← Книги сунны

Книги сунны · id 115123

أخبار مكة - الأزرقي - ت ابن دهيش

الأزرقي

Полный текст (955 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ثم قالت: من كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الأوس والخزرج. ثم قالت: من كان منكم يريد الخمر والخمير، والملك والتأمير، ويلبس الديباج والحرير، فليلحق ببصرى (١) وغوير (٢) - وهما من أرض الشام - فكان (٣) الذين سكنوها (٤) آل جفنة من غسان (٥). ثم قالت: من كان يريد منكم (٦) الثياب الرقاق، والخيل العتاق، وكنوز الأرزاق (٧)، والدم المهراق، فليلحق بأرض العراق، وكان الذين (٨) سكنوها آل جذيمة الأبرش، ومن كان بالحيرة (٩) من غسان وآل محرق، حتى جاءهم روادهم، فافترقوا من مكة فرقتين: فرقة توجهت إلى عمان؛ وهم أزد عمان، وسار ثعلبة بن عمرو بن عامر نحو الشام، ونزلت (١٠) الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر؛ - وهم الأنصار - بالمدينة. ومضت غسان فنزلوا الشام، ولهم حديث طويل اختصرناه. وانخزعت خزاعة بمكة، فأقام بها ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو

стр. 142

لحي - فولي أمر مكة وحجابة الكعبة (١). قال (٢) حسان بن ثابت الأنصاري ﵀ (٣) يذكر الخزاع خزاعة بمكة، ومسير الأوس والخزرج إلى المدينة، وغسان إلى الشام (٤): فلما هبطنا بطن مر تخزعت … خزاعة منا في حلول كراكر حموا كل واد من تهامة واحتموا … بصم القنا والمرهفات البواتر فكان لها المرباع (٥) في كل غارة … تشن بنجد والفجاج العوابر خزاعتنا أهل اجتهاد وهجرة … وأنصارنا جند النبي المهاجر (٦) وسرنا فلما أن هبطنا بيثرب … بلا وهن منا ولا بتشاجر وجدنا بها رزقا عدامل بقيت (٧) … من آثار عاد بالحلال الطواهر فحلت بها الأنصار ثم تبوأت … بيثربها [دارا] (٨) على خير طائر بنو الخزرج الأنصار (٩) والأوس إنهم (١٠) … حموها بفتيان الصباح البواكر نفوا من طغى في الدهر عنها وديبوا (١١) … يهودا (١٢) بأطراف الرماح الخواطر

стр. 143

وسارت لنا سيارة ذات قوة … بكوم (١) المطايا والخيول الجماهر يؤمون نحو الشام حتى تمكنوا … ملوكا بأرض الشام فوق المنابر يصبون (٢) فضل القول في كل خطبة إذا وصلوا إيمانهم بالمخاصر أولاك (٣) بنو ماء السماء توارثوا … [دمشق] (٤) بملك كابرا بعد كابر فلما (٥) حازت خزاعة أمر مكة وصاروا أهلها جاءهم بنو إسماعيل، وقد كانوا اعتزلوا حرب جرهم وخزاعة فلم يدخلوا في ذلك، فسألوهم السكني معهم وحولهم، فأذنوا لهم. فلما رأى ذلك مضاض بن عمرو بن الحارث - وقد كان أصابه من الصبابة إلى مكة ما أحزنه - أرسل إلى خزاعة يستأذنها في الدخول عليهم والنزول معهم بمكة في جوارهم، ومت إليهم برأيه وتوريعه قومه عن القتال، وسوء السيرة في الحرم، واعتزاله الحرب. فأبت خزاعة أن [يقربوهم] (٦)، ونفتهم عن الحرم كله، ولم يتركوهم ينزلون معهم. فقال عمرو بن لحي؛ وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر لقومه: من وجد منكم جرهميا قد قارب الحرم قدمه هدر، فنزعت إبل المضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي من قنونا تريد مكة، فخرج في طلبها حتى وجد أثرها قد دخلت مكة، فمضى على الجبال من نحو أجياد حتى ظهر على أبي قبيس [ينظر] (٧) الإبل في بطن وادي مكة، فأبصر الإبل تنحر وتؤكل لا سبيل له إليها، فخاف إن هبط (٨) الوادي

стр. 144

أن يقتل، فولى منصرفا إلى أهله، وأنشأ (١) يقول (٢): كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا … أنيس ولم يسمر بمكة سامر ولم يتربع واسطا (٣) فجنوبه … إلى [المنحنى] (٤) من ذي الأراكة (٥) حاضر بلى نحن كنا أهلها فأزالنا … صروف الليالي والجدود العواثر وبدلنا ربي بها دار غربة … بها الذئب يعوي والعدو المحاصر فإن تمل الدنيا علينا بكلها … ويصبح حال بعدنا وتشاجر فكنا ولاة البيت من بعد نابت … نمشي [بهذا] (٦) البيت والخير ظاهر فأنكح جدي خير شخص علمته … فأبناؤنا (٧) منه ونحن الأناصر فأخرجنا منها المليك بقدرة … كذلك [يا للناس (٨)] تجري المقادر أقول إذا نام الخلي ولم أنم … إذا العرش لا يبعد سهيل وعامر وبدلت منهم [أوجها] (٩) لا أحبها … وحمير قد بدلتها واليحابر (١٠)

стр. 145

وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة … كذلك عضتنا (١) السنون الغوابر [فسحت] (٢) دموع العين تبكي لبلدة … بها حرم أمن وفيها المشاعر بواد أنيس ليس يؤذي حمامه … ولا [منفرا] (٣) يوما وفيها العصافر وفيها وحوش لا ترام أنيسة … إذا خرجت منها فما أن [تغادر] (٤) فياليت شعري هل يعمر بعدنا … جياد [فممضى] (٥) سيله في الظواهر (٦) فبطن منى وحش كأن لم يسر به … مضاض ومن حي عدي عمائر وقال أيضا (٧): يا أيها الحي سيروا إن قصركم … أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا إنا كما كنتم كنا فغيرنا … دهر فسوف كما صرنا تصيرونا [حثو] (٨) المطي وارخوا من أزمتها … قبل الممات وقضوا ما تقضونا قد مال دهر علينا ثم أهلكنا … فالبغي (٩) فيه وبد الناس ناسونا إن التفكر لا يجدي (١٠) بصاحبه … عند البديهة في علم له دونا قضوا أموركم بالحزم إن لها … [أمور] (١١) رشد رشدتم ثم مسنونا

стр. 146

[واستخبروا] (١) في صنيع الناس قبلكم … كما استبان طريق عنده الهونا (٢) كنا زمانا ملوك الناس قبلكم … بمسكن في حرام (٣) الله مسكونا قال: وانطلق مضاض بن عمرو نحو اليمن إلى أهله وهم يتذاكرون ما حال بينهم وبين مكة، وما فارقوا من أمنها وملكها، فحزنوا على ذلك حزنا شديدا، فبكوا على مكة، وجعلوا يقولون الأشعار في مكة. واحتازت خزاعة بحجابة الكعبة وولاية أمر مكة، وفيهم بنو إسماعيل بن إبراهيم [﵉] (٤) بمكة وما حولها لا ينازعهم أحد منهم في شيء من ذلك ولا يطلبونه. فتزوج لحي - وهو ربيعة (٥) بن حارثة بن عمرو بن عامر - فهيرة بنت عامر بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي ملك جرهم؛ فولدت له [عمرا] (٦) -[وهو عمرو بن لحي] (٧) - فكان عمرو بن لحي قد بلغ بمكة من الشرف وفي العرب من الشرف (٨) ما لم يبلغ عربي قبله ولا بعده في الجاهلية، وهو الذي قسم بين العرب في حطمة حطموها (٩) عشرة آلاف ناقة، وقد كان قد أعور عشرين فحلا. وكان الرجل في الجاهلية إذا ملك ألف ناقة فقا عين فحل إبله، فكان قد فقأ عين عشرين فحلا، وكان أول من أطعم الحاج بمكة سدائف الإبل ولحمانها على الثريد، وعم في تلك السنة (١٠) جميع حاج العرب

стр. 147

بثلاثة أثواب من برود اليمن. وكان قد ذهب شرفه في العرب كل مذهب، فكان (١) قوله فيهم دينا متبعا لا يخالف. وهو الذي بحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، وسيب السائبة، ونصب الأصنام حول الكعبة، وجاء بهبل من هيت من أرض الجزيرة فنصبه في بطن الكعبة، وكانت (٢) قريش والعرب تستقسم عنده بالأزلام. وهو أول من غير الحنيفية دين [إبراهيم عليه] (٣) السلام، وكان أمره بمكة في العرب مطاعا لا يعصى. وكان بمكة رجل (٤) من جرهم على دين إبراهيم ﵇ وإسماعيل، وكان شاعرا، فقال لعمرو بن لحي حين غير دين (٥) الحنيفية: يا عمرو لا تظلم بمكة … إنها بلد حرام سائل (٦) بعاد أين هم؟ … وكذاك تخترم (٧) الأنام وبني العماليق الذين … لهم بها كان السوام فزعموا أن عمرو بن لحي أخرج ذلك الجرهمي من مكة، فنزل [بإضم] (٨) من أعراض مدينة [النبي ﷺ ] (٩) نحو الشام، فقال الجرهمي وتشوق إلى مكة (١٠): ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … وأهلي [معا] (١١) بالمأزمين حلول

стр. 148

وهل أرين العيس (١) تنفخ في البرى (٢) … لها بمنى والمأزمين ذميل (٣) منازل كنا أهلها لم يحل بنا … زمان بها (٤) فيها أراه يحول (٥) مضى أولونا راضين بشأنهم (٦) … جميعا وغالتني بمكة غول (٧) قال: فكان عمرو بن لحي يلي البيت وولده من بعده خمسمائة سنة، حتى كان آخرهم حليل بن حبشية (٨) بن سلول بن كعب بن عمرو بن لحي (٩)، فتزوج إليه قصي بابنته (١٠) حبى ابنة حليل. فكانوا (١١) هم حجابه وخزانه والقوام به وولاة الحكم بمكة، وهو عامر لم يحدث فيه خراب. ولم تبن فيه خزاعة (١٢) شيئا بعد جرهم، ولم تسرق منه شيئا علمناه ولا سمعنا به، وترافدوا على تعظيمه والذب عنه. وقال في ذلك عمرو بن الحارث بن عمرو الغبشاني (١٣) الخزاعي: نحن وليناه فلم [نغشه] (١٤) … وابن مضاض قائم يهشه يأخذ ما يهدى له يقشه (١٥) … نترك مال الله ما نمشه (١٦)

стр. 149

١٣٦ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران، قال: خرج أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي - قبل (١) الإسلام- في نفر من قريش يريدون اليمن، فأصابهم عطش شديد ببعض الطريق، وأمسوا على غير طريق (٢) فساروا جميعا، فقال لهم أبو سلمة: إني أرى ناقتي تنازعني شقا، أفلا أرسلها وأتبعها؟ قالوا: فافعل، فأرسل ناقته وتبعها، فأصبحوا على ماء وحاضر، فاستقوا وسقوا. فإنهم لعلى ذلك؛ إذ أقبل رجل إليهم (٣) فقال: من القوم؟ قالوا (٤): من قريش (٥). قال: فرجع إلى شجرة [فقام] (٦) أمام الماء فتكلم عندها بشيء، ثم رجع إلينا فقال: لينطلق (٧) معي أحدكم إلى رجل يدعوه. قال أبو سلمة: فانطلقت معه فوقف بي تحت شجرة، فإذا وكر معلق. قال: فصوت به: يا أبه يا أبه (٨)، قال: فزعزع شيخ رأسه فأجابه. قال (٩): هذا الرجل، قال لي: من الرجل؟ قلت: من قريش. قال: من أيها؟ قلت: من بني مخزوم بن يقظة، قال: من أيهم؟ قلت: أنا أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن

стр. 150

عمرو بن مخزوم بن يقظة قال: أيهات منك (١)، أنا ويقظة سن (٢)، أتدري من يقول: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا … أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأزالنا (٣) … صروف الليالي والجدود العوائر (٤) قلت: لا، قال: أنا قائلها، أنا عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي، أتدري لم سمي أجياد أجيادا؟ قلت: لا، قال: جادت بالدماء يوم التقينا نحن وقطورا. أتدري لم سمي قعيقعان؟ قلت: لا، قال: لتقعقع السلاح في ظهورنا لما طلعنا عليهم منه. باب ما جاء في ولاية قصي بن كلاب البيت الحرام وأمر مكة بعد خزاعة وما ذكر من ذلك ١٣٧ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن ابن جريج وعن ابن إسحاق - يزيد أحدهما على صاحبه - قالا: قامت خزاعة على ما كانت عليه من ولاية البيت والحكم بمكة ثلاثمائة سنة، وكان بعض التبابعة قد سار إليه وأراد هدمه وتخريبه، فقامت دونه خزاعة فقاتلت عليه أشد القتال حتى رجع، ثم آخر فكذلك. وأما التبع الثالث الذي نحر له وكساه، وجعل له غلقا، وأقام عنده أياما (٥)

стр. 151

ينحر كل يوم مائة بدنة، لا يرزأ هو ولا أحد من أهل عسكره شيئا منها، يردها الناس في الفجاج والشعاب فيأخذون منها حاجتهم، ثم تقع الطير عليها (١) فتأكل، ثم تنتابها السباع إذا أمست، لا يرد عنها إنسان ولا طائر ولا سبع، ثم رجع إلى اليمن؛ إنما كان في عهد قريش (٢). فلبثت خزاعة على ما هي عليه، وقريش إذ ذاك في بني كنانة متفرقة. وقد قدم في بعض الزمان حاج قضاعة، فيهم ربيعة بن حرام بن ضنة (٣) بن عبد [بن] (٤) كبير بن عذرة بن سعد بن زيد، وقد هلك كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب وترك زهرة وقصيا ابني كلاب مع (٥) أمهما فاطمة بنت عمرو (٦) [بن سعد] (٧) بن سيل (٨). وسعد بن سيل الذي يقول فيه الشاعر، وكان أشجع أهل زمانه: لا أرى في الناس شخصا واحدا … - فاعلموا ذاك - كسعد بن سيل فارس أضبط (٩) فيه عسرة … وإذا (١٠) ما عاين القرن نزل فارس يستدرج الخيل كما … يدرج الحر القطامي الحجل وزهرة أكبرهما. فتزوج ربيعة بن حرام أمهما، وزهرة رجل بالغ، وقصي فطيم أو

стр. 152

في سن الفطيم، فاحتملها ربيعة إلى بلاده من أرض عذرة (١) من أشراف الشام، فاحتملت معها قصيا لصغره، وتخلف زهرة في قومه. فولدت فاطمة بنت عمرو (٢) بن سعد لربيعة: رزاح بن ربيعة فكان (٣) أخا قصي بن كلاب لأمه، ولربيعة بن حرام من امرأة أخرى ثلاثة نفر: حن، ومحمود (٤)، وجلهمة بنو ربيعة. فبينا قصي بن كلاب في أرض قضاعة لا ينتمي إلا إلى ربيعة بن حرام؛ إذ كان بينه وبين رجل من قضاعة شيء - وقصي قد بلغ - فقال له القضاعي (٥): ألا تلحق بنسبك [وقومك] (٦)؟ فإنك لست منا. فرجع قصي إلى أمه وقد وجد في نفسه مما قال له القضاعي، فسألها عما قال له القضاعي (٧)، فقالت: أنت والله يا بني أخير منه (٨) وأكرم، أنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وقومك عند البيت الحرام وما حوله. فأجمع قصي بالخروج إلى قومه واللحاق بهم، وكره الغربة في أرض قضاعة. فقالت له أمه: يا بني، لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج مع (٩) حاج العرب فإني أخشى عليك. فأقام قصي حتى دخل الشهر الحرام وخرج في حاج قضاعة حتى قدم مكة، فلما فرغ من الحج [أقام] (١٠) بها. وكان

стр. 153

قصي رجلا جليدا، حازما، بارعا، فخطب إلى حليل بن [حبشية] (١) بن سلول الخزاعي ابنته حبى (٢)، فأثبت (٣) حليل النسب وعرف (٤) ورغب في الرجل، فزوجه - وحليل يومئذ يلي الكعبة وأمر مكة - فأقام قصي معه (٥)، وولدت حبى لقصي (٦): عبد الدار - وهو أكبر ولده - وعبد مناف، وعبد العزى، وعبدا بني قصي. فكان حليل يفتح البيت، فإذا اعتل أعطى ابنته حبى المفتاح ففتحته، فإذا اعتلت أعطت المفتاح زوجها قصيا أو بعض ولدها فيفتحه، وكان قصي يعمل في حيازته إليه، وقطع ذكر خزاعة عنه. فلما حضرت حليلا الوفاة نظر إلى قصي وإلى ما انتشر له من الولد من ابنته، فرأى أن يجعلها في ولد ابنته، فدعا قصيا فجعل له ولاية البيت وأسلم إليه المفتاح، وكان يكون عند حبى. فلما هلك [حليل] (٧) أبت خزاعة أن تدعه وذاك، وأخذوا المفتاح من حبى. فمشى قصي إلى رجال من قومه من قريش وبني كنانة، ودعاهم إلى أن يقوموا معه في ذلك وأن ينصروه ويعضدوه، فأجابوه إلى نصره. وأرسل قصي إلى أخيه لأمه رزاح بن ربيعة وهو ببلاد قومه من قضاعة يدعوه إلى نصره، ويعلمه ما حالت خزاعة بينه وبينه من ولاية البيت، ويسأله الخروج إليه بمن (٨) أجابه من قومه فقام رزاح في قومه فأجابوه إلى ذلك، فخرج رزاح بن

стр. 154

ربيعة ومعه إخوته من [أبيه] (١): حن، ومحمود، وجلهمة [بنو] (٢) ربيعة بن حرام فيمن تبعهم من قضاعة في حاج العرب، مجمعين (٣) لنصر قصي والقيام معه. فلما [اجتمع] (٤) الناس بمكة خرجوا إلى الحج، فوقفوا بعرفة وبجمع (٥) ونزلوا منى، وقصي مجمع على ما أجمع عليه من قتالهم بمن معه من قريش وبني كنانة، ومن قدم عليه مع أخيه رزاح [من قضاعة] (٦). فلما كانت آخر أيام منى؛ أرسلت قضاعة إلى خزاعة يسألونهم أن يسلموا إلى قصي ما جعل له حليل، وعظموا عليهم القتال في الحرم، وحذروهم الظلم والبغي بمكة، وذكروهم ما كانت فيه جرهم وما صارت إليه حين ألحدوا فيه بالظلم [والبغي] (٧)، فأبت خزاعة أن تسلم ذلك، فاقتتلوا بمفضى مازمي منى، قال: فسمي ذلك المكان: المفجر (٨)، لما فجر فيه وسفك فيه من [الدماء] (٩)، وانتهك فيه (١٠) من حرمته، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعا، وفشت فيهم الجراحات، وحاج العرب جميعا من مضر واليمن مستكفون ينظرون إلى قتالهم. ثم تداعوا إلى الصلح، ودخلت قبائل العرب بينهم، وعظموا على الفريقين سفك الدماء والفجور في الحرم، فاصطلحوا على أن يحكموا بينهم

стр. 155

رجلا من العرب فيما اختلفوا فيه، فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكان رجلا شريفا، فقال لهم: موعدكم فناء الكعبة غدا. فاجتمع الناس وعدوا القتلى، فكانت في خزاعة أكثر منها في قريش وقضاعة وكنانة، وليس كل بني كنانة قاتل مع قصي خزاعة، إنما كانت مع قريش من بني كنانة فلال يسير، واعتزلت عنها بكر بن عبد مناة قاطبة. فلما اجتمع الناس بفناء الكعبة، قام يعمر بن عوف، فقال: إني شدخت (١) ما كان بينكم من دم تحت قدمي هاتين، فلا تباعة لأحد على أحد في دم، وإني قد حكمت لقصي بحجابة الكعبة وولاية أمر مكة دون خزاعة، لما (٢) جعل له [حليل] (٣)، وأن يخلي بينه وبين ذلك، وأن لا تخرج خزاعة عن مساكنها من مكة. قال: فسمي يعمر (٤) ذلك اليوم: الشداخ. فسلمت (٥) خزاعة لقصي، وأعظموا (٦) سفك الدماء في الحرم، وافترق الناس. فولي قصي بن كلاب حجابة الكعبة وأمر مكة، وجمع قومه من قريش من منازلهم إلى مكة يستعز بهم، وتملك على قومه [فملكوه] (٧)، وخزاعة مقيمة بمكة على رباعهم وسكناتهم لم يحركوا ولم يخرجوا منها، فلم يزالوا (٨) على ذلك حتى الآن.

стр. 156

وقال قصي في ذلك وهو يتشكر لأخيه رزاح بن ربيعة (١): أنا ابن العاصمين بني لؤي … بمكة مولدي، وبها ربيت لي البطحاء قد علمت معد … [ومروتها] (٢) رضيت بها رضيت وفيها كانت الآباء قبلي … فما سويت (٣) أخي ولا سويت فلست لغالب إن لم تأثل (٤) … بها أولاد قيدر والنبيت (٥) رزاح [ناصري] (٦)، وبه أسامي (٧) … فلست أخاف ضيما ما حييت فكان قصي أول رجل من بني كنانة أصاب ملكا وأطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة، والرفادة، والسقاية والندوة، واللواء (٨)، والقيادة. فلما جمع قصي قريشا بمكة سمي: مجمعا، وفي ذلك يقول حذافة بن غانم الجمحي يمدحه: أبوهم قصي كان يدعى مجمعا … به جمع الله القبائل من فهر هم نزلوها والمياه قليلة … وليس بها إلا كهول بني عمرو يعني خزاعة.

стр. 157

وقال أبو الوليد (١): [قال إسحاق (٢) بن أحمد (٣)]: زادني (٤) أبو جعفر محمد بن الوليد بن كعب الخزاعي: أقمنا بها والناس فيها قلائل … وليس بها إلا كهول بني عمرو هم [ملأوا] (٥) البطحاء مجدا وسؤددا … وهم طردوا عنها غواة بني بكر وهم حفروها والمياه قليلة … ولم يستقى إلا بنكد من الجفر (٦) حليل الذي عادى كنانة كلها … ورابط بيت الله بالعسر واليسر أحازم إما [أهلكن فلم] (٧) تزل … لها (٨) شاكرا حتى توسد في القبر قال أبو الوليد: وأنشدني عبد العزيز بن إسماعيل الحلبي في التقرش وهو الاجتماع: أجدى كثحنا (٩) للطعان إذا … اقترش القنا وتقعقع (١٠) الحجف ولبعضهم؛ لخلف الأحمر: قوارش (١١) بالرماح كأن فيها … شواطن ينتزعن به انتزاعا ويقال: من أجل تجمع قريش إلى قصي سميت قريش: قريشا (١٢).

стр. 158

والتجمع: التقرش في بعض كلام العرب. ويقال: كان يقال لقصي: القرشي، ولم يسم قريش (١) قبله. ويقال أيضا: إن النضر بن كنانة كان يسمى: القرشي. وقد قيل أيضا: إنما سميت قريش قريشا: أنها كانت تجارا تكتسب وتتجر وتحترش (٢)، [فشبهت] (٣) بحوت في البحر. ١٣٨ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: وحدثني أبو الحسين (٤) الوليد بن أبان الرازي، عن علي بن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قيل لابن عباس: لم (٥) سميت قريش قريشا؟ قال: بأمر بين مشهور، بدابة في البحر تسمى: [قرشا] (٦)، والدليل على ذلك قول تبع حين يقول: وقريش هي التي تسكن البحر … بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا … تترك فيه لذي جناحين ريشا هكذا في البلاد حي قريش … يأكلون البلاد أكلا كشيشا ولهم آخر الزمان نبي … يكثر القتل فيهم والخموشا ثم رجع إلى حديث ابن جريج، ومحمد بن إسحاق، قال: فحاز قصي شرف مكة، وأنشأ دار الندوة، وفيها كانت قريش تقضي أمورها، ولم يكن يدخلها من قريش - من غير ولد قصي - إلا ابن أربعين سنة للمشورة، وكان يدخلها ولد قصي

стр. 159

كلهم أجمعون وحلفاؤهم. فلما كبر قصي ورق، وكان عبد الدار بكره وأكبر ولده، وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه، وذهب شرفه كل مذهب وعبد الدار وعبد العزى وعبد؛ بنو قصي بها لم يبلغوا ولا أحد من قومهم من قريش ما بلغ عبد مناف من الذكر والشرف والعز. وكان قصي وحبى ابنة حليل يحبان عبد الدار ويرقان عليه؛ لما يريان عليه من شرف عبد مناف عليه (١) وهو أصغر منه. فقالت له حبى: لا والله لا أرضى حتى تخص عبد الدار بشيء تلحقه بأخيه. فقال قصي: والله لألحقته به، ولأحبونه بذروة الشرف، حتى لا يدخل أحد من قريش ولا غيرها الكعبة إلا بإذنه، ولا يقضون أمرا ولا يعقدون لواء إلا عنده، وكان ينظر في العواقب. فأجمع قصي على أن يقسم أمور مكة الستة التي فيها الذكر والشرف والعز بين ابنيه؛ فأعطى عبد الدار: السدانة وهي: الحجابة، ودار الندوة، واللواء. وأعطى عبد مناف السقاية، والرفادة، والقيادة. فأما السقاية: فحياض من أدم، كانت على عهد قصي توضع بفناء الكعبة، ويستقى (٢) فيها الماء العذب من الآبار على الإبل، ويسقاه الحاج. وأما الرفادة: فخرج كانت (٣) قريش تخرجه من أموالها في كل موسم، فتدفعه (٤) إلى قصي يصنع به طعاما للحاج، يأكله من لم يكن معه سعة ولا زاد. فلما هلك قصي أقيم أمره في قومه بعد وفاته على ما كان [عليه] (٥) في حياته.

стр. 160

وولي عبد الدار حجابة البيت، وولاية دار الندوة، واللواء، فلم يزل [يليه] (١) حتى هلك. وجعل عبد الدار الحجابة بعده إلى ابنه عثمان بن عبد الدار، وجعل دار الندوة إلى ابنه عبد مناف بن عبد الدار، فلم يزل بنو عبد مناف بن عبد الدار يلون الندوة دون ولد عبد الدار؛ فكانت قريش إذا أرادت أن تشاور في أمر: فتحها لهم عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، أو بعض ولده أو ولد أخيه. وكانت الجارية إذا حاضت [أدخلت] (٢) دار الندوة، ثم شق (٣) عليها بعض ولد عبد مناف بن عبد الدار درعها ثم درعها إياه، وانقلب بها إلى (٤) أهلها فحجبوها، وكان (٥) عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار يسمى محيضا. وإنما سميت دار الندوة لاجتماع الندى (٦) فيها بندوتها (٧)؛ يجلسون فيها لإبرام أمرهم وتشاورهم. ولم تزل بنو عثمان بن عبد الدار يلون الحجابة دون ولد عبد الدار، ثم وليها عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، ثم وليها (٨) أبو طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، ثم وليها ولده من بعده حتى كان فتح مكة فقبضها رسول الله ﷺ من أيديهم، وفتح الكعبة ودخلها، ثم خرج رسول الله ﷺ من الكعبة مشتملا على المفتاح، فقال له العباس بن عبد المطلب: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أعطنا الحجابة مع السقاية. فأنزل الله جل ذكره على نبيه ﵇:

стр. 161

﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلهآ﴾ [النساء: ٥٨]. قال عمر بن الخطاب ﵁: فما سمعتها من رسول الله ﷺ قبل تلك الساعة، فتلاها. ثم دعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال: «غيبوه» ثم قال: «خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله، فاعملوا (١) فيها بالمعروف خالدة تالدة، لا ينزعها من أيديكم إلا ظالم». فخرج عثمان بن طلحة إلى هجرته مع النبي ﷺ ، وأقام ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، فلم يزل يحجب هو وولده وولد أخيه وهب بن عثمان، حتى قدم ولد عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، [وولد] (٢) مسافع بن طلحة بن أبي طلحة من المدينة، وكانوا بها دهرا طويلا، فلما قدموا حجبوا مع بني عمهم، فولد أبي طلحة جميعا يحجبون. وأما اللواء: فكان في أيدي بني عبد الدار كلهم، يليه منهم [ذوو] (٣) السن والشرف في الجاهلية، حتى كان يوم أحد فقتل عليه من قتل منهم. وأما السقاية والرفادة والقيادة فلم تزل لعبد مناف بن قصي يقوم بها حتى توفي، فولي بعده هاشم بن عبد مناف السقاية والرفادة. وولي عبد شمس بن عبد مناف القيادة، فكان هاشم بن عبد مناف يطعم الناس في كل موسم بما يجتمع عنده من ترافد قريش، كان يشتري بما يجتمع عنده دقيقا، ويأخذ من كل ذبيحة من بدنة أو بقرة أو شاة فخذها، فيجمع (٤) ذلك كله ثم يخزر به الدقيق ويطعمه الحاج. فلم يزل على ذلك من أمره حتى أصاب الناس في سنة جذب شديد، فخرج هاشم بن عبد مناف إلى الشام، فاشترى بما اجتمع عنده من ماله دقيقا وكعكا، فقدم به مكة في الموسم، فهشم ذلك الكعك، ونحر الجزر وطبخه، وجعله ثريدا وأطعم الناس

стр. 162

وكانوا في مجاعة شديدة - حتى أشبعهم، فسمي بذلك: هاشما، وكان اسمه عمرو، ففي ذلك يقول ابن الزبعرى السهمي (١): كانت قريش بيضة فتفلقت (٢) … فالمح خالصها لعبد مناف الرائشين وليس يوجد رائش … والقائلين هلم للأضياف والخالطين غنيهم بفقيرهم … حتى يعود فقيرهم كالكافي والضاربين الكبش يبرق بيضه … والمانعين البيض بالأسياف عمرو العلا هشم الثريد لمعشر … كانوا بمكة مسنتين عجاف يعني بعمرو العلا: هاشما. فلم يزل هاشم على ذلك حتى توفي، فكان عبد المطلب يفعل ذلك. فلما توفي عبد المطلب قام بذلك أبو طالب في كل موسم، حتى جاء الإسلام وهو على ذلك، وكان النبي ﷺ قد أرسل [بمال] (٣) يعمل به الطعام مع أبي بكر حين حج أبو بكر بالناس سنة تسع، ثم عمل في حجة النبي ﷺ في حجة الوداع. ثم أقامه بمكة (٤) أبو بكر في خلافته، ثم عمر في خلافته، ثم الخلفاء هلم جرا حتى الآن. وهو طعام الموسم الذي يطعمه الخلفاء اليوم في أيام الحج بمكة ومنى (٥)، حتى تنقضي أيام الموسم. وأما السقاية: فلم تزل بيد عبد مناف؛ فكان يسقي الناس (٦) من «بئر كر

стр. 163

آدم» (١) و «بئر خم» (٢) على الإبل في المزاد والقرب، ثم يسكب ذلك الماء في حياض من أدم بفناء الكعبة، فيرده الحاج حتى يتفرقوا، وكان (٣) يستعذب ذلك الماء، وقد كان قصي (٤) حفر بمكة آبارا، وكان الماء بمكة عزيزا، إنما يشرب الناس من آبار خارجة من الحرم. فأول ما (٥) حفر قصي بمكة؛ حفر بئرا يقال ها: «العجول» (٦)، كان موضعها في دار أم هانئ بنت أبي طالب [بالحزورة،] (٧) وكانت العرب إذا قدمت مكة يردونها فيستقون (٨) منها ويتراجزون عليها. وقال (٩) قائل فيها: أروى من العجول ثمت انطلق … إن قصيا قد وفى وقد صدق بالشبع للحي وري المغتبق

стр. 164

وحفر قصي أيضا بئرا عند الردم الأعلى، عند دار أبان بن عثمان التي كانت لآل جحش بن رئاب ثم دثرت، فنثلها جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وأحياها. ثم حفر هاشم بن عبد مناف «بذر» وقال حين حفرها: لأجعلنها للناس بلاغا. وهي البئر التي في حق المقوم بن عبد المطلب في ظهر دار طلوب - مولاة زبيدة (١) - بالبطحاء في أصل المستنذر (٢)، وهي التي يقول فيها بعض ولد هاشم: نحن حفرنا بذر بجانب المستنذر (٣) تسقي الحجيج الأكبر وحفر هاشم أيضا «سجلة»، وهي: البئر التي يقال لها: بئر جبير بن مطعم، دخلت في دار القوارير. فكانت (٤) سجلة لهاشم بن عبد مناف، فلم تزل (٥) لولده حتى وهبها أسد بن هاشم للمطعم بن عدي حين حفر عبد المطلب زمزم واستغنوا (٦) عنها. [ويقال] (٧): وهبها له عبد المطلب حين حفر (٨) زمزم واستغنى عنها. وسأله المطعم بن عدي أن يضع حوضا من أدم إلى جنب (٩) زمزم، يسقي فيه من ماء بئره، فأذن له في ذلك، فكان يفعل، فلم يزل هاشم بن عبد مناف يسقي الحاج حتى توفي. فقام بأمر السقاية بعده عبد المطلب بن هاشم، فلم يزل كذلك حتى حفر زمزم

стр. 165

فعفت على آبار مكة [كلها] (١)، فكان منها مشرب الحاج. قال: وكانت لعبد المطلب إبل كثيرة، فإذا كان الموسم جمعها ثم سقى (٢) لبنها بالعسل في حوض من أدم عند زمزم، ويشتري الزبيب فينبذه بماء زمزم ويسقيه الحاج، لأن يكسر غلظ ماء زمزم، وكانت إذ ذاك غليظة جدا. وكان الناس إذ ذاك لهم في بيوتهم أسقية يستقون فيها الماء من هذه الآبار ثم ينبذون فيها القبضات من الزبيب والتمر لأن يكسر عنهم غلظ ماء أبيار (٣) مكة، وكان الماء العذب بمكة عزيزا، لا يوجد إلا لإنسان يستعذب له من بئر ميمون وخارج من مكة، فلبث عبد المطلب يسقي الناس حتى توفي، فقام بأمر السقاية بعده العباس بن عبد المطلب فلم تزل في يده، وكان للعباس كرم بالطائف، فكان يحمل زبيبه إليه (٤)، وكان يداين أهل الطائف ويقتضي منهم الزبيب، وينبذ (٥) ذلك كله ويسقيه الحاج أيام الموسم حتى ينقضي في الجاهلية وصدر الإسلام حتى دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح، فقبض السقاية من العباس بن عبد المطلب، والحجابة من عثمان بن طلحة، فقام العباس بن عبد المطلب، فبسط يده، وقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي اجمع لنا (٦) الحجابة والسقاية، فقال رسول الله ﷺ : أعطيكم ما ترزءون فيه ولا (٧) ترزءون منه (٨). فقام بين عضادتي باب الكعبة فقال: «ألا إن كل دم أو مال أو مأثرة كانت في الجاهلية، فهي تحت قدمي هاتين

стр. 166

إلا سقاية الحاج وسدانة الكعبة؛ فإني قد أمضيتهما (١) [لأهلها] (٢) على ما كانت عليه في الجاهلية» فقبضها العباس فكانت في يده (٣) حتى توفي، فوليها بعده عبد الله بن عباس، فكان يفعل فيها كفعله دون بني عبد المطلب، وكان محمد بن علي (٤) بن الحنفية قد كلم فيها ابن عباس، فقال له ابن عباس: ما لك ولها؟ نحن أولى بها منك (٥) في الجاهلية والإسلام، قد كان أبوك تكلم فيها فأقمت البينة؛ طلحة بن عبيد الله، وعامر بن ربيعة، وأزهر بن عبد عوف، ومخرمة بن نوفل؛ أن العباس بن عبد المطلب كان يليها في الجاهلية بعد عبد المطلب، وجدك أبو طالب في إبله في باديته بعرنة (٦)، وإن رسول الله ﷺ أعطاها العباس يوم فتح مكة (٧) دون بني عبد المطلب، فعرف ذلك من حضر. فكانت بيد عبد الله بن عباس بعد أبيه لا ينازعهم فيها منازع، ولا يتكلم فيها متكلم حتى توفي، فكانت بيد (٨) علي بن عبد الله بن عباس يفعل فيها كفعل أبيه وجده، يأتيه [الزبيب] (٩) من ماله بالطائف وينبذه (١٠) حتى توفي، فكانت بيد ولده حتى الآن. وأما القيادة: فوليها من بني عبد مناف: عبد شمس بن عبد مناف، ثم وليها من بعده أمية بن عبد شمس، ثم من بعده حرب بن أمية؛ فقاد بالناس يوم عكاظ

стр. 167

في حرب قريش وقيس بن عيلان، وفي الفجارين: الفجار الأول والفجار الثاني. وقاد الناس قبل ذلك بذات نكيف في حرب قريش وبني بكر بن عبد مناة بن كنانة، والأحابيش يومئذ مع بني بكر تحالفوا على جبل يقال له: الحبشي على قريش، فسموا الأحابيش بذلك. ثم كان أبو سفيان بن حرب يقود قريشا بعد أبيه، حتى كان يوم بدر فقاد الناس: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان أبو سفيان بن حرب في العير يقود الناس. فلما أن كان يوم أحد قاد الناس أبو سفيان بن حرب، وقاد الناس يوم الأحزاب، فكانت (١) آخر وقعة لقريش وحرب، حتى جاء الله بالإسلام وفتح مكة (٢). ما جاء في انتشار ولد إسماعيل ﵇ وعبادتهم الحجارة وتغيير دين (٣) الحنيفية دين إبراهيم ﵇ ١٣٩ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني ابن إسحاق: أن بني إسماعيل وجرهم من ساكني مكة ضاقت عليهم مكة، فتفسحوا في البلاد والتمسوا المعاش، فيزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم إلا احتملوا معهم من حجارة الحرم تعظيما للحرم وصبابة بمكة وبالكعبة، حيثما حلوا وضعوه وطافوا به كالطواف بالكعبة، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن

стр. 168

كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم من حجارة الحرم خاصة، حتى خلفت الخلوف بعد الخلوف، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم (١) قبلهم من الضلالات، وانتحوا ما كان يعبد قوم نوح منها على إرث ما كان بقي فيهم من ذكرها. وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به، والحج والعمرة، والوقوف على عرفة ومزدلفة، وهدي البدن، والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه، وكان أول من غير دين [إبراهيم وإسماعيل] (٢)، ونصب الأوثان، وسيب السائبة، وبحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام: عمرو بن لحي. ١٤٠ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا جدي، قال: حدثني سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني ابن (٣) جريج، قال: قال عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه - يعني أمعاءه - في النار، على رأسه فروة، فقال له رسول الله ﷺ : من في النار؟ قال: من بيني وبينك من الأمم». ١٤١ - وقال رسول الله ﷺ : «هو أول من جعل البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، ونصب الأوثان حول الكعبة، وغير الحنيفية دين إبراهيم ﵇».

стр. 169

باب ما جاء في أول من نصب الأصنام في الكعبة والاستقسام بالأزلام ١٤٢ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن [سالم] (١) القداح، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني محمد بن إسحاق، قال: إن البئر التي كانت في جوف الكعبة كانت على يمين من دخلها، وكان عمقها ثلاث (٢) أذرع، يقال: إن إبراهيم وإسماعيل حفراها ليكون فيها ما يهدى للكعبة، فلم تزل كذلك حتى كان عمرو بن لحي، فقدم بصنم يقال له: «هبل» من هيت من أرض الجزيرة، وكان هبل من أعظم أصنام قريش عندها، فنصبه على البئر في بطن الكعبة، وأمر الناس بعبادته. فكان (٣) الرجل إذا قدم من سفر: بدأ به على أهله بعد طوافه بالبيت، وحلق رأسه عنده، وهبل الذي يقول له أبو سفيان يوم أحد: اعل هبل، أي: [أظهر] (٤) دينك. فقال النبي ﷺ : «الله أعلى وأجل». وكان اسم البئر الذي في بطن الكعبة: «الأخسف» وكانت العرب تسميها «الأخشف». قال محمد بن إسحاق: كان عند هبل في الكعبة سبعة قداح، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه «العقل» إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة عليهم، فعلى من خرج: حمله. وقدح فيه «نعم» للأمر إذا أرادوه، يضرب

стр. 170

به (١) في القداح؛ فإن خرج [قدح] (٢) فيه «نعم» عملوا به. وقدح فيه «لا»، فإذا أرادوا الأمر ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك لم يفعلوا ذلك الأمر. وقدح فيه «منكم». وقدح فيه «ملصق». وقدح فيه «من غيركم». وقدح فيه «المياه»، فإذا أرادوا أن يحفروا الماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القدح، فحيثما خرج به (٣) عملوا به، وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا (٤) غلاما، أو ينكحوا منكحا (٥)، أو يدفنوا ميتا، أو [شكوا] (٦) في نسب أحد منهم (٧): ذهبوا به إلى هبل ومائة درهم وجزور (٨) فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا، هذا فلان أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه. ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فإن خرج «منكم» كان منهم وسيطا، وإن خرج عليه «من غيركم» كان حليفا، وإن خرج عليه «ملصق» كان ملصقا على منزلته فيهم. لا نسب له ولا حلف، وإن خرج عليه شيء مما سوى هذا مما يعملون به «نعم» (٩) عملوا به، وإن (١٠) خرج «لا»: أخروه عامه ذلك، حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمرهم ذلك إلى ما خرجت به القداح، وبذلك فعل عبد المطلب بابنه حين أراد أن يذبحه (١١).

стр. 171

وقال محمد ابن إسحاق: كان هبل من خرز العقيق على صورة إنسان، وكانت يده اليمنى مكسورة، فأدركته قريش فجعلت له يدا من ذهب، وكانت له خزانة للقربان، وكانت له سبعة قداح، يضرب بها على الميت والعذرة والنكاح، وكان قربانه مائة بعير، وكان له حاجب، وكانوا إذا جاءوا هبل (١) بالقربان ضربوا بالقداح، وقالوا (٢): إنا اختلفنا فهب السراحا … ثلاثة يا هبل فصاحا الميت والعذرة والنكاحا … والبرء (٣) في المرضى [وفي (٤)] الصحاحا إن لم تقله فمر القداحا باب ما جاء في أول من نصب الأصنام وما كان من كسرها ١٤٣ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: حدثني محمد بن إسحاق: إن [جرهما] (٥) لما طغت في الحرم، دخل رجل منهم بامرأة منهم الكعبة ففجر بها، ويقال: إنما قبلها فيها، فمسخا حجرين، اسم الرجل: إساف بن بغاء، واسم المرأة: نائلة بنت ذئب. فأخرجا من الكعبة فنصب أحدهما على الصفا والآخر على المروة، وإنما نصبا هنالك ليعتبر بهما الناس ويزدجروا عن مثل ما ارتكبا، لما يرون من الحال التي صارا إليها. فلم يزل

стр. 172

الأمر يدرس ويتقادم حتى صارا يمسحان، يمتسح (١) بهما من وقف على الصفا والمروة، ثم صارا وثنين يعبدان … فلما كان عمرو بن لحي أمر الناس بعبادتهما والتمسح بهما، وقال للناس: [إن] (٢) من كان قبلكم كان يعبدهما، [فكان] (٣) كذلك، حتى كان قصي بن كلاب فصارت إليه الحجابة وأمر مكة، فحولهما من الصفا والمروة، فجعل أحدهما بلصق الكعبة، وجعل الآخر في موضع زمزم. ويقال: جعلهما جميعا في موضع (٤) زمزم، فكان (٥) ينحر عندهما، فكان أهل الجاهلية يمرون بإساف ونائلة ويتمسحون بهما، وكان الطائف إذا طاف بالبيت يبدأ بإساف فيستلمه، فإذا فرغ من طوافه ختم بنائلة فاستلمها، فكانا (٦) كذلك حتى كان يوم الفتح فكسرهما رسول الله ﷺ مع ما كسر من الأصنام. ١٤٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني محمد بن يحيى المديني، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن ابن حزم، عن عمرة، أنها قالت: كان إساف ونائلة رجلا وامرأة، فمسخا حجرين، فأخرجا من جوف الكعبة وعليهما ثيابهما، فجعل أحدهما بلصق الكعبة والآخر عند زمزم، فكان (٧) يطرح بينهما ما يهدى للكعبة، ويقال: إن ذلك الموضع كان يسمى «الحطيم»، وإنما نصبا هنالك ليعتبر بهما الناس، فلم يزل أمرهما يدرس حتى جعلا وثنين يعبدان. وكانت ثيابهما كلما

стр. 173

بليت أخلفوا لهما ثيابا، ثم أخذ الذي بلصق الكعبة فجعل مع الذي عند زمزم، فكانوا (١) يذبحون عندهما، ولم يكن تدنو منهما امرأة طامث (٢)، ففي ذلك يقول الشاعر بشر بن أبي حازم الأسدي - أسد خزيمة - (٣): عليه الطير ما يدنون منه … مقامات العوارك من إساف ١٤٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن علي بن عبد الله بن عباس، قال: لقد دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وإن بها ثلاثمائة وستين صنما قد شدها لهم (٤) إبليس بالرصاص، وكان بيد رسول الله ﷺ قضيب، فكان يقوم عليها فيقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ [الإسراء: ٨١]، ثم يشير إليها بقضيبه فتساقط على ظهورها. ١٤٦ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن سفيان بن عيينة، عن ابن

стр. 174

أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود، أنه (١) قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ [الإسراء: ٨١]، ﴿جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد﴾ [سبأ: ٤٩]. ١٤٧ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن محمد بن عبد العزيز، عن ابن شهاب، عن [عبيد الله] (٢) بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، أنه قال: دخل رسول الله ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، منها ما قد شد بالرصاص، فطاف على راحلته وهو يقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ [الإسراء: ٨١]، ويشير إليها، فما منها صنم أشار إلى وجهه إلا وقع على دبره، ولا أشار إلى دبره إلا وقع على وجهه، حتى وقعت كلها. وقال ابن إسحاق: لما صلى النبي ﷺ الظهر يوم الفتح، أمر بالأصنام التي كانت حول الكعبة كلها فجمعت، ثم حرقت بالنار وكسرت. وفي ذلك يقول فضالة بن عمير بن الملوح الليثي في ذكر يوم الفتح: لو ما رأيت محمدا وجنوده … بالفتح يوم تكسر الأصنام لرأيت نور الله أصبح بينا … والشرك يغشى وجهه الإظلام ١٤٨ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن محمد بن إدريس، عن

стр. 175

الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ما يزيد رسول الله ﷺ على أن يشير بالقضيب إلى الصنم فيقع لوجهه، فطاف رسول الله ﵇ سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجنه (١)، فلما فرغ من سبعه نزل عن راحلته. ثم انتهى رسول الله ﵇ إلى المقام - وجاء معمر بن عبد الله بن نضلة - فأخرج راحلته والدرع (٢) عليه، والمغفر وعمامته بين كتفيه، فصلى ركعتين، ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها وقال: لولا أن تغلب بنو عبد المطلب لنزعت منها دلوا، فنزع له العباس بن عبد المطلب دلوا فشرب منه (٣)، وأمر بهبل فكسر وهو واقف عليه. فقال الزبير بن العوام (٤) لأبي سفيان: [يا أبا سفيان] (٥) بن حرب قد كسر هبل، أما إنك قد كنت منه يوم أحد في غرور حين تزعم أنه قد أنعم عليك؟ فقال أبو سفيان: دع هذا عنك يا ابن العوام؛ فقد أرى [أن] (٦) لو كان مع إله محمد غيره لكان غير ما كان (٧). ١٤٩ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن محمد بن إدريس، عن

стр. 176

الواقدي، عن أشياخه قالوا: كان إساف ونائلة [رجلا] (١) وامرأة، الرجل: إساف بن عمرو، والمرأة: نائلة بنت سهيل من جرهم، فزنيا في جوف الكعبة فمسخا حجرين، فاتخذوهما يعبدونهما، وكانوا يذبحون عندهما ويحلقون رؤوسهم عندهما إذا نسكوا (٢). فلما كسرت الأصنام كسرا [خرج] (٣) من أحدهما امرأة سوداء شمطاء، تحمس وجهها، عريانة، ناشرة الشعر، تدعو بالويل. فقيل لرسول الله ﷺ في ذلك، فقال: تلك نائلة قد أيست أن تعبد ببلادكم أبدا (٤). ويقال: رن إبليس ثلاث رئات: رنة حين لعن فتغيرت صورته عن صورة الملائكة، ورئة حين رأى رسول الله ﷺ قائما بمكة يصلي (٥)، ورنة حين افتتح رسول الله ﷺ مكة، فاجتمعت إليه ذريته فقال إبليس: ايأسوا أن تردوا أمة محمد على الشرك بعد يومهم هذا أبدا، ولكن افشوا فيهم النوح والشعر (٦). ١٥٠ - وذكر الواقدي عن أشياخه قالوا (٧): نادى منادي رسول الله ﷺ يوم الفتح [بمكة] (٨): من كان يؤمن بالله ورسوله فلا يدعن في بيته صنما إلا كسره. فجعل

стр. 177

[المسلمون] (١) يكسرون تلك الأصنام، قال: وكان عكرمة بن أبي جهل - حين أسلم - لا يسمع بصنم في بيت من بيوت قريش إلا مشى إليه حتى يكسره، وكان أبو تجراة (٢) يعملها في الجاهلية ويبيعها، فلم يكن في قريش رجل [بمكة] (٣) إلا وفي بيته صنم. ١٥١ - قال الواقدي: وحدثني ابن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم، عن بعض آل جبير بن مطعم، عن جبير بن مطعم، قال: لما كان يوم الفتح نادى منادي رسول الله ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يتركن في بيته صنما إلا كسره أو حرقه، وثمنه حرام. قال جبير: وقد كنت أرى قبل ذلك الأصنام يطاف بها بمكة فيشتريها أهل البدو، فيخرجون بها إلى بيوتهم، وما من رجل من قريش إلا وفي بيته صنم إذا دخل يمسحه، وإذا خرج يمسحه تبركا به. ١٥٢ - قال الواقدي: وأخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الحميد بن سهيل، قال: لما أسلمت هند بنت عتبة جعلت تضرب صنما في بيتها بالقدوم فلذة فلذة، وهي تقول: كنا منك في غرور.

стр. 178

باب ما جاء في الأصنام التي كانت على الصفا والمروة ومن نصبها وما جاء في ذلك ١٥٣ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم القداح، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني ابن إسحاق، قال: نصب عمرو بن لحي الخلصة (١) بأسفل مكة، وكانوا يكسونها (٢) القلائد، ويهدون لها الشعير والحنطة، ويصبون عليها اللبن، ويذبحون لها، ويعلقون عليها بيض النعام. ونصب على الصفا صنما يقال له: نهيك مجاود الريح، ونصب على المروة صنما يقال له (٣): مطعم الطير. ما جاء في مناة وأول من نصبها ١٥٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثني سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني محمد بن إسحاق، أن عمرو بن لحي نصب مناة (٤) على ساحل البحر مما يلي قديد، وهي التي كانت للأزد وغسان يحجونها ويعظمونها، فإذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات وفرغوا من منى لم يحلوا (٥)

стр. 179

إلا عند مناة. وكانوا يهلون لها، ومن أهل لها لم يطف بين الصفا والمروة لمكان الصنمين اللذين عليهما؛ نهيك [مجاود] (١) الريح ومطعم الطير. فكان هذا (٢) الحي من الأنصار يهلون بمناة (٣)، وكانوا إذا أهلوا بحج أو عمرة: لم يظل أحد (٤) منهم سقف بيت حتى يفرغ من حجته أو عمرته؛ وكان (٥) الرجل إذا أحرم لم يدخل بيته، وإن كانت له فيه حاجة تسور من ظهر بيته، لأن لا يجز رتاج الباب رأسه. فلما جاء الله بالإسلام وهدم أمر الجاهلية، أنزل الله في ذلك: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها (٦) … الآية﴾ [البقرة: ١٨٩]. قال: فكانت (٧) مناة للأوس والخزرج وغسان من الأزد، ومن دان بدينهم من أهل يثرب وأهل الشام، وكانت على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد (٨). ١٥٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: وأخبرني محمد بن السائب الكلبي، قال: كانت مناة صخرة لهذيل، وكانت بقديد.

стр. 180

باب ما جاء في اللات والعزى وما جاء في بدوهما (١) كيف كان ١٥٦ - قال (٢): حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن رجلا ممن مضى كان يقعد على صخرة لثقيف يبيع السمن من الحاج إذا مروا به (٣)، فيلت سويقهم. وكان ذا غنم، فسميت صخرة اللات، فمات، فلما فقده الناس، قال لهم عمرو: إن ربكم كان اللات فدخل في جوف الصخرة. وكانت (٤) العزى ثلاث شجرات سمرات بنخلة. وكان أول من دعا إلى عبادتهما عمرو بن ربيعة والحارث بن كعب. وقال لهم عمرو: إن ربكم يتصيف [باللات] (٥) لبرد الطائف، ويشتو بالعزى لحر تهامة، وكان في كل واحدة شيطان يعبد. فلما بعث الله محمدا ﷺ ، بعث بعد الفتح خالد بن الوليد إلى العزى ليقطعها (٦)، فقطعها ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﵇: ما رأيت فيهن؟ قال: لا شيء. قال: ما قطعتهن فارجع فاقطع. فرجع فقطع، فوجد تحت أصلها امرأة ناشرة شعرها، قائمة عليهن كأنها تنوح عليهن، فرجع فقال: إني رأيت كذا وكذا، قال: صدقت.
следующие страницы →