﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾.
المفردات:
﴿رَاعِنَا﴾: كلمة ذات وجهين، تحتمل المدح والذم. وكان اليهود يقصدون بها الذم والتهكم.
﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾: أي صرفا للكلام عن ظاهره ونهجه.
التفسير
٤٤ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾:
بعد أَن أَرشد الله عباده المؤْمنين - في الآيات السابقة - إِلى كثير من الأحكام والتكَاليف، جاءَت هذه الآيات للتعجيب من حال أَهل الكتاب - الذين غيروا أحكام الله؛ تحذيرا لنا من الوقوع فيما يريدونه بِنا، من الضلال عن سواء السبيل.
стр. 842
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾:
أي ألمْ تنظر - يا محمد - إلى هؤُلاءَ الذين أوتوا حظا من علم الكتاب، لأنهم يستحقون أَن تشاهدهم وتتعجب من شناعة أَعمالهم، حيث يستبدلون الضلالة بالهدى؛ مع أنهم أوتوا حظا من الكتاب، كان كفيلا بهدايتهم إلى الصواب ولم يكتفوا بذلك بل أَرادوا أن تضلوا أَنتم السبيل كما ضلوا؟!.
قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (١) وحقًّا أن أَمرهم لعجيب؟!
٤٥ - ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾:
معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾: أي هو أَعلم منكم بهم … فاحذروهم، والتزموا التمسك بأَحكام الله وطاعته، واستعينوا به.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾: أَي وحسبكم الله وليًا، تلجأون إِليه في جميع أموركم.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ في كل المواطن، فاعتمدوا عليه، واكتفوا بولايته ونصرته. ولا تتولوا غيره، ولا تبالُوا بأعدائكم.
٤٦ - ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ … ﴾ الآية.
هذا بيان لنوع من أَنواع ضلال أهل الكتاب: الذين اشتروا الضلالة. فإِنهم يتأَولون الكلام على غير تأْويله، ويفسرونه بغير مراد الله تعالى كذبًا منهم وافتراءً وتضليلًا للمسلمين. وإِنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ : ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾: أي سمعنا قولك: ولا نطيعك فيه، عنادا وتحقيقًا للمخالفة. وذلك أبلغ في عنادهم وكفرهم. ويقولون أيضًا مخاطبين له ﵇: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾.
стр. 843
وهذا كلام يحتمل وجهين: الشر والخير … وذلك بحمله على معنى: اسمع لا سمعت … ويكون دعاء عليه بالصمم أَو الموت. أَو هو على معنى: اسم لا سمعت مكروها. وهذا - وإن كان ظاهره الدعاءَ له - إلا أَنه في حقيقة باطنهم استهزاءٌ منهم واستهتار برسول الله ﷺ .
وكذلك كانوا يقولون أَيضًا: ﴿رَاعِنَا﴾ وهي كلمة ذات وجهين: تحتمل الخير على معنى: انظرنا وتمهل علينا نكلمك. وتحتمل الشر على معنى: أَنها رمي له بالرعونة والحمق.
فكانوا يظهرون التوقير والاحترام، ويضمرون الإِهانة والاستهزاءَ.
﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾:
أي صرفًا للكلام عن ظاهره، إِلى إرادة الشتم والسب، وقدحًا في الدين. بالاستهزاء والسخرية.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾:
هذا بيان لما كان ينبغي عليهم أن يقولوه. أي ولو أنهم - عندما سمعوا شيئًا من أَوامر الله ونواهيه - قالوا مخلصين: سمعنا وأطعنا، بدل قولهم: سمعنا وعصينا. وقالوا أيضًا: اسمع وانظرنا، بدلا من قولهم: اسمع غير مُسْمَعٍ وراعنا - لكان خيرًا لهم مما قالوه. وأعدلَ وأصْوَبَ.
﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾:
أي ولكنهم لم يقولوا ذلك. واستمروا على الكفر والضلال. فأبعدهم الله - بسبب كفرهم - عن الهدى. فهم لا يصدقون إلا تصديقًا قليلًا. لا ينتفع به إلا عدد قليل منهم. مثل من آمن من أحبارهم.
стр. 844
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾.
المفردات:
﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾: نزيل معالمها. وأصل الطمس: إِزالة الأعلام المنصوبة لهداية المارة وقد يطلق على إِزالة الصورة، ومطلق التغيير والقلب.
﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: أي نجعلها على هيئة الأَقفاء، أو نحولها إلى الوراء حقيقة في المحسوسات، ومجازا في المعنويات.
﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾: المراد بأَصحاب السبتِ، اليهود المتمردون على أوامر الله بالصيد يوم السبت، بعد أن نهاهم الله عن الصيد فيه. واللعن: الطرد من رحمة الله.
التفسير
٤٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ … ﴾ الآية.
بعد أن ندد الله بقبائح أهل الكتاب في الآيتين السابقتين، أَتبع ذلك دعوتهم إلى الإقلاع عن غَوايتهم، وتهديدهم بأَشد العذاب إن لم يقلعوا عما هم عليه من الغَيِّ والضلال. فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ … ﴾ الآية.
стр. 845
ناداهم بوصف كونهم أهل كتاب - ليحملهم على الإِقلاع عما هم عليه؛ وليزيد في تقريعهم والتشنيع عليهم، فإِن كونهم أهل كتاب، يقتضى مسارعتهم إلى الهداية، لا تماديهم في الضلال. كما وصف المُنْزَلَ - وهو القرآن الكريم - بأنه مصدق لما معهم، وموافق لما في كتابهم، مما يدعو إلى المبادرة بتصديقه، لا إِلى الطعن فيه، والوقوع في تكذيبه، فإِذا عاندوا بعد ذلك، وخرجوا على حكم العقل والنقل، كانوا مستحقين لأَشد العذاب. ولذا هددهم بقوله:
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾:
أي من قبل أن نضلهم إضلالًا لا يهتدون بعده. وهو مثلٌ ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق، وردهم إِلى الباطل، ورجوعهما عن الطريق الواضح المستقيم، إِلى الطريق المعوج.
فالطمس والوجه والرد على الأدبار، لإيراد بها حقيقتها، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ (١).
﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾:
أي أو أَن نطردهم من رحمة الله، كما طردنا أصحاب السبت من اليهود، بسبب عصيانهم بالصيد يوم السبت، وقد نهوا عنه.
ثم أكد الله هذا الوعد والوعيد بقوله:
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾:
أي كان كل ما أَراده واقعا لا محالة. وقد تحقق ذلك في الأمم السابقة، فاحذروا غضبه وخافوا عقابه.
٤٨ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾:
لما كانت جرائم أهل الكتاب - لشناعتها وكثرتها - مظِنة عدم المغفرة، ولو تابوا منها، جاءَت هذه الآية الكريمة، لإبعاد اليأس من رحمة الله ومغفرته عمن آمن، وتهديد من لم يؤْمن. فقال تعالى:
стр. 846
﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ … ﴾ الآية.
والمراد بالشرك هنا: مطلق الكفر الشامل لما عليه أَهل الكتاب، من اليهود والنصارى، وما عليه غيرهم.
وفي هذا أيضًا، ردٌّ عليهم فيما زعموه من أن الله سيغفر لهم ما يرتكبونه من المعاصي، مع استمرارهم على الكفر. كما أخبر الله عنهم بذلك في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ (١).
وإنما استحالت مغفرة الشرك بالله تعالى، لأَنه الغطاءُ الكثيف: الذي يمنع نور الإِيمان من الوصول إلى القلب .. وهو أَحط ما تنتهي إِليه عقول البشر .. ومنه تتولد جميع الرذائل التي تهدم الفرد والمجتمع.
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾:
أي ومن يشرك بالله، فقد اختلق كذبا، وارتكب إِثمًا عظيما، إِذ تتضاءَل جميع الذنوب بالنسبة إِلى ذنب الشرك.
هذا، ومن المقرر شرعا: أَن من أَشرك باللهِ، وتاب عن الشرك، قبلت توبته، ويغفر الله له. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢).
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾.
المفردات:
﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: يمدحونها. وأَصل التزكية: التطهير.
﴿فَتِيلًا﴾: الفتيل؛ هو الخيط الذي يُبَطِّنُ نواة التمر، والمراد: لا يظلمون أَدنى ظلم.
стр. 847
التفسير
٤٩ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾:
في هذه الآية الكريمة، تعجيب من حال أَهل الكتاب، حيث كانوا يرتكبون الكفر والطغيان، ويأتون إلى الرسول ﷺ ، قائلين: نحن أَبناءُ الله وأحباؤه.
والمعنى: ألم ينته علمك يا محمد، إلى هؤُلاء الذين يثنون على أنفسهم، ويمدحونها بما ليس فيهم، مدعين أنهم على الحق، وأنهم مقربون إلى الله؟!
﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾:
أي أن ما مدحوا به أَنفسهم ليس صحيحًا؛ لأن الإِنسان ليس له أن يزكىَ نفسه؛ لأنه قد ينحاز إليها ويمدحها بالباطل .. ومدار التزكية على التقوى، وهذه لا يعلمها إلا الله كما قال - عز من قائل -: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (١).
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾:
أي ولا يَنقص من ثواب أَحد شيئًا وإِن قل. فهو سبحانه، يؤْتي كل ذي فضل فضله، ولا يبخس الناس شيئًا. فلو كان لهم من الأعمال ما يستحقون عليه الثناءَ، لما ظلمهم الله!!
٥٠ - ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ … ﴾ الآية.
تعجيب آخر من مزاعمهم، حيث كانوا يدَّعون أنهم أبناءُ الله وأَحباؤُه، ويقولون: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٢). ويقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (٣) ويزعمون - إلى اليوم - أَنهم شعب الله المختار. والكذب في ذاته رذيلة، فما بالك بمن يختلق الكذب على الله!.
стр. 848
﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾:
أي وكفى بصنيعهم هذا ذنبا واضحًا ظاهرًا.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾.
المفردات:
﴿بِالْجِبْتِ﴾: الجبت، كل ما عُبِدَ من دون الله، ويطلق أيضًا على الكاهن والساحر والسحر.
﴿وَالطَّاغُوتِ﴾: الطاغوت في الأصل؛ كثير الطغيان. ويطلق على كل رأْس في الضلال يصرف عن طريق الخير، ويغرى بالشر.
﴿نَقِيرًا﴾ النقير في الأَصل: هو النقرة التي تكون في ظهر النواة. ويضرب به المثل في القلة والضَآلة. فالمراد به أَقل القليل.
﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾: الحسد؛ تمني زوال نعمة الغير.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: العلم النافع، أَو النبوة.
﴿صَدَّ عَنْهُ﴾: انصرف عنه، وأَعرض.
﴿سَعِيرًا﴾: نارًا مسعرة يعذبون فيها.
стр. 849
التفسير
٥١ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ … ﴾ الآية.
روى ابن أبي حاتم، عن عكرمة: أن حيي بن أَخطب، وكعب بن الأشرف اليهوديين، خرجا إِلى مكة في جماعة من اليهود؛ ليحالفوا قريشًا على محاربة رسول الله ﷺ ، وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه. فقال لهم كفار قريش: أنتم أهل كتاب، وأنتم أَقرب إلى محمَّد منكم إلينا، فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا، حتى نطمئن إليكم .. ففعلوا …
فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت؛ لأنهم سجدوا للأصنام، وأطاعوا إبليس فيما فعلوا.
وقال أَبو سفيان لكعب: إنك امرؤٌ تقرأ الكتاب، وتعلم ونحن أُميون لا نعلم، فأينا أهدى سبيلا: نحن أم محمد؟! فقال: ماذا يقول محمَّد؟ قال: يأْمر بعبادة الله وحده، وينهي عن الشرك. قال: وما دينكم؟. قالوا نحن ولاة البيت: نسقي الحاج، ونقري الضيف، ونفك العاني. وذكروا أفعالهم. فقال: أنتم أهدى سبيلا. فنزلت.
وروى - من غير وجه - نحو ذلك.
وهذه الآية: تعجيب من حال أخرى من أحوال أهل الكتاب، وتوبيخ لهم على ارتكابهم جريمة من أشنع الجرائم، وهي سجودهم للأصنام، وشهادتهم بأن عَبَدَةَ الطاغوت أحسن دينا من أهل الإِسلام. على الرغم من أنهم أهل كتاب، وأَعْرَف من غيرهم بالدين الصحيح.
والمعنى: أَلم ينته علمك يا محمد - أو كل من يستحق أن يخاطب - إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، ورزقوا حظا منه، وإلى حالتهم العجيبة الداعية إلى الدهشة والعجب، وهي أنهم - مع كونهم أهل كتاب - يؤْمنون بالأَصنام، ويطيعون الشيطان، ويقولون في شأْن الذين آمنوا للذين كفروا - من أَجل محالفتهم - هؤُلاء الكفار الجاهليون: أهدى سبيلا، وأقوم طريقًا من الذين آمنوا بمحمد؟!.
فبين بذلك مناط التعجيب من حالهم.
يالَلْعجب من قوم: أهل كتاب، وأتباع رسل، يقولون عن المؤْمنين بمحمد: إن الكفار - من مشركي مكة - أَهدى منهم سبيلا؟!
стр. 850
وإِنما وصفهم الله بأنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب، ولم يصفهم بأنهم أوتوا الكتاب؛ لأَن حالهم تتنافى مع الكتاب كله، حيث يؤْمنون ببعضه، ويكفرون ببعضه.
٥٢ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾:
بعد أَن ذكر الله أَحوالهم المثيرة للدهشة والعجب، عقب ذلك بتقريعهم، وبيان العقاب المستحق لهم، فقال:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ … ﴾ الآية
والمعنى: أولئك الموصوفون بالصفات السابقة، المرتكبون لهذه الجرائم البشعة، هم الذين حكم الله عليهم بالطرد من رحمته، بسبب كفرهم وعصيانهم. ومن يلعنه الله ويبعده من رحمته، فلن تجد له نصيرا ينصره من عذاب الله الذي ينزل به.
٥٣ - ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾:
أي ليس لهم نصيب من الملك، حتى يكون لهم الحق في الإِعطاءِ والمنع، والحكم بالهداية وغيرها. فقد زال ملكهم قبل بعثة محمَّد ﵇، بمئات السنين. ولو بقي لهم من الأَمر شيء، لما أَعطوا أَحدا أَقل قليل من الخير.
ثم بين الله تعالى سر هذا العناد والتمادي في الضلال، فذكر أَنه يرجع إلى حسدهم للنبي ﷺ وأمته، وسيطرة الحقد على نفوسهم، فوبخهم على ذلك بقوله:
٥٤ - ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ … ﴾ الآية.
أي أَنهم ليس لهم دليل يستندون إليه، وسبب يتمسكون به في تكذيبهم. بل هم يحسدون الناس، وهم النبي ﷺ ومن معه من المؤْمنين - على ما آتاهم الله من فضله، وأنعم به عليهم حيث: أَعطاهم النبوة والكتاب والحكمة.
ولا غرابة في هذا، ففضل الله واسع. وقد آتى الله آل إبراهيم - أي إبراهيم ومن معه - الكتاب والحكمة والنبوة، وآتاهم الله مع ذلك ملكا عظيما واسعا.
стр. 851
ومن ذلك ما أَعطاه الله تعالى ليوسف ﵇، من السلطان في مصر.
وما أعطاه الله تعالى لداود وسليمان ﵉ من النبوة والملك العظيم. فلا غرابة - بعد هذا - أن يؤْتي الله محمدًا ﵇ وهو من أولاد إبراهيم - مثلما أعطى إخوانه الأَنبياءَ.
٥٥ - ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾:
في هذه الآية بيان لموقف أهل الكتاب من شريعة إبراهيم ﵇، والتصديق برسالته.
أي: فمن أهل الكتاب، مَن آمن بإِبراهيم وما أنزل عليه، ومنهم من كفر به وصد عنه.
وقد أعد الله للكفار الجزاء المناسب لهم، وهو أنهم يصلون سعيرًا: أي يقاسون نارا مسعرة ملتهبة، وكفى بجهنم سعيرا. ولا حاجة بعدها إلى ما هو أشد منها، إذ ليس هناك ما هو أقوى منها حرارة، وأَكثر اضطراما، وأشد تعذيبا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾.
المفردات:
﴿نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾: نذيقهم حرها، ونشويهم بها.
﴿نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾: احترقت وذابت.
﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾: ظلًّ وارفًا مستديمًا: لا يصاحبه حر ولا برد.
стр. 852
التفسير
٥٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا … ﴾ الآية.
بعد أن عدد الله جرائم أهل الكتاب وأحوالهم المقتضية للتعجيب، وهددهم عليها بالسعير - أَتبع ذلك بيان جزاءَ الكفار على وجه العموم: الشاملين لأهل الكتاب وغيرهم. فقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا … ﴾:
والمعنى: إنَّ الَّذِينَ جحدوا آياتنا الدالَّةَ على ألوهيتنا، والمنزلة على أنبيائنا عليهم الصلاة والسلام، وفي مقدمتها القرآن الكريم: الذي هو آخر الكتب وأوفاها، وأوضحها دلالة.
﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾:
أي سوف ندخلهم نارا هائلة يوم القيامة.
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾:
أي كلما احترقت جلودهم، وتعطلت عن الإِحساس بِالألم.
﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾:
أي جلودا جديدة أخرى؛ ليستمر عذابهم، ويدوم لهم بها، وذوقهم لها؛ لأنهم كانوا مصرين على الكفر، إلى ما لا يتناهى.
فحكم الله تعالى عليهم بالعذاب الشديد الذي لا يتناهى. ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ (١).
وأكد الله هذا الوعيد بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾:
أي هو - في ذاته - قوي: لا يعجزه شيء، ولا يستعصى عليه أمر، حكيم في أفعاله. ومن حكمته: تعذيب العاصي على قدر ذنبه.
стр. 853
٥٧ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ … ﴾ الآية.
بعد أن ذكر الله عذاب الكفار - أَتبعه بيان ثواب المؤْمنين، جريا على عادة القرآن الكريم، في اتباع الترهيب بالترغيب، وقَرْنِ الوعد بالوعيد، إظهارا للفرق بين الحالين، وتقريرا للعدل بين الفريقين. فقال:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾:
باللهِ ورسله إيمانا صحيحا.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾:
أي عملوا الأعمال النافعة لهم. وللناس جميعًا، في الدنيا والآخرة.
﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾:
أي سندخلهم يوم القيامة جنات عالية تجرى الأنهار عن تحت أشجارها وقصورها، وتفيض الخيرات في كل أنحائها. ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (١).
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾:
فلا يعتريهم خوف من زواله.
﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾:
أي ويتنعمون فيها بزوجات طاهرات من الأَدناس الحسية والمعنوية.
﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾.
أي وسيدخلهم اللهُ - الكريم القادر - ظلا ظليلا، لا يعتريه ضيق الحر، ولا مس البرد.
ولهم فيها الثواب العظيم، والنعيم المقيم.
وشتان بين هذا وبين ما يقاسيه الكفار، مما بيَّنته الآية السابقة.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١)﴾ (٢).
стр. 854
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾.
المفردات:
﴿أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾: جمع أمانة. وهي ما يؤْتمن عليه الإِنسان: لله أو للناس.
وأَداؤُها: ردها وحملها إلى أصحابها.
التفسير
٥٨ - ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ … ﴾ الآية.
إِن الله ، قد ذكر - في الآيات السابقة - أن بعض علماء أهل الكتاب، خانوا أمانة العلم، وقالوا لكفار مكة: أنتم أهدى سبيلا من محمَّد ودينه. فجاءَت هذه الآية، آمرة الناس بردِّ ما ائتمنوا عليه، والحكم بالعدل بين الناس.
وقد ورد في سبب نزول هذه الآية: أن رسول الله ﷺ ، دخل مكة يوم الفتح، ثم طلب من عثمان بن طلحة بن أَبي طلحة: من بني عبد الدار، مفتاح الكعبة، فأتاه به. فلما بسط يده إليه، قام العباس، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي: اجعله لي مع السقاية. فكفَّ عثمان يده. فقال رسول الله ﷺ : "أرني المفتاح يا عثمان" وتكرر الطلب من العباس والكفُّ من عثمان، إلى أَن قال له رسول الله ﷺ : "يا عثمانُ، إن كنتَ تؤْمن بالله واليوِم الآخرِ، فهاتِني المفتاح" فقال: هاك بأمانة الله، فقام ففتح الكعبة ودخلها … ثم خرج وطاف بالبيت، ثم نزل عليه جبريل بهذه الآية. فدعا عثمانَ بنَ طلحةَ بن أَبي طلحة - فأَعطاه المفتاح.
стр. 855
وفي تفسير ابن كثير: أن عثمان دفع المفتاح - بعد ذلك - إلى أَخيه شيبة بن أبي طلحة. فهو في يد وُلده إِلى اليوم.
وكان عثمان أَحد الذين أَسلموا مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص بين الحديبية والفتح.
أَما رواية - أَنه لم يسلم إِلا يوم الفتح - بعد أَن رَدَّ إِليه الرسول ﷺ المفتاح - وكان عليُّ قد أَخذه منه عَنْوة - فغير صحيحة.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾:
الخطاب للرسول ﷺ والمؤْمنين في جميع العصور: يأْمرهم فيه - ومن كان معه وَمَن بَعْدَه - بأَداءَ جميع الأَمانات إلى أَصحابها. سواءٌ: أكانت لله تعالى، مثل التكاليف الذي كلفنا بها، من فعل المأمورات، وترك المنهيات. أَو كَانت للناس كالودائع وغيرها. أو كانت للإِنسان نفسه: كالمال المستَخْلَفِ فيه: وكسائر أعضائه التي أمرنا باستعمالها فيما خلقت له: من لسان، ويد، وسمع، وبصر، وغير ذلك … فكلها أَمانات يجب أَداؤُها. وذلك باستعمالها في الطاعة، والبُعْد بها عن المعصية، شكرًا لله عليها.
ومن ذلك: العمل بما تَعلَّمَه العلماء وتبليغه للناس، وعدم كتمانه .. كما ذلك أمانات يطالبنا الله بحفظها وردها.
وقد عظم القرآن شأن الأمانة وشأن من يرعاها. وجعل ذلك مناطًا للمدح في كتابه العزيز، حيث قال في وصف المؤمنين المستحقين للفلاح: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (١).
وفي الحديث ما رواه البغوي. عن أنس مرفوعًا "لا إيمان لمن لا أمانة له. ولا دين لمن لا عهد له".
стр. 856
وروى الترمذي، وأبو داود، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: "أدِّ الْأمَانَةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ".
ولما أمر الله سبحانه جميع المكلفين بأداء الأَمانات إلى أهلها، أمرهم كذلك. بالحكم بالعدل بين الناس فقال:
﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾: أي يأْمركم الله - تعالى - إذا حكمتم بين الناس مطلقًا - مؤْمنين وغير مؤْمنين - ﴿أَنْ تَحْكُمُوا﴾: بينهم ﴿بِالْعَدْلِ﴾: دون إجحاف، أو ميل إلى أحد المتخاصمين لقرابة أو دين.
قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (١).
والحكم بين الناس بالعدل. أمر قد انعقد عليه الإِجماع، وتكرر ذكره في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٢). وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٣).
والسنة النبوية، حافلة بالحث على العدل والتنفير من الظلم.
وقد ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لأَبي موسى الأشعري، حين ولاه القضاءَ: "آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ وَعَدْلِكَ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ في جَوْرِكَ، وَلَا يَيْأسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدلِكَ" (٤).
ثم أَكد سبحانه، وجوب هذه الأَوامر فقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾:
أي نعم الشيء الذي يعظكم به الله: وهر تأدية الأَمانة، والحكم بين الناس بالعدل، لأنهما من الأمور المحمودة.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾:
أي سميعا لما يقال، وما يجِري من الأَحكام بين الناس ﴿بَصِيرًا﴾: بما يحدث .. ومنه أداء الأَمانات إلى أَهلها، فهو عليم بكل شيء: مسموعا كان أَو مبصرا: محيط بكل شيء مجاز كلا بما يعمل من خير أَو شر.
стр. 857
وذلك وعد وبشرى للطائعين، ووعيد وإنذار للواعظين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾.
المفردات:
﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾: أصحاب الحل والعقد، من الرؤساء والعلماء.
﴿تَنَازَعْتُمْ﴾: اختلفتم.
﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: أي ارجعوا في معرفته إلى كتاب الله، وسنة رسوله.
﴿تَأْوِيلًا﴾: مآلًا ومرجعًا وعاقبة. أو أحسن تأويلًا من تأويلكم.
التفسير
٥٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ … ﴾ الآية.
لما أمر الله الولاة بالعدل في الحكم بين الناس، أمر سائر المؤمنين بطاعة هؤلاء الولاة العدول، في ضمن طاعة الله ورسوله. فطاعة أولى الأمر من الحكام العدول، هي طاعة مترتبة على طاعة الله وطاعة رسوله. وأمرهم بذلك، هو بتأسِّيهم بنور الكتاب والسنة في كل تشريعاتهم.
وبذلك يستقيم منهج الحياة على أساس من الكتاب والسنة، والارتباط بأصول التشريع.
وطاعة أولى الأمر من الولاة والرؤساء والعلماء وغيرهم، هي طاعة مرتبطة بهذا الأصل من التشريع أيضًا. وهي - كما سبق - مقيدة ومشروطة بطاعة الله. إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
стр. 858
وبذلك تتحقق المصلحة العامة، من وراء ارتباط أولي الأمر بأصول التشريع، وارتباط المسلمين جميعًا بأولي الأمر قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (١).
ولأن الكتاب الكريم والسنة النبوية، هما دعامتا التعاليم التي يهدى بها لتحقيق حياة سعيدة وآخرة مرضية. قال تعالى:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾:
أي إن اختلفتم في حكم شيء: لم يرد فيه نص صريح في كتاب الله - تعالى - ولا في سنة رسوله ﷺ ، فارجعوه إلى هذين الأصلين، وليكن حكمكم فيه بالقياس إلى حكم كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ ، فيما يشتبهه من الأمور فإن ذلك خير ما يصار إِليه: لفض التنازع وإزالة الخلاف بين المؤمنين باللهِ واليوم الآخر.
وبذلك، فتح القرآن الكريم للمسلمين، باب الفهم والبحث والاجتهاد في دين الله.
حيث أمرهم أن يردوا ما اختلفوا فيه، إلى الكتاب والسنة.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾:
أي إن كنتم تصدقون باللهِ وبمجيء اليوم الآخر، وما فيه من حساب وعقاب - فردوا ما تتنازعون فيه إلى حكم الله تعالى وحكم رسوله ﷺ ، وقيسوا الأمور بأشباهها، وارْضَوْا بذلك حكمًا.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾:
أي الرد إِلى كتاب الله وسنة رسوله، عند التنازع والتمادى في الخصومة، خير لكم وأَصلح من التمادي في الخصومة، وأحسن تأويلا من تأْويلكم، أَو مرجعا وعاقبة.
стр. 859
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾:
المفردات:
﴿الطَّاغُوتِ﴾: الطاغوت في الأصل؛ كثير الطغيان. ويطلق على كل رأس في الضلال، يصرف عن الخير، ويغرى بالشر.
﴿يَصُدُّونَ﴾: يعرضون.
﴿وَعِظْهُمْ﴾: خوّفهم.
﴿وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ﴾: أي واعظًا لهم - بينك وبينهم - ليكون أَدعى للقبول.
أو في شأْن أنفسهم: كاشفا عن خبثها.
﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾: مؤَثرا واصلا إلى حقيقة المراد.
التفسير
٦٠ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ … ﴾ الآية.
روى عن ابن عباس ﵄ أَنه تخاصم يهودي ومنافق، ودعا اليهودي المنافق إلى التحاكم إلى رسول الله ﷺ . ودعاه المنافق إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف .. فنزلت الآية.
стр. 860
والمعنى: ألم ينته علمك يا محمَّد، إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بالقرآن وبالكتب التي أنزلت على مَنْ قَبْلَكَ من الرسل؟!
إن شأن هؤلاء لعجيب؛ لأنهم - مع زعمهم الإيمان بذلك - يريدون أن يتخذوا من كاهن اليهود - رأس الضلال - حاكمًا في قضاياهم. وقد أمرهم الله أن يكفروا بمن يدعوهم إلى الشر ويبعدهم عن الخير، ويريد الشيطان أين يوقعهم في ضلال بعيد، لا خلاص لهم منه بإتباعهم دعاة الشر!!
٦١ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾:
أي ومن عجيب أمر هؤلاء المنافقين: أنهم إذا دعوا إلى التحاكم إلى كتاب الله تعالى وإلى رسوله ﷺ ، أصروا على الكفر، وأعرضوا عما تدعوهم إليه، إعراضًا شديدًا.
٦٢ - ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾!!:
هذا بيان لسوء عاقبتهم جزاء جنايتهم ومخالفتهم، وتعجيب من حالهم.
أي فيا عجبا .. كيف يكون حال هؤلاء المنافقين - وقت نزول المصائب بهم - بسبب ذنوبهم، ثم جاءوك ملتجئين إليك في ذلك، يعتذرون عن قبائح أعمالهم، ويحلفون بالله ما أردنا بذهابنا على غيرك، وتحاكُمِنَا إلى من عداك، إلا الإحسان والتوفيق. أي المداراة والمصانعة. لا اعتقادًا منّا صحة تلك الحكومة. كما أخبر الله عنها بقوله:
﴿فَتَرَى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا في أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (١).
стр. 861
٦٣ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا في قُلُوبِهِمْ﴾:
أي أولئك هم المنافقون الموغلون في الكفر والنفاق، الذين لا يخفى على الله أمرهم، ويعلم ما انطوت عليه صدورهم من الشر والفساد، وسيجزيهم على ذلك.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾:
أي أعرض عن قبول معذرتهم. وازجرهم عما في قلوبهم من الكيد والنفاق.
﴿وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾
أي انصحهم - فيما بينك وبينهم بعيدًا عن الناس - ليكون ذلك أدعى إلى قلوبهم - بكلام بليغ رادع لهم. أو قل لهم في شأن أنفسهم وما انطوت عليه من الخبث والقبائح قولًا مأثورًا يردهم عن غَيّهم، ويعود بهم إلى رشدهم.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾.
المفردات:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾: اللام لتأكيد القسم.
﴿شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾: اختلط عليهم من الأمور.
﴿حَرَجًا﴾: ضيقًا.
стр. 862
التفسير
٦٤ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ … ﴾ الآية.
أي. وما أرسلنا رسولًا من الرسل، لأمر من الأمور، إلا ليطيعه الناس بسبب إذنه تعالى لهم في طاعته، وأمْرِه لهم بأن يتبعوه، فإِن طاعة الرسول طاعة لله … ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١).
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾:
في هذا بيان لما كان يجب عليهم أن يفعلوه حين ظلموا أنفسهم. أي ولو أنهم حين ظلموا أَنفسهم - بترك طاعة الله تعالى - بادروا بالمجيء إليك، معتذرين عن جرائِمهم مبالغين في التضرع إلى الله، والتوبة إليه من ذنوبهم، حتى تقوم شفيعًا لهم إلى ربك، طالبا منه المغفرة لهم.
﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾:
أي لو أنهم فعلوا ذلك - لوجدوا أبواب التوبة مفتحة لهم، ورحمتَه تعالى محيطةً بهم.
وفي هذه الآية، إرشاد لسائر العصاة والمذنبين، إذا وقع منهم ذنب أو خطيئة، أن يبادروا بالتوبة والندم، كي يفوزوا بغفران الله لهم.
٦٥ - ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ … ﴾ الآية.
روى البخاري بسنده، قال: خاصم الزبير رجلًا في شَرْج (٢) من الحرة، فقال النبي ﷺ : "اسق يا زبيرُ، ثم أرسل الماء إِلى جارك" فقال الأنصارى: يا رسول اللهِ، لِأَن كان ابنَ عمتك؟ فَتَلوَّنَ وجهُ رسول الله ﷺ . ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبِسِ الماءَ حتى يرجع إلى الجُدُر، ثم أرسل الماءَ إلى جارك … " (٣) فاستوفى النبي ﷺ ، للزبير حقه كاملا في الحكم، حين أحفظه الأنصارى، وكان أشار عليهما، ﷺ بمأمر لهما فيه سعة .. قال الزبير: فما أحسِب هذه الآية إلا نزلت في ذلك.
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ … ﴾ الآية.
стр. 863
لقد أقسم الله - سبحانه - بذاته، وهو الذي تولى تربيتك أيها الرسول، وأنعم عليك بنعمة النبوة، وأَدَّبك بأدب القرآن - أقْسَمَ: أن هؤُلاء الذين أَعرضوا عن التحاكم إليك فيما اختلط عليهم، لا يدخلون في عداد المؤْمنين الصادقين، حتى تتحقق فيهم صفات ثلاث:
أولاها: أن يهْرَعوا إليك - أيها الرسول - لتحكم بينهم فيما اختلط عليهم.
ثانيها: أن ترضى نفوسهم - وتستمر راضية دون حرج أو ضيق - بحكمك وقضائك.
ثالثها: أن يسلِّموا بحكم رسول الله، ﷺ ، تسلينا كاملا، ويذعنوا له إِذعانا صادقا، ويقوموا على تنفيذه بنفوس راضية.
﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾.
المفردات:
﴿كَتَبْنَا﴾: قدرنا.
﴿مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾: ما يؤْمرون يه من طاعة الله.
﴿تَثْبِيتًا﴾: تحقيقًا لإيمانهم.
التفسير
٦٦ - ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ … ﴾ الآية.
أي: ولو أَنا كتبنا على هؤلاء الذين أعرضوا عن التحاكم إلى رسول الله ﷺ ، مثل ما أوجبناه عل بني إسرائيل من قتلِهم أنفسَهم، أو خروجهم من
стр. 864
ديارهم؛ حين طلبنا منهم التوبة - لشق ذلك عليهم، وما نفذه إلا نفر قليل منهم، وهم المخلصون من المؤمنين.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾: من طاعة الرسول ﷺ ، والانقياد لحكمه ظاهرًا وباطنًا.
﴿لَكَانَ﴾: فعلهم ذلك.
﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾: أي أنفع لهم في الدنيا والآخرة.
﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾: أي تحقيقًا لإيمانهم.
٦٧ - ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾:
أي: ولو نفذوا ما أمرتهم به، واستجابوا لك، وتحقق منهم صادق الإيمان - لأعطيناهم من عندنا فضلًا لا يحد، ومنحناهم من خزائن رحمتنا أجرًا عظيمًا، بالغًا غاية العظم .. وهو الجنة.
٦٨ - ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾:
أي: ولأرشدناهم في دنياهم إلى طريق مستقيم استقامة تامة، يقودهم إلا صالح الأعمال، ويوصلهم إلى جزاء الأبرار.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾.
المفردات:
﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: تفضل الله عليهم بنعمه.
﴿رَفِيقًا﴾: مرافقا ومؤنسًا.
стр. 865
التفسير
٦٩ - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ … ﴾ الآية.
أي: والذين يعملون بما أمر به الله ورسوله، ويتركون ما نهى الله ورسوله عنه، مع التصديق والإذعان والقبول.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الموصفون بما ذكر.
﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: أي مع الذين تفضل الله عليهم بنعم وإحسانه.
وقد بين المنعم عليهم بقوله:
﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾: أي الذين يبالغون في تصديق أهل الصدق واليقين، والذين قتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمته.
﴿وَالصَّالِحِينَ﴾: أي الذين صلحت أعمالهم وسلمت صدورهم، فقاموا بحقوق الله، وحقوق عباده.
﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾:
أي: وحسن أولئك المذكورون رفقاء - في دار النعيم - لأولئك الطائعين.
٧٠ - ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾:
أي: ذلك الفوز برفقه هؤلاء في أعلى درجات الجنة، هو الفضل العظيم، الذي لا غاية وراءه: تفضل به عليهم. فكل عمل صالح يكسبه العبد، لا يوازي هذا الفضل.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾:
أي: يكفي علم الله في الإحاطة بكل شيء، فيعلم من هو أهل لهذا الفضل، فيجازيه به.
стр. 866
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)﴾.
المفردات:
﴿حِذْرَكُمْ﴾: الحِذْرُ والحَذَرُ: بمعنى واحد. والمراد: تَيَقَّظُوا واحترِزوا من مكائد عدوكم.
﴿فَانْفِرُوا﴾: اخرجوا إلى الجهاد.
﴿ثُبَاتٍ﴾: جمع ثُبَة، وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة. والمراد: انفروا جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة.
﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾: أي اخرجوا مجتمعين غير متفرقين.
﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾: أي يتباطأ ويتثاقل.
﴿شَهِيدًا﴾: أي حاضر الموقعة.
﴿مَوَدَّةٌ﴾: علاقة وصلة.
التفسير
٧١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾:
لقد نادى الله المؤمنين بوصف الإيمان، ليثير في نفوسهم دواعي الاستجابة إلى ما أمروا به. فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي يا مَن صَدَّقُوا وأذعنوا لله والرسول.
стр. 867
﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾: أي خذوا حيطتكم من عدوكم، وكونوا مِنْهُ على حذَر. وتيقظوا له حتى لا يباغتكم بالهجوم عليكم.
ومن الحيطة: استطلاع حال العدو، وتعرُّفُ أسراره وخططه الحربية، ومدى قوته … ونحو ذلك.
﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾: أي اخرجوا لقتاله جماعة بعد جماعة، وسرية بعد سرية. إِذا اقتضت الحرب ذلك.
﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾: أي أو اخرجوا لقتاله مجتمعين إذا لزم الأمر.
ولا شك أن الخروج للقتال، يستلزم التأهب بإعداد الجيش المدرب، وإعداد السلاح الكافي، حسبما يستدعيه حال العدو.
ومن الواضح أنه يجب على الأمة: أن تظاهر جيشها، وتحمى ظهره: بالعمل والإنتاج، والتماسك والاتحاد، ورفض الإشاعاِت الكاذبة، وتحمُّل التضحيات.
٧٢ - ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ … ﴾ الآية.
بعد أن أَمر الله المؤمنين، بأخذ الحذر والحيطة من الأعداء، والخروج لقتالهم: مجتمعين أو متفرقين - حسبما تدعو إليه ظروف الحرب - كشف الله حال طائفة تتباطأ عن الجهاد، وتتثاقل عن الخروج إليه ذَمًّا لهم، وتحذيرا منهم، فإنهم منافقون، فقال:
﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾:
أي: وإن من بينكم - معشر المسلمين - لمن يتباطأ عن الخروج للقتال.
﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾:
أي فإن نزلت بكم هزيمة، ولحقت بكم نائبة.
﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾:
أي: قال فرحًا مسرورًا، قد أَنعم الله عليَّ، حيث لم أحضُر القتال، ولم أتعرض لما تعرض له جيش المسلمين من أهوال القتال وشدته.
стр. 868
٧٣ - ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾:
أي: وإن تفضل الله عليكم بالنصر، وأنعم عليكم بالغنيمة، عَضَّ أصابع الندم، واستولت عليه الحسرة قائلًا - كأن لم يكن بينكم وبينه سابق معرفة -: يا ليتني كنت معهم في ساحة القتال. فأغنم مغانم كثيرة، وآخذ أموالًا وفيرة. وهذا الفريق أخطر على الأمة من عدوها الخارجي: المعلن لعداوته.
﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾.
المفردات:
﴿يَشْرُونَ﴾: يبيعون؛ لأن شرى: من كلمات الأضداد. كذا في الصِّحاح.
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾: المستذلين.
﴿وَالْوِلْدَانِ﴾: جمع وليد، وهو الصبي، أو العبد.
стр. 869
﴿وَلِيًّا﴾: معينًا.
﴿الطَّاغُوتِ﴾: في الأصل كثير الطغيان. ويطلق على كل رأس في الضلال. وقيل: الشيطان.
التفسير
٧٤ - ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ … ﴾ الآية.
ذكرت الآيتان السابقتان، طائفة من المنافقين: يثبطون ويخذلون المؤمنين عن القتال، فإذا انهزم المؤمنين فرحوا، وإذا انتصروا ندموا على تخلفهم عن القتال؛ لحرمانهم من الغنائم.
وفي هذه الآيات يأمر الله المؤمنين بالقتال في سبيله.
والأمر موجّه إلى من باعوا الحياة الدنيا، طلبًا لثواب الآخرة، وجادوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل إعلاء كلمة الله، ونشر الدعوة الإسلامية، والدفاع عن المسلمين، وعن الوطن الإسلامي.
وتقدير الكلام: إذا تباطأ المنافقون عن الجهاد. فليسرع إليه المؤمنون الصادقون.
وقد فرض الله الجهاد في سبيل الله على المؤمنين الصادقين. قال تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١).
﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾:
أي: ومن قاتل في سبيل الله - لا طلبًا للغنائم، ولا طمعًا في الحكم والسلطان - فقد أعد الله له ثوابًا جزيلًا.
والمقاتل في سبيل الله بين غايتين: الاستشهاد في سبيل الله، أو النصر على الأعداء .. ولا ذكر للهزيمة في الآية الكريمة؛ لأن المؤمن المجاهد: لا يرتد على عقبيه، ولا يستسلم
стр. 870
للهزيمة بأي حال. وقد وعده الله - في كلتا الحالتين - بالأجر الجزيل، والثواب العظيم: أجر الشهداء في الآخرة، أَو ثمرات النصر في الدنيا، ورضاء الله في الآخرة.
وفي تنكير الأجر، ثم وصفه بالعظمة - إظهارٌ لمضاعفته، وإبرازٌ لعظمته.
٧٥ - ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ … ﴾ الآية.
يحرِّض القرآن المؤْمنين على القتال في سبيل إعلاء كلمة الله، وفي سبيل خلاص الضعفاء المستذلين: من الرجال والنساء والصغار من المسلمين. المحبوسين بمكة.
والمعنى أي شئٍ لكم حتى لا تقاتلوا؟!! أي لا عذر لكم في ترك القتال؟!!
فالاستفهام في الآية الكريمة، لإنكار واستقباح النخلف عن الجهاد.
وقد استدعاه باعثان قويان:
الأول: الدفاع عن الإِسلام.
والثاني: تخليص المستضعفين من المسلمين المستذلين بمكة. الذين يتعرضون لأنواع العذاب والنكال. وهم ضعفاء: لا يستطيعون مقاومة المعتدين الطغاة.
وكلا الباعثين جدير بأن يحفز المؤمنين حفزا إلى القتال. وكلاهما جهاد في سبيل الله … ولكنه أفرد المستضعفين، استثارةً للحمية والأنفة والغيرة، لما لها - في نفوس العرب - من مكان مكين.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾:
أي لا عذر لكم في ترك القتال؛ لتخليص المستضعفين الذين عذبهم المشركون بمكة، ومنعوهم من الهجرة أَو حرية العبادة. فاتجهوا إلم الله ، ضارعين قائلين: يا إلهنا المنعم، المتفضل علينا بنعمة الإِسلام - هيئ لنا الخروج من مكة، والهجرة منها، فِرارا بديننا من أَهلها الطغاة الظالمين، الذين ظلموا أنفسهم بالشرك، وظلمونا بتعذيبنا، ومَنْعِنَا من الهجرة ومن حرية العبادة، وهيئ لنا - بفضلك - وليًّا يتولى أمورنا ويحمينا منهم، وهيئ لنا - من عندك - من ينصرنا عليهم وييسر لنا طريق الهجرة إلى إخواننا المسلمين.
стр. 871
قال ابن عباس - فيما رواه البخاري عنه:
"كنت أَنَا وأمي مِنَ المستَضْعَفِينَ".
ونسبة الظلم إلى أَهل مكة: تشريف لها وصيانة عن نسبة الظلم إليها، فهو مقصور على أهلها المشركين.
٧٦ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ﴾ الآية.
وازنت هذه الآية الكريمة بين فريق المؤمنين، وفريق الكافرين.
فالمؤمنين يقاتلون في سبيل الدفاع عن عقيدتهم، وعن أوطانهم، وعن إخوانهم المستذلين. وهذا كله في سبيل الله. وقد وعد الله المجاهدين في سبيله بإحدى الحسنيين: الشهادة وما وراءَها من أَجر جزيل، أو النصر وما يتبعه من عز وتمكين.
أما الكفار، فهم يقاتلون في سبيل الطغيان والظلم والاستعلاء.
وشتان بين مَن يجاهد في سبيل المبادئ والمثل العليا، ومَن يقاتل عدوانا وظلما، وتمكينا للطغاة الجبارين.
ولا شك أن العاقبة للمتقين، وأن الظلم مرتعه وخيم.
﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾:
أي: فقاتلوا أيها المؤمنون - في سبيل الله - أنصار الشيطان وأعوانه، وكونوا واثقين من نصر الله لكم، وثوابه العظيم. ومن خذلان أعوان الشيطان، فإنكم أنصار الله وحماة الحق، الذي أنزلة إليكم. والحق لا بد أَن ينتصر. فإنهم أعوان الباطل والباطل إلى زوال ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (١). والله سبحانه - غالب عَلى أمره.
أما الشيطان وأنصاره، فهم المخذولون: ﴿ … أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢).
﴿شَهِيدًا﴾: شاهدا على صدق رسالتك، أو مُطَّلِعًا بصيرًا.
﴿تَوَلَّى﴾: أعْرَض.
﴿حَفِيظًا﴾: رقيبًا، أو مسيطرًا.
التفسير
٧٧ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الآية.
روى ابن أبي حاتم بسنده. عن ابن عباس، أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أَتوا النبي ﷺ بمكة، فقالوا يا نبي الله: كُنَّا في عِزَّةٍ ونحن مشركون، فلما آمنا صِرْنَا أذِلَّةً، قال: "إنى أُمِرْت بِالعَفْوِ فَلَا تُقَاتِلُوا القَوْمَ". فلما حوَّله الله إلى المدينة، أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ … ﴾ الآية.
أي: ألم ينته إلى علمك - يا محمَّد - حال أولئك الذين كانوا يتمنون القتال - وهم بمكة - قبل أن يأذن رسول الله ﷺ لهم فيه، رغبة في التخلص من ايذاء المشركين المستمر لهم؟!
وكان رسول الله ﷺ ، يستمهلهم ويقول لهم - وهم بمكة: كُفُّوا أيديَكم عن قتال المشركين حتى يأْذن الله فيه، وتفرغوا لتطهير أنفسكم وتزكيتها: بإِقامة الصلاة وإيتاء الزكاة (١)، وإِعدادها للجهاد حين يأذن الله به فيه؟!.
والاستفهام لتعجيب رسول الله ﷺ ، ومن معه، وكل من يتأتى منه ذلك إلى يوم القيامة - تعجيب لهم - من حال هؤلاء الذين تحدثت الآية عن شأنهم.
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾:
стр. 874
أي: فلما فرض الله القتال على المؤمنين - بعد الهجرة - استولى الخوف - من قتال الكفار - على نفوس فريق منهم، وهم المنافقون، وتهيبوا قتال الناس خشية القتل أو الأسر، وملأ الرعب قلوبهم فأصبحوا يخافون قتال الكفار كخوف المتقين من الله. بل أصبح خوفهم من الناس أَشد من خوف المتقين من ربهم.
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾:
أي: وقالوا - في ضيق ورعب وجزع من الموت - يا ربنا، لم فرضت علينا القتال؟ هلَّا أخرت فرضه علينا إلى مدة قريبة؟ حُبًّا في التمتع بالدنيا. والمدة القريبة غير محدودةٍ فهي - عندهم - انتهاء آجالهم دون قتال: أَوْ يَا رَبَّنَا هلَّا زدتنا في مدة الكف إلى وقت آخر: قابل للتجديد؟ حذرا من الموت وهربا من الجهاد. فقال الله لرسوله ﷺ :
﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾:
أي: قل لهم يا محمد: متاع هذه الدنيا - الذي تودّون العيش من أجله - قصير الأمد، لأن الآجال فيها منتهية. وكلُّ آيلٍ إلى الفناء قليل. وما كان كذلك، فهو لا يستحق الحرص عليه أَو الحزن على فواته. ونعيم الآخرة خير لمن خاف عقاب الله بترك معصيته، ولم يخف من لقاء الأعداءِ. وكان هذا خيرا، لأَنه النعيم المقيم، الدائم لمن أَحسن عملا في هذه الحياة الدنيا، وجاهد في سبيل الله حق الجهاد، واتقى الله، ولم يخش إِلَّا الله. ولن تنقصوا في الدار الآخرة - دار الحساب والجزاء - من جزاء أعمالكم شيئًا وإن قل وكان قدر الفتيلة في شق النواة.
ففي الآخرة، ينال المحسنون والمسيئون جزاءَ ما عملوا. ولا يقع على أَحدهم أي ظلم ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١) والفتيل يضرب به المثل في القلة.
стр. 875
٧٨ - ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ … ﴾ الَايةّ.
جاءَت هذه الآية ردًّا على كراهيتهم فرض القتال عليهم، لاعتقادهم أَنه يعرضهم للموت الذي يكرهونه، وأن القعود عنه يجعلهم بمنجاة منه.
والمعنى: في أي مكان تكونون فيه - في ساحة القتال، أَو بين أهليكم في مواطن أمنكم أَو خوفكم - ينزل بكم الموت عند انتهاء آجالكم ولو كنتم في حصون منيعة، أَو قصور عالية: تظنونها مانعة لكم من الموت الذي تخافونه: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (١).
وفيه تأنيب لهؤُلاء المنافقين، الذين ضاقوا بما فرض الله عليهم من قتال، وإبراز لحماقة تفكيرهم، فإِن الجبن لا يطيل عمرا، وإنما يجلب ذُلًّا. والشجاعة لا تنقص أجلا، وإنما تورث عِزًّا.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾:
هذا بيان لنقيصة أخرى من نقائص هؤلاءَ المنافقين. فقد كانوا يقولون - إذا حلت بهم نعمة من سعة في الرزق، وكثرة في الأَموال والأولاد - هذا الذي أصابنا من النعم من عند الله. قالوا ذلك، لا عن إِيمان بالله، واعتراف بفضله، بل قالوه؛ تهوينًا لشأْن النبي ﷺ ، وإِشارة إلى أنه لا يأْتيهم بخير .. يدل على ذلك ما حكاه القرآن عنهم بقوله:
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾:
أي: وإن يُصيبهم جدب وقحط، ونقص في الأَموال أو الأولاد، ونحو ذلك.
قالوا: أصابنا ذلك بشؤْمك الذي لحقنا ..
стр. 876
فردَّ الله عليهم بقوله:
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾:
أي: قل لهم يا محمد: إن كل ما يصيبكم من حسنات وسيئات، إنما هو من عند الله: بقضائه وقدره. فهو - وحده - الذي يملك النفع والضر، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد.
﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾:
تعبير لهم بالجهل، وتعجيب من كمال غباوتهم، وتقبيح لحالهم.
والمعنى: فما شأن هؤُلاء القوم؟ وماذا أصاب عقولهم، حتى أصبحوا بعيدين عن الفهم والإِدراك لما يسمعون، ولما يقولون. ولا يفهمون أن كُلًّا من الخير والشر، من عند الله وحده!
٧٩ - ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ … ﴾ الآية.
بعد أن تحدثت الآية السابقة، عن فرية من مفتريات المنافقين - وما أكثر ما افتروا، حينما قالوا: إن البلية تصيبنا بشؤْم هذا الرجل، يريدون رسول الله ﷺ .
وبعد أن ذكرت أَمره سبحانه لنبيه ﷺ . بالرد عليهم، ودحضها في قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. جاءَت هذه الآية بتفصيل هذا الرد وتأْكيد معناه:
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾:
أي: ما أصابك - أَيها الإِنسان - من نعمة فهي من عند الله جاءَتك تفضلا منه وإحسانا.
﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾:
أي: وما نزل بك - أَيها الإِنسان - من بلية ونقمة تسوءك فهي من عند نفسك، بسبب ما ارتكبت من الذِنوب والآثام، أتتك ونزلت بك عقوبة لك على شؤم معاصيك.
стр. 877
وقد تنزل البلية بالمؤمن ابتلاءً واختبارًا ورفعًا لدرجاته. كما في الحديث: "أشَدُّ الناسِ بَلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثل فالأمثل، يُبْتَلَى الرجلُ على حسبِ دينه، فإِن كان في دينه صُلْبا، اشتد بلاؤُه، وان كان في دينه رِقَّةٌ، ابْتُلِيَ على قَدْرِ دينه. فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ، حتى يتركه يمشي علَى الأرضِ وما عَلَيْه خَطِيئَةٌ" (١).
وقد تنزل المصائب بالمؤْمن: تكفيرا لما عساه يكون قد وقع من الذنوب؛ كما جاءَ في قوله ﷺ : "ما يصيب المسلمَ: من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا همٍّ ولا حَزَنٍ، ولا أَذى، ولا غمٍّ - حتى الشوكة يُشاكُها - إِلا كفَّر اللهُ بها من خَطَاياه" (٢).
وقد أُضيفت السيئة إلى الله تعالى في قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، على جهة خلقه لها. وإيجاده إياها، وأُضيفت إلى العبد في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. على جهة تسببه فيها بما اقترفه من المعاصي والآثام - وإِن كانت مخلوقة لله تعالى.
وبهذا التوجيه تلتقي الآيتان الكريمتان في معنى واحد.
والخطاب في هذه الآية، عام موجه إلى كل واحد من الناس، كما أَن المراد: جميع الحسنات وكل السيئات.
وليس في أسلوب الآية، ما يدل على أَن النعمة لا تصيب إلا المحسنين، فقد يصيب الله بنعمته من يشاء من غير المؤْمنين. كما قال تعالى: ﴿ … نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ … ﴾ (٣) إذ المراد بالرحمة: النعمة التي لا تكون في مقابلة عمل من الأعمال. وليس فيها أَيضا، ما يفيد أَن المعصية تستلزم نزول البلية ممن عصى حتما. فإِن الله يعفو عن كَثِير. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٤)، بل إن كثيرا من الكفار يعيشون في الدنيا في رغد من العيش مترفين منعمين، دون أن تنزل بهم أية مصائب طول حياتهم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (٥).
стр. 878
وفي هذا - من كمال رحمته بعباده، وعظيم عفوه عنهم - ما لا يخفى.
﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾:
هذا بيان لعظم مكانته ﷺ ، وجلال قدره، وعلو شأْنه.
والمعنى: وأرسلناك يا محمد، رسولًا مبلغًا - للناس كافة - رسالة ربك، ولم نرسلك لبعضهم.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾:
أي: شهيدا على صدق رسالتك، وأَنك أبلغت ما أنزل إليك من ربك، وأَديت واجبك أَكمل أداءٍ: بإخلاص ويقين: تبشر الناس وتنذرهم. والله تعالى خير شهيد على ذلك. فليس لهؤُلاء المنافقين - ولا لغيرهم - أن يتطيروا بك ويقولوا لك: ما نزل بنا من البلاء فمن عندك. وبسبب شؤمك.
وفي تقرير رسالته ﷺ على هذا النحو - تطمين لقلبه، وتقوية لعزمه، وإِزالة ما عسى أن يكون قد علق بنفسه من الألم مما قالوه، من نسبة ما نزل بهم من البلاء إِليه ﷺ كما أَن فيه زيادة كبتٍ لهم، وتأكيدا لغاية جهلهم، وعدم فقههم.
٨٠ - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾:
هذه الآية موصولة السياق بما قبلها.
فهي تتضمن: مرضاة الرسول، وتطييب خاطره، وتزيد من رفعة قدره، وعلو منزلته.
ففي الآية السابقة، قرر : رسالته ﷺ . ورفَع عنه تحمّلَ مسئولية ما يقولون؛ لأنه ليس إِلا رسولًا: مهمته تبليغ رسالة ربه. وقد أداها أَكمل أداء.
стр. 879
وفي هذه الآية يؤَكد هذا المعنى، ويبين أحكام رسالته، بأن من أعرض عنه فلن يضره، فإنه رسولٌ عليه البلاغ. وليست السيطرة عليهم من رسالته، فقد بعثه الله إلى الناس رسولًا: يدعوهم إلى الخير، ويحذرهم من الشر، ويهديهم إلى الصراط المستقيم.
وطاعة الرسول فيما يبلغه عن ربه - بوصف كونه رسولًا يبلغ ما يؤْمر بتبليغه إلى الناس - واجبة. فمن أَطاعه في ذلك، فقد أَطاع الله؛ لأنه - صلوات الله وسلامه عليه - لا ينطق عن الهوى … فليس لمسلم أن يخالفه فيما يبلغه عن أمر ربه. قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
وأما ما رآه الرسول ﷺ من الأمور الخارجة عن دائرة التبليغ والرسالة مما هو خاص بشئون الدنيا، فليست أوامر، بل إرشادات. ولذا راجعه المسلمون في بعض الآراءِ. كما حدث في تأبير النخيل، فرجع ﷺ ، ونزل على رأْيهم، وقال: "أَنتم أَعلَمُ بأَمرِ دُنْيَاكم" (٢).
﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾:
أي: ومن أعَرض عن طاعتك، وعن اتباع الحق الذي جئت به، فاترك أمره إلينا - فسنجازيه - ولا يحزنك أمره، فإنما أرسلناك مبلغا، وقد بلَّغْت ما أنزل إِليك من ربك، على أتم الوجوه وأكملها. والله خير شهيد على صدقك، ولم نبعثك عليهم مسيطرا، ولا رقيبا على أعمالهم: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٣).
стр. 880
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾.
المفردات:
﴿بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾: خرجوا من مجلسك ظاهرين.
﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾: دبَّروا ليلًا أو في السِّر. في أي وقت من ليل أو نهار.
﴿يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾: يتأملون فيه، ويتفكرون في معناه.
﴿اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾: تناقضا في معانيه، وتباينا في نظمه.
التفسير
٨١ - ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ … ﴾ الآية.
هذه الآية الكريمة، تحكى شأْنا آخر من شئون المنافقين. وهو إِعلانهم طاعة الرسول ﷺ بألسنتهم - حينما يكونون معه، فإذا انصرفوا من مجلسه، وذهبوا بعيدا عنه، دبر زعماؤُهم خفية في السِّر - في الليل أو النهار - مخالفة أمره ﷺ ، ونقض الذي قالوه - بألسنتهم - في مجلسه، معتقدين أن هذا التدبير الخفي لن يعلمه الرسول ﷺ . وفاتهم أن الله يعلم كل ما يتآمرون عليه، وقد سجَّله عليهم، وأنه سيكشفه لرسوله ﷺ ، وأنه سيعاقبهم على هذا النفاق - في الآخرة - أشدَّ العقاب، كما ينبئ عنه قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾: