وهذه الآية جاءَت بعدها؛ للترغيب في تلك الهجرة: ببيان ثوابها ومنزلتها عند الله تعالى. وكونها طريقا للنصر. وإذلال الأعداءِ، وبابًا واسعا للرزق. وذلك جريًا عام عادة القرآنِ الكريم: من الجمع بين الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب.
سبب النزول:
لما نزلت الآيات السابقة في التحذير من القُعُود عن الهجرة؛ خرج ضمرة بن جندب مهاجرًا إلى رسول الله ﷺ ، فمات في الطريق قبل أَن يصل إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ﴾ الآية.
أورده ابن كثير، عن ابن عباس.
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾:
أي: ومن يعمد إلى مثل تلك الهجرة - في سبيل إِعلاء كلمة الله، والمحافظة على دينه - يجد في الأرض متسعًا لهجرته، ورحابًا فسيحة: يستطيع التنقل فيها، والتحول إليها، والاستمتاع بخيراتها. واتخاذ الموقع المناسب لضرب الأعداءِ والنجاة من شرهم.
وفي ذلك ما فيه من الإِهانة لهم، وإرغام أُنوفهم. كما يجد - إلى جانب ذلك - سعة في الرزق، وبسطة في العيش … فلا عذر لأَحد من الأقوياء في القعود عن الهجرة والبقاءِ في دار الكفر: مكتومَ الأَنفاس، متعرضا لأذى الكفار قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (١).
وليست الهجرة - بصفة عامة - للهرب من العدو، وإِنما هي ضرب من الجهاد، للقضاءِ على سيطرة الأعداءِ، وتحولٌ من موقع إِلى موقع آخر: يمكن منه ضرب العدو، وإلحاق الأذى والذل به، والتمكن من إِقامة شعائر الدين في حرية وطلاقة.
فهي في الأَصل: الانتقال من مكان إلى مكان. والمراد بها: الهجرة من أَرض الكفر إلى أي مكان يأمن فيه الإِنسان على نفسه وماله ودينه.
стр. 912
وقد هاجر بعض المسلمين - في أول الإِسلام - إلى الحبشة.
ثم كانت الهجرة بعد ذلك من مكة إِلى المدينة. وكانت واجبةً قبل فتح مكة.
وهي التي نزلت فيها آيات الترغيب والترهيب.
ولما تم فتح مكة، واستقر الأَمر فيها للمسلمين، وأَعز الله فيها الإِسلام، لم تعد هناك حاجة إِلى الهجرة من مكة.
ولهذا قال ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية" (١).
وتشمل الهجرة بالمعنى العام: الهجرة في طلب العلم، والهجرة في طلب الرزق، والهجرة في نشر الدعوة الإِسلامية في البلاد التي لم تصلها أو التي هي في حاجة إِليها. وكلها مما رغب الله فيه.
وقد تطلق الهجرة على هجر الذنوب والمعاصي، كما في قول الرسول ﷺ : "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (٢).
هذا، وقد تكفل الله تعالى، في هذه الآية الكريمة، بثواب الهجرة كاملا لمن خرج من بيته بنيّة الهجرة: لا يريد بذلك إلا وجه الله واللحاق برسول الله، ثم حلَّ به الموت قبل أَن يصل إلى مقصده، وإِن أَدركه أمام باب داره التي خرج منها. فقال جل شأنه:
﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أي لإِعلاءِ كلمة الله، فهي ضرب من الجهاد.
﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾: أي يلحقه، وينزل به قبل أن يبلغ مقصده:
﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾: أي ثبت ثوابه عنده، وكان في ضمانه تعالى بمقتضى وعده وتفضله.
стр. 913
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾: أي كان - ولا يزال - عظيم المغفرة لما فرط من الذنوب، التي من جملتها: القعود عن الهجرة من غير عذر إلى وقت الخروج إليها.
﴿رَحِيمًا﴾: كثير الرحمة بعباده حيث قبل توبتهم، وغفر ذنوبهم.
فهذه الآية الكريمة: تطمئن المهاجر على رزقه في مهجره، حتى لا يتقاعس عن الهجرة، فترفع عنه جميع الأعباء، وتفتح له سُبُلَ السعادة في الدنيا، وتعده بعظيم الثواب في الآخرة، حتى لو حال الموت بينه وبين ما يتمناه: من إتمام الهجرة في سبيل الله، بعد أن شرع فيها.
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾.
المفردات:
﴿ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: سافرتم.
﴿جُنَاحٌ﴾: حَرَج وإثْم.
﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾: أن تخففوها من رباعية إلى ثنائية.
﴿يَفْتِنَكُمُ﴾: يتعرض لكم بما تكرهون من الإغارة عليكم أثناء الصلاة.
التفسير
١٠١ - ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ … ﴾ الآية.
بعد أن رغَّبت الآية السابقة في الهجرة - وهي مبنية على السفر والخوف من العدو - جاءَت هذه الآية تبين كيفية الصلاة في السفر، وفي حال الخوف من العدو: من جواز قصرها، دفعا للمشقة، وتفضلا من الله على عباده.
стр. 914
والكلام عن الصلاة في هذا الموطن؛ للدلالة على أَنها وسائل الأمن عند الخوف، وعلى عظم شأنها، وبيان أنها لا تسقط بحال من الأحوال.
والمعنى: وإذا سافرتم في الأرض - أيها المسلمون -:
﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: حَرَج وإثْم.
﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾: فتصلوا الرباعية - وهي الظهر والعصر والعشاءُ - ركعتين .. أما الصبح فلا تقبل القصر؛ لأنها قصيرة بطبيعتها، وكذلك المغرب لا تقبل القصر، لأنها وتر النهار.
وظاهر الآية: إباحة القصر لمطلق السفر، طال أم قصر. . ولكن الفقهاء اختلفوا في تحديد مسافة القصر ومدته، كما اشترط بعضهم أن يكون سفرا مباحا .. وتفصيل ذلك في موضعه من كتب الفقه.
وظاهر قوله تعالى:
﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: اشتراط الخوف في السفر في جواز القصر. ولكن السنّة النبوية، بينت أنه يجوز القصر في السفر مع الأمن، كما يجوز فيه عند الخوف.
وفي ذلك يقول الرسول ﷺ جوابا لمن سأله عن القصر حالة الأمن: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِها عَلَيكُم فَاقْبَلوا صَدَقَتَهُ" (١) وقد بيّن الله سبب الترخيص - في القصر في السفر - عند الخوف من العدو بقوله:
﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾: أي كانوا لكم أعداءً ظاهري العداوة، مجاهرين بها. فتنبهوا لعداوتم واحذروها، وكونوا متيقظين لهم في الصلاة وغيرها.
стр. 915
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾.
المفردات:
﴿طَائِفَةٌ﴾: جماعة.
﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾: وليكونوا متيقظين للعدو، محترسين منه.
﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ﴾: فيهجمون عليكم.
﴿مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾: هجمة واحدة يقضون بها عليكم، فلا يحتاجون بعدها إلى هجمة أخرى.
التفسير
١٠٢ - ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ … ﴾ الآية.
لما بيّن الله حكم القصر في السفر عند الخوف، عقّبه ببيان كيفية صلاة الخوف.
سبب النزول:
روى الدارقطني، عن أَبي عياش الزرقي، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة،
стр. 916
فصلى بنا رسول الله ﷺ الظهر. فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: يأتي عليهم صلاة هي أَحب إليهم من أبنائهم وأَنفسهم، قال: فنزل جبريل ﵇ بهذه الآية بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (١).
ومعنى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾: وإِذا أردت أن تصلِّيَ بهم إِماما، فلتصل طائفة منهم معك، بعد أن تجعلهم طائفتين، ولتقف الطائفة الأخرى تُجاه العدو لمراقبته وحراسة المسلمين منه. ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾: أي ولتأخذ الطائفة التي تصلي معك أسلحتهم، ليتقوا بها العدو عند المفاجأة، ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾: أي فإِذا فرغت الطائفة التي تصلي معك من سجود الركعة الأُولى، فلينصرفوا للحراسة خلفكم.
﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾:
أي: ولتأت الطائفة الأخرى التي كانت في مواجهة العدو للحراسة والمراقبة، والتي لم تُصلّ بعد، فليصلوا معك الركعة الثانية، وهي الأولى لهم.
﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾:
أي: يجب أن يكونوا دائما متيقظين لمخادعات العدو، وليأخذوا أَسلحتهم معهم ليتقوه بها إن بادءُوهم؛ لأن الأعداءَ يتمنون أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم، فيحملوا عليكم حملة واحدة: منتهزين فرصة انشغالهم بالصلاة. كما قال تعالى:
﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾: والأمتعة ما يتمتع به المحارب من لوازمه في السفر.
والأمر هنا: للوجوب، لقوله تعالى بعده:
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾:
стр. 917
أي: لا إثم عليكم في أنْ تتركوا أسلحتكم عندما يكون بكم تَأَذٍّ من المطر أو المرض.
وهذه الرخصة لا تعطَى إِلا في حال العذر الذي بينه الله في الآية في قوله تعالى:
﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾: أي كونوا على حذر دائما، وبخاصة في تلك الحالة التي وضعتم فيها أسلحتكم.
﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾: يهينهم ويخزيهم ويذلهم، يتحقق بعضه على أيديكم بالنصر عليهم. إِذا اتبعتم النصيحة، ونهضتم بالتكاليف، وكنتم دائما على صلة باللهِ، وفي موقف اليقظة والاستعداد بما تستطيعون من قوة، ويتحقق بعضه الآخر بالعذاب الذي يلاقونه يوم القيامة من الله بسبب كفرهم ومحاربتهم أولياءَه. فاهتموا بأموركم ولا تهملوا مباشرة الأسباب.
هذا نموذج من نماذج تأدية الصلاة في الميدان حين التربص والتهيؤ.
وقد دلت الآية على أهمية الصلاة وضرورتها، وما للجاعة فيها من ميزة ومنزلة، حتى في أَشد حالات الخوف.
فالصلاة هي المدد الروحي الحافز للعزائم على النصر، إذ هي صلة باللهِ رب العالمين، القادر على كل شيء. وهو مالك الأسباب جميعها للنصر وغيره. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١).
فعلى المسلمين أن يحرصوا على أداء الصلوات استدرارًا لِعَونِ الله.
وفي الحروب الحديثة عليهم تأدية الصلاة بالكيفية التي تناسب وضعهم من العدو، بحيث لا يعرض أَمنهم للخطر.
وقد بين الشرع طريقتها في كل حال.
ومنها: أَنه إِذا التحم الجيشان، فللجندي أن يصلي مستقبل القبلة أو غير مستقبلها، وعلى أية كيفية ممكنه ولو بالإِيماءِ.
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٢).
стр. 918
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾.
التفسير
١٠٣ - ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ … ﴾ الآية.
أي: فإِذا أَديتموها على هذا النحو.
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾: يأمر الله - تعالى - بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف - وإن كان ذلك مشروعا فيه بعد غيرها أَيضا - ولكن ها هنا آكد، لما وقع فيها من التخفيف في أَركانها، ومن الرخصة في الحركات الكثيرة التي لا تباح في غيرها - وكما يذكرونه بألسنتهم يذكرونه بقلوبهم.
﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾: أي سكنت قلوبكم من الخوف، وأَمنتم بعدما وضعت الحرب أَوزارها.
﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي أَدوها بأَركانها وشروطها كاملة في مواقيتها.
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾: أَي أقيموها كذلك؛ لأَنها كانت في حكم الله، ولا زالت مكتوبة مفروضة محددة الأَوقات؛ لا يجوز إِخراجها عن أَوقاتها في أَمن.
﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾.
стр. 919
التفسير
١٠٤ - ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ … ﴾ الآية.
أي: لا تضعفوا ولا تتوانَوْا في طلب الكفار أَهل الحرب. لقتالهم؛ لأنكم ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾: فليست الآلام مختصةً بكم. بل هي أَمر مشترك بينكم وبينهم. وتزيدون عليهم: أَنكم ترجون وتطمعون من الله تعالى فيما لا يخطر لهم ببال. من نصر دينه الذي أمركم بالجهاد في سبيله. ومن الثواب الجزيل. والنعيم المقيم في الآخرة. فأَنتم تنصرون الله وهو معكم على عدوكم. ومن كان الله معه فهو من المنتصرين.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: عظيم العلم بكل شيء، فيعلم ما فيه مصلحتكم في دنياكم وأخراكم: عظيم الحكمة فيما يأمركم به وينهاكم عنه. فجدوا في الامتثال لأَمره؛ فإن عواقب الامتثال حميدة.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾.
стр. 920
المفردات:
﴿خَصِيمًا﴾: مجادلا، ومدافعا.
﴿يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: يخونونها بالظلم والشر، لأَن وَبَالَ ذلك يعود عليها.
﴿يُبَيِّتُونَ﴾: يدبّرون خفية.
التفسير
١٠٥ - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾:
كانت الآيات السابقة. متعلقةً بقتال الأَعداءِ ومجاهدة الكفار، وما يتعلق بذلك من أحكام. فأَتبعها الله تعالى هذه الآيات الدالة على التزام الحق - حتى مع الأعداء - لئلا يُتوهم أَن عداوة الكفار تبيح الخروج عن دائرة الحق.
وفي ذلك من الدلالة على سموّ مباديء الإِسلام وعدالته المطلقة ما فيه.
سبب النزول:
روى ابن مردويه بسنده إلى ابن عباس ﵄: أَن نفرا من الأنصار غَزَوْا مع رسول الله ﷺ فأنزل الله:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ … ﴾ (١) الآية.
فالله يذكر نبيه ﵊، وينبهه إِلى مهمته الأصلية. وهي أن يحكم بين الناس بما أرشده الله إليه. وذلك بأن يسوي بينهم على اختلاف نزعاتهم وعقائدهم. كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى … ﴾ (٢).
المعنى: يقول الله لهذا النبي الكريم: إِنا أَنزلنا إِليك القرآن الكريم ناطقا بالحق، داعيا إليه وإِلى التمسك به، لتحكم بين الناس على اختلاف عقائدهم. بما عرفك الله وأَوحى به إليك. ولا تكن مجادلًا عن الخائنين، فينتصروا على البرءَاءِ.
стр. 921
١٠٦ - ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾:
واستغفر الله للمذنبين من أُمتك، فلعل الله أَن يغفر لهم - فإِنه واسع المغفرة، كثير الرحمة يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات.
١٠٧ - ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ … ﴾ الآية.
أي: تدافع عن الذين يخونون أَنفسهم؛ بارتكابهم المعاصي والآثام، وادعائهم للبراءة منها؛ كذبًا وزورا.
والمقصود بهم هنا: بنو أُبيرق، الذين نزلت فيهم الآية (١)، ومَنْ على شاكلتهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾:
أي: لا يرضى عمن يكثرون من الخيانة والإِثم. بارتكاب المعاصي وانتهاك محارم الله، واتهام غيرهم بها بهتانًا وزورا.
١٠٨ - ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ … ﴾ الآية.
المعنى: يستترون من الناس، مخافة أَن يظهروا أَمامهم بالإِثم ويُعْرَفوا به، ويلامُوا عليه. ولا يستحيُون من الله: حين يبيتون ما لا يرضى من القول: عن اتهام البريء، والحلف الكاذب. وشهادة الزور. وذلك حين عزموا على اتهام من لا يدين بالإِسلام، وتبرئة المسلم، ودبروا ذلك، مع أَنه تعالى معهم بعلمه: يعرف أَسرارهم، ويجزيهم عليها، فهو أحق بأن يُسْتَحيَا منه.
والتعبير عن عدم استحيائهم من الله بالاستخفاءِ منه، جرى على أسلوب المشاكلة للعبارة السابقة المتعلقة بالبشر. وهو أسلوب بلاغي معروف.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾:
أي: وكان الله - بجميع أَعمالهم - عليمًا شامل العلم. فلا تخفى عليه خلجات نفوسهم، وخفايا أَسرارهم. وسوف يجازيهم على أَعمالهم.
стр. 922
١٠٩ - ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا … ﴾ الآية.
خطاب للمدافعين عن طعمة بن أُبيرق ومن شاركه في جريمته. ﴿جَادَلْتُمْ﴾: دافعتم ﴿عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: محاولين تبرئتهم مما اتهموا به عن خيانة، حتى لا تطبَّقَ عليهم عقوبةٌ، ولا يُلْصَق بهم عار، واتهمتم بريئا لم يجن شيئًا.
﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ليدفع عنهم، يوم لا يكتمون الله حديثا، وتشهد عليهم ألسنتُهم وأَيديهم وأَرجلهم - وجميع جوارحهم - بما عملوا في الدنيا.
﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾: بل من يكون وكيلا عليهم. يتحمل تبعاتِ جرائمهم.
والمعنى: لا أَحد يقول بأمرهم إذا أَخذهم الله بعذابه.
والمراد: بيان أَنهم أن استطاعوا خداع الحكام في الدنيا، فإنهم لن يستطيعوا أن يخدعوا الله، ولا أَن يُفْلِتوا من عقابه يوم القيامة.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾.
стр. 923
المفردات:
﴿بُهْتَانًا﴾: البهتان؛ أَفحش الكذب.
﴿خَطِيئَةً﴾: صغيرة.
﴿إِثْمًا﴾: أي كبيرة.
التفسير
١١٠ - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾:
خلال الحديث عن أصول العدالة والمسئولية الفردية، يشير القرآن الكريم، إِلى المبدإِ الإِسلامي الذي يساير الحق والمنطق. وهو: أَن خطيئة البشر ليست لعنة أَبدية. وإنما هي كبوةٌ يمكن بعدها الاعتدال على طريق الاستقامة: بطلب المغفرة ممن يملكها وهو الله ﷻ ولا يملكها غيره، مهما كان وضعه بين البشر، ولو كان نبيا مرسلًا؛ لأَنه بحكم بشريته - لا يملك أَمر نفسه مع الله، فمن باب أولى لا يملك لغيره مع الله شيئًا، وفاقد الشيءِ لا يعطيه.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾: أي أَمرا قبيحا يسوءُ به غيره كما فعل طعمة باليهودي (١).
﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾: بما يفعله من الذنوب التي يغضب بها الله، ويستحق بسببها عقابه، ولم يحاول أَن يقي نفسه ذلك فيظلمها باقترافه.
﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾: بالتوبة الصادقة، والرجوع إِلى طاعته .
﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾: لما استغفره منه؛ كائنا ما كان الإِثم المرتكب.
﴿رَحِيمًا﴾: متفضلا عليه بقبول التوبة، واستفتاح صفحة نقية لأَعماله. وباب التوبة مفتوح، وما على المذنب إِلا أَن يتوجه إلى ربه وحده بالتوبة، دون وساطة أَو قربان.
فالتوبة في الإِسلام، اتجاه مباشر إِلى الله وحده. فإِنه هو الغفور الرحيم.
стр. 924
١١١ - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ … ﴾ الآية.
ومن يقترف ذنبا، فإِنما يعود جزاؤُه على نفسه، لا يتعداه … فليحترز عن تعريضها للعقوبة والوبال.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾: بكل شيءٍ، ومنه اكتساب الآثام.
﴿حَكِيمًا﴾: فيما شرع من أحكام، وقرر من مباديء. ومنها مبدأ المسئولية الفردية، والتبعة الشخصية.
١١٢ - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾:
أي: ومن يقترف صغيرة أَو كبيرة من المعاصي، ثم يتهم بها بريئًا فقد احتمل - بما فعله - إثم هذا الكذب الذي افتراه على غيره وَبهَتهُ به، وهو منه بريء.
١١٣ - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ … ﴾ الآية.
في هذه الآية الكريمة. يمتن الله على رسوله ﷺ بأَنه تفضل عليه، فأَخبره بما كان من هؤُلاءِ من التآمر على الحق؛ لكيلا يفلت الجاني الحقيقي من العقاب.
والمعنى: ولولا فضل الله عليك ورحمته، بإِعلامك - عن طريق الوحي - بما دبروه، لهمت طائفة - من أُولئك الذين اختانوا أَنفسهم - أَن يضلوك عن الحق: بتصويره على غير وجهه، وهم - بعملهم هذا - لا يضلون إِلا أَنفسهم. إِذ يبعدونها عن المنهج القويم من قول الحق ولو على النفس …
وما يعود ضرر ذلك إِلا على أنفسهم بتوريطها في الذنوب التي ارتكبوها. وما يضرونك بشيء. فالإِثم على من عصى الله. والقاضي إِنما يحكم بالظاهر. والله يتولى السرائر. فلو حكم بغير الحقيقة - وفق ما ظهر له من الأَدلة - فلا إِثم عليه، بل على المدعي والشهود الكاذبين.
روى البخاري أَن رسول الله ﷺ قال لخصمين اختصما لديه: "إِنما أَنَا بَشَرٌ مِثْلكُمْ. وإِنَّكُمْ تَخْتَصِمَونَ إِلَيَّ … " (١).
стр. 925
وأَنزل الله عليك القرآن الجامع بين الحق والحكمة، أَو أَنزل عليك القرآن والسنة، وعلمك ما لم تعلمه من العلوم والمعارف الربانية.
﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾: لا تحويه عبارة ولا تحيط به إِشارة.
ومن ذلك النبوة والرسالة، وإِرشادك إِلى أَخْطاءِ المخطئين.
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾.
المفردات:
﴿نَجْوَاهُمْ﴾: النجوى؛ المسارَّة بالحديث بين اثنين فأَكثر. قاله الزجاج. وعرفها بعضهم: بالحديث الذي ينفرد به اثنان فأَكثر، سِرًّا أو جهرًا. وعلى كلٍّ، فضمير (نجواهم) للناس عامة؛ لأن الحكم عام.
﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾: هو ما عُرِف حسنُه شرعا أَو عرفا، فينتظم أَصنافَ البرّ والخير.
﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾: طلبًا لرضاه.
﴿يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾: يخالفه بما أمر به، أَو نهى عنه.
﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾: حقيقة معنى ﴿نُوَلِّهِ﴾: نجعله واليًا، يقال: تولاه. بمعنى تقلده واضطلع به، وولاه غيره. جله واليا، ومضطلعًا بالأمر.
والمعنى المقصود: هو أن توفيق الله تعالى - يتخلى عنه.
стр. 926
التفسير
١١٤ - ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ … ﴾ الآية.
لما بين الله تعالى - قبل هذه الآية - أنه أَنزل على رسوله ﷺ ، الكتاب والحكمة، وعلَّمه ما لم يكن يعلم: أَتبعه ذكرَ بعضِ ما أَنزله عليه من الكتاب والحكمة مما يدعم أَواصر المحبة بين الناس، ويقضي على أَسباب النزاع بينهم. كما أَن فيه ردًّا على مَن كان يحرض رسول الله ﷺ ، على أَن يقضيَ لصالِحِ من سَرَق الدرع وخبأَها عند اليهودي، فيبرئه ويقضي على اليهودي!!
والمعنى: لا خير في أَحاديث الناس فيما بينهم، إِلا في حديث مَنْ أَمر بصدقةٍ - واجبةً كانت أَو متطوَّعًا بها، أَو أَمر بما عُرِف حسنُه شرعا أَو عرفا، ولم يعارض قاعدةً شرعية، وتقبلهُ العقول الخالصة من الهوى بالرضاء، أَو أَمر بإصلاح بين الناس، حتى يحُلَّ الوئام محل الخصام.
فهذه الجهات الثلاث، هي التي تكون النجوى - أي الحديث الجانبي فيها - خيرا مشروعا مثابا عليه.
أَما الأَحاديث الجانبية التي يتآمر فيها المتآمرون على الإِضرار بعباد الله، أَو يتناجى فيها المتناجون بالمعاصي والهذيان، فلا خير فيها ولا ثواب عليها، بل يعاقب عليها، لأنها كانت في معصية الله تعالى.
فإنما يثاب الإِنسان على المعروف، إِذا ترك الامتنان والإِعجاب به، ولا يتم المعروف - كما قال ابن عباس ﵄: - "إِلا بثلاث: تعجيلِه، وتصغيرِه، وسترِه. فإذا عجّلته هنأته (١)، وإِذا صغّرته عظمته، وإِذا سترته أَتممته".
وقد دعت الآية الكريمة إلى فضيلة الإِصلاح بين الناس، وجعلتها خيرا مثابا عليه، لما لها من الأَثر العظيم فيهم، حيث تُحِلُّ الوئامَ محل الخصام، والراحةَ النفسية محل القلق، والتفكيرَ في الخير مكان التفكير في الشر، فيسودُ الأمن والسلام.
стр. 927
وقد أباح الإِسلام الكذب الأَبيض في سبيل الإِصلاح، مع أَن الكذب - بصفة عامة - حرام، لأَن هذا كذب غير ضار بأَحد. وهو مؤَدٍّ إلى مصلحة مؤَكدة، كأَن تقول لِكِلا الخصمين عن صاحبه: سمعته يثنى عليك ويصفك بطيب النية، وحسن الطوية والمروءَة، ونحو ذلك مما يلين قلب الخصم نحو أخيه. في حين أَنك لم تسمع ذلك منه.
وفي ذلك يروى حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه - أم كلثوم بنت عقبة - أَنها أخبرته أَنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس الكذاب الذي يصلحُ بين الناس، فينمي خيرا أَو يقول خيرًا - وقالت: لم أَسمعه يرخص في شئٍ مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب، والإِصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأَته، وحديث المرأَة زوجها" (١).
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾:
أي: ومن يَتناجَ ويتحدث مع غيره - في خَلوة - بالصدقة والمعروف والإِصلاح بين الناس، ويرشده إِليها وينصحه بها - فسوف يعطيه الله على ذلك ثوابا جزيلا: يناسب عظمة المنعم.
وإِذا كان هذا ثواب التناجي بها، والإِرشاد إليها، فثواب فعلها أعظم.
أَما أَن يأمر بها الإنسان ولا يفعلها، فذلك جرمه عظيم، ووعيده شديد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢).
١١٥ - ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾:
المعنى: ومن يخالف الرسول فيما أَمَر به عن الله تعالى أو نَهَى عنه، ويتبع غير طريق المؤْمنين في عقيدته أَو عمله، بأَن يكفر أَو يترك الواجباتِ، أو يفعل المنهياتِ - مِن بعد ما ظهر له ما يهديه من أَدلة اليقين واحكمام الدين - نتركْهُ وما تولاه وانصرف إليه،
стр. 928
وقام به من الكفر والمعاصي .. فلا نلطف به لصرف قواه إِليه، وعدم مراجعته نفسه فيه، وندخله جهنم فيخلد فيها إن كان كافرًا، ويعاقب فيها على قدر معصيته إِن كان عاصيا .. وقبُحَت جهنم مصيرا.
فلا ينبغي لعاقل أَن يقترف من المعاصي ما يجعلها مصيرا له ومآلا.
الأحكام
استدل الإِمام الشافعي ﵁ بهذه الآية، على أَن الإِجماع من أَهل الحق حجة.
فعن المزني أَنه قال: "كنت عند الشافعي يوما، فجاءَه شيخ عليه لباس صوف وبيده عصا، فلما رآه ذا مهابة: استوى جالسا، وكان مستندا إلى الأَسطوانة (١) وسوّى ثيابه: فقال الشيخ: ما الحجة في دين الله تعالى؟ قال الشافعي: كتابه. قال: وماذا؟ قال سنة نبيه ﷺ . قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة. قال: من أَين هذا الأخير؟. أَهو في كتاب الله تعالى؟ فتدبر الشافعي ساعة ساكتا، فقال له الشيخ أجّلتك ثلاثة أَيام بلياليهن، فإِن جئت بآية، وإِلا فاعتزل الناس … فمكث ثلاثة أَيام لا يخرج. وخرج في اليوم الثالث بين الظهر والعصر، وقد تغير لونه، فجاءَه الشيخ وسلم عليه وجلس، وقال: حاجتي: فقال: نعم أَعوذ باللهِ من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى … ﴾ الآية. فدلت الآية على أَن اتباع سبيل المؤمنين فيما يذهبون إِليه من الأَحكام فرض، لورود الوعيد فيمن لم يتبع سبيلهم. قال الشيخ: صدقت وقام وانصرف (٢) ".
والآية لا تفيد الخلود في النار لمن يرتكب المعاصي، بل تفيد عقوبتهم بالصيرورة إِلى النار، وذلك لا يقتضي التأبيد، خلافا لمن زعم ذلك من الخوارج. حيث زعموا أَن مرتكب
стр. 929
الكبيرة كافر خالد في النار، ويحسم دعواهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ … ﴾.
روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ أَنه قال: ما في القرآن آية أَحبُّ إِليّ من هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وفيما يلي نص تفسيرها.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾.
المفردات:
﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾: ما سوى الشرك من المعاصي.
﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: أي بُعدًا عن الحق عظيما.
﴿إِنْ يَدْعُونَ﴾: ما ينادون، أَو ما يعبدون.
﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾: أي معبودات كالإِناث في الضعف، وعدم القدرة على الإِسعاف بالمطلوب.
وفيها معانٍ أُخرى، ستأتي في الشرح بمشيئة الله.
стр. 930
﴿شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾: الشيطان هنا: إِبليس - لعنه الله - والمريد بمعنى التمرد على الطاعة. أو المتمرد للشر. من قولهم: شجرة مرداءُ. وهي التي سقط ورقها.
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾: طرده عن رحمته.
﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾: الاتخاذ، أَخذ الشيء على وجه الاختصاص.
﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾: حظا مقسوما. وسيأتي بيانه في الشرح.
﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾: أي لأُعَلِّلَنَّهم بالأماني الكاذبة.
﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾: الأنعام، الإبل والبقر والغنم والمعز. وغلب استعمالها في الإِبل خاصة. وتبتيك الأنعام: تقطيع آذانها أو شقها. وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية. وسيأتي بيانه.
﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾: صورةً أو صفة، كفَقْإِ عين الفحل. وسيأتي بيانه، وكخصاءِ العبيد، وإتيان الذكور بدل الإِناث.
﴿وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي معبودا وناصرا، متجاوزا الله، وتاركا له.
﴿خُسْرَانًا مُبِينًا﴾: أي خسرانا بينا واضحًا.
﴿إِلَّا غُرُورًا﴾: إلا إِيهاما وغشا وخداعا.
﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: مسقرهم ومرجعهم.
﴿مَحِيصًا﴾: معدلا ومهربا.
التفسير
١١٦ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ … ﴾ الآية.
سبب النزول:
أخرج الثعلبي عن ابن عباس ﵃: أَن شيخا من العرب، جاءَ إِلى رسول الله ﷺ ، فقال: إني شيخ منهمك في الذنوب، إلا أني لم أُشركْ باللهِ تعالى - منذ عَرَفته وآمنتُ به، ولم أتخذ من دونه وليا، ولم أوقع معصية جراءة، وما توهمت - طرفة عين - أني أُعجِزُ الله تعالى هربا، وإني لنادم تائب، .. فما ترى حالي عند الله تعالى -؟ فنزلت.
стр. 931
المعنى: إن الله لايغفر أَن يُشْرِك أحدٌ به غيرَه في العبادة. سواءٌ أَكان هذا الشريك من عوالم السماءِ، أم من عوالم الأرض. فكلها مخلوقاته: تخضع له فيما أَراد، ولا تُعْبَد معه، ولكنه تعالى يغفر ما دون الشرك من السيئات المختلفة، لمن يشاءُ من عباده المؤمنين، حسبما تقتضيه حكمته في العفو.
والتوبة أرجى في الغفران مِنْ تَرْكِها … والحسناتُ يذهبن السيئات.
والمقصود من الشرك باللهِ: الكفر به مطلقا. فيشمل نسبة الوالد أَو الصاحبة إليه ، وإنكار وجوده. كأولئك الذين يؤمنون بأَن الطبيعة هي التي أَوجدتهم: قَاتَلَهُمُ الله أنى يُصْرَفُون!!
وإِنما ذكر الشرك في الآية؛ لأنه كان الاعتقادَ السائد في الجزيرة العربية، التي نشأت فيها الدعوة الإِسلامية.
وقد جاء تعميم هذا الحكم لكل كافر، في نحو قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ (١) وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (٢) وقوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ (٣).
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾:
ومن يشرك باللهِ شيئًا من مخلوقاته، أو شيئًا من الشرك، أَو يكفر به بأي وجه، فقد بَعُد عن الحق، وعن العقل بُعدًا سحيقا، على الرغم من وضوح الأدلة الصارفة له عن شركه وكفره.
ثم شرع يقبح هذا الإشراك فقال:
١١٧ - ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾:
المراد من الإِناث: الموتى، كما رواه ابن أَبي طلحة، والضحاك عن ابن عباس ﵄.
стр. 932
ويؤَيده، ما رواه ابن جرير، وابن أَبي حاتم عنه: أَنه قال: الإِناث كل شيء ليس فيه روح، مثل الخشبة اليابسة، والحجر اليابس. فمثل ذلك في حكم الموتى.
وبرأي ابن عباس. قال الحسن ﵁.
ورأَى آخرون: أَن إِطلاق الإِناث على معبودات المشركين، لضعفها وعدم نصرتها لهم، كما هو شأن الإِناث، لأَن العرب كانت تطلق الُأنثى: على ما ضعُفَت منزلته، أَو قلتْ فائدته. وكانت نساؤُهم لديهم من هذا القبيل.
وقال آخرون: إِن إِطلاق الأنثى على الوثن … لأَن ذلك كان تعبير العرب عنه. فقد رُوِيَ أَن كل حي من أَحياء العرب كان لهم صنم يعبدونه. وكانوا يقولون: أنثى بني فلان لأَنهم كانوا يزينونها بالحلي، كما تزين النساءُ.
والرأيان الأَولان أَجدر بالقبول، فإن المقصود، هو ذم هذه الأَوثان من جهة ضعفها عن جلب المنافع أَو دفع المضار، لا من جهة الأُنوثة.
والمعنى: ما يعبدون - أَو ما ينادون لحوائجهم - إِلا آلهة تشبه الأَموات أَو الإِناث، في ضعفها وعدم استجابتها لحاجة عابدها أَو داعيها - وما يعبدون أَو ما ينادون في الواقع إِلا شيطانا شريرًا. عاتيا متمردا، خارجا عن الطاعة. وهو إِبليس فهو الذي زَيَّنَ لهم دعاءها وعبادتها فأَطاعوه، فكانت طاعتهم له عبادة.
١١٨ - ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾:
المعنى: طرده الله عن جنته وعن رحمته، لتمرده. واستكباره عن طاعة ربه. حين أَمره بالسجود لآدم، إعظاما لخلق الله إياه. ثم وسوس له بمختلِفِ أَلوانِ الإِغراءِ: حتى عَصَى الله، فأَكل من الشجرة التي حرَّمها عليه. ولذلك أَخرج الله إِبليس من الجنة مذموما مدحورا، محروما من رحمة الله في عاجله وآجله.
وبعد أَن أنزل الله به لعنته وطرده، قال يخاطب الله تعالى: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ يريد: توكيد استيلائه - بالوسوسة - على إرادة أَبناءِ آدم عدوه، حتى يسخرها في سبيل الغوَاية والفساد عقيدة وعملًا، حتى كأنهم نصيبٌ مفروض
стр. 933
مقسوم له: يفعل فيه ما يشاءُ .. وكأَن هذا اللعين ظن أَمرهم سيصير إِلى ذلك، بسبب استجابة أَبيهم آدم لإِغوائه في لحظة ضعف. فهم من طينة أَبيهم.
ومما يؤسف له، أَن هذا اللعين، صدَّق عليهمِ ظَنَّه: كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
١١٩ - ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ … ﴾ الآية.
المعنى: يؤَكد الشيطان اللعين، توكيدا بعد توكيد أَنه سيُضِل عباد الله عن الحق، وأَنه سيُمَنِّيهِم بالأَماني الباطلة، كعدم البعث، وعدم الحساب والعقاب. وما يوسوس به إِليهم من الكفر والمعاصي، كإِيهامهم أَن الديانات باطلةٌ، وما جاءَت به من الوعيد والجزاءِ باطل، وأَنها من صنع الذين جاءوا بها.
ويؤكد الشيطان أَنه سيأمرهم بتبكيت آذان الأَنعام فيطيعون أَمره … وتبكيتُ آذانِها: تقطيعُها أَو شَقُّها. وقد حققوا ظنه، فقد أَمرهم بذلك ففعلوا. إِذ كانوا يقطعونها أَو يشقونها زاعمين - كما وسوس لهم - أَن ذلك يرضي أوثانهم.
فقد كانوا في الجاهلية يقطعون آذان الناقة إِذا ولدت خمسة أَبطن خامسها ذكر، ويحرمون ركوبها والحمل عليها، سائر وجوه الانتفاع بها.
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾:
أي: ولآمرنهم بتغيير خلق الله فَيستجيبون ويغيرونه، كما في خَصْيهِم للعبيد، وكالوشم، وترجل النساءِ، وتخنس الرجال، وإِتيان الذكور كما تؤتى الإِناث، وفقء عين الفحل من الإبل، إِذا أدرك نتاجَ نتاجه، أي إِذا عاش إِلى أَن رأَى ولد ولده. ويقال له حينئذ: الحامي. ونحو ذلك من تغيير خلق الله.
وقد اختلف العلماءُ في خصاءِ البهائم، فرخص فيه جماعة إِذا قصدت فيه المنفعة.
وجمهور العلماءِ على جواز الأضحية من الأَنعام المخصية، فإِن الخصاء يطيب اللحم.
ورخص عمر بن عبد العزيز، في خصاء الخيل … وخَصَى عروة بن الزبير بَغْلًا له.
стр. 934
وإِنما جاز ذلك؛ لأَنه لم يُقصد به التقرب إلى الأَصنام، بل قصِد به تطيِيب اللحم فيما يؤْكل، وتقوية الذكر إذا انقطع أَمله عن الأنثى.
وكرهه بعضهم.
وقال الأَوزاعي: كانوا يكرهون خصاءَ كل شئٍ له نسل. واختاره ابن المنذر.
وقال: فيه حديثان؛ أَحدهما: عن ابن عمر " أن النبي ﷺ نهى عن خِصاءِ الغنم والبقر والإِبل والخيل". والآخر: "نهى عن صبر الحيوان (١) وخصاء البهائم".
قال القرطبي: والذي في الموطإِ من هذا الباب، ما ذكره عن نافع، عن ابن عمر: "أَنه كان يكره الإخصاءَ (٢). ويقول: فيه تمام الخَلْقِ".
قال أَبو عمر: يعني في ترك الإِخصاءِ تمام الخلق. وروى: (نماءُ الخَلْقِ) ثم ذكر القرطبى حديثا عن نافع عن ابن عمر قال " كان رسول الله ﷺ يقول: لا تخصوا ما ينمى خلق الله (٣) ".
وأما خصاءُ الآدمي فحرام؛ لأَنه يقطع قوته ونسله، الذي به بقاءُ الجنس البشري.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (٤). ولأن فيه مُثْلَةً. والنبي ﷺ نهى عنها.
وخُصَّ من تغيير خلق الله أمورٌ مأذونٌ فيها من السنَّة: كالختان ووسم البهائم لحاجة.
والوَسْمُ: هو كَيُّ البهائم بمكواة يسمونها الميسم.
جاءَ في صحيح مسلم عن أَنس قال: "رأَيت في يد رسول الله ﷺ الميسَم وهو يَسِمُ إبل الصدقة والفيء، وغير ذلك. حتى يَعْرِفَ كلَّ مال فيؤَديَ فيه حقه، ولا يتجاوزَ به إِلى غيره".
كما استثنى منه الخضاب بالحناء. إلى غير ذلك مما هو مبسوط في الموسوعات.
ويرى بعض العلماءِ: أَن المراد من: "تغيير خلق الله، هو تحويله عن وجهه الذي خلقه الله لأجله، فالشمس والقمر والنجوم والنار والأَحجار، خلقت للاعتبار بآياتها والانتفاع بفوائدها، فغيَّرَها الكفار، فجعلوها آلهة معبودة.
стр. 935
والأنعامُ خُلِقَتْ لِتُركب وتُؤْكَل. فحرَّموها على أنفسهم .. وكل ذلك باتباع الشيطان.
﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾:
ومن يجعل الشيطان صاحبا يتبعه وينقاد له، متجاوزا أوامر الله تعالى، بإيثار ما يدعو إليه الشيطان عام ما يأمر به الله، والاغترار بوعوده، فقد خسر خسرانا بينا واضحًا.
وأي خسران أظهر وأَبين، من خسران مَنْ صادَق عدو الله وعدوه وعادى مولاه المنعم، واستخف بغضبه وعذابه؟.
١٢٠ - ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾:
المعنى: يعد الشيطان عباد الله على معصيته أحلى الوعود المكذوبة، ويمنيهم بأحلى الأماني الباطلة. وما يعدهم الشيطان ولا يمنيهم إِلا غرورا وإيهاما، وغشًّا وخداعا، فوعوده كاذبة، وأمانيه فارغة.
وتلك الوعود يلقيها الشيطان إما بالخواطر النفسية المخالفة لشرائع الله، أو بلسان أَوليائه.
١٢١ - ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾:
المعنى: أولئك الذين يتخذون الشيطان وليا من دون الله، ويصدقون وعوده وأمانيه وغروره، مآلهم ومستقرهم جهنم، ولا يجدون عنها معدلا ومهربا ينجيهم من عذابها.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾.
المفردات:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: مقيمين في الجنة دائمًا لا يبرحونها.
﴿قِيلًا﴾: أي قولا.
стр. 936
التفسير
١٢٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ … ﴾ الآية.
لَمَّا بيَّن الله تعالى في الآيات السابقة سوءَ مصير مَن يتخذ الشيطان وليا من دون الله، أَتبعه بيانَ حسنِ مصيرِ مَنْ يتخذ الله وليا.
وبضدها تتميز الأشياءُ.
والمعنى:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: باللهِ ورسوله، وبما جاءَ به عن ربه.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ التي جاءَ بها القرآن العظيم، أَو بيَّنها الرسولُ الكريم.
﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: ينعمون فيها بما لا عين رأَت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: لا يبرحونها ولا يتحولون عنها، وخلودهم فيها بلا موت، ونعيمهم فيها بلا فوت.
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾: لا خلف فيه. ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (١) وذلك على العكس من وعود الشيطان الكاذبة، وأمانيه الفارغة، فكلها غرور وأَباطيل، وغش وخداع. فهو لا يملك من ملك الله فتيلا، ولا يستطيع أَن يحقق من وعوده نقيرا ولا قطميرا، فلا ينبغي لعاقل أَن يغتر بوساوسه، حتى لا يندم حين لا ينفع الندم.
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾:
ومن أَصدق من الله قولًا ووعدا؟! فهو الذي إِذا قال صدق، وإِذا وعد وفى، فعنده خزائن السموات والأَرض. يقول للشيء كن فيكون. فليس أَصدق منه قولًا.
стр. 937
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾.
المفردات:
﴿بِأَمَانِيِّكُمْ﴾: الأَماني، جمع أمنية. وخلاصة ما قاله الراغب في معناها: أَنها هي الصورة الحاصلة في النفس، المترتبةُ على التمني. أَما التمني: فهو الرغبة الشديدة في شيءٍ يقدره الشخص في نفسه.
﴿وَلِيًّا﴾: أَحدا يَلِي أَمر الدفاع عنه بالقول.
﴿وَلَا نَصِيرًا﴾: ينصره ويمنعه بالقوة من العقاب.
﴿نَقِيرًا﴾: النقير هو النقرة في ظهر النواة. وهو مثل يضرب للقلة والحقارة.
﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾: الوجه هنا. مجاز عن الذات أي: أَخلص ذاته ونفسه لله.
﴿حَنِيفًا﴾: مائلا عن الأَديان الباطلة.
﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾: الخليل - كما قال الزجاج -: هو من ليس في محبته خلل .. أ. هـ. فمعنى اتخاذ الله إبراهيم خليلا: أَنه تعالى، أَحبه حبًّا تامًّا لا نقص فيه، واصطفاه اصطفاءً كاملا.
﴿مُحِيطًا﴾: عليما شامل العلم.
стр. 938
التفسير
١٢٣ - ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ … ﴾ الآية.
لما بيّن الله سوءَ مصير من اغتر بوعود الشيطان وأَمانيه الكاذبة، وعقبه بذكر حسن مصير المؤمنين الصالحين، أَتبع ذلك بيان أَن الأَمر - بعد الموت - لا يكون بالتمني من هؤُلاء وأولئك، بل يكون بالعمل الصالح، فإن الآخرة هي دار الجزاء … والجزاءُ من جنس العمل. قمن يعمل سوءًا يجز به سوءًا، ومن يعمل خيرا يجز به خيرا. ولا يظلم ربك أَحدا.
سبب النزول:
أَخرج ابن جرير وابن أَبي حاتم، عن السدى، قال: التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى فقال اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم. ونحن على دين إبراهيم، ولن يدخل الجنة إِلا من كان هودا وقالت النصارى: مثل ذلك. فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم. ونبينا ﷺ بعد نبيكم، وديننا بعد دينكم. وقد أمرتم أَن تتبعونا وتتركوا أَمركم. فنحن خير منكم، ونحن على دين إِبراهيم وإِسماعيل وإِسحق. ولن يدخل الجنة إِلا من كان على ديننا فأَنزل الله ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ … ﴾ الآية.
وقال القرطبي: مِن أَحسن ما قيل في سبب نزولها، ما رواه الحكم بن أبَان، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: قال اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان منا، وقالت قريش: ليس نبعث فأَنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ … ﴾ الآية.
وليس هناك ما يمنع نزول الآية للسببين، فحكمهما عام: للمسلمين وأهل الكتاب والمشركين ومن في حكمهم من سائر الكافرين. كما سيتضح في الكلام على المعنى.
والمعنى: ليس الفوز بدخول الجنة والتقلب في نعيمها الذي وعده الله الصالحين، حاصلا بأَمانيكم - أَيها المسلمون - ولا بأَماني أَهل الكتاب، فإِن الأَماني - وحدها - لا تحقق هذه الغاية العظيمة. وإِنما يحققها - مع الإِيمان - العمل الصالح. أَما العمل النافع وحده فلا يحققها؛ لخلوه من قصد وجه الله تعالى، وهذا يستلزم الإِيمان. كما أَن عدم البعث ليس بأماني من
стр. 939
أَنكروا البعث، فإنه حاصل، وسيجزى بعده الناس على أَعمالهم: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١) ولذا قال الله بعده:
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾:
من يعمل عملا سيئا، سواءٌ أكان من كسب القلوب كالكفر والحقد والحسد، وسوءِ الظن بالمسلمين، أَم كان عن كسب الجوارح كالقتل والسرقة وأَكل مال اليتيم، والتطفيف في الكيل والميزان - يعاقبه الله عليه بما يسوءُه، ولا يجد له أَحدا ينقذه منه. مِن وليٍّ يدافع عنه بالقول والشفاعة، أَو نصير ينصره بالقوة … فالكل مَقْهور لله الواحد القهار.
ولما نزلت هذه الآية، كان لها أَثر شديد في نفوس المؤمنين.
يصوره ما أَخرجه الترمذي وغيره، عن أَبي بكر ﵁ أَنه قال للرسول ﷺ بعد أَن سمعها: "بِأَبي أَنتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، وَأيُّنَا لَم يَعْمَلْ سُوءًا، وَإِنّاَ لمَجزِيُّونَ بكل سُوءٍ عَمِلْنَاه" وما أَخرجه الإِمام مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: "لما نزلت هذه الآية، شق ذلك على المسلمين، وبلغت منهم ما شاءَ الله تعالى - فشكوا ذاَك إِلى رسول الله ﷺ . فقال: سَدِّدوا وقَارِبُوا، فَإنَّ كُلَّ مَا أَصابَ المسلِمَ كَفَّارةٌ، حتى الشوكةَ يُشاكُهَا، والنَّكْبةَ يُنكبُهَا".
ومن هذا الحديث، نفهم أَن الله تعالى، يكفر الخطايا بالبلايا - صغرت أَم كبرت - والأَحاديث الواردة في هذا كثيرة.
ولهذا أَجمع العلماءُ، على أَن مصائبَ الدنيا وهمومَها - وإِن قلت مشقتها - تكفَّرُ بها الخطايا، إِذا صبر صاحبها.
والأَكثرون على أَنها تُرفَع بها الدرجات، وتكَفَّر بها السيئات.
وهو الصحيح المعول عليه.
ومما صح في ذلك، عن رسول الله ﷺ أَنه قال: "ما من مُسلِمٍ يُشَاك شَوْكَةً فما فَوقَها إِلا كُتِبتْ له بها دَرَجَةٌ، ومُحِيتْ عَنْه بِها سَيِّئَةٌ". أَورده الآلوسي.
стр. 940
١٢٤ - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾:
المعنى: ومن يعمل شيئا من الأَعمال الصالحات - من الذكور أَو الإِناث - في حال إِيمانه فأولئك المؤمنون الصالحون يدخلون الجنة، جزاءَ إيمانهم وعملهم الصالح، ولا ينقصون شيئًا من الثواب على أَي عمل، ولو كان مشبها للنقير في القلة.
وكما أنه لا ينقص من ثواب المطيع، لا يزاد في عقاب العاصي. فعدالة الله واحدة.
بل العاصي أَولى بذلك؛ لأَن الأَذى بزيادة العقاب، أَشد من انقاص الثواب. فإِذا لم يرض الله - سبحانه - بنقص الثواب، فإنه لا يرضى بزيادة العقاب بالأَولى - فهو الرحمن الرحيم العادل الكريم.
وإنما فصلت الآية فقالت: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: مع شمول ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾: لهما جميعًا. لئلا يتوهم متوهم خصوص هذا الحكم بالذكور، وإن كان هذا الوهم ضعيف البنيان، ولأَن فيه اعتبارًا للمرأَة التي كانوا ينتقصون حقها في الجاهلية. والنقير كما تقدم في المفردات: نقرة في ظهر النواة. يضرب بها المثل في أدنى الأُمور وأَصغرها.
١٢٥ - ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ … ﴾ الآية.
الاستفهام في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ بمعنى: النفي الإنكاري.
والمعنى: لا يوجد أحسن - في الدين - ممن أَخلص نفسه وذاته لله، فلم يعرف لها ربًّا سواه، ولم يتوجه بوجهه لغيره سبحانه، ولم يخضع في سجوده إِلا له : يفعل ذلك كله وهو محسن في عمله، بأَلا يترك واجبًا، ولا يفعل محرمًا.
﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾:
المراد من اتباع ملة إبراهيم: اتباع ملة الإسلام، فإنما هو ملة إِبراهيم ﵇ في العقائد وأصول الأحكام. فمن اتبعها فهو متبع للإسلام الذي جاءَت به ملة إبراهيم. ومن اتبع سواها فليس له من اتباع ملة إبراهيم نصيب، فقد حاد عنها أَهل الكتاب بما بدلوا وغيَّروا من أصول شريعته الموجودة في شرائع الأنبياءِ المرسلين: قبله وبعده، كما حاد عنها المشركون.
стр. 941
وأَشدُّ ما حاد عنه أَهل الكتاب، تنزيه الله عن الصاحبة والولد والشريك. فقد جعلوا له صاحبة وولدا، وأَشركوه معه في التقديس، كما أَشرك به المشركون أَنصابهم وسائر آلهتهم فأَي فارق بينهم وبين المشركين في ذلك؟! وكفروا بعصمة الرسل، وأَلصقوا بهم أَحقَرَ التُّهَم، وحرَّموا ما أَحل الله، وأَحلوا ما حرم، وغيروا وبدلوا في كتبهم، ما شاءَ لهم هواهم ..
وإِذا كان أَمرهم وأَمر المشركين كذلك، فلا تغنيهم - جميعًا - دعواهم أَنهم على ملة إبراهيم، فإِن ملته - عليه وعلى نبينا أَفضل الصلاة والسلام - لا تقرهم على هذه المآثم وسواها فهو حنيف. أي مائل الباطل، مقرٌّ للحق الذي جاءَ به النبي ﷺ تصحيحا للعقائد وأصول الأَحكام الشرعية، وإعادةً بها إلى دين إِبراهيم الذي حرفه هؤُلاء وأولائك.
وإنما قلنا: إِن العقائد وأصول الأَحكام مشتركة بين شرائع المرسلين دون فروع الأحكام، لأَن هذه الفروع، لابد من اختلافها في الصورة والعدد والمواقيت وغير ذلك. مما يناسب الأمة والعصر الذي بعثوا إليها فيه.
وفي ذلك يقول الله - تعالى -: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١).
﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾:
أي أَحب الله إبراهيم حبا كاملًا، لا خلل فيه ينقصه عن الكمال.
ويجوز أَن يكون المعنى: أَنه تعالى خصه بكرامة تشبه كرامة الخليل لخليله.
والسبب في اتخاذ إبراهيم خليلا، ما أَظهره من الفقر والحاجة إلى الله تعالى - في شدته ورخائه، وانقطاعه إليه، وعدم التفاته إِلى سواه في محنته. فقد آثر عقيدته - في ربه - على نجاته من النار، التي أراد قومه إِلقاءَه فيها. بسبب توحيده. وعادى - من أَجل ذلك - أَباه، وهَمَّ بذبح ولده الوحيد، امتثالا لأَمر مولاه.
وليس في الآية ما يفيد قصر الخُلَّةِ على إبراهيم ﵇ فقد اتخذ الله نبينا محمدًا ﷺ خليلًا أَيضا.
стр. 942
ومما يدل على ذلك، ما رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود: أَن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ كُنتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذت أَبَا بِكْرٍ خَلِيلًا. وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ اللهُ صاحَبكُمْ خَلِيلًا" والمراد بصاحبهم، هو نبينا محمَّد ﷺ .
وقد بلغ نبينا في الخلة أَعلى درجاتها. حتى كان سيد ولد آدم يوم القيامة.
وفي ذلك يقول النبي ﷺ : "أَنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ. وَبِيَدِي لِوَاءُ: الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ. وَمَا مِنْ نبِيٍّ يَوْمَئِذٍ - آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ - إلَّا تَحْتَ لِوَائي. وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّل مُشَفَّعٍ. ولَا فَخر" (١).
١٢٦ - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾:
هذه جملة مستأْنفة؛ لبيان أَن اتخاذه لإبراهيم خليلًا، ليس لاحتياجه إلى خلته في شأن من شئونه، بل ذلك لتكريمه وتشريفه.
والمعنى: ولله ملك السموات والأَرض وما فيهن: له كل ذلك خلقا وملكًا. وتدبيرا وتصرفا، ليس له في ذلك شريك أَو معين .. وكان الله بكل شيء موجود - أَو سيوجد في هذا العالم - محيطا إِحاطة علم وتدبير. لا تغيب عن علمه ذرة في ذاتها وأحوالها وما ينبغي لها وما ليس في مصلحتها. ومن كان كذلك. لا يغيب عن علمه سيءٌ ولا محسن. فيجزي كلاًّ بما كسبت يداه.
стр. 943
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾.
المفردات:
﴿الْكِتَابِ﴾: القرآن.
﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾: اللائي لا حول لهن.
﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: تطمعون في ما لهن من الميراث والصداق، فتتزوجونهن لذلك، أو تمنعونهن من الزواج ويعضلونهن لذلك.
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾: الأطفال اليتامى.
﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل.
التفسير
١٢٧ - ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ … ﴾ الآية.
الربط: في هذه الآية - وما تلاها - رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساءِ واليتامى.
وكان المسلمون قد بقيت لهم أحكام، سبق لهم السؤَال عنها، فلم يجبهم الرسول ﷺ انتظارا للوحي.
روى أشهب عن مالك ﵄، قال: كان النبي ﷺ يُسْألُ فلا يجيب، حتى ينزلَ عليه الوَحْيُّ، وذلك في كتاب الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ … ﴾، ﴿ … وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ (١) … ﴾ و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ (٢) … ﴾، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ (٣) … " أ. هـ.
стр. 944
سبب النزول:
أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جبير، قال: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئًا، فلما نزلت المواريث في سورة النساء، شق ذلك على الناس، وقالوا: أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال، والمرأة التي هي كذلك، فيرثان كما يرث الرجل؟! فَرَجَوْا أَن يأتي في ذلك حَدَثٌ من السماءِ. فانتظروا، فلما رأَوا أنه لا يأتي حدث قالوا: لئن تم هذا، إنه لواجب ما عنه بُدٌّ. ثم قالوا: سَلُوا .. فسألوا رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ورُوِي غير ذلك في سبب النزول ورجح هذا شيخ الإسلام أبو السعود، كما قاله الآلوسي.
ونحن نقول: إن سبب النزول لا يقتضي أنهم لم يسألوا إِلا عما جاء فيه، بل سألوا عن غيره أيضا، ولهذا تضمنت الفتوى جواب سؤَالهم الوارد في سبب النزول، كما تضمنت عدة أحكام، ستأتي في الآيات التالية، تتعلق بأمر النساء.
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾:
المعنى: ويستفتيك المسلمون - يا محمد - في أحكام الإناث، فيطلبون منك بيان ما يُشْكِلُ عليهم من أحكامهن، مما يجب لهن أو عليهن.
﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾:
المعنى: قل الله يفتيكم في حكمهن ويبينه لكم، وكذا ما يتلى في أمرهن، مما سبق نزوله قبل هذه الآية، فهو أيضًا يفتيكم، ويبين لكم الحكم الشرعي الذي تسألون عنه.
والمقصود من الآية الكريمة: أن الله سيفتيكم - مستقبلا - فيما لم ينزل حكمه من شأن النساء، وأن ما سبق نزوله فيهن ويتلى عليكم، تظل الفتيا أيضًا في أمرهن، فيكتمل بالفتاوى - السابقة واللاحقة - أحكامهن المشروعة.
وقد أشار المولى سبحانه بقوله:
﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ … ﴾ الآية: إلى ما سبق في صدر هذه السورة عنهن وعن المستضعفين من الولدان، ابتداءً من قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ … ﴾ الآية. إلى آخر آيتي المواريث.
стр. 945
﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾:
أي: ويفتيكم أيضًا فيما يتلى عليكم في شأن يتامى الإناث، اللاتي لا تؤتونهن أيها الأولياءُ ما كُتِبَ لهن من الميراث والصداق، وقد رغبتم في الزواج بهن، طمعا في الميراث والصداق. فقد أوجب عليكم فيما نزل بشأنهن أَول السورة - أن تقسطوا في شأنهن، بألا تطمعوا في أموالهن الموروثة، وأن تعطوهن من الصداق أَعلى سنتهن، وتعدلوا بينهن وبين ضراتهن: في القسم والنفقة وحسن العشرة …
أو يكون المعنى: وإن أنتم رغبتم عن الزواج بهن، فلا تعضلوهن عن الزواج بغيركم، طمعًا في أَموالهن (١).
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾:
أي: ويفتيكم فيما يتلى عليكم في شأن المستضعفين من الأولاد والصغار اليتامى: ذكورا وإناثًا. فقد أوجب عليكم - فيما سبق - أن تحافظوا على أموالهم، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم، وأفهمكم أن أَكل أموالهم ذنب كبير، وأَوجب عليكم أن تؤدوا أموالهم إليهم عند بلوغهم رشدهم، دون مماطلة.
وبالجملة، فقد أوجب عليكم - هنا، وفيما مر في صدر هذه السورة - أن تقوموا لليتامى بالقسط والعدل، في أمرهم كله. فلا تحاولوا أن تعودوا لما كنتم عليه في الجاهلية، من توريث الرجال الذين يدافعون عن القبيلة وحرمان الصغار والنساء، فذلك جَوْرٌ لا يوافق عليه الإسلام ولا يقره (٢).
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾:
أي: وما تفعلوا - أَيها الأولياءُ - من خير في حقوق من تقدم ذكرهم، فإن الله كان به عليما قبل أن يخلقكم، كما هو عليم به عند فعلكم له، فيجزيكم عليه خير الجزاء.
وإنما اقتصرت الآية على ما يفعلونه من الخير، مع أنه يعلم ما يفعلونه من شر أيضا، ويجازى عليه بمثله، للإِيذان بأن الشر لا ينبغي أن يقع منهم، وتحريضا على فعل الخير والاستدامة عليه.
стр. 946
وتكرار هذه الوصية باليتامى والنِّساء الضعاف - مع ما سبق في أول السورة - لاجتثاث ما عسى أن يكون عالقا بالرجال من أطماع في أموال الضعاف من يتامى النساء والولدان.
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾
المفردات:
﴿خَافَتْ﴾: علمت أو توقعت.
﴿بَعْلِهَا﴾: زوجها.
﴿نُشُوزًا﴾: أي ترفعا (١).
﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾: أي ميلا وعدم اهتمام.
﴿فَلَا جُنَاحَ﴾: فلا حرج ولا إثم.
﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾: أي جُعِلَ الشح حاضرا في الأنفس ملازما لها، والشح: البخل الشديد.
﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾: المرأة المعلقة؛ هي التي ليست مطلقة ولا صاحبة زوج، كما قال ابن عباس ﵁. أَو هي المسجونة. كما قال قتادة ﵁.
﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾: أي يُغْن الله كليهما من غناه الواسع.
стр. 947
التفسير
١٢٨ - ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا … ﴾ الآية.
الربط:
لا تزال الآيات متصلة بشئون النساء.
سبب النزول:
أخرج الحاكم في مستدركه، عن عروة بن الزبير، عن أَبيه، عن عائشة ﵂ أَنها قالت له (١): يابن أختي (٢)، كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا. وكان قَلَّ يومٌ إلا وهو يطوف علينا فَيَدنُوَنَّ من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى من هو يومها، فيبيت عندها. ولقد قالت سودة بنت زمعة - حين أسَنّت - وفَرِقَت أن يفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله، يومي هذا لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ قالت عائشة: ففي ذلك أَنزل الله ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا … ﴾ الآية.
ومثل ذلك رواه أبو داود ﵁.
والمعنى: النشوز والإِعراض يصح أن يوصف كل من الزوجين بهما.
وقد سبق الحديث عن نشوز المرأَة في الآية (٣٤) من هذه السورة.
أما هذه الآية، فقد تحدثت عن نشوز الزوج وإعراضه .. والمقصود من نشوزه، ترفعه عن صحبتها والإِبقاء عليها. والمقصود من إعراضه عنها: عدم اهتمامه بها، وهو أخف - في التباعد عنها - من النشوز.
ولكل منهما أَسبابه، كتقدم الزوجة في السنن، وعقمها، وذبول جمالها، وتغير طباعها، وإهمالها لمنزلها، وتقصيرها في رعاية أولادها، وامتداد يدها إلى مال زوجها، وخروجها من المنزل بغير إذنه تباعا، رغم تحذيره لها من ذلك: إلى غير ذلك من الأسباب التي تأتي من خاصيتها.
стр. 948
وقد يكون نشوز الزوج وإِعراضه عن زوجته بأسباب من غير جهتها، كتأثير ضرة عليه في كراهيتها، أو ظهور امرأَة أخرى لم تكن من قبل في جوهما، فلما تزوجها غيرت مجرى حياتهما، وجرت معها الأمور على غير ما تُشْتَهَى من نشوز أو إعراض.
وكما أَن لكل من النشوز والإِعراض أسبابًا، فإن لكل منهما علاماتٍ وأمارات.
فأمارات النشوز كثيرة، منها: الغلظة والجفاءُ، والضرب، والسب، والتهديد بالطلاق، وأَن يمنعها نفسه ونفقته ومودته. ونحو ذلك.
وأمارات الإِعراض عديدة: كأَن يقلل من محادثتها ومؤَانستها، ويتساهل في تحقيق رغباتها.
والإِعراض يسبق النشوز عادة، فإِذا استمر، أَدَّى إلى النشوز، وإذا استمر النشوز، انتهى إلى الطلاق، كما هو معروف في عادات الناس.
والمراد من خوفها من نشوز الزوج أَو إِعراضه، علمها بذلك، بما بدا لها من أَمارات يقينية أَو توقُّعها إِياه، بما بدا لها من أمارات ظنية.
ولمّا كانت الآية نزلت في شأن امرأَة تخاف نشوز زوجها أو إِعراضه عنها، فذلك يقتضي أنها حريصة على بقائها معه، ويخيفها ما بدا لها منه أَن ينتهى بها إِلى عاقبة لا ترضاها لنفسها، فلذا لم يمنعها الشارع من أَن تتساهل في بعض حقوقها؛ ليتحقق لها ما أَرادته من بقائها معه. فإِنه لا يحب أَن تُحْرَم زوجةٌ من بقائها مع زوجها الذي أحبته، وأَن تفجع بفراقه، وذلك بقوله تعالى:
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾:
أي: فلا إِثم على الزوجة فيما تفعله لإِصلاح ما بينها وبين زوجها، من إِعفائه من صداقها أَو نفقتها أَو بعضهما، أَو من مسكن أَو كسوة، أَو فيما تعطيه من مالها، أَو فيما تنزل له عنه من نصيبها في القسم، ليعطيه لإِحدى ضراتها: لكي يبقى عليها، ولا إِثم على الزوج في قبول ذلك منها، فإِن ذلك لا يعتبر رشوة مؤَثمة لكليهما. حتى يتحرجا منه. بل يعتبر سبيلا إِلى عودة المودة، واستمرار الزوجية بينهما. وذلك
стр. 949
أسمى - في نظر الدين - من تلك الماديات اليسيرة، التي تعينت سبيلا لعودة المودة بينهما.
قال ابن عباس: "فما اصطلحا عليه من شيءٍ فهو جائز" (١).
﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾:
أي: والصلح بينهما، خير من الجفاء والإعراض، فقد ينتهيان - لو لم يكن الصلح - إلى عاقبة بغيضة لديهما، أو لدى أحدهما.
وفيما يلي تفسيرات مأثورة تزيد الآية وضوحا، وتؤَكد الغرض المقصود منها في نفس القاريء:
روى البخاري عن عائشة ﵂، في تفسير الآية أَنها قالت: "الرجلُ تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها فتقول: أجعلكَ من شأني في حل".
وروى الشيخان عنها أنهما قالت: "هو الرجل يكون له المرأَتان: إحداهما قد كبرت أو هي دميمة، وهو لا يستكثر منها فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني".
وروى ابن أبي حاتم، عن أبي عَرْعَرَة، قال: "جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ﵁ فسأله عن قول الله : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قال على - كرم الله وجهه -: يكون الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها، من دمامتها أو كِبَرها، أو سوءِ خُلُقِها أَو قَذَرِها، فتكره فراقه، فإِن وضعت له شيئًا من مهرها حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرَج".
وبمثل هذا، فسرها ابن عباس ومجاهد والشعبي وابن جبير وكثير من السلف والأئمة، رضوان الله عليهم أجمعين.
﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾:
لما رغب الله في الصلح بقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ عقبه بقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾: لبيان العذر في المماكسة والمشاقَّةِ. وهو أن النفس من طبعها الشح والحرص.
стр. 950
والمعنى: وجُعل البُخل والحرص على النفع الذاتي، حاضرًا في الأنفس ملازمًا لها. لا يغيب عنها؛ لأَنه من طبعها، فلذا لا تكاد الزوجة تُفَرِّط في حقوقها عند الزوج. ولا يكاد الزوج يجود بالإِنفاق وحسن المعاشرة لمن لا يريدها.
وإِذا كان ذلك هو ما فطر عليه الناس، فينبغي - لكل من الزوجين - أن يقدر حرص الآخر على مصلحته، فلا يهدرها تماما، فتُرضِي الزوجةُ حرصَ الزوج، بالبذل والتضحية، ويرضى الزوج حرص الزوجة، فلا يقسو عليها في مطالبه.
ثم ندب الله الأزواج إلى الإحسان والتقوي، فقال جل شأنه:
﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾:
أي: وإِن تحسنوا عشرتكم - أَيها الأزواج - مع النساء، وتتقوا النشوز والإِعراض عن الزوجات، وعدم إكراههن على ترك شيءٍ من حقوقهن أو بذل ما يعز عليهن، وذلك بالتسامح واللين، وغض الطرف عما يدعو إلى الجفاء والإِعراض - فإِن الله كان - ولا يزال - بما تعملون من الإِحسان والتقوى خبيرا، فيجازيكم ويحسن ثوابكم.
٢٩ - ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ … ﴾ الآية.
المعنى: ليس في استطاعتكم ومقدرتكم إِقامة العدل التام بين الضرات، بحيث لا يقع منكم أي ميل لإِحداهن أكثر من الأخرى، ولو حرصتم على ذلك وبالغتم فيه، فإِن فُرِضَ أَنكم عدلتم في القسم والنفقة، فقد لا تعدلون في النظر والإِقبال والمؤانسة والحب، وغير ذلك. وتلك مسأَلة جِبِلِّيَّةٌ، لا سلطان للأَزواج عليها، مهما كان مقامهم من الدين.
وأحيانا يكون للمرأة أَثر في جذب الرجل إليها أَكثر من ضرتها؛ لبشاشتها ونظافتها، ومزيد إِخلاصها.
ومع هذا، ينبغي للإِنسان أَلَّا ينساق وراء الأَسباب الداعية إلى الميل، بقدر طاقتهِ وهنا، يعفى عما خرج عن الطوق.
أَخرج أَحمد والترمذي وأَبو داود، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فَيَعْدِلُ. ثم يقول: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فيما