← Акыда

Акыда · id 115127

الدلالات العقدية للآيات الكونية

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (702 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

كصفات خلقه" (١). فهو قد قال في كتابه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (٢). وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال للجارية: "أين الله؟ ، قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة" (٣). قال مالك بن أنس ﵀: إن الله في السماء، وعلمه في كل مكان (٤). وقيل لعبد الله بن المبارك ﵀: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه (٥). وقال أحمد بن حنبل ﵀ كما قال هذا وهذا (٦). وعلى هذا فالمراد بفي"إما أن تكون بمعنى "على"، كما في قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٧) أي على جذوع النخل، وكقوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٨) أي عليها، فالمعنى أأمنتم من على السماء.

стр. 247

وإن كانت على بابها وهي الظرفية، فيكون المراد بالسماء العلو، فالله في العلو المطلق" (١). سابعاً: تحريف مخاطبة الله للسماء وتحريف اتيانها وقولها: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف مخاطبة الله للسماء، وتحريف اتيانها وقولها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٢). فقالوا في مخاطبة الله للسماء في قوله: ﴿فَقَالَ لَهَا﴾ قولان: أحدهما: أنه قول تكلم به. الثاني: أنها قدرة منه ظهرت لهما فقام مقام الكلام في بلوغ المراد (٣). أما قول السماء فقيل فيه: أنه ظهور الطاعة منهما حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما. وقيل أن هذا مجاز، وإنما المعنى أنها ظهر منها من اختيار الطاعة والخضوع والتذلل ما هو بمنزلة لقول ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٤).

стр. 248

وقيل: بل خلق الله فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد تعالى (١). ومنهم من جعل قول السماء هو الموجات الصوتية التي حدثت عند انفجار الكون، أو أنه ذبذبات كونية هادئة (٢). "بل إنهم يصورن ذلك في رسوم بيانية، ويزعمون من خلال تحليل العلماء لهذه الذبذبات أن الكون كان هادئاً ومطيعاً، وانه يوافق قول الله تعالى عن السماء في بداية الخلق" (٣): ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٤). والجواب أن هذه التأويلات والتحريفات باطلة؛ فإن الله قادر على مخاطبة الجمادات (٥)، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (٦). وما في نطق السماء من العجب؟ " والله ﵎ ينطق الجلود، والأيدي، والأرجل، ويسخّر الجبال والطير، بالتّسبيح. قال تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ (٧)، وقال: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ (٨)، أي سبّحن معه، وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٩)." (١٠).

стр. 249

وهذا القول لا شيء يدفعه، والعبرة به أتم والقدرة فيه أظهر (١). كما أن الله خاطبهما خطاب من يعقل، وذكر جوابهما، وكان الجواب لجمع العقلاء فقال: ﴿طَائِعِينَ﴾، ولم يقل طائعتين على اللفظ، ولا طائعات على المعنى، لأنهما سماوات وأرضون، لأنه أخبر عنهما وعمن فيهما، ولما وصفهن بالقول والإجابة وذلك من صفات من يعقل أجراهما في الكناية مجرى من يعقل (٢). أما الإتيان فإن معناه عندهم غير مراد" لأن السماء والأرض لا يتصور أن يأتيا، ولا يتصور منهما طواعية أو كراهية إذ ليستا من أهل العقول والإدراكات، ولا يتصور أن الله يكرههما على ذلك لأنه يقتضي خروجهما عن قدرته" (٣). وفيه قولان: "أحدهما: أنه قال ذلك قبل خلقها، ويكون معنى ائتيا أي كونا فكانتا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤). الثاني: قول الجمهور أنه قال ذلك لهما بعد خلقهما. فعلى هذا يكون في معناها أربع تأويلات: أحدها: معناه أعطيا الطاعة في السير المقدر لكما طوعاً أو كرهاً أي اختياراً أو إجباراً.

стр. 250

الثاني: ائتيا عبادتي ومعرفتي طوعاً أو كرهاً باختيار أو غير اختيار. الثالث: ائتيا بما فيكما طوعاً أو كرهاً. الرابع: كونا كما أمرت من شدة ولين، وحزن وسهل ومنيع وممكن" (١). ونقول -كما سبق- أن الله على كل شيء قدير، قال ابن عباس ﵄ في معنى ذلك: "قال الله : أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وأنت يا أرض فشقي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتك، وقال لهما: افعلا ما آمركما طوعا وإلا ألجأتكما إلى ذلك حتى تفعلاه كرها فأجابتا بالطوع" (٢). ثامناً: تحريف معنى تسبيح السماوات: ومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف معنى تسبيح السماوات، وحمله" على معنى الانقياد والتسخير الذى يصدر عن طواعية على سبيل الاستعارة بالكناية" (٣)، أو أن تسبيحها هو"ما يظهر فيه من لطيف صنعة الله وبديع قدرته الذي يعجز الخلق عن مثله فيوجب ذلك على من رآه تسبيح الله وتقديسه" (٤). وقد سبق الكلام على هذه المسألة في مبحث عبودية الكائنات (٥)، وأن السماء تسبح تسبيحاً حقيقياً، الله أعلم بكيفيته، وأن هذا التسبيح زائد على ما

стр. 251

فيها من الدلالة (١)، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٢). تاسعاً: تحريف معنى بكاء السماء: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف معنى بكاء السماء، وأن المراد بذلك أنه" عمت مصيبته الأشياء حتى بكته السماء والأرض والريح والبرق، وبكته الليالي الشاتيات ... وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه" ... أو أن"في الكلام إضمار، أي ما بكى عليهم أهل السماء والأرض من الملائكة". وفي كيفية بكاء السماء ثلاثة أوجه: أحدها أنه كالمعروف من بكاء الحيوان. وقيل: بكاؤهما حمرة أطرافها. وقيل: بكاؤها أمارة تظهر منها تدل على أسف وحزن (٣). ومن المخالفات أيضاً اعتقادهم أن بكاء السماء ناتج عن ولادة الكون، كما يقوله البروفيسور ويتل في خبر علمي: "يمكننا سماع البكاء الناتج عن ولادة الكون" (٤). ثم يقول صاحب الكتاب: "وهذا الخبر العلمي يعطي إمكانية حدوث الصوت والبكاء وغير ذلك مما لم نكن نفهمه من قبل. وهذا يؤكد أن كل

стр. 252

كلمة في القرآن هي الحق، بل لماذا لا يكون هذا الصوت الكوني هو امتثال لأمر الله تعالى؟ " (١). والصواب أنها تبكي بكاء حقيقيا إذ لا استحالة في ذلك، وإذا كانت السماوات والأرض تسبح وتسمع وتتكلم فكذلك تبكي، مع ما جاء من الخبر في ذلك (٢). وقال مجاهد ﵀: إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحا. قال أبو يحيى: فعجبت من قوله فقال: أتعجب! وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود! وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل! . وقال علي وابن عباس ﵄: إنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء (٣). عاشراً: إنكار معرفة ارتفاع السماء عن الأرض: ومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار معرفة ارتفاع السماء عن الأرض، "فلم يعرف الإنسان مقدار ارتفاع السماء إلا بعد كشف العلم عن مواقع بعض النجوم، فعرفنا أن السماء مرتفعة، وليست قريبة كما يظن النظر المجرد" (٤). وهذا مخالف لقول النبي ﷺ الذي أخبر فيه أن ارتفاع السماء مسيرة خمسمائة سنة، فعن العباس بن عبد المطلب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ " قال: قلنا الله ورسوله أعلم، قال:

стр. 253

"بينهما مسيرة خمسمائة سنة" (١). الحادي عشر: بعض الأدعية والأقوال المخالفة: ومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -السماء- ذكر بعض الأدعية والأقوال المخالفة، منها: ١ - من ذلك الدعاء بقول: " اللهم بقدرتك التي قدرت بها أن تقول بها للسماوات والأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا، قالتا أتينا طائعين، افعل كذا وكذا ". قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " هذه المسألة مبنية على مسألة كلام الله، ونحو ذلك من صفاته، هل هي قديمة لازمة لذاته لا يتعلق شيء منها بفعله وبمشيئته ولا قدرته؟ أو يقال: إنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء، وإنها مع ذلك صفات فعليه؟ وهذا فيه قولان لأصحابنا وغيرهم من أهل السنة." (٢) ثم بين ﵀ أن هذا القول هو مذهب الكلابية (٣)، أما أهل السنة فلا يقال

стр. 254

عندهم قدر أن يتكلم، أو يقول (١)، وقالوا لم يزل الله متكلماً إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وكما شاء (٢). ٢ - ذكر أحوال خاصة للسماء عند دعاء المكروب: عن أنس ﵁ قال: "كان رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار يكني أبا معلق، وكان يتجر بمال له ولغيره يضرب به في الآفاق، وكان ناسكا ورعا. فخرج مرة فلقيه لص مقنع بالسلاح فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك. قال: ما تريد إلا دمي؟ شأنك بالمال. قال: أما المال فلي فلست أريد إلا دمك. قال: أما إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات. قال: صل ما بدا لك. فتوضأ ثم صلى أربع ركعات وكان من دعائه في آخر سجدة أنه قال: يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما تريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، والملك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني ثلاث مرات، قال: دعا بها ثلاث مرات. فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة. واضعها بين أذني فرسه، فلما أبصر به اللص: أقبل نحوه فطعنه فقتله. ثم أقبل إليه، فقال: قم، قال: من أنت بأبي أنت وأمي؟ فقد أغاثني الله تعالى بك اليوم. قال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة.

стр. 255

دعوت الله بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة. ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجيجا. ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل: دعاء مكروب. فسألت الله أن يوليني قتله. قال أنس: فاعلم أنه من توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له مكروبا كان أم غير مكروب" (١). ٣ - عدالة السماء: قال الشيخ بكر أبو زيد (٢) ﵀: " هذا تعبير حادث في عصرنا، يريدون به: عدل الله - سبحانه - على معنى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٣). فالمراد إن كان كما ذكر فهو حق، والتعبير غير سديد، بل هو قريب من إطلاقات الكلاميين التي لم يأت بها كتاب ولا سنة، كما في قولهم: "قوة خفية" فليجتنب (٤). وسئل الشيخ بن عثيمين ﵀ عن حكم مقولة: "عدالة السماء، ونور السماء" وما أشبه ذلك؟ :

стр. 256

فأجاب: "هم يريدون بنور السماء وهداية السماء نور الله ؛ لأنه في السماء، ولكن الأفضل أن يعدلوا عن هذه الكلمات، وأن يقولوا: نور الله وهداية الله، كما قال النبي ﵊: "إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها " (١)، قال: " كان الذي في السماء" فإطلاق مثل هذه العبارات يجب على الإنسان التوقف فيها، وأن يقال: الأفضل أن تضيفوا الشيء إلى من هو له حقيقة؛ لأن مجرد السماء ليس فيها هداية وليس فيها نور وإنما هو نور الله وهداية الله" (٢). ٤ - كراهة النظر إلى السماء: زعماً منهم أن ذلك يدل على تحيز الله ، وأن" هذا الأدب مطلوب من كل الناس، وإن كان الحق تعالى لا يتحيز ولا تأخذه الجهات" (٣)، وزعم بعض الزهاد أنه لا ينبغي النظر إلى السماء تخشعاً وتذلاً (٤). وقد استدلوا بنهي النبي ﷺ عن رفع البصر في الصلاة (٥)، فقالوا: "أقرب ما يكون العبد إلى ربه في الصلاة، ونهي الرسول ﵊ رفع البصر إلى السماء يدل على أن القرب من الله ليس بالتوجه إلى السماء, وهذا يدل على عدم التحيز والمكان, فلو كان الله في السماء لكان أولى التوجه في

стр. 257

البصر إلى حيث الله، ولما نهى الرسول عن ذلك ... دل على عدم تحيز الله ووجوده في مكان" (١). وقد وردت السنة الصحيحة برد ذلك، وقد بوب البخاري ﵀ في صحيحه بقوله: باب رفع البصر إلى السماء (٢)، وذكر بعض الأحاديث والتي فيها رفع النبي بصره إلى السماء، وفي هذا رد على من كره ذلك (٣).

стр. 258

الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية: ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها: ١ - اعتقاد أن السماوات تدور على منكب ملَك: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: "من أين جئت؟ قال: من الشام. قال: من لَقيتَ؟ قال: لقيتُ كعبًا. فقال: ما حدثك كعب؟ قال: حدثني أن السماوات تدور على منكب ملك. قال: فصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا كذبته. قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، كذب كعب، إن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (١) ". وذهب جُندَب البجلي إلى كعب الأحبار فقدم عليه، ثم رجع، فقال له عبد الله بن مسعود ﵁: " حدثنا ما حدثك. فقال: حدثني أن السماء في قطب كقطب الرحا، والقطب عمود على منكب ملك. قال عبد الله ﵁: لوددت أنك افتديت رحلتك بمثل راحلتك، ثم قال: ما تنتكت (٢) اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ كفى بها زوالا أن تدور" (٣).

стр. 259

٢ - إمساك السماء والأرض: عن أبي هريرة a قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى ﵇ على المنبر قال: "وقع في نفس موسى ﵇: هل ينام الله ؟ فأرسل الله إليه ملكا، فأرقه ثلاثا، وأعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما. قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى، حتى نام نومه، فاصطفقت يداه فتكسرت القارورتان. قال: ضرب الله له مثلاً إن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض" (١). ٣ - ماذا يحدث لو عصت السماوات والأرض: روي عن موسى ﵊ أنه قال: " يا رب لو أن السموات والأرض حين قلت لهما ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ عصياك ما كنت صانعا بهما؟ قال كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما، قال: يا رب وأين تلك الدابة؟ قال: في مرج من مروجي، قال: يا رب وأين ذلك المرج؟ قال علم من علمي" (٢). وقد دلت الآية على خلافه لأن الله سبحانه أمرهما أن يأتيا طوعا أو كرها فكيف تعصيانه؟ وإن عصته كيف لا تأتيان كرها؟ فإنما أمره إن أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.

стр. 260

٤ - ذكر ملائكة السماء ووصفهم بأوصاف لم ترد في الكتاب والسنة: قد ورد في بعض الكتب وصف لملائكة كل سماء (١)، من الأوصاف التي لم تذكر في القرآن، ولم تصح عن النبي ﷺ ، فيجب تركها واطراحها وعدم الخوض في علم الغيب إلا بما جاء عن الله ورسوله (٢). فعن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم قال: كان العباس بن أنس بن عامر السلمي شريكا لعبد الله بن عبد المطلب أبي رسول الله ﷺ ، قال: فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا عباس، إن الذي أنزل علي الوحي أرسلني إلى الناس كافة، بلسان عربي مبين، من فوق سبع شداد إلى سبع غلاظ، يتنزل الأمر بينهن إلى كل مخلوق بما قضي عليهم من زيادة أو نقصان، فقال العباس: وكيف خلق الله سبعا شداد وسبعا غلاظا؟ ولم خلقهن؟ فقال رسول الله ﷺ : خلق الله السماء الدنيا فجعلها سقفاً مخفوظاً، وجعل فيها حرسا شديدا وشهبا، ساكنها من الملائكة أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، في صورة البقر مثل عدد النجوم، شرابهم النور والتسبيح، لا يفترون من التهليل والتكبير. وأما السماء الثانية فساكنها عداد القطر في صور العقبان، لا يسأمون ولا يفترون ولا ينامون، منها ينشق السحاب حتى يخرج من تحت الخافقين فينتشر في جو السماء، معه ملائكة يصرفونه حيث أمروا به، أصواتهم التسبيح، وتسبيحهم تخويف. وأما السماء الثالثة فساكنها عدد الرمل في صور الناس، ملائكة ينفخون في البروج كنفخ الريح، يجأرون إلى الله ﵎ الليل والنهار، وكأنما يرون ما يوعدون.

стр. 261

وأما السماء الرابعة فإنه يدخلها كل ليلة حتى يخرج إلى عدن، ساكنها عدد ألوان الشجر صافون مناكبهم معا، في صور الحور العين، من بين راكع وساجد، تبرق وجوههم بسبحات ما بين السموات السبع والأرض السابعة. وأما السماء الخامسة فإن عددها يضعف على سائر الخلق في صورة النسور، منهم الكرام البررة، والعلماء السفرة، إذا كبروا اهتز العرش من مخافتهم وصعق الملائكة، يملأ جناح أحدهم ما بين السماء والأرض. وأما السماء السادسة فحزب الله الغالب، وجنده الأعظم، لو أمر أحدهم أن يحذف السموات والأرض بأحد جناحيه اقتلعهن، في صورة الخيل المسومة. وأما السماء السابعة ففيها الملائكة المقربون، الذين يرفعون الأعمال في بطون الصحف، ويخفضون الميزان، فوقها حملة العرش الكروبيون، كل مفصل من أحدهم أربعون ألف سنة، أو قال أربعون سنة، فتبارك الله رب العالمين ديان الدين خالق الخلق رب العالمين" (١). ٥ - إبليس كان يدبر أمر السماء الدنيا: روي عن ابن عباس ﵄ قال: "كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدبر أمر السماء الدنيا" (٢).

стр. 262

المبحث الثاني: الشمس الشمس في اللغة: الشين والميم والسين أصل يدل على تلوُّن وقلة استقرار، والشمس معروفة، وسميت بذلك لأنها غير مستقرة، وهي أبداً متحركة (١). وهي تجمع على شُمُوس، كأنهم جعلوا كل ناحية منها شَمْساً، كما قالوا للَمفْرِق مَفارق، وتصغيرها شُمَيْسِة (٢). وفي الاصطلاح: كرة هائلة من الغاز المتوهج في وسط المجموعة الشمسية، وهي واحدة من بلايين النجوم في الكون، لا تتميز عنها بشيء (٣). وفي الموسوعة الفلكية: هي الجسم المركزي في المجموعة الشمسية، وهي عبارة عن كرة مشعة، فتبدو لنا كقرص مضئ مستدير وواضح التحديد (٤). وقد ورد لفظ الشمس في القرآن في (٣٢) موضعاً (٥). وفي السنة في (٨٧) حديثاً (٦).

стр. 263

الدلائل العقدية للآية الكونية - الشمس -: الشمس آية كبرى ودلالة عظمى من آيات الله تعالى، وشروقها وغروبها بنظام لا تحيد عنه منذ خلقها الله دليل على قدرة الله وعلمه وحكمته. ولما ذكر ابن القيم ﵀ فصولاً متعلقة بالكواكب والشمس وما فيها من الحكم والمنافع، وأن الله " لم يقسم بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر" (١). قال: "وهل هذا إلا صنع من بهرت العقول حكمته، وشهدت مصنوعاته ومبتدعاته بأنه الخالق البارئ المصور الذي ليس كمثله شيء، أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل ما صنعه، وأنه العليم الحكيم، الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأن هذه إحدى آياته الدالة عليه، وعجائب مصنوعاته الموصلة للأفكار إذا سافرت فيها إليه، وأنه خلق مسخر مربوب مدبر". ثم قال: " فهذا الترتيب والنظام الذي هي عليه من أدل الدلائل على وجود الخالق وقدرته وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته" (٢). أولاً: وجود الله: أخبر الله عن محاجة إبراهيم ﵇ للنمرود في وجود الله، وكان النمرود ينكر وجود الله ، وأن يكون ثم إله غيره، وأنه يحي ويميت، فاستدل إبراهيم ﵇ على وجود الله، وأنه المالك المتصرف المستحق للعبادة وحده - بعد الاستدلال بأن الله يحي ويميت- بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ

стр. 264

مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١). فحدوث هذه الأشياء المشاهدة وإيجادها بعد العدم، وعدمها بعد الوجود دليل على وجود الله؛ لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب, فإذا" كنت كما تدعي من أنك أنت الذي تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته، وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما ادعيت تحيي وتميت فأت بها من المغرب. فلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت أي أخرس فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة" (٢). وفي" ضمن هذه المناظرة من حسن الاستدلال بأفعال الرب المشهودة المحسوسة التي تستلزم وجوده وكمال قدرته ومشيئته وعلمه ووحدانيته من الإحياء والإماتة المشهودين الذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده، وإتيانه تعالى بالشمس من المشرق لا يقدر أحد سواه على ذلك" (٣). وقد ذكر الله من الأدلة على وجوده وقدرته التامة خلق الشمس وجريانها (٤)، فقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٥). وفي قوله ﷺ : " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله" (٦)، " أي دليلان

стр. 265

على وجود الحق سبحانه، وقهره، وكمال الإلهية" (١). ثانياً: توحيد الربوبية: الرب هو الخالق المدبر المتصرف، والله يخبر أنه رب السماوات والأرض وما بينهما، ومن ذلك الشمس (٢)، قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٤)، وقال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (٥). وهي مدبرة مسخرة"لا تصرف لها في نفسها بوجه ما، بل ربها وخالقها سبحانه يأتي بها من مشرقها فتنقاد لأمره ومشيئته، فهي مربوبة مسخرة مدبرة لا إله يعبد من دون الله" (٦)، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧). ثالثاً: توحيد الأسماء والصفات: ١ - صفة العلم والقدرة: أخبر الله عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته، وعظيم سلطانه، - ومنها الشمس- فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ

стр. 266

نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٣). ففي هذه الآيات"ينبه تعالى عباده على آياته العظام، ومننه الجسام، في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان، والشمس والقمر يدوران، والنجوم الثوابت والسيارات، في أرجاء السماوات نورا وضياء" (٤)، وأن ذلك استقام للناس" بجعل الله حركات الشمس والقمر على نظام واحد لا يختلف، وذلك من أعظم دلائل علم الله وقدرته، وهذا بحسب ما يظهر للناس منه ولو اطلعوا على أسرار ذلك النظام البديع لكانت العبرة به أعظم" (٥). وقوله ﷺ في الحديث عن الشمس والقمر أنهما: "آيتان من آيات الله" (٦)، أي علامتان دالتان على وحدانية الله وعظيم قدرته (٧). ٢ - صفة الرؤية والعلو: من عقيدة أهل السنة والجماعة أن المؤمنين يرون الله ﵎

стр. 267

بأبصارهم يوم القيامة (١)، وأنهم يرونه كما يرون الشمس والقمر صحواً ليس دونها سحاب، - من جهة العلو - فعن أبي هريرة ﵁: أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : " هل تضارون (٢) في القمر ليلة البدر؟ . قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ . قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك" (٣). وعن أبي سعيد الخدري ﵁: " أن ناساً في زمن رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : نعم، قال: هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما" (٤).

стр. 268

وليس المراد من الأحاديث تشبيه الله بالقمر والشمس - تعالى الله- بل المراد تشبيه الرؤية بالرؤية، وليس تشبيهًا للمرئي بالمرئي، فالله ليس له مثيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١)، : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٢). ومع إخباره ﷺ أنهم يرونه، فيه إخبارهم أنهم يرونه في جهة منهم - وهي العلو - وذلك من وجوه: "أحدها: أن الرؤية في لغتهم لا تعرف إلا لرؤية ما يكون في جهة منهم، فأما رؤية ما ليس في جهة فلم يكونوا يتصورونه، فضلا عن أن يكون اللفظ دالاً عليه، بل لا يتصور أحد من الناس وجود موجود في غير جهة. الثاني: أنه قال: " فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس صحواً، وكما ترون القمر صحواً"، فشبه لهم رؤيته برؤية الشمس والقمر، وهما يريان من جهة العلو. الثالث: أنه قال: " هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليس دونه سحاب؟ ". فشبه رؤيته برؤية أظهر المرئيات، إذا لم يكن ثم حجاب منفصل عن الرائي يحول بينه وبين المرئي" (٣). رابعاً: توحيد الألوهية: الله يستدل على المشركين بإقرارهم بتوحيد الربوبية، وأنه المستقل بخلق السماوات والأرض، وتسخير الشمس والقمر على وجوب إفراده

стр. 269

بالعبادة (١)، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٢). فالمشركون - الذين يعبدون مع الله غيره - معترفون أنه المستقل بخلق السماوات والأرض والشمس والقمر"فإذا كان الأمر كذلك فلم يُعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيرًا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية" (٣). والإيمان بأن الله هو الخالق المالك المتصرف، والتفكر في ملكوته - ومنه الشمس- يستلزم وجوب إفراد الله بالعبادة، كما أخبر الله عن إبراهيم ﵇ في مناظرته لقومه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٤)؛ لأن التأمل والتفكر في ملكوت السماوات والأرض وتصريفهما وغير ذلك مما أخبر الله عنه"يدل على وحدانية الله في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه" (٥). وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٦)، فالله يظهر هذه الآيات ليستدل بها على أنه الحق، وأن كل ما

стр. 270

سواه باطل، وأنه القادر على هذه الأشياء وحده، فكل ما في السماوات والأرض خلقه وعبيده، فوجب أن تكون العبادة له وحده لا إله إلا هو (١). وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٢). فلما ذكر الله الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر، والتي تقطع الفلك وتسير إلى غاية لا يعلم قدرها إلا الذي قدرها وسخرها وسيرها، قال بعد ذلك: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾، فالذي"يفعل هذه الأفعال معبودكم أيها الناس، الذي لا تصلح العبادة إلا له، وهو الله ربكم" (٣). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٤). فهذا استدلال واعتبار" بخلق الله تعالى وعجائب مصنوعاته المشاهدة، على انفراده تعالى بالإلهية المستلزم لانتفاء الإلهية عما لا تقدر على مثل هذا الصنع العجيب، فلا يحق لها أن تعبد ولا أن تشرك مع الله تعالى في العبادة إذ لا حق لها في الإلهية" (٥).

стр. 271

كما أخبر تعالى" أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها" (١) - ومن ذلك الشمس-، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ الآية (٢). وعن أبي ذر، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت" (٣). ١ - بعض أنواع العبادة القلبية ، ومنها: أ- اليقين والإخلاص: إن رؤية الآيات - ومنها الشمس- والتفكر فيها يزيد القلب يقيناً وإيماناً، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٤) أي"نريه ملكوت السماوات والأرض، ليستدل به وليكون من الموقنين" (٥). ثم ذكر الله قول إبراهيم ﵇ بعد غياب الشمس، وأنه تبرأ من الشرك، وأنه وجه وجهه لله ، مخلصاً له، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (٦).

стр. 272

وفي حديث الكسوف حث النبي ﷺ عند رؤية هذه الآية إلى الإخلاص لله تعالى، حيث أمر بالمبادرة بالعبادة لله تعالى (١). ب- التوكل: لما ذكر الله أنه رب المشرق والمغرب بين سبحانه أنه الإله الحق، وأنه هو الذي يجب أن يتخذ وكيلا، قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ (٢)، فهو"المالك المتصرف في المشارق والمغارب الذي لا إله إلا هو، وكما أفردته بالعبادة فأفرده بالتوكل" (٣). ٢ - القسم: أقسم الله بالشمس ومشرقها في مواضع من كتابه على أنه تعالى لا إله إلا هو، وعلى كمال قدرته، فقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ (٥) الآيات، فأقسم تعالى بهذه الآيات العظيمة، على النفس المفلحة، وغيرها من النفوس الفاجرة (٦)، وعلى سبق القدر، وكتابة الأعمال، وأن الله أرشد النفس إلى فجورها وتقواها، وبين لها ذلك، وهداها إلى ما قدر لها (٧). وهذا القسم"فيه التنبيه على كمال ربوبيته وعزته، وحكمته وقدرته،

стр. 273

وتدبيره وتنوع مخلوقاته الدالة عليه، المرشدة إليه، بما تضمنته من عجائب الصنعة، وبديع الخلقة، وتشهد لفاطرها وبارئها بأنه الواحد الأحد الذي لا شريك له، وأنه الكامل في علمه وقدرته ومشيئته وحكمته وربوبيته وملكه، وأنها مسخرة مذللة، منقادة لأمره، مطيعة لمراده منها، ففي الأقسام بها تعظيم لخالقها ﵎، وتنزيه له عما نسبه إليه أعداؤه الجاحدون المعطلون لربوبيته وقدرته ومشيئته ووحدانيته. وأنها أدلة على بارئها وفاطرها، وعلى وحدانيته، وأنه لا تنبغي الربوبية والإلهية لها بوجه ما، بل لا تنبغي إلا لمن فطرها وبرأها" (١). ٣ - التوسل: قد كان من دعاء النبي ﷺ : " اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، اقض عني الدين، وأغنني من الفقر، وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك" (٢). "فهذا دعا لله تعالى وتوسل إليه بما وصف به نفسه في قوله " (٣): ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٤).

стр. 274

خامساً: الإيمان بالرسل: أخبر النبي ﷺ أن الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان أو قرن الشمس، فعن عبد الله ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قام إلى جنب المنبر فقال: "الفتنة ها هنا، الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان (١) أو قال قرن الشمس" (٢). "وكان ﷺ يحذر من ذلك، ويعلم به قبل وقوعه، وذلك من دلالات نبوته ﷺ " (٣). وقد حبست الشمس لنبي من الأنبياء، وهو يوشع بن نون ﵇ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلِفات، وهو ينتظر ولادها، فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه" (٤)، "وحبس الشمس

стр. 275

على هذا النبي من أعظم معجزاته، وأخص كراماته" (١). سادساً: الإيمان باليوم الآخر: ذكر الله في سورة الرعد تفصيل بعض آياته - ومنها الشمس احتجاجاً بها على المعاد ولقاء الله- فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، ثم قال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (٢) أي" يفصل لكم ربُّكم آيات كتابه، فيبينها لكم احتجاجًا بها عليكم أيها الناس، لتوقنوا بلقاء الله والمعاد إليه، فتصدقوا بوعده ووعيده، وتنزجروا عن عبادة الآلهة والأوثان، وتخلصوا له العبادة إذا أيقنتم ذلك" (٣). وقال الله تعالى مستدلاً على البعث - بعد أن ذكر جملة من الآيات والمخلوقات العظيمة، ومنها الشمس - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ (٤)، أي اطلب منهم الفتوى، فيما تسألهم عنه أهم أشد خلقا؟ أم من خلقنا من المخلوقات التي هي أعظم وأكبر منهم؟ . "وجواب الاستفتاء المذكور الذي لا جواب له غيره، هو أن يقال: من خلقت يا ربنا من الملائكة، ومردة الجن، والسماوات والأرض، والمشارق، والمغارب، والكواكب، أشد خلقا منا ; لأنها مخلوقات عظام أكبر وأعظم منا، فيتضح بذلك البرهان القاطع على قدرته جل وعلا على البعث بعد الموت ; لأن من المعلوم بالضرورة أن من خلق الأعظم الأكبر كالسماوات والأرض، وما ذكر معهما -ومن ذلك الشمس- قادر على أن يخلق الأصغر الأقل" (٥).

стр. 276

وقد قرر الله تعالى وقوع المعاد مستدلا بخلقه السماوات والأرض وجعله المشارق والمغارب للشمس والكواكب، فقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ (١)، فالذي خلق السماوات والأرض، وجعل مشرقاً ومغرباً، وسخر الكواكب تبدو من مشارقها وتغيب في مغاربها، قادر على أن يعيدهم يوم القيامة (٢). وأخبر النبي ﷺ أن جهنم تسجر إذا قامت الشمس حتى تزول، ففي حديث إسلام عمرو بن عبسة ﵁ أنه قال: "يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة؟ قال: صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار" (٣). وهذا دليل على أن النار مخلوقة وموجودة الآن.

стр. 277

كما أخبر ﷺ عن الجنة والنار عندما كسفت الشمس (١)، فدل هذا الحديث أيضاً على وجود الجنة والنار وأنهما مخلوقتان الآن. كما أن النبي ﷺ خرج فزعاً لما كسفت الشمس يخشى أن تكون الساعة، "لما جاء أن القيامة تكون وهما مكسوفان" (٢). سابعاً: الإيمان بالقدر: بين تعالى قدرته على خلق الأشياء وتسخيره إياها على مقتضى حكمته، فذكر أنه خلق الشمس، وأنها تحت قهره وتسخيره ومشيئته، وأنها تجري لأجل مسمى، وأن جريانها مع القمر بحساب مقدر، لا يتغير ولا يضطرب، بل كل منهما له منازل يسلكها في الصيف والشتاء، قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٤)، "فدلهم الله بذلك على قدرته ووحدانيته" (٥). ولما كان هذا الأمر يدل على قدرة الله تعالى وتقديره وعلمه وعزته ختمت كثير من هذه الآيات بالعزة والعلم (٦) - والعلم من مراتب الإيمان بالقدر-، كما في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٧). ثامناً: النهي عن مشابهة المشركين والمنافقين في عبادتهم: ورد النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لما في ذلك من

стр. 278

مشابهة المشركين والمنافقين في عبادتهم؛ فإن الشمس تطلع وتغرب بين قرني شيطان وعندئذ يسجد لها الكفار، "وقد نهينا عن التشبه بهم، بل وعما يؤدي إليه أو يوهمه" (١). وفي حديث إسلام عمرو بن عبسة ﵁ أنه قال: "يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة؟ قال: صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار" (٢). "وكان ﷺ يكره التشبه بالكفار ويحب مخالفتهم وبذلك وردت سنته ﷺ ، وكأنه أراد - والله أعلم - أن يفصل دينه من دينهم، إذ هم أولياء الشيطان وحزبه فنهى عن الصلاة في تلك الأوقات" (٣). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا" (٤)، وفي هذا الحديث التحذير من"التشبه

стр. 279

بأفعال المنافقين الذين كانوا لا يأتون الصلاة إلا كسالى" (١). وكان أهل الجاهلية يقفون بالمزدلفة، ولا يفيضون حتى تطلع الشمس، فخالفهم رسول الله ﷺ فأفاض قبل أن تطلع الشمس (٢). تاسعاً: النهي عن التشبه بالشيطان: قد نهى النبي ﷺ أن يقعد الرجل بين الظل والشمس، وقد جاء أن الجلوس بين الشمس والظل هي جلسة الشيطان، فعن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ : " نهى أن يجلس بين الضِحِ (٣) والظِلِ، وقال: مجلس الشيطان" (٤). عاشراً: الإيمان بالجن: بين النبي ﷺ أن الشياطين تنتشر وتنبعث إذا غابت الشمس، فعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء (٥)؛ فإن الشياطين تنبعث إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء" (٦).

стр. 280

الحادي عشر: أصول المناظرة: من أصول المناظرة عند أهل السنة المخاطبة بالدليل والمقدمات التي لا يمكن أن يجحدها الخصم (١)، وإلزام المدعي بطرد حجته إن كانت صحيحة (٢)، فإبراهيم ﵇ لما ذكر الدليل الأول على وجود الله وإلهيته، وأن الله هو الذي يحي ويميت، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (٣)، وهذا الدليل" الذي استدل به إبراهيم قد تمَّ وثبت موجبه، فلما ادعى الكافر أنه يفعل كما يفعل الله فيكون إلها مع الله، طالبه إبراهيم بموجب دعواه مطالبة تتضمن بطلانها" (٤): ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥). "فقال: إن كنت أنت ربا كما تزعم، فتحيي وتميت كما يحيي ربي ويميت، فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فتنصاع لقدرته وتسخيره ومشيئته، فإن كنت أنت ربا فات بها من المغرب" (٦)، فعند ذلك بهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين.

стр. 281

القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -الشمس -: أولاً: عبادة الشمس: من القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية أنها عبدت من دون الله ، فجعلوا من الشمس إله الآلهة ورب الأرباب (١)، وجعلوا لها مصحفاً، ويسبحون لها ويدعونها، قال تعالى مخبرا عن الهدد أنه قال عن قوم سبأ: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ (٢). وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: "يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس" (٣). قال ابن القيم ﵀: " وهؤلاء المشركون يعظمون الشمس والقمر والكواكب تعظيما يسجدون لها، ويتذللون لها، ويسبحونها تسابيح لها معروفة في كتبهم، ودعوات لا ينبغي أن يدعى بها إلا خالقها وفاطرها وحده. ويقول بعضهم: في كتاب مصحف الشمس، مصحف القمر، مصحف زحل، مصحف عطارد، وبعضهم يقول: تسبيحة الشمس، تسبيحة القمر،

стр. 282

تسبيحة عطارد، تسبيحة زحل، ولا يتحاشى من ذلك، وبعضهم يقول: دعوة الشمس، دعوة القمر، دعوة عطارد، دعوة زحل، وبعضهم يقول: هيكل الشمس والقمر وعطار. وفي هذا الكتاب من مخاطبة الشمس بالخطاب الذي لا يليق إلا بالله ولا ينبغي لأحد سواه ومن الخضوع والذل والعبادة" (١). فبين الله تعالى أن الشمس والقمر"عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره، لا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به" (٢)، وبين أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مسخرة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ (٤). ثانياً: نسبة الحوادث إلى حركة الشمس: من القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية نسبة الحوادث إلى حركة الشمس، وما تقتضيه هذه الحركة"من السعد والنحس، وتعطيه من السعادة والشقاوة، وتهبه من الأعمار والأرزاق والآجال، والصنائع والعلوم والمعارف، والصور الحيوانية والنباتية والمعدنية، وسائر ما في هذا العالم من الخير والشر" (٥).

стр. 283

وليس في القرآن ولا السنة ما يدل على ذلك، بل فيهما ما يبطله ويرده، وقد بين النبي ﷺ في حديث الكسوف بطلان ما يعتقده أهل الجاهلية أن كسوف الشمس أو القمر لموت أحد أو حياته، فقال: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته" (١). ثالثاً: تحريف معنى سجود الشمس: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف معنى سجود الشمس الوارد في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٢). وعن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت" (٣). فقال بعضهم أن المراد بهذا السجود الخشوع والانقياد. وقيل المراد بالسجود الدلالة على الله، يعني أن هذه المخلوقات تدل على الله، وعلى أنه يستحق أن يسجد له كل شيء، وأن يعبده كل شيء (٤).

стр. 284

وقيل المراد بسجود الشمس هو سجود الملَك الموكل بها (١). وأما سجودها تحت العرش، فإن العرش لعظم ذاته كالرحى فأينما سجدت الشمس سجدت تحت العرش وذلك مستقرها (٢). وقيل المراد بالسجود تحت العرش هو وقوعها تحته حقيقة في آخر الدنيا عند انقضاء مهمتها، وسكون حركتها. والمعنى أن الشمس تبقى في شأنها إلى أن يأذن الله بفساد العالم، فتقع تحت العرش ساجدة (٣). وقيل أن تقييد السجود بتحت العرش كناية عن رجوعها إلى الله، ومبالغة في الانقياد وعبارة عن تمام ذلك. والمعنى في ذلك المبالغة، ولا تراد الحقيقة. فقوله إنها تسجد تحت العرش يعنى أنها خاضعة له أكمل الخضوع وأتمه (٤). فالحديث عبارة عن أن الشمس مسخرة لله، خاضعة لأمره الكوني، سائرة على حسب ما أراد وقدر، حتى كأنها عاقلة، تسمع خطابه (٥). والجواب أنه قد سبق في مبحث عبودية الكائنات (٦) أن هذه الآيات الكونية تسجد لله سجوداً حقيقياً الله أعلم بكيفيته، وأن كل شيء يسجد لله طوعا وكرها، وأن سجود كل شيء مما يختص به (٧)، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ

стр. 285

لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (١). وهذه الأقوال التي ذكرت ليس عليها دليل ومخالفة" لظاهر الحديث، وعدول عن حقيقته، وإنما أخبر عن غيب فلا نكذبه ولا نكيفه، إن علمنا لا يحيط به" (٢). رابعاً: إنكار استئذان الشمس لطلوعها: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف معنى استئذان الشمس الوارد في السنة من حديث أبي ذر ﵁ قال: "دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس، فلما غابت الشمس، قال يا أبا ذر: هل تدري أين تذهب هذه؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب فتستأذن في السجود، فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها" (٣). فقيل بأن استئذان الشمس مجاز يراد به طاعتها لخالقها، وطلوعها وغروبها بمشيئته وإرادته، حتى كأنه يأمرها وينهاها فتعقل عنه، وحتى كأنها تستأذنه في رواحها وغدوها، وهذا كله يعبر عن الخضوع (٤). ونقول في ذلك مثل ما سبق في السجود، وأنها تستأذن حقيقة، والله أعلم بكيفية ذلك، فقد أخبرنا أنها تستأذن، ولم يخبرنا كيف تستأذن.
следующие страницы →