← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وتكرار هذه الوصية باليتامى والنِّساء الضعاف - مع ما سبق في أول السورة - لاجتثاث ما عسى أن يكون عالقا بالرجال من أطماع في أموال الضعاف من يتامى النساء والولدان. ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ المفردات: ﴿خَافَتْ﴾: علمت أو توقعت. ﴿بَعْلِهَا﴾: زوجها. ﴿نُشُوزًا﴾: أي ترفعا (١). ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾: أي ميلا وعدم اهتمام. ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾: فلا حرج ولا إثم. ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾: أي جُعِلَ الشح حاضرا في الأنفس ملازما لها، والشح: البخل الشديد. ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾: المرأة المعلقة؛ هي التي ليست مطلقة ولا صاحبة زوج، كما قال ابن عباس ﵁. أَو هي المسجونة. كما قال قتادة ﵁. ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾: أي يُغْن الله كليهما من غناه الواسع.

стр. 947

التفسير ١٢٨ - ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا … ﴾ الآية. الربط: لا تزال الآيات متصلة بشئون النساء. سبب النزول: أخرج الحاكم في مستدركه، عن عروة بن الزبير، عن أَبيه، عن عائشة ﵂ أَنها قالت له (١): يابن أختي (٢)، كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا. وكان قَلَّ يومٌ إلا وهو يطوف علينا فَيَدنُوَنَّ من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى من هو يومها، فيبيت عندها. ولقد قالت سودة بنت زمعة - حين أسَنّت - وفَرِقَت أن يفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله، يومي هذا لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ قالت عائشة: ففي ذلك أَنزل الله ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا … ﴾ الآية. ومثل ذلك رواه أبو داود ﵁. والمعنى: النشوز والإِعراض يصح أن يوصف كل من الزوجين بهما. وقد سبق الحديث عن نشوز المرأَة في الآية (٣٤) من هذه السورة. أما هذه الآية، فقد تحدثت عن نشوز الزوج وإعراضه .. والمقصود من نشوزه، ترفعه عن صحبتها والإِبقاء عليها. والمقصود من إعراضه عنها: عدم اهتمامه بها، وهو أخف - في التباعد عنها - من النشوز. ولكل منهما أَسبابه، كتقدم الزوجة في السنن، وعقمها، وذبول جمالها، وتغير طباعها، وإهمالها لمنزلها، وتقصيرها في رعاية أولادها، وامتداد يدها إلى مال زوجها، وخروجها من المنزل بغير إذنه تباعا، رغم تحذيره لها من ذلك: إلى غير ذلك من الأسباب التي تأتي من خاصيتها.

стр. 948

وقد يكون نشوز الزوج وإِعراضه عن زوجته بأسباب من غير جهتها، كتأثير ضرة عليه في كراهيتها، أو ظهور امرأَة أخرى لم تكن من قبل في جوهما، فلما تزوجها غيرت مجرى حياتهما، وجرت معها الأمور على غير ما تُشْتَهَى من نشوز أو إعراض. وكما أَن لكل من النشوز والإِعراض أسبابًا، فإن لكل منهما علاماتٍ وأمارات. فأمارات النشوز كثيرة، منها: الغلظة والجفاءُ، والضرب، والسب، والتهديد بالطلاق، وأَن يمنعها نفسه ونفقته ومودته. ونحو ذلك. وأمارات الإِعراض عديدة: كأَن يقلل من محادثتها ومؤَانستها، ويتساهل في تحقيق رغباتها. والإِعراض يسبق النشوز عادة، فإِذا استمر، أَدَّى إلى النشوز، وإذا استمر النشوز، انتهى إلى الطلاق، كما هو معروف في عادات الناس. والمراد من خوفها من نشوز الزوج أَو إِعراضه، علمها بذلك، بما بدا لها من أَمارات يقينية أَو توقُّعها إِياه، بما بدا لها من أمارات ظنية. ولمّا كانت الآية نزلت في شأن امرأَة تخاف نشوز زوجها أو إِعراضه عنها، فذلك يقتضي أنها حريصة على بقائها معه، ويخيفها ما بدا لها منه أَن ينتهى بها إِلى عاقبة لا ترضاها لنفسها، فلذا لم يمنعها الشارع من أَن تتساهل في بعض حقوقها؛ ليتحقق لها ما أَرادته من بقائها معه. فإِنه لا يحب أَن تُحْرَم زوجةٌ من بقائها مع زوجها الذي أحبته، وأَن تفجع بفراقه، وذلك بقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾: أي: فلا إِثم على الزوجة فيما تفعله لإِصلاح ما بينها وبين زوجها، من إِعفائه من صداقها أَو نفقتها أَو بعضهما، أَو من مسكن أَو كسوة، أَو فيما تعطيه من مالها، أَو فيما تنزل له عنه من نصيبها في القسم، ليعطيه لإِحدى ضراتها: لكي يبقى عليها، ولا إِثم على الزوج في قبول ذلك منها، فإِن ذلك لا يعتبر رشوة مؤَثمة لكليهما. حتى يتحرجا منه. بل يعتبر سبيلا إِلى عودة المودة، واستمرار الزوجية بينهما. وذلك

стр. 949

أسمى - في نظر الدين - من تلك الماديات اليسيرة، التي تعينت سبيلا لعودة المودة بينهما. قال ابن عباس: "فما اصطلحا عليه من شيءٍ فهو جائز" (١). ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾: أي: والصلح بينهما، خير من الجفاء والإعراض، فقد ينتهيان - لو لم يكن الصلح - إلى عاقبة بغيضة لديهما، أو لدى أحدهما. وفيما يلي تفسيرات مأثورة تزيد الآية وضوحا، وتؤَكد الغرض المقصود منها في نفس القاريء: روى البخاري عن عائشة ﵂، في تفسير الآية أَنها قالت: "الرجلُ تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها فتقول: أجعلكَ من شأني في حل". وروى الشيخان عنها أنهما قالت: "هو الرجل يكون له المرأَتان: إحداهما قد كبرت أو هي دميمة، وهو لا يستكثر منها فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني". وروى ابن أبي حاتم، عن أبي عَرْعَرَة، قال: "جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ﵁ فسأله عن قول الله : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قال على - كرم الله وجهه -: يكون الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها، من دمامتها أو كِبَرها، أو سوءِ خُلُقِها أَو قَذَرِها، فتكره فراقه، فإِن وضعت له شيئًا من مهرها حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرَج". وبمثل هذا، فسرها ابن عباس ومجاهد والشعبي وابن جبير وكثير من السلف والأئمة، رضوان الله عليهم أجمعين. ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾: لما رغب الله في الصلح بقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ عقبه بقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾: لبيان العذر في المماكسة والمشاقَّةِ. وهو أن النفس من طبعها الشح والحرص.

стр. 950

والمعنى: وجُعل البُخل والحرص على النفع الذاتي، حاضرًا في الأنفس ملازمًا لها. لا يغيب عنها؛ لأَنه من طبعها، فلذا لا تكاد الزوجة تُفَرِّط في حقوقها عند الزوج. ولا يكاد الزوج يجود بالإِنفاق وحسن المعاشرة لمن لا يريدها. وإِذا كان ذلك هو ما فطر عليه الناس، فينبغي - لكل من الزوجين - أن يقدر حرص الآخر على مصلحته، فلا يهدرها تماما، فتُرضِي الزوجةُ حرصَ الزوج، بالبذل والتضحية، ويرضى الزوج حرص الزوجة، فلا يقسو عليها في مطالبه. ثم ندب الله الأزواج إلى الإحسان والتقوي، فقال جل شأنه: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: أي: وإِن تحسنوا عشرتكم - أَيها الأزواج - مع النساء، وتتقوا النشوز والإِعراض عن الزوجات، وعدم إكراههن على ترك شيءٍ من حقوقهن أو بذل ما يعز عليهن، وذلك بالتسامح واللين، وغض الطرف عما يدعو إلى الجفاء والإِعراض - فإِن الله كان - ولا يزال - بما تعملون من الإِحسان والتقوى خبيرا، فيجازيكم ويحسن ثوابكم. ٢٩ - ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ … ﴾ الآية. المعنى: ليس في استطاعتكم ومقدرتكم إِقامة العدل التام بين الضرات، بحيث لا يقع منكم أي ميل لإِحداهن أكثر من الأخرى، ولو حرصتم على ذلك وبالغتم فيه، فإِن فُرِضَ أَنكم عدلتم في القسم والنفقة، فقد لا تعدلون في النظر والإِقبال والمؤانسة والحب، وغير ذلك. وتلك مسأَلة جِبِلِّيَّةٌ، لا سلطان للأَزواج عليها، مهما كان مقامهم من الدين. وأحيانا يكون للمرأة أَثر في جذب الرجل إليها أَكثر من ضرتها؛ لبشاشتها ونظافتها، ومزيد إِخلاصها. ومع هذا، ينبغي للإِنسان أَلَّا ينساق وراء الأَسباب الداعية إلى الميل، بقدر طاقتهِ وهنا، يعفى عما خرج عن الطوق. أَخرج أَحمد والترمذي وأَبو داود، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فَيَعْدِلُ. ثم يقول: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فيما

стр. 951

أملِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أمْلِكُ" يقصد النبي بما يملكه الله: الحب والميل القلبي، فإنهما تحت سلطان الله وحده، ولا سلطان للبشر عليهما. ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾: المراد بالميل هنا عدم العدل في القسم والنفقة، بسبب تفاوت الحب. أي فلا تجوروا كل الجور على من لا تحبون من النساء، بأن تمنعوها حقها في القسم والنفقة، وفي السكن والكسوة، من غير رضاها، واعدلوا بقدر ما استطعتم، فإن عجزكم عن كمال العدل، لا يمنع تكليفكم بما تستطيعون منه، بقدر طاقتكم. ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾: أي: فلا تميلوا كل الميل عن العدل بين الضرات، فتحرموا بعضهن حقهن المقدور لكم، فتتركوها - بذلك - كالمرأَة المعلقة، لا هي مطلقة فَتَرضى بطلاقها، وتسكن بانفرادها عن الزوج: أَو تتزوج من تشاءُ. ولا هي ذات زوج يعطيها حقها كالزوجات، فأشبهت بذلك الشيء المعلق بآخر: فلا هو عام الأَرض فيستقر: ولا هو محمول على ما عُلِّق به فلا يتأَرجح. وفسر قتادة. المعلقة: بالمسجونة. والآية مشعرة بتوبيخ الذين لا يعدلون بين نسائهم، بقدر استطاعتهم. ومن أَلوان العدل التي كان السلف الصالح يحرص عليها، ما رواه غير واحد، عن جابر ﵁ أنه قال: "كانت لي امرأَتان: فَلَقَد كُنْتُ أعدِلُ بَينَهُمَا حَتى أعُدَّ القُبَل". وعن مجاهد قال: كانوا يستحيون أَلَّا يسووا بين الضرائر في الطيب، يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه!!!. وعن ابن سيرين في الذي له امرأتان: يُكْرَهُ أَن يتوضأ في بيت إِحداهما دون الأخرى. وبالجملة، فالعدل واجب؛ في القسم والنفقة والسكنى والكسوة وكل ما هو ضروري كالعلاج، وهو سنةٌ فيما عداها.

стр. 952

والعدل فيما هو واجب، هو الذي ورد في تركه الوعيد، في قوله ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأتانِ، فَمَالَ إلَى إحدَاهُما: جَاء يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأحَدُ شِقَّيْهِ سَاقِطٌ" (١). ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: هذه دعوة كريمة من الله تعالى، للأزواج المقصرين في حق نسائهم؛ ليعالجوا تقصيرهم في شأنهن. والمعنى: وإن تصلحوا ما أفسدتم من شئون زوجاتكم، وتتقوا الميل عن العدل بينهن فيما تستقبلون من الزمان. فإِن الله كان - ولا يزال - عظيم الغفران، فيغفر لكم ما فرط منكم فيما مضى بإِحسانكم كما قال تعالي: " … إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبنَ السيئاتِ … " (٢). كما كان - ولا يزال - عظيم الرحمة. فلذا، تفضل عليكم بقبول متابكم، وإسباغ رحمته عليكم. ١٣٠ - ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ … ﴾ الآية. المعنى: وإِن لم يتصالحا، واتسعت شقة الخلاف بينهما. حتى وقعت الفرقة - بالطلاق - فإِن الله يغني كلا من الزوجين المفترقين، من غناه الواسع. ولا شك أن تشريع الطلاق، تظهر حكمته جلية واضحة في هذه الحالة. فإِنه إِذا لم يكن في مقدور الزوجين أَن يعيشا في حب وسلام. وكانت الحياة بينهما مشحونة بالمتاعب، فإِن العاقبة ستكون سيئة بالنسبة إليهما، وإِلى أَولادهما الذين يشهدون المعارك القاسية - من آن لآخر - بين والديهم. فالفراق - حينئذ - يكون ضروريا … كاستعمال مبضع الجراح لاتقاء أَخطار الفساد في الجسم. وهذه الجملة تعتبر تسلية للزوجين عما أَصابهما من الفراق، وإشعارًا لهما، بأَن الله تعالى سيسلك بكليهما مسلكا يغنيه عن الآخر. فهو الكفيل براحة عباده؛ لكيلا يشتد حزنهما على فراقهما بعد عشرة.

стр. 953

كما أنها تشعر بلوم مَنْ يتسبب في عرقلة الصلح منهما، حيث أفهمت المتشدد: أَن للطرف الآخر ما يغنيه - من عند الله - عن صاحبه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾: أي: وكان الله - ولا يزال - واسع الغنى، كافيا لخلقه، حكيما مُتْقِنًا لأحكامه وأَفعاله. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ المفردات: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾: ولقد أمرنا أمرا مؤَكدًا. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: المراد بهم؛ أَهل الكتب السماوية السابقون جميعًا: اليهود، والنصارى، وغيرهم. ﴿حَمِيدًا﴾: مستحقا للحمد، وإن لم يحمده الحامدون. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: وكفى به قيما وكفيلا؛ تُوكَل إليه الأمور.

стр. 954

التفسير ١٣١ - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ … ﴾ الآية. لما بين الله - تعالى - أن الزوجين - إن تفرقا - يغن كلا من سعته، أتبع ذلك ما يؤَكد به هذا الوعد الكريم، فقرر سبب تحقيقه وهو: أنه - سبحانه - له ما في السموات وما في الأرض، فإن من كانت بيده مقاليدهما، تحققت مواعيده لقدرته الواسعة، وحكمة تدبيره. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: ولله ما في السموات وما في الأرض: خلقا وملكا وتصرفا. فلا يتعذر عليه إغناءُ الزوجين بعد فرقتهما، ولا إيناسُهُمَا بعد وحشتهما. ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾: ولقد أمَرْنَا كل مَن أوتِيَ الكتابَ من قبلكم، من أتباع الأنبياء السابقين - كما أمرناكم - بتقوى الله تعالى، فهي سر النجاح وصلاح الأمر كله. مَن أخَذَ بها استغنى وكف عن المآثم، ورغب في الخير، وعمل لمصلحته ومصلحة أسرته وأُمته. ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض. ومن كان كذلك، فلن يضره كفركم ومعاصيكم، كما لا ينفعه إيمانكم وتقواكم. وما أمركم بالتقوى ونهاكم عن الكفر والمعاصى إلا لمصلحتكم؛ رحمةً بكم، لا لحاجته إلى عبادتكم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾: وكان الله - قبل أن تكونوا، ولا يزال بعد ما كنتم - غنيا غير محتاج إلى سواه، مستحقا للحمد وإن لم يحمده الحامدون. ١٣٢ - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: هذه الآية الكريمة، مؤَكدة لما قبلها، بإفادتها ما أَفادته من أَنه تعالى، يملك مقاليد السموات والأرض، مقررة أن أمر هذا الكون موكول إليه تعالى، ممهدة لما بعدها.

стр. 955

والمعنى: ولله ما في السموات والأرض: من أجزائهما وما استقر فيهما. ومَن كان كذلك، فكل ما فيهما محتاج إِليه تعالى، وهو غنى عنه بغناه الذاتي، وكفى باللهِ قيما على أمور السموات والأرض، موكولا إِليه شئونهما خلقا وتدبيرا، فلا يليق بعاقلٍ ألا يفعل ما أوصاه به من التقوى، فيلقى بزمام نفسه إلى شهواته وغرائزه الضارة، وينصرف بذلك عن المراشد. ١٣٣ - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ … ﴾ الآية. المعنى: إن يشأ إذهابكم - أيها الناس - والإتيانَ بآخرين أفضلَ منكم، فإنه يفعل … ولا رادَّ لمشيئته. كما قال تعالى: ﴿ … وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ … ﴾ (١). ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾: فإن مالك السموات والأرض، لا يعجزه تحقيق مشيئته. ومن كان أمره نافذًا في خليقته، فحقه أن يُتَّقَى ويُحذَرَ، ويُشكَرَ ولا يُكفَرَ. فإذا كان قد أبقاكم على ما أنتم عليه من عصيان، فما ذاك إلا لاستغنائه عن طاعتكم وعدم تعلق مشيئته بإِفنائكم من رحمته بكم، لعلكم تثوبون إلى رشدكم، وتعودون إلى طاعة ربكم؛ لتنالوا ثوابه، وتتقوا عذابه، فمصارع الضالين قبلكم ماثلة أمامكم. ١٣٤ - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ … ﴾ الآية. بعد أن بين الله - في الآية السابقة - قدرته على أخذ العصاة بظلمهم ببيان، قدرته على إِفناء جميع الخلق، وإحلال غيرهم محلهم، أَوضح - في هذه الآية - السبيل الأمثل للطاعة. وهو أَداؤُها ابتغاءَ مرضاة الله، دون أَن يراد بها الذكر الحسن، وثناءُ الناس، وجرُّ المغانم. حتى ينالوا بالإخلاص - ثواب الدنيا والآخرة. والمعنى: من كان يريد - بطاعته - ثواب الدنيا، كالجندي يريد بجهاده الثناءَ على شجاعته، والرقيَّ في الرتب العسكرية، وجَرَّ المغانم، وكالمزكي: يريد بزَكَاتِه الثناءَ عليه

стр. 956

بالكرم، واكتسابَ مودةِ الناس، وحبَّ المساكين ورضاهم، وكالحاج يقصد بحجه التجارةَ أو الحصول على لقب "الحاج" بين الناس، فليعم هذا المقصر المبهور بزخارف الدنيا الزائلة: أن الله عنده ثواب الدنيا والآخرة. فما له يطلب ثواب الدنيا وهو قليل فانٍ، ويحرم نفسه من ثواب الآخرة وهو جزيل باق .. قال تعالى: ﴿ … وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (١). فليطلب العبد بطاعته ثوابهما معا، ويقول: ﴿ … رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢) أو ليطلب ثواب أشرفهما وأبقاهما! قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ … ﴾ (٣). ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾: أي: وكان الله - ولا يزال - عظيم العلم بجميع المسموعات والمبصرات. وفي جملتها أَقوال عبادة. وأَعمالهم ونياتهم. فيجازى كلاًّ على حسب حاله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾

стр. 957

المفردات: ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾: قائمين بالعدل مع المواظبة عليه، والمبالغة فيه. ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾: وإن تميلوا أَلسنتكم بالشهادة، بالإتيان بها على غير وجهها. ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾: أي تتركوا إقامتها أو تقيموها عَلى غير وجهها. التفسير ١٣٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ … ﴾ الآية. هذه الآية - والتي بعدها - فيهما امتداد للحديث عن العدل، الذي سبق طرف منه في الآيات السابقة. وبين الإِيمان والعدل رباط وثيق؛ لأن الإِيمان الصحيح، يقتضي إقامة العدل والقسط بين الناس. والمعنى: يأَيها الذين آمنوا، كونوا مواظبين على العدل في جميع الأمور، مجتهدين في إِقامته كل الاجتهاد، لا يصرفكم عنه صارف. وكونوا شهداء لله ولو على أَنفسكم أَو الوالدين والأَقربين. وذلك بأَن تقيموا شهاداتكم بالحق خالصة لوجه الله، لا لغرضٍ من الأَغراض الدنيوية، مهما يكن أَجره، ولو عادت الشهادة بالضرر عليكم، أَو على الوالدين والأَقربين. فإِن الحق أحق أَن يتبع، وأَولى بالمراعاة من كل عاطفة وغرض. ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾: أي: أن يكن المشهود عليه غنيا يُرْجَى نفعُه. أَو فقيرا يثير فقرُه الرحمة، فلا تتأَثروا بذلك كله في شهاداتكم. فالله أَولى بالأَغنياءِ والفقراءِ، وأَحق منكم برعاية ما يناسب كلا منهما. ولولا أَن أَداءَ الشهادة على وجهها فيه مصلحة لهما، لما شرعه الله. فراعوا أَمره - تعالى - فإِنه أَعلم بمصالح العباد منكم. ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾: أي: فلا تتبعوا في شهاداتكم - على هذا أَو ذاك - هواكم: كارهين إقامة العدل في شهاداتكم من أَجل الرغبة في مصلحتهما؛ لأن اتباع الهوى والميل، ضلال لا يليق بالمؤمنين. وإقامة العدل حق وهدى: يجب على المؤمنين - وجوبا مؤكَّدًا - أَن يتصفوا به.

стр. 958

﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: أي: وإِن تميلوا ألسنتكم عن الشهادة - بالإتيان بها على غير وجهها الذي تستحقه، أو تعرضوا عنها، وتتركوا إقامتها وتهربوا من أدائها - فإن الله كان بما تعملون من معاداتكم للحق بأي وجه مما سبق - عليما فيجازيكم على ما اقترفتم. هذا، وكما تحرم الشهادة: للغني أَو الفقير على غير وجهها، تحرم أيضا الشهادة إِذا كانت لغرض آخر كرعاية الجار، أو الطمع في جاهٍ أَو منصبٍ عند حاكم، أو انتصار لطائفة أو مذهب أو نحو ذلك. وما جاءَ في الآية، إنما هو من باب ضرب المثل. وقد التزم المسلمون الأولون، مراعاة العدل التام، فلم يفرقوا بين من كان على دينهم ومن خالفهم - اتباعًا لأهوائهم. ومن هذا قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبي ﷺ يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم. فقال: والله، لقد جئتكم من عند أَحب الخلق إليّ. والإِثمُ أبغضُ إلي من اعدادكم من القردة والخنازير. وما يحملني حبي إِياه ولا بغضي لكم، على أَلّا أعدلَ فيكم. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. ١٣٦ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ … ﴾ الآية. المعنى: الخطاب للمؤمنين كافة. والمراد من قوله: (آمِنُوا): استمروا، أَو اثبتوا على إيمانكم باللهِ ورسوله، والكتاب الذي نزل الله على رسوله وهو القرآن، والكتب السماوية التي أنزلها الله من قبل، على من سبق من الأنبياء والمرسلين. وهي التوراة والإنجيل والزبور. والإِيمان بها - بطريق الإِجمال - واجب شرعا. أَما ما يتداول بين أهل الكتاب المعاصرين، من أسفار عنها، اسمها "العهد القديم" "والعهد الجديد"، فقد دخلها - من التغيير والتبديل، والإِضافة والحذف - ما أخرجها عن نسبتها إلى الله تعالى وعن تسميتها توراة وإنجيلا. فلا تدخل فيما أمرنا بالايمان به، وإنما نؤمن بأصولها الأولى الصحيحة، التي أَنزلها الله. وكما نؤمن بتلك الأصول نؤمن بأَنها نسخت بالقرآن الكريم.

стр. 959

قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ … ﴾ (١). وبهذا صار القرآن المرجع الديني التشريعي الوحيد، للبشرية أجمعين. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: ومن يكفر بالله ﵎، واتصافه بكل كمال وتنزهه عن كل نقص، ويكفر بملائكته الذين هم عباد مكرمون: لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ويكفر بكتبه المنزلة على رسله لهداية خلقه، ويكفر باليوم الآخر الذي يبعث فيه الخلائق للجزاء - من يفعل ذلك - فقد بَعُدَ عن الحق بعدا سحيقا، يستحق عليه العذاب الشديد، لإهداره آدميته. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾. المفردات: ﴿ازْدَادُوا كُفْرًا﴾: عَادُوا واستمروا فيه. ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾: أنذرهم.

стр. 960

﴿أَيَبْتَغُونَ﴾: أيطلبون. ﴿الْعِزَّةَ﴾: الغلبة والقوة. ﴿يَخُوضُوا﴾: يدخلوا. التفسير ١٣٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا … ﴾ الآية. هذه الآية، بينت حال بعض الكافرين، وهم المنافقون الذين ترددوا بين الإيمان الظاهر أمام المؤمنين، وبين الكفر، حينما يلتقون بالكافرين أمام المؤمنين. والمعنى: إِن المنافقين الذين أَظهروا الإيمان أَمام المؤمنين رياءً، ثم كفروا أمام أَوليائهم الكافرين، ثم عادوا إلى إظهار الإيمان حين لقائهم بالمؤمنين، ثم كفروا عند عودتهم إلى الكافرين، ثم ازدادوا في دخيلة أنفسهم كفرا وجحودا، واستمروا عليه. - إن هؤلاء: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾: أي: هؤلاء المنافقون المذكورون، قد حكم الله بأنهم محرومون من أن يغفر الله لهم كفرهم ومعاصيهم، ومحرومون من أَن يهديهم الله إلى الحق؛ لإصرارهم على الكفرِ والنفاق. وقيل إن المراد من هؤلاء. قوم تكرر منهم الارتداد، وأصروا على الكفر وتمادوا في الغَيِّ والضلال. ١٣٨ - ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: بعد أن أَوصد الله في وجه هؤُلاء المنافقين أبواب الرحمة والهداية، نتيجة تكرر الكفر منهم، أَمر الله رسوله أن ينذرهم بأنه أعَدَّ لَهُم في الآخرة عذابا شديد الإيلام، وعبر عن الإنذار بالتبشير، تهكما بهم وسخرية منهم، وإيآسًا لهم من المبشرات كلها، وأنها - بفرض وقوعها كما هي هنا - فليس لها رصيد إلا العذاب الأليم؛ لتلاعبهم بالعقيدة وسخريتهم بها.

стр. 961

١٣٩ - ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ … ﴾ الآية. أفادت هذه الآية أن هؤُلاء المنافقين: يتخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم من دون المؤمنين، حينما يخلون بهم، ويبتعدون عن المؤمنين، ويقولون للكافرين إذا خلوا بهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) أي: مستهزئون بالمؤمنين في إظهارنا الموافقة لهم في الإيمان. ولقد أنكر الله عليهم ذلك المسلك بقوله عن غايتهم: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾: أي يطلبون بموالاتهم القوة والغلبة مع أنهم لا يستطيعون منحهم إياها. ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: أي يمنحها إلا أولياءه. فمن استعز باللهِ أعزه. ومن استعز يغيره أذله. وصدق الله تعالى - إذ يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). ١٤٠ - ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ … ﴾ الآية. جاءت هذه الآية، لتشديد النكير على المنافقين، في موالاتهم للكافرين، والرضا بما يقولون في حق الإِسلام والمسلمين. والمعنى: أيبتغي هؤُلاء المنافقون العزة بموالاتهم الكافرين ومشاركتهم الاستهزاء بكتاب الله أو الرضى به؟! والحال أَنه قد نزل عليكم - يا معشر المؤمنين - أنكم إذا رأَيتم أولئك الكافرين يستهزئون بكتاب الله تعالى، وسمعتم منهم ذلك - فاتركوا مجالسهم حتى يخوضوا في حديث غيره. فلو كان هؤُلاء المنافقون مؤمنين - كما زعموا - لما رضوا بسماع هذا الاستهزاء من الكافرين، ولا جالسوهم.

стр. 962

والحق: أنهم ما جالسوهم إلا ليشاركوهم في الكفر والاستهزاء. ولذا قال الله عقب ذلك: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾: أي: مثلهم في الكفر. ولستم بمؤمنين كما تزعمون. فإن المرء بجليسه. ولذلك أشركهم الله مع الكافرين في الوعيد، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾: فيعذبون فيها على اختلاف أعمالهم. ولا شك أن عذاب النفاق أشد من عذاب الكفر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (١)؛ لأنهم جمعوا بين الكفر والكيد للإسلام. ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾ المفردات: ﴿يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾: ينتظرون وقوع أمر بكم. ﴿فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾: نصر منه.

стр. 963

﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾: ألم نُحِطْكُم بِعَوْننا ومساعدتنا. ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾: يفعلون مع الله ما يفعل المخادع. وهو إِظهار ما لا يبطن. ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾: يظهرون للناس غير ما انطوت عليه صدورهم. ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾: مترددين بين المؤمنين والكافرين. التفسير ١٤١ - ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ … ﴾ الآية. هذه الآية - وما بعدها - تبين لنا، بعض سمات المنافقين وصفاتهم، التي كانوا عليها. وأَول صفة ذكرت لهم، هي التربص والانتظار؛ لاستغلال المواقف استغلالا دنيئا لمصلحتهم. وهو ما بيَّنه الله بقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾: أي: فإن كان لكم نصر على أعدائكم - بمعونة الله - تَزَلَّفوا لكم، وراحوا يطالبون بالمغانم قائلين: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾: بالعون حتى نُصرتم على الأعداء؟ ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾: من الغلبة في الحرب على المؤمنين. ﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾: أي: قال المنافقون للكافرين: أَلم نُحِطكُمْ بعوننا ومساعدتنا، واطلاعكم على أسرار المؤمنين حتى صارت لكم الغلبة عليهم. ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: ندفع عنكم صولة المؤمنين بتثبيطنا إياهم، وتباطئنا في معاونتهم، وإشاعة الأخبار التي توهن قلوبهم، وتضعف عزائمهم. فاعرفوا حقنا عليكم. وهاتوا نصيبنا مما غنمتم. ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: فهو مطلع على دخائل الجميع محقين ومبطلين، فيثيب أَولياءه المؤمنين المخلصين، ويعاقب أعداءه المنافقين يوم الجزاء.

стр. 964

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾: في الدنيا والآخرة. فلن يُغْلَب المؤمنون الصادقون في الدنيا غلبة حقيقية. وإذا وقعت لهم هزيمة - في بعض الأوقات - فهي للابتلاء والاختبار. وغالبا ما تكون نتيجةَ انحراف عن سلوك الطريق المستقيم. إذ ليس بين المؤمنين وبين النصر على أعدائهم إِلا أن يعودوا إلى الله، ويستكملوا حقيقة الإيمان: بالانقياد لكتاب الله والتمسك بشريعته … ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ … ﴾ (١). ١٤٢ - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ … ﴾ الآية. هذه صفة ثانية من صفات المنافقين وسماتهم. ومعنى ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾: أنهم يفعلون مع الله فعل المخادع، فيظهرون الإيمان للرسول ﷺ والمؤمنين، ولكنهم يضمرون الكفر. ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾: وهو يعاملهم بما يناسب خداعم، فيتركهم في خداع الدنيا لغرورهم بها، وحرصهم على بريقها وزخرفها، ولكنه يُعِدُّ لهم في الدار الآخرة، الدرك الأسفلَ من النار. ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾: هذه صفة ثالثة من صفاتهم، وهي إِذا قاموا إِلى الصلاة قاموا متباطئين متثاقلين، لا نشاط عندهم، ولا رغبة لهم في أَدائها؛ لأنهم لا يعتقدون ثوابا على فعلها، ولا عقابا على تركها. وما قيامهم للصلاة مع المصلين، إلا مظهرٌ من مظاهر خداعهم، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾: أي: يراءُون الناس بقيامهم مع المسلمين في الصلاة، ليحسبهم المؤمنون من فريقهم وأنصارهم، وهم لا يقصدون إلا أَن يرى المسلمون أنهم معهم، بل منهم. إمعانا في الخداع!! ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي: ولا يذكرونه - سبحانه - إلا زمانا قليلًا، أو ذكرًا قليلًا؛ لأن المنافق لا يفعل ذلك إلا بحضور من يرائيه فحسب. وهذا أقل أَحواله، أو يراد بالقلة: العدم؛ لأن ذكرهم غير

стр. 965

مقبُول، فلا فائدة فيه، وما لم يُقبَل معدوم، وإِن كان كثيرا في نفسه. وعلى هذا يكون المعنى: لا يذكرون الله أَبدا. ١٤٣ - ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ … ﴾ الآية. أي: مترددين حائرين بين الإِيمان والكفر، ولا مستقر لهم على أَحدهما. ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾: أي: ليسوا منسوبين إِلى المؤمنين في الحقيقة، لإِضمارهم الكفر. ولا إِلى الكافرين لإِظهارهم الإِيمان: والموصوفون بذلك، ضالون عن سنن الهدى. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: لعدم استعداده للهداية والتوفيق: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾: أي: فلن تجد لهدايته طريقا موصلا إِلى الحق والصواب. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾

стр. 966

المفردات: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: حجة ظاهرة. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: نُصَراء. ﴿الدَّرْكِ الأَسْفَلِ﴾: الطبقة السفلى. ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ﴾: اتخذوه ملجأً وملاذا. ﴿وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا﴾: أي كان - ولا يزال - مثيبا على الشكر. التفسير ١٤٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ … ﴾ الآية. بعد أَن بين الله صفات المنافقين، الناطقة بأَنهم كفار في حقيقة أَمرهم، نهى الله المؤمنين أن يتخذوا الكافرين - جميعًا - أَولياء، فإِنهم لا يضمرون الخير لهم. فقال: يأَيُّهَا الذين آمنوا لا تتخذوا الكفار أَولياء وأَحبَّاء ونصراءَ من دون المؤمنين؛ لأَنهم لا يُؤمَنُ جانبهم: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: أي: أَتَرغبون - بموالاة الكفار - أن تكون لله عليكم حجة واضحة في عذابه إياكم، إذْ أنكم اتخذتم أعداءه أَولياء لكم. وهم يبغون لكم الهزيمة، ولدينكم الزوال. كما قال تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ … ﴾ (١) الآية!! وهذا لا يمنع من عقد معاهدات السلام معهم إذا كان في ذلك مصلحة الإِسلام والمسلمين. ١٤٥ - ﴿إنَّ الْمُنَافِقِينَ في الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ … ﴾ الآية. هذه الآية، عادت بالحديث إلى المنافقين، لشدة خطرهم على الإِسلام، وبينت أنهم في الطبقة السفلى من النار. فإن النارَ دركاتٌ، كما أَن الجنةَ درجاتٌ.

стр. 967

وفي ذلك إشارة إِلى شدة عذاب المنافقين. وإنما كانوا أشد عذابا من الكفار الظاهرين، لأَنهم ضموا إِلى الكفر المشترك بين الطائفتين - استهزاءً بالإِسلام، وخداعًا لأَهله .. (وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا): أَي: لن تجد لهم من ينصرهم بإِخراجهم من هذا العذاب، أَو بأَن يخفف عنهم منه شيئًا. ١٤٦ - (إِلَّا الّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا … ) الآية أي: إلا الذين تابوا عن النفاق في الدنيا قبل أَن يموتوا، وأَصلحوا مَا فَسَدَ من نياتهم وضمائرهم. (وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ): أي: تمسكوا بكتابه، ووثقوا بربهم، وجعلوه ملجأً ومعاذا لهم. (وَأخْلَصُوا ودِينَهُمْ لِلهِ): أَي: جعلوا طاعتهم خالصة لوجه الله لا رياءَ فيها ولا نفاقا، بل رغبة في رضاه. (فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ): أي: فأولئك الموصوفُون بما ذكر - مع المؤْمنين المخلصين؛ الذين لم ينافقوا منذ إيمانهم. والمراد: أنهم معدودون منهم في الدنيا والآخرة. (وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا): أَي: يؤْتيهم في الآخرة أجرا عظيما، فيساهمونهم فيه، ويشاركونهم إياه. وفي هذه الآية الكريمة، ما يدل على ضَعَةِ المنافقين، ورفعة شأْن التائبين المصلحين، المعتصمين بالله، المخلصين دينهم له سبحانه.

стр. 968

١٤٧ - ﴿مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ … ﴾ الآية. هذا خطاب للمنافقين، سيق لبيان أن مدار تعذيبهم هو داء النفاق، المشتمل على عدم شكر الخالق، وعدم الإيمان به. والمعنى: أي شيءٍ يعود على الله سبحانه بعذابكم، إن كنتم شاكرين، وهو لا يعذب لجلب نفع له، أو دفع ضر عنه، أو لإدراك ثأْر، أو للتشفي؟! فهو منزه عن ذلك كله، فإِن شكرتم نعمَ الله عليكم، وآمنتم مخلصين لله، جازاكم على ذلك خير الجزاء، وغفر لكم ووفَّاكم أُجورَكم. (وَكانَ اللهُ شَاكِرًا): أَي مثيبا على الشكر. (عَلِيمًا): لا يعزب عن علمه شيء. وبذلك يصل ثوابه كاملا للشاكرين.

стр. 969

﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾. المفردات: (لَا يُحِبُّ اللَهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَء مِنَ الْقَوْلِ): أي لا يرضى الله عن إفشاءِ القبيح من القول في الناس؛ بذمهم وذكر معايبهم. التفسير ١٤٨ - ﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾: بيَّن الله - قبل هاتين الآيتين - ألوانًا من الأخلاق والأحكام، التي يجب أن يتحلى بها المسلمون: من قيامهم بالعدل شهداء لله ولو على أنفسهم، وإِيمانهم باللهِ وجميع رسله وكتبه، ونَبْذ النفاق، وألّا يتخذوا الكافرين أَولياءَ من دون المؤمنين. وقد تضمنت هاتان الآيتان، بعض الأَخلاق التي يكمُل بها إِيمانهم، ويكونون بها مُثُلًا عُليا في الآداب الإِسلامية التي يدعو إليها دينهم. فقد جاءَ فيهما وجوبُ صون ألسنتهم عن مقالة السوء في غيرهم، والترغيبُ في إبداءِ محاسن سواهم، والعفوُ عمن أساءَ إليهم. سبب النزول: قال ابن جريج، عن مجاهد: نزلت في رجلٍ ضاف رجلًا بفلاةٍ من الأرض فلم يُضَيِّفه فنزلت: (إلاَّ مَن ظُلِمَ).

стр. 970

ورواه ابن أبي نَجِيح - أيضًا - عن مجاهد. قال: نزلت هذه الآية: ﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ في الرجل يمرُّ بالرجل، فلا يضيفه، فرخص له أن يقول فيه: إنه لم يحسن ضيافته. ﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾: أَي لا يحب الله إيذاءَ الناس جهرًا بالسّيئ الفاحش من القول، كشتمهم ووصفهم بالظلم والبخل، والقدح في أَعراضهم. وغير ذلك مما يسيء إِليهم، ويهدر كراماتهم، سواءٌ أَكان ذلك في مواجهتهم أَم كان في غيبتهم. ومن الجهر بالسوءِ من القول: إذاعة (التمثيليات والأَفلام) المشتملة على القصص الفاجرة، التي تبرز فيها الرذيلة، وتُسلَّطُ الأَضواءُ فيها على ممثلاث الإغراء الجنسي، وتُسْمَعُ فيها العبارات المخجلة، والأَصوات المنكَرة المغرية بالإثم، وتُرَى فيها الصور المفسدة لأَخلاق الذكور والأناث؛ الكبار منهم والصغار. فذلك يبغضه الله ولا يحبه. بل إنه تعالى، يعاقب عليه أَشدَّ العقاب؛ لخطورته على الأخلاق. ومن الجهر بالسوء: نشر كتب الجنس وصورِه، التي تحرّض الشباب على الفسق والانحلال الخلقي، وتستأصل المناعة الخلقية - في شبابنا المسم - من أُصولها. فليتق الله أَولئك المشرفون على الإِذاعات والتليفزيون في العالم الإِسلامى، ولْيمنعوا نشر تلك التمثيليات الهادمة لمجتمعنا، المدمرة لأَخلاق شبابنا. وليتق الله المشرفون على المطبوعات، فلا يسمحوا بنشر تلك الكتب، وهذه الصور المفسدة لأخلاق أبنائنا وبناتنا، فإن مسئولية هؤُلاء وأولئك، عظيمة عند الله، الذي أَنزل القرآن دستورا للأَخلاق الإِسلامية الفاضلة، وجعل أُمة الإِسلام خير أمة أخرجت للناس؛ تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن باللهِ. ومن الجهر بالسوء: نشر المبادئ الهادمة للعقيدة الإِسلامية: بطريق الكتب، أو المحاضرات، والتحدث عن النزوات وأَلوان الفسق المختلفة.

стр. 971

والمقصود من الجهر بالسوء: أن تخبر به غيرك .. سواءٌ أكان ذلك بصوت مرتفع يسمعه عدد من الناس، أم بصوت خفيض تخص به بعض الناس؛ فإِن خروج السوء والفحش عن مكنون سريرتك وأَعماق نفسك، إلى غيرك سرًّا أَو علنا، يؤدي إلى الجهر به وإذاعته، وإِلحاق الأذى بسمعة من تحدثت عنه. مما ينجم عنه هبوط المستوى الخلقي للمجتمع كله. وفي ذلك ما فيه من ضرر خطير، تجب مكافحته شرعًا وعقلا. وخص القول السيئ بالذكر؛ لأَنه الشائع وقت نزول القرآن، فمثله في الحكم كل ما أَدى إِلى الإيذاء من الهمز واللمز والكتابة والتصوير. فكل ذلك حرام. وقد أَباح الله للمظلوم أن يجهر بالسوء عن ظالمه فقال: (إِلَّا مَن ظُلِمَ): أَي لا يحب الله الجهر بالسوءِ، إلا جهر المظلوم بظلمه. فإِن الله لا يَسخطه ولا يعاقب عليه عقاب الجهر بالفحش، بل يقره؛ لأنه من باب الانتصاف من الظالم، ومكافحة الظلم، فصاحب الحق له مقال يرضاه الله ولا يسخطه. قال تعالى: "وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوَلئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبيل" (١). ولو لم يبح للمظلوم الانتصاف من ظالمه - مهما كان مكانه الاجتماعي - لَبَغَى الناس بعضهم على بعض، ولضاعت القيم الخلقية، باستمرار الظالم في غيه وبغيه. فلذا أُبيح للمظلوم أَن يرد الظالم عن نفسه، حتى يكف الظالم عن العود إلى مثل ما فعل. وهذا الحق الذي أُعطي للمظلوم، يشمل أن يشكو ظالمه أمام القضاء، بأن يقول: أَخذ مالي، أو اعتدى على أرضي، أو سبني، أَو سب عرضي، أو نحو ذلك من الظلامات. كما يشمل الدعاءَ عليه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسم مع قريش؛ إذ دعا عليهم بأَن يجعلها الله عليهم سنين كَسنيِّ يوسف (٢). وروى أبو داود عن عائشة أنها "سُرِق لها شيء، فجعلت تدعو عليه" أَي على السارق فقال ﷺ : "لا تسَبِّخي عنه" أَي لا تخففي عنه العقوبة بدعائك عليه.

стр. 972

ولا يخفى أَن الانتصاف من الظالم، تجب الدقة في تحرِّيه، بحيث يحقق العدالة، ويأْمن الفتنة .. ولهذا يحذر اللهُ بقوله: (وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا): أي وثبت لله تعالى - قديما - أَنه بليغ السمع، بليغ العلم بكل شيءٍ على ما هو عليه. ففي ذلك تحذير وتخويف لمن يجهر بالسوءِ والفحش، ومن يتجاوز الحد في الانتصار من ظالمه فإِن من شأْن الإِله - السميع العلم - أن ينتقم ممن يتجاوز الآداب الإِسلامية، ويعتدي على سواه ابتداءً أَو جزاءً. ١٤٩ - ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾: المراد بالخير: ما يعم كل ضروبه؛ من الصدقة، والكلمة الطيبة، والثناءِ الجميل، والأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك من خصال الخير الكثيرة. والعفو عن المسيءِ داخل في باب هذا الخير الواسع، ومندرج تحت عمومه الشامل، وإنما أَفرده بالترغيب فيه بعد الترغيب في الخير بقوله: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾: تنبيها على علو منزلته ومكانته في الخير. ونظرا لأَن العفو عن المسيءِ هو المقصود الأساسي، ختمت الآية بقوله تعالى: (فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا): فَإِن إيراد العفو في جواب الشرط، يدل على أَنه هو العمدة في الكلام، وأنه هو المقصود الأول من هذا الخير المقدم في الجملة الشرطية. ولو كان إبداءُ الخير وإخفاؤُه - مطلقا - هو المقصود الأساسي، لما حسنَ الاكتفاءُ في الجواب بالعفو، بل كان يتضمن جزاء الخير أيضًا. والمعنى: إن تُظهِروا فعْلَ الخير بأنواعه المختلفة، أو تستروه وتجعلوه سرًّا بينكم وبين ربكم، أو تعفوا عن سوء صدر مِن سواكم نحوكم: من جهرٍ بكلام يؤذيكم، أو إسرارٍ به، أو ظلمٍ لحق بكم منهم، فقد تخلقتم بأَخلاق الله تعالى - فإن الله كان - ولم يزل - كثير

стр. 973

العفو عمن عصاه، عظيم القدرة على عقوبته. ولكنه يؤْثر العفو مع القدرة على العقاب. فاعفوا واصفحوا عمن أَساءَ إِليكم وأَنتم قادرون على الانتقام منه. ويصح أَن يكون المعنى: فإِن الله كان عفوا عمن عما عن أخيه، قديرا على إيصال الثواب إليه. وبهذا المعنى، جاءَ قوله تعالى: " … فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ … " (١). ويكون العفو في أَعلى مراتب الفضيلة، إذا كان مع القدرة على رد السيئة بمثلها. ويزداد رفعة إِذا قُصِد به وجْه الله تعالى، ولم يقصد به مجرد حسم النزاع، أو الاستجابة إلى شفاعة أحدٍ من الناس، أو غير ذلك من الأَغراض التي لم يدخل فيها جانب الله. وفي الحديث الصحيح: "وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا يَعْفُو إِلَّا عِزًّا". وإنما يحسن العفو، إذا كان يؤدي إلى أثرٍ جميل، من حلول السلام محل الوئام، وارتداع المسيء عن إساءَته. أَما إِن أدّى إلى ضراوة المسيءِ، فإن ردّ إساءَته يصبح واجبا شرعيا. والشر بالشر، والبادي أَظلم … وقد فهمنا - من مجموع الآيتين - أَن ردَّ الإساءَة مشروع، وأَن العفو أَولى من الانتقام، ما لم يؤَدِّ إلى استمرار المسيء في إساءته، فحينئذ، يكون الأَخذ بالحق أولى. وينبغي أن يكون ذلك بطريق القضاء، حتى لا يتفاقم الشر. وهناك من الجرائم ما لا يصح العفو فيه، ولا السكوت عليه، كالخيانة في أَموال الدولة وإذاعة أسرارها لعدوها. ونحو ذلك من الجرائم ذات الطابع الخطير. فمثل هذه الجرائم، يجب العقاب الشديد عليها، حتى يكون رادعًا لمن تسول له نفسه أن يفعل مثلها.

стр. 974

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِقُواْ بَينَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾. المفردات: ﴿يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾: أَي يؤَدي مذهبهم إلى الحكم بكفرهم بالله ورسله، على ما سيأتي بيانه. ﴿وَيُرِيدُونَ ان يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾: بأَن يؤْمنوا بالله ويكفروا ببعض الرسل، فيحصل بذلك التفريق بين الله ورسله في الإيمان. وهذا التفريق أدى بهم إِلى الكفر باللهِ؛ لعصيانهم أمره، وإلى الكفر برسله، لأنهم يصدق بعضهم بعضا. التفسير ١٥٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنِ يُفَرِقُواْ بَينَ اللهِ وَرُسُلِهِ … ﴾ الآية. بعد أن بين الله - في الآيتين السابقتين - ما لا يحبه من القول، عقبه ببيان ما يمقته من الاعتقاد وما يرضاه منه، وجزاء كل منهما. فيما سنذكر تفسيره من الآيات الثلاث. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِقُواْ بَينَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾: المراد بهؤُلاء الكافرين: اليهود والنصارى.

стр. 975

فاليهود؛ كفروا باللهِ تعالى، فجعلوه جسما ينزل إلى الأرض، ويأْكل ويشرب، ويغالب غيره، فَيَغْلِبُ تارة ويُغْلَب أخرى، ويقود جيوشهم، فتنتصر تارة، وتهزم أُخرى. وكفروا بعيسى وبمحمد، وآمنوا بغيرهما. وبذلك فرقوا بين الله ورسولَيْهِ اللذَيْنِ لم يؤْمنوا بهما، وأَقصوهما عن شرف الرسالة. وبذلك آمنوا ببعض الرسل، وكفروا بالبعض الآخر، وخالفوا بذلك أمر الله، وكانوا به كافرين بجميع الرسل. والنصارى؛ كفروا باللهِ تعالى - فجعلوه جِسْمًا، وأبا، وثالث ثلاثة، وكفروا بمحمد ﷺ وآمنوا بغيره. وبذلك فرقوا بين الله تعالى، وبين رسوله محمَّد. ونحَّوْهُ عن شرف الرسالة. فقد آمنوا ببعض الرسل، وكفروا بالبعض الآخر، وكانوا - بذلك - كافرين بالرسل جميعًا. فقد صاروا - بكفرهم ببعض الرسل - كافرين بالرسل جميعًا؛ لأَن دين كل واحد منهم هو دين الله، فالكفر به - مع أحدهم - هو بمثابة الكفر بما جاءَ به سائر الرسل، ولأَن كل رسول أوصى أُمته: أن يؤْمنوا بالرسل الذين يبعثهم الله بعده. فمن كفر بأَحدهم، فقد كذب الرسل الذين سبقوه، وجحد وصيّتهم. وبعض المفسرين لم يخص الآية باليهود والنصارى، بل جعلها شاملة لأَصناف ثلاثة: الصنف الأَول: من كفر باللهِ فأَنكر وجوده، وكفر برسله فأَنكر النبوات، لأَن من أَنكر وجود المرسل، أنكر وجود الرسل. وهذا هو المقصود بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾: ويمكن أن يدخل - في هذا الصنف - المشركون بالله. والصِّنفُ الثاني: مَن آمن بالله وكفر برسله، وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾: أَي: والذين يريدون أن يفرقوا بينه وبينهم في الإيمان، فيوجبوا الإيمان به، وينفوا وجوب الإيمان بالرسل، لأنهم ينكرون النبوات.

стр. 976

والصنف الثالث: مَنْ يؤمن بالله، ويؤْمِن ببعض الرسل، ويكفر بالبعض الآخر، كاليهود والنصارى، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾: أي: والذين يقولون نؤْمن ببعض الرسل، ونكفر ببعضهم، مع إيمانهم باللهِ (١). والرأْي الراجح هو الأَول. ﴿وَيُرِيدُونَ أن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: أي ويريدون - بما قالوه من الإيمان بالبعض والكفر بالبعض الآخر - أن يتخذوا طريقًا وسطا بين الإيمان والكفر، مع أنه لا وسط بينهما، إذ الحق واحدٌ: لا يُنْتَقَصُ منه. وليس بعد الحق إلا الضلال. ١٥١ - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا … ﴾ الآية. أَي أولَئك الموصوفون بتلك الصفات الشائنة، هم الكافرون المبالغون في الكفر حقا. فلا عبرة بما يزعمونه من الإِيمان. ﴿وَاعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾: أي: وأعددنا لهؤُلاء الكافرين عذابا؛ يهينهم ويذلهم، جزاء التفريق بين اللهِ ورسله، والإيمان بالبعض والكفر بالبعض الآخر. ١٥٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآية. المعنى: والذين صدّقوا بالله، وبما يجب له من صفات الكمال، وبما يتنزه عنه من صفات

стр. 977

النقص، وآمنوا بجميع رسله وما يتصفون به من صفات الكمال، ولم يفرقوا بينهم في الإيمان، بأَن يؤمنوا ببعضهم دون بعض، كما فعل اليهود والنصارى (١). ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: أولئِكَ المؤمنون بالله ورسله دون تفريق بينهم في الإِيمان، سوف يعطيهم الله أُجورهم، التي وعدهم إِياها، لأَنهم هم المؤمنون حقا، دون من سبقهم، ممن يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض. وكان الله: عظيم الغفران لما عسى أن يكونوا فعلوه من المعاصي، واسع الرحمة بالمؤمنين، فيضاعف حسناتهم، ويزيدهم على ما وعدوا. ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا في السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾. المفردات: ﴿جَهْرَةً﴾: علانية. ﴿الصَّاعِقَةُ﴾: النازلة المهلكة.

стр. 978

﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: تسلطا ظاهرا على قومه. ﴿الطُّورَ﴾: الجبل المعروف. ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾: بعهدهم. ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ﴾: المراد به، باب المدينة التي أُمروا بدخولها. ﴿سُجًدًا﴾: خاضعين. ﴿لَا تَعْدوا في السَّبْتِ﴾: لا تظلموا فيه أَنفسكم، بصيد الحيتان التي حُرِّم عليكم صيدها فيه. (مِيثَاقًا غَلِيظًا): عهدا وثيقا مؤكدا. التفسير ١٥٣ - ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاء … ﴾ الآية. بعد أَن بينت الآياتُ السابقةُ عقائد أَهل الكتاب الزائفة؛ عقبته ببيان موقف اليهود من موسى وموقفهم مع الله تعالى، تسلية لرسوله محمَّد ﷺ . سبب النزول: قال محمَّد بن كعب القرظي، والسدّى، وقتادة: سأَل اليهود رسول ﷺ وسلم أن يُنْزلَ عليهم كتابا من السماء، كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة. فنزلت الآية. وروى ابن جرير في تفسيره عن ابن جريج، قال: إِن اليهود قالوا لمحمد ﷺ : "لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتيَنَا بكتاب من عند الله تعالى - إِلى فلان: أنك رسول الله، وإِلى فلان أَنك رسول الله … " وما كان مقصدهم بذلك إِلا التحكيم والتعنت. المعنى: يطلب منك أهل الكتاب من يهود المدينة أن تنزل عليهم - يا محمَّد - كتابا من السماءَ يَروْنه عِيانًا، وقد نزل من السماء مكتوبا في قرطاس أَو أَلواح، كما نزلت التوراة

стр. 979

على موسى جملة واحدة؛ ليكون ذلك - في نظرهم - آية على نبوتك، غير مقتنعين بأَن ينزل الله عليك وحْيًا شفويا، ويقولون: لا نبايعك ولا نؤْمن بك حتى يُنَزّلَ عليك الكتاب كما سأَلنا. ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾: أَي لا تبال بتعنتهم وعنادهم، فذلك طبع جامح يجري في دمهم. فقد سأَل آباؤُهم موسى سؤالا أكبر مما سأَلوك، فقالوا له: أرِنا الله جهرة وعلانية، حتى نعلم - منه - انه أَرسلك. فإِن لم تفعل فلن نؤْمن لك. وذلك ما حكاه الله عنهم في سورة البقر بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً … ﴾ (١) فالتعنت الذي تراه في أحفادهم المعاصرين لك يا محمَّد، أَمرٌ موروث عن آبائهم، وخُلُقٌ قديم انتقل من أصولهم إليهم، والشيءُ من معدنه لا يستغرب. ونسبة ما قاله آباء اليهود الأَولون إلى أَحفادهم المعاصرين للنبي ﷺ من باب نسبة الذنب. إلى النوع كله - كأَنه جِبلَّة وطييعة - كما ينسب ذنب بعض أفراد القبيلة إلى القبيلة كلها، وذلك على حد قول الشاعر: قوى همو قتلوا أميم أخي … فإِذا رميت يصيبني سهمي ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾: من معاني الصاعقة: العذاب المهلك. والمعنى: أَن الله تعالى أهلكهم بما شاءَه من أسباب الإهلاك لتجاوزهم حد الأَدب والحق، حين طلبوا معاينة الله ليؤْمنوا برسوله موسى ﵇. والظاهر أن الإهلاك كان لأَصحاب هذا السؤال الفاجر، لا لكل اليهود. ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: أي ثم اتخذ بنو إسرائيل العجل معبودًا لهم، من بعد ما جاءَتهم الأدلة الواضحة الشاهدة بوحدانية الله، النافية لعبادة آلهة سواه.

стр. 980

فلقد أَراهم الله - على يد موسى - آيات عظيمة، لا يصح - معها - أن يهدروا عقولهم فيعبدوا عجلًا لا حول له ولا قوة!! أَفلم يشقّ لهم الله اثنى عشر طريقا في البحر: يتخللها الماءُ كالطود العظيم؟ أَفلم يفجَّر لهم اثنتي عشرة عينا، قد علم كل أُناس منهم مشربهم؟ أَفلم يَرَوا العَصَا تبتلع ما جاءَ به السحرة من السحر العظيم؟ أَفلم يشاهدوا الطوفان والجراد والقُمَّلَ والضفادع والدم؟ إلى غير هذه الآيات. وقد جاءَت هذه الآيات كلها، بدعوة موسى ربه، ولكنهم: عُمْيُ العيون فلا يبصرون، غلْف القلوب فلا يعقلون. فلا غرابة في أَن يطوفوا حول عجل جسد يعبدونه. ﴿ … أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ (١). وليس المراد بالآيات التوراة فقد جاءَتهم بعد عبادتهم العجل، حيث كان موسى في ميقات ربه الذي آتاه التوراة بعده وكانوا هم في هذه الفترة - يعبدون العجل الذي صنعه لهم السامري ثم جاءَ موسى بالتوراة، فرآهم على تلك الحال فغضب، وألقى الألواح، وعاتب أَخاه هارون على ما حدث. وسيأتي بيان ذلك في سورتي: الأعراف، وطه. ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: أَي فعفونا عن اتخاذهم العجل معبودا بعد ما تابوا، وآتينا موسى تَسَلُّطًا بَيّنا واضحًا على قومه، فَقوىَ فيهم أَمره، وضعفت معارضتهم له، وظهر انكسار نفوسهم، فقبلوا أَمره أَن يقتلوا أَنفسهم - بالندم والحزن - على ما صنعوا توبة منهم. وفيما تقدم، بشارة للنبي صلى الله عليه وسم - بأَن الله تعالى سيعاقب معانديه من اليهود على تعنتهم كما عاقب أسلافهم، وأن أَمره فيهم، سيكون ذا سلطان بيّن، وقهر ظاهر.

стр. 981

وهذا ما حدث له فيهم بعد ذلك: عن القتل والإِجلاءِ، جزاءَ ما صنعوا معه ﷺ ، من نكث العهود والخيانة في أَوقات الشدة. ١٥٤ - ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ … ﴾ الآية. لمَّا جاءَهم موسى بأَلواح التوراة، استثقلوا العمل بما جاءَ فيها من التكاليف، فلم يأُخذوها بعزم وقوة. بل بتثاقل وتراخ وامتناع؛ لأَن قلوبهم لا تزال مشدودة إلى عبادة العجل. فلذا، رفع الله فوقهم الجبل، تهديدا لهم، ليقبلوا العمل بالتوراة، ويأُخذوها بقوة وعزم، ويعطوا الميثاق والعهد على ذلك. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١). وهكذا كان شأُن اليهود: عصيانٌ لما يؤْمرون به، وعقابٌ أَو تهديد بعقاب من الله، حتى يستقيموا على العبادة. والمعنى: ورفعنا فوقهم الطور بسبب ميثاقهم ليعطوه، ويتعهدوا بالعمل بالتوراة. ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾: المراد بالباب؛ باب القرية التي أمروا بدخولها، بعد أَن يخرجوا من التيه. والقائل هو الله على لسان نبي من أَنبياءِ بني إسرائيل وهذا النبي هو موسى ﵇. ويشهد له ما سبقه من الحديث عن إيتاءِ موسى سلطانا مبينا، ومن رَفْع الطور فوقهم، فإن ذلك كان في عهد موسى. والمراد باالسجود، الخضوع أَو الركوع. وقيل: إِن القائل عن الله تعالى، هو النبي يوشع. فإِن الظاهر أَن قوله: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ﴾: أَمرٌ بدخول القرية بعد فتحها. وموسى ﵇ لم يدخل تلك القرية؛ لأَنها فتحت بعد التيه بقيادة يوشع. وموسى ﵇ توفي أَثناء التيه. واختلف في هذا الباب الذي أُمروا أَن يدخلوه سجدا. فقيل: هو باب بيت المقدس.

стр. 982

روى ابن المنذر وغيره، عن قتادة: "كنا نتحدث أَنه باب من أَبواب بيت القدس"، وقيل: باب إيلياء. وقيل: باب أريحاء. وقد أمروا أن يسألوه تعالى أن يحط عنهم ذنوبهم، فيقولوا: "حِطَّةٌ". كما جاءَ في قوله تعالى ﴿ .... وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ … ﴾ (١). ولكنهم لما دخلوا منتصرين، تنكروا لما أمرهم الله به من الخضوع والخشوع لله سبحانه. بل سخروا بالخشوع والاستغفار واستبدلوا بهما عملا ماجنا، وقولا هازئا. فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه رسلم قال: "قِيلَ لِبَني إسْرَائِيلَ ادْخُلوا الْبَابَ سجَّدًا وَقُولُوا حِطَّة، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أسْتَاهِهِم فَبَدَّلُوا، وَقَالُوا: حِنْطَة؛ حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ" (٢). وفي ذلك يقول الله تعالى: "فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأنزَلْنَا عَلَى اَلذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا منَ السَّماَءِ بِهَ كَانُوا يَفْسُقُونَ" (٣). ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا في السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: نهاهم الله عن العدوان في يوم السبت: بفعل ما حرم عليهم فيه من صيد الحيتان وغيره، وأخَذَ عليهم بذلك ميثاقا غليظا - أَي عهدا مؤَكَّدا -. ويجوز أن يكون المراد بالميثاق الغلِيظ هنا؛ هو ما أخذه الله منهم بعد رفع الجبل فوقهم كأَنه ظلة، تهديدا لهم. فقد أَعطوْا موسى ﵇ عهدا بالعمل بالتوراة، تحت تأثير هذا التهديد.

стр. 983

﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾. المفردات: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾: أي فبسبب نقضهم ومخالفتهم للعهد الوثيق المؤكد. و (مَا) في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾: لتوكيد هذا النقض، فإنها كثيرا ما توصل بالكلام لهذا الغرض كقوله تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ منَ اللَهِ لِنتَ لَهُمْ": أي فبرحمة مؤَكدة من الله كنت لينا معهم. ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾: أي مغلفة ومغطاة بأَغشية تمنعها من قبول ما جاءَ به الرسول. وغلف: جمع أغلف. وهو: مما له غلاف. ﴿طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾: أي تخلى عن هدايتها بسبب إصرارهم على الكفر. ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾: كذبا فظيعا؛ يبهت من يقال فيه، ويدهشه، ويحيره. التفسير ١٥٥ - ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ … ﴾ الآية. ختم الله الآية السابقة بقوله.: ﴿وَأخَذْنَا مِنْهُم ميثَاقًا غَلِيظًا﴾ وجاءَت هذه الآية بعدها

стр. 984

تطوى تحت إِيجازها: أنهم نقضوا هذا الميثاق، وأنهم عوقبوا بسبب هذا النقض (١). والإِيجاز مقصد من مقاصد البلاغة. والمعنى: فَنَقَضَ بنو إِسرائيل الميثاق الغليظ الذي أخذناه عليهم، فبسبب هذا النقض، لعَنَّاهم وعاقبناهم، كما لعناهم وعاقبناهم بسبب كفرهم بآيات الله الكونية العجيبة، التي أَجراها لله على يد موسى، إذ عبدوا العجل بعدها، وقالوا: ﴿أَرِنَا الله جَهرَةً﴾. وكذلك آيات التوراة، فقد أَخفوا ما جاءَ فيها من بشارات عن النبي محمَّد ﷺ ، أَو أَساءُوا تَأَويلها؛ ليبرروا كفرهم به. وكما لعنَّاهم بذلك، لعناهم بقتلهم أَنبياءهم بغْيًا وحسدًا، دون شائبة من الحق، كما فعلوا بيحيى وزكريا وشعيب وغيرهم ﵈ ولعناهم وعاقبناهم بقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. والمقصود من قولهم: (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) أَنها محجوبة ومغلفة بغلاف من الصدود والرفض لدعوتك يا محمَّد، فلن تصل إليها براهينك، فلا تُتعبِ نفسك معنا. ويجوز أن يكون المراد: أَن قلوبهم أَوعية للعلم وأَغلفة له، فليسوا بحاجة إلى علم جديد، وهذا الأخير مبني على أن غُلْف - بسكون اللام - مخفف غُلُف - بضمها - جمع غلاف. وكلا المعنيين قبيح بهم، فالصد عن الحق، والإِعراض عنه، لا يجوز ممن يدَّعون العلم، ويتعالون به على الناس، فهم أَولى بالأَخذ به من الجهلاءِ. ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾: هذا رد من الله لا أَرادوه من قولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أَي ليست قلوبهم مليئة بالعلم كما زعموا. وليس فيما جاءَ به محمَّد ما يصرفهم عن قبوله. فهو الحق الذي ينفذ إِلى

стр. 985

شغاف القلوب، ولكن الأَمر أَن الله طبع على قلوبهم وحجبها عنه؛ بسبب إصرارهم على الكفر والمعاصي. (فَلَا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلاً): أي فلا يؤْمنون إلا إيمانا قليلًا، ليس له وزن عند الله، لفقدانه العناصر الضرُورية لصحته. فهو والعدم سواء. ١٥٦ - ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾: هاتان سيئتان من سيئاتهم المنكرة، معطوفتان على ما تقدم منها، من سيئات، مثل نقض الميثاق والكفر بآيات الله .. إلخ. داخلة جميعها في حيز السببية لِلَعْن الله لهم، وعقابه إِياهم، كباقي سيئاتهم التي ستأْتي بعد. والمعنى: فبسبب نقضهم ميثاقهم وما تلاه من قبائحهم، وبكفرهم بعيسى ﵇، ورميهم أُمه مريم الطاهرة بالزنى، لعنَّاهم وطردناهم عن رحمتنا، فإِنها ﵍ وإن حملت وهي غير متزوجة، فقد برَّأَها الله من السِّفَاح، على لسان وليدها الذي أنطقه الله عقب الوضع، فَبرَّأَ والدته، وأخبرهم أَنه عبد الله، وأَنه آتاه الكتاب وجعله نبيا .. إلخ. ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾. المفردات: ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾: أَي أَلقى شبهه على غيره لينجو من القتل فاشتبه عليهم. ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾: أي لفي حيرة وتردد، وليس إلى الجزم - بأَنه عيسى - من سبيل.
следующие страницы →