← Акыда

Акыда · id 115127

الدلالات العقدية للآيات الكونية

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (702 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -الشمس -: أولاً: عبادة الشمس: من القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية أنها عبدت من دون الله ، فجعلوا من الشمس إله الآلهة ورب الأرباب (١)، وجعلوا لها مصحفاً، ويسبحون لها ويدعونها، قال تعالى مخبرا عن الهدد أنه قال عن قوم سبأ: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ (٢). وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: "يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس" (٣). قال ابن القيم ﵀: " وهؤلاء المشركون يعظمون الشمس والقمر والكواكب تعظيما يسجدون لها، ويتذللون لها، ويسبحونها تسابيح لها معروفة في كتبهم، ودعوات لا ينبغي أن يدعى بها إلا خالقها وفاطرها وحده. ويقول بعضهم: في كتاب مصحف الشمس، مصحف القمر، مصحف زحل، مصحف عطارد، وبعضهم يقول: تسبيحة الشمس، تسبيحة القمر،

стр. 282

تسبيحة عطارد، تسبيحة زحل، ولا يتحاشى من ذلك، وبعضهم يقول: دعوة الشمس، دعوة القمر، دعوة عطارد، دعوة زحل، وبعضهم يقول: هيكل الشمس والقمر وعطار. وفي هذا الكتاب من مخاطبة الشمس بالخطاب الذي لا يليق إلا بالله ولا ينبغي لأحد سواه ومن الخضوع والذل والعبادة" (١). فبين الله تعالى أن الشمس والقمر"عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره، لا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به" (٢)، وبين أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مسخرة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ (٤). ثانياً: نسبة الحوادث إلى حركة الشمس: من القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية نسبة الحوادث إلى حركة الشمس، وما تقتضيه هذه الحركة"من السعد والنحس، وتعطيه من السعادة والشقاوة، وتهبه من الأعمار والأرزاق والآجال، والصنائع والعلوم والمعارف، والصور الحيوانية والنباتية والمعدنية، وسائر ما في هذا العالم من الخير والشر" (٥).

стр. 283

وليس في القرآن ولا السنة ما يدل على ذلك، بل فيهما ما يبطله ويرده، وقد بين النبي ﷺ في حديث الكسوف بطلان ما يعتقده أهل الجاهلية أن كسوف الشمس أو القمر لموت أحد أو حياته، فقال: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته" (١). ثالثاً: تحريف معنى سجود الشمس: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف معنى سجود الشمس الوارد في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٢). وعن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت" (٣). فقال بعضهم أن المراد بهذا السجود الخشوع والانقياد. وقيل المراد بالسجود الدلالة على الله، يعني أن هذه المخلوقات تدل على الله، وعلى أنه يستحق أن يسجد له كل شيء، وأن يعبده كل شيء (٤).

стр. 284

وقيل المراد بسجود الشمس هو سجود الملَك الموكل بها (١). وأما سجودها تحت العرش، فإن العرش لعظم ذاته كالرحى فأينما سجدت الشمس سجدت تحت العرش وذلك مستقرها (٢). وقيل المراد بالسجود تحت العرش هو وقوعها تحته حقيقة في آخر الدنيا عند انقضاء مهمتها، وسكون حركتها. والمعنى أن الشمس تبقى في شأنها إلى أن يأذن الله بفساد العالم، فتقع تحت العرش ساجدة (٣). وقيل أن تقييد السجود بتحت العرش كناية عن رجوعها إلى الله، ومبالغة في الانقياد وعبارة عن تمام ذلك. والمعنى في ذلك المبالغة، ولا تراد الحقيقة. فقوله إنها تسجد تحت العرش يعنى أنها خاضعة له أكمل الخضوع وأتمه (٤). فالحديث عبارة عن أن الشمس مسخرة لله، خاضعة لأمره الكوني، سائرة على حسب ما أراد وقدر، حتى كأنها عاقلة، تسمع خطابه (٥). والجواب أنه قد سبق في مبحث عبودية الكائنات (٦) أن هذه الآيات الكونية تسجد لله سجوداً حقيقياً الله أعلم بكيفيته، وأن كل شيء يسجد لله طوعا وكرها، وأن سجود كل شيء مما يختص به (٧)، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ

стр. 285

لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (١). وهذه الأقوال التي ذكرت ليس عليها دليل ومخالفة" لظاهر الحديث، وعدول عن حقيقته، وإنما أخبر عن غيب فلا نكذبه ولا نكيفه، إن علمنا لا يحيط به" (٢). رابعاً: إنكار استئذان الشمس لطلوعها: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف معنى استئذان الشمس الوارد في السنة من حديث أبي ذر ﵁ قال: "دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس، فلما غابت الشمس، قال يا أبا ذر: هل تدري أين تذهب هذه؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب فتستأذن في السجود، فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها" (٣). فقيل بأن استئذان الشمس مجاز يراد به طاعتها لخالقها، وطلوعها وغروبها بمشيئته وإرادته، حتى كأنه يأمرها وينهاها فتعقل عنه، وحتى كأنها تستأذنه في رواحها وغدوها، وهذا كله يعبر عن الخضوع (٤). ونقول في ذلك مثل ما سبق في السجود، وأنها تستأذن حقيقة، والله أعلم بكيفية ذلك، فقد أخبرنا أنها تستأذن، ولم يخبرنا كيف تستأذن.

стр. 286

خامساً: إنكار حبس الشمس: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار حبسها لنبي من الأنبياء، وأن هذا يتعارض مع نواميس الكون، ويحدث له اضطرباً. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنماً أو خلْفات، وهو ينتظر ولادها، فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه" (١). والجواب عن أن الأمر متعلق بآية وكرامة لنبي من أنبيائه، "وحبس الشمس على هذا النبي من أعظم معجزاته، وأخص كراماته" (٢)، وما نواميس الكون ومسير الشمس والقمر إلا أمر من المعتاد على الناس، فإذا أمرهما خالقهما بالتخلف، أو التأخر، أو حتى تغيير الوجهة تماما، فلا يسعهما إلا الامتثال لأوامر الله والله على كل شيء قدير (٣). سادساً: إنكار جريان الشمس: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار جريانها، وأنها ثابتة، وأن الذي يسير هو الفلك (٤). وقد أخبر الله في آيات كثير أن الشمس تجري، فقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ

стр. 287

الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٣)، إلى غير ذلك من الآيات، فيجب علينا" أن نأخذ في هذا الأمر بظاهر القرآن، وألا نلتفت لقول أحد مخالف لظاهر القرآن؛ لأننا متعبدون بما يدل عليه القرآن؛ ... ولأن الذي أنزل القرآن أعلم بما خلق، قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٤)، " (٥)، "وهذه الآيات الكريمات دلائل قاطعة، وبراهين ساطعة على أن الشمس جارية لا ثابتة" (٦). سابعاً: اعتقاد أن نور الشمس من نور الكرسي: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية اعتقاد أن نور الشمس جزء من نور الكرسي، والكرسي جزء من نور العرش، ونور العرش جزء من نور الستر (٧)، واستدلوا على ذلك بقول عكرمة ﵁ أنه قال: "لو جعل الله نور جميع أبصار الإنس والجن والدواب والطير في عيني عبد، ثم كشف حجاباً واحداً من سبعين حجابا دون الشمس، لما استطاع أن ينظر إليها، ونور

стр. 288

الشمس جزء من سبعين جزءًا من نور الكرسي، ونور الكرسي جزء من سبعين جزءًا من نور العرش، ونور العرش جزء من سبعين جزءًا من نور الستر. فانظر ماذا أعطى الله عبده من النور في عينيه وقت النظر إلى وجه ربه الكريم عيانا". وهذا الأثر ضعيف ولا يثبت (١). ثامناً: اعتقاد أن اسم الله مكتوب على الشمس، أو أن نورها من نور الله: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية اعتقاد أن اسم الله مكتوب على الشمس، أو نورها من نور الله، ولذلك نهى بعض الفقهاء عن استقبال الشمس وقال في علة ذلك: أن اسم الله مكتوب عليها، ومنهم من قال لأن نورها من نور الله (٢). وهذا لم يثبت به حديث عن النبي ﷺ (٣). تاسعاً: إنكار كون كسوف الشمس آية من آيات الله يخوف بهما عبادة: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار كون كسوف الشمس آية من آيات الله يخوف بها عباده، وأن هذا أمر طبيعي.

стр. 289

وقد سبق الكلام على منزلة الأسباب في الشريعة (١)، وأن الناس في هذا المقام طرفان ووسط: الطرف الأول: غلا في إثبات الأسباب، وأن هذه أمور طبيعية. والطرف الثاني: أنكر الأسباب، ورد جميع ما قاله أهل الهيئة من حق وباطل. والوسط: أن كسوف الشمس له أسباب حسية يقدرها الله ، وأنه آية يخوف الله بها عبادة (٢). فأسباب الكسوف وحسابه والنظر في ذلك ليس من علم الغيب، والأحاديث الواردة عن النبي ﷺ ليس فيها"إلا نفي تأثير الكسوف في الموت والحياة على أحد القولين، أو نفي تأثر النيرين بموت أحد أو حياته على القول الآخر، وليس فيه تعرض لإبطال حساب الكسوف، ولا الإخبار بأنه من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله" (٣). وفيها كذلك بيان أنها من آيات الله يخوف بها عباده، والأمر بالأسباب التي يدفع به موجب الكسوف من أمر النبي ﷺ بالعتاقة والصلاة والدعاء والصدقة (٤). "وكونه تخويفا لا ينافي ما قدره أهل الهيئة فيه؛ لأن لله أفعالا على حسب العادة، وأفعالا خارجة عنه، وقدرته حاكمة على كل سبب ومسبب بعضهما على بعض" (٥).

стр. 290

وليس"من شرط التخويف ألا يكون له سبب، فإن الله كون العالم على هذا الشكل الذي يوجد فيه كسوف، ولو شاء لكونه على خلاف ذلك" (١). والتخويف الذي يحصل لأهل الإيمان من هذه الآية" من وجوه متعددة، أوضحها: أن ذلك مذكر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة، ويمكن أن يكون ذلك الكسوف منها، ولذلك قام النبي ﷺ فزعًا يخشى أن تقوم الساعة؛ وكيف لا وقد قال الله : ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (٢)؟ . وأيضًا فإن كل ما في هذا العالم علويّه وسفليّه دليل على نفوذ قدرة الله تعالى، وتمام قهره، واستغنائه، وعدم مبالاته، وذلك كله يُوجب عند العلماء بالله خوفه وخشيته؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣)، وخصّ هنا خسوفهما بالتخويف؛ لأنهما أمران علويان نادران طارئان عظيمان، والنادر العظيم مخوف موجع، بخلاف ما يكثر وقوعه، فإنه لا يحصل منه ذلك غالبًا. وأيضًا فلما وقع فيهما من الغلط الكثير للأمم التي كانت تعبدهما، ولما وقع للجهّال من اعتقاد تأثيرتهما" (٤). العاشر: الجزم بوقوع الكسوف: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية الجزم بوقوع الكسوف،

стр. 291

ووقوع الكسوف يدرك بالحساب، وليس من علم الغيب والمستقبل، إلا أنه لا يجزم بوقوعه، ولا يصدق القائل به ولا يكذب، لأنه أمر حسابي قد يصيب وقد يخطئ، كأخبار بني إسرائيل (١)، "وفرق بين من يعلن ذلك ويجزم به، وبين من يخبر عن أهل الحساب أنهم يقولون ذلك" (٢). وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن تحديد أهل الحساب لوقت الكسوف: فبين أن حكم ذلك حكم أخبار بني إسرائيل التي قال فيها رسول الله ﷺ : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم" (٣)، والعلة في ذلك هو احتمال أَن يكون ما ذكروه حقًا فيكون من كذبهم مكذبًا بحق، أو احتمال أَن يكون ما اخبروا به كذبًا فيكون من صدقهم مصدقًا بالكذب. ومثلهم المخبرين عن الكسوف والخسوف قد يكونون مصيبين في حسابهم فيكون مكذبهم مكذبًا بصدق، وقد يكونون مخطئين فيكون مصدقهم مصدقًا بالباطل والكذب (٤). الحادي عشر: تحديد عمر الشمس: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحديد عمر الشمس في الماضي بـ ٤.٤٩ مليار سنة، وأنها تبقى قريبا من هذا الرقم (٥)، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٦).

стр. 292

والله أخبر أن الساعة من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا هو، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١)، والشمس إنما تجمع عند قيام الساعة، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (٢). الثاني عشر: سب الشمس: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية سب الشمس، وقد ورد النهي عن ذلك، فعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تسبوا الليل ولا النهار، ولا الشمس ولا القمر، ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم، وعذابا لقوم" (٣). فهي من مخلوقات الله المسيرة بأمره، وسبها يعود على خالقها، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: "يؤذني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر اقلب الليل والنهار" (٤).

стр. 293

الثالث عشر: مشابهة المشركين في السجود للشمس عند طلوعها أو غروبها: من المخالفات المتعلقة بهذه الآية الكونية مشابهة المشركين في الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ فإنه وقت مقارنة الشيطان للشمس وعند ذلك يسجد لها الكفار، وقد نهى النبي ﷺ عن الصلاة في هذه الأوقات. "فهذه الصلاة في وقت النهي فيها مصلحة تكثير العبادة، وتحصيل الأرباح، ومزيد الثواب، والتقرب إلى رب الأرباب، وفيها مفسدة المشابهة بالكفار في عبادة الشمس، وفي تركها مصلحة سد ذريعة الشرك، وفطم النفوس عن المشابهة للكفار حتى في وقت العبادة، وكانت هذه المفسدة أولى بالصلاة في أوقات النهي من مصلحتها، فلو شرعت لما فيها من المصلحة لفاتت مصلحة الترك وحصلت مفسدة المشابهة التي هي أقوى من مصلحة الصلاة حينئذ" (١) الرابع عشر: الطعن في القرآن وزعم تناقضه حيث ورد فيه لفظ "المشرق" بصيغة الإفراد، والتثنية، والجمع . من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية زعمهم التناقض في القرآن، فقالوا: إنه ورد في القرآن آيات متناقضة، فورد لفظ المشرق مرة بصيغة الإفراد في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (٢)، ومرة بصيغة التثنية في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ (٣)، ومرة بصيغة الجمع في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ (٤)، وهذا تناقض.

стр. 294

وقد بين أهل العلم المراد بذلك، فقالوا: إن قوله: " ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (١)، المراد به جنس المشرق والمغرب، فهو صادق بكل مشرق من مشارق الشمس التي هي ثلاثمائة وستون، وكل مغرب من مغاربها التي هي كذلك، فلله المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم. وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾، يعني مشرق الشتاء، ومشرق الصيف ومغربهما. وقيل: مشرق الشمس والقمر ومغربهما. وقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ أي: مشارق الشمس ومغاربها الثلاثمائة وستون. وقيل: مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها" (٢). الخامس عشر: الأقوال والألفاظ المخالفة: ١ - تسمية بعض الزهور بـ"عباد الشمس ": وهذا أمر لا يجوز لأن الزهور لا تعبد الشمس وهو تعبيد لغير الله، وهي إنما تعبد الله كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٣). "وإنما يقال عبارة أخرى ليس فيها ذكر العبودية كمراقبة الشمس، ونحو ذلك من العبارات" (٤).

стр. 295

٢ - التسمية بـ" عبد الشمس ": وهذا تعبيد لغير الله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " كان المشركون يعبدون أنفسهم وأولادهم لغير الله؛ فيسمون بعضهم عبد الكعبة، كما كان اسم عبد الرحمن بن عوف، وبعضهم عبد شمس، كما كان اسم أبى هريرة، واسم عبد شمس بن عبد مناف، وبعضهم عبد اللات، وبعضهم عبد العزى، وبعضهم عبد مناة وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله، من شمس أو وثن أو بشر أو غير ذلك مما قد يشرك بالله. ونظير تسمية النصارى عبد المسيح. فغير النبى ﷺ ذلك وعبدهم لله وحده" (١).

стр. 296

الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية: ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها: ١ - دعاء النبي ﷺ على الشمس: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت، فقال: "في نار الله الحامية، في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من أمر الله، لأحرقت ما على الأرض" (١). ٢ - الشمس والقمر ثوران عقيران في النار: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " الشمس والقمر ثوران عقيران في النار" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة". فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: أحسبه قال: وما ذنبهما (٣).

стр. 297

وقد ورد الحديث عند البخاري بلفظ: "الشمس والقمر مكوران (١) يوم القيامة" (٢). ٣ - خشوع الشمس عند تجلي الله: في بعض ألفاظ حديث الكسوف: "إن الشمس والقمر خَلْقان من خَلْق الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله إذا تَجَلى لشيء من خلقه خشع له" (٣). ٤ - لا تخرج الشمس حتى ينخسها سبعون ألف ملك: عن ابن عباس ﵄ أنه قال له: أرأيت ما جاء عن النبي ﷺ في أمية بن أبي الصلت، آمن شعره، وكفر قلبه، قال: هو حق فما أنكرتم من شعره؟ قالوا أنكرنا قوله: والشمس تطلع كل آخر ليلةٍ ... حمراء يصبح لونها يتوردُ

стр. 298

تأبى فما تطلع لهم في رُسْلها ... إلا معذبةً وإلا تجلدُ فما بال الشمس تجلد؟ فقال: والذي نفسي بيده ما طلعت الشمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك، فيقولون لها: اطلعي اطلعي، فتقول: لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله، فيأتيها ملك عن الله يأمرها بالطلوع، فتشتعل لضياء بني آدم، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع، فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تحتها، وما غربت الشمس قط إلا خرت ساجدة، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن السجود فتغرب بين عينيه، فيحرقه الله تحتها" (١). ٥ - اعتقاد أن الشمس حبست لعلي ﵁ -: عن أسماء بنت عميس ﵂ أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بالصهباء (٢)، ثم أرسل علياً في حاجة، فرجع وقد صلى النبي ﷺ العصر، فوضع النبي ﷺ رأسه في حِجْر علي فنام، فلم يحركه حتى غابت الشمس، فقال النبي ﷺ : " اللهم إن عبدك علياً احتبس بنفسه على نبيه، فرُدَّ عليه الشمس" (٣).

стр. 299

المبحث الثالث القمر القمر في اللغة: القاف والميم والراء أصل صحيح يدلُ على بياضٍ في شيء، ثم يتفرّع منه. ومن ذلك القَمَر: قَمَر السَّماء، سمَّي قمراً لبياضه، وتصغير القمر: قُمير (١). وفي الصحاح (٢): أن القمر بعد ثلاث إلى آخر الشهر سُمّي قَمَراً لبياضه ... وليلة قَمْراءُ أي مُضِيئة، وأقمرت ليلتنا أي أضَاءتْ، وأَقْمَرْنَا أي طلع علينا القَمَرْ. وفي الاصطلاح: هو جرم صغير غير ملتهب، كروي الشكل سيار تابع للأرض (٣). وفي الموسوعة الفلكية: جسم سماوي يدور حول الأرض ... يضيء بواسطة ضوء الشمس المنعكس عليه (٤). وقد ورد لفظ القمر في القرآن في (٢٦) موضعاً (٥)، معظمها جاءت مقترنة بلفظة الشمس في (١٨) موضعاً (٦). ووردت في السنة في (٣٢) حديثاً (٧).

стр. 300

الدلائل العقدية للآية الكونية - القمر -: القمر آية من آيات التي تدل على خالقها وعلى قدرته وعلمه وحكمته، فهو آية عظيمة على عظمة الرب وكبريائه، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (١). وقد سبق في المبحث السابق - عن الآية الكونية الشمس (٢) - كلام ابن القيم ﵀ بأن الله " لم يقسم بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر" (٣). وقال ﵀ عن القمر: "وانظر إلى القمر وعجائب آياته، كيف يُبديه الله كالخيط الدَّقيق، ثم يتزايد نوره، ويتكامل شيئاً فشيئاً كلَّ ليلة حتى ينتهي إلى إبداره وكماله وتمامه، ثم يأخذ في النقصان حتى يعود على حالته الأولى؛ ليظهر من ذلك مواقيتُ العباد في معاشهم وعباداتهم ومناسكهم، فتميَّزت به الأشهر والسنون، وقام به حسابُ العالم مع ما في ذلك من الحكَم والآيات والعبر التي لا يُحصيها إلَاّ الله" (٤). ولما كان القرآن كثيراً ما يقرن بين الشمس والقمر كان الاستدلال بالقمر على المسائل العقدية- في مواضع كثيرة - هو نفس الاستدلال بالشمس،

стр. 301

وسأشير إلى ذلك - إن شاء الله تعالى-. أولاً: وجود الله: سبق في مبحث الآية الكونية الشمس الاستدلال بها في مناظرة إبراهيم ﵇ لقومه على وجود الله (١)، وأنه المستحق للعبادة، وكذلك استدل إبراهيم ﵇ بالقمر من ضمن أدلته على وجود الله وأنه المستحق للعبادة، قال تعال: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢). كما ذكر في المبحث السابق -الشمس- (٣) أن الله ذكر من الأدلة على وجوده وقدرته التامة العظيمة خلق الشمس، وكذلك في هذا الموضع فإن خلق القمر، وتقديره منازلَ، وجعله يسير سيرًا آخر، يستدل به على مضي الشهور (٤)، "يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ثم يزداد نورًا في الليلة الثانية، ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء - وإن كان مقتبسًا من الشمس- حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر، حتى يصير كالعرجون القديم - وهو أصل العذق (٥) -" (٦)، دليل وأضح بيّن على وجود الله ، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ

стр. 302

فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (١). وفي قوله ﷺ : " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله" (٢)، " أي دليلان على وجود الحق سبحانه، وقهره، وكمال الإلهية" (٣). ثانياً: توحيد الربوبية: الرب هو الخالق المدبر المتصرف، والله يخبر أنه رب السماوات والأرض وما بينهما، ومن ذلك القمر (٤)، قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (٧). فالقمر مخلوق مدبر مسخر، لا تصرف له في نفسه بوجه ما، بل ربه وخالقه سبحانه يتصرف به كيف شاء، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٨). وعن طلحة بن عبيد الله ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال، قال:

стр. 303

"اللهم أهلله (١) علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله" (٢). وفي قوله: "ربي وربك الله"، "تنزيه للخالق أن يشاركه في تدبير ما خلق شيء، ... وعلى أن التوجه فيه إلى الرب لا إلى المربوب، والالتفات في ذلك إلى صنع الصانع لا إلى المصنوع" (٣). ولهذا كان النبي ﷺ إذا رأى الهلال كبر، فعن عبد الله ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: " الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله" (٤). "لأنه آية عظيمة على عظمة الرب وكبريائه، والتكبير تعظيم لله، واعتقاد أنه أكبر من كل شيء، وأنه لا شيء أكبر منه" (٥).

стр. 304

ثالثاً: توحيد الأسماء والصفات: ١ - صفة العلم والقدرة: قد سبق في مبحث الشمس (١) بيان الاستدلال بخلقها على كمال قدرة الله وعلمه، وعظيم سلطانه، وأن في جعله الشمس ضياءً والقمر نوراً، وفي جريانهما على نظام واحد، دليل من أعظم الدلائل على علم الله وقدرته. وفي قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٢)، دليل على قدرته وعلمه، حيث جعل "سلطان القمر بالليل، وقدره منازل، فأول ما يبدو صغيرًا، ثم يتزايد نُوره وجرمه، حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر" (٣). وفي آية أخرى بعد أن ذكر التقدير للشمس والقمر، بين أن هذا التقدير من عزيز عليم، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٤). ٢ - صفة الرؤية والعلو: سبق في مبحث الشمس بيان الاستدلال بها على صفة الرؤية والعلو (٥)، وحيث قرن القمر بالشمس في نفس الحديث؛ فإنه يستدل به نفس الاستدلال من إثبات رؤية الله تعالى وعلوه، وأن المؤمنين يرون ربهم كما يرون الشمس والقمر صحواً ليس دونها سحاب، ومن جهة العلو.

стр. 305

رابعاً: توحيد الأولوهية: سبق في مبحث الشمس الاستدلال بها على توحيد الألوهية (١)، وحيث قرن القمر بالشمس في الآيات القرآنية كان وجه الدلالة منه على توحيد الألوهية هو نفس وجه دلالة الشمس على توحيد الألوهية، فإن الخالق لهذه الآية الكونية - القمر - المسخر له هو المستحق للعبادة، والذي يجب أن يفرد بالعبادة كما أنه المتفرد بالخلق والتسخير. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٣). ١ - بعض أنواع العبادات القلبية: أ- الاستعاذة بالله: قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ (٤)، والغاسق: القمر، وإذا وقب: أي دخل في الخسوف، وأخذ الغيبوبة وأظلم، أو دخل في الظلمة (٥). وقد أمر النبي ﷺ بالاستعاذة من القمر إذا وقب، فعن عائشة ﵂ أن

стр. 306

النبي ﷺ نظر إلى القمر فقال: "يا عائشة، تعوذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب" (١). ب- اليقين والإخلاص: إن رؤية الآيات الكونية - ومنها القمر- والتفكر فيها يزيد القلب يقيناً وإيماناً، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٢)، "أي نريه ذلك ليكون عالماً وموقناً" (٣). ثم ذكر الله قول إبراهيم ﵇ بعد غياب القمر، وأنه تبرأ من الشرك، ووجه وجهه لله ، مخلصاً له، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤). وفي حديث الكسوف حث النبي ﷺ عند رؤية هذه الآية إلى الإخلاص لله، حيث أمر بالمبادرة بالعبادة لله تعالى (٥). ٢ - القسم: سبق في المبحث السابق الشمس إقسام الله بها (٦)، وحيث قرن القمر

стр. 307

بالشمس، فإنه ذكر معها في الآيات المقسم بها، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ (١). كما أقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره، على أن سقر -جهنم- إحدى الأمور العظام، لاشتمال هذه المذكورات على آيات الله العظيمة، الدالة على كمال قدرة الله وحكمته، وسعة سلطانه، وعموم رحمته، وإحاطة علمه (٢)، فقال تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ (٣). ٣ - التوسل: سبق في المبحث السابق: الشمس (٤) بيان أن من دعاء النبي ﷺ : " اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، اقض عني الدين، وأغنني من الفقر، وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك" (٥). وأن هذا توسل إلى الله بما وصف من أفعاله به نفسه - ومنه جعل الشمس والقمر حسباناً - في قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٦).

стр. 308

خامساً: الإيمان بالرسل: قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (١)، وقد كان هذا في زمن رسول الله ﷺ (٢)، وهو من الأدلة والآيات البينة على نبوة محمد ﷺ . فقد سأل أهل مكة رسولَ الله ﷺ آية، فأراهم انشقاق القمر، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "سأل أهل مكة النبي ﷺ آية، فانشق القمر بمكة مرتين، فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ " (٣). وعنه ﵁ أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شِقَّين، حتى رأوا حِرَاء بينهما (٤). وعن ابن مسعود ﵁ قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقين حتى نظروا إليه، فقال رسول الله ﷺ : " اشهدوا" (٥). وفي شمائل الرسول ﷺ وصف وجه كأنه قطعة قمر، ففي قصة توبة كعب بن مالك ﵁، قال: " فلما سلمت على رسول الله ﷺ ، وهو يبرق وجهه من السرور، وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه" (٦). وقد سئل البراء ﵁: " أكان وجه النبي ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر" (٧).

стр. 309

"كأن السائل أراد أنه مثل السيف في الطول، فرد عليه البراء ﵁ فقال: بل مثل القمر، أي في التدوير، ويحتمل أن يكون أراد مثل السيف في اللمعان والصقال؟ فقال: بل فوق ذلك، وعدل إلى القمر لجمعه الصفتين من التدوير واللمعان" (١). سادساً: الإيمان باليوم الآخر: سبق في المبحث السابق: الشمس بيان الاستدلال بها على الإيمان باليوم الآخر (٢)، وحيث قرن القمر بالشمس؛ فإنه يستدل به على الإيمان باليوم الآخر بنفس الاستدلال بالشمس. وقد ذكر الله أنه يفصّل الآيات - ومنها القمر- لعل الناس يوقنون بلقاء ربهم، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، ثم قال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (٣) أي" يفصل لكم ربُّكم آيات كتابه، فيبينها لكم احتجاجًا بها عليكم، أيها الناس، لتوقنوا بلقاء الله، والمعاد إليه، فتصدقوا بوعده ووعيده، وتنزجروا عن عبادة الآلهة والأوثان، وتخلصوا له العبادة إذا أيقنتم ذلك" (٤). وكما ذُكر أيضاً في المبحث السابق: الشمس (٥)، وجه الدلالة على البعث، من جهة أن الذي خلق هذه الآيات العظيمة - ومنها الشمس والقمر - قادر على البعث بعد الموت، وإعادة الخلق.

стр. 310

وفي بيان أول زمرة (١) تدخل الجنة بين ﷺ أنهم على صورة القمر، فقال: "إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوء كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً زمرة واحدة، منهم على صورة القمر" الحديث (٣). " يعني: أنهم في إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه، وكماله، وهي ليلة أربعة عشر، وبذلك سمي القمر بدراً في تلك الليلة، ومقتضى هذا أن أبواب الجنة متفاوتة بحسب درجاتهم" (٤). وقد أقسم الله تعالى بآيات الليل - ومنها القمر إذا امتلأ نورًا بإبداره (٥) - على ركوب الناس أطواراً متعددة، وأحوالاً متابينة، من خلق في مراحل متعددة، ثم موتٍ، ثم بعثٍ ومجازاةٍ، وهذه الأمور دالة على أن الله وحده هو المعبود، المدبر لعباده بحكمته ورحمته، وعلى البعث والجزاء (٦)، قال تعال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ الآيات (٧).

стр. 311

سابعاً: الإيمان بالقدر: سبق في المبحث السابق: الشمس الاستدلال بها على الإيمان بالقدر (١)، وحيث قرن القمر بالشمس فإنه يستدل به نفس الاستدلال بالشمس على الإيمان بالقدر من جهة خلق الله للأشياء ومنها القمر، وتسخيره له على مقتضى حكمته، وأن ذلك بتقدير من العزيز العليم، قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٣).

стр. 312

القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية: أولاً: عبادة القمر: من القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية أنها عبدت من دون الله ، فجعلوا القمر إلهاً ورباً (١)، وجعلوا له مصحفاً، ويسبحون له ويدعونه. وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: "يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ومن كان يعبد القمر القمر" (٢). وسبق في المبحث السابق: الشمس (٣) كلام ابن القيم ﵀ عن تعظيم المشركين للشمس والقمر والكواكب، وأنهم يسجدون لها، ويتذللون لها، ويسبحونها تسابيح لها معروفة في كتبهم، ودعوات لا ينبغي أن يدعى بها إلا خالقها وفاطرها وحده. وأنهم جعلوا للقمر مصحفاً، وتسبيحةً خاصة، وأن في مصحف القمر من مخاطبته بالخطاب الذي لا يليق إلا بالله ، ولا ينبغي لأحد سواه، ومن الخضوع والذل والعبادة. وسبق بيان أنهما مخلوقان من مخلوقاته، تحت قهره وتسخيره، وأنهما يسجدان لخالقهما، وأن الله نهى عن عبادتهما والسجود لهما، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ

стр. 313

وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ (٢). وفي حديث رؤية الهلال (٣): قوله: "ربي وربك الله": "فيه إثبات أن الناس والقمر وجميع المخلوقات كلها مربوبة لله مسخرة بأمره خاضعة لحكمه، وفي هذا رد على من عبدها من دون الله. وفيه إقتداء النبي ﷺ بأبيه إبراهيم ﵇ حيث قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (٤)، بعد قوله ﴿هَذَا رَبِّي﴾ (٥) " (٦). ثانياً: نسبة الحوادث إلى حركة القمر: سبق في المبحث السابق: الشمس (٧) بيان أن من القوادح العقدية نسبة الحوادث إلى حركة الشمس، وما تقتضيه هذه الحركة من السعود والنحوس، وما تعطيه من السعادة والشقاوة، وتهبه من الأعمار والأرزاق والآجال، والصنائع والعلوم والمعارف، والصور الحيوانية والنباتية والمعدنية، وسائر ما في هذا العالم من الخير والشر. وبيان أنه ليس في القرآن ولا السنة ما يدل على ذلك، بل فيهما ما يبطله ويرده، وقد بين النبي ﷺ في حديث الكسوف بطلان ما يعتقده أهل الجاهلية

стр. 314

من أن كسوف الشمس أو القمر لموت أحد أو حياته، فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته" (١). وكذلك يقال في القمر، وأن حركته ليس لها تأثير في الحوادث، وأن القمر مسخر بأمر الله (٢)، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). ثالثاً: تحريف معنى سجود القمر: سبق في المبحث السابق: الشمس (٤)، بيان أن من المخالفات العقدية تحريف معنى سجود الشمس الوارد في الكتاب والسنة، في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٥). فقال بعضهم: أن المراد بهذا السجود الخشوع والانقياد، وقيل: المراد بالسجود الدلالة على الله. وكذلك قيل في سجود القمر. والجواب أنه قد سبق في مبحث عبودية الكائنات (٦) أن هذه الآيات الكونية تسجد لله سجوداً حقيقياً الله أعلم بكيفيته، وأن هذا السجود من الأمور الغيبية التي يجب أن نصدق بها ونسلم، وأن كل شيء يسجد لله طوعا

стр. 315

وكرها، وأن وسجود كل شيء مما يختص به (١)، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٢). رابعاً: اعتقاد أن اسم الله مكتوب على القمر، أو أن نوره من نور الله: سبق في المبحث السابق: الشمس (٣) أن من المخالفات العقدية اعتقاد أن اسم الله مكتوب على الشمس، أو نورها من نور الله، ولذلك نهى بعض الفقهاء عن استقبال الشمس وقال في علة ذلك: أن اسم الله مكتوب عليها، ومنهم من قال لأن نورها من نور الله. وكذلك قيل في القمر، أن اسم الله مكتوب عليه، أو أن نوره من نور الله (٤)، وهذا لم يثبت به حديث عن النبي ﷺ (٥). خامساً: إنكار كون خسوف القمر آية من آيات الله يخوف الله به عبادة: سبق في المبحث السابق: الشمس (٦) بيان أن من المخالفات العقدية إنكار كون كسوف الشمس آية من آيات الله يخوف بها عباده، وأن هذا أمر طبيعي. وبينتُ فيه منزلة الأسباب في الشريعة، وأن الناس في هذا المقام طرفان ووسط:

стр. 316

الطرف الأول: غلا في إثبات الأسباب، وأن هذه أمور طبيعية. والطرف الثاني: أنكر الأسباب، ورد جميع ما قاله أهل الهيئة من حق وباطل. والوسط: أن كسوف الشمس له أسباب حسية يقدرها الله ، وأنه آية يخوف الله بها عبادة. وأن أسباب الكسوف وحسابه والنظر في ذلك ليس من علم الغيب، وأن حدوث الكسوف آية يخوف الله بها عبادة، وأن ذلك لا يتعارض مع الأسباب الحسية ومعرفتها. وأنه ليس من شرط التخويف أن لا يكون له سبب. وأن التخويف الذي يحصل لأهل الإيمان من هذه الآية من وجوه متعددة، أوضحها: أن ذلك مذكر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة، ويمكن أن يكون ذلك الكسوف منها، ولذلك قام النبي ﷺ فزعًا يخشى أن تقوم الساعة، وكيف لا وقد قال الله : ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (١)؟ . وكذلك يقال في خسوف القمر، وأنه آية من آيات الله يخوف الله به عباده. سادساً: الجزم بوقوع الخسوف: سبق في المبحث السابق: الشمس (٢) أن من المخالفات العقدية الجزم بوقوع الكسوف، وبيان أن معرفة وقوع الكسوف لا يلزم منه وقوعه، وأن أخبار الحسابين كأخبار بني إسرائيل، لا تصدق ولا تكذب. وكذلك يقال في خسوف القمر، وأنه لا يجوز الجزم بوقوعه، وأن أمر الحسابين في ذلك لا يصدق، ولا يكذب.

стр. 317

سابعاً: إنكار انشقاق القمر: إن من دلائل نبوة محمد ﷺ انشقاق القمر له ﵊، وقد أنكر كفار قريش ذلك، وقالوا: إنه سحر (١)، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة. قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السّفَّار، فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال: فجاء السّفَّار فقالوا: ذلك" (٣). ثامناً: سب القمر: سبق في المبحث السابق: الشمس (٤) بيان أن من المخالفات العقدية سب الشمس، وذكر الحديث الوارد في ذلك، وفيه النهي أيضاً عن سب القمر، فعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تسبوا الليل ولا النهار، ولا الشمس ولا القمر، ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم، وعذابا لقوم" (٥).

стр. 318

وبيان أن سبها يعود على خالقها، وأن الله تعالى قال في الحديث القدسي: "يؤذني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر اقلب الليل والنهار" (١). تاسعاً: استقبال القمر عند الدعاء كاستقبال القبلة عند الصلاة: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية استقبال الهلال عند الدعاء كما تستقبل القبلة عند الصلاة، "وكل ذلك لا يجوز؛ لما تقرر في الشرع أنه لا يستقبل بالدعاء إلا ما يستقبل بالصلاة" (٢). عن على ﵁ قال: "إذا رأى أحدكم الهلال فلا يرفع به رأسا، بل يكفي أحدكم أن يقول: ربي وربك الله" (٣). وعن ابن عباس ﵄ " أنه كره أن ينتصب للهلال، ولكن يعترض فيقول: الله أكبر الحمد لله الذي أذهب هلال كذا وكذا، وجاء بهلال كذا وكذا" (٤).

стр. 319

الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية: ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها: ١ - سحر القمر: عن ابن عباس ﵄ قال: "كُسِفَ القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: سُحِر القمر، فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (١) " (٢). ٢ - الشمس والقمر ثوران عقيران في النار: سبق في المبحث السابق: الشمس (٣) بيان ضعف الحديث الوارد في ذلك وأنه لا يصح. ٣ - خشوع القمر عند تجلي الله: في بعض ألفاظ حديث الكسوف: "إن الشمس والقمر خَلْقان من خَلْق الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله إذا تَجَلى لشيء من خلقه خشع له". وسبق في المبحث السابق: الشمس بيان ضعف هذالزيادة في الحديث وأنها لا تصح (٤).

стр. 320

المبحث الرابع: النجم النجم في اللغة: النون والجيم والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على طلوع وظهور، ونَجَمَ النَّجمُ: طَلَعَ، ونجم السن والقرنُ: طلعا. والنجم الثريا، اسم لها. وإذا قالوا طلع النجم، فإنهم يريدونها. وليس لهذا الحديث نجم، أي أصل ومَطْلَع (١). وفي الصحاح: النجم: الكوكب. والنجم الثريا، وهو اسم لها علم، فإذا قالوا طلع النجم يريدون الثريا، وإن أخرجت منه الألف واللام تَنَكّر (٢). وفي الاصطلاح: النَّجمة كرة ضخمة من غاز متوهج في السماء (٣). وفي الموسوعة الفلكية: النجم: كرة غازية مضيئة، وذات درجة حرارة عالية (٤). النوء في اللغة: نوى: النون والواو والحرف المعتلّ أصلٌ صحيح يدلُّ على معنيين: أحدهما مَقْصَدٌ لشيء، والآخر عَجَمُ شيء. وبالهمز كلمةٌ تدلُّ على النُّهُوض وناءَ ينوءُ نوءاً: نَهَضَ .... والنَّوْءُ من
следующие страницы →