← Книги сунны

Книги сунны · id 115123

أخبار مكة - الأزرقي - ت ابن دهيش

الأزرقي

Полный текст (955 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الواقدي، عن أشياخه قالوا: كان إساف ونائلة [رجلا] (١) وامرأة، الرجل: إساف بن عمرو، والمرأة: نائلة بنت سهيل من جرهم، فزنيا في جوف الكعبة فمسخا حجرين، فاتخذوهما يعبدونهما، وكانوا يذبحون عندهما ويحلقون رؤوسهم عندهما إذا نسكوا (٢). فلما كسرت الأصنام كسرا [خرج] (٣) من أحدهما امرأة سوداء شمطاء، تحمس وجهها، عريانة، ناشرة الشعر، تدعو بالويل. فقيل لرسول الله ﷺ في ذلك، فقال: تلك نائلة قد أيست أن تعبد ببلادكم أبدا (٤). ويقال: رن إبليس ثلاث رئات: رنة حين لعن فتغيرت صورته عن صورة الملائكة، ورئة حين رأى رسول الله ﷺ قائما بمكة يصلي (٥)، ورنة حين افتتح رسول الله ﷺ مكة، فاجتمعت إليه ذريته فقال إبليس: ايأسوا أن تردوا أمة محمد على الشرك بعد يومهم هذا أبدا، ولكن افشوا فيهم النوح والشعر (٦). ١٥٠ - وذكر الواقدي عن أشياخه قالوا (٧): نادى منادي رسول الله ﷺ يوم الفتح [بمكة] (٨): من كان يؤمن بالله ورسوله فلا يدعن في بيته صنما إلا كسره. فجعل

стр. 177

[المسلمون] (١) يكسرون تلك الأصنام، قال: وكان عكرمة بن أبي جهل - حين أسلم - لا يسمع بصنم في بيت من بيوت قريش إلا مشى إليه حتى يكسره، وكان أبو تجراة (٢) يعملها في الجاهلية ويبيعها، فلم يكن في قريش رجل [بمكة] (٣) إلا وفي بيته صنم. ١٥١ - قال الواقدي: وحدثني ابن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم، عن بعض آل جبير بن مطعم، عن جبير بن مطعم، قال: لما كان يوم الفتح نادى منادي رسول الله ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يتركن في بيته صنما إلا كسره أو حرقه، وثمنه حرام. قال جبير: وقد كنت أرى قبل ذلك الأصنام يطاف بها بمكة فيشتريها أهل البدو، فيخرجون بها إلى بيوتهم، وما من رجل من قريش إلا وفي بيته صنم إذا دخل يمسحه، وإذا خرج يمسحه تبركا به. ١٥٢ - قال الواقدي: وأخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الحميد بن سهيل، قال: لما أسلمت هند بنت عتبة جعلت تضرب صنما في بيتها بالقدوم فلذة فلذة، وهي تقول: كنا منك في غرور.

стр. 178

باب ما جاء في الأصنام التي كانت على الصفا والمروة ومن نصبها وما جاء في ذلك ١٥٣ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم القداح، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني ابن إسحاق، قال: نصب عمرو بن لحي الخلصة (١) بأسفل مكة، وكانوا يكسونها (٢) القلائد، ويهدون لها الشعير والحنطة، ويصبون عليها اللبن، ويذبحون لها، ويعلقون عليها بيض النعام. ونصب على الصفا صنما يقال له: نهيك مجاود الريح، ونصب على المروة صنما يقال له (٣): مطعم الطير. ما جاء في مناة وأول من نصبها ١٥٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثني سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني محمد بن إسحاق، أن عمرو بن لحي نصب مناة (٤) على ساحل البحر مما يلي قديد، وهي التي كانت للأزد وغسان يحجونها ويعظمونها، فإذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات وفرغوا من منى لم يحلوا (٥)

стр. 179

إلا عند مناة. وكانوا يهلون لها، ومن أهل لها لم يطف بين الصفا والمروة لمكان الصنمين اللذين عليهما؛ نهيك [مجاود] (١) الريح ومطعم الطير. فكان هذا (٢) الحي من الأنصار يهلون بمناة (٣)، وكانوا إذا أهلوا بحج أو عمرة: لم يظل أحد (٤) منهم سقف بيت حتى يفرغ من حجته أو عمرته؛ وكان (٥) الرجل إذا أحرم لم يدخل بيته، وإن كانت له فيه حاجة تسور من ظهر بيته، لأن لا يجز رتاج الباب رأسه. فلما جاء الله بالإسلام وهدم أمر الجاهلية، أنزل الله في ذلك: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها (٦) … الآية﴾ [البقرة: ١٨٩]. قال: فكانت (٧) مناة للأوس والخزرج وغسان من الأزد، ومن دان بدينهم من أهل يثرب وأهل الشام، وكانت على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد (٨). ١٥٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: وأخبرني محمد بن السائب الكلبي، قال: كانت مناة صخرة لهذيل، وكانت بقديد.

стр. 180

باب ما جاء في اللات والعزى وما جاء في بدوهما (١) كيف كان ١٥٦ - قال (٢): حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن رجلا ممن مضى كان يقعد على صخرة لثقيف يبيع السمن من الحاج إذا مروا به (٣)، فيلت سويقهم. وكان ذا غنم، فسميت صخرة اللات، فمات، فلما فقده الناس، قال لهم عمرو: إن ربكم كان اللات فدخل في جوف الصخرة. وكانت (٤) العزى ثلاث شجرات سمرات بنخلة. وكان أول من دعا إلى عبادتهما عمرو بن ربيعة والحارث بن كعب. وقال لهم عمرو: إن ربكم يتصيف [باللات] (٥) لبرد الطائف، ويشتو بالعزى لحر تهامة، وكان في كل واحدة شيطان يعبد. فلما بعث الله محمدا ﷺ ، بعث بعد الفتح خالد بن الوليد إلى العزى ليقطعها (٦)، فقطعها ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﵇: ما رأيت فيهن؟ قال: لا شيء. قال: ما قطعتهن فارجع فاقطع. فرجع فقطع، فوجد تحت أصلها امرأة ناشرة شعرها، قائمة عليهن كأنها تنوح عليهن، فرجع فقال: إني رأيت كذا وكذا، قال: صدقت.

стр. 181

١٥٧ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: حدثنا ابن إسحاق، أن عمرو بن لحي اتخذ العزى بنخلة (١)، فكانوا إذا فرغوا من حجهم وطوافهم بالكعبة: لم يحلوا حتى يأتوا العزى، فيطوفون بها ويحلون عندها، ويعكفون عندها يوما. وكانت الخزاعة، وكانت قريش وبنو كنانة كلها تعظم العزى مع خزاعة وجميع مضر، وكان سدنتها الذين يحجبونها بنو شيبان من بني سليم، حلفاء بني هاشم. ١٥٨ - قال (٢) عثمان وأخبرنا محمد بن السائب الكلبي، قال: كانت بنو [مضر] (٣) وجشم وسعد بن بكر - وهم عجز هوازن يعبدون العزى. قال الكلبي: وكانت اللات والعزى ومناة في كل واحدة منهن شيطانة تكلمهم، وتراءى للسدنة، وهم الحجبة، وذلك من صنع (٤) إبليس وأمره. ١٥٩ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي عن محمد بن إدريس، عن الواقدي، عن عبد الله بن يزيد عن سعيد بن عمرو الهذلي، قال: قدم رسول الله

стр. 182

ﷺ مكة يوم الجمعة، لعشر ليال بقين من شهر رمضان، فبث السرايا في كل وجه، وأمرهم أن يغيروا على من لم يكن على الإسلام. فخرج هشام بن العاص في مائتين من (١) قبل يلملم (٢)، وخرج خالد بن سعيد بن العاص في ثلاثمائة قبل عرنة، وبعث خالد بن الوليد (٣) في ثلاثين فارسا من أصحابه إلى العزى حتى انتهى إليها فهدمها، ثم رجع إلى النبي ﷺ فقال: أهدمت؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: هل رأيت شيئا؟ قال: لا، قال: فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها، فخرج خالد بن الوليد وهو [متغيظ] (٤)، فلما انتهى إليها جرد سيفه، فخرجت إليه امرأة سوداء عريانة ناشرة شعرها، فجعل السادن يصيح بها. قال خالد: - فأخذني (٥) اقشعرار في ظهري - فجعل يصيح [بها] (٦) ويقول: أعزى شدي شدة لا تكذبي … أعزى ألقي القناع وشمري أعزى إن (٧) لم تقتلي المرء خالدا … فبوئي بإثم عاجل وتنصري وأقبل خالد بن الوليد بالسيف إليها وهو يقول: كفرانك (٨) لا سبحانك … إني رأيت الله قد أهانك

стр. 183

قال: فضربها بالسيف فجزلها باثنتين، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: نعم تلك العزى قد أيست أن تعبد ببلادكم أبدا. ثم قال خالد: يا رسول الله الحمد لله الذي أكرمنا بك، وأنقذنا بك من الهلكة، لقد (١) كنت أرى أبي يأتي إلى العزى بخير ماله من الإبل والغنم فيذبحها للعزى، ويقيم عندها ثلاثا، ثم ينصرف إلينا مسرورا، ونظرت إلى ما مات عليه أبي، وإلى ذلك الرأي الذي كان يعاش في فضله، وكيف خدع حتى صار يذبح لما لا يسمع ولا ينصر، ولا يضر ولا ينفع!! فقال رسول الله ﷺ : «إن هذا الأمر إلى الله، فمن يسره للهدى تيسر له، ومن يسره للضلالة كان فيها» وكان هدمها لخمس ليال بقين من (٢) رمضان سنة ثمان (٣). وكان سادنها أفلح بن النضر السلمي من بني سليم، فلما حضرته الوفاة ودخل (٤) عليه أبو لهب يعوده - وهو حزين - فقال: ما لي أراك حزينا؟ قال: أخاف أن [تضيع] (٥) العزى من بعدي، قال له أبو لهب: فلا تحزن، فأنا أقوم عليها بعدك. فجعل أبو لهب يقول لكل من لقي: إن تظهر العزى كنت قد اتخذت عندها يدا بقيامي عليها، وإن يظهر محمد على العزى - وما أراه يظهر - فابن أخي،. فأنزل الله تعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ [المسد: ١]. ١٦٠ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثني سفيان بن عيينة،

стр. 184

عن عبد الملك بن عمير، عمن حدثه قال: جاء حسان بن ثابت الأنصاري إلى رسول الله ﷺ وهو في المسجد فقال: يا رسول الله، ائذن لي أن أقول؛ فإني لا أقول إلا حقا، قال: قل، فأنشأ يقول: شهدت بإذن الله أن محمدا … رسول الذي فوق السموات من عل قال (١) النبي ﷺ : وأنا أشهد، فقال حسان بن ثابت: وأن أبا يحيى ويحيى كليهما … له عمل في دينه متقبل فقال النبي ﷺ : وأنا أشهد، فقال حسان بن ثابت: وأن الذي عادى اليهود ابن مريم … رسول أتى من عند ذي العرش مرسل فقال النبي ﷺ : وأنا أشهد، فقال حسان بن ثابت (٢): وأن أخا الأحقاف إذ يعدلونه … يجاهد في ذات الإله ويدل فقال رسول الله ﷺ : وأنا أشهد، فقال حسان بن ثابت: وأن التي بالجزع من بطن نخلة … ومن دانها فل عن الحق معزل فقال رسول الله ﷺ : وأنا أشهد. قال سفيان: يعني العزى (٣). وأما مناة؛ فكانت بالمشلل من قديد. ما جاء في ذات أنواط ١٦١ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن محمد بن إدريس، عن محمد

стр. 185

بن عمر الواقدي، عن معمر بن راشد البصري، عن الزهري، عن سنان بن أبي السنان الديلي، عن أبي واقد الليثي - وهو الحارث بن مالك - قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين (١)، وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها: «ذات أنواط» يأتونها كل سنة فيعلقون عليها أسلحتهم، ويذبحون عندها، ويعكفون عندها يوما. قال: فرأينا يوما ونحن نسير مع النبي ﷺ شجرة عظيمة خضراء، فسايرتنا من جانب الطريق فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم [ذات] (٢) أنواط. فقال لهم رسول الله ﷺ : «الله أكبر، الله أكبر، قلتم - والذي نفس محمد بيده - كما قال قوم موسى: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون﴾ … الآية [الأعراف: ١٣٨]. إنها السنن، سنن من كان قبلكم». ١٦٢ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن محمد بن إدريس، عن الواقدي، قال: أخبرني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين (٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت ذات أنواط شجرة يعظمها أهل الجاهلية، يذبحون لها ويعكفون عندها يوما، وكان من حج منهم وضع زاده عندها ويدخل بغير زاد تعظيما لها. فلما مر رسول الله ﷺ إلى حنين قال له رهط من أصحابه فيهم

стр. 186

الحارث بن مالك: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال: فكبر رسول الله ﷺ وقال: «هكذا فعل قوم موسى بموسى». جامع (١) كسر الأصنام ١٦٣ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن محمد بن إدريس، عن محمد بن عمر الواقدي، قال: أخبرني عبد الله بن يزيد عن سعيد بن عمرو الهذلي، قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة بث السرايا، فبعث خالد بن الوليد إلى العزى، وبعث إلى ذي الكفين - صنم عمرو بن [حممة] (٢) - الطفيل بن عمرو الدوسي، فجعل يحرقه بالنار ويقول (٣): يا ذا الكفين لست من عبادك … ميلادنا أقدم من ميلادك [إني حشيت] (٤) النار في فؤادك وبعث [سعد] (٥) بن عبد الأشهل إلى مناة بالمشلل فهدمها. وبعث عمرو بن العاص إلى سواع (٦) - صنم هذيل - فهدمه، وكان عمرو يقول: انتهيت إليه وعنده

стр. 187

السادن، فقال: ما تريد؟ قلت: هدم سواع، فقال (١): وما لك وله؟ قلت: أمرني رسول الله ﷺ ، قال: لا تقدر على هدمه، قلت: لم؟ قال: يمتنع، قال عمرو: حتى الآن أنت في الباطل؟ ويحك! وهل يسمع أو يبصر؟ قال عمرو: فدنوت منه فكسرته، وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته ولم يجدوا فيها شيئا، ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله (٢). مسير تبع إلى مكة ١٦٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني ابن إسحاق، قال: سار تبع الأول إلى الكعبة وأراد هدمها وتخريبها، وخزاعة يومئذ تلي البيت وأمر مكة، فقامت خزاعة دونه وقاتلت عنه أشد القتال حتى رجع. ثم تبع آخر [فكذلك] (٣). وأما التبابعة الذين أرادوا هدم الكعبة وتخريبها ثلاثة، وقد كان قبل ذلك منهم من يسير في البلاد، فإذا دخل مكة عظم الحرم والبيت. [وأما] (٤) تبع الثالث الذي أراد هدم البيت؛ فإنما كان في أول زمان قريش. قال: وكان سبب خروجه ومسيره إليه: أن قوما من هذيل من بني لحيان جاؤوه فقالوا له: إن بمكة بيتا تعظمه (٥) العرب جميعا، وتفد إليه وتنحر عنده،

стр. 188

وتحجه وتعتمره، وإن قريشا تليه؛ وقد (١) حازت شرفه وذكره، وأنت أولى أن يكون ذلك البيت (٢) وشرفه وذكره لك. فلو سرت إليه وخربته وبنيت عندك بيتا، ثم صرفت حاج العرب إليه كنت أحق به (٣) منهم. قال: فأجمع على المسير (٤) إليه. ١٦٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن موسى بن [أبي (٥)] عيسى المديني، قال: لما كان تبع بالدف من جمدان (٦) بين أمج (٧) وعسفان (٨)، دفت بهم دوابهم، وأظلمت عليهم الأرض، فدعا [أحبارا] كانوا معه من أهل الكتاب فسألهم، فقالوا: هل هممت لهذا البيت بشيء؟ قال: أردت أن أهدمه. قالوا (٩): فانو له خيرا؛ أن تكسوه وتنحر عنده. ففعل، فانجلت عنهم الظلمة. وإنما سمي الدف من أجل ذلك. ثم رجع إلى حديث ابن إسحاق، قال: فسار حتى إذا كان بالدف من جمدان بين أمج وعسفان دفت بهم الأرض، وغشيتهم ظلمة شديدة وريح، فدعا

стр. 189

أحبارا (١) كانوا معه من أهل الكتاب فسألهم، فقالوا: هل هممت لهذا البيت بسوء؟ قال: فأخبرهم بما قال له الهذليون وبما أراد أن يفعل، فقالت الأحبار: والله (٢) ما أرادوا إلا هلاكك وهلاك قومك، إن هذا بيت الله الحرام، ولم يرده أحد قط بسوء إلا هلك. قال: فما الحيلة؟ قالوا: تنوي له خيرا، أن تعظمه وتكسوه، وتنحر عنده، وتحسن إلى أهله. ففعل، قال: فانجلت عنهم الظلمة، وسكنت الريح، فانطلقت (٣) بهم ركابهم ودوابهم، وأمر (٤) تبع بالهذليين فضربت أعناقهم وصلبهم. وإنما كانوا فعلوا ذلك حسدا لقريش على ولايتهم البيت. ثم سار تبع حتى قدم مكة، فكان (٥) سلاحه بقعيقعان، فيقال: بذلك سمي قعيقعان، وكانت خيله بأجياد، ويقال: إنما سميت أجياد أجيادا بجياد خيل تبع (٦)، وكانت مطابخه بالشعب (٧) الذي يقال له: شعب عبد الله بن عامر بن كريز؛ فلذلك سمي (٨): المطابخ، فأقام بمكة أياما ينحر في كل يوم مائة بدنة، لا يرزأ هو ولا أحد ممن في عسكره منها شيئا، يردها الناس فيأخذون منها حاجتهم، ثم تقع (٩) الطير فتأكل، ثم تنتابها السباع إذا أمست لا يصد عنها شيء من الأشياء؛ إنسان ولا طائر ولا سبع. يفعل ذلك كل يوم مقامه أجمع، ثم كسا البيت كسوة

стр. 190

كاملة، كساه العصب (١)، وجعل له بابا (٢) يغلق بضبة فارسية. ١٦٦ - قال ابن جريج: كان تبع أول من كسا البيت كسوة كاملة، أري في المنام أن يكسوها فكساها الأنطاع (٣)، ثم أري أن يكسوها، فكساها الوصائل (٤)؛ ثياب حبرة من عصب اليمن، وجعل لها بابا يغلق، ولم يكن [يغلق] (٥) قبل ذلك. وقال تبع في ذلك وفي مسيره شعرا (٦): وكسونا البيت الذي حرم الله … ملاء (٧) معضدا وبرودا وأقمنا به من الشهر عشرا … وجعلنا لبابه إقليدا وخرجنا منه نؤم سهيلا … قد رفعنا لواءنا معقودا ذكر مبتدأ (٨) حديث الفيل ١٦٧ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، قال: حدثني سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن محمد بن إسحاق، قال: كان من حديث الفيل فيما ذكر بعض أهل مكة، عن سعيد بن جبير [وعكرمة] (٩)، عن ابن عباس وعن من لقي

стр. 191

من علماء أهل اليمن، وكان جل الحديث عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: إن ملكا من ملوك حمير يقال له: زرعة ذو نواس، وكان قد تهود، واستجمعت معه حمير على ذلك، إلا ما كان من أهل نجران وهم من أشلاء سبأ؛ فإنهم كانوا على النصرانية على أصل حكم الإنجيل وبقايا من دين الحواريين، ولهم رأس يقال له: عبد الله بن ثامر، فدعاهم ذو نواس إلى اليهودية فأبوا، فخيرهم فاختاروا القتل، فخد لهم أخدودا، وصنف لهم القتل؛ فمنهم من قتل صبرا، ومنهم من أوقد له النار في الأخدود (١) فألقاه في النار، إلا رجل من سبأ يقال له: دوس بن ذي ثعلبان، فذهب على فرس له يركض حتى أعجزهم في الرمل، فأتى [قيصر] (٢) فذكر له ما بلغ منهم ذو نواس (٣) واستنصره، فقال: بعدت بلادك ونات دارك عنا، ولكن سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على ديننا فينصرك. فكتب له إلى النجاشي يأمره بنصره، فلما قدم على النجاشي: بعث معه رجلا من الحبشة يقال له أرياط، وقال: إن دخلت اليمن فاقتل ثلث رجالها، واخرب ثلث بلادها. فلما دخلوا أرض اليمن تناوشوا شيئا من قتال، ثم ظهر عليهم، وخرج زرعة ذو نواس على فرسه فاستعرض به البحر حتى لجج به فماتا في البحر، وكان آخر العهد به. فدخلها أرياط فعمل ما أمر به النجاشي، فقال قائل من أهل اليمن في ذلك مثلا يضربه (٤): لا كدوس ولا كأعلاق رحله. وقال ذو جدن فيما أصاب أهل اليمن وما نزل بهم:

стр. 192

دعيني لا أبا لك [لن] (١) تطيقي … لحاك الله قد أنزفت (٢) ريقي كذا عزف القيان (٣) إذ انتشينا … وإذ تسقى من الخمر الرحيق وشرب الخمر ليس علي عار (٤) … إذا لم يشكني (٥) فيها رفيقي وغمدان الذي نبئت عنه … بنوه مسمكا (٦) في رأس نيق مصابيح السليط يلحن فيه … إذا [يمسي] (٧) كتيماض البروق فأصبح بعد جدته رمادا … وغير حسنه لهب الحريق فأسلم (٨) ذو نواس مستميتا … وحذر قومه ضنك المضيق وقال ذو جدن (٩) فيما أصاب أهل اليمن وما نزل بهم (١٠): هونكما (١١) [لن] (١٢) يرد الدمع ما فاتا لا تهلكا أسفا في إثر من ماتا أبعد بينون (١٣) لا عين ولا أثر وبعد سلحين يبني (١٤) الناس بنيانا (١٥)

стр. 193

ذكر الفيل حين ساقته الحبشة ١٦٨ - قال: حدثني أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن محمد بن إسحاق، أنه قال: لما ظهرت الحبشة على أرض اليمن، كان ملكهم إلى أرياط وأبرهة، وكان أرياط فوق أبرهة، فأقام أرياط باليمن سنتين في سلطانه لا ينازعه أحد، ثم نازعه أبرهة الحبشي الملك، وكان في جند من الحبشة، فانحاز إلى كل واحد منهما من الحبشة طائفة، ثم سار أحدهما إلى الآخر، فكان أرياط يكون بصنعاء ومخاليفها، وكان أبرهة يكون بالجند (١) ومخاليفها. فلما تقارب الناس ودنا بعضهم من بعض؛ أرسل أبرهة إلى أرياط: إنك لا تصنع بأن تلقي الحبشة بعضهم ببعض فتفنيها (٢) بيننا، فابرز لي وأبرز لك، فأينا ما أصاب صاحبه انصرف إليه جنده. فأرسل إليه أرياط: قد أنصفت. فخرج أرياط - وكان رجلا عظيما طويلا وسيما - وفي يده حربة له. وخرج له أبرهة، وكان رجلا قصيرا، حادرا، لحيما، دحداحا، وكان ذا دين في النصرانية. وخلف أبرهة عبد له يحمي ظهره يقال له: عتودة، فلما دنا أحدهما من صاحبه، رفع أرباط الحربة، فضرب بها رأس أبرهة يريد يافوخه، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة، فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته (٣)، فبذلك سمي: أبرهة الأشرم. وحمل غلام أبرهة: عتودة على أرياط من خلف أبرهة، فزرقه بالحربة (٤) فقتله، فانصرف

стр. 194

جند أرياط إلى أبرهة، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن. وكان ما صنع أبرهة من قتله (١) أرياط من غير (٢) علم النجاشي ملك الحبشة بأرض أكسوم من بلاد الحبشة (٣)، فلما بلغه ذلك غضب غضبا شديدا وقال: عدا على أميري بغير أمري فقتله، ثم حلف النجاشي لا يدع أبرهة حتى يطأ أرضه ويجز ناصيته (٤). فلما بلغ أبرهة ذلك (٥) حلق رأسه، ثم ملأ جرابا (٦) من تراب أرض اليمن، ثم بعث به إلى النجاشي، وكتب إليه: أيها الملك، إنما كان أرباط عبدك وأنا عبدك، اختلفنا في أمرك، وكلنا طاعته (٧) لك، إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة منه، وأضبط وأسوس لهم منه، وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك، وبعثت به إليه مع جراب من تراب أرضي؛ ليضعه تحت قدميه فيبر بذلك قسمه. فلما انتهى ذلك إلى النجاشي؛ رضي عنه وكتب له: أن اثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري. فأقام أبرهة باليمن، وبنى أبرهة عند ذلك «القليس» (٨) بصنعاء إلى جنب غمدان، فبنى كنيسة وأحكمها وسماها القليس (٩)، وكتب إلى النجاشي

стр. 195

ملك الحبشة: إني قد بنيت [لك] (١) كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف حاج العرب إليها (٢). ١٦٩ - قال أبو الوليد: أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني من أثق به من مشيخة أهل اليمن بصنعاء: أن يوسف ذا نواس -وهو صاحب الأخدود الذي حرق أهل الكتاب بنجران- لما غرقه الله؛ جاءت الحبش إلى أرض اليمن، فعبروا من دهلك (٣) حتى دخلوا صنعاء وحرقوا غمدان، وكان أعظم [قصر] (٤) يعلم في الأرض، وغلبوا على اليمن، وبنى أبرهة الحبشي للنجاشي القليس، وكتب إليه: إني قد بنيت لك بصنعاء بيتا لم تبن العرب ولا العجم مثله، ولن أنتهي حتى أصرف حاج العرب إليه ويتركوا الحج إلى بيتهم؛ فبنى القليس بحجارة قصر بلقيس الذي بمأرب -وبلقيس صاحبة الصرح الذي ذكر (٥) الله تعالى في القرآن في قصة سليمان، وكان سليمان حين تزوجها ينزل عليها فيه إذا جاءها- فوضع الرجال نسقا يناول بعضهم بعضا الحجارة والآلة، حتى نقل ما كان في قصر بلقيس، مما احتاج إليه من حجر ورخام وآلة البناء (٦)، وجد في بنائه، وإنه كان مربعا مستوي التربيع، وجعل طوله في السماء ستين ذراعا، وكبسه من داخله

стр. 196

عشر (١) أذرع في السماء، وكان يصعد إليه بدرج الرخام، وحوله سور بينه وبين القليس مائتا ذراع مطيف به من كل جانب، وجعل بناء (٢) ذلك كله بحجارة (٣) تسميها أهل اليمن الجروب؛ منقوشة مطابقة، لا تدخل بين أطباقها الإبرة مطبقة به. وجعل طول ما بنى به من الجروب عشرين ذراعا في السماء، ثم فصل ما بين حجارة الجروب بحجارة مثلثة تشبه الشرف بآلة (٤)، مداخلة بعضها ببعض حجرا [أخضر] (٥)، وحجرا أحمر، وحجرا أبيض، وحجرا أصفر، وحجرا أسود، فيما بين كل سافين خشب ساسم مدور الرأس، غلظ الخشبة حضن الرجل، ناتئة عن (٦) البناء، وكان (٧) مفصلا بهذا البناء على هذه الصفة. ثم فصل بإفريز من رخام منقوش، طوله في السماء ذراعان (٨)، وكان [الرخام] (٩) أيضا (١٠) ناتئا على البناء ذراعا، ثم فصل فوق الرخام بحجارة سود لها بريق من حجارة [بفم] (١١) جبل صنعاء المشرف عليها، ثم وضع فوقها حجارة [صفر] (١٢) لها بريق، ثم وضع فوقها حجارة [بيض] (١٣) لها بريق،

стр. 197

وكان (١) هذا ظاهر حائط القليس. وكان عرض حائط القليس ست أذرع، وذكروا أنهم لا يحفظون ذرع طول القليس ولا عرضه. وكان له باب من نحاس عشر أذرع طولا في أربع أذرع عرضا. وكان المدخل منه إلى بيت في جوفه طوله ثمانون ذراعا في أربعين ذراعا، معلق العمل بالساج المنقوش ومسامير الذهب والفضة (٢). ثم يدخل من البيت إلى إيوان طوله أربعون ذراعا عن يمينه وعن يساره، [وعقوده] (٣) مضروبة بالفسيفساء مشجرة (٤)، بين أضعافها كواكب الذهب ظاهرة. ثم يدخل من الإيوان (٥) إلى قبة [ثلاثون] (٦) ذراعا في ثلاثين ذراعا، جدرها بالفسيفساء، وفيها صلب منقوشة بالفسيفساء والذهب والفضة، وفيها رخامة مما يلي مطلع الشمس من البلق (٧) مربعة، عشر أذرع في عرض (٨)، تغشى عين من نظر إليها من بطن القبة، تؤدي ضوء الشمس والقمر إلى داخل القبة. وكان تحت الرخامة منبر من خشب [اللبخ] (٩) - وهو عندهم الأبنوس - مفصل بالعاج الأبيض. ودرج المنبر من خشب الساج ملبسة ذهبا وفضة. وكان في

стр. 198

القبة سلاسل فضة، وكان في القبة أو في البيت خشبة ساج منقوشة، طولها ستون ذراعا [يقال] (١) لها: كعيب، وخشبة من ساج نحوها في الطول يقال لها: امرأة كعيب، كانوا يتبركون [بهما] (٢) في الجاهلية، وكان يقال لكعيب: الأحوزي، والأحوزي بلسانهم: الحر. وكان أبرهة عند بناء القليس قد أخذ العمال بالعمل أخذا شديدا، وكان قد آلى: أن لا تطلع الشمس على عامل لم يضع يده في عمله فيؤتى به إلا قطع يده. قال: فتخلف رجل ممن كان يعمل فيه حتى طلعت الشمس، وكانت له أم (٣) عجوز، فذهب بها ولدها (٤) لتستوهبه من أبرهة، فأتته وهو بارز للناس، فذكرت له علة ابنها واستوهبته منه. فقال: لا أكذب نفسي ولا أفسد على عمالي، فأمر بقطع يده. فقالت له أمه: اضرب بمعولك ساعي بهر، اليوم لك وغدا لغيرك، ليس كل الدهر لك. فقال: ادنوها (٥)، فقال لها: إن هذا الملك [يكون] (٦) لغيري؟ قالت: نعم، وكان أبرهة قد أجمع أن يبني القليس حتى يظهر على ظهره فيرى منه بحر عدن، فقال: لا أبني حجرا على حجر بعد يومي هذا. وأعفى الناس من (٧) العمل. وتفسير قولها: «ساعي بهر» تقول: اضرب بمعولك، ما كان (٨) حديدا. فانتشر خبر بناء أبرهة هذا البيت في العرب، فدعا [رجل] (٩) من النسأة من بني

стр. 199

مالك بن كنانة، فتيين منهما، وأمرهما (١) أن يذهبا إلى ذلك البيت الذي بناه أبرهة بصنعاء فيحدثا فيه، [فذهبا ففعلا] (٢) ذلك. فدخل أبرهة البيت فرأى آثارهما (٣) فيه، فقال: من فعل هذا؟ فقيل له (٤): رجلان من العرب، فغضب من ذلك وقال: لا أنتهي حتى أهدم بيتهم الذي بمكة. قال: فساق الفيل إلى البيت الحرام (٥) ليهدمه، وكان من أمر الفيل ما كان. فلم يزل القليس على ما كان عليه، حتى ولى أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين، العباس بن الربيع بن عبيد الله (٦) الحارثي اليمن، فذكر العباس ما في القليس من النقض والذهب والفضة، وعظم ذلك عنده، وقيل له: إنك تصيب منه (٧) مالا كثيرا وكنزا، فتاقت نفسه إلى هدمه وأخذ ما فيه، فبعث إلى ابن لوهب بن منبه فاستشاره في هدمه، وقال: إن غير واحد من أهل اليمن قد أشاروا علي أن لا أهدمه، وعظم علي أمر كعيب، وذكر (٨) أن أهل الجاهلية كانوا يتبركون به، وأنه كان يكلمهم ويخبرهم (٩) بأشياء مما يحبون ويكرهون. قال ابن وهب: كل ما بلغك باطل، وإنما كعيب صنم من أصنام الجاهلية فتنوا به، فمر [بالدهل] (١٠) - وهو الطبل -[وبمزمار] (١١) فليكونا قريبا، ثم اعله.

стр. 200

الهدامين، ثم مرهم بالهدم، فإن [الدهل] (١) والمزمار أنشط لهم وأطيب لأنفسهم، وأنت [تصيب] (٢) من نقضه مالا، مع أنك تئاب من الفسقة الذين حرقوا غمدان، وتكون قد محوت عن قومك اسم بناء الحبش وقطعت ذكرهم. وكان بصنعاء يهودي عالم، قال: فجاء قبل ذلك إلى العباس بن الربيع يتقرب إليه فقال له: إن ملكا يهدم القليس يلي اليمن أربعين سنة (٣). فلما اجتمع له قول اليهودي ومشورة ابن وهب بن منبه: أجمع على هدمه. قال أبو الوليد: حدثني الثقة قال: شهدت العباس وهو يهدمه، فأصاب منه مالا عظيما، ثم رأيته دعا بالسلاسل فعلقها في كعيب والخشبة التي [معه] (٤) فاحتملها الرجال، فلم يقربها أحد مخافة لما كان أهل اليمن يقولون فيها، قال: فدعا [بالورديين] (٥) - وهي العجل - فأعلق فيها السلاسل، ثم جبذتها (٦) الثيران وجبذها الناس معها (٧) حتى أبرزوها من السور، فلما أن لم ير الناس شيئا مما كانوا يخافون من مضرتها وثب رجل من أهل العراق - وكان [تاجرا] (٨) بصنعاء - فاشترى الخشبة وقطعها لدار له، فلم يلبث العراقي أن جذم (٩)، فقال رعاع الناس (١٠): هذا لشرائه كعيبا. قال: ثم رأيت أهل صنعاء بعد ذلك يطوفون بالقليس، فيلقطون منه قطع الذهب والفضة.

стр. 201

ثم رجع إلى حديث ابن إسحاق، قال: فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة بذلك إلى النجاشي، غضب رجل من النسأة (١) أحد بني فقيم من بني مالك بن كنانة، فخرج حتى أتى القليس فقعد فيها (٢) أي: أحدث فيها (٣)، ثم خرج حتى لحق بأرضه. فأخبر بذلك أبرهة فقال: من صنع هذا؟ فقيل له: صنعه رجل من العرب من أهل هذا (٤) البيت الذي تحج العرب إليه بمكة فلما (٥) سمع بقولك: أصرف إليها حاج العرب، فغضب فجاءها [ففعل] (٦) فيها. أي أنها ليست لذلك بأهل. فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه (٧)، ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت، ثم سار وخرج بالفيل معه. وسمعت (٨) بذلك العرب فأعظموه وقطعوا به، ورأوا أن جهاده حق عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج إليه رجل من أشراف اليمن وملوكهم يقال له: ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة ومجاهدته (٩) عن بيت الله الحرام وما يريد من هدمه وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك. ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر فأتي به أسيرا. فلما أراد قتله قال له ذو نفر: أيها الملك، لا

стр. 202

تقتلني، فعسى أن يكون مقامي معك خيرا لك من قتلي، فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق. وكان أبرهة رجلا حليما ورعا، ذا دين في النصرانية. ومضى أبرهة على وجهه ذلك (١) يريد ما خرج إليه، حتى إذا كان في أرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبائل خثعم: شهران [وناهس] (٢) ومن اتبعه (٣) من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نفيلا أسيرا، فأتي به فقال نفيل: أيها الملك، لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي على قبائل خثعم: شهران وناهس بالسمع والطاعة. فأعفاه وخلى سبيله، وخرج (٤) به معه يدله (٥) حتى إذا (٦) مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف فقالوا (٧): أيها الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون، وليس عندنا لك (٨) خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد - يعنون اللات (٩) - إنما تريد البيت الذي بمكة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه، فتجاوز عنهم، فبعثوا (١٠) معه [أبا] (١١) رغال يدله على مكة.

стр. 203

فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله (١) بالمغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك فرجمت قبره العرب (٢)، فهو قبره الذي يرجم بالمغمس، وهو الذي يقول فيه جرير بن الخطفى (٣): إذا مات الفرزدق فارجموه … كما ترمون قبر أبي رغال ولما نزل أبرهة المغمس، بعث رجلا من الحبشة يقال له: الأسود بن [مقصود] (٤) على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم، فأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، فهمت قريش وخزاعة وكنانة وهذيل ومن كان في الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنه (٥) لا طاقة لهم به فتركوا ذلك. وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة فقال له: سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم، ثم قل لهم: إن الملك يقول لكم: إني لم أت الحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا لي بقتال فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فأتني به. فلما دخل حناطة مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب، فأرسل إلى عبد المطلب فأخبره بما قال أبرهة. فقال عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم - أو كما

стр. 204

قال- فإن يمنعه (١) فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع. فقال (٢) حناطة: فانطلق إليه، فإنه (٣) أمرني أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر، فسأل عن [ذي] (٤) نفر - وكان له صديقا- حتى دل عليه وهو في محبسه. فقال له (٥): يا ذا نفر، هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ قال ذو نفر: وما غناء رجل أسير في يدي ملك ينتظر أن يقتله بكرة أو عشية؟ ما عندي غناء في شيء مما نزل بك، إلا أن [أنيسا] (٦) سائس الفيل صديق [لي] (٧)، فسأرسل إليه فأوصيه بك، وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك، وتكلمه ما (٨) بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك، قال: حسبي. فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عير مكة، يطعم الناس بالسهل والجبل، والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب الملك له مائتي بعير، فاستأذن عليه وانفعه عنده ما (٩) استطعت. فقال: أفعل. فكلم أنيس أبرهة فقال له: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عير مكة وسيدها، وهو يطعم الناس بالسهل [والجبل] (١٠)،

стр. 205

والوحش (١) في رؤوس الجبال، فائذن له عليك فليكلمك في حاجته. فأذن له أبرهة - وكان عبد المطلب أوسم الناس وأعظمهم وأجملهم (٢) - فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سريره، فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه، وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له ما حاجتك؟ فقال (٣) له الترجمان: [إن] (٤) الملك يقول لك: [ما] (٥) حاجتك؟ قال: حاجتي أن يرد علي الملك (٦) مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، تكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك، وقد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟! قال عبد المطلب: إني أنا رب إبلي، وإن للبيت ربا سيمنعه. قال: وما (٧) كان ليمتنع مني. قال: أنت وذاك. قال ابن إسحاق: وقد (٨) كان فيما يزعم بعض أهل العلم قد ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة حين بعث إليه حناطة الحميري: يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد بني بكر، وخويلد بن وائلة الهذلي، وهو يومئذ سيد هذيل؛ فعرضوا على أبرهة ثلث أموال أهل تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأبى عليهم، والله أعلم كان ذلك أم لا، وقد كان

стр. 206

أبرهة رد على عبد المطلب الإبل التي كان أصاب، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال خوفا عليهم [من] (١) معرة الجيش (٢). ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة (٣): يا رب إن المرء يمنع … رحله فامنع [رحالك] (٤) لا يغلبن صليبهم … ومحالهم غدوا (٥) محالك فلئن فعلت فربما أو لا … فأمر ما بدا لك ولئن فعلت فإنه … أمر يتم به فعالك (٦) ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال، فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها. وقال عبد المطلب أيضا: قلت والأشرم تردى خيله … إن ذا الأشرم غر بالحرم كاده تبع فيمن جندت … حمير والحي من آل قدم (٧)

стр. 207

فانتثنى عنه وفي أوداجه … جارح (١) أمسك منه [بالكظم] (٢) نحن أهل الله في بلدته … لم يزل ذاك (٣) على عهد إبرهم نعبد الله وفينا شيمة … صلة القربى وإيفاء الدمم إن للبيت لربا مانعا … من يرده بآثام يصطلم يعني: إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه. فلما (٤) أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيا فيله، وعبا جيشه، وكان اسم الفيل: محمود (٥)، وأبرهة مجمع لهدم الكعبة ثم الانصراف إلى اليمن. فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب الخنعمي حتى قام إلى جنب الفيل، فالتقم أذنه فقال: ابرك محمود، أو ارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه فبرك، وخرج نقيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا رأسه بالطبرزين (٦) فأبى. فأدخلوا [محاجن] (٧) لهم في مراقه فبزغوه (٨) بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه (٩) إلى مكة فبرك.

стр. 208

وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف (١) والبلسان (٢)، مع كل طير منها ثلاثة أحجار يحملها؛ حجر في منقاره، وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس، لا تصيب (٣) أحدا منهم إلا هلك، وليس كلهم أصابت (٤)، وخرجوا هاربين يبتدرون (٥) الطريق التي منها جاؤوا ويسألون (٦) عن تقيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن. وقال نقيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته (٧): أين المفر والإله الطالب … والأشرم المغلوب غير الغالب وقال (٨) أيضا حين ولوا وعاينوا ما نزل بهم (٩): الا حييت عنا يا ردينا … نعمناكم (١٠) مع الإصباح عينا ردينة لو رأيت ولن تريه (١١) … لدى جنب (١٢) المحصب ما رأينا إذا لعذرتني (١٣) وحمدت أمري … ولم تأسي على ما فات بينا

стр. 209

حمدت الله إذ عاينت طيرا … وخفت حجارة تلقى علينا وكل (١) القوم يسأل عن نفيل … كان علي للحبشان دينا فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم تسقط أنمله (٢)، كلما سقطت منه أنملة أتبعتها (٣) منه مدة تمد قيحا (٤) ودما، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون (٥). وأقام بمكة فلال من الحبش وعسفاء (٦) وبعض من ضمه العسكر، فكانوا بمكة يعتملون ويرعون لأهل مكة (٧). ١٧٠ - قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدث: أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وإنه أول ما رئي (٨) بها من مرائر الشجر؛ الحرمل والحنظلار بقل والعشر (٩) ذلك العام.

стр. 210

١٧١ - قال أبو الوليد: قال (١) بعض المكيين: إنه أول ما كانت بمكة حمام اليمام، حمام مكة الحرمية ذلك الزمان، يقال: إنها من نسل الطير التي رمت أصحاب الفيل حين خرجت من البحر من جدة. ولما هلك أبرهة ملك الحبشة؛ ملك ابنه يكسوم بن أبرهة، وبه كان يكني. ثم ملك بعد يكسوم أخوه مسروق بن أبرهة، وهو الذي قتلته الفرس حين جاءهم سيف بن ذي يزن، وكان آخر ملوك الحبشة، وكانوا أربعة؛ فجميع ما ملكوا أرض اليمن من حين دخلوها إلى أن قتلوا ثلاثين سنة. فلما (٢) رد الله الحبشة عن مكة وأصابهم ما أصابهم من النقمة؛ أعظمت العرب قريشا وقالوا: أهل الله قاتل عنهم، وكفاهم مؤنة عدوهم، فجعلوا يقولون في ذلك الأشعار، ويذكرون (٣) ما صنع الله بالحبشة، وما دفع عن قريش من كيدهم، ويذكرون الأشرم والفيل، ومساقه إلى الحرم، وما أراد من هدم البيت واستحلال حرمته (٤). ١٧٢ - قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر [بن] (٥) محمد بن عمرو بن

стр. 211

حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة أم المؤمنين، قالت رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان. حديث سيف بن ذي يزن ووفود قريش عليه والعرب لتهنئه بالملك (١) قال ابن إسحاق: فلما قتل الحبش ورجع الملك إلى حمير؛ سرت بذلك جميع العرب، لرجوع الملك فيها وهلاك الحبشة، فخرجت وفود العرب جميعا لتهنئة سيف بن (٢) ذي يزن، فخرج وفد قريش، ووفد ثقيف، وعجز هوازن وهم: نضر، وجشم، وسعد بن بكر، ومعهم وفد عدوان وفيهم ابنا عمرو بن قيس، فيهم مسعود بن معتب (٣)، ووفد غطفان، ووفد تميم، وأسد، ووفد قبائل قضاعة، والأزد. فأجازهم وأكرمهم، وفضل قريشا عليهم في الجائزة لمكانهم من الحرم وجوارهم بيت الله. ١٧٣ - قال أبو الوليد: وحدثني عبد الله بن شبيب الربعي، قال: حدثنا عمرو بن بكر (٤) بن بكار، قال: حدثني أحمد بن القاسم الربعي مولى قيس بن ثعلبة، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة وذلك بعد مولد النبي ﷺ بسنتين أتاه وفود العرب وأشرافها وشعراؤها لتهنئه وتمدحه، وتذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه؛ فأتاه وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وخويلد بن أسد، في ناس من وجوه

стр. 212

قريش من أهل مكة، فأتوه بصنعاء وهو في قصر له يقال له: غمدان، وهو الذي يقول فيه الشاعر أبو الصلت الثقفي أبو أمية بن أبي الصلت (١): لا تطلب الثأر إلا كابن ذي يزن … [رئيم] (٢) ففي البحر للأعداء أحوالا أتى هرقل (٣) وقد شالت نعامتهم … فلم يجد عنده النصر (٤) الذي سالا ثم انتحى نحو كسرى بعد عاشرة (٥) … من السنين يهين [النفس] (٦) والمالا حتى أتى ببني الأحرار يقدمهم … تخالهم فوق متن الأرض أجبالا بيض مرازبة غلب أساورة … أسد يربين في الغيضات أشبالا لله درهم من فتية صبر … ما إن رأيت لهم في الناس أمثالا لا يضجرون وإن [جرت] (٧) مغافرهم … ولا ترى منهم في الطعن ميالا أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد … أضحى شريدهم في الناس فلالا (٨) فالتط (٩) بالمسك إذ شالت نعامتهم … وأسبل اليوم (١٠) في برديك إسبالا (١١) [فاشرب] (١٢) هنيئا عليك التاج مرتفقا (١٣) … في رأس غمدان دارا منك محلالا تلك المكارم لا تعبان من لبن … شيبا بماء فعادا بعد (١٤) أبوالا

стр. 213

فاستأذنوا عليه فأذن لهم، فإذا الملك متضمخ بالعنبر، يلصف (١) وبيض المسك من مفرقه وسيفه بين يديه، وعن يمينه وعن يساره الملوك وأبناء الملوك (٢). فدنا عبد المطلب فاستأذن في الكلام، فقال له سيف بن ذي يزن إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذناك (٣). فقال (٤) عبد المطلب: إن الله قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا، صعبا منيعا شامخا، باذخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه في أكرم معدن، وأطيب موطن، وأنت أبيت اللعن رأس العرب وربيعها التي تحصنت به، وأنت أيها الملك رأس العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد. سلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يخمد ذكر من أنت سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه. أيها الملك نحن أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أنهجنا لكشف الكرب الذي فدحنا (٥)، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة (٦). قال: وأيهم أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. قال ابن أختنا؟ قال: نعم. قال: ادن، فأدناه ثم أقبل عليه وعلى القوم، فقال: مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا (٧).

стр. 214

ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا (١)، يعطي عطاء جزلا. قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم. وأنتم أهل الليل والنهار، لكم (٢) الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم. قال: ثم قال: انهضوا إلى دار الضيافة والوفود، فأقاموا شهرا لا يصلون إليه، ولا يأذن لهم في الانصراف، قال: وأجريت (٣) عليهم الإنزال. ثم انتبه لهم انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب، فناداه وأخلا مجلسه له (٤)، ثم فقال: يا عبد المطلب، إني مفوض إليك من سر علمي أمرا، لو غيرك يكون لم أبح له به (٥)، ولكني وجدتك معدنه فأطلعتك طلعه (٦)، وليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه، فإن الله بالغ فيه أمره. إني أجد في الكتاب المكنون، والعلم المخزون الذي اخترناه (٧) لأنفسنا، واحتجبناه دون غيرنا، خبرا جسيما، وخطرا عظيما، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة للناس عامة، ولرهطك كافة، ولك خاصة. قال: أيها الملك، مثلك سر وبر، فما هو فداك أهل الوبر والمدر، زمرا بعد زمر. قال: فإذا ولد بتهامة، غلام به علامة كانت له الإمامة، ولكم به [الدعامة] (٨) إلى يوم القيامة. فقال له عبد المطلب: أبيت اللعن، لقد أتيت بخير ما آب بمثله وافد قوم، ولولا

стр. 215

هيبة الملك وإعظامه وإجلاله، لسألته من ساره إياي ما أزداد به سرورا، فإن رأى الملك أن يخبرني بإفصاح، فقد أوضح لي بعض (١) الإيضاح. قال: هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد اسمه محمد، بين كتفيه شامة، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، قد (٢) ولدناه مرارا، والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا، يعز بهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس (٣) عن عرض، ويستبيح به كرائم الأرض، يعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، ويكسر الأوثان، ويخمد النيران. قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله. قال: فخر عبد المطلب ساجدا، فقال له: ارفع رأسك، ثلج (٤) صدرك، وعلا كعبك، فهل أحسست من أمره شيئا؟ قال: نعم أيها الملك، كان لي ابن وكنت به معجبا، وعليه شفيقا، زوجته (٥) كريمة من كرائم قومه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فجاءت بغلام سميته محمدا، مات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه، بين كتفيه شامة، وفيه كل ما ذكرت من علامة. قال له: والبيت ذي الحجب والعلامات على النصب، إنك يا عبد المطلب، لجده غير الكذب، قال: وإن الذي قلت لكما قلت، فاحتفظ بابنك، واحذر عليه اليهود، فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو (٦) ما ذكرت لك
следующие страницы →