿قَانِتَاتٌ﴾: مطيعات لله بطاعتهن لأَزواجهن. ﴿تَخَافُونَ﴾: الخوف؛ حالة تحصل في القلب عن حدوث أمر مكروه شرعا. أو عند الظن أَو العلم بحدوثه. وهو يختلف باختلاف الحالات. ﴿نُشُوزَهُنَّ﴾: عصيانهن، وترفعهن عن مطاوعتكم. من النشز. وهو المرتفع من الأرض. ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾: الهجر، الترك عن كراهية. ﴿الْمَضَاجِعِ﴾: أَماكن الاضطجاع. وهي المراقد. ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾: تبغوا؛ إِما من البغي بمعنى الطلب، وإِما من البغي بمعنى الظلم. ﴿خِفْتُمْ﴾: الخوف لغة؛ توقع مكروه عن أَمارة مظنونة أو معلومة. كما قال الراغب. والمراد به هنا؛ العلم. ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾: أي اختلافًا بين الزوجين.

стр. 826

التفسير ٣٤ - ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ … ﴾ الآية. فضل الله الرجال على النساء، بأمور منها: الإِمامة، والولاية، الميراث، والشهادة، والجهاد، والجمعة، والجماعات. ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾: أي: ولما أنفقوا على النساء في النفقة والمهر، جعل الله لهم قوامة على زوجاتهم. وهي قوامة رابطه ومحبة: تقوم على التعاون بينهما. والمعاشرة بالمعروف، بحيث يقوم كل منهما بواجبه نحو صاحبه. وهو ما يبدو واضحًا في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١). ولا شك في أَن حقوق كلٍّ من الزوجين وواجباته، تختلف عن حقوق الآخر وواجباته تبعًا لاختلاف التكوين الفطري لكل منهما. ولا شك أَن مصالح الأسرة: ودوام استقرارها. يتطلب قيام كل منهما بوظيفته التي تلائم طبيعته. مع التعاون التام، والاحترام، المتبادل. والرجل أقدر - بطبيعته - على السعي والكدح في سبيل تحصيل رزقه، ورزق أسرته، ليهيئ لها حياة سعيدة هانئة. ولهذا ناط به الشارع رعاية الأسرة، وحَمَّلَهُ مسئوليتها. وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله سبحانه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٢). ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾: هذا بيان للناس من الله تعالى، بأَن النساء أَمام هذه القوامة نوعان: نوع يفهمها على وجهها الصحيح، ويقوم برسالته كما ينبغي. ونوع يتمرد عليها، ويحاول التهرب من التزاماتها.

стр. 827

وقد عبر القرآن عن النوع الأول بقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾: فوصفهن بالصالحات، لأنهن يمتثلن أَمر الله، فيطعن أَزواجهن، ويقمن بواجباتهن، ويحفظن على الأزواج أموالهم وأعراضهم في جميع الحالات، ويقوم بهن المجتمع الإسلامي الأمثل، تحقيقًا لشرع المدبر الأعلى. أما النوع الثاني، فالحديث عنه في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾: فقد بين الله الطريقة المثلى في إرجاعهن إلى الصواب، حتى تؤَدي الأسرة رسالتها المنوطة بها، وكان الله رحيمًا بها. على الرغم من تمردها. وجعل علاج الشقاق بين الزوجين على مرحلتين: الأولى: يتولاها الزوج. فيقوم أوَّلًا بوعظها. فإن لم يفد، انتقل إِلى هجرها في المضاجع عَلَّها تثوب إلى رشدها، فإن لم يجْدِ ذلك، انتقل إلى ضربًا غير مبرح مع اتقاء الوجه، والمواضع التي يظهر فيها أثر الضرب غير المبرح: علاجًا لمرض النشوز، والتماسا للطاعة وحياة الاستقرار والهدوء. ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾: أي: إِن شفين مما عرض بهن ورجعن لكم مطيعات - فلا تظلموهن بأي طريق من طرق الظلم. وعَاشروهن بالمعروف. وعلى الذين يهاجمون القرآن وتشريعه في جعل الضرب وسيلة تأديب الناشز، أن يلاحظوا: أولًا: أن القرآن جعل هذا التأديب المادي، آخر وسيلة يلجأ إليها الزوج، بعد أَن يفشل الوعظ، ويفشل التأديب العاطفي بالهجر في المضجع ولم يبق إلا آخر الدواء وهو الضرب غير المبرح. ثانيا: أن الضرب المباح للزوج، أَوضحه الرسول الكريم بقوله: "غيرَ مُبَرِّحٍ" (١)، فليس المقصود منه الإِيذاء، بل هو لإِيقاظ صوابها وضميرها، بتخويفها هذا، حتى لا يهدم البيت من أساسه.

стр. 828

ثالثا: أن التأديب المادي لأرباب الشذوذ، معترف به، ومطبق عمليا، في البلاد التي بلغت في الحضارة شأوًا بعيدا. وعليهم بعد هذا: أن يوازنوا بين مرارة الوسيلة التي لا يمكن إنكارها، وبين ما يترتب على إلغائِها من هدم الأسرة وتخريب البيت، وتشريد الأطفال. فإذا كان الضرب ينتج تقويم المعوج، ويرجع الزوجة الناشز عن غَيِّها، ويردها إلى صوابها - والضرب هنا أنْفَى للضرب - فستحمده هي عندما ترى نفسها، وقد استعادت مكانتها كزوجة وربة بيت. وما من شك في أن الزوجة العاقلة الصالحة، لن تَدَعَ الأمر يصل بها إلى هذا الحدِّ من العقاب. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ بعد قوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ تحذير من الله لعباده من ظلمهم لزوجاتهم. فهو سبحانه، قوي قادر على أن ينتصف لهن منكم إِن بغيتم عليهن، ولم تتقوا الله فيهن أيها الأزواج. ٣٥ - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾: هذه هي المرحلة الثانية في علاج الشقاق بين الزوجين. فقد يشتد الخلاف بينهما. وربما الْتَبَسَ أمره فلا يعرف المحق من المبطل، ولا المسالم من المشاكس، لادِّعاء كل منهما عدوان الآخر عليه - لمَّا كان الأمر كذلك - أَمر الله سبحانه ولاة الأمر - في هذه الحالة - أن يقيموا حَكَما من أهل الزوج، وحَكَما من أهل الزوجة، للتعرف على أسباب الشقاق والخلاف والقضاء عليها، والعمل على إعادة الحياة الزوجية بين الزوجين المتنازعين: نقيّة من كل ما يكدر صفوها. فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا … ﴾ الآية. والمعنى: وإِن علمتم أن بين الزوجين شقاقا قد استفحل خطره، فوجِّهوا إليهما حَكَما من أهل الزوج وحَكَمًا من أهل الزوجة، لينظرا فما بينهم من نزاع وشقاق، فإذا خَلَصَت

стр. 829

نية الحَكَمين، وقصدا - بصدق - إلى التوفيق بين الزوجين، وفقهما الله سبحانه، إِلى إزالة أسباب الخلاف والشقاق، وأعانهما على إِعادة الحياة الزوجية، نقية من مكدراتها صافية من منغصاتها، لأنه - مع إِخلاص النية وصدق الطوية - يكون توفيق الله. والله سبحانه عليم خبير بكل شيء. ومن ذلك الذي يعلمه ولا يخفى عليه - نيةُ الحَكَمين، وما تنطوى عليه سرائرهما من رغبة في التوفيق أو الإفساد والتفريق. وفي ذلك ترغيب من الله تعالى، لمن حسنت نيته، وصفت سريرته، وترهيب لمن ساءت نيته، وانطوت على غشِّ سريرته. وظاهر الأمر ببعث الحَكَمين: الوجوب. وبه قال الشافعي .. لأنه من باب رفع المظالم. وهو من الفروض العامة التي فرضها الله على ولي الأمر. وظاهر وصف الحَكَمين بأن أحدهما من أهل الزوج، والثاني من أهل الزوجة: أَن ذلك يشبه أن يكون شرطا، ولكنه شرط على وجه الاستحباب فقط. فلو بعث وليُّ الأمر - أَو القاضي - حَكَمين أجنبيين عن الزوج والزوجة فذلك جائز .. ولكن كون الحَكَمين من الأقرباء أولى وأوفق. ذلك لأن نية القريب ورغبته في فض النزاع، وإحلال الوفاق محله، أصدقُ وأقوى من نية البعيد. ثم إِن هناك من دواعي الشقاق ما لا يليق أن يطلع عليه الغرباء، ولا تطاوع نفس الزوج أو الزوجة أن يبوح به، إلا لقريب يركن إليه. فمن هنا، كان اختيار الحَكَمين من أهل الزوج والزوجة، أسلم وأوفق من اختيارهما من بين الغرباء.

стр. 830

وقد اختلف العلماء فيما يليه الحكمان (١)؛ فذهب مالك: (وهو مذهب علي وابن عباس، ورراية عن الشافعي) إِلى أَن الحكمين حاكمان موليان من قبل الإِمام. فلهما أن يلزما الزوجين - بدون إذنهما - بما يريان فيه المصلحة؛ مثل أن يطلق حَكَمُ الزوج أو يفتدى حَكَمُ الزوجة. عصمتها بشئٍ من المال. وذهب أبو حنيفة - وأحد قولي الشافعي - إلى أن الحكمين وكيلان عَن الزوجبن. فليس لهما أن يبرما أمرا إلا برضاهما. فلا يطلِّق حكمُ الزوج إلا بإذنه، ولا يفتدي حَكَمُ الزوجة إلا بِإذنها. وليس في الآية ما يرجح أحد الرأيين. والمسألة اجتهادية. ولكل مذهب أدلته. وهي مبسوطة في كتب الفقه. والمتأمل في هاتين الآيتين، يرى: أن القرآن لم يذكر الطلاق كوسيلة لفض النزاع. وذلك دليل على حرص الإِسلام على بقاءِ الحياة الزوجية: ومحاولة إصلاح ما يقع من النزاع بين الزوجين: بشتى الوسائل، حرصًا على الأسرة. ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾. المفردات: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾: ذي القربى، صاحب القرابة من قِبَلِ الأَب أَو الأم. ﴿وَالْيَتَامَى﴾: جمع يتيم، وهو الصغير الذي مات أَبوه، ويستمر يتمه إلى البلوغ. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: جمع مسكين، وهو من يقل كسبه عن الوفاءِ بحاجته. فيشمل الفقير.

стр. 831

﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾: وهو الذي قرب جواره، أو من له مع الجوار قرب أَو اتصال بنسب. ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: أي الذي بعد جواره، أو الجار الذي لا قرابة له. ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: وهو الرفيق في أَمر حسن، كتعليم وصناعة وسفر .. إلخ. وقيل: الزوجة. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: وهو الغريب الذي سافر فانقطع عن بلده وماله. ﴿مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ المختال: هو المتكبر المعجب نفسه. المتعالي على غيره. والفخور: الذي يزعم لنفسه الفضل على من عداه. التفسير ٣٦ - ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا … ﴾ الآية. بعد أن بيّن الله - في الآيتين السابقتين - الوسائل التي يعالج بها ما قد يتطرق إِلى العلاقات الزوجية من وَهنٍ، بيّن في هذه الآية. ما يقوي صلة الناس بربهم، وما يقوي الصلات بين بعضهم البعض. فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾: يأْمر الله الناس جميعًا بعبادتة تعالى وحده. أَي بالخضوع والتذلل له، مع الإخلاص واليقين. وأَلا يتخذوا معه في ذلك شريكًا من خلقه. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: أمر بالإحسان إلى الوالدين. أي: أحسنوا بهما إحسانًا، بأن تكونوا بارين بهما، كارهين ناكرين لعقوقهما، شاكرين لهما ما لقيا في سبيل تربيتكم. وقَرَن حقهما بحقه سبحانه؛ إِعظاما لحقهما، وإعلاءً لقدرهما.

стр. 832

﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾: أي: وأحسنوا بصاحب القرابة، من قِبَلِ الأب أَو الأم، كالإخوة والأخوات، والأَعمام والعمات، والأَخوال والخالات، وما تناسل من هؤلاء جميعًا. ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾: أي وأَحسنوا أَيضا إلى الضعفاءِ من الناس، الذين هم في حاجة إلى العون، سواء أَكان مبعث هذه الحاجة فَقْدَ العائل قبل البلوغ وهم اليتامى أم القصور في الكسب عما يفي بضرورات الحياة، وهم الفقراء والمساكين. ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: أي: وأَحسنوا إلى الجار الذي قرب مكانا أَو دينا أو نسبا. وإلى الجار البعيد مكانا أو دينا أَو نسبا. ومدى بُعد المكان، إلى أربعين جارا من كل جانب. ومما ورد في أَنواع الجيران. ما رواه البزار بسنده عن النبي ﷺ : "الجِيرانُ ثَلاثةٌ: جَارٌ لَهُ حَق وَاحِدٌ، وَهُوَ أدْنى الجِيرانِ حَقًّا. وجارٌ لَهُ حَقَّانِ. وَجارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ. وهُو أفْضَلُ الْجِيرَانِ حقًّا. فأَما الجارُ الذي له حَقُّ واحدٌ، فجارٌ مُشرِكٌ لا رَحِمَ له: له حَقُّ الجِوَارِ. وأما الجارُ الذي له حَقانِ، فجار مسلمٌ: له حقُّ الإسلام وحقُّ الجِوارِ. وأما الذي له ثلاثةُ حُقُوقٍ، فجارٌ مُسلم ذُو رَحِمٍ: لَهُ حقُّ الجِوارِ، وحق الإسلامِ، وحَقُّ الرَّحِمَ". وقد أوصى رسول الله ﷺ بالجار، فقاق: "ما زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بالجَارِ حتى ظَنَنْتُ أَنه سَيُوَرِّثُهُ"، رواه أَحمد والشيخان. ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: أي: وأَحسنوا إلى الصاحب بالجنب. وهو الرفيق مطلقا. كالجليس في الحضر، والرَّفيق في السفر، والزوجة. وبذلك يتم التعاون وتصفو النفوس.

стр. 833

﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: أي وأحسنوا إلى ابن السبيل. وهو الغريب البعيد عن بلده وماله. وذلك بإعطائه ما يخفف عنه متاعب الطريق: ويعينه عل بلوغ غايته، والرجوع إلى بلده. ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: من الأرِقَّاء، وذلك بالإحسان إليهم، ومعاونتهم على بلوغ حريتهم. فالإِسلام يحض على تحرير الرقيق في كثير من أحكامه .. ويلحق بذلك الخدم. وقد امتد الأمر بالإحسان حتى شمل الحيوان. ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾: هذا تعليل للأمر بالإحسان إلى من ذُكورا. كأنه قيل: أحسنوا إِلى هؤلاء ولا تتغالَوْا عليهم؛ لأن الله لا يحب المختال المتكبر على غيره، ولا الفخورَ المتباهيَ بحسب قدمه من معونة وإِحسان. ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾. المفردات: ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾: أي مرائين لهم التماسًا للجاه، وطلبا لثناء الناس، لا ابتغاء مرضاة الله. ﴿قَرِينًا﴾: صاحبا وخليلا ورفيقا. التفسير ٣٨،٣٧ - ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾:

стр. 834

هاتان الآيتان الكريمتان، بيان لحال من لا يحبهم الله من المختالين الفخورين. وهم - على ما صرحت به الآيتان - صنفان: الأول: صنف أَحب المال لذاته، فبخلَ به وأَمر غيره بالبخل، فلم يعط منه فقيرًا ولم يصل به رحمًا ولم يفرِّج به عن مكروب. وبالغ فأَمر الناس بذلك أَيضا. وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ … ﴾ الآية. أي الذين يبخلون بأَموالهم فلا ينفقونها في وجوه البر والإِحسان، ولا يكتفون بهذا، بل يأمرون غيرهم بالبخل، ويحرضونهم عليه. ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: يخفون ما أَنعم الله به عليهم، حتى لا يطمع الناس في نوالهم وإِحسانهم. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾: أي: وأَعددنا لهم عذابًا مخزيا مذِلا لكبريائهم. وسماهم الله كفارًا، وإِشعارًا بأَن من هذا شأْنه، فهو كافر بنعم الله. وله - جزاء ذلك - عذاب يهينه ويخزيه. روى الإِمام أَحمد بسنده أَن رسول الله ﷺ قال: "إذا أَنعَمَ الله عَلَى عَبْدِهِ نِعْمةً أَحَبَّ أَن يُظْهِرَ أَثَرَهَا عَلَيهِ". أما الصنف الثاني: فهم الذين ينفقون أَموالهم للفخار وطلب الثناءِ من الناس، لا ابتغاءَ وجه الله. وفيهم يقول الله تعالى: ٣٨ - ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ … ﴾ الآية. أي ولا يحب الله - كذلك - الذين ينفقون أَموالهم للرياء وللسمعة، لا شكرًا لله على نِعَمه، ولا اعترافا بما أَوجب الله عليهم من حق في أموالهم. ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: أي لَا يؤْمنون بالله، ولا يصدقون بوُقوع اليوم الآخر، وما فيه من ثواب وعقاب. لأَنهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر، لتحرَّوْا مرضاة الله، ولما راءَوْا أَحدًا أَبدًا.

стр. 835

﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾: وفي هذه الجملة، أن مقارنة الشيطان ومخالطته هي السبب في البخل وفي الأمر به، وكتمان النعمة، ومرءَاة الناس بالإِنفاق، وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر - كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ (١). وقد ذم الله مقارنتهم للشيطان، واتِّباعهم طريقه بقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾: أي: ومن يكن الشيطان له صاحبا، فبئس هذا الصاحب صاحبا: لأنه يضله ويقوده إلى الهلاك. ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾. التفسير ٣٩ - ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ … ﴾ الآية. في هذه الآية، ذم وتوبيخ للصنفين السابقين، على غفلتهم عما يفيدهم، وانصرافهم عما فيه مصلحتهم. وإِقبالهم على ما فيه هلاكهم في الدنيا والآخرة. والاستفهام: للتعجب والإِنكار.

стр. 836

والمعنى: أيُّ ضرر كان يلحقهم لو آمنوا - حقيقة - بالله، وعملوا ليوم الجزاءِ، فأنفَقوا مما رزقهم الله: ابتغاءَ مرضاته، ونزولا على حكمه وامتثالا لأَمره؟! ما كان عليهم في ذلك أي ضرر .. بل إِن الضرر - كل الضرر - فيما هم عليه. ﴿وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾: فيجازيهم بما عملوا. فعلى المؤْمن أن يعتقد أَن الله مطلع على كل الناس، وسيحاسبهم على ما قدموا من أعمال. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾. المفردات: ﴿لَا يَظْلِمُ﴾ الظلم: النقص، ووضع الشيءِ في غير موضعه. ﴿مِثْقَالَ﴾ المثقال: المقدار. مأخوذ من الثقل. كما أن المقدار مأْخوذ من القدر. ﴿ذَرَّةٍ﴾ الذرة: هي النملة الصغيرة. أو الهباء الصغير، الذي يرى في ضوء الشمس إذا دخلت من نافذة. والمراد: أدنى ما يكون من الأعمال. ﴿يُضَاعِفْهَا﴾: أي يضاعف ثوابها، ويزيد أَجرها. ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾: أي أن يوارَوْا فيها، ويدخلوا في باطنها، أو أن يكونوا من جنسها، حتى يَهْربُوا من العقاب.

стр. 837

التفسير. ٤٠ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: لما توعد الله العصاة بأنه سيجازيهم على أعمالهم، حسبما تضمنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ - بين هنا، أن هذا الجزاءَ يقوم على العدل، ولا يكون فيه أدنى ظلم. والمعنى: أن الله لا يظلم الناس شيئًا وإن قل؛ لأنه تعالى منزه عن النقص. والظلم نقض لا يليق به سبحانه. فهو لا يبخس الناس شيئًا من الأَجر، ولا يحملهم ما لم يرتكبوا من الوزر، ولو كان أقل القليل. واقتضت رحمته ألا يجزىَ على السيئة إلا بمثلها، وأن يضاعف ثواب الحسنة إلى عشر أمثالها، إِلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، حسبما يعلم من حال العبد. والله يختص برحمته من يشاء. ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: أي: أنه يعطي عبده ثوابا عظيمًا، لا يعرف مقداره إِلا هو سبحانه. ٤١ - ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾: المعنى: في هذه الآية تهويل تعجبي، وتحذير من أَهوال يوم القيامة. أي: كيف يكون حال هؤُلاءِ، إِذا جاءَ ذلك اليوم، وجيء بالنبيين ليشهدوا على أممهم بما فعلوا في الدنيا، وجئنا بك - يا محمَّد - على هؤُلاء، أو على أمتك شهيدًا، وعلى هؤُلاءِ الرسل: بأن تزكى شهادتهم، وتقرر أنهم قاموا بتبليغ أممهم، حسبما أخبرك الله فيما أوحاه إليك!! لا شك أنهم يكونون في حال يُرثى لها. عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي النبي ﷺ : "اقْرَأْ عَلَيَّ. قُلْتُ: أَقْرَأ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أنزِلَ؟ قَالَ: فَإِنِّي أُحِبُّ أنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غيري، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءَ حَتى بَلَغْتُ قَوْلَه تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: أمْسِكْ … فَإذا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ (١) ".

стр. 838

٤٢ - ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ … ﴾: بيان لسوء حالهم في ذلك اليوم. بأنهم يتمنون أن تواريهم الأرض وتبتلعهم، لينجوا من العذاب. أو أن يكونوا من جنسها. كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (١). ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾: أي: يودون ذلك. والحال أنهم لا يستطيعون أن يخفوا على الله شيئًا مما فعلوا. حيث يشهد عليهم كل شيء حتى الجوارح: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). ويمكن أن يكون قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾: استئنافًا مبينا لبعض أهوال ذلك اليوم ورجح هذا بعض العلماء. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾. المفردات: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: مسافرين، أو عابرين المسجد من جانب إلى جانب. ﴿الْغَائِطِ﴾: المكان المنخفض من الأرض. وكانوا يقصدونه لقضاء الحاجة. ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: اتصلتم بهن جنسيًا، أو مجرد لمس. ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾: الصعيد: وجه الأرض أو التراب. والطيب: الطاهر.

стр. 839

التفسير ٤٣ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ … ﴾ الآية. في الآيات السابقة، أمرنا الله بعبادته وحده، وبين جزاء الطائعين. وعقاب العاصين. وفي هذه الآية، نهيٌ صريح عن الدخول في الصلاة في حال السكر، حتى يفيق السكران من سكره، ويدرك ما يقول. ومقتضى هذا: أن الإنسان لا يقبل على الصلاة. إلا وهو في حالة صحو كامل. بحيث يعرف ما يقول، لأنه يناجي الخالق . وفي أسلوب الكتاب الكريم، حيث نهى عن قربان الصلاة في حالة السكر، ما يؤكد على هذا المعنى. وفي قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ما جعل بعض العلماء يمنع كل من كان في حالة لا تمكنه من معرفة ما يقول - كغلبة النوم - من قربان الصلاة كذلك. واستأنس هؤلاء بما جاء في الصحيحين، عن السيدة عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لا يدري لعله يذهب يستغفر ربه فيسب نفسه"!! وكما أوجب القرآن على المسلم ألا يقدم على الصلاة إلا وهو في حالة وعي تام، فقد أوجب عليه كذلك، ألا يدخل المسجد وهو جنب، إلا إذا كان مجتازًاً للمسجد - مارًا به من جانب إلى جانب - فإنه يجوز له ذلك، وهو معنى قوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. والطهارة للصلاة، حددها الله في كتابه؛ بالوضوء في حالة الحدث الأصغر، وبالاغتسال في حالة الحدث الأكبر، وذلك أخذا من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ

стр. 840

إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا … ﴾ (١) الآية. وغني عن البيان، أَلَّا وضوءَ ولا غسل إلا بالماء. ولما كان كثير من الناس، عرضة لبعض الأمراض التي تمنع من استعمال الماءِ. ومنهم من تضطره ظروف الحياة إِلى التنقل من بلد إلى بلد. وفي الأَسفار يصعب وجود ما يكفي من الماء عادة. كما أَن هناك حالاتٍ لا يجد المقيم سبيلا إلى الماءِ: لفقده أَو لعسر الوصول إِليه لسبب أَو لآخر - فلهذا كله - جاءَ التشريع الحكيم بإيجاب التيمم بالصعيد الطاهر، فيمسح الإِنسان به وجهه ويديه، بالطريقة التي وردت عن النبي ﷺ . وفي ذلك تخفيفٌ من الله على عباده، ورفعٌ للحرج عنهم، إذ الصعيد الطاهر موجود في أي مكان يوجد الإِنسان فيه. يقول الله ﵎ في هذا كله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾: قال بعض العلماء: ﴿عَفُوًّا﴾ بالترخيص والتيسير .. ﴿غَفُورًا﴾ عن الخطإِ والتقصير. وصدق الله العظيم، حيث يقول في سورة المائدة - تعقيبا على إيجاب التيمم بدلا من الوضوء والغسل - في الحالات المذكورة - ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. والنهي عن الصلاة في حال السكر، كان قبل تحريم الخمر نهائيا في جميع الأوقات (٢). وسيأتي تتمة تفصيل ذلك في تفسير الآية (٩٠) من المائدة إن شاء الله تعالى.

стр. 841

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾. المفردات: ﴿رَاعِنَا﴾: كلمة ذات وجهين، تحتمل المدح والذم. وكان اليهود يقصدون بها الذم والتهكم. ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾: أي صرفا للكلام عن ظاهره ونهجه. التفسير ٤٤ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾: بعد أَن أَرشد الله عباده المؤْمنين - في الآيات السابقة - إِلى كثير من الأحكام والتكَاليف، جاءَت هذه الآيات للتعجيب من حال أَهل الكتاب - الذين غيروا أحكام الله؛ تحذيرا لنا من الوقوع فيما يريدونه بِنا، من الضلال عن سواء السبيل.

стр. 842

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾: أي ألمْ تنظر - يا محمد - إلى هؤُلاءَ الذين أوتوا حظا من علم الكتاب، لأنهم يستحقون أَن تشاهدهم وتتعجب من شناعة أَعمالهم، حيث يستبدلون الضلالة بالهدى؛ مع أنهم أوتوا حظا من الكتاب، كان كفيلا بهدايتهم إلى الصواب ولم يكتفوا بذلك بل أَرادوا أن تضلوا أَنتم السبيل كما ضلوا؟!. قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (١) وحقًّا أن أَمرهم لعجيب؟! ٤٥ - ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾: معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾: أي هو أَعلم منكم بهم … فاحذروهم، والتزموا التمسك بأَحكام الله وطاعته، واستعينوا به. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾: أَي وحسبكم الله وليًا، تلجأون إِليه في جميع أموركم. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ في كل المواطن، فاعتمدوا عليه، واكتفوا بولايته ونصرته. ولا تتولوا غيره، ولا تبالُوا بأعدائكم. ٤٦ - ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ … ﴾ الآية. هذا بيان لنوع من أَنواع ضلال أهل الكتاب: الذين اشتروا الضلالة. فإِنهم يتأَولون الكلام على غير تأْويله، ويفسرونه بغير مراد الله تعالى كذبًا منهم وافتراءً وتضليلًا للمسلمين. وإِنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ : ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾: أي سمعنا قولك: ولا نطيعك فيه، عنادا وتحقيقًا للمخالفة. وذلك أبلغ في عنادهم وكفرهم. ويقولون أيضًا مخاطبين له ﵇: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾.

стр. 843

وهذا كلام يحتمل وجهين: الشر والخير … وذلك بحمله على معنى: اسمع لا سمعت … ويكون دعاء عليه بالصمم أَو الموت. أَو هو على معنى: اسم لا سمعت مكروها. وهذا - وإن كان ظاهره الدعاءَ له - إلا أَنه في حقيقة باطنهم استهزاءٌ منهم واستهتار برسول الله ﷺ . وكذلك كانوا يقولون أَيضًا: ﴿رَاعِنَا﴾ وهي كلمة ذات وجهين: تحتمل الخير على معنى: انظرنا وتمهل علينا نكلمك. وتحتمل الشر على معنى: أَنها رمي له بالرعونة والحمق. فكانوا يظهرون التوقير والاحترام، ويضمرون الإِهانة والاستهزاءَ. ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾: أي صرفًا للكلام عن ظاهره، إِلى إرادة الشتم والسب، وقدحًا في الدين. بالاستهزاء والسخرية. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾: هذا بيان لما كان ينبغي عليهم أن يقولوه. أي ولو أنهم - عندما سمعوا شيئًا من أَوامر الله ونواهيه - قالوا مخلصين: سمعنا وأطعنا، بدل قولهم: سمعنا وعصينا. وقالوا أيضًا: اسمع وانظرنا، بدلا من قولهم: اسمع غير مُسْمَعٍ وراعنا - لكان خيرًا لهم مما قالوه. وأعدلَ وأصْوَبَ. ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي ولكنهم لم يقولوا ذلك. واستمروا على الكفر والضلال. فأبعدهم الله - بسبب كفرهم - عن الهدى. فهم لا يصدقون إلا تصديقًا قليلًا. لا ينتفع به إلا عدد قليل منهم. مثل من آمن من أحبارهم.

стр. 844

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾. المفردات: ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾: نزيل معالمها. وأصل الطمس: إِزالة الأعلام المنصوبة لهداية المارة وقد يطلق على إِزالة الصورة، ومطلق التغيير والقلب. ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: أي نجعلها على هيئة الأَقفاء، أو نحولها إلى الوراء حقيقة في المحسوسات، ومجازا في المعنويات. ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾: المراد بأَصحاب السبتِ، اليهود المتمردون على أوامر الله بالصيد يوم السبت، بعد أن نهاهم الله عن الصيد فيه. واللعن: الطرد من رحمة الله. التفسير ٤٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ … ﴾ الآية. بعد أن ندد الله بقبائح أهل الكتاب في الآيتين السابقتين، أَتبع ذلك دعوتهم إلى الإقلاع عن غَوايتهم، وتهديدهم بأَشد العذاب إن لم يقلعوا عما هم عليه من الغَيِّ والضلال. فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ … ﴾ الآية.

стр. 845

ناداهم بوصف كونهم أهل كتاب - ليحملهم على الإِقلاع عما هم عليه؛ وليزيد في تقريعهم والتشنيع عليهم، فإِن كونهم أهل كتاب، يقتضى مسارعتهم إلى الهداية، لا تماديهم في الضلال. كما وصف المُنْزَلَ - وهو القرآن الكريم - بأنه مصدق لما معهم، وموافق لما في كتابهم، مما يدعو إلى المبادرة بتصديقه، لا إِلى الطعن فيه، والوقوع في تكذيبه، فإِذا عاندوا بعد ذلك، وخرجوا على حكم العقل والنقل، كانوا مستحقين لأَشد العذاب. ولذا هددهم بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: أي من قبل أن نضلهم إضلالًا لا يهتدون بعده. وهو مثلٌ ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق، وردهم إِلى الباطل، ورجوعهما عن الطريق الواضح المستقيم، إِلى الطريق المعوج. فالطمس والوجه والرد على الأدبار، لإيراد بها حقيقتها، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ (١). ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾: أي أو أَن نطردهم من رحمة الله، كما طردنا أصحاب السبت من اليهود، بسبب عصيانهم بالصيد يوم السبت، وقد نهوا عنه. ثم أكد الله هذا الوعد والوعيد بقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾: أي كان كل ما أَراده واقعا لا محالة. وقد تحقق ذلك في الأمم السابقة، فاحذروا غضبه وخافوا عقابه. ٤٨ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾: لما كانت جرائم أهل الكتاب - لشناعتها وكثرتها - مظِنة عدم المغفرة، ولو تابوا منها، جاءَت هذه الآية الكريمة، لإبعاد اليأس من رحمة الله ومغفرته عمن آمن، وتهديد من لم يؤْمن. فقال تعالى:
следующие страницы →