← Книги сунны

Книги сунны · id 115123

أخبار مكة - الأزرقي - ت ابن دهيش

الأزرقي

Полный текст (955 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

له عند النبي ﷺ عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عند النبي ﷺ عهد (١) [فعهده أربعة] (٢) أشهر. ٢٠٧ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، قال: حدثنا عبد الله بن معاذ الصنعاني، عن معمر، عن الزهري: أن العرب كانت تطوف بالبيت عراة، إلا الحمس - قريش وأحلافها - والأحمسي: المشدد في دينه في بعض كلام العرب، فمن جاء من غيرهم وضع ثيابه وطاف (٣) في ثوب أحمسي، وإن (٤) لم يجد من يعيره من الحمس ثوبا، فإنه يلقي ثيابه ويطوف عريانا، وإن طاف في ثياب نفسه (٥) ألقاها إذا قضى طوافه، يحرمها [فيجعلها عندها] (٦)، فلذلك قال تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]. ٢٠٨ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، قال: حدثنا عبد الله بن معاذ الصنعاني، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: الشملة من الزينة. ٢٠٩ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، عن عبد المجيد (٧) بن عبد العزيز

стр. 247

بن أبي رواد، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع طاوسا يقول: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾ [الأعراف: ٢٧] فيتلو حتى يأتي ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١] ثم يقول: لم يأمرهم بالحرير ولا بالديباج، ولكنه كان أهل الجاهلية يطوف أحدهم (١) عريانا، ويدع ثيابه وراء المسجد فيجدها ثم. وإن طاف وهي عليه: ضرب وانتزعت منه، ففي ذلك نزلت: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢]. ٢١٠ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قوله: ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها﴾ [الأعراف: ٢٨] قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة. ٢١١ - قال ابن جريج: لما أن أهلك الله أبرهة الحبشي صاحب الفيل، وسلط عليه الطير الأبابيل (٢): عظمت جميع العرب قريشا وأهل مكة، وقالوا: أهل الله، قاتل عنهم وكفاهم مؤنة عدوهم، فازدادوا في تعظيم الحرم والمشاعر [الحرام] (٣) والشهر الحرام ووقروها، ورأوا أن دينهم خير الأديان وأحبها إلى الله. وقالت قريش وأهل مكة: نحن أهل الله وبنو إبراهيم خليل الله، وولاة البيت الحرام، [وساكنوا] (٤) حرمه وقطانه، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا،

стр. 248

ولا تعرف (١) العرب لأحد مثل ما تعرف (٢) لنا. فابتدعوا عند ذلك أحداثا في دينهم أداروها بينهم؛ فقالوا (٣): لا تعظمون شيئا من الحل كما [تعظمون] (٤) الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم، وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم. فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويقرون لسائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن الخمس أهل الحرم، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرم ولا نعظم غيره. ثم جعلوا لمن ولدوا من سائر العرب من سكان الحل والحرم مثل الذي لهم بولادتهم إياهم، يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم. وكانت خزاعة وكنانة قد دخلوا معهم في ذلك. ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن؛ حتى قالوا (٥): لا ينبغي للحمس أن [يأقطوا] (٦) الأقط (٧)، ولا يسلؤوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتا من شعر، ولا يستظلوا - إن استظلوا - إلا في بيوت الآدم (٨) ما كانوا حرما. ثم رفعوا في ذلك، فقالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به

стр. 249

معهم من الحل في الحرم إذا جاءوا (١) حجاجا وعمارا (٢)، ولا يأكلون في الحرم إلا من طعام أهل الحرم؛ إما قرى وإما شراء. وكانوا مما سنوا به: أنه إذا حج الصرورة (٣) من غير الحمس، والحمس: أهل مكة؛ قريش، وكنانة، وخزاعة، ومن دان بدينهم ممن ولدوا، ومن حلفائهم وإن كان (٤) من ساكني الحل. والأحمسي: المشدد في دينه. فإذا حج الصرورة من غير الحمس، رجل (٥) كان أو امرأة، لا يطوف بالبيت إلا عريانا للصرورة أول ما يطوف، إلا أن يطوف في ثوب أحمسي - إما عارية وإما إجارة - يقف أحدهم بباب المسجد فيقول: من يعير مصونا؟ من يعير ثوبا؟ فإن أعاره أحمسي ثوبا أو أكراه: طاف به (٦)، وإن لم يعره ألقى ثيابه بباب المسجد من خارج، ثم دخل الطواف وهو عريان، يبدأ بإساف فيستلمه، ثم يستلم الركن الأسود، ثم يأخذ عن يمينه ويطوف، ويجعل الكعبة عن يمينه، فإذا ختم طوافه سبعا استلم الركن، ثم استلم نائلة وختم (٧) بها طوافه، ثم يخرج فيجد ثيابه كما تركها لم تمس، فيأخذها فيلبسها ولا يعود إلى الطواف بعد ذلك عريانا، ولم يكن يطوف بالبيت عريانا (٨) إلا الصرورة (٩) من غير الحمس، فأما الحمس فكانت تطوف في ثيابها. فإن تكرم متكرم من رجل أو امرأة من غير الحمس، ولم يجد ثياب أحمسي يطوف فيها، ومعه

стр. 250

فضل ثياب يلبسها غير ثيابه التي عليه، طاف في ثيابه التي جاء بها من الحل، ثم (١) إذا فرغ من طوافه نزع ثيابه ثم جعلها لقى، فطرحها (٢) بين إساف ونائلة، فلا يمسها أحد ولا ينتفع بها، حتى تبلى من وطء الأقدام، ومن الشمس والرياح والمطر. وقال الشاعر وهو يذكر ذلك اللقى: كفى حزنا كري عليه كأنه … لقى بين أيدي الطائفين حريم يقول: لا تمس (٣). قال (٤): فصار هذا كله سنة فيهم، وذلك من صنع إبليس وتزيينه لهم ما يلبس عليهم من تغيير الحنيفية دين إبراهيم ﵇، فجاءت امرأة يوما - وكان لها جمال وهيئة - فطلبت ثيابا عارية فلم تجد من يعيرها، ولم (٥) تجد بدا من أن تطوف عريانة، فنزعت ثيابها بباب المسجد، ثم دخلت المسجد عريانة، فوضعت يديها على فرجها وجعلت تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله … [وما بدا منه فلا أحله] (٦) قال: فجعل فتيان مكة ينظرون إليها، وكان لها حديث طويل، وقد تزوجت في قريش. قال: وجاءت امرأة أيضا تطوف عريانة، وكان لها جمال، فرآها رجل فأعجبته، فدخل الطواف فطاف إلى جنبها لأن يمسها، فأدنى عضده من عضدها، فالتزق (٧)

стр. 251

حج أهل الجاهلية، وإنساء الشهور، ومواسمهم عضده بعضدها، فخرجا من المسجد من ناحية بني سهم، هاربين على وجوههما، فزعين لما أصابهما من العقوبة. فلقيهما شيخ من قريش - خارجا من المسجد - فسألهما عن شأنهما، فأخبراه بقصتهما. فأفتاهما أن يعودا إلى المكان الذي أصابهما فيه ما أصابهما، فيدعوان ويخلصان أن لا يعودا. فرجعا إلى مكانهما فدعوا الله تعالى وأخلصا النية (١) أن لا يعودا؛ فافترقت أعضادهما، فذهب كل واحد منهما [في] (٢) ناحية (٣). حج أهل الجاهلية، وإنساء الشهور، ومواسمهم وما جاء في ذلك ٢١٢ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن محمد بن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح - مولى أم هانئ - عن ابن عباس، قال: كانت العرب على دينين: حلة وحمس. والحمس: قريش وكل من ولدت من العرب، وكنانة، وخزاعة، والأوس والخزرج، وجشم (٤)، وبنو ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأزد شنوءة، وجذم، وزبيد، وبنو ذكوان من [بني] (٥) سليم، وعمرو اللات، وثقيف، [وغطفان] (٦)، والغوث،

стр. 252

وعدوان [وعلاف وقضاعة] (١)، وكانت قريش (٢) إذا أنكحوا عربيا امرأة منهم اشترطوا عليه: أن كل من ولدت له فهو أحمسي على دينهم. وزوج الأدرم (٣)؛ تيم بن (٤) غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة [ابنه] (٥) [مجدا ابنة] (٦) تيم بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، على أن ولده منها [أحمسي] (٧) على سنة قريش. وفيها يقول لبيد بن ربيعة بن جعفر الكلابي (٨): سقى قومي بني مجد وأسقى … نميرا والقبائل من هلال وذكروا: أن منصور بن عكرمة بن خصفة (٩) بن قيس بن عيلان (١٠) تزوج سلمى بنت ضبيعة بن علي بن يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان، فولدت له هوازن، فمرض مرضا شديدا، فنذرت سلمى لئن برأ لتحمسنه، فلما برأ [حمسته] (١١)، فلم يكن نساؤهم ينسجن، ولا يغزلن الشعر، ولا يسلين السمن إذا أحرموا. وكانت الحمس إذا أحرموا لا يأقطون (١٢) الأقط، ولا يأكلون السمن ولا يسلونه، ولا يمخضون اللبن، ولا يأكلون الزبد، ولا يلبسون الوبر ولا الشعر، ولا

стр. 253

يستظلون به ما داموا حرما، ولا يغزلن الوبر ولا الشعر، ولا ينسجنه، وإنما (١) يستظلون بالأدم، ولا يأكلون شيئا من نبات الحرم. وكانوا يعظمون الأشهر الحرم، ولا يخفرون فيها الذمة، ولا يظلمون فيها (٢)، ويطوفون بالبيت وعليهم ثيابهم. فكانوا (٣) إذا أحرم الرجل منهم في الجاهلية وأول الإسلام، فإن كان من أهل المدر يعني: أهل البيوت والقرى؛ نقب نقبا في ظهر بيته، فمنه يدخل ومنه يخرج، ولا يدخل من بابه (٤). وكانت الحمس تقول: لا تعظموا شيئا من الحل، ولا تجاوزوا الحرم في الحج، فلا يهاب الناس حرمكم، ويرون ما يعظمون من الحل كالحرم. فقصروا عن مناسك الحج والموقف من عرفة وهو من الحل؛ فلم يكونوا يقفون به، ولا يفيضون منه، وجعلوا موقفهم في طرف الحرم من نمرة بمفضى المأزمين، يقفون به عشية عرفة [ويظلون] (٥) به يوم عرفة في الأراك (٦) من نمرة، ويفيضون منه إلى المزدلفة، فإذا عممت الشمس رؤوس الجبال دفعوا (٧). وكانوا يقولون: نحن أهل الحرم، ولا (٨) نخرج من الحرم، ونحن الحمس، فتحمست قريش ومن ولدت فتحمست معها هذه القبائل، فسموا الحمس. وإنما سميت الحمس حمسا؛ للتشديد (٩) في دينهم، والأحمسي في لغتهم: المشدد في

стр. 254

دينه (١). وكانت الحمس من دينهم: إذا أحرموا أن لا يدخلوا بيتا من البيوت، ولا يستظلون تحت سقف بيت، ينقب أحدهم نقبا في ظهر بيته، فمنه يدخل إلى حجرته ومنه يخرج، ولا يدخل من بابه، ولا يجوز تحت أسكفة بابه ولا عارضته. فإن أرادوا بعض أطعمتهم ومتاعهم، تسوروا من ظهور (٢) بيوتهم وأدبارها، حتى يظهروا على السطوح، ثم ينزلون في حجرهم (٣)، ويحرمون أن يمروا تحت عتبة صلى الله الباب، فكانوا على ذلك (٤) حتى بعث الله نبيه محمدا (٥)، فأحرم عام الحديبية (٦)، فدخل بيته. قال: وكان معه رجل من الأنصار، فوقف الأنصاري بالباب، فقال له النبي (٧): ألا تدخل؟ فقال الأنصاري: إني أحمسي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : وأنا أحمسي ديني ودينك سواء، فدخل الأنصاري على رسول الله ﷺ كما رآه دخل من بابه، فأنزل الله ﵎: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها﴾ [البقرة: ١٨٩]. وكانت الحلة تطوف بالبيت أول ما يطوف الرجل والمرأة في أول

стр. 255

حجة يحجها عراة، وكانت بنو عامر بن صعصعة وعك (١) ممن يفعل ذلك، فكانوا إذا طافت المرأة منهم عريانة، تضع إحدى يديها على قبلها والأخرى على دبرها ثم تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله … [وما] (٢) بدا منه فلا أحله قال ابن عباس: فكانت قبائل من العرب من بني عامر وغيرهم يطوفون بالبيت عراة، الرجال بالنهار، والنساء بالليل (٣)، فإذا بلغ أحدهم باب المسجد قال للحمس: من يعير مصونا؟ من يعير معوزا؟ فإن أعاره أحمسي ثوبه طاف فيه، وإلا ألقى ثيابه بباب المسجد ثم [دخل] (٤) الطواف فطاف بالبيت سبعا عريانا. وكانوا يقولون: لا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب، ثم يرجع إلى ثيابه فيجدها لم تحرك (٥). وكان بعض نسائهم تتخذ (٦) سيورا (٧) فتعلقها في حقويها (٨) وتستر بها (٩)، وهو يوم تقول العامرية (١٠): اليوم يبدو بعضه أو كله … وما بدا منه فلا أحله إلا أن يتكرم منهم متكرم فيطوف في ثيابه، فإن طاف فيها لم يحل له أن يلبسها أبدا ولا ينتفع بها، ويطرحها لقى.

стр. 256

واللقى: هذه الثياب [التي] (١) يطوفون فيها، يرمون بها بباب المسجد، فلا يمسها أحد من خلق الله حتى تبليها الشمس والأمطار والرياح ووطء الأقدام. وفيه يقول ورقة بن نوفل الأسدي: كفي حزنا كري عليه كأنه … لقى بين أيدي الطائفين حريم (٢) وقال (٣) الكلبي: فأول (٤) من أنسأ الشهور من مضر: مالك بن كنانة، وذلك أن مالك بن كنانة نكح إلى معاوية بن ثور الكندي - وهو يومئذ في كندة- وكانت النساءة قبل ذلك في كندة؛ لأنهم كانوا قبل ذلك ملوك العرب من ربيعة ومضر، وكانت كندة من أرداف المقاول، فنسأ ثعلبة بن مالك، ثم نسأ بعده الحارث بن مالك بن كنانة وهو القلمس، ثم نسأ بعد القلمس (٥) سرير بن (٦) القلمس. ثم كانت النساءة في بني فقيم من بني ثعلبة، حتى جاء الإسلام. وكان آخر من نسأ منهم: أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية بن عبد بن (٧) فقيم، وهو الذي جاء في زمن عمر بن الخطاب ﵁ إلى الركن الأسود، فلما رأى الناس يزدحمون عليه قال: أيها الناس، أنا له جار فأخروا عنه. فخفقه عمر بالدرة، وقال (٨): أيها الجلف (٩) الجافي، قد أذهب الله عزك بالإسلام.

стр. 257

فكل (١) هؤلاء قد نسأ في الجاهلية (٢)، والذي ينسأ لهم إذا أرادوا أن لا يحلوا المحرم قاموا بفناء الكعبة يوم الصدر، فقال: أيها الناس، لا تحلوا حرماتكم، وعظموا شعائركم؛ فإني أجاب (٣) ولا أعاب، ولا يعاب لقول قلته (٤). فهنالك يحرمون المحرم ذلك العام. وكان أهل الجاهلية يسمون المحرم صفر الأول، وصفر صفر الآخر، فيقولون (٥): صفران، وشهرا ربيع، وجماديان، ورجب، وشعبان، وشهر رمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة. فكان ينسأ الإنساء سنة ويترك سنة، ليحلوا الشهور المحرمة، ويحرموا الشهور التي ليست محرمة، وكان ذلك من فعل إبليس؛ ألقاه على ألسنتهم فرأوه حسنا. فإذا كانت السنة التي ينسأ فيها، يقوم فيخطب بفناء الكعبة، ويجتمع الناس إليه يوم الصدر فيقول: يا أيها الناس، إني قد أنسات العام صفر الأول - يعني المحرم فيطرحونه من الشهور ولا يعتدون به، ويبتدئون العدة فيقولون لصفر وشهر ربيع الأول: صفران، ويقولون لشهر ربيع الآخر وجمادى الأول (٦): شهرا ربيع، ويقولون لجماد الآخر (٧): ورجب جمادين، ويقولون لشعبان: رجب، ولشهر رمضان: شعبان، ويقولون لشوال: شهر رمضان، ولذي القعدة: شوال، ولذي الحجة: ذو القعدة، ولصفر الأول - وهو المحرم الشهر الذي أنساه -: ذو الحجة؛ فيحجون تلك السنة في المحرم، ويبطل من هذه السنة شهرا ينسئه.

стр. 258

ثم يخطبهم في السنة الثانية في وجه الكعبة أيضا فيقول: أيها الناس لا تحلوا حرماتكم، وعظموا شعائركم؛ فإني أجاب ولا أعاب، ولا يعاب لقول قلته، اللهم إني أحللت دماء المحلين؛ طيء وخثعم في الأشهر الحرم. وإنما أحل دماءهم؛ أنهم (١) كانوا يعدون على الناس في الأشهر الحرم من بين العرب، فيغزونهم ويطلبون بثأرهم، ولا يقفون عن حرمات الأشهر الحرم، كما يفعل غيرها من العرب. وكان سائر العرب من الحلة والحمس لا يعدون في الأشهر الحرم على أحد، ولو لقي أحدهم قاتل [أبيه أو أخيه] (٢)، ولا يستاتون مالا إعظاما للشهور الحرم، إلا خثعم وطيء فإنهم كانوا يعدون في الأشهر الحرم، فهنالك (٣) يحرمون من تلك السنة المحرم، وهو: صفر الأول، ثم يعدون الشهور على عدتهم التي عدوها في العام الأول، فيحجون في كل شهر حجتين. ثم ينسأ في السنة الثانية، فينسأ صفر الأول في عدتهم هذه - وهو: صفر الآخر في العدة المستقيمة - حتى تكون حجتهم في صفر أيضا حجتين (٤)، وكذلك (٥) الشهور كلها حتى يستدير الحج في كل أربع وعشرين سنة إلى المحرم؛ الشهر الذي ابتدؤوا منه الإنساء، يحجون في الشهور كلها في كل شهر حجتين، فلما جاء الله بالإسلام؛ أنزل في كتابه: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله [فيحلوا ما حرم الله] (٦)﴾ [التوبة: ٣٧] وأنزل (٧) الله: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات﴾

стр. 259

والأرض منها أربعة حرم﴾ [التوبة: ٣٦] (١). فلما كان عام فتح مكة سنة ثمان؛ استعمل النبي ﷺ عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس على مكة، ومضى إلى حنين فغزا هوازن. فلما فرغ منها مضى إلى الطائف، ثم رجع عن الطائف إلى الجعرانة (٢)، فقسم بها غنائم حنين في ذي القعدة، ثم دخل مكة ليلا معتمرا، فطاف بالبيت وبين الصفا والمررة من ليلته، ومضى إلى الجعرانة فأصبح بها كبائت، فأنشأ الخروج منها راجعا إلى المدينة، فهبط من الجعرانة في بطن سرف حتى لقي طريق المدينة من سرف، فلم (٣) يؤذن للنبي ﷺ [في الحج] (٤) تلك السنة، وذلك أن الحج وقع تلك السنة في ذي (٥) القعدة، ولم يبلغنا أنه استعمل عتابا على الحج تلك السنة - سنة ثمان - ولا أمره فيه بشيء. فلما جاء الحج، حج المسلمون والمشركون فدفعوا معا، فكان المسلمون في ناحية يدفع بهم عتاب بن أسيد ويقف بهم المواقف؛ لأنه أمير البلد. وكان المشركون ممن كان له عهد ومن لم يكن له عهد في ناحية، فدفع بهم أبو سيارة (٦)

стр. 260

العدواني على أتان (١) له عوراء، رسنها ليف (٢). قال: فلما كان سنة تسع وقع الحج في ذي الحجة، فأرسل النبي ﷺ أبا بكر الصديق إلى مكة واستعمله على الحج (٣)، وعلمه المناسك (٤)، وأمره بالوقوف على عرفة وعلى جمع، ثم نزلت سورة براءة خلاف أبي بكر، فبعث بها النبي ﷺ مع علي، وأمره إذا خطب أبو بكر وفرغ (٥) من خطبته، قام علي فقرأ على الناس سورة براءة، ونبذ إلى المشركين عهدهم، وقال: لا يجتمعن مسلم ومشرك على هذا الموقف بعد عامهم هذا. وكان أبو بكر الصديق ﵁ الذي يخطب في الناس (٦) ويصلي بهم، ويدفع بهم في المواقف (٧). فلما كان سنة عشر: أذن الله لنبيه في الحج، فحج رسول الله ﷺ حجة الوداع - وهي حجة التمام - فوقف بعرفة فقال: «يا أيها الناس، إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، فلا شهر ينسأ، ولا عدة تخطأ، وإن الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة» (٨). قال: وكانت الإفاضة في الجاهلية إلى صوفة، وصوفة رجل يقال له: أخزم بن العاص بن عمرو بن مازن بن الأسد، وكان أخزم قد تصدق بابن له على الكعبة يخدمها، فجعل إليه حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن

стр. 261

حارثة بن عمرو بن عامر الخزاعي الإفاضة بالناس [على الموقف] (١)، وحبشية يومئذ يلي حجابة الكعبة وأمر مكة، يصطف الناس على الموقف فيقول حبشية: [أجيزي] (٢) صوفة، فيقول [الصوفي] (٣): أجيزوا أيها الناس، فيجيزوا (٤). ويقال: إن امرأة أخزم (٥) امرأة من جرهم تزوجها أخزم بن العاص بن عمرو بن مازن بن الأزد (٦)، وكانت عاقرا، فنذرت إن ولدت غلاما أن تصدق به على الكعبة عبدا لها يخدمها ويقوم عليها؛ فولدت من أحزم: الغوث، فتصدقت به عليها، فكان يخدمها في الدهر الأول مع أخواله من جرهم، فولي الإجازة بالناس لمكانه من الكعبة، وقالت أمه حين أتمت نذرها وخدم الغوث بن أخزم الكعبة: إني جعلت رب من بنيه … ربيطة بمكة العلية [فباركن لي بها إليه … واجعله لي من صالح البرية] (٧) فاقبل اللهم لا تباعه … إن كان إثم (٨) فعلى قضاعة فولي الغوث بن أخزم الإجازة من عرفة وولده من بعده في زمن جرهم وخزاعة حتى انقرضوا. ثم صارت الإفاضة في عدوان بن عمرو (٩) بن قيس بن عيلان بن مضر في زمن قريش في عهد قصي، وكانت من عدوان في آل زيد بن عدوان يتوارثونه، حتى كان الذي قام عليه الإسلام أبو سيارة العدواني، وهو

стр. 262

عمير الأعزل بن خالد بن سعيد بن الحارث بن زيد بن عدوان (١)، وكان أيضا من عدوان: حاكم العرب عامر بن [الظرب] (٢). فإذا كان الحج في الشهر الذي يسمونه: ذا (٣) الحجة؛ خرج الناس إلى مواسمهم، فيصبحون بعكاظ (٤) يوم هلال ذي القعدة، فيقيمون به عشرين ليلة، تقوم (٥) فيها أسواقهم بعكاظ، والناس على [مداعيهم] (٦) وراياتهم، منحازين في المنازل، يضبط كل قبيلة أشرافها وقادتها (٧)، ويدخل بعضهم في بعض للبيع والشراء، ويجتمعون في بطن السوق، فإذا مضت العشرون انصرفوا إلى مجنة (٨) فأقاموا بها عشرا، أسواقهم قائمة، فإذا رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى ذي المجاز (٩)، فأقاموا بها [ثماني] (١٠) ليال أسواقهم قائمة. ثم يخرجون يوم التروية من ذي المجاز إلى عرفة، فيتروون ذلك اليوم من الماء بذي المجاز. وإنما سمي يوم التروية؛ لترويهم (١١) الماء بذي المجاز، ينادي بعضهم بعضا: ترووا من الماء؛ لأنه لا ماء بعرفة ولا بالمزدلفة يومئذ، وكان يوم التروية آخر

стр. 263

أسواقهم، وإنما كان يحضر هذه المواسم بعكاظ، ومجنة، وذي المجاز: التجار ومن كان يريد التجارة. ومن لم يكن له تجارة ولا بيع؛ فإنه يخرج من أهله متى أراد. ومن كان من أهل مكة ممن لا يريد التجارة، خرج من مكة يوم التروية، فيترووا من الماء (١)، فتنزل الخمس أطراف الحرم من نمرة يوم عرفة، وتنزل الحلة عرفة، وكان النبي ﷺ في سنيه التي دعا فيها بمكة قبل الهجرة لا يقف مع قريش والحمس في طرف الحرم، وكان يقف مع الناس بعرفة (٢). قال جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف: أضللت (٣) بعيرا لي في يوم عرفة، فخرجت أقصه وأتبعه بعرفة؛ إذ أبصرت محمدا بعرفة، فقلت: هذا من الحمس ما يوقفه هاهنا؟! فعجبت له. قال: وكانوا لا يتبايعون في يوم عرفة ولا أيام منى، فلما أن جاء الله ﵎ بالإسلام؛ أحل الله تعالى ذلك لهم؛ فأنزل الله في كتابه: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ (٤) [البقرة: ١٩٨]. وفي قراءة أبي بن كعب: «في مواسم (٥) الحج» يعني: منى، وعرفة، وعكاظ، ومجنة، وذي المجاز؛ فهذه مواسم الحج (٦). فإذا جاؤوا عرفة أقاموا بها يوم عرفة؛ فتقف الحلة على الموقف من عرفة عشية عرفة، وتقف الحمس على أنصاب الحرم من نمرة. فإذا دفع الناس من عرفة وأفاضوا: أفاضت الحمس من أنصاب الحرم، وأفاضت الحلة من عرفة حتى

стр. 264

يلتقوا بمزدلفة جميعا. فكانوا (١) يدفعون من عرفة إذا طفلت الشمس للغروب، وكانت على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، فإذا كان هذا الوقت دفعت الحلة من عرفة، ودفعت معها (٢) الحمس من أنصاب الحرم، حتى يأتوا جميعا مزدلفة (٣)، فيبيتون بها حتى إذا كان (٤) الغلس: وقفت الحلة والحمس جميعا (٥) على قزح، فلا يزالون عليه حتى إذا طلعت الشمس وصارت على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم؛ دفعوا من مزدلفة، وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير - أي: أشرق بالشمس حتى ندفع - فأنزل الله في الحمس: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ [البقرة: ١٩٩]- يعني من عرفة- والناس الذين (٦) كانوا يدفعون منها: أهل اليمن، وربيعة، وتميم. فلما حج النبي ﷺ خطب الناس بعرفة [فقال] (٧): «إن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من عرفة إذا صارت (٨) الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، ويدفعون من مزدلفة إذا طلعت الشمس على [رؤوس] (٩) الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس، ويحل فطر الصائم. وندفع من مزدلفة غدا إن شاء الله قبل طلوع

стр. 265

الشمس، هدينا مخالف لهذي أهل الشرك والأوثان». قال الكلبي: وكانت هذه الأسواق بعكاظ، ومجنة، وذي المجاز قائمة في الإسلام، حتى كان حديثا من الدهر. فأما عكاظ: فإنما تركت عام خرجت [الحرورية] (١) بمكة مع أبي حمزة المختار بن عوف الأزدي الإباضي، في سنة تسع وعشرين ومائة؛ فخاف (٢) الناس أن ينهبوا وخافوا الفتنة، فتركت حتى الآن. ثم تركت مجنة وذو المجاز بعد ذلك، واستغنوا بالأسواق بمكة ومنى وعرفة (٣). قال أبو الوليد: وعكاظ وراء قرن المنازل بمرحلة، على طريق صنعاء في عمل الطائف على بريد منها، وهي سوق لقيس عيلان وثقيف، وأرضها لنصر (٤). ومجنة: سوق بأسفل مكة على بريد منها، وهي سوق لكنانة، وأرضها من أرض كنانة، وهي التي يقول فيها بلال (٥): ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بفخ (٦) وحولي إذخر وجليل (٧)

стр. 266

وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل وشامة وطفيل: جبلان مشرفان على مجنة. وذو المجاز: سوق لهذيل [عن] (١) يمين الموقف من عرفة، قريب من كبكب (٢) على فرسخ من عرفة (٣). وحباشة (٤): سوق للأزد (٥)، وهي في ديار الأوصام (٦)، من بارق (٧) من صدر قنونا وحلي بناحية (٨) اليمن، وهي من مكة على ست ليال، وهي (٩) آخر سوق خربت من أسواق الجاهلية، وكان والي مكة يستعمل عليها رجلا يخرج معه بجند فيقيمون بها ثلاثة أيام من أول رجب متوالية، حتى قتلت الأزد واليا كان عليها من غني، بعثه داود بن عيسى بن موسى في سنة سبع وتسعين ومائة، فأشار فقهاء أهل مكة على داود بن عيسى بتخريبها، فخربها وتركت إلى اليوم (١٠). وإنما ترك ذكر حباشة مع هذه الأسواق؛ لأنها لم تكن في مواسم الحج ولا في أشهره، وإنما

стр. 267

كانت في رجب (١). قال: وكانوا يرون أن أفجر الفجور؛ العمرة في أشهر الحج. تقول قريش وغيرها من العرب: لا تحضروا سوق عكاظ ومجنة وذي المجاز إلا محرمين بالحج (٢). وكانوا يعظمون أن يأتوا شيئا من المحارم أو يعدو بعضهم على بعض في الأشهر الحرم وفي الحرم. وإنما سمي الفجار: لما صنع فيه من الفجور، وسفك فيه من الدماء، فكانوا يأمنون في [الأشهر] (٣) الحرم وفي الحرم. وكانوا يقولون: إذا برأ (٤) الدبر، وعفا الوبر، ودخل صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. يعنون: إذا برأ دبر الإبل التي كانوا عليها شهدوا (٥) الموسم وحجوا عليها، وعفا وبرها، فقال رسول الله ﷺ في الإسلام: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، فاعتمر رسول الله ﷺ عمره كلها في ذي القعدة: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء من قابل، وعمرته من الجعرانة، كلها في ذي القعدة. وأرسل عائشة مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر ليلة الحصبة، فاعتمرت (٦) من التنعيم. قال: وكان من سنتهم أن الرجل يحدث الحدث؛ يقتل الرجل، أو يلطمه، أو يضربه، فيربط الحاء من لحاء الحرم قلادة في رقبته، ويقول: أنا صرورة، [فيقال] (٧): دعوا الصرورة بجهله، وإن رمي بجعره في رجله فلا يعرض له أحد. فقال النبي: «لا ضرورة في الإسلام، وإن من أحدث أخذ بحدثه».

стр. 268

قال: وكان (١) عمرو بن لحي، وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر الخزاعي، وهو الذي غير دين الحنيفية دين إبراهيم ﵇، كان فيهم شريفا، سيدا، مطاعا، يطعم الطعام، ويحمل المغرم. وكان ما قال لهم فهو دين متبع لا يعصى، وكان إبليس يلقي على لسانه الشيء ليغير (٢) به الإسلام فيستحسنه، فيعمل به، ويعمله (٣) أهل الجاهلية. وهو الذي جاء بهبل من أرض الجزيرة فجعله في الكعبة، وجعل عنده سبعة [أقداح] (٤) يستقسمون بها، في كل قدح منها كتاب يعملون بما يخرج فيه، فإذا أراد الرجل الأمر أو سفرا؛ أخرج منها قدحين في أحدهما مكتوب: «أمرني ربي»، وفي الآخر: «نهاني ربي»، ثم يضرب بهما ومعهما قدح غفل. فإن خرج الناهي: جلس، وإن خرج الأمر: مضى، وإن خرج «الغفل»: أعاد الضرب حتى يخرج إما الناهي وإما الأمر. والباقي من القداح سبعة مكتوب عليها؛ قدح منها مكتوب عليه: «العقل»، وقدح (٥) فيه: «نعم»، وقدح فيه: «لا»، وقدح فيه: «منكم»، وقدح فيه: «من غيركم»، [وقدح فيه: «ملصق»] (٦)، وقدح فيه: «المياه». فإذا أرادوا أن يختنوا (٧) غلاما، أو ينكحوا أيما، أو يدفنوا ميتا: ذهبوا إلى هبل بمائة درهم وجزور، ثم قالوا لغاضرة بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعي - وكانت القداح إليه -

стр. 269

فقالوا: هذه مائة درهم وجزور قد أردنا كذا وكذا، فاضرب لنا (١) على فلان بن فلان، فإن كان كما قال أهله، خرج «العقل» أو «نعم» أو (٢) «منكم»؛ فما خرج من ذلك انتهوا إليه في أنفسهم. وإن خرج ((لا))؛ ضرب على «المياه» (٣)؛ فإن (٤) خرج «منكم»: كان منهم وسيطا، وإن خرج «من غيركم»: كان حليفا، وإن خرج «ملصق»: كان دعيا نفيا، فمكثوا زمانا وهم يخلطون. وكان عمرو بن لحي غير تلبية إبراهيم خليل الرحمن، بينما هو يسير على راحلته في بعض مواسم الحج وهو يلبي؛ إذ مثل له إبليس في صورة شيخ نجدي على بعير أصهب، فسايره ساعة، ثم لبى إبليس، فقال: لبيك اللهم لبيك، فقال عمرو بن لحي مثل ذلك، فقال إبليس: لبيك لا شريك لك، فقال عمرو مثل ذلك، فقال إبليس: إلا شريك هو لك. فقال عمرو: ما (٥) هذا؟ فقال إبليس عليه لعنة الله: إن بعد هذا ما يصلحه إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك، فقال [عمرو] (٦) بن لحي: إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك (٧)، ما أرى بأسا، فلباها، فلبي الناس على ذلك، فكانوا يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك. فلم تزل تلك تلبيتهم حتى جاء الله بالإسلام، ولبى رسول الله ﷺ تلبية إبراهيم ﵇ الصحيحة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، فلباها المسلمون.

стр. 270

إكرام أهل الجاهلية الحاج ٢١٣ - قال أبو الوليد، قال: أخبرني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني محمد بن إسحاق، أن هاشم بن عبد مناف كان يقول لقريش إذا حضر الحج: يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته، خصكم الله بذلك وأكرمكم به، ثم حفظ منكم أفضل ما حفظ جار من جاره، فأكرموا أضيافه وزوار بيته، يأتونكم شعثا غبرا من كل بلد، فكانت قريش ترافد على ذلك، حتى إن كان أهل البيت ليرسلون بالشيء اليسير رغبة في ذلك، فيقبل منهم لما يرجى (١) لهم من منفعته. إطعام أهل الجاهلية حاج البيت ٢١٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وأخبرني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني محمد بن إسحاق، أن قصي بن كلاب بن مرة قال لقريش: يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل [حرمه] (٢)، وإن الحاج ضيفان الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام هذا الحج حتى يصدروا عنكم. ففعلوا، فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا.

стр. 271

تخرجه قريش في كل موسم من أموالهم، فيدفعونه إلى قصي، فيصنعه طعاما للحاج أيام الموسم بمكة ومنى، فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه، وهي الرفادة، حتى قام الإسلام، ثم في الإسلام إلى يومك هذا؛ وهو الطعام الذي يصنعه السلطان بمكة ومنى للناس حتى ينقضي الحج. ما جاء في حريق الكعبة وما أصابها من الرمي من أبي قبيس بالمنجنيق ٢١٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي أحمد بن محمد، وإبراهيم بن محمد الشافعي، عن مسلم بن خالد، عن ابن خثيم (١)، عن عبيد الله بن سعد: أنه دخل مع عبد الله بن عمرو بن العاص (٢) المسجد الحرام والكعبة محرقة، حين أدبر جيش الحصين بن نمير، والكعبة تتناثر حجارتها؛ فوقف ومعه ناس غير قليل، فبكى، حتى إني لأنظر إلى دموعه تحدر كحلا في عينيه من إثمد كأنه رؤوس الذباب على وجنته، فقال: يا أيها الناس، والله لو أن أبا هريرة أخبركم أنكم قاتلوا ابن نبيكم بعد نبيكم ﷺ ، ومحرقوا بيت ربكم؛ لقلتم: ما من أحد أكذب من أبي هريرة، أنحن نقتل ابن نبينا؟! ونحرق بيت ربنا؟! فقد والله فعلتم. لقد قتلتم ابن نبيكم، وحرقتم بيت الله، فانتظروا النقمة؛ فوالذي نفس عبد الله بن عمرو بيده، ليلبسنكم الله شيعا، وليذيقن بعضكم بأس بعض - يقولها ثلاثا - ثم رفع صوته في المسجد، فما في

стр. 272

المسجد أحد إلا وهو يفهم ما يقول، فإن لم يكن يفهم فإنه يسمع رجع صوته، فقال: أين الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؟ فوالذي نفس عبد الله بن عمرو بيده، لو قد ألبسكم الله شيعا، وأذاق بعضكم بأس بعض، لبطن الأرض خير لمن عليها، لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر (١). ٢١٦ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن حسن بن محمد بن علي بن الحنفية قال: أول ما تكلم في القدر حين احترقت الكعبة؛ فقال رجل: طارت شررة (٢) فاحترقت ثياب الكعبة، وكان ذلك من قدر الله، وقال الآخر: ما قدر الله هذا. ٢١٧ - قال: حدثنا [إسحاق] (٣) قال: حدثنا [أبو عبيد الله] (٤)، حدثنا سفيان بإسناده مثله (٥). ٢١٨ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني مهدي بن أبي المهدي، عن عبد الملك الذماري، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن عليم الكندي، قال: قال سلمان الفارسي: لتحرقن هذه الكعبة على يدي رجل من آل الزبير.

стр. 273

٢١٩ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: أخبرنا محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن عبد الله بن جعفر الزهري، قال: سألت أبا عون: متى كان احتراق الكعبة؟ قال: يوم السبت، لليال (١) خلون من شهر ربيع الأول، قبل أن يأتينا نعي يزيد بن معاوية بتسعة وعشرين يوما، وجاء نعيه في هلال (٢) شهر ربيع الآخر ليلة الثلاثاء، سنة أربع وستين. قلت: وما كان سبب احتراقها؟ قال: جاءنا موت يزيد، توفي لأربع [عشرة] (٣) خلون (٤) من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، وكانت خلافته ثلاث سنين وتسعة أشهر، والحصين بن نمير يومئذ عندنا، وكان احتراقها بعد الصاعقة التي أصابت أهل الشام بعشرين ليلة. قال أبو عون: ما كان احتراقها إلا منا، وذلك أن رجلا منا - وهو مسلم بن أبي [خليفة] (٥) المذحجي - كان هو وأصحابه يوقدون في أخصاص لهم (٦) حول البيت، فأخذ نارا في زج رمحه في النفط - وكان يوم ريح - فطارت منها شررة (٧)، فاحترقت الكعبة، حتى صارت إلى الخشب (٨). فقلنا لهم: هذا عملكم، رميتم بيت الله بالنفط والنار، فأنكروا ذلك.

стр. 274

٢٢٠ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني محمد بن يحيى، قال: قال الواقدي، وحدثنا رباح بن مسلم، عن أبيه، قال: كانوا يوقدون في الخصاص، فأقبلت شررة هبت بها الرياح، فاحترقت ثياب الكعبة واحترق الخشب. ٢٢١ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني محمد بن يحيى، قال: قال الواقدي، وحدثني عبد الله بن يزيد، عن عروة بن أذينة، قال: قدمت مكة مع أبي يوم احترقت الكعبة، فرأيت الخشب وقد (١) خلصت إليه النار، ورأيتها مجردة من الحريق، ورأيت الركن قد اسود. فقلت: ما أصاب الكعبة؟ فأشاروا إلى رجل من أصحاب ابن الزبير، فقالوا: هذا احترقت الكعبة في سببه، أخذ نارا في رأس رمح له، فطارت به الريح فضربت أستار الكعبة فيما بين الركن اليماني إلى [الركن] (٢) الأسود. ٢٢٢ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن سعيد بن عبد العزيز، عن رجل من قومه قال: نصبنا المنجنيق على أبي قبيس، فاعتقبه (٣) الرجال، وقد ألجأنا القوم إلى المسجد، فبنوا خصاصا حول

стр. 275

البيت (١)، ورفافا من خشب، تكنهم من حجارة المنجنيق، فكنت أراهم إذا أمطرنا عليهم الحجارة يكتنون تحت تلك الرفاف، قال: فوهن الرمي بحجارة المنجنيق الكعبة، فهي تنقض. ٢٢٣ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن رباح بن مسلم، عن أبيه، قال: رأيت الحجارة تصك وجه الكعبة من أبي قبيس حتى تخرقها، فلقد رأيتها كأنها جيوب النساء، ترتج من أعلاها إلى أسفلها. ولقد رأيت الحجر يمر فيهوي الآخر على إثره، فيسلك طريقه، حتى بعث الله عليهم (٢) صاعقة بعد العصر، فأحرقت المنجنيق، واحترق تحته ثمانية عشر رجلا من أهل الشام، فجعلنا نقول: قد أظلهم (٣) العذاب، فكنا أياما في راحة، حتى عملوا منجنيقا أخرى فنصبوها على أبي قبيس. ٢٢٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي عصيدة، قال: حدثني أبو النضر هاشم بن القاسم الليثي، عن مولى لابن المرتفع، عن ابن المرتفع، قال: كنا مع ابن الزبير في الحجر، فأول حجر من المنجنيق وقع في الكعبة، سمعنا (٤) لها أنينا كأنين المريض: آه، آه.

стр. 276

٢٢٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرتني عجوز من أهل مكة كانت مع عبد الله بن الزبير بمكة، فقلت لها: أخبريني عن احتراق الكعبة كيف كان؟ قالت (١): كان المسجد فيه خيام كثيرة، فطارت النار من خيمة منها فاحترقت الخيام، والتهب المسجد حتى تعلقت النار بالبيت فاحترق. قال عثمان: وبلغني أنه لما قدم جيش الحصين بن نمير أحرق بعض أهل الشام على باب بني جمح - والمسجد يومئذ خيام وفساطيط - فمشى الحريق حتى أخذ في البيت، فظن الفريقان كلاهما أنهم هالكون، فضعف بناء البيت، حتى أن الطير ليقع عليه فتتناثر حجارته (٢). باب ما جاء في بناء ابن الزبير الكعبة وما زاد فيها من الأذرع التي كانت في الحجر من الكعبة، وما نقص منها الحجاج ٢٢٦ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي أحمد بن محمد، عن سعيد بن سالم، عن [ابن] (٣) جريج، قال: سمعت غير واحد من أهل العلم ممن حضر ابن الزبير حين هدم الكعبة وبناها، قالوا: لما أبطأ عبد الله بن الزبير عن بيعة يزيد بن

стр. 277

معاوية، وتخلف وخشي منهم: لحق بمكة ليمتنع بالحرم، وجمع مواليا له (١)، وجعل يظهر عيب يزيد بن معاوية ويشتمه، ويذكر شربه الخمر وغير ذلك، ويثبط الناس عنه. ويجتمع الناس إليه فيقوم فيهم بين الأيام (٢) فيذكر مساوئ بني أمية، فيطنب في ذلك. فبلغ [ذلك] (٣) يزيد بن معاوية، فأقسم أن (٤) لا يؤتى به إلا مغلولا. وأرسل (٥) إليه رجلا من أهل الشام في خيل من خيل الشام، فعظم على ابن الزبير الفتنة، وقال: لا (٦) يستحل الحرم بسببك (٧)؛ فإنه غير تاركك، ولا تقوى عليه. وقد لج في أمرك، وأقسم أن لا يؤتى بك إلا مغلولا، وقد عملت لك غلا من فضة، وتلبس فوقه الثياب، وتبر قسم أمير المؤمنين؛ فالصلح خير عاقبة، وأجمل بك وبه. فقال: دعوني أياما حتى أنظر في أمري. فشاور أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق في ذلك، فأبت عليه أن يذهب مغلولا وقالت: يا بني، عش كريما، ومت كريما، ولا تمكن بني أمية من نفسك فتلعب بك، فالموت أحسن من هذا (٨). فأبى (٩) أن يذهب إليه في غل، وامتنع في مواليه ومن تألف إليه من أهل مكة وغيرهم، [فكان] (١٠) يقال لهم: الزبيرية.

стр. 278

فبينما يزيد على بعثة الجيوش إليه؛ إذ أتى يزيد خبر أهل المدينة، وما فعلوا بعامله ومن كان بالمدينة من بني أمية، وإخراجهم إياهم منها، إلا من كان من ولد عثمان بن عفان. فجهز إليهم مسلم بن عقبة المري في أهل الشام، وأمره بقتال أهل المدينة، فإذا فرغ من ذلك سار إلى ابن الزبير بمكة. وكان مسلم مريضا في بطنه الماء الأصفر، فقال له يزيد: إن حدث بك حدث (١) الموت فول الحصين بن نمير الكندي على جيشك. فسار حتى قدم المدينة فقاتلوه فظفر بهم ودخلها، وقتل من قتل منهم، وأسرف في القتل، فسمي بذلك: مسرفا، وأنهب المدينة ثلاثا. ثم سار إلى مكة، فلما كان [ببعض] (٢) الطريق حضرته الوفاة، فدعا الحصين بن نمير فقال: يا برذعة الحمار، لولا (٣) أني أكره أن أتزود عند الموت معصية أمير المؤمنين ما وليتك، انظر إذا قدمت مكة، فاحذر أن تمكن قريشا من أذنك فتبول فيها، لا يكن إلا الوقاف، ثم الثقاف (٤)، ثم الانصراف. فتوفي مسلم (٥)، ومضى الحصين بن نمير إلى مكة (٦)، فقاتل ابن الزبير بها أياما. وجمع ابن الزبير أصحابه فتحصن بهم في المسجد الحرام (٧) وحول الكعبة، وضرب أصحاب ابن الزبير في المسجد الحرام خياما ورفافا يكتنون بها من حجارة المنجنيق، ويستظلون [بها] (٨) من الشمس. وكان الحصين بن نمير قد نصب (٩) المنجنيق على أبي قبيس وعلى الأحمر -

стр. 279

وهما أخشبا مكة (١) فكان يرميهم بها، فتصيب الحجارة الكعبة حتى تخرق كسوتها عليها، فصارت كأنها جيوب النساء، فوهن الرمي بالمنجنيق الكعبة، وذهب (٢) رجل من أصحاب ابن الزبير يوقد نارا في بعض تلك الخيام مما يلي الصفا، بين الركن الأسود والركن اليماني - والمسجد يومئذ ضيق صغير - فطارت شرارة في الخيمة فاحترقت، وكانت (٣) في ذلك اليوم رياح شديدة - والكعبة يومئذ مبنية بناء قريش؛ مدماك من ساج ومدماك من حجارة، من أسفلها إلى أعلاها، وعليها الكسوة - فطارت الرياح بلهب تلك النار، فاحترقت كسوة الكعبة، [واحترق] (٤) الساج الذي بين البناء (٥). وكان احتراقها يوم السبت لثلاث ليال خلون من شهر ربيع الأول، قبل أن يأتي نعي يزيد بن معاوية بتسعة وعشرين يوما، وجاء نعيه في هلال شهر ربيع الآخر ليلة الثلاثاء، سنة أربع وستين، وكان توفي لأربع عشرة [ليلة] (٦) خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين. وكانت خلافته ثلاث سنين وسبعة أشهر. فلما احترقت الكعبة واحترق الركن الأسود فتصدع؛ كان ابن الزبير [قد] (٧) ربطه بالفضة، فضعفت جدرات الكعبة، حتى أنها لتنقض من أعلاها إلى أسفلها، ويقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها، وهي مجردة متوهنة من كل جانب، ففزع لذلك أهل مكة وأهل الشام جميعا، والحصين بن نمير مقيم محاصر ابن الزبير. فأرسل ابن الزبير رجالا من أهل مكة من قريش وغيرهم، فيهم عبد الله بن خالد

стр. 280

بن أسيد ورجال من بني أمية إلى الحصين، فكلموه وعظموا عليه ما أصاب الكعبة، وقالوا: إن ذلك منكم، رميتموها بالنفط. فأنكروا [ذلك] (١)، وقالوا: قد توفي أمير المؤمنين، فعلى ماذا تقاتل؟ ارجع إلى الشام حتى تنظر ماذا يجتمع عليه رأي صاحبك؟ - يعنون معاوية بن يزيد - وهل يجمع (٢) الناس عليه. فلم يزالوا به حتى لان لهم، وقال له عبد الله بن خالد بن أسيد: تراك تتهمني في يزيد؟ ولم يزالوا به حتى رجع إلى الشام (٣). فلما أدبر جيش الحصين بن نمير - وكان خروجه من مكة لخمس ليال خلون من شهر (٤) ربيع الآخر سنة أربع وستين - دعا ابن الزبير وجوه الناس وأشرافهم، فشاورهم في هدم الكعبة، فأشار عليه ناس (٥) كثير بهدمها، وأبي أكثر الناس هدمها، وكان أشدهم إباء (٦) عبد الله بن عباس، وقال له (٧): دعها على ما أقرها عليه رسول الله ﷺ ، فإني أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها، [فلا (٨)] تزال تهدم وتبنى، [فيتهاون الناس بحرمتها] (٩)، ولكن أرقعها. فقال ابن الزبير: والله ما يرضى أحدكم أن يرقع بيت أبيه وبيت أمه (١٠)، فكيف أرقع بيت الله، وأنا أنظر إليه ينقض من أعلاه إلى أسفله، حتى إن الحمام ليقع عليه فتتناثر حجارته. وكان ممن أشار عليه بهدمها: جابر بن عبد الله - وكان جاء معتمرا - وعبيد بن

стр. 281

عمير، وعبد الله بن صفوان بن أمية. فأقام أياما يشاور وينظر، ثم أجمع على هدمها، وكان يحب أن يكون هو الذي يردها على ما قال رسول الله ﷺ على قواعد إبراهيم ﵇، وعلى ما وصفه رسول الله ﷺ لعائشة ﵂. فأراد أن يبنيها بالورس ويرسل إلى اليمن في ورس يشترى له (١)، فقيل (٢): إن الورس يرفت (٣) ويذهب، ولكن ابنها بالقصة. فسأل عن القصة، فأخبر أن قصة صنعاء هي أجود القصة، فأرسل إلى صنعاء بأربعمائة دينار يشترى له بها (٤) قصة ويكترى عليها، وأمر بتنجيح ذلك. [ثم] (٥) سأل رجالا (٦) من أهل مكة من أين أخذت قريش حجارتها؟ فأخبروه بمقلعها، فنقل له من الحجارة قدر ما يحتاج إليه. فلما اجتمعت [الحجارة] (٧) وأراد هدمها، خرج أهل مكة منها إلى منى، فأقاموا بها ثلاثا؛ فرقا أن ينزل عليهم عذاب لهدمها. فأمر ابن الزبير بهدمها، فما اجترأ على ذلك أحد، فلما رأى ذلك علاها هو بنفسه؛ فأخذ المعول (٨) وجعل يهدمها ويرمي بحجارتها، فلما رأوا أنه لم يصبه شيء؛ اجترؤوا فصعدوا [يهدمون] (٩)، وأرقى ابن الزبير فوقها عبيدا من الحبش يهدمونها؛ رجاء أن يكون فيهم صفة الحبشي الذي قال

стр. 282

رسول الله ﷺ : (يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة)) (١). ٢٢٧ - قال: وقال مجاهد: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: كأني به أصيلع أفيدع قائم عليها يهدمها بمسحاته. قال مجاهد: فلما هدم ابن الزبير الكعبة؛ جئت أنظر هل أرى الصفة التي قال عبد الله بن عمرو، فلم أرها. فهدموا (٢) وأعانهم الناس، فما ترجلت الشمس حتى ألصقها كلها بالأرض من جوانبها جميعا. وكان هدمها يوم السبت للنصف (٣) من جمادى [الآخرة] (٤)، سنة أربع (٥) وستين. ولم يقرب ابن عباس مكة حين هدمت الكعبة حتى فرغ منها، وأرسل إلى ابن الزبير: لا تدع الناس بغير قبلة انصب لهم حول الكعبة الخشب، واجعل عليها الستور (٦)، حتى يطوف الناس من ورائها ويصلون إليها. ففعل ذلك ابن الزبير. وقال ابن الزبير: أشهد لسمعت عائشة ﵂ تقول: قال رسول الله ﷺ : «إن قومك استقصروا في بناء البيت، وعجزت بهم النفقة، فتركوا في الحجر منها أذرعا، ولولا حداثة قومك بالكفر لهدمت الكعبة وأعدت ما تركوا منها، ولجعلت لها بابين موضوعين بالأرض؛ بابا شرقيا يدخل منه الناس، وبابا غربيا

стр. 283

يخرج منه الناس. وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها»؟ قالت: قلت: لا، قال: «تعززا [أن لا] (١) يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا كرهوا أن يدخلها، يدعونه يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط. فإن بدا لقومك هدمها، فهلمي لأريك ما تركوا في الحجر منها». فأراها قريبا من سبع أذرع. فلما هدم ابن الزبير الكعبة وسواها بالأرض؛ كشف عن أساس إبراهيم ﵇ فوجده داخلا في الحجر نحوا من ست (٢) أذرع [وشبر] (٣)؛ كأنها أعناق الإبل أخذ بعضها بعضا، كتشبيك الأصابع بعضها ببعض؛ تحرك الحجر من القواعد فتحرك الأركان كلها. فدعا ابن الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس وأشرافهم، فأشهدهم (٤) على ذلك الأساس (٥). قال: فأدخل رجل من القوم كان أيدا، يقال له: عبد الله بن مطيع العدوي عتلة (٦) كانت في يده، في ركن من أركان البيت، فتزعزعت الأركان كلها جميعا. ويقال: إن مكة رجفت رجفة شديدة حين زعزع الأساس، وخاف الناس خوفا شديدا، حتى ندم كل من كان أشار على ابن الزبير بهدمها، وأعظموا ذلك إعظاما شديدا، وأسقط في أيديهم. فقال لهم ابن الزبير: اشهدوا، ثم وضع البناء على ذلك الأساس، ووضع حدات الباب - باب الكعبة- على مدماك على

стр. 284

الشاذروان اللاصق بالأرض، وجعل الباب الآخر بإزائه في ظهر الكعبة مقابله، وجعل عتبته على الحجر الأخضر الطويل الذي في الشاذروان الذي في ظهر الكعبة، قريبا من الركن اليماني. وكان [البناة] (١) يبنون من وراء الستر، والناس يطوفون من خارج. فلما ارتفع البنيان إلى موضع الركن - وكان ابن الزبير حين هدم البيت؛ جعل الركن في ديباجة وأدخله في تابوت (٢) وأقفل عليه، ووضعه عنده في دار الندوة، وعمد إلى ما كان في الكعبة من حلية فوضعه في خزانة الكعبة في دار شيبة بن عثمان- فلما بلغ [البناء] (٣) موضع الركن الأسود أمر ابن الزبير بموضعه، فنقر في حجرين؛ حجر من المدماك الذي تحته، وحجر من المدماك الذي فوقه بقدر الركن، وطويق بينهما، فلما فرغوا منه أمر ابن الزبير ابنه عباد بن عبد الله بن الزبير وجبير بن شيبة بن عثمان أن يجعلوا الركن في ثوب، وقال لهم ابن الزبير: إذا دخلت في الصلاة - صلاة الظهر - فاحملوه واجعلوه في موضعه، فأنا أطول الصلاة، فإذا فرغتم فكبروا حتى أخفف صلاتي، وكان ذلك في حر شديد. فلما أقيمت الصلاة، كبر ابن الزبير وصلى (٤) بهم ركعة، خرج عباد بالركن من دار الندوة وهو يحمله، ومعه جبير بن شيبة بن عثمان - ودار الندوة يومئذ قرب (٥) من الكعبة - فخرقا به الصفوف حتى أدخلاه في الستر الذي دون البناء، فكان الذي وضعه في موضعه هذا عباد بن عبد الله بن الزبير، وأعانه عليه جبير

стр. 285

بن شيبة (١)، فلما أقروه في موضعه وطوبق عليه الحجران كبروا، [فخفف] (٢) ابن الزبير صلاته (٣)، وتسامع الناس بذلك، وغضبت فيه رجال من قريش حين لم يحضرهم ابن الزبير، وقالوا: والله [لقد] (٤) رفع في الجاهلية حين بنته قريش، فحكموا فيه أول من يدخل عليهم من باب المسجد، فطلع رسول الله ﷺ فجعله في ردائه. ودعا رسول الله ﷺ من كل قبيلة من قريش رجلا، فأخذوا بأركان الثوب، ثم وضعه رسول الله ﷺ في موضعه. وكان الركن قد تصدع من الحريق [بثلاث] (٥) فرق، انشظت (٦) منه شظية كانت عند بعض آل شيبة بعد ذلك بدهر طويل، فشده ابن الزبير بالفضة (٧)، إلا تلك الشظية من أعلاه؛ موضعها بين في أعلى الركن (٨). فطول (٩) الركن ذراعان، قد أخذ عرض جدر (١٠) الكعبة، ومؤخر الركن [داخل] (١١) في الجدر، مضرس على ثلاثة رؤوس (١٢). قال ابن جريج: فسمعت من يصف لون مؤخره الذي في (١٣) الجدر، قال
следующие страницы →