فردَّ الله عليهم بقوله:
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾:
أي: قل لهم يا محمد: إن كل ما يصيبكم من حسنات وسيئات، إنما هو من عند الله: بقضائه وقدره. فهو - وحده - الذي يملك النفع والضر، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد.
﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾:
تعبير لهم بالجهل، وتعجيب من كمال غباوتهم، وتقبيح لحالهم.
والمعنى: فما شأن هؤُلاء القوم؟ وماذا أصاب عقولهم، حتى أصبحوا بعيدين عن الفهم والإِدراك لما يسمعون، ولما يقولون. ولا يفهمون أن كُلًّا من الخير والشر، من عند الله وحده!
٧٩ - ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ … ﴾ الآية.
بعد أن تحدثت الآية السابقة، عن فرية من مفتريات المنافقين - وما أكثر ما افتروا، حينما قالوا: إن البلية تصيبنا بشؤْم هذا الرجل، يريدون رسول الله ﷺ .
وبعد أن ذكرت أَمره سبحانه لنبيه ﷺ . بالرد عليهم، ودحضها في قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. جاءَت هذه الآية بتفصيل هذا الرد وتأْكيد معناه:
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾:
أي: ما أصابك - أَيها الإِنسان - من نعمة فهي من عند الله جاءَتك تفضلا منه وإحسانا.
﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾:
أي: وما نزل بك - أَيها الإِنسان - من بلية ونقمة تسوءك فهي من عند نفسك، بسبب ما ارتكبت من الذِنوب والآثام، أتتك ونزلت بك عقوبة لك على شؤم معاصيك.
стр. 877
وقد تنزل البلية بالمؤمن ابتلاءً واختبارًا ورفعًا لدرجاته. كما في الحديث: "أشَدُّ الناسِ بَلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثل فالأمثل، يُبْتَلَى الرجلُ على حسبِ دينه، فإِن كان في دينه صُلْبا، اشتد بلاؤُه، وان كان في دينه رِقَّةٌ، ابْتُلِيَ على قَدْرِ دينه. فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ، حتى يتركه يمشي علَى الأرضِ وما عَلَيْه خَطِيئَةٌ" (١).
وقد تنزل المصائب بالمؤْمن: تكفيرا لما عساه يكون قد وقع من الذنوب؛ كما جاءَ في قوله ﷺ : "ما يصيب المسلمَ: من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا همٍّ ولا حَزَنٍ، ولا أَذى، ولا غمٍّ - حتى الشوكة يُشاكُها - إِلا كفَّر اللهُ بها من خَطَاياه" (٢).
وقد أُضيفت السيئة إلى الله تعالى في قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، على جهة خلقه لها. وإيجاده إياها، وأُضيفت إلى العبد في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. على جهة تسببه فيها بما اقترفه من المعاصي والآثام - وإِن كانت مخلوقة لله تعالى.
وبهذا التوجيه تلتقي الآيتان الكريمتان في معنى واحد.
والخطاب في هذه الآية، عام موجه إلى كل واحد من الناس، كما أَن المراد: جميع الحسنات وكل السيئات.
وليس في أسلوب الآية، ما يدل على أَن النعمة لا تصيب إلا المحسنين، فقد يصيب الله بنعمته من يشاء من غير المؤْمنين. كما قال تعالى: ﴿ … نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ … ﴾ (٣) إذ المراد بالرحمة: النعمة التي لا تكون في مقابلة عمل من الأعمال. وليس فيها أَيضا، ما يفيد أَن المعصية تستلزم نزول البلية ممن عصى حتما. فإِن الله يعفو عن كَثِير. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٤)، بل إن كثيرا من الكفار يعيشون في الدنيا في رغد من العيش مترفين منعمين، دون أن تنزل بهم أية مصائب طول حياتهم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (٥).
стр. 878
وفي هذا - من كمال رحمته بعباده، وعظيم عفوه عنهم - ما لا يخفى.
﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾:
هذا بيان لعظم مكانته ﷺ ، وجلال قدره، وعلو شأْنه.
والمعنى: وأرسلناك يا محمد، رسولًا مبلغًا - للناس كافة - رسالة ربك، ولم نرسلك لبعضهم.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾:
أي: شهيدا على صدق رسالتك، وأَنك أبلغت ما أنزل إليك من ربك، وأَديت واجبك أَكمل أداءٍ: بإخلاص ويقين: تبشر الناس وتنذرهم. والله تعالى خير شهيد على ذلك. فليس لهؤُلاء المنافقين - ولا لغيرهم - أن يتطيروا بك ويقولوا لك: ما نزل بنا من البلاء فمن عندك. وبسبب شؤمك.
وفي تقرير رسالته ﷺ على هذا النحو - تطمين لقلبه، وتقوية لعزمه، وإِزالة ما عسى أن يكون قد علق بنفسه من الألم مما قالوه، من نسبة ما نزل بهم من البلاء إِليه ﷺ كما أَن فيه زيادة كبتٍ لهم، وتأكيدا لغاية جهلهم، وعدم فقههم.
٨٠ - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾:
هذه الآية موصولة السياق بما قبلها.
فهي تتضمن: مرضاة الرسول، وتطييب خاطره، وتزيد من رفعة قدره، وعلو منزلته.
ففي الآية السابقة، قرر : رسالته ﷺ . ورفَع عنه تحمّلَ مسئولية ما يقولون؛ لأنه ليس إِلا رسولًا: مهمته تبليغ رسالة ربه. وقد أداها أَكمل أداء.
стр. 879
وفي هذه الآية يؤَكد هذا المعنى، ويبين أحكام رسالته، بأن من أعرض عنه فلن يضره، فإنه رسولٌ عليه البلاغ. وليست السيطرة عليهم من رسالته، فقد بعثه الله إلى الناس رسولًا: يدعوهم إلى الخير، ويحذرهم من الشر، ويهديهم إلى الصراط المستقيم.
وطاعة الرسول فيما يبلغه عن ربه - بوصف كونه رسولًا يبلغ ما يؤْمر بتبليغه إلى الناس - واجبة. فمن أَطاعه في ذلك، فقد أَطاع الله؛ لأنه - صلوات الله وسلامه عليه - لا ينطق عن الهوى … فليس لمسلم أن يخالفه فيما يبلغه عن أمر ربه. قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
وأما ما رآه الرسول ﷺ من الأمور الخارجة عن دائرة التبليغ والرسالة مما هو خاص بشئون الدنيا، فليست أوامر، بل إرشادات. ولذا راجعه المسلمون في بعض الآراءِ. كما حدث في تأبير النخيل، فرجع ﷺ ، ونزل على رأْيهم، وقال: "أَنتم أَعلَمُ بأَمرِ دُنْيَاكم" (٢).
﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾:
أي: ومن أعَرض عن طاعتك، وعن اتباع الحق الذي جئت به، فاترك أمره إلينا - فسنجازيه - ولا يحزنك أمره، فإنما أرسلناك مبلغا، وقد بلَّغْت ما أنزل إِليك من ربك، على أتم الوجوه وأكملها. والله خير شهيد على صدقك، ولم نبعثك عليهم مسيطرا، ولا رقيبا على أعمالهم: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٣).
стр. 880
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾.
المفردات:
﴿بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾: خرجوا من مجلسك ظاهرين.
﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾: دبَّروا ليلًا أو في السِّر. في أي وقت من ليل أو نهار.
﴿يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾: يتأملون فيه، ويتفكرون في معناه.
﴿اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾: تناقضا في معانيه، وتباينا في نظمه.
التفسير
٨١ - ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ … ﴾ الآية.
هذه الآية الكريمة، تحكى شأْنا آخر من شئون المنافقين. وهو إِعلانهم طاعة الرسول ﷺ بألسنتهم - حينما يكونون معه، فإذا انصرفوا من مجلسه، وذهبوا بعيدا عنه، دبر زعماؤُهم خفية في السِّر - في الليل أو النهار - مخالفة أمره ﷺ ، ونقض الذي قالوه - بألسنتهم - في مجلسه، معتقدين أن هذا التدبير الخفي لن يعلمه الرسول ﷺ . وفاتهم أن الله يعلم كل ما يتآمرون عليه، وقد سجَّله عليهم، وأنه سيكشفه لرسوله ﷺ ، وأنه سيعاقبهم على هذا النفاق - في الآخرة - أشدَّ العقاب، كما ينبئ عنه قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾:
стр. 881
وفي هذا - من التعنيف لهم، وبث الرعب في قلوبهم - ما لا يخفى.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾:
أي: فتوَلَّ عنهم - يا محمَّد - ولا تهتم بتدبيرهم وكيدهم، ولا تأْبَهْ بهم ولا بمؤَامراتهم، وفوض أمرك إلى الله - وحده - فهو يكفيك أمرهم، ويجنبك شرهم. وكفى بالله ولِيًا، وكفى بالله نصيرا: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١).
والأسلوب ظاهر الدلالة على تحقير شأْنهم، والاستهانة بمؤامراتم التي عصم الله - سبحانه - رسوله ﷺ منها.
وليس معنى التوكل على الله، أن يترك الإِنسان الأخذ بالأسباب. فهذا هو التواكل، وهو مذموم. وإِنما المراد به، الأخذ بالأَسباب مع تفويض الأمر إلى الله، والاعتماد عليه.
٨٢ - ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾:
تثبت هذه الآية: أن القرآن من عند الله، وتطالبهم أن يتدبروه بيقظة وانتباه، وتنكر عليهم عدم تفكرهم فيما فيه من موجبات الإِيمان به، وتحضهم على التأَمل فيه.
والمعنى: أَيعرض هؤلاء المنافقون عن القرآن، فلا يتأَملون فيه، ليعلموا أَنه من عند الله؟!. فلو تدبروه وتبصروا ما اشتمل عليه من المعاني الصادقة، لأيقنوا أَنه من عند الله لا من عند غيره؛ لأَنه كتاب أُحْكِمَتْ آياتُه، لا عِوَجَ فيه. وهو فوق طاقة البشر أَجمعين. فأخباره كلها صادقة: سواءٌ ما يتناول منها الغابر السحيق، أو المستقبل البعيد، أَو ما كشف به كيد المنافقين.
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾:
أي: ولو كان هذا القرآن من كلام البشر: مؤَلفا من عندهم - كما كانوا يدعون حين قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ (٢) - لوجد الناس فيه تناقضا كثيرا. ذلك لأن طاقة البشر، لا تستطيع الإِتيان بهذا الكمال، في بيان العقائد والعبادات، والمعاملات والأخلاق، والإخبار الصادق عن الماضي والمستقبل، وعالَم الغيب، وما يجرى فيه … كل ذلك في أُسلوب بديع متقن، بلغ الغاية في الكمال والتحدي.
стр. 882
إن العلوم التي تقوم على التجارب، قد تنقض اليوم، ما أبرمته بالأمس، وتهدم غدا ما بنته اليوم.
أما القرآن الكريم، فإنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه كتابٌ أحكِمَت آياتُه؛ ولأنه تنزيل من حكيم حميد.
والمعهود في كبار الأُدباء: أن تتفاوت آثارهم قوة وضعفًا، وَسُمُوًا وَضَعَةً. ولا يسلم أحد من هذا، وإن كان عبقري الموهبة، رائع البيان.
وقد تناول النقد الأدبي هذه الظاهرة البشرية بالدراسة والتسجيل.
أما القرآن الكريم، فجميع آياته طبقة عليا من البلاغة التي تفوق طاقات الإنس والجن، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾.
المفردات:
﴿أَمْرٌ﴾: خبرٌ عن سرايا الرسول ﷺ .
﴿الْأَمْنِ﴾: النصر.
﴿الْخَوْفِ﴾: الهزيمة.
﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾: نشروه وأَفشَوْه.
﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾: يستخرجون حقائقه المستورة الخفية، ومقاصده البعيدة.
стр. 883
التفسير
٨٣ - ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ الآية.
كان المسلمون في جهاد دائم مع أعدائهم من الكفار واليهود. وطبيعة الجهاد تقتضي كتمان أخبار القتال، وصيانة أسراره، إذا ما أريد له النجاح، وبخاصة ما يستفيد منها الأعداءُ.
ومن أخطر الأمور التي تضر بالمسلمين - وبجيشهم المقاتل - إذاعة ما يسمعه المرء من أخبار النصر أو الهزيمة، قبل أن يعرضه على أولِي الأمر. فإنهم - بوقوفهم على حقائق الأمور - أعلم بما إذا كان إفشاءُ هذه الأخبار مما يضر الصالح العام أَمْ لا.
لهذا، فإِن الآية منهج عظيم، من مناهج تربية الشعوب الإِسلامية على الروح العسكرية، وتوجيهٌ لتلك الشعوب: أن يسوسوا أنفسهم ويروضوها على صيانة أخبار أمن الدولة، وكل ما يتعلق بالجانب العسكري من معلومات. ذلك لأن إفشاء أخبار الدولة، يسهل للعدو مهمة التجسس، ومعرفة مواطن الضعف والقوة لدى المسلمين، ويكشف عن عيوبهم.
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾:
فواجب كل مسلم أن يرد هذه الأخبار إلى أُولِي الحل والعقد من المسلمين.
فإنهم هم الذين يستطيعون تقييم هذه الأخبار، وتقدير ما إذا كان من المصلحة العامة للدولة إِذاعتها أو كتمانها، حتى لا يحدث اضطراب في صفوف المسلمين.
كذلك هم - باطلاعهم على خفايا الأمور - أعرف بصحة تلك الأخبار أو فسادها. وسواء كانت هذه الأخبار: التي كانوا يتلقونها فيذيعونها، متعلقه بالنصر أَو بالهزيمة؛ لأن أخبار النصر، قد تؤدي إلى التواكل والإهمال فلا يأخذ المسلمون حذرهم. وبهذا يكونون فريسة سهلة لأعدائهم.
وأخبار الهزيمة قد تلقي الرعب في قلوب ضعفاء الإيمان، فتنهار الروح المعنوية. ولا يستطيع الجيش ملاقاة الأعداءِ. قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ
стр. 884
مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (١).
وقد جاء في الحديث الشريف: "كفَى بالرء إثْما: أن يحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِع (٢) ".
من أَجل هذا، دعت الآية الكريمة المسلمين، ووجهتهم: أن يرجعوا فيما سمعوه من أخبار النصر أَو الهزيمة، إلى الرسول وإلى أولى الأمر من أَهل الحل والعقد، في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ … ﴾: والذين يستنبطون الحقائق، هم الذين يطلعون على خفايا الأمور. أو المراد بهم الذين رجعوا بهذه الأخبار - حينما سمعوها - إلى الرسول وأصحابه، فإنهم يعرفون - عن طريقهم - ما خفى عليهم أمره من هذه الأخبار.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾:
هذا امتنان من الله تعالى، على عباده المؤمنين، بحفظهم من شر هذا السلوك الشائن، من المنافقين وضعفاءِ الإِيمان. حيث تفضل عليهم بالنصر، ورحمهم بالحفظ من تصديق ما يذيعه الأَعداء، وضعاف الإِيمانِ، وذوو الغفلة.
أي لولا هذا الفضل وتلك الرحمة من لله بهذه الأمة. لضل الكثير من أبنائِها: باتباع سبيل الشيطان، ولكان مصيرها الضياع والانهزام، وضعف الثقة في النفوس.
وعلى هذا، يكون المراد بالقلة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: القلة الممتازة من المسلمين بقوة العزيمة، وثبات الإيمان، فإنهم هم الذين يكونون بمنجاة من التأَثر بهذه الأخبار، فلا يصدقونها ولا يذيعونها.
ويصح أَن يكون المراد بقوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ إلا في قليل من أعمالكم.
стр. 885
وبالتأمل فيما تضمنته الآية الكريمة من إرشادات حكيمة، يتضح أَن القرآن الكريم، قد سبق جميع النظم الحربية، في وضع أقوى الوسائل لمواجهة ما يسمى الآن: الحرب النفسية، أو حرب الأعصاب. وهي التي تدير الحرب العسكرية.
﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾.
المفردات:
﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾: لا تكلف إلا فعل نفسك.
﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: وحُثَّهم ورغِّبهم.
﴿تَنْكِيلًا﴾: تعذيبا وإيلاما.
التفسير
٨٤ - ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ … ﴾ الآية.
أمرٌ من الله بالقتال، مُفَرَّع على ما سبق، من بيان حال المنافقين وضعاف الإِيمان، وأَنهم مخذولون بإذاعتهم ما يسمعون، قبل التثبت من صحته.
أمر من الله لرسوله - يشمل كل قائد، وكل قادر على القتال من المؤمنين المخلصين - عند إعلان النفير - أن يندفع ولو منفردا، إلى الجهاد في سبيل الله، فإنه غير مسئول في الجهاد إلا عن نفسه، وعن حض المؤمنين عليه، غير ملتفت إلى هؤُلاء المثبطين الذين يظهرون الطاعة، ويضمرون العصيان، ولا إلى من يذيعون الأخبار قبل التثبت من صحتها. أَو يصدقونها، فيتقاعدون - بسببها - عن القتال.
ويفهم من الآية: أن على القائد أن يتقدم جندَه، وأن يضرب لهم المثل بنفسه عمليا -، وأن يُحَرِّضَ المؤمنين على الجهاد ويحثهم عليه.
стр. 886
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾:
لا ريب أن استعداد المؤمنين للقتال في سبيل الله، وإقدامهم عليه - بقوة وعزم وتصميم - يحقق الرَّجاء في أن يوهن الله عزم الكفار، ويضعف قوتهم، ويبدد شملهم. ذلك لأن استعداد المسلمين وتصميمهم، يحمل الكفار على التفكير والتروي، قبل مواجهة المسلمين، فيتوقفون عن قتالهم، ويكف الله بهذا عن المسلمين شر قوتهم، وشدة بأسهم.
وأشعر قوله : ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾: بأن الكافرين - إذا لم تمنعهم قوة المسلمين واستعدادهم، وأقدموا على قتالهم - فإن الله سيتولى نصر المؤمنين وتأييدهم، ويمكنهم من التنكيل بأعدائهم، فإنه - سبحانه - أشد قوة من كل ذي قوة، وأشد تعذيبًا من كل قادر على التعذيب، وأَنه القدير عل إِيقاع العذاب الأليم بأعداء أَوليائه، وتمزيقهم شر تمزيق.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾.
المفردات:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً﴾: الشفع في الأصل؛ الضم. ومنه الشُّفعة. وهي ضم ملك الشريك. ومن الشفع: الشفاعة: كأن المشفوع له كان فردا، فجعله الشفيع شفعا.
стр. 887
وتطلق الشفاعة على التوسط لإيصال شخص إلى منفعة دنيوية أو أخروية، أو خلوص من مضرة ما.
﴿نَصِيبٌ﴾: النصيب، الحظ. وهو قابل للزيادة، وأكثر ما يستعمل في الخير.
﴿كِفْلٌ﴾: الكفل؛ الوزر والإثم، أو المقدار المساوي، وأكثر ما يستعمل في الشر.
﴿مُقِيتًا﴾: مقتدرا، أو حافظًا وشاهدا.
﴿حَسِيبًا﴾: محاسبا ومجازيا، أو كافيا، أو حفيظا.
التفسير
٨٥ - ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا … ﴾ الآية.
المراد منه: بيان أن من يسعى في أمر، فيترتب عليه خير - لفرد أو لجماعة - كان له نصيب من أجر ذلك الخير، الذي ترتب على سعيه.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾:
أي: ومن يَسْع أمر، فيترتب عليه شر، كان عليه وزرٌ مِن ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه وشفاعته.
وهذا عام في الأمرين. فيدخل في الأول التحريض على القتال في سبيل الله، فإن لمن يقوم به نصيبا من أجر المقاتلين، دون أَن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. ويدخل في الثاني: التثبيط والتخذيل، وإذاعة الأخبار قبل عرضها على أولي الأمر، وإشاعة الأراجيف بين الناس، فإن على من يقوم بذلك وِزرًا مثل وِزْرِ القاعدين عن القتال بدون عذر: لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا.
والتعبير في جانب الحسنة بالنصيب، وفي جانب السيئة بالكفل لكثرة استعمال النصيب في الخير. وكثرة استعمال الكفل في الشر.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾:
أي: وكان الله على تحقيق كل شيء من الأشياء مقتدرا.
ومن ذلك قدرته على جزاء كل من المحسنين والمسيئين، بما يستحقونه من جزاء.
стр. 888
٨٦ - ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾:
من أقوى أسباب المودة والألفة، تبادلُ التحية بين الناس.
وأصل التحية: الدعاءُ بالحياة وطولها. ثم استعملت في كل دعاء. وكانت العرب تقول عند لقاء بعضهم بعضا: حيَّاك الله. ثم استعملها الشرع في السلام، وهو تحية الإسلام قال تعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ (١) وقال: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (٢).
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾:
أي: وإذا سلَّم أحد المسلمين على فرد أو جماعة بقوله: السلام عليكم - وهو أقل ما يكفى في البدء بالسلام - فعلى من سُلِّم عليه أن يَرُدَّ التحية بأحسن منها. ويتحقق ذلك بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله - وله أن يزيد بإِكمالها وهو: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وفي الآية: إرشاد حكيم، إلى آداب السلام، كي ننعم بآثاره النافعة في: جمع القلوب، وتوحيد الصفوف، وتأْمين الخائف. فأَمرتْ من حُيِّيَ بتحية: أن يرد على من حيَّاه بأحسن منها أو بمثلها.
روى: أن رجالا قال أحدهم لرسول الله ﷺ : السلام عليك. فقال رسول الله ﷺ مجيبا على هذه التحية: "وعليك السلام ورحمة الله": وقال الآخر: السلام عليك ورحمة الله، فقال: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته". وقال الآخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال: "وعليك". فقال الرجل: نقصتني، فأين ما قال الله - تعالى - وتلا الآية؟ فقال ﵊: "إنك لم تترك لي فضلا. فرددت عليك مثله" كذا في تفسير أبي السعود.
стр. 889
والرد على تحية الإِسلام واجب. وإنما التخيير بين الزيادة وتركها.
فعن ابن عباس، ﵄: الرد واجب. وما من رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه - إلا نزع الله منهم روح القدس، رردت عليه الملائكة.
ولا يُرَدُّ على من سَلَّم: أثناءَ الخطبة، وتلاوة القرآن جهرا، ورواية الحديث، وعند دراسة العلم، وعند الأَذان والإقامة.
ولا يسلم على لاعب النرد، والشطرنج، والمغنِّي، والقاعد لقضاء حاجته، والعاري في الحمام.
ويسلم الرجل على امرأَته، لا على الأَجنبية.
والسُّنَّة: أن يُسَلِّمَ الماشي على القاعد، والراكبُ على الماشي، وراكبُ الفرس على على راكب الحمار، والصغيرُ على الكبير، والعددُ القليلُ على العدد الكثير. وإِذا التقيا بَادَرَ كُلٌّ منهما إلى إِلقاء السلام على صاحبه. وخيرُهما الذي يبدأُ.
وعن النبي ﷺ ، "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم". - أي وعليكم ما قلتم. حيث إِن بعضهم كان يقول. السَّامُ عليكم.
وروى: "لا تبدأ اليهودِيَّ بالسلام. وإذا بدأك فقل: وعليك".
وعن الحسن: أَنه يجوز أَن يقول للكافر: وعليك السلام دون الزيادة.
ذكر هذه الأَنباء الثلاثة، أبو السعود في تفسيره.
والسلام: معناه الأَمان، وفي بدء السلام ورده: أَمان للمُسَلِّم، ولمن سُلم عليه. فكأَن كل واحد منهما يؤمن صاحبه من شره، ويزيل الخوف من قلبه: ويؤْنسه بهذه التحية.
وقد نهى القرآن عن نفى الإِيمان عمن أَلقى السلام إِلى المسلمين في قوله: ﴿ … وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا … ﴾ (١). ونهى عن معاجلته بالقتال.
стр. 890
وقد وردت أحاديث كثيرة. تدعو إلى إفشاء السلام: منها: ما رواه مسلم عن النبي ﷺ ، "لَا تَدخُلُوا الجَنَّةَ حَتى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، ألَا أدُلُّكُم عَلَى شَيءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحَاببْتُم؟ أفْشُوا السَّلامَ بَينَكُم".
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾:
وختمت الآية بما يحرك وجدان المسلم نحو الامتثال، والمحافظة على ما يوطد روابط المحبة والمودة بين الناس، والحرص على إفشاء السلام، وعلى ما يملأُ القلب خوْفًا من الله وحَذَرًا من عقابه، إذ أفاد ذلك: أَن الله تعالى، سيحاسب الناس على كل ما يأتون ويذرون، على كل صغير وكبير، من الأعمال والأقوال.
٨٧ - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾:
أي: الله الواحد القادر على كل شيءٍ، الحسيب على كل شيء، هو الذي يجمع الناس - بعد قيامهم من قبورهم - يوم القيامة، ليجازي كلا بما قدمت يداه. وهذا الجمع لا ريب فيه، أَو هذا اليوم آت لا شك في مجيئه.
وأسلوب الآية يؤَكد - بقوة - وقوع المحاسبة، ومجازاة كل بما يعمل.
والمقصود، تحريض المسلمين على الالتزام بتنفيذ ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه.
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾:
هذا إنكار أَن يتطرق إِلى النفوس غير الحقيقة التي تقررت في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ … ﴾ الآية. إِذ الذي تحدث عن حتمية مجيء الحساب والجزاء، واليوم الذي يقعان فيه - هو الإله الذي لا يوجد حديث أصدق من حديثه، ولا محدث أصدق منه - وهو الله - ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾؟!!.
التفسير
٨٨ - ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا … ﴾ الآية.
ذكر العلماءُ في سبب نزول هذه الآية: أن قوما قدِموا على رسول الله ﷺ ، يظهرون الإِسلام، فأقاموا بالمدينة ما شاء الله، ثم قالوا: يا رسول الله، نريد أن نخرج إلى الصحراء، فَأذَنْ لنا؛ فأذِن لهم. فلما خرجوا، لم يزالوا يرحلون مرحلة بعد مرحلة؛ حتى لحقوا بالمشركين.
فتكلم المؤْمنون فيهم.
فقال بعضهم: لو كانوا مسلمين مثلنا، لبَقوا معنا، وصبروا كما صبرنا.
وقال قوم: هم مسلمون، وليس لنا أن ننسبهم إلى الكفر، إلى أن يظهر أمرهم.
وعن ابن عباس، وقتادة: أن قوما أظهروا الإِسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين. فاختلف المسلمون في شأنهم؛ فبين الله تعالى نفاقهم في هذه الآية الكريمة:
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾:
والخطاب فيها: عام لجميع المؤمنين. والاستفهام: لإنكار مَا وقع من الخلاف في أمر هؤُلاء المنافقين، بعد أن رجعوا إلى المشركين، وأظهروا كفرهم، أو كانوا عونًا لهم على المؤمنين.
والإنكار: مُوَجَّه إلى مَنْ كانوا يدافعون عنهم من المسلمين، وليس إلي جميع المخاطبين.
والمعنى: لِمَ تختلفون في القول بكفر هؤُلاء المنافقين، وتفترقون في هذا الأمر فرقتين، وقد ردهم الله إلى الكفر، كما كانوا بسبب ما اقترفوه من الاحتيال على رسول الله ﷺ وخديعته. أَو معاونة المشركين في إيذاء المسلمين بمكة - حيث بيتوا الشر وأَضمروا الردة؟!
ظهر ذلك جليا، حينما رجعوا إلى مكة ولحقوا بالمشركين وأظهروا الكفر. أو حين أظهروا الإسلام بمكة بلسانهم، وكانوا - في واقع الأمر - عونا للمشركين علي المسلمين.
стр. 893
ليس لكم أَن تختلفوا فيه … بل كان يجب عليكم - أيها المؤمنون - أَن تتفقوا على القطع بكفرهم؛ لظهور أدلة هذا الكفر، وذلك النفاق.
لقد يسّر الله لِهؤُلاءِ المنافقين طريق الإيمان الصادق. ولكنهم تنكبوا الصراط المستقيم، وحادوا عن النهج السليم، واختاروا الضلالة على الهدى، فسلبهم الله معونته وتوفيقه، وردهم إلى الكفر بسبب ما عملوا: فكانوا في عداد الكافرين.
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾؟!
أَنكر هذا النص القرآني على هؤُلاء المدافعين: أن يجعلوا - في عداد المؤمنين - مَنِ اختاروا لأَنفسهم طريقَ الكفر، فلم ييسر الله لهم طريقا إلى الإِيمان، وتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وحيث توجه الإِنكار إلى إِرادة هؤُلاء المدافعين، فانتفاءُ قدرتهم على تحقيق الهداية لأُولئك المنافقين، آكَدُ وألْزَمُ.
وفي قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾: تقرير لنفي ذلك وتأكيد له.
أَي ومَن سلب الله عنه معونته على الإِيمان. وتيسيرَ الوصولِ إِليه: فلن يستطيع أيُّ واحد من الناس أَن يجدَ له طريقا ما إِلى الهدى والرشاد. قال تعالى:
﴿ … وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (١).
٨٩ - ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ﴾ الآية.
هذا القول الكريم، يبين للناس غُلُوَّ هؤُلاءِ المنافقين في الكفر، وتماديَهُم في الضلال.
إذ لم يقفوا عند رجوعهم إِلى الكفر الذي ردَّهم الله إِليه، بسبب سوءِ أعمالهم - كما بينته الآية السابقة - بل أَحبوا أَن تكفروا - أَنتم - كفرا مثل كفرهم، وتمنَّوْا لكم إن تَضِلوا ضلالا مثل ضلالهم، فتكونوا - أَنتم وهم في الكفر والضلال - سواءً، على
стр. 894
عقيدة واحدة. فكيف تختلفون في القول بكفرهم، وتفترقون في الحكم بِرِدَّتِهِم، ويحاول بعضكم التماس المعاذير لهم؟!
بعد أن بين الله - تعالى - للمؤْمنين كفر هؤُلاء المنافقين وشدة غلوهم في ذلك الكفر، شرح لهم كيفية التعامل معهم، فقال:
﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾:
والمعنى: إذا كان شأن هؤُلاءِ المنافقين ما قد عرفتم: ردة إلى الكفر. ومحبة منهم لإِضلال غيرهم، فلا يجعل أي واحد منكم لنفسه منهم نصيرا، حتى يَهْجُرُوا شعار الكفر إلى شعار الإيمان، ثم يتركرا دار الكفر إلى دار الإِسلام. لا لغرض من أَغراض الدنيا: وإنما طاعةً لأَمر الله، وفي سبيل الله، ويقطعوا ما بينهم وبين الكفار من صِلاتٍ، وينحازوا إلى صفوف المسلمين بقلوبهم، وواقع سلوكهم، فإِن هؤُلاءِ ليسوا معذورين بالخطإِ أو الغفلة: وإنما هم عامدون قاصدون، فلا يصح أَن يختلف المسلمون في أَمرهم.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾:
أي: فإِن أعْرَضوا عن الإِيمان الصادق، والهجرة الصحيحة، والتمسك بالدين، ولزموا مواضعهم ولم يهجروا دار الكفر، وسائر ما نهى الله عنه - فذلك هو الدليل المادي على أَنهم لا يريدون إِلا الكيد والشر والبقاء على الكفر .. فَأْسِرُوهم إن قدرتم عليهم، واقتلوهم إذا تمكنتم منهم، في أي مكان تجدونهم فيه: دفعًا لشرهم، وردًّا لكيدهم.
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾:
أي: ولا تجعلوا منهم - في هذه الحالة - وليًّا يتولى شيئًا من مهام أموركم، ولا نصيرا تستنصرون به على أعدائكم. واقطعوا ما بينكم وبينهم من صلات. إذ العلاقات مع الخبيثين مداخل هادئة لتعشيش الكيد وتفريخه.
وهذا الحكم ليس عاما في كل المنافقين. فلقد كان منهم من يعيشون بين ظهراني المسلمين: وإِنما هو خاص بهذه الفئة التي بدا منها التعبير العملي عن الخيانة والكيد والخديعة، وبكل من يكون على شاكلتها.
стр. 895
٩٠ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ … ﴾ الآية.
في الآية السابقة، أمر الله - تعالى - بقتل هؤُلاءِ الكفار الذين بدت منهم العداوة والخيانة والبغضاءُ.
وفي هذه الآية الكريمة. استثناء طائفتين من القتل:
الطائفة الأولى: بَيَّنَهَا القرآن الكريم في قوله:
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾:
وهم الذين يتصلون بقوم، بينكم أَيها المسلمون وبينهم عهد وميثاق. فإنهم لا يُقتَلُون ولا يؤسَرُون.
والمعنى: أن من دخلوا في عهد قوم - بحلف أو جوار - بينكم وبينهم عهد وميثاق، كانوا أيضًا، داخلين في عهدكم أَيها المسلمون. فلهم حق الأمن من القتل أو الأَسر؛ لأن هذا العمل منهم - في ظاهره - يدل على ميلهم إلى عدم الخيانة والكيد، وعلى تمسكهم بالعهد الذي بينكم وبين مَن يحالفونهم.
وهذا. ما دام الميثاق الذي بين المسلمين وبين هؤلاء القوم قائمًا: لم يُنْقَضْ بوجه من الوجوه.
وهكذا، نرى الإِسلام - في وفائه وسماحته - يحترم العهود والمواثيق، ولو كان فيها حيف بالمسلمين كنا قبلناه وقت المعاهدة. كما حدث في صلح الحديبية.
والطائفة الثانية: هي التي يقول الله - تعالى - في بيانها ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾:
أي: هم الذين أَتَوْا إليكم: تضيق صدورهم وتنقبض نفوسهم، ويتحرجون من قتالكم أَيها المسلمون، ومن قتال قومهم، فلا يريدون قتالكم، ولا يريدون قتال قومهم الذين يعادونكم … فاختاروا موقف الحياد.
стр. 896
فهؤُلاءِ ليس للمسلين تسلُّط عليهم، وليس لهم سبيل إلى التحكم فيهم؛ لأن الله كف المسلمين عن قتالهم بما ألقى في قلوبهم من الميل إلى الموادعة.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾:
أي: ولولا ذلك الذكر ألقاه الله في نفوسهم من الميل إلى الموادعة والرغبة في الحياد، لكانوا قوةً تضاف إلى قوة الأعداءِ، ويكون لها تأثيرها في إلحاق الأذى بكم أيها المسلمون، ومساعدة الأعداءِ عليكم، ولكن الله - بفضله ورحمته - صرفهم إلى اختيار موقف الحياد والموادعة: رحمة بالمؤمنين، وتخفيفا لضغط الكفار عليهم، وتقوية لجانبهم عند لقاء عدوهم.
والمقصود من هذا: بيان أن الله مَنَّ على المسلمين بما تفضَّل به عليهم: من كف بأس هؤُلاء عنهم، باختيارهم الحياد والمسالمة.
﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾:
أي: وما دام هؤُلاء الذين جاءُوكم متحرجين من قتالكم وقتال قومهم، قد اختاروا العُزْلةَ وعدم القتال، وسَارعوا إلى السَّلْمِ، فليس لكم عليهم - أيها المسلمون - أيُّ سبيل أَو أَدنى تسلط.
ذلك لأن الإِسلام يرحب - دائمًا - بكل بادرة تدعو إلى السلام، ما دام غير المسلين لا يعتدون.
وما شُرِع القتالُ في الإِسلام،، إِلا لضرورة تأمين الحق، وصيانةِ العقيدة، وتعميم الخير.
стр. 897
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾.
المفردات:
﴿أُرْكِسُوا﴾: انقلبوا.
﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: وجدتموهم.
﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: حجةً ظاهرة.
التفسير
٩١ - ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ … ﴾ الآية.
ينبّه الله - سبحانه - المسلمين في هذه الآية الكريمة، إلى طائفة أُخرى من المنافقين يلقَوْنَ المسلمين بوجه، ويلقون كفارَ قومِهِم بوجهٍ آخر .. يقصدون بذلك أن يظفَرُوا بالأمن من الجانبين. وهذا الفريق من المنافقين لا يترك قتال المسلمين تحرُّجا، ولكن يتركه مراوغة لتحقيق مآربه.
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾:
أي ستجدون - أيها المسلمون - جماعةً أخرى من المنافقين يسلكون طريقا ملتوية، - هي طريق المواجهة - إذا جاءُوكم أَسلموا وعاهدوكم، يريدون بذلك أن يظفَروا منكم بالأمن؛ ليحققوا مصالحهم لديكم .. فإذا رجعوا إلى قومهم، كفروا ونقضوا عهودهم معكم، وقصْدهم أن يفوزوا كذلك بالأمن من قومهم؛ ليقضُوا بذلك حاجاتِهِمْ، ويصلوا إِلى غاياتِهم عند قومهم أيضًا.
стр. 898
﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾:
أي: كلما دعاهم قومُهُم إلى قتال المسلمين والكيد لهم، انقلبوا في فتنة القتال والكيد مع قومهم عليكم، معلنين - بذلك - عما أَضمروه في قلوبهم، كاشفين عن حقيقة أَمره.
﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾:
أي: فإِن لم يتجنب هؤُلاء قتالكم: ويطلبوا الصُّلْحَ معكم، ويَمُدُّوا يَدَ السلام والأمان إليكم، ويكُفُّوا شرهم وأذَاهم عنكم، ويقفوا موقف الحياد ويعلنوه - فخذوهم بالقوة أَسرى لديكم، واقتلوهم في أي مكان تدركونهم وتظفرون بهم عنده، لأَن هذا الصنف من المنافقين خطر: يجب القضاءُ عليه. إذ ليس هناك ما يدعوكم إلى أن تقفوا منهم موقف الأمان والاطمئنان، بعد أَن أعلنوا عداءَهم لكم، وأَظهروا ما تُكِنُّهُ صدورهم نحوكم.
﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾:
أي وهؤُلاءَ المنافقون: قد جعل الله لكم الحجة الواضحة عام جواز أخذهم وقتْلهم؛ بسبب ظهور عداوتهم لكم، وانكشاف حالهم في الكفر والغدر بكم، والخيانة والكيد لكم.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾.
стр. 899
المفردات:
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾: فَعِتْقُ رقبة.
﴿يَصَّدَّقُوا﴾: يتصدقوا بالدية؛ بالتنازل عنها.
﴿مِيثَاقٌ﴾: عهد.
﴿خَالِدًا فِيهَا﴾: ماكثًا فيها زمنا طويلًا.
التفسير
٩٢ - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً … ﴾ الآية.
بعد أَن بينت الآيات السابقة أُسس المعاملة بين المسلمين وغيرهم، وقد اتضح منها أن القتال شرع في الإِسلام لدفع الظلم، ورد العدوان في مختلف صوره، وتعميم الخير الذي جاء به الإِسلام لإسعاد بني البشر جميعًا، وأَن الأصل هو احترام دم الإنسان، - بعد هذا البيان - جاءَت هاتان الآيتان تقرران حكم وقوع القتل بين المؤمنين: بعضهم مع بعض.
روى عروة بن الزبير: أَن حذيفة بن اليمان، كان مع رسول الله ﷺ يوم أُحد فأخطأ المسلمون، وظنوا أن أباه "اليمان" واحدٌ من الكفار، فأخذوه وضربوه بأسيافهم، وحذيفة يقول: إنه أبي … فلم يفهموا قوله إِلا بعد أَن قتلوه. فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين .. فلما سمع الرسول ﷺ ذلك، ازداد وقع حذيفة عنده. فنزل قوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (١):
أي: وما صح وما استقام لمؤمن صادق الإِيمان فيما أتاه. من ربه في شريعة الإسلام، أن يقتل إِنسانا مؤمنا بغير حق، إلا خطأً.
لأن إيمان المؤمن زَاجِرٌ له عن ذلك، وربما وقع لأَنه احتراز عن الخطإِ، مما لا يكاد يدخل تحت الطاقة البشرية، فيكون الواجبُ ما بُيِّنَ في قوله تعالى:
﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾:
أي: ومن وقع منه القتل الخطأ، فالواجب عليه في هذه الحالة، أَن يعتق نفسًا مومنةً، وأَن يؤَدي إلى ورثة القتيلِ ديةً: يقتسمونها كما يقتسمون الميراث.
стр. 900
والدية: عوضٌ عن دم القتيل. وهي مائة من الإبل أَو قيمتها بالدراهم أَو الدنانير.
وقد قدَّرها عمر ﵁ بألف دينار على من يتعاملون بالذهب، واثنى عشر ألف درهم على من يتعاملون بالفضة.
رَوَى أَبو داود عن عمر ﵁: على أهل الإِبل مائة بَدَنة، وعلى أهل البقر مائتا بقرة، وعلى أهل الشاء ألف شاة، وعلى أهل الحلل مائتا حلة. وتتحمل عشيرة القاتل عنه دفع الدية، فإن لم تكن له عاقلة، وجبت على بيت المال، فإن لم يكن فيه، وجبت في مال القاتل .. ولا تسقط هذه الدية. إلا في حالة تنازل أهل القتيل عنها.
وهذا التنازل نوع من المعروف. وكل معروف صدقة؛ ولذا قال تعالى:
﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾: أي تجب الدية إلا أن يَعْفُوَ أهلُ القتيل بالتنازل عنها، وسُمِّيَ هذا التنازلُ صدقةً. حَثًّا لن يستحقون الدية على التنازل عن الديات، وتنبيها على فضل العفو.
هذا إذا كان المقتول خطأ مؤمنًا: من قوم مؤمنين.
﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾:
أي: فإِن كان المقتول خطأً من قوم كفار معادين للمؤمنين - وهو مؤمن - فالواجب في هذه الحالة: عتق رقبة مؤمنة، وفِكَاكها من قيد الرق، وإطلاق حريتها: كفارة عن هذا القتل الخطأ. ولا دية … لأنها تعود على أعداء المسلمين المحاربين. ولا يجوز أن يدفع المسلمون أموالهم إِلى عدوهم ليتقوى عليهم بسببها ويحاربهم بها. وفي تحرير النفس المؤمنة تعويض للمسلمين عن ذلك القتيل؛ لأن الرق غُلٌّ في عنق الرقيق: يمنعه من العمل النافع له وللمجتمع، من حيث إنه لا يملك نفسه، فكان في حكم الميت. وفي إطلاق حريته بالعتق إحياءٌ له.
﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾:
أي: وإِن كان المقتول خطأ، من قوم كفار بينكم - أَيها المسلمون - وبينهم عهد وميثاق، وليسوا أَعداءٌ لكم، فالواجب - في هذه الحالة - المبادرةُ بأداءِ ديةٍ تسلم إلى أَهل القتيل: تعويضًا عن دمه، كما يجب - كذلك - عتق نفس مؤمنة؛ لأن دماء هؤُلاء قد عُصِمت، بحكم ما بينهم وبين المسلمين من ذمة وميثاق.
стр. 901
وفي هذا القسم من أقسام القتل الخطإِ، لم يوصف المقتول بالإيمان أو الكفر، مما يشعر بأن وجود عهد وذمة بين المسلمين، يسوّى بين الجميع في الدية والفدية.
وبذلك يرتفع الإِسلام إلى أعلى مستوًى من رعاية حقوق المعاهدين والذميين. وهو تشريعٌ في رعاية العهد وحرمة الدم، لا يسَامىَ أبدًا.
وحرمة الدم الإنساني، واضحة في إيجاب عتق الرقيق في جميع حالات القتل، عَدَا العداوة والتحفز والكيد، الأمر الذي يهدر الدم معه، وإذا أُهدر الدم فلا حرمة له.
وعتق الرقيق واجب إذا ملكه، أو ملك ما يوصله إليه.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾:
أي: فمن لم يجد الرقيق بأن لم يملكه، ولا يملك ما يوصله إليه، بأن عجز عن ثمنه، أو عجز عن شرائه مع اليسار بثمنه، فالواجب على القاتل - في هذه الحالة - الانتقال إلى البدل: وهو صيام شهرين متتابعين: لا يقع بين أَيامهما إِفطار بغير عذر يبيح الفطر.
﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾:
أي: شرع الله هذا الصيام، رجاءَ قبول توبة القاتل؛ لأنه - بأَداء هذا الصوم - يقدِّم دليلًا - عمليًا - على صدق توبته ورجوعه إِلى ما أمر الله به من احترام الدماء، وتطهير نفسه بحبسها عن الشهوات شهرين متتابعين: يتوجه المرءُ فيهما إِلى الله، صادقا مخلصا في توبته من الذنوب والآثام.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾:
أي: وكان الله - ولا يزال - عظيم العلم بما انطوت عليه النفوس، وأضمرته القلوب، في جميع الأحوال: بالغ الحكمة في كل ما شرعه من الأحكام.
ومما تجدر الإشارة إليه: أَن العلماء اختلفوا فيمن عجز عن الصيام:
فقال بعضهم: يجب عليه إِطعام ستين مسكينا، كما في كفارة الظهار. وإنما لم يذكر التكفير بالإطعام هنا؛ لأن هذا مقام تخويف وتهديد وتحذير، فلا يناسب أَن يذكر فيه الإطعام؛ لما فيه من التسهيل والترخيص.
стр. 902
وقال آخرون: لا يعدل إلى الإِطعام، لأنه لو كان واجبا، لما أخر بيانه عن وقت الحاجة.
٩٣ - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾:
في الآية السابقة بيان حكم القتل الخطإ بأقسامه الثلاثة.
وفي هذه الآية الكريمة بيان حكم القتل العمد في الآخرة.
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾:
أي: ومن يقتل مؤمنا قاصدا قتله، فجزاؤُه الذي يستحقه على اقتراف تلك الجريمة الشنيعة، دخولُ جهنم ماكثا فيها مكثا طويلًا، إِلى أَن يشاءَ الله إِخراجه من النار فيخرجَه منها، إذ ليس المراد من الخلود هنا دوام البقاء في جهنم أبدا، فإِن الخلود فيها أَبدا، جزاءُ الكافرين.
﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾:
أي وانتقم الله منه، وأبعده سبحانه عن رحمته.
﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾:
أي: وقد هيأ الله في جهنم لمن تَعَمَّدَ قَتْلَ المؤمنِ، عذابًا رهيبا، لا يدرك الإِنسان غايته؛ لشدة بشاعته.
وفي هذه الآية تهديد شديد، ووعيد أكيد، لمن يجترئون على سفك دماءِ المسلمين بغير حق.
وقد تأيد هذا الوعيد، بأخبار كثيرة، رويت عن النبي ﷺ .
منها: ما أخرجه الأمام أَحمد والنَّسائي، عن البراء بن عازب: أَن النبي ﷺ ، قال: "لَزَوَالُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، أَهوَنُ عِندَ اللهِ - تَعالى - مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ .. وَلَوْ أنَّ أهْلَ سَماواتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ اشْتَرَكُوا في دَمِ مُؤْمِنٍ، لأدخَلَهُمُ اللهُ تَعَالى، النَّار".
ولا يخفى ما في هذا من الوعيد والتهديد، على قتل النفس التي حَرَّمَ الله قتلها.
стр. 903
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾.
المفردات:
﴿ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: سافرتم للغَزْوِ.
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾: فاطلبوا بيان الأمر والكشف عنه وتَثَبَّتُوا.
﴿أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾: حَيَّاكم بتحية الإِسلام.
﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: تطلبون متاعها الزائل، ونعيمها الفاني: من مال وغيره.
التفسير
٩٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا … ﴾ الآية.
بعد أن بينت الآيتان السابقتان - حكم القتل بقسميه، وأَن أَقصى ما يُتصور صدورُه عن المؤمن، إنما هو القتل الخطأ - جاءَت هذه الآية، تحذر مما يقود إليه من التهاون وقلة المبالاة في الأمور.
روى البخاري، والترمذي، والحاكم، وغيرهم، عن ابن عباس قال: مَرَّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي ﷺ . وهو يسوق غَنما له: فسلَّم عليهم. فقالوا: ما سلَّمَ علينا إلا ليتعوَّذ مِنَّا: فعمَدوا إِليه فقتلوه: وأتَوا بغنمه النبيَّ، ﷺ ، فنزلت هذه الآية.
стр. 904
وهناك روايات أخرى بهذا المعنى.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا … ﴾ الآية.
أي إذا سرتم في الأرض مسرعين للجهاد في سبيل الله، فتبينوا الأمر، وابحثوا عن الحقيقة في كل ما تأتون وتذرون، وتثبتوا من حال من تقاتلونهم.
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾:
أي: ولا تقولوا - بغير تثبت وتأمل لمن حياكم بتحية الإِسلام - لست مؤمنا، وأنك إنما قلت ذلك: طلبا للنجاة بنفسك ومالك، ولست مخلصا في إسلامك.
﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾:
أي: تقصدون بقولكم هذا: طلب ماله وأخذه، وهو - وإن كثر - متاع قليل زائل.
وكذلك كل ما في الدنيا.
﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾:
أي: لا تبتغوا المال بما قلتموه لمن حياكم بتحية الإِسلام، ولا تلتفتوا إلى العرَض الزائل؛ لأن الله عنده الثواب الجزيل، والأجر العظيم. وخير الله عميم، ومغانمه كثيرة: يمُنُّ عليكم بها، فيغنيكم عن ارتكاب ما ارتكبتم، إن كنتم تريدون خيرا ومغنما.
﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾:
أي: وقد كنتم من قبل - في بدءِ إسلامكم - لا يظهر منكم للناس غَيْرُ ما ظهر من هذا الذي يأمركم الله بقبول ما ألقاه إليكم، من تحية الإِسلام ونحوها.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾:
بأن قَبِل منكم هذا الظاهر، وعُصِمَتْ به دماؤُكم وأموالكم، ولم يأمر بالتفتيش عما في قلوبكم، حتى شاع إسلامكُم بين الناس، وأكرمَكُم الله به.
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾:
أي: إِذا كان الأمر كذلك، فاطلبوا بيان الحال، وتَدَبَّرُوا الأَمر، وقِيسوا حال هذا الذي ألْقَى إليكم تحية الإسلام بحالكم من قبل، وافعلوا معه ما فُعِلَ بكم في أَول أَمركم، من قبول ظاهر الأمر، من غير تنقيب عن السرائر … وتأَملوا .. أهل كان يرضيكم أن يقع بكم مثلُ الذي تريدون أَن توقعوه بِمَنْ أَلْقَى إليكم السلام؟
стр. 905
لا ريب أَن جوابكم يكون: لا … وأن ظاهر الحال كافٍ في عصمة الدم والمال.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾:
فيعلم ما تخبئه النفوس وتضمره القلوب، وبواعِثَهَا على العمل، وغاياتِها التي لا تنكشف للناس.
ولا ينبغي للمسلمين: أَن يجعلوا عَرَض الحياة الدنيا غايتَهم من الجهاد، إذا خرجوا يجاهدون في سبيل الله.
﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾.
المفردات:
﴿الْقَاعِدُونَ﴾: المتخلفون عن الجهاد.
﴿أُولِي الضَّرَرِ﴾: أصحاب الأمراض والعاهات.
التفسير
٩٥ - ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ … ﴾ الآية.
بعد أن أمر الله المؤمنين بالجهاد وحرضهم عليه، وذكر من أحكامه تحذيرَ المؤمنِ مِن قَتْلِ أخيه المؤمن، وبيّن أَحكامَ قتلِهِ - أتبعه بيانَ حكمٍ آخر: هو بيان فضل المجاهد على غيره؛ ليهتز له القاعد عنه، رغبةً في الحصول على فضله العظيم.
стр. 906
أخرج البخاري، عن زيد بن ثابت، قال: "أَمْلى عَليَّ رَسولُ اللهِ ﷺ : (لَا يَستَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ) قال: فجاءَه ابن أم مكتوم وهو يمليها عليَّ، فقال: يا رسول الله: لو أَستطيع الجهاد لجاهدت - وكان رجلًا أَعمى - فأنزل الله ﵎، على رسوله ﷺ وفخذه على فخذي، فثقلت عَلَيَّ، حتى خِفت أَن ترض فخذى - ثم سُرِّي عنه. فأَنزل الله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ".
وفي رواية البراء بن عازب. فأنزل الله ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
والمعنى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾.
أي: لا يستوي المتخلفون من المؤمنين الأصحاءِ، الذين قعدوا عن الخروج للجهاد، بدون عذر من مرض أو غير ذلك: من فقد السلاح، وما يُحْمَلون عليه - لا يستوي هؤلاء والذين خرجوا للجهاد في سبيل الله: بأموالهم وأنفسهم، في الأجر والثواب، وعلوِّ الدرجة عند الله تعالي.
وكيف يستوي من تخلَّف - بدون أعذار - مع الذين أَنفقوا أموالهم فيما يُضعِف قوةَ الكافرين، ويذهب شوكَتَهُم، ويوهِن كيدَهم، وبذلوا في القتال أَرواحهم: راضين صابرين؛ لتكون كلمةُ الله هي العليا، وكلمةُ الذين كفورا السفلى؟!
ولما بين الله تعالى، أن المجاهِدِين والقاعِدين لا يستويان .. ولما كان عدم المساواة يحتمل الزيادة ويحتمل النقصان - دفع النصُّ القرآني احتمال النقصان، بقوله تعالى:
﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾:
فالمراد بهذا: تفصيلُ ما بين الفريقين من التفاضل، حيث بين الله بذلك أَن بَذلَ الأَموالِ والأَنفس في سبيل الله، لإِعلاء كلمة الحق، ابتغاءَ مرضاة الله، سببٌ في تفضيل المجاهدين من المؤمنين على الذين قعدوا عن الجهاد، وتخلفوا عن البذل والإِنفاق بغير عذر، درجةً عظيمةً، لا يعلم قدرها إِلا الله.
﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾:
أي وكلا من فريقي المجاهدين والقاعدين من المؤمنين، وعده الله المثوبة الحسنى، وهي الجنة. لتحقُّقِ الإِيمانِ الصادق فيهما.
стр. 907
ومحل هذا، إِذا لم يكن النفير عاما، وكان التخلف لا يضر الجبهة المقاتلة من المسلمين، بأن كان فيمن خرجوا للقتال كفايةٌ للقاء العدو لإنزال الهزيمة به.
وذلك ما لم توضع نظم تجعل التجنيد إجباريا.
أما مع وجود هذه النظم، كالذي يجري عليه العمل في الدول الإِسلامية اليوم، فإنه حينئذ، لا يحل لأحد أَن يتخلف عن دوره، وإلا كان متخلفا عن الزحف لقتال الأعداء.
والمتخلف عن الزحف: مرتكب أشد الكبائر، معاقَبٌ عند الله أشد العقاب. وللحاكم أن يعزره بما يردعُ سواه من التعازير الشروعة.
﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: كان تفضيل المجاهدين بهذا الأجر العظيم - زيادة على القاعدين من غير أولى الضرر - إكرامًا من الله لهم؛ لِمُسَارَعَتِهم إلى الجهاد، وبذْلهم أموالَهم وأنفسَهم في سبيل الله: راضين مغتبطين.
وفيه من تأْكيد أجر المقاتلين ما لا يخفى.
وقد بين الله سبحانه - هذا الأجر العظيم، بقوله تعالى:
٩٦ - ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً … ﴾ الآية.
أي منازل عظيمةً لا يُحيط الوصف بفخامتها وجلال قدرها من عند الله .. تفضَّل الله على المجاهدين بها، لِمَا صدقوا في الجهاد. ومغفرةً لهم من الذنوب، ورحمةً يحيطهم الله بها، ويحفظهم بشمولها؛ لأن المسلم - دائما - في حاجة شديدة إلى مغفرة عظيمة من الله، ينجو بها، ورحمةٍ واسعة يَسْبَحُ في رحابها.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾:
أي وكان الله - ولا يزال على الدوام - عظيمَ الغفران لذنوب عباده، واسعَ الرحمة بكل شيء.
فلا تزهوا أيها المجاهدون بما بذلتم من أَنفس وأموال في سبيل الله. ولا تنسَوا أن الفضل كلَّه من الله.
стр. 908
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾.
المفردات:
﴿مُسْتَضْعَفِينَ﴾: عاجزين عن القيام بما وجب عليهم.
﴿وَالْوِلْدَانِ﴾: الصغار أَو المراهقين أو الأرقاءِ.
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾: لا يجدون سببا موصلا إلى الغرض.
التفسير
٩٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ … ﴾ الآية.
هذه الآيات بيان لحال الذين قعدوا عن الهجرة، وآثروا البقاءَ في دار الكفر. جاءت إثر بيان حال الذين تخلفوا عن الجهاد بغير عذر، وقعدوا عن القتال في سبيل الله.
عن عكرمة مولى ابن عباس. قال: "أَخبرني ابنُ عباس: أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يُكثِّرون سوادَ المشركين على رسول الله ﷺ يأتي السهم يُرمى فيصيب أحدَهم فيقتله، أَو يُضْرَبُ فَيُقْتل. فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ … ﴾ الآية". أخرجه البخاري.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾: أي إِن الذين أسلموا، وآثروا البقاء بين ظهراني المشركين في دار الكفر، وتحملوا الذل والهوان والقهر - وهم
стр. 909
قادرون على التخلص مما هم فيه - من كبت وإِذلال - بالهجرة إلى بلد يأمنون فيه على دينهم وأموالهم وأنفسهم - إنَّ هؤُلاءِ تقبض الملائكة - أي ملك الموت وأعوانه - أَرواحهم بإذن الله، عند انتهاءِ آجالهم، في حال ظلمهم أَنفسَهُم، باختيارهم الاستكانة والهوانَ، مع قدرتهم على دفع الظلم بترك مساكنهم.
﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾:
أي تقول لهم الملائكة - تقريعا وتوبيخا حين تقبض أرواحهم -: في أي شيء كنتم من أَمر دينكم؟ هذا الدين الذي يأمر المسلمَ أن يكون - دائمًا - مع الجماعة: يعيش مرفوع الرأْس في عزة وكرامة، ولا يرضى له أن يكون خفيف الجناح، في خسة ومهانة.
﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾:
أي قالوا جوابا عن هذا السؤَال الذي يفيض بالتبكيت والإِيلام. إذ معناه: أَنكم لم تكونوا في شيء من أمر دينكم، حين أَقمتم بدار الكفر، وأنتم قادرون على الهجرة منها .. قالوا - معتذرين في وقت لا ينفع فيه الاعتذار -: كنا نعيش مقهورين تحت أيدي الكفار بأرض مكة بسبب ضعفنا.
﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾:
أي تقول الملائكة - في ردهم لهذا الاعتذار وعدم قبوله منهم، وإنكارا لتحملهم إذلال الكفار إياهم -: إنكم كنتم قادرين على الهجرة: إلى مكان تستطيعون إقامة دينكم فيه، واللحاق بإخوانكم المهاجرين والانضمام إلى صفوفهم، ليزدادوا بكم قوة ومنعة، فبقيتم بين الكفار، لا عجزًا عن مفارقتهم، بل كان في وسعكم ترك ديارهم، ولكنكم لم تفعلوا. فكان جزاؤكم ما بينه الله في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾: أي فجزاءُ هؤُلاءِ الذين تخلفوا عن الهجرة: أَن يقيموا في جهنم ويستقروا فيها: هي مأواهم ومصيرهم، وبئس هذا المأوى، وذلك المصير.
٩٨ - ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾:
стр. 910
بعد أَن بينت الآية السابقة وعيد مَن كانوا يستطيعون الهجرة وتخلفوا عنها، جاءَت هذه الآية الكريمة، تستثني من هذا الوعيد: الذين لا يستطيعون ذلك. فقالت: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾: أي لكن الضعفاء من الرجال الذين لا يقدرون فعلا على المقاومة، ولا على دفع الظلم والفساد - وكذلك النساءُ والصغار - ممن ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾:
أي لا يجدون وسيلة تخلصهم مما هم فيه من القهر والذل، ولا يعرفون طريقا يستطيعون سلوكه للنجاة مما يلاقون في دار الكفر من ذل وهوان.
٩٩ - ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾:
أي فهؤلاء المستضعفون، لا شيء عليهم، ولا تثريب في عدم هجرتهم، ولهم أي يطمعوا في عفو الله، ويتطلعوا إلى رحمته؛ لأنه كثير العفو، واسع المغفرة.
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾.
المفردات:
﴿مُرَاغَمًا﴾: متحولا يتحول إليه: ومكانا يتنقل فيه.
﴿وَسَعَةً﴾: السعة؛ البسطة في العيش، والزيادة في الرزق.
﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾: أي ثبت ثوابه عنده.
التفسير
١٠٠ - ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً … ﴾ الآية.
كانت الآيات السابقة في تحذير المسلمين من القعود عن الهجرة. من مكة عند القدرة عليها، وبعث الرجاء في نفوس المستضعفين بأن الله سيعفو عنهم.
стр. 911
وهذه الآية جاءَت بعدها؛ للترغيب في تلك الهجرة: ببيان ثوابها ومنزلتها عند الله تعالى. وكونها طريقا للنصر. وإذلال الأعداءِ، وبابًا واسعا للرزق. وذلك جريًا عام عادة القرآنِ الكريم: من الجمع بين الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب.
سبب النزول:
لما نزلت الآيات السابقة في التحذير من القُعُود عن الهجرة؛ خرج ضمرة بن جندب مهاجرًا إلى رسول الله ﷺ ، فمات في الطريق قبل أَن يصل إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ﴾ الآية.
أورده ابن كثير، عن ابن عباس.
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾:
أي: ومن يعمد إلى مثل تلك الهجرة - في سبيل إِعلاء كلمة الله، والمحافظة على دينه - يجد في الأرض متسعًا لهجرته، ورحابًا فسيحة: يستطيع التنقل فيها، والتحول إليها، والاستمتاع بخيراتها. واتخاذ الموقع المناسب لضرب الأعداءِ والنجاة من شرهم.
وفي ذلك ما فيه من الإِهانة لهم، وإرغام أُنوفهم. كما يجد - إلى جانب ذلك - سعة في الرزق، وبسطة في العيش … فلا عذر لأَحد من الأقوياء في القعود عن الهجرة والبقاءِ في دار الكفر: مكتومَ الأَنفاس، متعرضا لأذى الكفار قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (١).
وليست الهجرة - بصفة عامة - للهرب من العدو، وإِنما هي ضرب من الجهاد، للقضاءِ على سيطرة الأعداءِ، وتحولٌ من موقع إِلى موقع آخر: يمكن منه ضرب العدو، وإلحاق الأذى والذل به، والتمكن من إِقامة شعائر الدين في حرية وطلاقة.
فهي في الأَصل: الانتقال من مكان إلى مكان. والمراد بها: الهجرة من أَرض الكفر إلى أي مكان يأمن فيه الإِنسان على نفسه وماله ودينه.
стр. 912
وقد هاجر بعض المسلمين - في أول الإِسلام - إلى الحبشة.
ثم كانت الهجرة بعد ذلك من مكة إِلى المدينة. وكانت واجبةً قبل فتح مكة.
وهي التي نزلت فيها آيات الترغيب والترهيب.
ولما تم فتح مكة، واستقر الأَمر فيها للمسلمين، وأَعز الله فيها الإِسلام، لم تعد هناك حاجة إِلى الهجرة من مكة.
ولهذا قال ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية" (١).
وتشمل الهجرة بالمعنى العام: الهجرة في طلب العلم، والهجرة في طلب الرزق، والهجرة في نشر الدعوة الإِسلامية في البلاد التي لم تصلها أو التي هي في حاجة إِليها. وكلها مما رغب الله فيه.
وقد تطلق الهجرة على هجر الذنوب والمعاصي، كما في قول الرسول ﷺ : "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (٢).
هذا، وقد تكفل الله تعالى، في هذه الآية الكريمة، بثواب الهجرة كاملا لمن خرج من بيته بنيّة الهجرة: لا يريد بذلك إلا وجه الله واللحاق برسول الله، ثم حلَّ به الموت قبل أَن يصل إلى مقصده، وإِن أَدركه أمام باب داره التي خرج منها. فقال جل شأنه:
﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أي لإِعلاءِ كلمة الله، فهي ضرب من الجهاد.
﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾: أي يلحقه، وينزل به قبل أن يبلغ مقصده:
﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾: أي ثبت ثوابه عنده، وكان في ضمانه تعالى بمقتضى وعده وتفضله.
стр. 913
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾: أي كان - ولا يزال - عظيم المغفرة لما فرط من الذنوب، التي من جملتها: القعود عن الهجرة من غير عذر إلى وقت الخروج إليها.
﴿رَحِيمًا﴾: كثير الرحمة بعباده حيث قبل توبتهم، وغفر ذنوبهم.
فهذه الآية الكريمة: تطمئن المهاجر على رزقه في مهجره، حتى لا يتقاعس عن الهجرة، فترفع عنه جميع الأعباء، وتفتح له سُبُلَ السعادة في الدنيا، وتعده بعظيم الثواب في الآخرة، حتى لو حال الموت بينه وبين ما يتمناه: من إتمام الهجرة في سبيل الله، بعد أن شرع فيها.
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾.
المفردات:
﴿ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: سافرتم.
﴿جُنَاحٌ﴾: حَرَج وإثْم.
﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾: أن تخففوها من رباعية إلى ثنائية.
﴿يَفْتِنَكُمُ﴾: يتعرض لكم بما تكرهون من الإغارة عليكم أثناء الصلاة.
التفسير
١٠١ - ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ … ﴾ الآية.
بعد أن رغَّبت الآية السابقة في الهجرة - وهي مبنية على السفر والخوف من العدو - جاءَت هذه الآية تبين كيفية الصلاة في السفر، وفي حال الخوف من العدو: من جواز قصرها، دفعا للمشقة، وتفضلا من الله على عباده.
стр. 914
والكلام عن الصلاة في هذا الموطن؛ للدلالة على أَنها وسائل الأمن عند الخوف، وعلى عظم شأنها، وبيان أنها لا تسقط بحال من الأحوال.
والمعنى: وإذا سافرتم في الأرض - أيها المسلمون -:
﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: حَرَج وإثْم.
﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾: فتصلوا الرباعية - وهي الظهر والعصر والعشاءُ - ركعتين .. أما الصبح فلا تقبل القصر؛ لأنها قصيرة بطبيعتها، وكذلك المغرب لا تقبل القصر، لأنها وتر النهار.
وظاهر الآية: إباحة القصر لمطلق السفر، طال أم قصر. . ولكن الفقهاء اختلفوا في تحديد مسافة القصر ومدته، كما اشترط بعضهم أن يكون سفرا مباحا .. وتفصيل ذلك في موضعه من كتب الفقه.
وظاهر قوله تعالى:
﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: اشتراط الخوف في السفر في جواز القصر. ولكن السنّة النبوية، بينت أنه يجوز القصر في السفر مع الأمن، كما يجوز فيه عند الخوف.
وفي ذلك يقول الرسول ﷺ جوابا لمن سأله عن القصر حالة الأمن: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِها عَلَيكُم فَاقْبَلوا صَدَقَتَهُ" (١) وقد بيّن الله سبب الترخيص - في القصر في السفر - عند الخوف من العدو بقوله:
﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾: أي كانوا لكم أعداءً ظاهري العداوة، مجاهرين بها. فتنبهوا لعداوتم واحذروها، وكونوا متيقظين لهم في الصلاة وغيرها.
стр. 915
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾.
المفردات:
﴿طَائِفَةٌ﴾: جماعة.
﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾: وليكونوا متيقظين للعدو، محترسين منه.
﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ﴾: فيهجمون عليكم.
﴿مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾: هجمة واحدة يقضون بها عليكم، فلا يحتاجون بعدها إلى هجمة أخرى.
التفسير
١٠٢ - ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ … ﴾ الآية.
لما بيّن الله حكم القصر في السفر عند الخوف، عقّبه ببيان كيفية صلاة الخوف.
سبب النزول:
روى الدارقطني، عن أَبي عياش الزرقي، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة،