← Книги сунны

Книги сунны · id 115123

أخبار مكة - الأزرقي - ت ابن دهيش

الأزرقي

Полный текст (955 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فإذا انقلب إلي وجدني قد ذخرت له من أجره وفضيلته ما يتمكن به القربة مني (١) والوسيلة إلي، وأفضل المنازل في دار المقام. وأجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وثناءه ومكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي، وهو أبوه يقال له: إبراهيم، أرفع له قواعده، وأقضي على يديه عمارته، وأنبط (٢) له سقايته، وأريه حله وحرمه ومواقفه، وأعلمه مشاعره ومناسكه، وأجعله أمة وحده، قانتا لي، قائما بأمري (٣)، داعيا إلى سبيلي، أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم. أبتليه فيصبر، وأعافيه فيشكر، وينذر لي فيفي، ويعدني فينجز (٤). أستجيب له في ولده وذريته من بعده وأشفعه فيهم، فأجعلهم أهل ذلك البيت، وولاته، وحماته، وسقاته، وخدامه، وخزانه، وحجابه حتى يبتدعوا ويغيروا فإذا فعلوا ذلك فأنا الله أقدر القادرين على أن أستبدل من أشاء بمن أشاء، أجعل إبراهيم إمام أهل ذلك البيت، وأهل تلك الشريعة، يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الإنس والجن، يطئون فيها آثاره، ويتبعون فيها سنته، ويقتدون فيها بهديه، فمن فعل ذلك منهم وفى (٥) نذره، واستكمل نسكه. ومن لم يفعل ذلك منهم ضيع نسكه، وأخطأ بغيته. فمن سأل عني يومئذ في تلك المواطن أين أنا؟ فأنا مع الشعث الغبر، الموفين بنذورهم، المستكملين مناسكهم، المبتهلين إلى ربهم، الذي يعلم ما يبدون وما يكتمون، وليس هذا (٦) الخلق ولا هذا الأمر الذي قصصت عليك شأنه يا آدم بزائدي في ملكي، ولا عظمتي، ولا سلطاني، ولا شيء مما عندي إلا كما زادت

стр. 72

قطرة من رشاش وقعت في سبعة أبحر، تمدها من بعدها سبعة أبحر لا تحصى، بل القطرة أزيد في البحر من هذا الأمر في شيء مما عندي، ولو لم أخلقه لم ينقص شيئا من ملكي، ولا عظمتي، ولا مما عندي من الغنى والسعة، إلا كما نقصت الأرض ذرة وقعت من جميع ترابها وجبالها وحصاها ورمالها وأشجارها، بل الذرة أنقص في الأرض من هذا الأمر لو لم أخلقه لشيء مما عندي، وبعد هذا من هذا مثلا للعزيز الحكيم. ٣٣ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثني إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه، نحوه (١). باب ما جاء في البيت المعمور ٣٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني أبو سعيد، عن مقاتل يرفع الحديث إلى النبي ﷺ في حديث حدث به قال: سمي البيت المعمور أنه يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، ثم ينزلون إذا أمسوا فيطوفون بالكعبة، ثم يسلمون على النبي ﷺ ، ثم ينصرفون فلا تنالهم النوبة حتى يوم القيامة (٢).

стр. 73

٣٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن وهب بن منبه أنه وجد في التوراة بيتا في السماء بحيال الكعبة فوق قبتها اسمه (١): [الضراح] (٢)، وهو البيت المعمور، يرده كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا. ٣٦ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وسمعت جدي، عن سعيد بن سالم، قال: أخبرني ابن جريج، عن صفوان بن سليم، عن كريب مولى ابن عباس ﵁، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «البيت الذي في السماء يقال له: الضراح، وهو مثل بناء هذا البيت الحرام، لو (٣) سقط لسقط عليه، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه (٤) أبدا». ٣٧ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني محمد بن السائب الكلبي، قال: بلغني والله أعلم أن بيتا في السماء يقال له: الضراح بحيال الكعبة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك من الملائكة ما دخلوه قط قبلها.

стр. 74

٣٨ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي حسين، عن أبي الطفيل، قال: سأل ابن الكواء عليا ﵇: ما البيت المعمور؟ قال: هو الضراح، وهو حذاء هذا البيت، وهو في السماء السادسة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبدا. ٣٩ - قال أبو محمد الخزاعي (١)، وحدثني أبو عبيد الله [سعيد بن عبد الرحمن المخزومي] (٢)، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، بنحوه (٣) إلا أنه قال: «في السماء السابعة»، وقال: «لا يعودون إليه إلى يوم القيامة». ٤٠ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثني عبد الله بن معاذ الصنعاني، قال: حدثني معمر، عن وهب بن عبد الله، عن أبي الطفيل، قال: شهدت عليا ﵇ وهو يخطب وهو يقول: سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا حدثتكم به. وسلوني عن كتاب الله ، فوالله ما منه آية إلا وأنا أعلم [أنها بليل نزلت أم بنهار] (٤)، أم بسهل نزلت أم بجبل. فقام ابن الكواء - وأنا بينه وبين علي ﵇ وهو خلفي-

стр. 75

قال: أفرأيت البيت المعمور، ما هو؟ قال: ذلك الضراح فوق سبع سماوات تحت العرش، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه إلى يوم القيامة. باب ما جاء في رفع البيت المعمور من الغرق وما جاء فيه ٤١ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: بلغني أنه لما خلق الله تعالى السموات والأرض كان أول شيء وضعه [فيها] (١) البيت الحرام، وهو يومئذ ياقوتة حمراء جوفاء، لها بابان: أحدهما شرقي والآخر غربي، فجعله مستقبل البيت المعمور. فلما كان زمن (٢) الغرق رفع في ديباجتين، فهو فيهما إلى يوم القيامة، واستودع الله تعالى الركن أبا قبيس. ٤٢ - قال: وقال ابن عباس ﵁: كان ذهبا فرفع زمن (٣) الغرق. ٤٣ - وقال ابن جريج: قال جويبر: كان بمكة البيت المعمور، فرفع زمن الغرق فهو في السماء. ٤٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان

стр. 76

بن ساج، أخبرني أبو سعيد، عن مقاتل يرفع الحديث إلى النبي ﷺ في حديث حدث به أن آدم ﵇ قال: أي رب، إني أعرف شقوتي، إني لا أرى شيئا من نورك يعبد. فأنزل الله تعالى عليه البيت المعمور على عرض البيت في موضعه من ياقوتة حمراء، ولكن طوله كما بين السماء والأرض، وأمره أن يطوف به، فأذهب الله عنه الغم الذي كان يجده قبل ذلك، ثم رفع على عهد نوح ﵇. باب بناء ولد آدم ﵇ البيت الحرام بعد موت آدم صلوات الله عليه ٤٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن وهب بن منبه أنه قال: لما رفعت الخيمة [التي] (١) عزى الله بها آدم ﵇ من حلية الجنة حين وضعت له بمكة في موضع البيت، ومات آدم ﵇، فبنى بنو آدم من بعده مكانها بيتا بالطين والحجارة، فلم يزل معمورا يعمرونه هم ومن بعدهم، حتى كان زمن نوح ﵇ فنسفه الغرق وغير مكانه حتى بوئ لإبراهيم ﵇.

стр. 77

باب طواف سفينة نوح ﵇ زمن الغرق بالبيت الحرام ٤٦ - قال: حدثني أبو الوليد، قال: حدثنا مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثنا بشر بن السري البصري، عن داود بن أبي الفرات الكندي، عن علباء بن [أحمر] (١) اليشكري، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁، قال: كان مع نوح ﵇ في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم، وإنهم كانوا في السفينة مائة [وخمسين] (٢) يوما، وإن الله تعالى وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوما، ثم وجهها الله تعالى إلى الجودي، قال: فاستقرت عليه. فبعث نوح الغراب ليأتيه بخبر الأرض، فذهب فوقع على الجيف وأبطأ عنه. فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت رجليها بالطين، فعرف نوح ﵇ أن الماء قد نضب، فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها ثمانين، فأصبحوا ذات يوم قد تبلبلت السنتهم على ثمانين لغة إحداها العربي. قال: فكان (٣) لا يفقه بعضهم عن بعض، وكان نوح ﵇ يعبر عنهم. باب أمر الكعبة بين نوح وإبراهيم (٤) ﵉ ٤٧ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن ابن

стр. 78

جريج، عن مجاهد: أنه كان موضع الكعبة قد خفي ودرس زمن (١) الغرق فيما بين نوح وإبراهيم ﵉. قال: وكان موضعه أكمة حمراء مدرة لا تعلوها السيول، غير أن الناس يعلمون أن موضع البيت فيما هنالك (٢) ولا يثبت موضعه. وكان يأتيه المظلوم والمتعوذ من أقطار الأرض، ويدعو عنده المكروب، فقل من دعا هنالك إلا استجيب له. وكان الناس يحجون إلى مكة إلى موضع البيت، حتى بوأ الله تعالى مكانه لإبراهيم ﵇ لما أراد من عمارة بيته وإظهار دينه وشعائره (٣). فلم يزل منذ أهبط الله تعالى آدم ﵇ إلى الأرض معظما محرما بيته، تتناسخه الأمم والملل أمة بعد أمة، وملة بعد ملة. قال: وقد كانت الملائكة تحجه قبل آدم ﵇. باب ما ذكر من تخير إبراهيم ﵇ موضع البيت الحرام من الأرض ٤٨ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: بلغنا - والله أعلم - أن إبراهيم ﵇ عرج به إلى السماء، فنظر إلى الأرض مشارقها ومغاربها فاختار موضع الكعبة. فقالت له الملائكة ﵈: يا خليل الله اخترت حرم الله سبحانه في الأرض. قال: فبناه من حجارة سبعة أجبل، قال: ويقولون: خمسة. وكانت الملائكة ﵈ تأتي بالحجارة إلى إبراهيم - صلوات الله عليهم

стр. 79

أجمعين - من تلك الجبال. باب ما جاء [في] (١) إسكان إبراهيم ﵇ ابنه إسماعيل وأمه [هاجر] (٢) في بدء أمره (٣) عند البيت الحرام كيف كان ٤٩ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، أخبرني محمد بن إسحاق، قال: أخبرنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أن الله تعالى لما بوأ لإبراهيم صلوات الله عليه مكان البيت خرج إليه من الشام، وخرج معه ابنه إسماعيل وأمه هاجر، وإسماعيل طفل يرضع، وحملوا - فيما يحدثني - على البراق. ٥٠ - قال عثمان بن ساج: وحدثنا عن الحسن البصري أنه كان يقول في صفة البراق عن النبي ﷺ قال (٤): أتاني جبريل ﵇ بدابة بين الحمار والبغل، لها جناحان في فخذيها يحفزانها، تضع حافرها [في] (٥) منتهى طرفها. قال عثمان: قال محمد بن إسحاق: ومعه جبريل ﵇ يدله على موضع البيت ومعالم الحرم. قال: فخرج وخرج معه، لا يمر إبراهيم ﵇ بقرية من القرى إلا قال: يا جبريل أبهذه أمرت؟ فيقول له جبريل ﵇:

стр. 80

امضه. حتى قدم مكة وهي إذ ذاك عضاه (١) من سلم وسمر، وبها ناس يقال لهم: العماليق (٢) خارجا من مكة فيما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة. فقال إبراهيم الجبريل ﵇: أها هنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم. قال: فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل [أن] (٣) تتخذ فيه عريشا (٤)، ثم قال: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع … الآية﴾ [إبراهيم: ٣٧]. ثم انصرف إلى الشام وتركهما عند البيت الحرام. ٥١ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، قال: حدثني مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي، عن سعيد بن جبير، قال: حدثني عبد الله بن عباس ﵁: أنه حين كان بين أم إسماعيل بن إبراهيم وبين سارة امرأة إبراهيم ﵇ ما كان، أقبل إبراهيم بأم إسماعيل وإسماعيل ﵇ وهو صغير ترضعه، حتى قدم بهما مكة، ومع أم إسماعيل شنة (٥) فيها ماء تشرب منها وتدر على ابنها، وليس معها زاد. يقول سعيد بن جبير: قال ابن عباس ﵁: فعمد بهما إلى دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد - يشير لنا بين البئر وبين الصفة- يقول: فوضعهما تحتها، ثم توجه إبراهيم ﵇ خارجا على دابته، واتبعت أم إسماعيل أثره حتى أوفى إبراهيم ﵇ بكداء.

стр. 81

يقول ابن عباس ﵁: فقالت له أم إسماعيل: إلى من تتركها وابنها؟ … فقال (١): إلى الله ، قالت: رضيت بالله تعالى. فرجعت أم إسماعيل تحمل ابنها حتى قعدت تحت الدوحة، فوضعت ابنها إلى جنبها، وعلقت شئتها تشرب منها وتدر على ابنها حتى فني ماء شنتها، فانقطع درها فجاع ابنها. واشتد (٢) جوعه، حتى نظرت إليه أمه يتشحط (٣). قال: فخشيت أم إسماعيل أنه يموت فأحزنها. يقول ابن عباس ﵁ قالت أم إسماعيل: لو تغيبت عنه حتى لا أرى موته. يقول ابن عباس: فعمدت أم إسماعيل إلى الصفا حين رأته مشرفا تستوضح عليه أي: ترى أحدا بالوادي، ثم نظرت إلى المروة، ثم قالت: لو مشيت بين هذين الجبلين [تعللت] (٤) حتى يموت الصبي ولا أراه. قال ابن عباس ﵁: فمشت بينهما أم إسماعيل ثلاث مرات أو أربع (٥)، ولا تجيز بطن الوادي [في] (٦) ذلك إلا رملا. يقول ابن عباس: ثم رجعت أم إسماعيل إلى ابنها فوجدته ينشغ (٧) كما تركته، فأحزنها، فعادت إلى الصفا تعلل حتى يموت ولا تراه، فمشت بين الصفا والمروة كما مشت أول مرة.

стр. 82

يقول ابن عباس ﵁: حتى كان مشيها (١) بينهما سبع مرات. قال ابن عباس ﵁: قال أبو القاسم ﷺ : «ولذلك (٢) طاف الناس بين الصفا والمروة». قال: فرجعت أم إسماعيل تطالع ابنها فوجدته كما تركته ينشغ، فسمعت صوتا فراث (٣) عليها ولم يكن معها أحد غيرها، فقالت: قد أسمع صوتك فأغثني إن كان عندك [خير] (٤). قال: فخرج لها جبريل ﵇ فاتبعته حتى ضرب برجله مكان البئر - يعني زمزم - فظهر ماء فوق الأرض حيث فحص جبريل ﵇ برجله (٥). يقول ابن عباس ﵁: قال أبو القاسم ﷺ : «فحاضته أم إسماعيل بتراب ترده (٦) خشية أن يفوتها قبل أن تأتي بشنتها، فاستقت وشربت ودرت على ابنها». ٥٢ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني [محمد] (٧) بن إسحاق، قال: بلغني أن ملكا أتى هاجر أم إسماعيل حين أنزلها إبراهيم ﵇ بمكة (٨) قبل أن يرفع إبراهيم وإسماعيل ﵉ القواعد من البيت، فأشار لها إلى البيت، وهو ربوة

стр. 83

حمراء مدرة، فقال (١): هذا أول بيت وضع للناس في الأرض، وهو بيت الله العتيق، واعلمي أن إبراهيم وإسماعيل ﵉ يرفعانه للناس. ٥٣ - قال ابن جريج وبلغني أن جبريل ﵇ حين هزم بعقبه في موضع زمزم قال لأم إسماعيل - وأشار لها إلى موضع البيت -: هذا أول بيت وضع للناس، وهو بيت الله العتيق، واعلمي أن إبراهيم وإسماعيل يرفعانه للناس ويعمرانه، فلا يزال معمورا محرما مكرما إلى يوم القيامة. قال ابن جريج: فماتت أم إسماعيل قبل أن يرفعه إبراهيم وإسماعيل ﵉، ودفنت في موضع الحجر. ٥٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني علي بن [عبيد الله] (٢) بن الوازع، عن أيوب السختياني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁: أن الملك الذي أخرج زمزم لهاجر قال لها: وسيأتي أبو هذا الغلام فيبني بيتا هذا مكانه - وأشار (٣) إلى موضع البيت - ثم انطلق الملك. باب ما ذكر من نزول جرهم مع أم إسماعيل في الحرم ٥٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، عن مسلم بن خالد الزنجي، عن

стр. 84

ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن [سعيد] (١) بن جبير، عن ابن عباس ﵁، قال: لما أخرج الله ماء زمزم لأم إسماعيل، بينما هي على ذلك مر ركب من جرهم قافلين من الشام في الطريق السفلى، فرأى الركب الطير على الماء، فقال بعضهم: ما كان بهذا الوادي من ماء ولا أنيس. يقول ابن عباس ﵁: فأرسلوا جريين لهم حتى أتيا أم إسماعيل فكلماها، ثم رجعا إلى ركبهما فأخبراهم بمكانها. قال: فرجع الركب كلهم حتى حيوها، فردت عليهم، فقالوا (٢): لمن هذا الماء؟ قالت أم إسماعيل: هو لي، قالوا لها: أتأذنين لنا أن ننزل معك عليه؟ قالت: نعم. يقول ابن عباس ﵁: قال أبو القاسم ﷺ : «ألفى ذلك أم إسماعيل، وقد أحبت الأنس» فنزلوا وبعثوا إلى أهليهم (٣) فقدموا إليهم فسكنوا (٤) تحت الدوح، واعترشوا عليها العرش، فكانت معهم هي وابنها، حتى ترعرع الغلام ونفسوا فيه وأعجبهم. وتوفيت أم إسماعيل وطعامهم الصيد، يخرجون من الحرم ويخرج معهم إسماعيل فيصيد، فلما بلغ أنكحوه جارية منهم. قال: وهي (٥) في كتاب المبتدأ عن عباد، عن سلمة (٦)، عن محمد بن إسحاق: اسم امرأة إسماعيل «عمارة بنت سعيد بن أسامة». يقول ابن عباس ﵁: فأقبل إبراهيم ﵇ من الشام يقول: حتى أطالع تركتي. فأقبل إبراهيم ﵇ حتى قدم مكة، فوجد امرأة

стр. 85

إسماعيل فسألها عنه، فقالت: هو غائب - ولم تلن له في القول - فقال لها إبراهيم ﵇: قولي لإسماعيل: قد جاء بعدك شيخ كذا وكذا، وهو يقرأ عليك السلام ويقول لك: غير عتبة بيتك فإني لم أرضها [لك] (١). يقول ابن عباس ﵁: وكان إسماعيل ﵇ كلما جاء سأل أهله: هل جاءكم أحد بعدي؟ فلما رجع سأل أهله، فقالت امرأته: قد جاء بعدك شيخ فنعتته له. فقال لها إسماعيل ﵇: قلت له شيئا؟ قالت: لا، قال: فهل قال لك [من] (٢) شيء؟ قالت: نعم، اقرئي عليه¬ السلام وقولي له: غير عتبة بيتك فإني لم أرضها لك (٣). قال إسماعيل ﵇: أنت عتبة بيتي، فارجعي إلى أهلك. فردها إسماعيل ﵇، فأنكحوه امرأة أخرى. يقول ابن عباس ﵁: ثم لبث إبراهيم ﵇ ما شاء الله أن يلبث، ثم رجع إبراهيم صلوات الله عليه فوجد إسماعيل ﵇ غائبا، ووجد امرأته الآخرة (٤). فوقف فسلم، فردت عليه¬ السلام واستنزلته، وعرضت عليه الطعام والشراب، فقال: ما طعامكم وشرابكم؟ قالت: اللحم والماء. قال: هل من حب أو غيره من الطعام؟ قالت: لا. قال: بارك الله لكم في اللحم والماء. قال ابن عباس ﵁: يقول رسول الله ﷺ : «لو وجد عندها يومئذ حبا لدعا لهم بالبركة فيه، فكانت أرضا ذات زرع». ثم ولى إبراهيم ﵇ وقال: قولي له: قد جاء بعدك شيخ فقال: إني وجدت عتبة بيتك صالحة فأقرها. فرجع إسماعيل ﵇ إلى أهله، فقال:

стр. 86

هل جاءكم من أحد (١) بعدي؟ قالت: نعم، قد جاء بعدك شيخ كذا وكذا. قال: هل (٢) عهد إليكم من شيء؟ قالت: نعم، يقول: إني وجدت عتبة بيتك صالحة فأقرها. باب ما ذكر (٣) من بناء إبراهيم ﵇ الكعبة ٥٦ - قال: حدثني أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثني مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، قال: حدثنا عبد الله بن عباس ﵁، قال: لبث إبراهيم ﵇ ما شاء الله تعالى أن يلبث، ثم جاء الثالثة فوجد إسماعيل قاعدا تحت الدوحة التي إلى (٤) ناحية البئر يبري نبلا له أو نباله، فسلم عليه ونزل إليه فقعد معه. فقال إبراهيم ﵇: يا إسماعيل إن الله (٥) أمرني بأمر، فقال (٦) إسماعيل ﵇: فأطع ربك فيما (٧) أمرك. فقال (٨) إبراهيم ﵇: أمرني ربي أن أبني له بيتا، قال له إسماعيل: فأين (٩)؟ يقول ابن عباس ﵁: فأشار (١٠) إلى أكمة مرتفعة على ما حولها،

стр. 87

عليها رضراض من حصباء، يأتيها السيل (١) من نواحيها ولا يركبها (٢). يقول ابن عباس ﵁: فقاما يحفران عن القواعد (٣) ويقولان: ربنا تقبل منا إنك سميع الدعاء، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. ويحمل له إسماعيل الحجارة على رقبته ويبني الشيخ إبراهيم ﵉، فلما ارتفع البناء وشق على الشيخ إبراهيم ﵇ تناوله، قرب له إسماعيل ﵇ هذا الحجر - يعني المقام - فكان يقوم عليه ويبني، ويحوله (٤) في نواحي البيت، حتى انتهى [إلى] (٥) وجه البيت. يقول ابن عباس ﵁: فلذلك سمي مقام إبراهيم وقيامه عليه. ٥٧ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثنا عبد الله بن معاذ الصنعاني، عن معمر، عن أيوب السختياني وكثير بن كثير، يزيد أحدهما على صاحبه، عن سعيد بن جبير، في حديث حدث به طويل عن ابن عباس ﵁، قال: فجاء إبراهيم وإسماعيل يبري نبلا له أو نباله تحت الدوحة، قريبا (٦) من زمزم. فلما رآه قام إليه [وصنعا] (٧) كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد (٨). قال معمر: وسمعت رجلا يقول: بكيا حتى أجابتهما الطير.

стр. 88

قال سعيد: فقال: يا إسماعيل! إن الله قد أمرني بأمر. قال: فأطع ربك فيما أمرك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله تعالى أمرني أن أبني له بيتا ها هنا، فعند ذلك رفع إبراهيم القواعد من البيت. ٥٨ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، قال: أخبرني ابن جريج، قال: قال مجاهد: أقبل إبراهيم صلوات الله عليه والسكينة والصرد (١) والملك من الشام، فقالت السكينة: يا إبراهيم ربض علي البيت، فلذلك لا يطوف بالبيت ملك من هذه الملوك ولا أعرابي نافر إلا رأيت عليه السكينة. ٥٩ - قال: وقال ابن جريج: أقبلت معه السكينة لها رأس كرأس الهر (٢) وجناحان. ٦٠ - قال: حدثني أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن ابن جريج، قال: قال علي بن أبي طالب ﵇: أقبل إبراهيم ﵇ والملك والسكينة والصرد دليلا حتى تبوأ البيت (٣)، كما

стр. 89

تبوأت العنكبوت بيتها. فحفر فأبرز عن ربض أمثال خلف الإبل، لا يحرك الصخرة إلا ثلاثون رجلا. قال: ثم قال الله لإبراهيم ﵇: قم فابن لي بيتا، قال: يا رب وأين؟ قال: سنريك (١). فبعث الله تعالى سحابة فيها رأس يكلم إبراهيم ﵇، فقال: يا إبراهيم إن ربك يأمرك أن تخط قدر هذه السحابة. فجعل ينظر إليها ويأخذ قدرها، فقال الرأس: أقد فعلت؟ قال: نعم. فارتفعت السحابة، فأبرز عن أس ثابت من الأرض، فبناه إبراهيم ﵇. ٦١ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: وأخبرني محمد بن أبان، عن أبي إسحاق السبيعي، عن حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب ﵇ في حديث حدث به عن زمزم قال: ثم نزلت السكينة كأنها غمامة أو ضبابة، في وسطها كهيئة الرأس يتكلم يقول: يا إبراهيم خذ قدري من الأرض لا تزدد ولا تنقص (٢)، فخط، فذلك [قدر] (٣) بكة، وما حواليه مكة. ٦٢ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن وهب بن منبه، أنه أخبر قال: لما ابتعث الله سبحانه خليله

стр. 90

إبراهيم (١) ﵇ ليبني البيت، طلب الأساس الأول الذي وضع بنو آدم في موضع الخيمة التي عزى الله تعالى بها آدم ﵇ من خيام الجنة حين وضعت له بمكة في موضع البيت، فلم يزل إبراهيم ﵇ يحفر حتى وصل (٢) القواعد التي أسس بنو آدم في زمانهم في موضع الخيمة، فلما وصل إليها أظل الله تعالى له مكان البيت بغمامة، فكانت حفاف البيت الأول، ثم لم تزل راكدة على حفافه تظل إبراهيم ﵇ وتهديه مكان القواعد حتى رفع إبراهيم ﵇ (٣) القواعد قامة، ثم انكشطت الغمامة، فذلك قوله : ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ [الحج: ٢٦] أي: الغمامة التي ركدت على الحفاف ليهتدي بها مكان القواعد، فلم يزل والحمد لله منذ يوم رفعه الله تعالى معمورا. ٦٣ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله مولى بني هاشم، قال: أخبرنا حماد، عن سماك بن حرب،

стр. 91

عن خالد بن عرعرة، عن علي بن أبي طالب ﵇ في قول الله (١) : ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧]. قال: إنه ليس بأول بيت، كان نوح في البيوت قبل إبراهيم، وكان إبراهيم في البيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس، ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا﴾ [آل عمران: ٩٧] هذه الآيات. قال: إن إبراهيم ﵇ لما أمر ببناء البيت، فضاق به ذرعا، فلم يدر كيف يبني. فأرسل الله تعالى إليه السكينة - وهي ريح خجوج (٢) - لها رأس، حتى تطوقت مثل الحجفة (٣)، فبنى عليها. وكان يبني كل يوم سافا (٤)، ومكة يومئذ شديدة الحر، فلما بلغ موضع الحجر قال لإسماعيل ﵇: اذهب [فالتمس لي (٥)] حجرا أضعه هاهنا (٦). فذهب إسماعيل ﷺ يطوف في الجبال، وجاء جبريل ﵇ بالحجر، وجاء إسماعيل ﵇ فقال: من أين لك هذا الحجر؟ قال: من عند من لم يتكل على بنائي وبنائك. ثم انهدم فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته قبيلة من جرهم، ثم انهدم فبنته قريش (٧). فلما أرادوا أن يضعوا الحجر تنازعوا فيه، فقالوا: أول رجل يدخل علينا من هذا الباب فهو يضعه، فجاء رسول الله ﷺ فأمر بثوب فبسط ثم وضعه فيه، ثم قال: ليأخذ من كل قبيلة رجل من ناحية الثوب، ثم رفعوه، ثم أخذه رسول الله ﷺ فوضعه.

стр. 92

٦٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب، قال: أخبرني علي (١) ﵇، قال: أقبل إبراهيم ﵇ من أرمينية (٢) ومعه (٣) السكينة تدله حتى تبوأ البيت كما تبوأت العنكبوت بيتها، فرفعوا عن أحجار الحجر يطيقه أو لا يطيقه إلا ثلاثون رجلا. ٦٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثنا عبد الله بن معاذ الصنعاني، عن معمر، عن قتادة في قوله : ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾ (٤) [البقرة: ١٢٧] قال: التي كانت قواعد البيت قبل ذلك. ٦٦ - [قال الخزاعي: وحدثناه أبو عبيد الله، بإسناد عن سفيان مثله] (٥).

стр. 93

٦٧ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله مولى بني هاشم، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁، قال: أما والله ما بنياه بقصة ولا مدر، ولا كان معهما من الأعوان والأموال ما يسقفانه [به] (١)، ولكنهما أعلماه وطافا به. ٦٨ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن مجالد، عن الشعبي، قال: لما أمر إبراهيم ﵇ أن يبني البيت [وانتهى] (٢) إلى موضع الحجر قال لإسماعيل ﵇: ائتني بحجر ليكون علما للناس يبتدئون منه الطواف. فأتاه بحجر فلم [يرضه] (٣)، فأتي إبراهيم ﵇ بهذا الحجر، ثم قال: أتاني به من لم يكلني إلى حجرك. ٦٩ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن بشر بن عاصم، قال: أقبل إبراهيم ﵇ من أرمينية

стр. 94

معه السكينة والملك والصرد [دليلا] (١)، يتبوأ البيت كما تتبوأ (٢) العنكبوت بيتها، فرفع صخرة فما رفعها عنه إلا ثلاثون رجلا. فقالت السكينة: ابن علي، فلذلك لا يدخله أعرابي نافر ولا جبار إلا رأيت عليه السكينة. ٧٠ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثنا مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثنا بشر بن السري البصري، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: قال الله : يا آدم إني مهبط معك بيتي، يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند (٣) عرشي. فلم يزل (٤) كذلك حتى كان زمن الطوفان فرفع، حتى بوئ لإبراهيم مكانه، فبناه من خمسة أجبل من حراء، وثبير (٥)، ولبنان، والطور، والجبل الأحمر (٦). ٧١ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثنا عمر

стр. 95

بن سهل، [عن] (١) يزيد بن زريع (٢)، عن سعيد، عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت﴾ [البقرة: ١٢٧]. قال: ذكر لنا أنه بناه من خمسة أجبل من طور سيناء، ولبنان، وطور زيتا والجودي، وحراء. وذكر لنا أن قواعده من حراء. ٧٢ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، قال: حدثنا العلاء، عن عمرو بن مرة، عن يوسف بن ماهك، قال: قال عبد الله بن عمرو (٣): إن جبريل ﵇ هو الذي نزل عليه بالحجر من الجنة، وإنه وضعه حيث رأيتم، وإنكم لن تزالوا بخير ما دام بين ظهرانيكم، فتمسكوا به ما استطعتم، فإنه يوشك أن يجيء فيرجع به من حيث جاء به. ٧٣ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني محمد بن إسحاق، قال: لما أمر إبراهيم ﵇ خليل الله أن يبني البيت الحرام أقبل من أرمينية على البراق، ومعه السكينة لها وجه يتكلم، وهي بعد ريح هفافة، ومعه ملك يدله على موضع البيت، حتى

стр. 96

انتهى إلى مكة وبها إسماعيل ﵇ وهو يومئذ ابن عشرين سنة، وقد توفيت أمه قبل ذلك (١) ودفنت في موضع الحجر، فقال: يا إسماعيل إن الله تعالى قد (٢) أمرني أن أبني له بيتا. قال له إسماعيل ﵇: وأين موضعه (٣)؟ فأشار له الملك إلى موضع البيت. قال: فقاما يحفران عن القواعد وليس (٤) معهما غيرهما، فبلغ إبراهيم ﵇ [الأساس] (٥)، - أساس آدم ﵇ الأول، فحفر عن ربض في البيت، فوجد حجارة عظاما ما يطيق الحجر منها ثلاثون رجلا، ثم بنى على أساس آدم ﵇ الأول، وتطوقت له (٦) السكينة كأنها حية على الأساس الأول، وقالت: يا إبراهيم، ابن علي، فبنى عليها. فلذلك لا يطوف بالبيت أعرابي نافر ولا جبار إلا رأيت عليه السكينة. فبنى البيت وجعل طوله في السماء تسع (٧) أذرع، وعرضه في الأرض [اثنان] (٨) وثلاثون ذراعا من الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي عند الحجر من وجهه. وجعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي الذي فيه الحجر اثنين وعشرين ذراعا. وجعل طول ظهره (٩) من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحد وثلاثين

стр. 97

ذراعا. وجعل عرض شقها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعا، فلذلك سميت الكعبة لأنها على خلقة الكعب. قال: فكذلك (١) بنيان أساس آدم ﵇. وجعل بابها بالأرض غير مبوب، حتى كان تبع أسعد الحميري هو الذي جعل لها بابا، وجعل لها (٢) غلقا فارسيا (٣)، وكساها كسوة تامة، ونحر عندها. قال: وجعل إبراهيم ﵇ الحجر إلى جنب البيت عريشا من أراك تقتحمه العنز، فكان زربا لغنم إسماعيل ﵇ (٤). قال: وحفر إبراهيم ﵇ جبا في بطن البيت على يمين من دخله يكون خزانة للبيت، يلقى فيه ما يهدى للكعبة، وهو الحب الذي نصب عليه عمرو بن لحي هبل الصنم الذي كانت قريش تعبده وتستقسم عنده بالأزلام، حين جاء به من هيت (٥) من أرض الجزيرة. قال: فكان (٦) إبراهيم يبني وينقل له إسماعيل الحجارة على رقبته (٧)، فلما ارتفع البنيان قرب له المقام فكان يقوم عليه ويبني، ويحوله له إسماعيل ﵉ في نواحي البيت حتى انتهى إلى موضع الركن الأسود، قال إبراهيم لإسماعيل ﵉: يا إسماعيل أبغني حجرا أضعه هاهنا يكون علما

стр. 98

للناس (١) يبتدئون منه الطواف. فذهب إسماعيل ﵇ يطلب له حجرا، فرجع (٢) وقد جاءه جبريل ﵇ بالحجر الأسود، وكان الله تعالى استودع الركن أبا قبيس حين غرق الله الأرض زمن نوح ﵇، وقال: إذا رأيت خليلي يبني بيتي فأخرجه له. قال: فجاءه إسماعيل ﵇ فقال له: يا أبه (٣)، من أين لك هذا؟ قال: جاءني به من لم يكلني إلى حجرك، جاء به جبريل ﵇، فلما وضع جبريل الحجر في مكانه وبنى عليه إبراهيم ﵇، وهو حينئذ يتلألأ تلألؤا من شدة بياضه، فأضاء نوره شرقا، غربا، ويمنا وشاما. قال: فكان (٤) نوره يضيء إلى منتهى أنصاب الحرم من كل ناحية من نواحي الحرم، قال: وإنما شدة سواده لأنه أصابه الحريق مرة بعد مرة في الجاهلية والإسلام. فأما حريقه في الجاهلية: فإنه ذهبت امرأة في زمن قريش تجمر الكعبة، فطارت [شرارة] (٥) في أستار الكعبة [فاحترقت أستارها واحترقت الكعبة] (٦)، واحترق الركن (٧) واسود، وتوهنت الكعبة، وكان الذي هاج قريشا على هدمها وبنائها. وأما حريقه في الإسلام: ففي عصر ابن الزبير أيام حاصره الحصين بن نمير الكندي، احترقت الكعبة [واحترق] (٨) الركن، فتفلق بثلاث فلق، حتى شعبه ابن الزبير رحمة الله عليه بالفضة، فسواده لذلك. قال: ولولا ما مس الركن من أنجاس

стр. 99

الجاهلية وأرجاسها، ما مسته ذو عاهة إلا شفي. ٧٤ - قال سعيد بن سالم: قال ابن جريج وكان ابن الزبير ﵁ بنى الكعبة من الذرع على ما بناها إبراهيم ﵇ قال: وهي مكعبة على خلقة الكعب؛ قال: ولذلك (١) سميت الكعبة. قال: ولم يكن إبراهيم ﵇ سقف الكعبة ولا بناها بمدر، وإنما رضمها رضما. ٧٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: السكينة لها رأس كرأس الهرة، وجناحان. ٧٦ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثنا بشر بن (٢) السري، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن علي بن أبي طالب ﵇ [قال] (٣): السكينة لها رأس كرأس الإنسان، ثم هي بعد ريح هفافة.

стр. 100

٧٧ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثنا الفزاري، عن جويبر، عن الضحاك، قال: السكينة الرحمة. باب ذكر حج إبراهيم ﵇ وأذانه بالحج وحج الأنبياء ﵈ بعده، وطوافه، وطواف الأنبياء بعده ٧٨ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني محمد بن إسحاق، قال: لما فرغ إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه من بناء البيت الحرام جاءه جبريل ﵇ فقال: طف به سبعا، فطاف به سبعا هو وإسماعيل ﵉ يستلمان الأركان كلها في كل [طواف] (١)، فلما أكملا سبعا (٢) صليا خلف المقام ركعتين. قال: فقام معه جبريل ﵇ فأراه المناسك كلها؛ الصفا والمروة ومنى ومزدلفة وعرفة. قال: فلما دخل منى وهبط من العقبة تمثل له إبليس عند جمرة العقبة، فقال له جبريل ﵇: ارمه، فرماه إبراهيم ﵇ بسبع حصيات فغاب عنه، ثم برز له عند الجمرة الوسطى فقال له جبريل ﵇: ارمه، فرماه إبراهيم ﵇ (٣) بسبع حصيات فغاب عنه إبليس خزاه الله. قال (٤): ثم برز له عند الجمرة السفلى، فقال له جبريل ﵇: ارمه، فرماه

стр. 101

بسبع حصيات مثل حصى الخذف (١)، فغاب عنه إبليس، ثم مضى إبراهيم ﵇ في حجه وجبريل معه (٢) يوقفه على المواقف ويعلمه المناسك، حتى انتهى إلى عرفة، فلما انتهى إليها قال له جبريل ﵇: أعرفت مناسكك؟ قال (٣) إبراهيم ﵇: نعم، قال: فسميت عرفات بذلك بقوله (٤) ﷺ : «أعرفت مناسكك». قال: ثم أمر إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج. قال: فقال إبراهيم: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال الله تعالى: أذن وعلي البلاغ. قال: فعلا على المقام فأشرف به حتى صار أرفع الجبال وأطولها، فجمعت له الأرض يومئذ سهلها وجبلها، وبرها وبحرها، وإنسها وجنها، حتى أسمعهم جميعا. فأدخل أصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه يمنا وشاما، وشرقا وغربا، وبدأ بشق اليمن [فقال] (٥): أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم. فأجابوه من تحت التخوم السبعة، ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أقطار الأرض كلها: لبيك اللهم لبيك. قال: وكانت الحجارة على ما هي عليه اليوم، إلا أن الله تعالى أراد أن يجعل المقام آية، فكان أثر قدميه في المقام إلى اليوم. قال: أفلا تراهم اليوم يقولون: لبيك اللهم لبيك؟ قال: فكل من حج إلى اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم ﵇، وإنما حجهم على قدر إجابتهم يومئذ؛ فمن حج حجتين فقد كان أجاب مرتين،

стр. 102

أو ثلاثا فثلاثا على هذا. قال: وأثر قدمي إبراهيم ﵇ في المقام آية، وذلك قوله: [فيه] (١) ﴿آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا﴾ [آل عمران: ٩٧]. ٧٩ - وقال ابن إسحاق: وبلغني أن آدم ﷺ كان استلم الأركان كلها قبل إبراهيم ﵇، وحجه إسحاق وسارة من الشام. قال: وكان إبراهيم ﵇ يحجه في (٢) كل سنة على البراق، قال: وحجت بعد ذلك الأنبياء ﵈ والأمم. ٨٠ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، قال: [حدثني] (٣) ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: حج إبراهيم وإسماعيل ﵉ ماشيين. ٨١ - قال [أبو محمد الخزاعي: حدثني أبو [عبيد الله] (٤) المخزومي، حدثني ابن عيينة، بإسناده مثله] (٥). ٨٢ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني جدي، قال: حدثنا يحيى بن سليم، عن ابن خثيم، قال: سمعت عبد الرحمن بن سابط يقول: سمعت عبد الله بن ضمرة

стр. 103

السلولي يقول: ما بين الركن إلى المقام إلى (١) زمزم قبر تسعة وتسعين نبيا، جاؤوا حجاجا فقبروا هنالك عليهم صلوات الله أجمعين. ٨٣ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وحدثني مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله مولى بني هاشم، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن محمد بن سابط، عن النبي ﷺ قال: «كان النبي من الأنبياء ﵈ إذا هلكت أمته لحق بمكة، فتعبد بها (٢) النبي ومن معه حتى يموت (٣)، فمات بها نوح وهود وصالح وشعيب، وقبورهم بين زمزم والحجر». ٨٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن خصيف، عن مجاهد، أنه قال: حج موسى النبي صلوات الله عليه على جمل أحمر، فمر بالروحاء عليه (٤) عباءتان قطوانيتان (٥)، متزر بأحدهما (٦) مرتد بالأخرى. فطاف بالبيت، ثم طاف بين الصفا والمروة، فبينا هو [يطوف] (٧) بين الصفا والمروة إذ سمع صوتا من السماء وهو يقول: لبيك عبدي

стр. 104

أنا معك (١)، فخر موسى ﵇ ساجدا. ٨٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثني سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن خصيف، عن مجاهد، أنه قال: حج خمسة وسبعون نبيا، كلهم قد طاف بالبيت وصلى في مسجد منى، فإن استطعت أن لا تفوتك الصلاة في مسجد منى فافعل. ٨٦ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن الأشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ [قال] (٢): صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا، كلهم محطمون بالليف. قال مروان (٣): يعني رواحلهم. ٨٧ - قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، قال: حدثني سعيد بن سالم، عن

стр. 105

عثمان بن ساج، قال: أخبرني خصيف بن عبد الرحمن، عن مجاهد، أنه حدثه قال: لما قال إبراهيم ﵇: «ربنا أرنا مناسكنا» أمر أن يرفع القواعد من البيت، ثم أري الصفا والمروة، وقيل: هذا من شعائر الله تعالى. قال: ثم خرج به جبريل ﵇، فلما مر بجمرة العقبة إذا بإبليس عليها، فقال جبريل ﵇: كبر وارمه، فارتفع (١) إبليس إلى الجمرة الوسطى، فقال له جبريل ﵇: كبر وازمه، ثم ارتفع إبليس إلى الجمرة القصوى، فقال له جبريل ﵇: كبر وارمه. ثم انطلق إلى المشعر الحرام، ثم أتى به عرفة. فقال له جبريل عليه (٢) السلام: هل عرفت ما أريتك؟ - ثلاث مرات - قال: نعم. قال: فأذن في الناس بالحج، قال: كيف أقول؟ قال: قل: يا أيها الناس أجيبوا ربكم - ثلاث مرات - قال: فقالوا: لبيك اللهم لبيك، قال: فمن أجاب إبراهيم ﵇ يومئذ فهو حاج. قال خصيف: قال مجاهد حين حدثني هذا الحديث: أهل القدر لا يصدقون بهذا الحديث. ٨٨ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي قال عثمان وأخبرني موسى بن [عبيدة] (٣)، قال: لما أمر إبراهيم ﵇ بالأذان في الناس بالحج استدار بالأرض، فدعا في كل وجه: يا أيها الناس أجيبوا ربكم وحجوا، قال: فلبي الناس من كل مشرق ومغرب، وتطأطأت الجبال حتى بعد صوته.

стр. 106

٨٩ - قال عثمان: وأخبرني ابن جريج، قال: قال ابن عباس ﵁: ﴿يأتوك رجالا﴾: مشاة. ﴿وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾ [الحج: ٢٧]: بعيد. قال (١) غيره: ﴿يأتوك رجالا﴾: مشاة على أرجلهم، ﴿وعلى كل ضامر﴾: لا يدخل الحرم بعير إلا وهو ضامر، ﴿يأتين من كل فج عميق﴾: بعيد. وقال عطاء: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ [البقرة: ١٢٨]: أبرزها لنا [وعلمناها] (٢). قال (٣) مجاهد: ﴿أرنا مناسكنا﴾: مذابحنا. ٩٠ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، قال: وأخبرني عثمان بن ساج، قال: أخبرني محمد بن إسحاق، قال: حدثنا بعض أهل العلم: أن عبد الله بن الزبير ﵀ قال لعبيد بن عمير الليثي: كيف بلغك أن إبراهيم ﵇ دعا إلى الحج؟ قال: بلغني أنه لما رفع إبراهيم (٤) القواعد وإسماعيل ﵉، وانتهى إلى ما أراد الله تعالى من ذلك، وحضر الحج: استقبل اليمن فدعا إلى الله تعالى وإلى حج (٥) بيته، فأجيب أن لبيك لبيك. ثم استقبل المشرق فدعا إلى الله وإلى حج بيته، فأجيب أن لبيك لبيك. وإلى المغرب [بمثل] (٦) ذلك، وإلى الشام بمثل ذلك.

стр. 107

ثم حج بإسماعيل ﵇ ومن معه من المسلمين من جرهم وهم سكان الحرم يومئذ مع إسماعيل، وهم أصهاره، وصلى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء بمنى، ثم بات (١) حتى أصبح، وصلى بهم الغداة، ثم غدا بهم إلى نمرة (٢) فقال بهم هنالك، حتى إذا مالت الشمس: جمع بين الظهر والعصر بعرفة في مسجد إبراهيم صلوات الله عليه، ثم راح بهم إلى الموقف من عرفة فوقف بهم، وهو الموقف من عرفة الذي يقف عليه الإمام يريه ويعلمه. فلما غربت الشمس دفع به وبمن معه حتى أتى المزدلفة، فجمع بين الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة، ثم بات بها (٣) حتى إذا طلع الفجر صلى بهم صلاة الغداة، ثم وقف به على قزح (٤) من المزدلفة وبمن معه، وهو الموقف الذي يقف به الإمام، حتى إذا أسفر غير مشرق دفع به وبمن معه يريه ويعلمه كيف يرمي الجمار، حتى فرغ له من الحج كله، وأذن به في الناس. ثم انصرف إبراهيم ﵇ راجعا إلى الشام فتوفي بها صلوات الله عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين (٥). ٩١ - قال عثمان وأخبرني ابن إسحاق، قال (٦): أمر الله سبحانه إبراهيم عليه

стр. 108

السلام بالحج وإقامته للناس، وأراه مناسك البيت وشرع له فرائضه، وكان إبراهيم يومئذ - حين أمر بذلك - ببيت المقدس من إيلياء (١). ٩٢ - قال عثمان وأخبرني زهير بن محمد، قال: لما فرغ إبراهيم ﵇ من البيت الحرام قال: أي رب، قد فعلت فأرنا مناسكنا، فبعث الله [إليه] (٢) جبريل ﵇ فحج به، حتى إذا جاء يوم النحر عرض له إبليس، فقال: احصب، فحصب بسبع حصيات، ثم الغد، ثم اليوم الثالث، فملأ ما بين الجبلين. ثم علا على ثبير فقال: يا عباد الله أجيبوا [ربكم] (٣). فسمع دعوته من بين الأبحر ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فقالوا (٤): لبيك اللهم لبيك. قال: ولم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون (٥) فصاعدا، لولا ذلك لأهلكت الأرض ومن عليها. ٩٣ - قال (٦) عثمان: وأخبرني زهير بن محمد: أن أول من أجاب إبراهيم ﵇ حين أذن بالحج أهل اليمن. ٩٤ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وأخبرني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان

стр. 109

بن ساج، قال: أخبرني عثمان بن الأسود، عن عطاء بن أبي رباح أن موسى بن عمران صلوات الله عليه طاف بين الصفا والمروة وعليه عباءة (١) قطوانية وهو يقول: لبيك اللهم لبيك. فأجابه ربه : لبيك يا موسى [وها أنا] (٢) معك. ٩٥ - قال: حدثنا أبو الوليد، قال: وأخبرني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: حدثني غالب بن عبيد الله، قال: سمعت مجاهدا يذكر عن ابن عباس ﵁، قال: مر بصفاح الروحاء ستون نبيا، إبلهم مخطمة بالليف. ٩٦ - قال عثمان وأخبرني غالب بن عبيد الله، قال: سمعت مجاهدا يذكر عن ابن عباس ﵁ قال: أقبل موسى ﵇ يلبي تجاوبه جبال الشام على جمل أحمر، عليه عباءتان قطوانيتان. ٩٧ - قال عثمان: فأخبرني ابن إسحاق، حدثني من لا أتهم، عن عروة بن الزبير رحمة الله عليه أنه قال: وبلغني (٣) أن البيت وضع لآدم ﵇ يطوف به ويعبد الله تعالى عنده، وأن نوحا قد حجه وجاءه وعظمه قبل الغرق، فلما أصاب

стр. 110

الأرض الغرق حين أهلك الله تعالى قوم نوح؛ أصاب البيت ما أصاب الأرض من الغرق، وكان (١) ربوة حمراء معروف مكانه. فبعث الله تعالى هودا ﵇ إلى عاد، فتشاغل بأمر قومه حتى هلك ولم يحجه، ثم بعث الله تعالى صالحا ﵇ إلى ثمود، فتشاغل [بأمر قومه] (٢) حتى هلك ولم يحجه، ثم بوأه الله تعالى لإبراهيم ﵇ فحجه وعلم مناسكه، ودعا إلى زيارته. ثم لم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم ﵇ إلا حجه. ٩٨ - قال عثمان وأخبرني ابن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم، عن سعيد بن المسيب، عن رجل كان من أهل العلم أنه كان يقول: كأني أنظر إلى موسى بن عمران [منهبطا] (٣) من هرشى (٤) عليه عباءة قطوانية يلبي بحجه. ٩٩ - قال (٥) عثمان: وأخبرني محمد بن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم، عن عبد الله بن عباس ﵁ أنه كان يقول: لقد سلك فج الروحاء سبعون نبيا حجاجا، عليهم لباس الصوف، مخطمي إبلهم بحبال الليف، ولقد صلى في مسجد
следующие страницы →