← Книги сунны

Книги сунны · id 115123

أخبار مكة - الأزرقي - ت ابن دهيش

الأزرقي

Полный текст (955 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة أم المؤمنين، قالت رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان. حديث سيف بن ذي يزن ووفود قريش عليه والعرب لتهنئه بالملك (١) قال ابن إسحاق: فلما قتل الحبش ورجع الملك إلى حمير؛ سرت بذلك جميع العرب، لرجوع الملك فيها وهلاك الحبشة، فخرجت وفود العرب جميعا لتهنئة سيف بن (٢) ذي يزن، فخرج وفد قريش، ووفد ثقيف، وعجز هوازن وهم: نضر، وجشم، وسعد بن بكر، ومعهم وفد عدوان وفيهم ابنا عمرو بن قيس، فيهم مسعود بن معتب (٣)، ووفد غطفان، ووفد تميم، وأسد، ووفد قبائل قضاعة، والأزد. فأجازهم وأكرمهم، وفضل قريشا عليهم في الجائزة لمكانهم من الحرم وجوارهم بيت الله. ١٧٣ - قال أبو الوليد: وحدثني عبد الله بن شبيب الربعي، قال: حدثنا عمرو بن بكر (٤) بن بكار، قال: حدثني أحمد بن القاسم الربعي مولى قيس بن ثعلبة، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة وذلك بعد مولد النبي ﷺ بسنتين أتاه وفود العرب وأشرافها وشعراؤها لتهنئه وتمدحه، وتذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه؛ فأتاه وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وخويلد بن أسد، في ناس من وجوه

стр. 212

قريش من أهل مكة، فأتوه بصنعاء وهو في قصر له يقال له: غمدان، وهو الذي يقول فيه الشاعر أبو الصلت الثقفي أبو أمية بن أبي الصلت (١): لا تطلب الثأر إلا كابن ذي يزن … [رئيم] (٢) ففي البحر للأعداء أحوالا أتى هرقل (٣) وقد شالت نعامتهم … فلم يجد عنده النصر (٤) الذي سالا ثم انتحى نحو كسرى بعد عاشرة (٥) … من السنين يهين [النفس] (٦) والمالا حتى أتى ببني الأحرار يقدمهم … تخالهم فوق متن الأرض أجبالا بيض مرازبة غلب أساورة … أسد يربين في الغيضات أشبالا لله درهم من فتية صبر … ما إن رأيت لهم في الناس أمثالا لا يضجرون وإن [جرت] (٧) مغافرهم … ولا ترى منهم في الطعن ميالا أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد … أضحى شريدهم في الناس فلالا (٨) فالتط (٩) بالمسك إذ شالت نعامتهم … وأسبل اليوم (١٠) في برديك إسبالا (١١) [فاشرب] (١٢) هنيئا عليك التاج مرتفقا (١٣) … في رأس غمدان دارا منك محلالا تلك المكارم لا تعبان من لبن … شيبا بماء فعادا بعد (١٤) أبوالا

стр. 213

فاستأذنوا عليه فأذن لهم، فإذا الملك متضمخ بالعنبر، يلصف (١) وبيض المسك من مفرقه وسيفه بين يديه، وعن يمينه وعن يساره الملوك وأبناء الملوك (٢). فدنا عبد المطلب فاستأذن في الكلام، فقال له سيف بن ذي يزن إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذناك (٣). فقال (٤) عبد المطلب: إن الله قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا، صعبا منيعا شامخا، باذخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه في أكرم معدن، وأطيب موطن، وأنت أبيت اللعن رأس العرب وربيعها التي تحصنت به، وأنت أيها الملك رأس العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد. سلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يخمد ذكر من أنت سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه. أيها الملك نحن أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أنهجنا لكشف الكرب الذي فدحنا (٥)، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة (٦). قال: وأيهم أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. قال ابن أختنا؟ قال: نعم. قال: ادن، فأدناه ثم أقبل عليه وعلى القوم، فقال: مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا (٧).

стр. 214

ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا (١)، يعطي عطاء جزلا. قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم. وأنتم أهل الليل والنهار، لكم (٢) الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم. قال: ثم قال: انهضوا إلى دار الضيافة والوفود، فأقاموا شهرا لا يصلون إليه، ولا يأذن لهم في الانصراف، قال: وأجريت (٣) عليهم الإنزال. ثم انتبه لهم انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب، فناداه وأخلا مجلسه له (٤)، ثم فقال: يا عبد المطلب، إني مفوض إليك من سر علمي أمرا، لو غيرك يكون لم أبح له به (٥)، ولكني وجدتك معدنه فأطلعتك طلعه (٦)، وليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه، فإن الله بالغ فيه أمره. إني أجد في الكتاب المكنون، والعلم المخزون الذي اخترناه (٧) لأنفسنا، واحتجبناه دون غيرنا، خبرا جسيما، وخطرا عظيما، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة للناس عامة، ولرهطك كافة، ولك خاصة. قال: أيها الملك، مثلك سر وبر، فما هو فداك أهل الوبر والمدر، زمرا بعد زمر. قال: فإذا ولد بتهامة، غلام به علامة كانت له الإمامة، ولكم به [الدعامة] (٨) إلى يوم القيامة. فقال له عبد المطلب: أبيت اللعن، لقد أتيت بخير ما آب بمثله وافد قوم، ولولا

стр. 215

هيبة الملك وإعظامه وإجلاله، لسألته من ساره إياي ما أزداد به سرورا، فإن رأى الملك أن يخبرني بإفصاح، فقد أوضح لي بعض (١) الإيضاح. قال: هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد اسمه محمد، بين كتفيه شامة، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، قد (٢) ولدناه مرارا، والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا، يعز بهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس (٣) عن عرض، ويستبيح به كرائم الأرض، يعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، ويكسر الأوثان، ويخمد النيران. قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله. قال: فخر عبد المطلب ساجدا، فقال له: ارفع رأسك، ثلج (٤) صدرك، وعلا كعبك، فهل أحسست من أمره شيئا؟ قال: نعم أيها الملك، كان لي ابن وكنت به معجبا، وعليه شفيقا، زوجته (٥) كريمة من كرائم قومه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فجاءت بغلام سميته محمدا، مات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه، بين كتفيه شامة، وفيه كل ما ذكرت من علامة. قال له: والبيت ذي الحجب والعلامات على النصب، إنك يا عبد المطلب، لجده غير الكذب، قال: وإن الذي قلت لكما قلت، فاحتفظ بابنك، واحذر عليه اليهود، فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو (٦) ما ذكرت لك

стр. 216

دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإني لست آمن أن تدخلهم النفاسة، من أن تكون لك الرياسة، فيبتغون لك الغوائل (١)، وينصبون لك الحبائل، وهم فاعلون أو أبناؤهم، ولولا أن الموت مجتاحي قبل مبعثه، لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب (٢) دار ملكي (٣)، فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق (٤): أن بيثرب استحكام أمره، وأهل نصرته، وموضع قبره، ولولا أني أقيه الآفات، وأحذر عليه العاهات، لأوطأت أسنان العرب كعبه، ولأعليت على حداثة من سنه ذكره، ولكني مفوض وصارف (٥) ذلك إليك، عن غير تقصير بمن معك. ثم أمر لكل رجل منهم بمائة من الإبل، وعشرة أعبد، وعشر إماء، وعشرة أرطال ذهب، وعشرة أرطال فضة، وكرش مملوءة عنبرا، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، ثم قال له: ائتني بخبره وما يكون من أمره عند رأس الحول، فمات سيف بن ذي يزن من قبل أن يحول الحول. وكان عبد المطلب يقول: أيها الناس لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك، فإنه إلى نفاذ، ولكن (٦) ليغبطني بما يبقى لي ولعقبي شرفه وذكره وفخره. فإذا قيل له: وما ذاك؟ يقول: ستعلمونه (٧) ولو بعد حين. وفي ذلك يقول أمية بن عبد شمس (٨):

стр. 217

جلبنا النصح نحقبها (١) المطايا … إلى أكوار أجمال ونوق مغلغلة (٢) مراتعها تغالي … إلى صنعاء من فج عميق توم بنا ابن ذي يزن ويفري (٣) … ذوات بطونها أم الطريق وترعى (٤) من مخائلها بروقا … موافقة الوميض إلى بروق فلما (٥) وافقت صنعاء صارت … بدار الملك والحسب العريق قال أبو الوليد: وقد ذكر الله الفيل وما صنع بأصحابه، فقال: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل … إلى آخرها﴾ [الفيل: ٥ - ١]. ولو لم ينطق القرآن به لكان في الأخبار المتواطئة والأشعار المتظاهرة في الجاهلية والإسلام حجة وبيان لشهرته، وما كانت العرب تؤرخ به، فكانوا يؤرخون في كتبهم وديوانهم (٦) من سنة الفيل، وفيها ولد رسول الله ﷺ ، فلم تزل قريش والعرب (٧) تؤرخ به (٨)، فكانوا يؤرخون في كتبهم بعام الفيل (٩) ثم أرخت بعام الفجار، ثم أرخت ببنيان الكعبة، فلم تزل تؤرخ به حتى جاء الله بالإسلام فارخ المسلمون من عام الهجرة (١٠). ولقد بلغ من شهرة أمر الفيل وصنع الله بأصحابه واستفاضة ذلك (١١)، حتى

стр. 218

قالت عائشة - على حداثة سنها-: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين ببطن مكة يستطعمان (١). وقد ذكر غير واحد من أحداث قريش: أنه رآهما أعميين. ما جاء في شواهد الشعر في ذلك قال الطفيل (٢) الغنوي، وهو جاهلي (٣): ترعى مذانب وسمي أطاع لها … بالجزع حيث (٤) عصى أصحابه الفيل (٥) وقال صيفي بن عامر، وهو أبو قيس بن الأسلت (٦) الخزرجي - وهو جاهلي- يعني قريشا (٧): قوموا فصلوا ربكم وتعوذوا … بأركان هذا البيت بين الأخاشب فعندكم منه بلاء ومصدق … غداة أبي (٨) يكسوم هادي الكتائب فلما أجازوا بطن نعمان ردهم … جنود الإله (٩) بين ساف وحاصب فولوا سراعا نادمين ولم يؤب … إلى أهله [ملحبس] (١٠) غير عصائب

стр. 219

وقال أبو قيس بن الأسلت (١): ومن صنعه يوم فيل الحبوش (٢) … إذ كل ما بعثوه (٣) رزم محاجنهم تحت أقرابه … وقد كلموا أنفه بالخزم وقد جعلوا سوطه مغولا (٤) … إذا يمموه (٥) قفاه كلم أرسل من فوقهم حاصبا … يلفهم مثل لف القزم [تحث] (٦) على الطير أجنادهم … وقد تأجوا كثؤاج الغنم (٧) وقال أبو الصلت الثقفي، وهو جاهلي (٨): إن آيات ربنا بينات … ما يماري فيهن إلا كفور حبس الفيل بالمغمس حتى … ظل يحبو كأنه معقور واضعا حلقه الجران (٩) كما … قطر صخر من كبكب (١٠) محدور (١١) وقال المغيرة بن عبد الله بن عمر (١٢) بن مخزوم (١٣):

стр. 220

أنت حبست الفيل بالمغمس … حبسته كأنه مكردس (١) من بعد ما هم بشر محبس … بمحبس (٢) تزهق فيه الأنفس (٣) وقت ثياب (٤) ربنا لم تدنس … يا واهب الحي الجميع الأحمس وما لهم من طارق ومنفس … وجاره مثل الجوار الكنس (٥) أنت لنا في كل أمر مضرس (٦) … وفي هنات أخذت بالأنفس وقال [ابن] (٧) أذينة الثقفي (٨): لعمرك ما للفتى من مفر … مع الموت يلحقه والكبر لعمرك ما للفتى عصرة … لعمرك ما إن له من وزر أبعد قبائل من حمير … أتوا ذات صبح بذات العبر بألف ألوف وحرابة … كمثل السماء قبيل المطر يصم (٩) صراخهم المقربات … ينفون من قاتلوا (١٠) بالدفر سعالى (١١) مثل عديد التراب … [تيبس] (١٢) منها رطاب الشجر

стр. 221

ما جاء في ذكر بناء قريش الكعبة في الجاهلية ١٧٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن داود بن عبد الرحمن العطار، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم القارئ، عن أبي الطفيل، قال: قلت: يا خال، حدثني عن بنيان الكعبة قبل أن تبنيها (١) قريش. قال: كانت برضم يابس، ليس بمدر، تنزوه العناق (٢)، وتوضع الكسوة على الجدر ثم تدلى، ثم إن سفينة للروم أقبلت حتى إذا كانت بالشعيبة (٣) - وهو (٤) يومئذ ساحل مكة قبل جدة - فانكسرت، فسمعت بها قريش، فركبوا إليها فأخذوا (٥) خشبها وروميا يقال له: باقوم، نجارا بناء. فلما قدموا به (٦) مكة قالوا: لو بنينا بيت ربنا، فاجتمعوا لذلك، ونقلوا الحجارة الضواحي، فبينا رسول الله ﷺ ينقلها معهم إذ انكشفت نمرته، فنودي: يا محمد! عورتك، فذلك أول ما نودي - والله أعلم - فما رؤيت له عورة بعد (٧).

стр. 222

فلما جمعوا الحجارة وهموا بنقضها؛ خرجت لهم حية سوداء الظهر، بيضاء البطن، لها رأس مثل رأس الجدي، تمنعهم كلما أرادوا هدمها، فلما رأوا ذلك، اعتزلوا عند المقام - وهو يومئذ في مكانه اليوم - ثم قالوا: ربنا أردنا عمارة بيتك، فرأوا طائرا [أسودا] (١) ظهره، أبيض بطنه، أصفر الرجلين، أخذها فجرها حتى أدخلها [أجيادا] (٢)، ثم هدموها وبنوها عشرين ذراعا طولها. قال أبو الطفيل: فاستقصرت قريش لقصر الخشب، فتركوا منها في الحجر ستة أذرع وشبرا. ١٧٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، قال: جلس عمر بن الخطاب ﵀ في الحجر، وأرسل إلى رجل من بني زهرة قديم فسأله عن بنيان الكعبة، فقال: إن قريشا تقوت في بنائها، فعجزوا [واستقصروا] (٣)، فبنوا وتركوا بعضها في الحجر، فقال عمر: صدقت. ١٧٦ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثنا عبد الله بن معاذ الصنعاني، عن معمر، عن الزهري، قال: لما بلغ رسول الله ﷺ الحلم؛ أجمرت امرأة من قريش الكعبة، فطارت شررة (٤) من مجمرتها في ثياب

стр. 223

الكعبة فاحترقت، فوهى البيت للحريق الذي أصابه، فتشاورت (١) قريش في هدم الكعبة، فهابوا هدمها، فقال لهم الوليد بن المغيرة: أتريدون بهدمها الإصلاح أم الإساءة؟ قالوا: بل نريد الإصلاح، قال: فإن الله لا يهلك المصلحين، قالوا: من ذا (٢) الذي يعلوها فيهدمها؟ قال الوليد بن المغيرة: أنا أعلوها فأهدمها. فارتقى الوليد على جدر البيت ومعه الفأس، فقال: اللهم إنا لا نريد إلا الإصلاح، ثم هدم، فلما رأته قريش قد هدم [ما هدم منها] (٣) ولم يأتهم ما يخافون من العذاب هدموا معه، حتى إذا بنوا فبلغوا موضع الركن؛ اختصمت قريش في الركن أي القبائل تلي رفعه، حتى [كاد] (٤) يشجر بينهم، قالوا: تعالوا نحكم (٥) أول من يطلع علينا من هذه [السكة] (٦)، فاصطلحوا على ذلك. فطلع رسول الله ﷺ وهو غلام عليه وشاحا نمرة فحكموه، فأمر بالركن فوضع في ثوب، ثم أمر سيدكل قبيلة فأعطاه ناحية (٧) الثوب، ثم ارتقى هو (٨) وأمرهم أن يرفعوه (٩) إليه، فرفعوه إليه، فكان (١٠) هو الذي وضعه. ١٧٧ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا مسلم بن خالد

стр. 224

الزنجي، عن ابن أبي (١) نجيح، عن أبيه، قال: جلس رجال من قريش في المسجد الحرام فيهم حويطب بن [عبد] (٢) العزى، ومخرمة بن نوفل، فتذاكروا بنيان قريش الكعبة وما هاجهم على ذلك، وذكروا كيف كان بناؤها قبل ذلك. قالوا: كانت الكعبة مبنية برضم يابس ليس بمدر، وكان بابها بالأرض، ولم يكن لها سقف، إنما (٣) تدلى الكسوة على الجدر من خارج، وتربط من أعلى الجدر من بطنها. وكان في بطن الكعبة عن يمين من دخلها جب يكون فيه ما يهدى للكعبة (٤) من مال وحلية؛ كهيئة الخزانة، وكان يكون على ذلك الجب حية تحرسه، بعثها الله منذ زمن جرهم؛ وذلك أنه عدا على ذلك الجب قوم من جرهم، فسرقوا مالها وحليتها مرة بعد مرة، فبعث الله جل ثناؤه تلك الحية، فحرست الكعبة وما فيها خمسمائة سنة، فلم تزل [كذلك] (٥) حتى بنت قريش الكعبة. وكان قرنا الكبش الذي ذبحه إبراهيم خليل الرحمن معلقين في بطنها بالجدر تلقاء من دخلها، يخلقان ويطيبان إذا طيب (٦) البيت، وكان فيها معاليق من حلية كانت تهدى للكعبة، فكانت على ذلك من أمرها. ثم إن امرأة ذهبت تجمر الكعبة، فطارت من مجمرتها شررة (٧) فاحترقت كسوتها، وكانت الكسوة عليها ركاما بعضها فوق بعض، فلما احترقت الكعبة

стр. 225

توهنت جذراتها من كل جانب وتصدعت، وكانت الحرف (١) والأربعة عليهم مظلة، والسيول متواترة - ولمكة سيول عوارم -[فجاء] (٢) [سيل] (٣) على تلك الحال عظيم، فدخل الكعبة وصدع جدراتها [وأجافها] (٤). ففزعت قريش من ذلك (٥) [فزعا شديدا] (٦)، وهابوا هدمها، وخشوا إن مسوها أن ينزل عليهم العذاب. قال: فبينا هم على ذلك يتناظرون (٧) ويتشاورون؛ إذ أقبلت سفينة للروم (٨)، حتى إذا كانت بالشعيبة - وهي يومئذ ساحل مكة قبل جدة - فانكسرت (٩)، [فسمعت] (١٠) بها قريش، فركبوا إليها فاشتروا خشبها، وأذنوا لأهلها أن يدخلوا مكة فيبيعون ما (١١) معهم من متاعهم على ألا يعشروهم. قال: وكانوا يعشرون من دخلها من تجار الروم؛ كما كانت الروم تعشر من دخل (١٢) بلادها. وكان (١٣) في السفينة رومي نجار بناء يسمى: باقوم، فلما قدموا بالخشب مكة قالوا: لو بنينا بيت ربنا. فاجتمعوا (١٤) لذلك وتعاونوا، وترافدوا في النفقة، وربعوا

стр. 226

قبائل قريش أرباعا، ثم اقترعوا عند هبل في بطن الكعبة على جوانبها، فطار قدح بني عبد مناف وبني زهرة على الوجه الذي فيه الباب وهو الشرقي، وطار قدح (١) بني عبد الدار وبني أسد بن عبد العزى وبني عدي بن كعب (٢) على الشق الذي يلي الحجر، وهو الشق الشامي. وطار قدح بني سهم وبني جمح وبني عامر بن لؤي على ظهر الكعبة، وهو الشق الغربي. وطار قدح بني تيم وبني مخزوم وقبائل من قريش ضموا معهم على الشق اليماني الذي يلي الصفا وأجياد. فنقلوا الحجارة ورسول الله ﷺ يومئذ غلام لم ينزل عليه الوحي ينقل معهم الحجارة على رقبته، فبينا هو ينقلها إذ انكشفت نمرة كانت عليه، فنودي: يا محمد عورتك، وذلك أول ما نودي - والله أعلم - فما رئيت لرسول الله ﷺ عورة بعد ذلك. ولبج (٣) برسول الله ﷺ من الفزع حين نودي، فأخذه العباس بن عبد المطلب فضمه إليه، وقال: لو جعلت بعض نمرتك على عاتقك تقيك الحجارة. قال: ما أصابني هذا إلا من التعري، فشد رسول الله ﷺ إزاره، وجعل ينقل معهم (٤)، فكانوا (٥) ينقلون بأنفسهم تبررا وتبركا بالكعبة وعملها، فلما اجتمع لهم ما يريدون من الحجارة والخشب وما يحتاجون إليه غدوا على هدمها، فخرجت لهم (٦) الحية التي كانت في بطنها تحرسها؛ سوداء الظهر، بيضاء البطن، رأسها مثل رأس الجدي، تمنعهم كلما أرادوا هدمها، فلما رأوا ذلك اعتزلوا عند المقام (٧) -

стр. 227

مقام إبراهيم ﵇ وهو يومئذ (١) مكانه الذي هو فيه اليوم - فقال لهم الوليد بن المغيرة: يا قوم، ألستم تريدون بهدمها الإصلاح؟ فقالوا (٢): بلى. قال: فإن الله لا يهلك المصلحين، ولكن لا [تدخلوا] (٣) في عمارة بيت ربكم إلا من طيب أموالكم، ولا تدخلوا فيه [مالا من ربا، ولا] (٤) مالا من ميسر، ولا مهر بغي، وجنبوه الخبيث من أموالكم، فإن الله لا يقبل إلا طيبا. ففعلوا، ثم وقفروا عند المقام فقاموا يدعون ربهم ويقولون: اللهم إن كان لك في هدمها رضا فأتمه، واشغل عنا هذا الثعبان. فأقبل طائر من جو السماء كهيئة العقاب، ظهره أسود، وبطنه أبيض، ورجلاه صفراوان - والحية على جدر البيت فاغرة فاها- فأخذ برأسها ثم طار بها حتى أدخلها أجياد الصغير. فقالت قريش: إنا لنرجوا أن يكون الله قد رضي [عملكم] (٥)، وقبل نفقتكم فاهدموه (٦). فهابت قريش هدمه، فقالوا: من يبدأ فيهدمه؟ فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في [هدمه] (٧)، أنا شيخ كبير، فإن أصابني أمر كان قد دنا أجلي، وإن كان غير ذلك لم يزر بي (٨). فعلا البيت وفي يده عتلة يهدم بها، فتزعزع من تحت رجله حجر فقال: اللهم لم ترع، إنما أردنا الإصلاح. وجعل يهدمها حجرا حجرا بالعتلة، فهدم يومه ذلك، فقالت قريش: نخاف أن ينزل به العذاب إذا أمسى. فلما أمسى لم ير بأسا، فأصبح الوليد غاديا

стр. 228

على عمله، فهدمت قريش معه حتى بلغوا الأساس الأول الذي رفع عليه إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، فأبصروا حجارة كأنها الإبل الخلف، لا يطيق الحجر منها ثلاثون رجلا، يحرك الحجر منها فترتج جوانبها، قد شبك (١) بعضها ببعض، فأدخل الوليد بن المغيرة عتلته بين الحجرين فانفلقت منه فلقة، فأخذها أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، فنزت من يده حتى عادت (٢) مكانها، وطارت من تحتها برقة كادت أن تخطف أبصارهم، ورجفت مكة بأسرها، فلما رأوا ذلك أمسكوا عن أن ينظروا ما تحت ذلك (٣)، فلما جمعوا ما أخرجوا من النفقة قلت النفقة على أن تبلغ (٤) لهم عمارة البيت كله، فتشاوروا في ذلك، فأجمع رأيهم على أن يقصروا عن القواعد، ويحجروا ما يقوون (٥) عليه من بناء البيت، ويتركوا بقيته في الحجر، عليه جدار مدار يطوف الناس من ورائه. ففعلوا ذلك، وبنوا في بطن الكعبة أساسا يبنون عليه من شق الحجر، وتركوا من ورائه من فناء (٦) البيت في الحجر ستة أذرع وشبرا، فبنوا على ذلك. فلما وضعوا أيديهم في بنائها، قالوا (٧): ارفعوا بابها من الأرض، [واكبسوها] (٨) حتى لا تدخلها السيول، ولا ترقى إلا بسلم، ولا يدخلها إلا من أردتم، ثم إن كرهتم أحدا دفعتموه. ففعلوا ذلك، وبنوها بساف من حجارة، وساف من خشب بين الحجارة، حتى

стр. 229

انتهوا إلى موضع الركن فاختلفوا في [وضعه] (١)، وكثر الكلام فيه، وتنافسوا في ذلك، فقالت بنو عبد مناف وزهرة: هو في الشق الذي وقع (٢) لنا. وقالت تيم ومخزوم هو في الشق الذي وقع [لنا] (٣). وقالت سائر القبائل: لم يكن الركن مما استهمنا عليه. فقال أبو أمية بن المغيرة: يا قوم، إنما أردنا البر ولم نرد الشر، فلا تحاسدوا ولا تنافسوا، فإنكم إن (٤) اختلفتم تشتت أمركم، وطمع فيكم غيركم، ولكن حكموا بينكم أول من يطلع عليكم من هذا الفج. قالوا: رضينا وسلمنا. فطلع رسول الله ﷺ فقالوا: هذا الأمين قد رضينا به، فحكموه. فبسط رداءه، ثم وضع فيه الركن، فدعا من كل ربع رجلا، فأخذوا بأطراف الثوب، فكان من بني عبد مناف: عتبة بن ربيعة، وكان في الربع الثاني: أبو زمعة بن الأسود - وكان أسن القوم - وفي الربع الثالث: العاص بن وائل، وفي الربع الرابع: أبو حذيفة بن المغيرة. فرفع القوم الركن، وقام النبي ﷺ على الجدر، ثم وضعه هو بيده، فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي ﷺ حجرا [ليشد] (٥) به الركن، فقال العباس بن عبد المطلب: لا، فناول العباس النبي ﷺ حجرا فشد به الركن، فغضب النجدي حيث نحي، فقال النجدي واعجباه لقوم أهل شرف وعقول، وسن وأموال، عمدوا إلى أصغرهم سنا وأقلهم مالا، [فراسوه] (٦) عليهم في مكرمتهم [وحوزهم] (٧) كأنهم له خدم (٨)!! أما والله ليفوتنهم سبقا، وليقسمن عليهم

стр. 230

حظوظا وجدودا، ويقال: إنه إبليس. فبنوا حتى رفعوا أربع أذرع وشبرا، ثم كبسوها ووضعوا بابها مرتفعا على هذا الذرع، ورفعوها بمدماك (١) خشب ومدماك حجارة، حتى بلغوا موضع السقف، فقال لهم باقوم الرومي: أتحبون أن تجعلوا سقفها مكبسا (٢) أو مسطحا؟ فقالوا: بل ابن بيت ربنا مسطحا. قال: فبنوه مسطحا، وجعلوا فيه ست دعائم في صفين، في كل صف ثلاث دعائم من الشق الشامي الذي يلي الحجر إلى الشق اليماني. وجعلوا ارتفاعها من خارجها من الأرض إلى أعلاها ثمانية عشر ذراعا، وكانت قبل ذلك تسع (٣) أذرع، فزادت قريش في ارتفاعها في السماء تسع أذرع أخر، وبنوها من أعلاها إلى أسفلها بمدماك من حجارة ومدماك من خشب، وكان (٤) الخشب خمسة عشر مدماكا، والحجارة ستة عشر مدماكا. وجعلوا ميزابها يسكب في الحجر، وجعلوا درجة من خشب في بطنها في الركن الشامي يصعد فيها إلى ظهرها، وزوقوا سقفها وجدراتها - من بطنها - ودعائمها. وجعلوا في دعائمها صور الأنبياء، وصور الشجر، وصور الملائكة؛ فكان منها (٥) صورة إبراهيم خليل الرحمن [شيخ] (٦) يستقسم بالأزلام، وصورة عيسى ابن مريم وأمه، وصورة الملائكة. فلما كان يوم الفتح؛ دخل رسول الله ﷺ البيت، فأرسل الفضل بن عباس بن عبد المطلب، فجاء بماء من ماء زمزم، ثم أمر بثوب قبل بالماء، وأمر بطمس تلك الصور، فطمست.

стр. 231

قال: ووضع [كفيه] (١) على صورة عيسى ابن مريم وأمه وقال: امحوا جميع الصور إلا ما تحت يدي، ورفع (٢) يديه عن عيسى ابن مريم وأمه. ونظر إلى صورة إبراهيم فقال: قاتلهم الله، جعلوه يستقسم بالأزلام، ما لإبراهيم وللأزلام (٣). وجعلوا لها بابا واحدا، فكان يغلق ويفتح، وكانوا قد أخرجوا ما كان في البيت من حلية ومال وقرني الكبش، وجعلوه عند أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي. وأخرجوا هبل، وكان على الجب الذي فيه نصبه عمرو بن لحي هنالك، ونصب عند المقام حتى فرغوا من بناء البيت، فردوا ذلك المال في الجب، وعلقوا فيه الحلية [وقرني] (٤) الكبش، وردوا الجب في مكانه مما يلي الركن (٥) الشامي، ونصبوا هبل على الجب كما كان قبل ذلك، وجعلوا له سلما يصعد [عليه] (٦) إلى بطنها، وكسوها حين فرغوا من بنائها حبرات يمانية (٧). ١٧٨ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن حويطب بن عبد العزى، قال: كانت في الكعبة حلق أمثال لجم البهم، يدخل الخائف فيها يده فلا يريبه أحد. فجاء

стр. 232

خائف ليدخل يده فاجتبذه رجل فشلت يده، فلقد رأيته في الإسلام وإنه لأشل. ١٧٩ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، قال: سأل سليمان بن موسى الشامي عطاء بن أبي رباح وأنا أسمع: أدركت في البيت تمثال مريم وعيسى؟ قال: نعم، أدركت فيها تمثال مريم مزوقا، وفي (١) حجرها عيسى ابنها قاعدا مزوقا. قال: وكانت في البيت أعمدة ست سواري، وصفها (٢) كما نقطت في هذا التربيع: قال: فكان (٣) تمثال عيسى بن مريم ومريم في العمود الذي يلي الباب (٤) الذي يلي هذا الأوسط الأعلى (٥). قال ابن جريج: فقلت لعطاء: متى هلك؟ قال: في الحريق في عصر ابن الزبير، … قلت: أعلى عهد النبي ﷺ ؟ قال: لا أدري، وإني لأظنه قد كان في (٦) عهد النبي

стр. 233

صلى الله، قال له سليمان: [أفرأيت] (١) تماثيل صور كانت في البيت، من طمسها؟ قال: لا أدري، غير أني أدركت من تلك الصور اثنين [درسهما وأراهما والطمس عليهما] (٢). قال ابن جريج: ثم عاودت عطاء بعد حين، فخط لي ست سواري كما خططت، ثم قال: تمثال عيسى وأمه في الوسطى من اللاتي تلين (٣) الباب الذي يلينا إذا دخلنا. قال ابن جريج الذي خط هذا التربيع ونقط هذا النقط. ١٨٠ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن، عن عمرو بن دينار، قال: «أدركت في الكعبة قبل أن تهدم [تمثال] (٤) عيسى بن مريم وأمه». ١٨١ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثني داود بن عبد الرحمن، قال: أخبرني بعض الحجبة، عن مسافع [عن] (٥) شيبة بن عثمان، أن النبي ﷺ قال: «يا شيبة، امح كل صورة فيه إلا ما تحت يدي، قال: فرفع [يديه] (٦) عن عيسى ابن مريم وأمه».

стр. 234

١٨٢ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، أنه سمع أبا الشعثاء، يقول: إنما يكره ما فيه الروح. قال عمرو: أن يصنع (١) التمثال على ما فيه الروح، فأما الشجر وما ليس فيه … روح، فلا. ١٨٣ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن سليمان بن (٢) موسى، عن جابر بن عبد الله، قال: زجر النبي ﷺ عن الصور، وأمر عمر بن الخطاب ﵁ زمن الفتح [أن] (٣) يدخل البيت فيمحو ما فيه من صورة، ولم يدخله حتى محي. ١٨٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن، أن النبي ﷺ لم يدخل الكعبة حتى أمر عمر بن الخطاب أن يطمس على كل صورة فيها.

стр. 235

١٨٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، قال: أخبرنا يزيد بن عياض بن [جعدة] (١)، عن ابن شهاب: أن النبي ﷺ دخل الكعبة يوم الفتح وفيها صور (٢) الملائكة وغيرها، فرأى صورة إبراهيم، فقال: «قاتلهم الله، جعلوه شيخا يستقسم بالأزلام». ثم رأى صورة مريم فوضع يده عليها، وقال: «امحوا ما فيها من الصور إلا صورة مريم». ١٨٦ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: أخبرني محمد بن يحيى، عن الثقة عنده، عن ابن إسحاق، عن حكيم بن حكيم [بن] (٣) عباد بن حنيف وغيره من أهل العلم: أن قريشا كانت قد جعلت في الكعبة صورا فيها عيسى بن مريم ومريم. ١٨٧ - وقال (٤) ابن شهاب قالت أسماء ابنة شقر: إن امرأة من (٥) غسان حجت في حاج العرب، فلما رأت صورة مريم في الكعبة قالت: بأبي وأمي إنك لغريبة (٦)، فأمر رسول الله ﷺ بمحو تلك الصور، إلا ما كان من صورة عيسى ومريم.

стр. 236

١٨٨ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني محمد بن يحيى، عن الثقة عنده، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة: أن رسول الله ﷺ لما دخل يوم الفتح مكة (١) أقبل حتى أتى البيت، فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح (٢) الكعبة، ففتحت له فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان فطرحها. ١٨٩ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني محمد بن يحيى بن أبي عمر، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن عكرمة، قال: لما كان يوم الفتح دخل رسول الله ﷺ البيت، فإذا فيه صورة إبراهيم وإسماعيل، وأحسبه قال: والكبش أو رأس الكبش، فأمرهم أن يمحوها، قال: فما دخل حتى محيت. قال: فلما دخل رأى الأزلام قد صورت في يد إبراهيم، فقال: «قاتلهم الله؛ لقد أبي، إنهما لم [يستقسما] (٣) بالأزلام». ١٩٠ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، وإبراهيم بن محمد الشافعي،

стр. 237

قالا: حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن (١) خثيم، قال: كان رسول الله ﷺ غلاما حيث هدمت الكعبة، فكان ينقل الحجارة، فوضع على ظهره إزاره يتقي به، فلبج به، فأخذه العباس فضمه إليه، قال رسول الله ﷺ : «إني نهيت أن أتعرى». ١٩١ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، أنه سمع عبيد بن عمير، يقول: اسم الذي بنى الكعبة لقريش: باقوم؛ وكان روميا، كان في سفينة أصابتها ريح فحجتها (٢)، يقول: حبستها، فخرجت إليها قريش بجدة، فأخذوا السفينة وخشبها، وقالوا له: ابنه (٣) لنا بنيان الشام. ١٩٢ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني محمد بن يحيى، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، قال: لما أرادوا أن يبنوا الكعبة خرجت حية فحالت بينهم وبين بنائهم، وكانت تشرف على الجدار، قال: فقالوا: إن أراد الله أن يتممه فسيكفيكموها. قال (٤) عمرو فسمعت ابن عمير يقول: جاء طير أبيض فأخذ بأثنائها (٥) فذهب بها نحو الحجون. ١٩٣ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني محمد بن يحيى، قال: حدثنا هشام بن

стр. 238

سليمان المخزومي، عن ابن جريج، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن الوليد بن عطاء بن خباب، أن الحارث (١) بن عبد الله بن أبي ربيعة وفد على عبد الملك بن مروان في خلافته، فقال له عبد الملك بن مروان: ما أظن أبا حبيب - يعني ابن الزبير - سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمع منها. قال الحارث: أنا سمعته منها، قال (٢): سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن قومك … استقصروا في بناء البيت، ولولا حداثة عهد قومك بالكفر أعدت فيه ما تركوا منه، فإن بدا لقومك أن يبنوه؛ فهلمي لأريك ما تركوا منه))، فأراها قريبا من سبع أذرع. وزاد (٣) الوليد في الحديث: «وجعلت لها بابين موضوعين بالأرض؛ بابا شرقيا وبابا غربيا. وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها»؟ قالت: قلت: لا. قال: «تعززا لئلا (٤) يدخلها أحد إلا من أرادوا. فكانوا إذا كرهوا أن يدخلها الرجل يدعونه يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل يدفعونه فيسقط» (٥). قال عبد الملك: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم. قال: فنكت (٦) بعصاه ساعة، ثم قال: وددت أني تركته وما تحمل. ١٩٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا مالك بن أنس، عن

стр. 239

ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق أخبره (١) عبد الله بن عمر، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: «ألم تري أن قومك حين بنوا البيت استقصروا عن قواعد إبراهيم؟! قالت: فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعده؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت». قال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا الحديث (٢) من رسول الله ﷺ ، ما أراه ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر، إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم ﵇. ١٩٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وأخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثنا سليم (٣) بن مسلم، عن المثنى بن الصباح، قال: سمعت عمرو بن شعيب، يقول: كان طول الكعبة في السماء تسع أذرع، فاستقصروا طولها (٤)، وكرهوا أن تكون بغير سقف، وأرادوا الزيادة فيها، فبنوها وزادوا في طولها تسع أذرع، وتركوا في الحجر من عرضها ست أذرع وعظم ذراع، قصرت بهم النفقة. ١٩٦ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: أخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، قال:

стр. 240

حدثني ابن أبي سبرة، عن يحيى بن شبل، عن أبي جعفر، قال: كان باب الكعبة على عهد إبراهيم وجرهم بالأرض، حتى بنتها قريش. قال أبو حذيفة بن المغيرة: يا معشر قريش، ارفعوا باب الكعبة، حتى لا يدخل عليكم إلا بسلم، فإنه لا يدخل عليكم إلا من أردتم. فإن جاء أحد ممن تكرهون رميتم به ﴿فيسقط﴾ (١)، فكان نكالا لمن ﴿يراه﴾ (٢)، ففعلت قريش ذلك، وردموا الردم الأعلى، وصرفوا السيل عن الكعبة، وكسوها الوصائل. ١٩٧ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن محمد بن أبي حميد، عن ﴿مودود﴾ مولى محمد بن علي، عن محمد بن علي (٣)، قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا وضعت الركن بيدي يوم اختلفت قريش في وضعه». ١٩٨ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، قال: حدثني خالد بن القاسم، عن أبي تجراة (٤)، عن أمه، قالت: أنا أنظر إلى رسول الله ﷺ يضع الركن بيده، فقلت: لمن الثوب الذي وضع فيه الحجر؟ قالت (٥): للوليد

стр. 241

بن المغيرة. ويقال: حمل الحجر في كساء طاروني كان للنبي ﷺ . ١٩٩ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن عبد الله بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن سعيد بن المسيب، قال: الذي أخذ الحجر الذي انفلق من غمز العتلة من أساس الكعبة، فنزا من يده فرجع مكانه أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. ٢٠٠ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن هشام بن عمارة، عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، قال: الذي أخذ الحجر فنزا من يده عامر بن نوفل بن عبد مناف. قال الواقدي: وقد ثبت أنه أبو وهب بن عمرو بن عائذ. ٢٠١ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن الوليد بن كثير، عن يعقوب بن عتبة، قال: اجتمع عند معاوية بن أبي سفيان - وهو الخليفة (١) - نفر من قريش؛ منهم: جعدة بن هبيرة، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والحارث بن عبد الله بن أبي (٢) ربيعة، وعبد الله بن زمعة بن الأسود، فتذاكروا أحاديث العرب؛ فقال معاوية: من الرجل الذي نزا الحجر من يده حين حفر أساس البيت حتى عاد مكانه؟ قالوا: من أعلم من أمير المؤمنين بهذا؟ قال:

стр. 242

علي ذلك! ليس كل العلم وعينا ولا حفظنا (١)، لقد علمنا أمورا فنسيناها. قالوا جميعا: [هو] (٢) أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، قال معاوية: كذلك كنت أسمع من أبي وكان حاضرا ذلك اليوم. قال: فمن قال حين اختلفت (٣) قريش في بنيان مقدم البيت: يا معشر قريش، لا تنافسوا ولا تباغضوا فيطمع فيكم غيركم، ولكن جزؤوا البيت أربعة أجزاء، ثم ربعوا القبائل فلتكن أرباعا؟ قالوا: [إنه] (٤) أبو أمية بن المغيرة، قال: كذلك كنت أسمع أبي يقول. قال: فمن القائل حين اختلفت قريش في وضع الركن اجعلوا بينكم أول من يطلع من هذا الباب؟ قالوا: أبو حذيفة بن المغيرة. قال: نعم. قال: فمن النفر الذين رفعوا الثوب [حتى] (٥) وضعه رسول الله ﷺ ؟ قالوا: جدك عتبة بن ربيعة أحدهم، قال: كذلك كنت أسمع أبي يقول. قال: فمن كان في الربع الثاني؟ قالوا: أبو زمعة بن الأسود بن المطلب، قال: كذلك كنت أسمع أبي يقول. قال: فمن كان في الربع الثالث؟ قالوا: أبو (٦) حذيفة بن المغيرة، قال: وكذلك كنت أسمع أبي يقول. قال: فمن كان في الربع الرابع؟ قالوا: أبو قيس (٧) بن عدي السهمي، قال:

стр. 243

هذه واحدة قد أخذتها عليكم (١)، العاص بن وائل. قال: فمن قال: يا معشر قريش، لا تدخلوا في عمارة بيت ربكم إلا طيبا من كسبكم؟ قالوا: أبو حذيفة بن المغيرة، قال: وهذه (٢) أخرى قد أخذتها عليكم، القائل هذا والمتكلم به أبو أحيحة سعيد بن العاص، قال: فأسكت القوم. ٢٠٢ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني سعيد بن محمد رجل من قريش، - قال: حدثني عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن علي بن أبي طالب، عن علي بن أبي طالب، قال: لما احترقت الكعبة في الجاهلية هدمتها قريش لتبنيها، فكشفت عن ركن من أركانها من الأساس، فإذا حجر فيه مكتوب: أنا يعفر بن عبد قرا، أقرأ على ربي السلام من رأس ثلاثة آلاف سنة (٣). باب ما جاء في فتح الكعبة ومتى كانوا يفتحونها، ودخولهم إياها، وأول من خلع النعل والخف عند دخولها. ٢٠٣ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: أخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن عبد الله بن يزيد، عن (٤) سعيد بن عمرو الهذلي، عن أبيه، قال: رأيت قريشا.

стр. 244

يفتحون البيت في الجاهلية يوم الاثنين والخميس (١)، وكان حجابه يجلسون عند بابه، فيرتقي الرجل إذا كانوا لا يريدون دخوله، فيدفع ويطرح فربما عطب. وكانوا لا يدخلون الكعبة بحذاء؛ يعظمون ذلك، ويضعون نعالهم تحت الدرجة. ٢٠٤ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: أخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن أشياخه، قالوا: لما (٢) فرغت قريش من بناء الكعبة، كان أول من خلع الخف والنعل فلم يدخلها بهما الوليد بن المغيرة؛ إعظاما لها، فجرى ذلك سنة. ٢٠٥ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن أبي سليمان، عن أبيه: أن فاختة ابنة زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى - وهي أم حكيم بن حزام - دخلت الكعبة وهي حامل، فأدركها المخاض فيها، فولدت حكيما في الكعبة، فحملت في نطع (٣) فأخذ ما تحت مثبرها (٤) فغسل عند حوض زمزم، [وأخذت ثيابها التي] (٥) ولدت فيها فجعلت لقى.

стр. 245

واللقى: أنه لم يكن يطوف (١) أحد بالبيت إلا عريانا، إلا الحمس فإنهم كانوا يطوفون بالبيت وعليهم الثياب، وكان من طاف من غير الحمس في ثيابه؛ [فإذا] (٢) طاف الرجل أو المرأة وفرغ (٣) من طوافه، جاء بثيابه التي طاف فيها فطرحها حول البيت، [فلا] (٤) يمسها أحد ولا يحركها حتى تبلى من وطء الأقدام ومن الشمس والرياح والمطر. وقال ورقة بن نوفل يذكر اللقى (٥): كفى حزنا كري عليه كأنه … لقى بين أيدي الطائفين حريم يقول: لا تمس. ٢٠٦ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن زيد بن يثيع (٦)، قال: سألنا عليا: بأي شيء بعثك رسول الله ﷺ إلى أبي بكر ﵁ في حجته سنة تسع؟ قال: بأربع: لا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فأربعة أشهر. قال أبو محمد وجدته (٧) في كتاب قديم مما (٨) سمع من أبي الوليد: ومن كان

стр. 246

له عند النبي ﷺ عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عند النبي ﷺ عهد (١) [فعهده أربعة] (٢) أشهر. ٢٠٧ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، قال: حدثنا عبد الله بن معاذ الصنعاني، عن معمر، عن الزهري: أن العرب كانت تطوف بالبيت عراة، إلا الحمس - قريش وأحلافها - والأحمسي: المشدد في دينه في بعض كلام العرب، فمن جاء من غيرهم وضع ثيابه وطاف (٣) في ثوب أحمسي، وإن (٤) لم يجد من يعيره من الحمس ثوبا، فإنه يلقي ثيابه ويطوف عريانا، وإن طاف في ثياب نفسه (٥) ألقاها إذا قضى طوافه، يحرمها [فيجعلها عندها] (٦)، فلذلك قال تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]. ٢٠٨ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، قال: حدثنا عبد الله بن معاذ الصنعاني، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: الشملة من الزينة. ٢٠٩ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، عن عبد المجيد (٧) بن عبد العزيز

стр. 247

بن أبي رواد، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع طاوسا يقول: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾ [الأعراف: ٢٧] فيتلو حتى يأتي ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١] ثم يقول: لم يأمرهم بالحرير ولا بالديباج، ولكنه كان أهل الجاهلية يطوف أحدهم (١) عريانا، ويدع ثيابه وراء المسجد فيجدها ثم. وإن طاف وهي عليه: ضرب وانتزعت منه، ففي ذلك نزلت: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢]. ٢١٠ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قوله: ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها﴾ [الأعراف: ٢٨] قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة. ٢١١ - قال ابن جريج: لما أن أهلك الله أبرهة الحبشي صاحب الفيل، وسلط عليه الطير الأبابيل (٢): عظمت جميع العرب قريشا وأهل مكة، وقالوا: أهل الله، قاتل عنهم وكفاهم مؤنة عدوهم، فازدادوا في تعظيم الحرم والمشاعر [الحرام] (٣) والشهر الحرام ووقروها، ورأوا أن دينهم خير الأديان وأحبها إلى الله. وقالت قريش وأهل مكة: نحن أهل الله وبنو إبراهيم خليل الله، وولاة البيت الحرام، [وساكنوا] (٤) حرمه وقطانه، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا،

стр. 248

ولا تعرف (١) العرب لأحد مثل ما تعرف (٢) لنا. فابتدعوا عند ذلك أحداثا في دينهم أداروها بينهم؛ فقالوا (٣): لا تعظمون شيئا من الحل كما [تعظمون] (٤) الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم، وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم. فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويقرون لسائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن الخمس أهل الحرم، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرم ولا نعظم غيره. ثم جعلوا لمن ولدوا من سائر العرب من سكان الحل والحرم مثل الذي لهم بولادتهم إياهم، يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم. وكانت خزاعة وكنانة قد دخلوا معهم في ذلك. ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن؛ حتى قالوا (٥): لا ينبغي للحمس أن [يأقطوا] (٦) الأقط (٧)، ولا يسلؤوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتا من شعر، ولا يستظلوا - إن استظلوا - إلا في بيوت الآدم (٨) ما كانوا حرما. ثم رفعوا في ذلك، فقالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به

стр. 249

معهم من الحل في الحرم إذا جاءوا (١) حجاجا وعمارا (٢)، ولا يأكلون في الحرم إلا من طعام أهل الحرم؛ إما قرى وإما شراء. وكانوا مما سنوا به: أنه إذا حج الصرورة (٣) من غير الحمس، والحمس: أهل مكة؛ قريش، وكنانة، وخزاعة، ومن دان بدينهم ممن ولدوا، ومن حلفائهم وإن كان (٤) من ساكني الحل. والأحمسي: المشدد في دينه. فإذا حج الصرورة من غير الحمس، رجل (٥) كان أو امرأة، لا يطوف بالبيت إلا عريانا للصرورة أول ما يطوف، إلا أن يطوف في ثوب أحمسي - إما عارية وإما إجارة - يقف أحدهم بباب المسجد فيقول: من يعير مصونا؟ من يعير ثوبا؟ فإن أعاره أحمسي ثوبا أو أكراه: طاف به (٦)، وإن لم يعره ألقى ثيابه بباب المسجد من خارج، ثم دخل الطواف وهو عريان، يبدأ بإساف فيستلمه، ثم يستلم الركن الأسود، ثم يأخذ عن يمينه ويطوف، ويجعل الكعبة عن يمينه، فإذا ختم طوافه سبعا استلم الركن، ثم استلم نائلة وختم (٧) بها طوافه، ثم يخرج فيجد ثيابه كما تركها لم تمس، فيأخذها فيلبسها ولا يعود إلى الطواف بعد ذلك عريانا، ولم يكن يطوف بالبيت عريانا (٨) إلا الصرورة (٩) من غير الحمس، فأما الحمس فكانت تطوف في ثيابها. فإن تكرم متكرم من رجل أو امرأة من غير الحمس، ولم يجد ثياب أحمسي يطوف فيها، ومعه

стр. 250

فضل ثياب يلبسها غير ثيابه التي عليه، طاف في ثيابه التي جاء بها من الحل، ثم (١) إذا فرغ من طوافه نزع ثيابه ثم جعلها لقى، فطرحها (٢) بين إساف ونائلة، فلا يمسها أحد ولا ينتفع بها، حتى تبلى من وطء الأقدام، ومن الشمس والرياح والمطر. وقال الشاعر وهو يذكر ذلك اللقى: كفى حزنا كري عليه كأنه … لقى بين أيدي الطائفين حريم يقول: لا تمس (٣). قال (٤): فصار هذا كله سنة فيهم، وذلك من صنع إبليس وتزيينه لهم ما يلبس عليهم من تغيير الحنيفية دين إبراهيم ﵇، فجاءت امرأة يوما - وكان لها جمال وهيئة - فطلبت ثيابا عارية فلم تجد من يعيرها، ولم (٥) تجد بدا من أن تطوف عريانة، فنزعت ثيابها بباب المسجد، ثم دخلت المسجد عريانة، فوضعت يديها على فرجها وجعلت تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله … [وما بدا منه فلا أحله] (٦) قال: فجعل فتيان مكة ينظرون إليها، وكان لها حديث طويل، وقد تزوجت في قريش. قال: وجاءت امرأة أيضا تطوف عريانة، وكان لها جمال، فرآها رجل فأعجبته، فدخل الطواف فطاف إلى جنبها لأن يمسها، فأدنى عضده من عضدها، فالتزق (٧)
следующие страницы →