صفات كمال ومدح وتوحيد، كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (١) .. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٢). الآيات، بخلاف ما إذا عدت مجردة عن متعلقاتها وما سيقت فيه وله" (٣).
ثانياً: تحريف معنى سجود الأشجار:
قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (٤) والنجم ما لا ساق له، والشجر ما له ساق (٥).
فقيل في سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذا طلعت ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء. وقيل: سجودهما دوران الظل معهما، وقيل: إن معنى السجود أنها مسخرة لله فلا تعبدوها، وقيل: أصل السجود في اللغة الاستسلام والانقياد لله ، فهو من الموات كلها استسلامها لأمر الله وانقيادها له (٦).
وقد سبق في مبحث عبودية الكائنات (٧) أن سجود هذه الكائنات سجود حقيقي الله أعلم بكيفيته لقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٨).
стр. 562
المبحث التاسع الأمراض
المرض في اللغة:
الميم والراء والضاد أصل صحيح يدل على ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة في أي شيء كان. منه العِلَّة. والمرض السقم نقيض الصحة يكون للإنسان والبعير، وهو اسم للجنس، ومرض فلان مرَضاً ومرْضاً فهو مارض ومَرِض ومريض، والأنثى مريضة. وشمس مريضة، إذا لم تكن مشرقة.
والمَرْضُ والمرَضُ الشَّكُّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (١) أَي شكٌّ ونفاقٌ وضَعْفُ يَقِين، يقال المرَضُ والسُّقْم في البدَن والدِّينِ جميعاً، كما يقال الصِّحةُ في البدَن والدين جميعاً، والمرَضُ في القلب يَصْلُح لكل ما خرج به الإِنسان عن الصحة في الدين ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (٢)، ويقال قلب مَرِيضٌ من العَداوةِ وهو النِّفاقُ (٣).
وفي الاصطلاح:
المرض اعتلال الجسم أو العقل. وقد يكون المرض عارضا خفيفا مثل التهاب الحلق أو خطيرا مثل النوبة القلبية. ويمكن للأمراض أن تصيب أي جزء في الجسم. كما يمكنها أن تؤثر على صحة الشخص العقلية والوجدانية.
وتحدث أمراض عديدة بسبب كائنات حية دقيقة مثل البكتيريا أو الفيروسات، تقوم بغزو الجسم. وهذه الكائنات الدقيقة تسمى عادة جراثيم
стр. 563
ولكن العلماء يسمونها أحياء مجهرية.
وتسمى الأمراض الناتجة عن هذه الأحياء الأمراض المعدية، وتسمى الأمراض الأخرى أمراضا غير معدية (١).
وقد ورد لفظ المرض في القرآن في (١٢) موضعاً (٢)، وورد في السنة في (١١) حديثاً (٣).
وذكر بعض المفسرين أن المرض في القرآن على ثلاثة أوجه (٤):
أحدها: مرض البدن. ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (٧).
والثاني: الشك. ومنه قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (٨)، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ (٩)، وقوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ (١٠).
والثالث: الفجور. ومنه قوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (١١).
стр. 564
الدلائل العقدية للآية الكونية - الأمراض -:
الله حكيم عليم، لم يخلق شيئاً إلا وله فيه حكمة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، ومن حكمته أن خلق الصحة وخلق ما يضادها من الأمراض، وهذا من آيات الله العظيمة التي أمر الله بالتفكر فيها (٢).
"ومن تأمل خلق الأضداد فى هذا العالم، ومقاومة بعضها لبعض، ودفع بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، تبين له كمال قدرة الرب تعالى، وحكمته، وإتقانه ما صنعه، وتفرده بالربوبية والوحدانية والقهر، وأن كل ما سواه فله ما يضاده ويمانعه، كما أنه الغنى بذاته، وكل ما سواه محتاج بذاته" (٣).
ولله في هذه الأمراض حكم عظيمة، فمن فوائد المرض وتمام نعمة الله على عبده، أنه ينزل بعبده من الضر والشدائد ما يلجئه إلى المخاوف، حتى يلجئه إلى التوحيد، ويتعلق قلبه بربه فيدعوه مخلصاً له الدين، قال الله تعالى عن نبيه أيوب ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٤).
فكشف الله ضره وأثنى عليه، فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٥).
стр. 565
ومن فوائد المرض: انتظار المريض للفرج، الأمر الذي يجعل العبد يتعلق قلبه بالله وحده، وخصوصاً إذا يئس المريض من الشفاء من جهة المخلوقين وحصل له الإياس منهم وتعلق قلبه بالله وحده، وهو من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج.
ومن فوائد المرض: أنه علامة على إرادة الله بصاحبه الخير، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من يرد الله به خيراً يصب منه " (١).
ومن فوائد المرض: أن الله يستخرج به الشكر، فإن العبد إذا ابتلي بعد الصحة بالمرض، وبعد القرب بالبعد، اشتاقت نفسه إلى العافية، وبالتالي تتعرض إلى نفحات الله بالدعاء، فإنه لا يرد القدر إلا الدعاء، بل ينبغي له أن يتوسل إلى الله ولا يتجلد تجلد الجاهل؛ فإن الله أمر العبد أن يسأله تكرماً، وهو يغضب إذا لم تسأله، فإذا منح الله العبد العافية وردها عليه عرف قدر تلك النعمة؛ فلهج بشكره شكر من عرف المرض وباشر وذاق آلامه لا شكر من عرف وصفه ولم يقاس ألمه، فإذا نقله ربه من ضيق المرض والفقر والخوف إلى سعة الأمن والعافية والغنى فإنه يزداد سروره وشكره ومحبته لربه بحسب معرفته وبما كان فيه.
ومن فوائد المرض: معرفة العبد ذله وحاجته وفقره إلى الله، فأهل السماوات والأرض محتاجون إليه سبحانه، فهم فقراء إليه وهو غني عنهم، ولولا أن سُلط على العبد هذه الأمراض لنسي نفسه، فجعله ربه يمرض ويحتاج، لتظهر بذلك عبوديته لربه، وفي الأمراض من الحِكم والأسرار ما لا يعمله إلا الله تعالى.
стр. 566
أولاً: توحيد الربوبية:
الأمراض خلق من خلق الله فعن أم الدرداء ﵂ عن النبي ﷺ قال: "إن الله خلق الداء والدواء، فتداووا ولا تتداووا بحرام" (١).
وعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء، فتداووا" (٢).
ثانياً: توحيد الأسماء والصفات:
١ - نفي الشر عن الله:
من مقتضى الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات الإيمان بأن أفعال الله كلها خير محض من حيث اتصافه بها وصدورها عنه، ليس فيها شر بوجه من الوجوه، وأما من جهة العبد فنفس المقدور قد يكون شراً لما يلحقه من المهالك (٣)، وقد قال النبي ﷺ : " والخير كله في يديك والشر ليس إليك" (٤)، وفيما يتعلق بهذه الآية الكونية -الأمراض- أخبر الله عن إبراهيم ﵇ أنه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٥) فأسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلَقْه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا، كما قال تعالى آمرًا للمصلي أن يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
стр. 567
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١) فأسند الإنعام إلى الله، ، والغضب حُذف فاعله أدبًا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن (٢): ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ (٣).
٢ - العلو:
من أنواع الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على علو الله نزول الأمر من الله تعالى (٤)، ومن ذلك نزول الداء والدواء من الله، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء " (٥).
والمراد إنزال علم ذلك الدواء والشفاء (٦).
٣ - الشافي:
من أسماء الله الشافي (٧)، فهو سبحانه وحده الشافي لجميع الأمراض، وقد دل على هذا الاسم حديث عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يعوذ بعضهم يمسحه بيمينه، أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً " (٨).
стр. 568
٤ - الطبيب:
عد بعض أهل العلم الطبيب من أسماء الله (١)، عن أبي رمثة ﵁؛ قال: "أتيت للنبي ﷺ مع أبي فرأى التي بظهره، فقال: يا رسول الله، ألا أعالجها لك فإني طبيب، قال: أنت رفيق والله الطبيب" (٢).
وعن عائشة ﵂: قالت: "مرض رسول الله ﷺ فوضعت يدي على صدره، فقلت: اذهب البأس، رب الناس، أنت الطبيب، وأنت الشافي، وكان رسول الله ﷺ يقول: الحقني بالرفيق الأعلى والحقني بالرفيق الأعلى " (٣).
ثالثاً: توحيد الألوهية:
كثيراً ما يستدل الله وجل في كتابه على المشركين بإقرارهم بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، ومما يتعلق بهذه الآية الكونية -الأمراض- أن إبراهيم ﵇ حين تبرأ من المشركين وآلهتهم التي تعبد إلا الله رب العالمين ذكر من جملة صفاته أنه يشفي المرض (٤)، فقال تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
стр. 569
(٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (١).
١ - التوكل:
جاء في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأن ذلك لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والبرد، وأن فعل هذه الأسباب التي جعلها الله أسباباً مما أمرت به الشريعة، وأن تركها يقدح في التوكل ويضعفه (٢).
وأخبر النبي ﷺ أن المرض لا يعدي بنفسه، وأن مخالطة المريض لا تضر إلا بإذن الله وأنه سبحانه هو المقدر لذلك فوجب فعل الأسباب بالابتعاد عن أسباب الشر، والتوكل على الله، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى (٣)، فقام أعرابي فقال أرأيت الإبل تكون في الرمال أمثال الضباء، فيأتيها البعير الأجرب فتجرب. فقال النبي ﷺ : فمن أعدى الأول" (٤).
والمرض يتعدى من محل إلى محل، ويتعدى من المريض إلى السليم، ويتعدى من الجربى إلى الصحيحة، هذا شيء موجود.
فبين الرسول ﷺ ، أن مجرد مقاربة المريض أو القدوم على المحل الموبوء هذا سبب، أما التأثر فهو بيد الله ، فقد يدخل الإنسان في الأرض الموبوءة ولا يصاب، وقد يورد الممرض على المصح ولا
стр. 570
يصاب، قد ينام المريض بجانب الصحيح ولا يصاب، وقد يصاب، فما وجه التفريق بين الحالتين؟ وجه التفريق: أن هذا راجع إلى مشيئة الله تعالى (١).
٢ - الدعاء:
كان من هدي النبي ﷺ الدعاء عند وجود المرض، والاستعاذة بالله ، فعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أتى المريض يدعو له، قال أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً" (٢)، وهذا الدعاء من جملة الأسباب التي أمر الله بها، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٣)، "وقد تواترت الأحاديث بالاستعاذة من الجنون والجذام وسيء الأسقام ومنكرات الأخلاق والأهواء والأدواء، فمن ينكر التداوي بالدعاء يلزمه أن ينكر التداوي بالعقاقير، ولم يقل بذلك إلا شذوذ، والأحاديث الصحيحة ترد عليهم، وفي الالتجاء إلى الدعاء مزيد فائدة ليست في التداوي بغيره لما فيه من الخضوع والتذلل للرب سبحانه، بل منع الدعاء من جنس ترك الأعمال الصالحة اتكالاً على ما قدر فيلزم ترك العمل جملة، ورد البلاء بالدعاء كرد السهم بالترس، وليس من شرط الإيمان بالقدر أن لا يتترس من رمي السهم، والله أعلم" (٤).
стр. 571
رابعاً: الإيمان بالملائكة:
من الإيمان بالملائكة الإيمان بأعمالهم التي وكلهم الله بها، ومنها أنهم يمنعون مرض الطاعون من دخول المدينة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : " على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال" (١).
خامساً: الإيمان بالرسل:
من الإيمان بالرسل الإيمان بالآيات التي أيد الله بها رسله، ومن تلك الآيات: الآية التي أظهرها الله على يد رسوله عيسى ﵇ حيث كان يبرئ الأبرص والأكمه (٢)، قال تعالى عنه: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
ومما يتعلق بهذه الآية الكونية أيضاً بشرية الرسل، وأنه يصيبهم ما يصيب غيرهم من الأمراض (٤)، وأنهم يخيرون عند مرضهم بين الدنيا والآخرة، فعن عائشة ﵂، قالت: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ فعلمت أنه خير " (٥).
стр. 572
سادساً: الإيمان باليوم الآخر:
من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بجميع ما أخبر الله به ورسوله ﷺ من الجنة والنار، ومن ذلك أن الحمى من فيح جهنم فدل على أن النار مخلوقة الآن (١)، فعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء" (٢).
سابعاً: الإيمان بالقدر:
من الإيمان بالقدر الإيمان بمشيئة الله، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكل مؤمن يعرف ويوقن تماماً أن من يتعرض لمسببات المرض فإن ذلك لا يعني أبداً أنه سوف يصاب بهذا المرض إذا أراد الله حفظه وتجنيبه، ومن لا يتعرض لمسببات المرض فإن ذلك لا يعني للمرء أنه لن يصاب بالمرض إذا قدر مُقدِر المقادير ومُسببُ الأسباب أن يصاب هذا المرء بالمرض، ومن واجب المسلم التوكل على الله في جميع أمور حياته اليومية، لكنه مأمور بالأخذ بالأسباب والتحصن ضد مسببات الأمراض (٣).
وقد علق النبي ﷺ البرأ من المرض على إذنه ومشيئته ، فعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى" (٤)، "ففيه الإشارة إلى أن الشفاء متوقف على
стр. 573
الإصابة بإذن الله، وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكمية فلا ينجع، بل ربما أحدث داء آخر. وفي حديث ابن مسعود ﵁: " إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء فتداووا " الإشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد، وفيها كلها إثبات الأسباب، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله وبتقديره، وأنها لا تنجح بذواتها بل بما قدره الله تعالى فيها، وأن الدواء قد ينقلب داء إذا قدر الله ذلك، وإليه الإشارة بقوله في حديث جابر ﵁: " بإذن الله"، فمدار ذلك كله على تقدير الله وإرادته. والتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات والدعاء بطلب العافية ودفع المضار وغير ذلك" (١).
ولما خرج عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام ووجد الوباء قد وقع بها، رجع بعد اختلاف الصحابة في ذلك (٢)، فقيل له تفر من قدر الله، فقال ﵁: " أفر من قدر إلى قدر". ثم أخبره عبدالرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه "، قال: فحمد الله عمر بن الخطاب ثم انصرف (٣).
ثامناً: النهي عن التفرق:
حذر النبي ﷺ من الافتراق، وبين أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ثم بين حال هؤلاء المتفرقين وأنه
стр. 574
كحال من يتجارى به الكَلَب، فعن معاوية بن أبى سفيان ﵁ قال: ألا إن رسول الله ﷺ قام فينا فقال: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون فى النار وواحدة فى الجنة، وهي الجماعة". زاد ابن يحيى وعمرو فى حديثيهما " وإنه سيخرج من أمتى أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه ".
وقال عمرو: " الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله " (١).
فبين ﷺ أن هذه الأهواء تتجارى بهم، كما يتجارى الكلب لصاحبه؛ "فإن الكلب داء يعرض للإنسان من عضة الكلب الكلِب، وهو داء يصيب الكلب كالجنون. وعلامة ذلك فيه أن تحمر عيناه، وأن لا يزال يدخل ذنبه بين رجليه، وإذا رأى إنساناً ساوره (٢)، فإذا عقر هذا الكلب إنساناً عرض له من ذلك أعراض رديئه، منها أن يمتنع من شرب الماء حتى يهلك عطشاً، ولا يزال يستسقي حتى إذا سقي الماء لم يشربه" (٣)، وكذلك البدع تدخل فيهم وتؤثر في أعضائهم (٤).
"فشبه حال الزاغين من أهل البدع في استيلاء تلك الأهواء عليهم، وفي سراية تلك الضلالة منهم إلى الغير بدعوتهم إليها، ثم تنفرهم من العلم وامتناعهم من قبوله حتى يهلكوا جهلاً، بحال صاحب الكَلَب وسريان تلك
стр. 575
العلة في عروقه ومفاصله شبه الجنون، ثم تعديته إلى الغير فلا يعض المجنون أحداً إلا كُلِب -أي جن-، ويعرض له أعراض رديئة تشبه الماليخوليا مهلكة غالباً، ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشاً" (١).
стр. 576
المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الأمراض -:
أولاً: تحريف معنى حديث: "مرضت فلم تعدني ".
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -الأمراض- تأويل معنى حديث"مرضت فلم تعدني"، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال يا رب: كيف أعودك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال يا رب: وكيف أطعمك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال يا رب: كيف أسقيك، وأنت رب العالمين، قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي" (١).
فقالوا هذا الحديث يتضمن معنى باطلاً -وهو أن الله يمرض تعالى الله عن ذلك- ولذا يجب صرفه عن ظاهره (٢).
والجواب: أن"الحديث صريح بأن الله لم يمرض، ولم يأكل ولم
стр. 577
يشرب، وإنما العبد هو الذي مرض وطعم وسقي، والمعنى: لوجدت ذلك أي: ثواب ذلك عندي، يعني وجدت ذلك، يعني ثوابه، ثواب العمل، لوجدت ذلك عندي، وإلا فالله فوق العرش، مستوٍ على العرش، بائنٌ من خلقه.
وإنما هذا العبد؛ ولذلك قال: أما علمت أن عبدي مرض؟ أما علمت أن عبدي جاع؟ أما علمت أن عبدي استسقى؟ فالعبد هو الذي مرض وهو الذي جاع، وهو الذي استسقى، لوجدت ذلك عنده يعني ثوابه" (١).
ثانياً: سب المرض:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الأمراض - سبها ووصفها بالخبث، وهذا أمر لا يجوز فإن سبها سب لخالقها، وهو الله ، وقد ورد في الحديث عن جابر بن عبدالله ﵄ أن أم السائب قالت: "الحمى لا بارك الله فيها"، فقال النبي ﷺ لها: "لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديث" (٢).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " الحمى هي السخونة، وهي نوع من الأمراض وهي أنواع متعددة، ولكنها تكون بقدر الله ، فهو الذي يقدرها وقوعاً، ويرفعها ، وكل شيء من أفعال الله فإنه لا يجوز للإنسان أن يسبه؛ لأن سبه سب لخالقه جل وعلا، ولهذا قال ﷺ : " لا تسبوا
стр. 578
الدهر فإن الله هو الدهر " (١) " (٢).
ثالثاً: اليأس من روح الله والقول بأن هذا المرض ليس له علاج:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية: اليأس من روح الله، واعتقاد أن بعض الأمراض ليس لها علاج، ومن ذلك قول بعض الأطباء هذا مرض ليس له علاج، ميئوس منه ولا يقيد ذلك بقوله: ليس له علاج عندي أو نحو ذلك (٣)، وهذا الأمر مخالف للحديث الصحيح: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" (٤)، وفي رواية: "علمه من علمه وجهله من جهله" (٥)، وقوله ﷺ : " لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى" (٦).
стр. 579
الفصل السابع الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة
وفيه تمهيد ومبحثان:
المبحث الأول: الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الصغرى
المبحث الثاني: الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الكبرى
стр. 580
تمهيد
أخبر الله أن للساعة علامات، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ (١).
و" أشراطها أي أماراتها وعلاماتها" (٢).
والأشراط في اللغة:
جمع شرط بالتحريك، والشرط العلامة، وأشراط الساعة أي علاماتها، وأشراط الشيء أوائله، ومنه شُرط السلطان، وهم نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من مجموع جنده (٣).
وفي الاصطلاح:
هي العلامات التي تسبق يوم القيامة وتدل على قدومها (٤).
وتنقسم أشراط الساعة إلى قسمين (٥):
الأول: أشراط الساعة الكبرى:
وهي التي تظهر قرب قيام الساعة، وإذا ظهر أولها تتابعت سريعاً، وتكون غير معتادة الوقوع.
стр. 581
و الثاني: أشراط الساعة الصغرى:
وهي التي تتقدم قيام الساعة بأزمان متطاولة، ولا تزال، وتكون في أصلها معتادة الوقوع.
وهذه الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة لها دلالتها العقدية من الإيمان بالغيب واليوم الآخر، وما أخبر الله به من أشراط الساعة الصغرى والكبرى، والإيمان بقدرة الله وملائكته، وصدق رسوله ﷺ وغيرها من الدلائل.
أما ما سأذكره من النظرة العلمية المعاصرة وبعض هذه التفسيرات فهو فقط لمجرد معرفة بعض أقوال أهل التفسير والإعجاز العلمي، ولا يعني التسليم بكل ما ذكر؛ لأنه لا بد قبل الخوض في ذكر بعض هذه التفسيرات للآيات والأحاديث التي وردت في أشراط الساعة وأحوال القيامة أن يرجع لهذه الضوابط في تنزيل هذه التفسيرات المعاصرة على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية (١):
تتت
القسم الأول: ضوابط متعلقة بمصادر التلقي:
١ - الاقتصار على نصوص الوحيين.
٢ - الحرص على جمع روايات وألفاظ الأحاديث والآثار في الباب الواحد ثم التحقق من ثبوتها.
٣ - تعظيم النص بأن يكون حكماً على الواقع لا العكس.
стр. 582
القسم الثاني: ضوابط متعلقة بمنهج الاستدلال:
١ - حمل النصوص الشرعية على ظاهرها.
٢ - التحقق من معنى النص وفهمه على مقتضى لغة العرب التي نزل بها.
٣ - أن لا تفسر النصوص الشرعية المتعلقة بالفتن وأشراط الساعة وفق الأخبار الإسرائيلية.
٤ - مراعاة الألفاظ الشرعية.
٥ - عدم تحديد تواريخ وأوقات معينة لوقوع الفتن وأشراط الساعة مما لم يرد في النصوص.
٦ - مراعاة البعد الزمني والتسلسلي في ترتيب أشراط الساعة.
٧ - عدم محاكمة نصوص المستقبل للواقع الحالي.
القسم الثالث: ضوابط متعلقة بمن يقوم بتنزيل النص على الواقع:
١ - الإخلاص وقصد الحق في البحث والخروج عن الهوى.
٢ - الرجوع إلى أهل العلم، والسير على منهاجهم.
٣ - التأني لمن أراد التنزيل.
٤ - التفريق عند التنزيل بين ما يقطع بتحققه وبين ما يكون في دائرة الظن.
القسم الرابع: ضوابط متعلقة بالحوادث والوقائع المنزل عليها:
١ - التحقق من الوقائع والحوادث.
وهذا التحقق له جانبان:
الأول: التثبت من طبيعة الوقائع والحوادث.
والثاني: أن تستكمل الوقائع والحوادث للأوصاف الواردة في النص.
стр. 583
٢ - عدم محاولة افتعال واقع معين أو أحداث لتنزل عليها النصوص.
٣ - ليس شرطاً أن تربط كل فتنة وحدث بنصوص الفتن وأشراط الساعة على وجه التحديد والتعيين.
стр. 584
المبحث الأول الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الصغرى
وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: الطاعون.
المطلب الثاني: ظهور نار الحجاز.
المطلب الثالث: كثرة الزلازل.
المطلب الرابع: ظهور الخسف.
المطلب الخامس: انتفاخ الأهلة.
المطلب السادس: عود أرض العرب مروجاً وأنهاراً.
المطلب السابع: كثرة المطر وقلة النبات.
стр. 585
المطلب الأول: الطاعون
الطاعون وباء معروف، وهو بثر وورم مؤلم جداً يخرج مع لهب، ويسود ما حوله أو يخضر أو يحمر حمرة بنفسجية كدِرة، ويحصل معه خفقان القلب والقيء، وقلما يلبث صاحبها (١).
وفي عرف المعاصرين:
الطاعون مرض إنتاني وبائي، عامله جرثومة بشكل العصية اكتشفها العالم (بيرسين) سنة ١٨٤٩ فسميت باسمه، وكان يأتي بشكل جائحات تجتاح البلاد والعباد، وتحصد في طريقها الألوف من الناس، وهو يصيب الفئران عادة ثم تنتقل جراثيمه منها إلى الإنسان بواسطة البراغيث، فتصيب العقد البلغمية في الآباط والمغابن (٢).
وقد ذكر النووي ﵀ أن الطاعون قد أصاب المسلمين في أزمنة متعددة، منها:
١ - طاعون شيرويه بالمدائن في عهد رسول الله ﷺ سنة ست من الهجرة.
٢ - طاعون عمواس بالشام في عهد عمر بن الخطاب ﵁ ومات فيه أبو عبيدة عامر بن الجراح ﵁، وخلق كثير من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وكان عدد الموتى خمسة وعشرين ألفا.
стр. 586
٣ - الطاعون الذي وقع في زمن ابن الزبير ﵁ في شوال سنة تسع وستين، ومات في خلال ثلاثة أيام في كل يوم منها سبعون ألفا، ومات فيه لأنس بن مالك ﵁ ثلاثة وثمانون ابنا، ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة ﵁ أربعون ابنا.
٤ - طاعون الفتيات، وسمي بذلك لأنه بدأ بالعذارى، ويقال له: طاعون الأشراف: لكثرة من مات فيه من الأشراف، وكان ذلك الطاعون سنة سبع وثمانين، ووقع بالبصرة والكوفة والشام وواسط، ومات فيه خلق كثير.
٥ - طاعون الكوفة، سنة خمسين للهجرة، ومات فيه المغيرة بن شعبة ﵁.
٦ - طاعون سنة مائة وإحدى وثلاثين، وبدأ في رجب واشتد في رمضان، وكان يحصى في سكك المربد كل يوم ألف جنازة، ثم خف في شوال (١).
стр. 587
الدلائل العقدية للآية الكونية - الطاعون -:
الطاعون مرض من الأمراض، وقد سبق ذكر الدلائل العقدية للأمراض عموما (١)، وحيث أن للطاعون تعلق بأشراط الساعة الصغرى فسيتم ذكر الدلائل المتعلقة به خصوصا.
أولاً: الإيمان بالملائكة:
من الإيمان بالملائكة: الإيمان بأعمالهم ومنها أنهم يحرسون المدينة من دخول الطاعون. عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: " المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال، ولا الطاعون إن شاء الله " (٢).
ثانياً: الإيمان بالرسل:
من الإيمان بالرسل الإيمان بجميع ما أخبروا به ومن ذلك انتشار الطاعون عند ظهور الفاحشة، عن عبدالله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها؛ إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا" (٣).
يقول الدكتور محمد على البار في كتابه - الأمراض الجنسية - عن انتشار الأمراض: "ولا شك أن الهربس لم يكن منتشراً بهذه الصورة ولا قريباً من
стр. 588
عشرها أو واحد بالمئة منها منذ عشرين عاما فقط" (١).
أيضاً: "فإن أحدا من العلماء لم يسبق له وصف هذا المرض أو الطاعون من قبل وهو ما ختم به رسول الله ﷺ حديثه الشريف في قوله: " ... التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا" فانظر إلى خبر رسول الله ﷺ الواثق في الله تعالى" (٢).
وهذا يدل على صدق ما أخبر به الرسول ﷺ وإعجاز في حديثه من جهتين:
إن رسولنا الكريم ﷺ يخبر عن حال أهل الفاحشة في كل زمان ومكان، بثقة المتكلم عن الله، وما كان أغناه أن يصف الطواعين والأوجاع بأنها لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، هذا لو كان بشرا عاديا حتى يضمن كلامه في المستقبل ... ولكن رسولنا الكريم يثق في الله تعالى ويتكلم عن الله، فأنبأ أن هذه الطواعين والأوجاع سيصيب الله بها أهل الفاحشة، وستكون جديدة وغير معروفة. وهكذا نرى في حديث رسول الله ﷺ إعجازين:
"الأول: إخباري ... تحديد لأهل الفاحشة بقوله: إن الله سيبتليهم بأمراض.
الثاني: طبي إعجازي ... تحديد نوعية هذه الطواعين بأنها لم تكن في أسلافهم الذين مضوا .. " (٣).
والإعجاز النبوي يظهر في الحديث أيضاً في منع الشخص المقيم في
стр. 589
أرض الوباء أن يخرج منها حتى وإن كان غير مصاب، فإن منع الناس من الدخول إلى أرض الوباء قد يكون أمراً واضحاً ومفهوماً بدون الحاجة إلى معرفة المرض، ولكن منع من كان في البلدة المصابة بالوباء من الخروج منها حتى وإن كان الشخص سليماً أمر غير واضح العلة، والعادة أن الإنسان يفر من البلدة المصابة إلى بلدة أخرى سليمة، حتى لا يصاب بالعدوى، لكن الطب الحديث أثبت أن الشخص السليم في منطقة الوباء قد يكون حاملاً للميكروب، وكثير من الأوبئة تصيب العديد من الناس، ولكن ليس كل من دخل جسمه الميكروب يصبح مريضاً، فكم من شخص يحمل جراثيم المرض دون أن يبدو عليه أثر من آثاره، فالحمى الشوكية، وحمى التيفود، والزخار، والباسيلي، والسل، بل وحتى الكوليرا، والطاعون قد تصيب أشخاصاً عديدين دون أن يبدو على أي منهم علامات المرض، بل ويبدو الشخص وافر الصحة سليم الجسم، ومع ذلك فهو ينقل المرض إلى غيره من الأصحاء.
وهناك أيضاً فترة الحضانة، وهي الفترة الزمنية التي تسبق ظهور الأعراض منذ دخول الميكروب وتكاثره حتى يبلغ أشده، وفي هذه الفترة لا يبدو على الشخص أنه يعاني من أي مرض، ولكن بعد فترة من الزمن قد تطول وقد تقصر على -حسب نوع المرض والميكروب الذي يحمله- تظهر عليه أعراض المرض الكامنة في جسمه (١).
فهذه بعض الحقائق التي تدل على صدق النبي ﷺ وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
стр. 590
ثالثاً: الإيمان القدر:
على المؤمن إذا علم بوجود الطاعون في بلده أن لا يخرج منها خوفا منه، فلا يدري فلربما يصاب به في بلدة أخرى، أو قد يصاب بغيره من الأمراض، فعليه أن يتوكل على الله تعالى، وأن يصبر محتسبا، وألا يخرج وليس ذلك من باب إلقاء اليد إلى التهلكة، بل ذلك من قبيل امتثال أمر النبي ﷺ ، وكذلك إذا علم المسلم أن هناك بلدا بها مرضا خطيرا، فيجب عليه أن لا يقدم إليها فرارا من أن يصيبه، فإن تعمد وقدم وأصيب به، فهذا من قبيل إلقاء النفس إلى التهلكة والانتحار، لمخالفة أمر النبي ﷺ في ذلك، عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه" (١)، فعلى المسلم أن يستسلم لقضاء ربه ﵎، ويصبر متوكلاً على الله تعالى، في مقابلة هذا البلاء الخطير، والداء الكبير، وألا يجزع، لأن الأمر كله لله (٢).
وقد سألت عائشة رسول الله ﷺ عن الطاعون؟ فقال عنه: "إنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد" (٣).
ولما أراد عمر بن الخطاب ﵁ دخول الشام وعلم أن بها الطاعون، توقف فلم يدخلها، ثم دعا المهاجرين الأولين، فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن
стр. 591
ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش، من مهاجرة الفتح، فدعوتهم، فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس، ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر ﵁ في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه، قال أبو عبيدة بن الجراح ﵁: أفرارا من قدر الله، فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم , نفر من قدر الله، إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله، قال: فجاء عبدالرحمن بن عوف ﵁، وكان متغيبا في بعض حاجته، فقال: إن عندي في هذا علما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه"، قال: فحمد الله عمر ثم انصرف" (١). ولم يدخل ﵁ من باب الطيرة أو التشاؤم، بل من باب عدم إلقاء النفس إلى التهلكة (٢).
رابعاً: مسائل الأسماء والأحكام:
الشهادة:
من مات بالطاعون فهو شهيد أي في حكم الآخرة، أما في الدنيا فإنه لا يعامل معاملة الشهيد؛ فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، عن أنس بن مالك ﵁: عن النبي ﷺ قال: "الطاعون شهادة لكل مسلم" (٣).
стр. 592
المطلب الثاني: ظهور نار الحجاز
من أشراط الساعة الصغرى ظهور نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببُصرى، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل ببصرى " (١)، وقد ظهرت هذه النار في منتصف القرن السابع الهجري في عام ٦٥٤ هـ، وكانت ناراً عظيمة أفاض العلماء ممن عاصر ظهورها ومن بعدهم بوصفها.
قال النووي ﵀: " خرجت في زماننا نار في المدينة سنة أربع وخمسين وست مائة، وكانت نارا عظيمة جدا، من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، وتواتر العلم بها عند جميع أهل الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة" (٢).
ونقل ابن كثير ﵀ أن غير واحد من الأعراب ممن كان بحاضرة بصرى شاهدوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز، وهذه النار مما تواتر العلم بخروجها (٣)، ونقل عن أبي شامة المقدسي (٤): " في سنة أربع وخمسين وستمائة في يوم الجمعة خامس جمادى الآخرة ظهرت نار بأرض المدينة النبوية في بعض تلك الأودية طول أربعة فراسخ، وعرض أربعة
стр. 593
أميال، تسيل الصخر حتى يبقى مثل الآنك، ثم يصير كالفحم الأسود، وأن ضوءها كان الناس يسيرون عليه بالليل إلى تيماء (١)، وأنها استمرت شهرا، وقد ضبط ذلك أهل المدينة وعملوا فيها أشعارا" (٢).
وهذه النار غير النار التي تخرج في آخر الزمان وتحشر الناس وتبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا (٣)، وسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله تعالى- في ذكر أشراط الساعة الكبرى (٤).
أما النظرة العلمية المعاصرة لهذا الحديث الشريف فقد ذكر الدكتور: زغلول النجار حفظه الله أن: "في هذا الحديث الشريف إشارة علمية دقيقة إلى حقيقة من حقائق أرض الحجاز لم تدرك إلا في منتصف القرن العشرين، حين بدئ في رسم الخريطة الجيولوجية لأرض شبه الجزيرة العربية, وكان من نتائج ذلك انتشار الطفوح البركانية على طول الساحل الغربي لجزيرة العرب من عدن جنوبًا إلى المرتفعات السورية شمالاً, عبر كل من الحجاز والأردن, وفلسطين, مغطية مساحة من تلك الطفوح تقدر بحوالي مائة وثمانين ألفًا (١٨٠.٠٠٠ كم ٢) من الكيلومترات المربعة, ومكونة واحدًا من أهم أقاليم النشاط البركاني الحديث في العالم, ويقع نصف هذه المساحة تقريبًا في أرض الحجاز (حوالي تسعين ألفًا من الكيلو مترات المربعة) موزعة في ثلاثة
стр. 594
عشر حقلاً بركانيًا تعرف باسم الحرات, وأغلب هذه الحرات تمتد بطول الساحل الشرقي للبحر الأحمر ممتدة في داخل أرض الحجاز بعمق يتراوح بين ١٥٠ كيلو مترًا, ٢٠٠ كيلو مترًا, ويعتقد بأن هذه الطفوح البركانية قد تدفقت عبر عدد من الصدوع الموازية لاتجاه البحر الأحمر, ومن فوهات مئات من البراكين المنتشرة في غرب الحجاز , كما يعتقد بأن تلك الصدوع والبراكين لا تزال نشطة منذ نشأتها وإلى يومنا الحاضر, سببت العديد من الهزات الأرضية, كما تم مشاهدة تصاعد أعمدة من الغازات والأبخرة الحارة من عدد من تلك الفوهات البركانية" (١).
ثم بين أن المدينة تقع"بين حرة رهط في الجنوب, وحرة خيبر في الشمال, وتمتد حرة رهط بين المدينة المنورة شمالاً, ووادي فاطمة بالقرب من مكة المكرمة جنوبًا عبر مسافة تقدر بحوالي ٣١٠ كيلو مترًا في الطول, وستين كيلو مترًا في متوسط العرض لتغطي مساحة تقدر بحوالي ١٩٨٣٠ كيلو مترًا مربعًا, بسمك متوسط حوالي المائة متر وإن كان يصل إلى أربعمائة مترًا في بعض الأماكن" (٢).
ثم ذكر أنه يوجد عدد من الفواهات البركانية في منطقة المدينة، "ومعنى هذا الكلام أن المنطقة مقبلة حتمًا على فترة من الثورات البركانية تندفع فيها الحمم من تلك الفوهات والصدوع كما اندفعت من قبل بملايين الأطنان، فتملأ المنطقة نارًا ونورًا تصديقًا لنبوءة المصطفى ﷺ التي قال فيها: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى" (٣).
стр. 595
"وأنه قد تم تسجيل زلزالين كبيرين وقعا في حرة خيبر, أحدهما في سنة ٤٦٠ هـ, والآخر في سنة ٦٥٤ هـ, وقد سبقت الزلزال الأخير أصوات انفجارات عالية, تلتها ثورة بركانية كبيرة, وصاحبتها هزات أرضية استمرت بمعدل عشر هزا ت يوميًا، لمدة خمسة إلى ستة أيام، قدرت شدة أكبرها بخمسة درجات ونصف الدرجة على مقياس ريختر, وقد كونت هذه الثورة البركانية الأخيرة عددًا من المخاريط البركانية, ورفعت بملايين الأطنان من الحمم في اتجاه الجنوب, ولا تزال تلك المخاريط تتعرض لأعداد كبيرة من الرجفات الاهتزازية الخفيفة التي توحي بأن الصهارات الصخرية تحت المخروط البركاني لا تزال نشطة, مما يؤكد حتمية وقوع ثورات بركانية عارمة تخرج من أرض الحجاز في المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله, وذلك تصديقًا لنبوءة النبي الخاتم, والرسول الخاتم ﷺ وشهادة له بالنبوة وبالرسالة , وبأنه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، كان موصولاً بالوحي, ومعلمًا من قبل خالق السماوات والأرض" (١).
стр. 596
المطلب الثالث: كثرة الزلازل
من علامات الساعة وأماراتها التي أخبر عنها الرسول ﷺ : كثرة الزلازل، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ... " (١).
وقد وقع في كثير من البلاد من الزلازل (٢).
يقول الحافظ ابن حجر (٣) ﵀: " وقد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل، ولكن الذي يظهر أن المراد بكثرتها شمولها ودوامها" (٤).
وقد كثرت الزلازل في عصرنا الحاضر في أماكن متعددة، وهذا مصداق لما أخبر به رسول الله ﷺ (٥).
وعن أبى موسى الأشعري ﵁ قال: قال ﷺ : " أمتى أمة مرحومة، ليس عليها فى الآخرة عذاب، إنما عذابها في الدنيا، الفتن والزلازل " (٦).
стр. 597
المطلب الرابع: ظهور الخسف (١)
من أشراط الساعة التي أخبر عنها النبي ﷺ ظهور الخسف (٢)، عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور " (٣).
وعن سهل بن سعد ﵁ أن الرسول ﷺ قال: " سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ، إذا ظهرت المعازف والقينات، واستحلت الخمر " (٤).
ومن الخسوف الكبيرة التي تكون قرب قيام الساعة، الخسف بجيش كامل في آخر الزمان، كما في الحديث عن بُقيرة امرأة القعقاع بن أبي حدرد
стр. 598
الأسلمي، قالت: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر يقول: "يا هؤلاء، إذا سمعتم بجيش قد خسف به قريباً، فقد أظلت الساعة " (١).
وقد أخبرنا الرسول ﷺ ببعض المواضع التي يقع فيها الخسف والقذف والمسخ، فعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " يا أنس، إن الناس يمصرون أمصاراً. فإن مصراً يقال له: البصرة، فإن أنت مررت بها أو دخلتها، فإياك وسباخها وكلأها ونخيلها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها، فإنه يكون بها خسف وقذف ورجف، وقوم يبيتون ويصبحون قردة وخنازير" (٢).
الخسف بأهل البدع:
عن عبدالله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنه سيكون في هذه الأمة أو في أمتي - الشك منه- خسف أو مسخ أو قذف في أهل القدر" (٣).
كما جاء في الحديث الخسف بالجيش الذي يغزو الكعبة
وعن عائشة ﵂؛ قالت: قال: رسول الله ﷺ : " يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض؛ يخسف بأولهم وآخرهم ". قالت: قلت: يا
стр. 599
رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ .
قال: "يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم " (١).
ولفظ مسلم: قالت عائشة ﵂: " عبث (٢) رسول الله ﷺ في منامه، فقلنا: يا رسول الله! صنعت شيئًا في منامك لم تكن تفعله! فقال: "العجب أن أناسًا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش، قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء؛ خسف بهم ". فقلنا: يا رسول الله! إن الطريق قد يجمع الناس؟ قال: "نعم؛ فيهم المستبصر، والمجبور، وابن السبيل؛ يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى؛ يبعثهم الله على نياتهم " (٣).
стр. 600
المطلب الخامس: انتفاخ الأهلة
من أشراط الساعة الصغرى انتفاخ الأهلة (١)، حيث يرى الهلال عند بدو ظهوره كبيرا، حتى يقال ساعة خروجه إنه لليلتين أو ثلاثة، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة، وأن يرى الهلال الليلة فيقال هو ابن ليلتين " (٢)، وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قَبَلا (٣)، فيقال: لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقا، وأن يظهر موت الفجأة " (٤).
وهذا الحديث واضح اليوم، فكم يختلف الناس في دخول الشهر وخروجه خصوصاً عند دخول شهر رمضان وخروجه، وكم هو اليوم؟ وذلك لانتفاخ الهلال، حتى يُرى وكأنه لليلتين.
وعن أبي البختري (٥) ﵀ قال: "خرجنا للعمرة، فلما نزلنا ببطن نخلة قال: تراءينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، قال: فلقينا ابن عباس ﵄ فقلنا: إنا رأينا الهلال، فقال بعض