← Книги сунны

Книги сунны · id 115123

أخبار مكة - الأزرقي - ت ابن دهيش

الأزرقي

Полный текст (955 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عمير، وعبد الله بن صفوان بن أمية. فأقام أياما يشاور وينظر، ثم أجمع على هدمها، وكان يحب أن يكون هو الذي يردها على ما قال رسول الله ﷺ على قواعد إبراهيم ﵇، وعلى ما وصفه رسول الله ﷺ لعائشة ﵂. فأراد أن يبنيها بالورس ويرسل إلى اليمن في ورس يشترى له (١)، فقيل (٢): إن الورس يرفت (٣) ويذهب، ولكن ابنها بالقصة. فسأل عن القصة، فأخبر أن قصة صنعاء هي أجود القصة، فأرسل إلى صنعاء بأربعمائة دينار يشترى له بها (٤) قصة ويكترى عليها، وأمر بتنجيح ذلك. [ثم] (٥) سأل رجالا (٦) من أهل مكة من أين أخذت قريش حجارتها؟ فأخبروه بمقلعها، فنقل له من الحجارة قدر ما يحتاج إليه. فلما اجتمعت [الحجارة] (٧) وأراد هدمها، خرج أهل مكة منها إلى منى، فأقاموا بها ثلاثا؛ فرقا أن ينزل عليهم عذاب لهدمها. فأمر ابن الزبير بهدمها، فما اجترأ على ذلك أحد، فلما رأى ذلك علاها هو بنفسه؛ فأخذ المعول (٨) وجعل يهدمها ويرمي بحجارتها، فلما رأوا أنه لم يصبه شيء؛ اجترؤوا فصعدوا [يهدمون] (٩)، وأرقى ابن الزبير فوقها عبيدا من الحبش يهدمونها؛ رجاء أن يكون فيهم صفة الحبشي الذي قال

стр. 282

رسول الله ﷺ : (يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة)) (١). ٢٢٧ - قال: وقال مجاهد: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: كأني به أصيلع أفيدع قائم عليها يهدمها بمسحاته. قال مجاهد: فلما هدم ابن الزبير الكعبة؛ جئت أنظر هل أرى الصفة التي قال عبد الله بن عمرو، فلم أرها. فهدموا (٢) وأعانهم الناس، فما ترجلت الشمس حتى ألصقها كلها بالأرض من جوانبها جميعا. وكان هدمها يوم السبت للنصف (٣) من جمادى [الآخرة] (٤)، سنة أربع (٥) وستين. ولم يقرب ابن عباس مكة حين هدمت الكعبة حتى فرغ منها، وأرسل إلى ابن الزبير: لا تدع الناس بغير قبلة انصب لهم حول الكعبة الخشب، واجعل عليها الستور (٦)، حتى يطوف الناس من ورائها ويصلون إليها. ففعل ذلك ابن الزبير. وقال ابن الزبير: أشهد لسمعت عائشة ﵂ تقول: قال رسول الله ﷺ : «إن قومك استقصروا في بناء البيت، وعجزت بهم النفقة، فتركوا في الحجر منها أذرعا، ولولا حداثة قومك بالكفر لهدمت الكعبة وأعدت ما تركوا منها، ولجعلت لها بابين موضوعين بالأرض؛ بابا شرقيا يدخل منه الناس، وبابا غربيا

стр. 283

يخرج منه الناس. وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها»؟ قالت: قلت: لا، قال: «تعززا [أن لا] (١) يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا كرهوا أن يدخلها، يدعونه يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط. فإن بدا لقومك هدمها، فهلمي لأريك ما تركوا في الحجر منها». فأراها قريبا من سبع أذرع. فلما هدم ابن الزبير الكعبة وسواها بالأرض؛ كشف عن أساس إبراهيم ﵇ فوجده داخلا في الحجر نحوا من ست (٢) أذرع [وشبر] (٣)؛ كأنها أعناق الإبل أخذ بعضها بعضا، كتشبيك الأصابع بعضها ببعض؛ تحرك الحجر من القواعد فتحرك الأركان كلها. فدعا ابن الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس وأشرافهم، فأشهدهم (٤) على ذلك الأساس (٥). قال: فأدخل رجل من القوم كان أيدا، يقال له: عبد الله بن مطيع العدوي عتلة (٦) كانت في يده، في ركن من أركان البيت، فتزعزعت الأركان كلها جميعا. ويقال: إن مكة رجفت رجفة شديدة حين زعزع الأساس، وخاف الناس خوفا شديدا، حتى ندم كل من كان أشار على ابن الزبير بهدمها، وأعظموا ذلك إعظاما شديدا، وأسقط في أيديهم. فقال لهم ابن الزبير: اشهدوا، ثم وضع البناء على ذلك الأساس، ووضع حدات الباب - باب الكعبة- على مدماك على

стр. 284

الشاذروان اللاصق بالأرض، وجعل الباب الآخر بإزائه في ظهر الكعبة مقابله، وجعل عتبته على الحجر الأخضر الطويل الذي في الشاذروان الذي في ظهر الكعبة، قريبا من الركن اليماني. وكان [البناة] (١) يبنون من وراء الستر، والناس يطوفون من خارج. فلما ارتفع البنيان إلى موضع الركن - وكان ابن الزبير حين هدم البيت؛ جعل الركن في ديباجة وأدخله في تابوت (٢) وأقفل عليه، ووضعه عنده في دار الندوة، وعمد إلى ما كان في الكعبة من حلية فوضعه في خزانة الكعبة في دار شيبة بن عثمان- فلما بلغ [البناء] (٣) موضع الركن الأسود أمر ابن الزبير بموضعه، فنقر في حجرين؛ حجر من المدماك الذي تحته، وحجر من المدماك الذي فوقه بقدر الركن، وطويق بينهما، فلما فرغوا منه أمر ابن الزبير ابنه عباد بن عبد الله بن الزبير وجبير بن شيبة بن عثمان أن يجعلوا الركن في ثوب، وقال لهم ابن الزبير: إذا دخلت في الصلاة - صلاة الظهر - فاحملوه واجعلوه في موضعه، فأنا أطول الصلاة، فإذا فرغتم فكبروا حتى أخفف صلاتي، وكان ذلك في حر شديد. فلما أقيمت الصلاة، كبر ابن الزبير وصلى (٤) بهم ركعة، خرج عباد بالركن من دار الندوة وهو يحمله، ومعه جبير بن شيبة بن عثمان - ودار الندوة يومئذ قرب (٥) من الكعبة - فخرقا به الصفوف حتى أدخلاه في الستر الذي دون البناء، فكان الذي وضعه في موضعه هذا عباد بن عبد الله بن الزبير، وأعانه عليه جبير

стр. 285

بن شيبة (١)، فلما أقروه في موضعه وطوبق عليه الحجران كبروا، [فخفف] (٢) ابن الزبير صلاته (٣)، وتسامع الناس بذلك، وغضبت فيه رجال من قريش حين لم يحضرهم ابن الزبير، وقالوا: والله [لقد] (٤) رفع في الجاهلية حين بنته قريش، فحكموا فيه أول من يدخل عليهم من باب المسجد، فطلع رسول الله ﷺ فجعله في ردائه. ودعا رسول الله ﷺ من كل قبيلة من قريش رجلا، فأخذوا بأركان الثوب، ثم وضعه رسول الله ﷺ في موضعه. وكان الركن قد تصدع من الحريق [بثلاث] (٥) فرق، انشظت (٦) منه شظية كانت عند بعض آل شيبة بعد ذلك بدهر طويل، فشده ابن الزبير بالفضة (٧)، إلا تلك الشظية من أعلاه؛ موضعها بين في أعلى الركن (٨). فطول (٩) الركن ذراعان، قد أخذ عرض جدر (١٠) الكعبة، ومؤخر الركن [داخل] (١١) في الجدر، مضرس على ثلاثة رؤوس (١٢). قال ابن جريج: فسمعت من يصف لون مؤخره الذي في (١٣) الجدر، قال

стр. 286

بعضهم: هو مورد، وقال بعضهم: هو أبيض (١). قال (٢): وكانت الكعبة يوم هدمها ابن الزبير ثمانية عشر ذراعا في السماء. فلما أن بلغ ابن الزبير بالبناء ثمانية عشر ذراعا؛ قصرت الحال الزيادة التي زاد من الحجر فيها، واستسمج ذلك؛ إذ صارت عريضة لا طول لها. فقال: قد كانت قبل قريش تسعة (٣) أذرع، حتى زادت قريش فيها تسع أذرع طولا في السماء، فأنا أزيد فيها. [فزاد فيها] (٤) تسع أذرع أخرى؛ فبناها (٥) سبعة وعشرين ذراعا في السماء، وهي سبعة وعشرون مدماكا، وعرض جدرها (٦) ذراعان، وجعل فيها ثلاث دعائم، وكانت قريش في الجاهلية جعلت فيها ست دعائم. وأرسل ابن الزبير إلى صنعاء فأتى من رخام بها يقال له: البلق، فجعله في الروازن (٧) التي في سقفها للضوء. وكان باب الكعبة قبل بناء ابن الزبير مصراعا واحدا، فجعل لها ابن الزبير مصراعين طولهما أحد عشر ذراعا من الأرض إلى منتهى أعلاها اليوم. وجعل الباب الآخر الذي في ظهرها بإزائه على الشاذروان الذي على الأساس مثله، وجعل ميزابها يسكب في الحجر، وجعل لها درجة في بطنها في الركن الشامي من خشب معرجة يصعد فيها إلى ظهرها. فلما فرغ ابن الزبير من بناء الكعبة، خلقها من داخلها وخارجها، من أعلاها

стр. 287

إلى أسفلها، وكساها القباطي (١). وقال: من [كان] (٢) لي عليه طاعة، فليخرج فليعتمر من التنعيم، فمن قدر أن ينحر بدنة فليفعل، ومن لم يقدر على بدنة فليذبح شاة، فمن لم يقدر فليتصدق بقدر طوله. وخرج ماشيا، وخرج الناس معه مشاة حتى اعتمروا من التنعيم شكرا لله، ولم ير يوم (٣) كان أكثر عتيقا، ولا أكثر بدنة منحورة، ولا شاة مذبوحة، ولا صدقة من ذلك اليوم. ونحر ابن الزبير مائة بدنة، فلما طاف بالكعبة؛ استلم الأركان الأربعة جميعا، وقال: إنما (٤) ترك استلام هذين الركنين الشامي [والغربي] (٥)؛ لأن البيت لم يكن تاما (٦). فلم يزل البيت على بناء ابن الزبير؛ إذا طاف طائف استلم الأركان جميعا، ويدخل البيت من هذا الباب ويخرج من الباب الغربي، وأبوابه لاصقة بالأرض، حتى قتل ابن الزبير ﵀، ودخل الحجاج مكة، وكتب إلى عبد الملك بن مروان: أن ابن الزبير قد (٧) زاد في بيت الله (٨) ما ليس منه، وأحدث فيه بابا آخر. فكتب يستأذنه في رد (٩) البيت على ما كان عليه في الجاهلية. فكتب إليه عبد الملك بن مروان: أن سد بابها الغربي الذي كان فتح ابن الزبير، واهدم ما كان زاد فيها من الحجر، واكبسها به على ما كانت عليه. فهدم الحجاج منها ست أذرع وشبرا مما يلي الحجر، وبناها على أساس قريش الذي

стр. 288

كانت استقصرت عليه، وكبسها بما هدم منها، وسد الباب الذي في ظهرها، وترك سائرها لم يحرك [منها] (١) شيئا. فكل شيء فيها [اليوم] (٢) بناء ابن الزبير، إلا الجدر الذي في الحجر؛ فإنه بناء الحجاج. وسد الباب الذي في ظهرها، وما تحت عتبة الباب الشرقي الذي يدخل منه اليوم إلى الأرض أربعة أذرع وشبر، كل هذا بناء الحجاج. والدرجة التي في بطنها اليوم؛ والبابان اللذان عليها (٣) اليوم هما أيضا من عمل الحجاج (٤). فلما فرغ الحجاج من هذا كله؛ وفد بعد ذلك الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي على عبد الملك بن مروان، فقال له عبد الملك بن مروان (٥): ما أظن أبا حبيب - يعني ابن الزبير - سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمع منها في أمر الكعبة. فقال الحارث: أنا سمعته من عائشة، قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: سمعتها تقول: قال لي رسول الله ﷺ : «إن قومك استقصروا في بناء البيت، ولولا حداثة عهد قومك بالكفر أعدت فيه ما تركوا منه، فإن بدا لقومك أن يبنوه، فهلمي لأريك ما تركوا منه»، فأراها قريبا من سبع أذرع. وقال رسول الله ﷺ : «وجعلت لها بابين موضوعين على الأرض؛ بابا شرقيا يدخل الناس منه، وبابا غربيا يخرج الناس منه». قال عبد الملك بن مروان: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا سمعت هذا منها. قال: فجعل ينكت (٦) منكسا بقضيب في يده ساعة طويلة،

стр. 289

ثم قال: وددت والله أني تركت ابن الزبير وما تحمل من ذلك (١). قال ابن جريج: فكان (٢) باب الكعبة الذي عمله ابن الزبير طوله في السماء أحد عشر ذراعا، فلما كان الحجاج؛ نقض من الباب أربعة أذرع وشبرا، وعمل لها هذين البابين، وطولهما ست أذرع وشبر. فلما كان في خلافة الوليد بن عبد الملك؛ بعث إلى واليه على مكة خالد بن عبد الله القسري بستة وثلاثين ألف دينار، فضرب منها على بابي الكعبة صفائح الذهب، وعلى ميزاب الكعبة، وعلى الأساطين التي في بطنها، وعلى الأركان في جوفها (٣). قال أبو الوليد: قال جدي: فكل ما على الميزاب وعلى الأركان في جوفها من الذهب؛ فهو من عمل الوليد بن عبد الملك، وهو أول من ذهب البيت في الإسلام. فأما ما كان على الباب من عمل الوليد بن عبد الملك من الذهب؛ فإنه رق وتفرق، فرفع ذلك إلى أمير المؤمنين محمد بن الرشيد في خلافته، فأرسل إلى سالم بن الجراح - عامل كان له على صوافي مكة - بثمانية عشر ألف دينار؛ ليضرب بها صفائح الذهب على بابي الكعبة. فقلع ما كان على الباب من الصفائح، وزاد عليها من الثمانية عشر ألف دينار، فضرب عليها الصفائح التي هي عليه اليوم، والمسامير، وحلقتا باب الكعبة، وعلى الفياريز (٤) والعتب (٥). وذلك كله من عمل أمير المؤمنين محمد بن هارون الرشيد، ولم يقلع في ذلك بابي الكعبة، ولكن ضربت عليهما الصفائح والمسامير، وهما على حالهما.

стр. 290

٢٢٨ - قال أبو الوليد: وأخبرني المثنى بن جبير الصواف: أنهم حين فرقوا ذهب باب الكعبة، وجدوا فيه ثمانية وعشرين ألف دينار (١)، فزادوا عليها خمسة عشر ألف [دينار] (٢). وإن الذي على الباب من الذهب ثلاثة وثلاثين ألف دينار، وقالوا أيضا: إنه لما قلع الذهب عن الباب ألبس الباب ثوبا أصفر. قال ابن جريج: وعمل الوليد بن عبد الملك الرخام الأحمر والأخضر والأبيض الذي في بطنها مؤزرا به جدراتها، وفرشها بالرخام، وأرسل (٣) به من الشام (٤)، وجعل الجزعة التي تلقى من [دخل] (٥) الكعبة بين يدي من قام يتوخى مصلى رسول الله ﷺ في موضعها، وجعل عليها طوقا من ذهب. فجميع ما في الكعبة من الرخام؛ فهو من عمل الوليد بن عبد الملك، وهو أول من فرشها بالرخام وأزر به جدراتها، وهو أول من زخرف المساجد (٦). ٢٢٩ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي قال: لما جرد حسين (٧) بن حسن الطالبي الكعبة في سنة مائتين في الفتنة، لم يبق عليها شيء مما كان عليها من الكسوة. فجئت فاستدرت بجوانبها وعددت مداميكها فوجدتها سبعة وعشرين مدماكا، ورأيت موضع الصلة التي (٨) من بناء الحجاج - مما يلي الحجر أثر

стр. 291

لحم (١) البناء فيما بين بناء ابن (٢) الزبير القديم وبين بناء الحجاج بن يوسف، شبه الصدع، وهو منه كالمتبري (٣) بأقل من الأصبع من أعلاها، بين ذلك لمن رآه. ورأيت موضع الباب الذي سده الحجاج في ظهر الكعبة على الحجر الأخضر الذي في الشاذروان، أتبين (٤) حداثه من أعلاه إلى أسفله. ورأيت السد الذي في الباب الشرقي الذي يدخل منه اليوم؛ من العتبة إلى الأرض، فحجارة (٥) سد الباب الذي في ظهرها، وما بني من هذا الباب الشرقي، الطف من حجارة مداميك جدرات الكعبة بكثير، وكل ذلك بالمنقوش. ٢٣٠ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة أم المؤمنين، عن النبي ﷺ أنه قال لها: «يا عائشة! لولا حداثة قومك بالكفر؛ لرددت في الكعبة ما نقصوا منها، ولجعلت لها بابا آخر». ٢٣١ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثنا حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن

стр. 292

عباس: أن النبي ﷺ قال لعائشة: «إذا فتح الله [لي] (١) إن شاء الله، رددت الكعبة على ما كانت عليه على عهد إبراهيم، فأدخلت من الحجر فيها، وجعلت لها بابا بالأرض، وجعلت لها بابا آخر، فإن (٢) قريشا إنما جعلوا الدرجة لأن لا يدخل الناس إلا بإذن». ٢٣٢ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن داود بن شابور، عن مجاهد، قال: لما عزم ابن الزبير على هدم الكعبة؛ خرجنا إلى منى ننتظر العذاب ثلاثا. وأمر ابن الزبير الناس أن يهدموا، فلم يجترئ أحد على هدمها، فلما رآهم لا يقدمون عليها؛ أخذ هو بنفسه المعول، ثم ارتقى فوقها فهدم، فلما رأى الناس أنه لم يصبه شيء اجترؤوا على هدمها. قال: فهدموا، وأدخل عامة الحجر فيها. فلما ظهر الحجاج رد الذي كان ابن الزبير أدخل من الحجر، فقال عبد الملك بن مروان: وددنا أنا تركنا أبا خبيب وما تولى (٣) - يعني ابن الزبير -. ٢٣٣ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: رأيت ابن الزبير هدم الكعبة، فأراهم (٤) أساسا داخلا في الحجر، آخذ بعضه بعضا، كلما حرك منه شيء تحرك كله، فبنى عليه الكعبة. ٢٣٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني مهدي بن أبي المهدي، عن عيسى بن

стр. 293

يونس، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، قال: حدثني يزيد مولى ابن الزبير، قال: شهدت ابن الزبير احتفر في الحجر، فأصاب أساس البيت حجارة [حمرا] (١) كأنها الخلائف، تحرك الحجر فيهتز له البيت، فأصاب في الحجر من البيت ستة أذرع وشبرا، وأصاب فيه موضع قبر، فقال ابن الزبير: هذا قبر إسماعيل. فجمع قريشا ثم قال لهم: اشهدوا، ثم بنى. ٢٣٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني محمد بن واضح، عن سليم بن مسلم، عن عمر بن قيس، عن سعيد بن ميناء - وكان على سوق مكة لابن الزبير - قال: لما أراد ابن الزبير بناء الكعبة عالج الأساس، فإذا وضع الباني العتلة في حجر ارتجت جوانب البيت، فأمسك عنه. ٢٣٦ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني إبراهيم بن محمد الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: رأيت ابن الزبير حين هدم الكعبة، فأراهم أساسا آخذا بعضه ببعض، كلما حرك منه شيء تحرك كله، قال: فرأيت فضل البيت في الحجر. قال سفيان: فذكر نحوا من ست أذرع. ٢٣٧ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا مسلم بن خالد،

стр. 294

عن ابن أبي نجيح، عن سليمان بن ميناء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: إذا رأيت قريشا هدموا البيت ثم بنوه فزوقوه، فإن استطعت أن تموت فمت. ٢٣٨ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن مسلم بن خالد الزنجي، عن يسار بن عبد الرحمن قال: شهدت ابن الزبير حين فرغ من بناء البيت، كساه القباطي، وقال: من كانت لي عليه طاعة فليخرج فليعتمر من التنعيم، قال: فما رأيت يوما (١) أكثر عتيقا، ولا أكثر بدنة منحورة (٢) من يومئذ. ٢٣٩ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: أخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن موسى بن يعقوب، عن عمه، قال: هدم ابن الزبير البيت حتى وضعه بالأرض، وبناها من أسها وأدخل الحجر عنده، وكان قد احترق حين احترق (٣) الخشب والحجارة، وانصدع الركن بثلاث فرق فرأيته متكسرا، حتى شده ابن الزبير بالفضة. ثم أدخل الحجر في البيت، ونصب الخشب حول البيت ثم سترها، وبنوا من وراء الستور (٤) حتى بلغ الركن الأسود، فوضعه وشده بالفضة. ثم رد البيت على بنائه، وزاد في طوله؛ فجعلها سبعة وعشرين ذراعا، وخلق جوفها، ولطخ

стр. 295

جدراتها (١) بالمسك حين فرغ منها، وجعل لها بابين موضوعين بالأرض، بابا في وجهها، وبابا بإزائه من خلفها، يدخل من هذا الذي في وجهها ويخرج من الآخر. واعتمر حين فرغ من الكعبة ماشيا مع رجال من قريش وغيرهم، منهم: عبد الله بن صفوان وعبيد بن (٢) عمير. ٢٤٠ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن موسى بن يعقوب، عن عمه، عن الحارث بن عبد الله بن وهب بن زمعة، قال: ارتحل الحصين بن نمير من مكة لخمس ليال خلون من شهر ربيع الآخر، سنة أربع وستين. وأمر ابن الزبير بالخصاص التي (٣) كانت حول الكعبة فهدمت، وبالمسجد فكنس مما كان (٤) فيه من الحجارة والدماء؛ فإذا الكعبة متوهنة، ترتج من أعلاها إلى أسفلها، فيها أمثال جيوب النساء من حجارة المنجنيق. وإذا الركن قد اسود واحترق، وتفلق من الحريق، فرأيته بثلاث [فرق] (٥). فشاور ابن الزبير الناس في هدمها، فأشار عليه جابر بن عبد الله وعبيد بن عمير بهدمها، وأبى ذلك عليه ابن عباس (٦)، وقال: إني (٧) أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها، فلا تزال تهدم وتبنى، فيتهاون الناس بحرمتها، فلا أحب ذلك.

стр. 296

٢٤١ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: أخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن شرحبيل بن (١) أبي عون، عن أبيه، قال: رأيت الحجر قد انفلق واسود من الحريق، فأنظر إلى جوفه أبيض كأنه الفضة، وقد كان شاور المسور بن مخرمة - قبل أن يموت- في هدمها (٢) وبنائها، فأشار عليه بذلك. ٢٤٢ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وأخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن جده أنه سمع عبد الله بن عمر يسأل [نائل] (٣) بن قيس الجذامي عن الأساس. فقال نائل: اتبعنا الأساس في الحجر، فوجدنا أساس البيت واصلا بالحجر، كأنه أصابعي هذه - وشبك بين أصابعه- فسمعت ابن عمر يكبر ويحمد الله على ذلك. ٢٤٣ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وأخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن محمد بن عمرو (٤)، عن أبي الزبير، قال: سمعت عبد الرحمن بن سابط يقول: دعانا ابن الزبير - خمسين رجلا من قريش- فنظرنا إلى الأساس فإذا هو واصل بالحجر، متشبك (٥) كأصابع يدي هاتين - وشبك بين أصابعه- فقال ابن الزبير: اشهدوا، ثم بنى.

стр. 297

قال عبد الرحمن بن سابط فجلست مع ابن عباس فأخبرته، فقال ابن عباس: ما زلنا نعلم أن من البيت في الحجر. ٢٤٤ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن إبراهيم بن موسى، عن عكرمة بن خالد المخزومي، قال: هدم ابن الزبير البيت حتى سواه بالأرض، وحفر أساسه فأدخل الحجر فيه، وكان الناس يطوفون من وراء الستر (١)، ويصلون إلى موضعه. وجعل الركن في تابوت في سرقة (٢) من حرير، فأما ما كان من حلي البيت وما وجد فيه من ثياب أو طيب فإنه جعله عند الحجبة في خزانة الكعبة، حتى أعاد بناءها. قال عكرمة: رأيت (٣) الحجر الأسود، فإذا هو ذراع أو يزيد. ٢٤٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وأخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، قال: لما هدم عبد الله بن الزبير البيت؛ ندم كل من كان أشار عليه، وأعظموا ذلك. ٢٤٦ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن سليمان بن داود بن الحصين، عن أبيه، عن عكرمة عن ابن عباس: أنه أبي على

стр. 298

ابن الزبير هدمها، وقال: أخاف أن يأتي بعدك من يهدمها، ثم يأتي بعد ذلك آخر؛ فإذا هي تهدم أبدا وتبنى. فسكت عبد الله بن الزبير، ولم يقرب ابن عباس مكة حتى فرغ منها. ٢٤٧ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وأخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن إبراهيم بن موسى، عن عكرمة بن خالد، قال: لما بنى ابن الزبير الكعبة؛ انتهى به إلى الأس (١) الأول، فأدخل (٢) الحجر فيها، فلما انتهى إلى موضع الركن الأسود؛ جاء به ابن الزبير وولده حتى رفعوه، ووضعوه بأيديهم في ساعة خالية، تحروا بها غفلة الناس نصف النهار في يوم صائف. ٢٤٨ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وأخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن عبد العزيز بن المطلب، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي جعفر، قال: ابن الزبير وضعه وولده نصف النهار، في حر شديد. فرأيت قريشا غضبوا في ذلك. ٢٤٩ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وأخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن ابن جريج، عن خلاد بن عطاء، عن أبيه - وكان يعمل في البيت محتسبا - قال: وكان الركن في تابوت مقفل عليه، فلما كان وقت وضعه، وقد نقر له حجران

стр. 299

طويق بينهما ثم أدخل [بينهما] (١)، فلما فرغ من ذلك خرج ابن الزبير في يوم صائف نصف النهار، فأشار إلى جبير بن شيبة الحجبي، فأدخلاه في موضعه وبنى عليه. قال عطاء أبو خلاد: وأنا حاضر ذلك. ٢٥٠ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وأخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن ابن جريج، عن منصور بن عبد الرحمن الحجبي، عن مسافع الحجبي، قال: لما بنى ابن الزبير البيت حتى بلغ موضع الركن تواعد الحجبة، قال مسافع وأنا فيهم. فلما دخل ابن الزبير في الصلاة - حسبت الظهر - خرج الحجبة بالركن من الصفوف وأنا فيهم، فرفعناه، فجاء حمزة بن عبد الله بن الزبير فأخذ بطرف الثوب فرفع معنا. وأخبرني مسافع أن الركن أخذ عرض [الضفير - ضفير] (٢) البيت. ٢٥١ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن ابن جريج، وعبد الله بن عمر بن حفص، عن منصور بن عبد الرحمن (٣) الحجبي، عن أمه، قالت: كان الحجر الأسود قبل الحريق مثل لون المقام، فلما احترق اسود، قال: فلما احترقت الكعبة؛ تصدع بثلاث فرق، فشده ابن الزبير بالفضة.

стр. 300

٢٥٢ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وأخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن علي بن زيد، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت ابن الزبير هدمها كلها، فلما بنى وفرغ، خلق جوفها بالعنبر والمسك، ولطخ جدرها بالمسك من خارج، وسترها بالديباج، وأدخل الحجر فيها، ورد الركن الأسود في موضعه، وكان قد انكسر بثلاث فرق من الحريق الذي أصاب الكعبة، فكان (١) الركن عند ابن الزبير في بيته في صندوق عليه قفل. فلما بلغ البناء موضع الركن جاء ابن الزبير حتى وضعه هو بنفسه وشده بالفضة (٢)، فهو مشدود بالفضة. واعتمر من خيمة جمانة ماشيا، فرأى الناس أن قد أحسن ابن الزبير، ولبى حتى نظر إلى البيت. ٢٥٣ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: أخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن ابن جريج، عن عبد الله (٣) بن عبيد بن عمير، قال: وفد الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على عبد الملك بن مروان، فقال له عبد الملك: ما أظن أن أبا خبيب - يعني ابن الزبير - سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها. قال الحارث: أنا سمعته منها، قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: سمعتها تقول: قال رسول الله ﷺ : «إن قومك استقصروا في بنيان الكعبة، ولولا حداثة قومك بالشرك؛ لأعدت (٤) فيها ما

стр. 301

تركوا منها. فإن بدا لقومك أن يبنوها، فهلمي لأريك ما تركوا من البيت». فأراها قريبا من سبع أذرع. ٢٥٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن عطاف بن خالد المخزومي، عن أبيه، عن قبيصة بن ذؤيب، قال: سمعته يقول: لقد كان عبد الملك بن مروان ندم حين هدم البيت ورده على بنيانه الأول. وقال (١): ليتني كنت حملت ابن الزبير وما تحمل. ٢٥٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن إبراهيم بن شعيب - مولى لقريش - عن المسور بن رفاعة، عن محمد بن كعب القرظي، قال: لما حج سليمان بن عبد الملك - وهو خليفة - طاف بالبيت وأنا إلى جنبه. قال: كيف كان بناء الكعبة حين بناها ابن الزبير؟ فأشار له عمر بن عبد العزيز - وهو إلى جنبه من الشق الآخر - إلى ما كان ابن الزبير فعل، وأنه جعل لها بابين، وأدخل الحجر في البيت. فقال سليمان: ليت أن أمير المؤمنين - يعني عبد الملك بن مروان (٢) - كان ولى ابن الزبير ما تولى من ذلك. فقال له عمر بن عبد العزيز: أما إني سمعته يقول: ليت أني تركت ابن الزبير وما تحمل. قال سليمان: أنت سمعته يقول [ذلك] (٣)؟ قال: نعم. ثم التفت إلى محمد بن كعب، فقال (٤): كم طولها؟ قال: سبعة وعشرون ذراعا. قال: وعلى ذلك كانت؟ قال:

стр. 302

لا. قال: فكم كانت؟ قال: كانت على عهد النبي (١) ﷺ ثماني (٢) عشرة ذراعا. قال: فمن زاد فيها؟ قال: ابن الزبير. قال سليمان: لولا [أنه] (٣) أمر كان أمير المؤمنين فعله، لأحببت أن أردها على ما بناها ابن الزبير (٤)، ثم قال: علي بحجاب البيت. فدخل هو، وعمر بن عبد العزيز، ومحمد بن كعب القرظي. فجعل سليمان ينظر إلى ما فيها من الحلي، فقال لابن كعب: ما هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، أقره رسول الله ﷺ يوم فتحه (٥) مكة، ثم أقرته (٦) الولاة بعده؛ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية. قال: صدقت (٧). ما جاء في مقلع الكعبة ومن أين قلع (٨) ٢٥٦ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، قال: لما أراد ابن الزبير هدم الكعبة، سأل رجالا (٩) من أهل مكة، من أين كانت قريش أخذت حجارة الكعبة حين بنتها؟ فأخبر أنهم بنوها من حراء، ومن

стр. 303

ثبير (١)، ومن المقطع، وهو الجبل المشرف على مسجد القاسم بن عبيد بن خلف بن الأسود الخزاعي، على يمين من أراد المشاش (٢) من مكة، مشرفا على الطريق. وإنما سمي المقطع؛ لأنه جبل صلب الحجارة، فكان يوقد بالنار ثم يقطع. ويقال: إنما سمي المقطع؛ لأن أهل الجاهلية من أهل مكة كانوا إذا خرجوا من مكة؛ قلدوا أنفسهم ورواحلهم من عضاه (٣) الحرم. فإذا لقيهم أحد، قالوا: هذا من أهل الله، فلا يعرض له، حتى إذا دخلوا الحرم أمنوا فصاروا عند المقطع، فقطعوا قلائدهم وقلائد رواحلهم التي من عضاء الحرم هنالك، فسمي بذلك: المقطع، [وهو من قافية] (٤) الخندمة. والخندمة (٥): جبل في ظهر أبي قبيس، [في] (٦) ظهرها المشرف على دار ابن صيفي المخزومي، في شعب آل سفيان دون شعب الخوز (٧)، وذلك الموضع على يمين من انحدر من الثنية التي يسلك فيها من شعب ابن عامر إلى شعب آل سفيان، ثم إلى منى. وهذا الموضع مرتفع في الجبل، موضع مقلعه بين، بين هذه الثنية وبين الثنية التي تشرف على شعب الخوز، يسلك منها من منى إلى مكة من سلك شعب الخوز، ومن جبل عند الثنية البيضاء التي في طريق جدة، وهو الجبل المشرف على ذي طوى، ويقال له: حلحلة. وقال أبو الوليد: قال جدي: ومنه بنيت دار العباس بن محمد التي على

стр. 304

الصيارفة بمكة، ومن جبل بأسفل مكة، على يسار من الحدر من ثنية بني عضل، ويقال لهذا الجبل: مقلع الكعبة، ومن مزدلفة من حجر بها يقال له: المفجري. فهذه الجبال السبعة التي يعرفها أهل العلم من أهل مكة أنها مقلع الكعبة. قال مسلم بن خالد: ولم يثبت عندنا أنها بنيت من غير هذه الأجبل. ذكر معاليق الكعبة وقرني الكبش ومن علق تلك المعاليق ٢٥٧ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثني ابن عيينة، عن [منصور] (١) بن عبد الرحمن الحجبي، عن خاله مسافع بن شيبة، عن صفية بنت شيبة: أن امرأة من بني سليم ولدت عامتهم، قالت لعثمان بن طلحة: لم دعاك النبي ﷺ بعد خروجه من البيت؟ قال: قال لي: إني رأيت قرني الكبش في البيت، فنسيت أن آمرك [أن] (٢) تخمرهما، فخمرهما (٣)، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل مصليا. قال سفيان (٤): وهو الكبش الذي فدي به ابن إبراهيم ﷺ . ٢٥٨ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني محمد بن يحيى، عن سليم بن مسلم،

стр. 305

عن عمر (١) بن قيس، أنه كان يقول: كان قرنا (٢) الكبش في الكعبة، فلما هدمها ابن الزبير وكشفها؛ وجدوهما في جدار الكعبة مطليين بمشق (٣). قال: فتناولهما، فلما مسهما همدا من الأيدي. ٢٥٩ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال محمد بن يحيى، عن هشام بن سليمان (٤)، عن ابن جريج، عن عبد الله بن شيبة بن عثمان، قال: سألته: هل كان في الكعبة قرنا الكبش (٥)؟ قال: نعم، كانا فيها، قلت: ورأيتهما (٦)؟ قال: حسبت أنه قال: أخبرني أبي أنه رآهما (٧). ٢٦٠ - وعن ابن جريج، عن عجوز قالت: رأيتهما وبهما مغرة (٨). ٢٦١ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن

стр. 306

أشياخه قال: لما فتح عمر بن الخطاب مدائن كسرى، كان مما بعث به إليه (١) هلالان، فبعث (٢) بهما فعلقهما في الكعبة. وبعث عبد الملك بن مروان بالشمسيتين، وقدحين من قوارير، وضرب على الأسطوانة الوسطى الذهب من أسفلها إلى أعلاها صفائح (٣). وبعث الوليد بن عبد الملك بقدحين. وبعث الوليد بن يزيد بالسرير الزينبي وبهلالين، وكتب عليهما (٤): بسم الله [الرحمن الرحيم] (٥)، أمر عبد الله الخليفة الوليد بن يزيد أمير المؤمنين، في سنة إحدى ومائة. قال أبو الوليد: أخبرنيه إسحاق بن سلمة الصائغ أنه قرأه (٦) حين خلق الكعبة. وأخبرنيه غيره (٧) من الحجبة، في (٨) سنة اثنتين (٩) وأربعين ومائتين. وبعث أبو العباس بالصحفة الخضراء، وبعث أبو جعفر المنصور بالقارورة الفرعونية. كل هذا معلق في البيت، وكان الرشيد هارون قد وضع في الكعبة قصبتين علقهما مع المعاليق، في سنة ست وثمانين ومائة، فيهما: بيعة محمد وعبد الله ابنيه، وما عقد لهما، وما أخذ عليهما من العهود.

стр. 307

وبعث المأمون بالياقوتة التي تعلق (١) كل سنة في وجه الكعبة في الموسم بسلسلة من ذهب، وبعث أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله بشمسية عملها من ذهب، مكللة بالدر الفاخر، والياقوت الرفيع، والزبرجد، بسلسلة من ذهب تعلق في وجه الكعبة في (٢) كل موسم (٣). ٢٦٢ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني سعيد بن يحيى البلخي، قال: أسلم ملك من ملوك التبت (٤)، وكان له صنم من ذهب يعبده في صورة إنسان، وكان على رأس الصنم تاج من ذهب، مكلل بخرز الجوهر، والياقوت الأحمر والأخضر، والزبرجد، وكان على سرير مربع، مرتفع من الأرض على قوائم، والسرير من فضة، وعلى السرير فرشة الديباج، وعلى أطراف الفرش أزرار من ذهب وفضة مرخاة (٥)، والأزرار على قدر الكرير في وجه السرير. فلما أسلم ذلك الملك؛ أهدى السرير والصنم إلى الكعبة (٦)؛ فبعث به إلى أمير

стр. 308

المؤمنين عبد الله المأمون هدية للكعبة - والمأمون يومئذ بمرو من خراسان (١) - فبعث به المأمون إلى الحسن بن سهل بواسط، وأمره أن يبعث به إلى الكعبة. فبعث به مع [نصير] (٢) بن إبراهيم الأعجمي - رجل من أهل بلخ من القواد (٣) - فقدم به مكة في سنة إحدى ومائتي (٤) سنة. وحج بالناس تلك السنة: إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى، فلما صدر الناس من منى؛ نصب نصير (٥) بن إبراهيم السرير وما عليه من الفرشة والصنم في وسط رحبة عمر بن الخطاب ﵁، بين الصفا والمروة، فمكث ثلاثة أيام منصوبا، ومعهم لوح من فضة مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا سرير فلان بن فلان، ملك التبت، أسلم وبعث بهذا هدية إلى الكعبة، فاحمدوا الله الذي هداه للإسلام. وكان يقف على السرير محمد بن سعيد ابن أخت نصير الأعجمي، فيقرأه على الناس بكرة وعشية، ويحمد الله إذ (٦) هدى ملك التبت إلى الإسلام. ثم دفعه إلى الحجبة وأشهد عليهم

стр. 309

بقبضه، فجعلوه في خزانة الكعبة في دار شيبة بن عثمان (١)، حتى استخلف حمدون بن علي بن عيسى بن ماهان يزيد بن محمد بن حنظلة (٢) المخزومي على مكة (٣)، وخرج إلى اليمن، فخالفه إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي إلى مكة مقبلا من (٤) اليمن، فسمع به يزيد بن محمد، فخندق على مكة، وشكها (٥) بالبنيان من أنقابها، وأرسل إلى الحجبة [فأخذ] (٦) السرير وما عليه منهم، فاستعان به على حربه، وقال: أمير المؤمنين يخلفه لها، وضربه دنانير ودراهم، وذلك في سنة اثنتين ومائتين، فبقي التاج واللوح في الكعبة إلى اليوم (٧). نسخة ما في اللوح الذي في جوف الكعبة الذي كان مع السرير بسم الله الرحمن الرحيم. أمر عبد الله الإمام المأمون أمير المؤمنين - أكرمه الله- ذا (٨) الرياستين الفضل بن سهل، بالبعثة بهذا السرير من خراسان إلى بيت الله الحرام، في سنة مائتين، وهو سرير الأصبهبذ (٩) كابل شاه بعد مهرب (١٠) بني كابل

стр. 310

شاه، المحمول تاجه إلى مكة، المخزون سريره في بيت مال المسلمين بالمشرق، في سنة سبع وتسعين ومائة. ومن نبأ أمر (١) الأصبهبذ: أنه أضعف عليه الخراج والفدية عن بلاد كابل (٢) والقندهار (٣)، ونصبت المنابر وبنيت المساجد فيها، وخرج الأصبهبذ كابل شاه نازلا عن سريره هذا، خاضعا مستسلما، حتى حاول حدود كابل وأرض الطخارستان (٤)، ووضع يده في يد صاحب خيل (٥) ذي الرياستين، على ما سامه ذو الرياستين من خطة الذل للدين ولإمام المسلمين. ثم أقام البريد من القندهار (٦) إلى الباميان (٧)، وأضاف بلاد كابل والقندهار (٨) إلى بلاد خراسان، وأذعن للوالي مع الجنود مقيما (٩) حدود الإسلام، عاملا بأحكامه فيه وفيمن اختار الإسلام معه، وأقام على العهد في مملكته. وسير الإمام - أكرمه الله - الرايات الخضر (١٠) على يدي ذي الرياستين إلى

стр. 311

القشمير (١) وفي ناحية التبت ما سيرها، فأظهره الله [على] (٢) بوخان (٣) [وراور] (٤) بلاد بللور (٥) صاحب جبل خاقان وجبل التبت (٦)، وبعث (٧) به إلى العراق مع فرسان التبت. ومن ناحية [السرير] (٨) ما طلب على باراب (٩) وشاوغر (١٠) وعزور اول (١١) وبلاد (١٢) [أطرار] (١٣)، وقتل قائد الثغر، وسبى أولاد جيغوية (١٤)

стр. 312

الخرلجي (١) مع خاتوناته (٢) بعد إحجاره إياه ببلاد (٣) كيماك (٤)، وبعد عليه ما غلب على مدينة كاسان (٥)، وبعث [بمفاتيح] (٦) قلاع فرغانة (٧) إلى العرب. فمن قرأ هذه السطور (٨) فليعن على تعزيز الإسلام، وتذليل الشرك بقول أو فعل؛ فإن ذلك واجب على الناس تعزيزا للدين، إذا قامت به الأئمة، ومن أراد الزهد والجهاد وأبواب البر (٩) والمعاونة على ما يكسب الإسلام كهذا العز وهذه المفاخرة، وقد نسخنا ما كان حفر على صفيحة (١٠) تاج مهرب بني كابل شاه في سنة سبع وتسعين (١١) ومائة على هذا اللوح. ومن نصر دين الله نصره (١٢)، لقوله ﵎: ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾ [الحج: ٤٠].

стр. 313

[وكتب] (١) الحسن بن سهل صنو ذي الرياستين في سنة مائتين (٢). وشخص أمير المؤمنين هارون الرشيد من الرقة (٣) يريد الحج، يوم الاثنين لسبع ليال بقين من شهر رمضان، سنة ست وثمانين ومائة، فلم يدخل مدينة السلام، ونزل منزلا منها على سبعة (٤) فراسخ (٥) على شاطئ الفرات، يقال له: الدارات، وقد بني له بها منزل، ثم شخص خارجا ومعه الأمين ولي العهد محمد (٦) بن أمير المؤمنين، والمأمون ولي العهد من بعده عبد الله بن أمير المؤمنين، ومعه جميع وزرائه وقرابته، فعدل إلى المدينة من الربذة (٧) وقدمها فأقام بها يومين، لم يصنع في أول يوم منهما (٨) شيئا إلا الصلاة في المسجد، والتسليم على النبي ﷺ . وجلس في [اليوم] (٩) الثاني في المقصورة حيال المنبر، فأمر بالمقصورة فغلقت كلها، ودعا بدفاتر العطاء فأخرج في يومه ذلك لأهل العطاء ثلاثة أعطية، وبدأ بالعطاء بنفسه فنودي باسمه، ووزن له عطاؤه فجعله في كمه (١٠). ثم فعل ذلك بالأمين والمأمون، ثم ببني هاشم المبدئين (١١) في الدعوة على غيرهم؛ فأعطوا كذلك بقية عشيتهم، ثم قام إلى منزله، وأصبح غاديا من المدينة إلى مكة.

стр. 314

فلما قدمها عزل العثماني (١) - صهره - محمد بن عبد الله عن صلاة مكة، وولى مكانه سليمان بن جعفر بن سليمان. فلما كان قبل التروية بيوم - بعد الصبح - صعد المنبر فخطب خطبة الحج، ثم فتح له باب البيت فدخله وحده ليس معه غيره، وقام [مسرورا] (٢) على باب البيت، وأجيف أحد المصراعين، فمكث فيه طويلا في جوف الكعبة، ثم دعا بالأمين محمد ولي العهد، فكلمه طويلا في جوف الكعبة، ثم دعا بالمأمون عبد الله، ففعل (٣) مثل ذلك، ثم دعا سليمان بن أبي جعفر، ثم دعا الفضل (٤) بن الربيع، ثم بعيسى بن جعفر، وجعفر بن جعفر، وجعفر بن موسى أمير المؤمنين جميعا، فدخلوا عليه جميعا. ثم دخل بعدهم الحارث، وأبان ومحمد بن خالد، وعبيد بن يقطين، ونظراؤهم. ودعا بيحيى بن خالد - ولم يكن حاضرا - فأتي به معجلا حتى دخل، ودعا بجعفر بن يحيى. ثم كتب وليا العهد كل واحد منهما على نفسه كتابا لأمير المؤمنين، فيما أخذ على كل واحد منهما لصاحبه، وتوكد (٥) فيه عليهما بخط يده. وحضرت صلاة الظهر من قبل فراغهم، فنزل أمير المؤمنين فصلى بهم الظهر، ثم عاد (٦) إلى الكعبة، فكان فيها إلى أن فرغوا من الكتابين، وأحضر (٧) الناس - سوى من سمينا - قاضي مكة: محمد بن عبد الرحمن [المخزومي] (٨)، وأسد بن [عمر] (٩).

стр. 315

قاضي مدينة الشرقية (١)، ومن بعض حجبة البيت. [ثم] (٢) حضرت صلاة العصر عند فراغهم؛ فنزل أمير المؤمنين فصلى بهم، ثم طافوا سبعا، ثم دخل منزله [من] (٣) دار العجلة، وأمر بحبس (٤) من حضر من الهاشميين وغيرهم ليشهدوا على الكتابين، وأرسل إلى سليمان بن [أبي] (٥) جعفر، وعيسى بن جعفر، وجعفر بن موسى، وقد كانوا انصرفوا، فردوا من منازلهم فجاءوا متضجرين، وأخرج إليهم الكتابين وقد وضع عليهما الطين، وليس عليهما من الخواتيم إلا خاتما ولي العهد، فقرئا على جميع من حضر ليشهدوا عليه، ولم يثبت (٦) في الكتابين إلا أسماء من كان في الكعبة حيث كتب [الكتابان] (٧) ولم يختم غيرهم، ولم يكن [الكتابان طينا، ولا طويا] (٨)، ولا ختما في جوف الكعبة. ثم أمر أمير المؤمنين - بعد أن شهد (٩) على الكتابين- أن يعلقا في داخل الكعبة قبالة بابها، مع المعاليق التي فيها؛ حيث يراهما الناس، وضمنهما (١٠) الحجبة واستحلفهم على حفظهما والقيام بهما، وأن [يصونوهما ويعلقوهما] (١١) في

стр. 316

وقت الحج منشورين. وصنع لهما قصبتان (١) من ذهب، وكللوهما بفصوص الياقوت والزبرجد واللؤلؤ. ثم انصرف أمير المؤمنين بعد قضاء نسكه (٢)، فسار (٣) مقتصدا لم (٤) يعدو المراحل حتى وافى الكوفة (٥). نسخة الكتابين اللذين كتبا في بطن الكعبة اللذين شهد (٦) عليهما ونسخة الشرط الذي كتبه محمد بن أمير المؤمنين في بطن الكعبة بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه له محمد بن أمير المؤمنين هارون، في صحة من بدنه [وعقله] (٧)، وجواز من أمره، طائعا غير مكره وأن (٨) أمير المؤمنين هارون ولأني العهد من بعده، وجعل لي البيعة في رقاب المسلمين جميعا، وولى أخي عبد الله بن أمير المؤمنين هارون العهد والخلافة، وجميع أمور المسلمين بعدي، برضاء مني وتسليم، طائعا غير مكره، وولاه خراسان بثغورها، وكورها، وجنودها، وخراجها، وطرزها، وبريدها، وبيوت أموالها، وصدقاتها، وعشرها، وعشورها، وجميع أعمالها، في حياته وبعد وفاته، فشرطت لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين علي الوفاء بما جعل له أمير المؤمنين هارون من البيعة، والعهد، وولاية الخلافة، وأمور المسلمين بعدي، وتسليم ذلك له، وما جعل له من ولاية خراسان وأعمالها، وما أقطعه أمير المؤمنين

стр. 317

هارون من قطيعة، وجعل له من عقدة أو ضيعة من ضياعه وعقده، أو ابتاع له من الضياع والعقد، وما أعطاه في حياته وصحته من مال، أو حلي، [أو جوهر، أو متاع] (١)، أو كسوة، أو رقيق، أو منزل، أو دواب، أو قليل، أو كثير، فهو لعبد الله [بن] (٢) أمير المؤمنين موفرا عليه، مسلما له. وقد عرفت ذلك كله شيئا شيئا، باسمه وأصنافه ومواضعه؛ أنا وعبد الله بن هارون أمير المؤمنين، فإن اختلفنا في شيء منه؛ فالقول فيه قول عبد الله بن هارون أمير المؤمنين، لا أتبعه بشيء من ذلك، ولا أخذه منه، ولا [أنتقصه] (٣) صغيرا ولا كبيرا، ولا من ولايته (٤) خراسان، ولا غيرها مما ولأه أمير المؤمنين من الأعمال، ولا أعزله عن شيء منها، ولا أخلعه، ولا أستبدل به غيره، ولا أقدم قبله في العهد والخلافة أحدا من الناس جميعا، ولا أدخل عليه مكروها في نفسه ودمه، ولا شعره، ولا بشره، ولا خاص ولا عام من أموره وولايته، ولا أمواله، ولا قطائعه، ولا عقده. ولا أغير عليه [سببا] (٥) من الأسباب، ولا آخذه (٦) ولا أحدا من عماله وكتابه وولاة [أمره] (٧) ممن صحبه وأقام معه بمحاسبة، ولا أتتبع شيئا مما جرى على يديه وأيديهم في ولايته خراسان وأعمالها، وغيرها مما ولاه (٨) أمير المؤمنين، في حياته وصحته من الجباية، والأموال، والطرز، والبريد، والصدقات، والعشر، والعشور، وغير ذلك، ولا أمر بذلك أحدا من الناس، ولا أرخص فيه

стр. 318

لغيري. ولا أحدث فيه نفسي بشيء أمضيه عليه، ولا ألتمس (١) قطيعته، ولا أنقض شيئا مما جعل له هارون أمير المؤمنين، وأعطاه في حياته وخلافته وسلطانه، من جميع ما سميت في كتابي هذا، وآخذ له علي [وعلى] (٢) جميع الناس البيعة، ولا أرخص لأحد من الناس كلهم [في جميع ما ولاه، ولا] (٣) في خلعه ولا في مخالفته، ولا أسمع من أحد من البرية في ذلك قولا، ولا أرضى بذلك في سر ولا علانية، ولا أغمض عليه، ولا أتغافل (٤) عليه، ولا أقبل من بر من العباد ولا فاجر، ولا صادق ولا كاذب، ولا ناصح ولا غاش، ولا قريب ولا بعيد، ولا أحد من ولد آدم ﷺ [من] (٥) ذكر ولا أنثى مشورة ولا حيلة، ولا مكيدة في شيء من الأمور، سرها وعلانيتها، وحقها وباطلها، وباطنها وظاهرها، ولا سبب من الأسباب أراد بذلك إفساد شيء مما أعطيت عبد الله بن هارون أمير المؤمنين من نفسي، وأوجبت له علي وشرطت وسميت في كتابي هذا، أو أراد (٦) به أحد من الناس أجمعين سوءا، أو مكروها، أو أراد خلعه، أو محاربته، أو الوصول إلى نفسه، ودمه، أو حرمه، أو ماله، أو سلطانه، أو ولايته، جميعا أو فرادى، مسرين ذلك (٧) أو مظهرين له، أن أنصره وأحوطه، وأدفع عنه كما أدفع عن نفسي، ومهجتي، ودمي، وشعري، وبشري، وحرمي، وسلطاني، وأجهز الجنود إليه، وأعينه على كل من غشه وخالفه، ولا أسلمه ولا أتخلى منه، ويكون أمري وأمره في ذلك واحدا أبدا ما كنت حيا.

стр. 319

وإن حدث بأمير المؤمنين حدث الموت، وأنا وعبد الله بن أمير المؤمنين بحضرة أمير المؤمنين، أو أحدنا، أو كنا غائبين عنه جميعا، مجتمعين كنا أو مفترقين، وليس عبد الله بن هارون أمير المؤمنين في ولايته بخراسان (١): فعلي لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين أن أمضيه إلى خراسان، وأسلم إليه ولايتها وأعمالها كلها، وجنودها، ولا أعوقه عنها، ولا أحبسه قبلي، ولا في شيء من البلدان دون خراسان، وأعجل اشخاصه إلى خراسان واليا عليها، وعلى جميع أعمالها، مفردا بها، مفوضا إليه جميع أعمالها كلها. وأشخص معه جميع من ضم إليه أمير المؤمنين من قواده، وجنوده، وصحابته، وكتابه، وعماله، ومواليه وخدمه، ومن تبعه من صنوف الناس بأهليهم وأموالهم، ولا أحبس عنه أحدا منهم، ولا أشرك (٢) - معه في شيء منها - أحدا، ولا أرسل عليه أمينا، ولا كاتبا، ولا بندار (٣)، ولا أضرب على يديه في قليل ولا كثير. وأعطيت هارون أمير المؤمنين وعبد الله بن هارون على ما شرطت لهما على نفسي، من جميع ما سميت وكتبت في كتابي هذا، عهد الله وميثاقه، وذمة أمير المؤمنين وذمتي، وذمم آبائي وأجدادي (٤) وذمم المؤمنين، وأشد ما أخذ الله على النبيين والمرسلين وخلقه أجمعين، من عهوده ومواثيقه، والأيمان المؤكدة التي أمر الله بالوفاء بها، ونهى عن نقضها وتبديلها. فإن أنا نقضت شيئا مما شرطت لهارون أمير المؤمنين ولعبد الله بن هارون أمير المؤمنين، وسميت في كتابي هذا، أو حدثت

стр. 320

نفسي أن أنقض شيئا مما أنا عليه، أو غيرت، أو بدلت، أو حدثت (١)، أو (٢) غدرت، أو قبلت من أحد من الناس صغيرا أو كبيرا، برا أو فاجرا، ذكرا أو أنثى، أو جماعة أو فرادى، فبرئت من الله، ومن ولايته، ومن (٣) دينه، ومن محمد رسول الله ﷺ ، ولقيت الله يوم ألقاه كافرا (٤) مشركا. وكل امرأة هي لي اليوم (٥)، أو أتزوجها (٦) إلى ثلاثين سنة؛ طالق [ثلاثا] (٧) ألبتة، طلاق الحرج. وعلي المشي إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجة؛ نذرا واجبا الله في عنقي، حافيا، راجلا، لا يقبل الله مني إلا الوفاء بذلك. وكل مال هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة؛ هديا بالغ الكعبة الحرام. وكل مملوك هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة، أحرارا لوجه الله. وكل ما جعلت لأمير المؤمنين ولعبد الله بن هارون أمير المؤمنين، وكتبته وشرطته لهما، وحلفت عليه، وسميت في كتابي هذا، [لازما] (٨) لي الوفاء به، لا أضمر غيره، ولا أنوي إلا إياه. فإن أضمرت (٩) أو نويت غيره، فهذه العهود والمواثيق والأيمان كلها لازمة لي، واجبة علي. وقواد أمير المؤمنين وجنوده، وأهل الآفاق والأمصار، وعوام المسلمين، براء من تبعتي (١٠) وخلافتي وعهدي وولايتي، وهم في حل من خلعي، وإخراجي من ولايتي عليهم، حتى أكون سوقة من السوق، ورجل من عرض.
следующие страницы →