المطلب الثالث: كثرة الزلازل
من علامات الساعة وأماراتها التي أخبر عنها الرسول ﷺ : كثرة الزلازل، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ... " (١).
وقد وقع في كثير من البلاد من الزلازل (٢).
يقول الحافظ ابن حجر (٣) ﵀: " وقد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل، ولكن الذي يظهر أن المراد بكثرتها شمولها ودوامها" (٤).
وقد كثرت الزلازل في عصرنا الحاضر في أماكن متعددة، وهذا مصداق لما أخبر به رسول الله ﷺ (٥).
وعن أبى موسى الأشعري ﵁ قال: قال ﷺ : " أمتى أمة مرحومة، ليس عليها فى الآخرة عذاب، إنما عذابها في الدنيا، الفتن والزلازل " (٦).
стр. 597
المطلب الرابع: ظهور الخسف (١)
من أشراط الساعة التي أخبر عنها النبي ﷺ ظهور الخسف (٢)، عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور " (٣).
وعن سهل بن سعد ﵁ أن الرسول ﷺ قال: " سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ، إذا ظهرت المعازف والقينات، واستحلت الخمر " (٤).
ومن الخسوف الكبيرة التي تكون قرب قيام الساعة، الخسف بجيش كامل في آخر الزمان، كما في الحديث عن بُقيرة امرأة القعقاع بن أبي حدرد
стр. 598
الأسلمي، قالت: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر يقول: "يا هؤلاء، إذا سمعتم بجيش قد خسف به قريباً، فقد أظلت الساعة " (١).
وقد أخبرنا الرسول ﷺ ببعض المواضع التي يقع فيها الخسف والقذف والمسخ، فعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " يا أنس، إن الناس يمصرون أمصاراً. فإن مصراً يقال له: البصرة، فإن أنت مررت بها أو دخلتها، فإياك وسباخها وكلأها ونخيلها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها، فإنه يكون بها خسف وقذف ورجف، وقوم يبيتون ويصبحون قردة وخنازير" (٢).
الخسف بأهل البدع:
عن عبدالله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنه سيكون في هذه الأمة أو في أمتي - الشك منه- خسف أو مسخ أو قذف في أهل القدر" (٣).
كما جاء في الحديث الخسف بالجيش الذي يغزو الكعبة
وعن عائشة ﵂؛ قالت: قال: رسول الله ﷺ : " يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض؛ يخسف بأولهم وآخرهم ". قالت: قلت: يا
стр. 599
رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ .
قال: "يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم " (١).
ولفظ مسلم: قالت عائشة ﵂: " عبث (٢) رسول الله ﷺ في منامه، فقلنا: يا رسول الله! صنعت شيئًا في منامك لم تكن تفعله! فقال: "العجب أن أناسًا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش، قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء؛ خسف بهم ". فقلنا: يا رسول الله! إن الطريق قد يجمع الناس؟ قال: "نعم؛ فيهم المستبصر، والمجبور، وابن السبيل؛ يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى؛ يبعثهم الله على نياتهم " (٣).
стр. 600
المطلب الخامس: انتفاخ الأهلة
من أشراط الساعة الصغرى انتفاخ الأهلة (١)، حيث يرى الهلال عند بدو ظهوره كبيرا، حتى يقال ساعة خروجه إنه لليلتين أو ثلاثة، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة، وأن يرى الهلال الليلة فيقال هو ابن ليلتين " (٢)، وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قَبَلا (٣)، فيقال: لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقا، وأن يظهر موت الفجأة " (٤).
وهذا الحديث واضح اليوم، فكم يختلف الناس في دخول الشهر وخروجه خصوصاً عند دخول شهر رمضان وخروجه، وكم هو اليوم؟ وذلك لانتفاخ الهلال، حتى يُرى وكأنه لليلتين.
وعن أبي البختري (٥) ﵀ قال: "خرجنا للعمرة، فلما نزلنا ببطن نخلة قال: تراءينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، قال: فلقينا ابن عباس ﵄ فقلنا: إنا رأينا الهلال، فقال بعض
стр. 601
القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فقال: أي ليلة رأيتموه، قال: فقلنا: ليلة كذا وكذا، فقال: إن رسول الله قال: "إن الله مدَّه للرؤية، فهو لليلة رأيتموه" (١).
وفي رواية عنه: "أهللنا رمضان ونحن بذات عرق، فأرسلنا رجلاً إلى ابن عباس ﵄ يسأله، فقال ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : " إن الله قد أمدَّه لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة" (٢).
قال القاضي عياض (٣) ﵀: " قال بعضهم: الوجه أن يكون أمدَّه بالتشديد من الإمداد، ومدَّه من الامتداد. قال القاضي: والصواب عندي بقاء الرواية على وجهها، ومعناه أطال مدته إلى الرؤية ... يقال منه مدَّ وأمدَّ. قال الله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ (٤)، قرئ بالوجهين أي يطيلون لهم. قال: وقد يكون أمده من المدة التي جعلت له. قال صاحب الأفعال: أمددتك أي أعطيتكها، أو يكون من الإمداد وهي الزيادة في الشيء من غيره.
فهؤلاء الرهط، أبو البختري ومن معه لما استنكروا كِبَرَ جرم الهلال، ورأوا أنه أكبر من أن يكون ابن ليلة، لعلوِّه وضخامته، بيَّن لهم ابن عباس ﵄ أنه ابن ليلة، وألَاّ عبرة بكبره، معللاً بأن الله هو الذي مدَّه ليروه" (٥).
стр. 602
المطلب السادس: عود أرض العرب مروجاً (١) وأنهاراً
من أشراط الساعة ما أخبر به النبي ﷺ من عود أرض العرب مروجاً وأنهاراً، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل زكاة ماله، فلا يجد أحدا يقبلها، وحتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهارا" (٢).
"إن أرض العرب أرض قاحلة كما هو معروف، شحيحة المياه، قليلة النبات، غالب مياهها من الآبار والأمطار، فمن علامات الساعة أن تنقلب هذه الأرض ويكثر فيها المياه، حتى تكون أنهاراً، فتنبت بها النباتات، فتكون مروجاً وحدائق وغابات، وذلك إما بسبب حفر الآبار وزراعة الأرض، وإما بسبب تغير المناخ أو غير ذلك" (٣).
وقد ورد في خصوص منطقة تبوك -شمال أرض العرب- أنها تكون جناناً، ففي حديث معاذ بن جبل ﵁ عن غزوة تبوك، أن النبي ﷺ قال: "يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا" (٤)، وقد ملئت أرض تبوك جنانا، فالمزارع والبساتين والحدائق في كل مكان، بل أصبحت تبوك تصدر الكثير من الفواكه والخضراوات والزهور والحبوب إلى
стр. 603
بعض البلدان المجاورة، بسبب الاهتمام المتزايد من أهالي المنطقة بالزراعة، وحفر الآبار الارتوازية التي ينبع منها الماء بكثرة ووفرة، كما اتجهت الحكومة إلى إنشاء السدود التي تحبس المياه، حتى أصبحت وكأنها أنهارا تجري لري الأراضي الزراعية في تلك المنطقة، حتى أصبحت مروجا ومزارع وخضرة يانعة.
وقد قال النووي ﵀ في تأويل قوله ﷺ : " حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا": "معناه: أنهم يتركونها ويعرضون عنها، فتبقى مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياهها، وذلك لقلة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب الساعة، وقلة الآمال، وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به" (١).
وفي هذا التأويل نظر؛ لأن أرض العرب أرض قاحلة لا أنهار فيها، وإنما تسقى نخيلها وزروعها من مياه الآبار، ولو تركت وأعرض عنها وبقيت مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياه الآبار؛ لبقيت قاحلة يابسة.
والصحيح أن هذه إشارة إلى ما ابتدئ فيه الآن من حفر الآبار الارتوازية التي ينبع الماء منها بكثرة، وإلى عمل السدود التي تحبس مياه السيول، فتكون أنهارًا تجري إلى الأراضي الطيبة، فتكون مزارع ومروجًا للدواب (٢).
وفي قوله ﷺ : " تعود": والعود (٣) في الأصل هو رجوع الأمر إلى شيء سبق أن كان عليه. ومتصفاً به. هذه حقيقة العود.
أما معنى الحديث في النظرة العلمية المعاصرة: فإن " أرض العرب كانت مروجاً وأنهاراً، وأنها بعد فترة من الزمن أصبحت صحراء مجدبة قليلة الماء والأنهار، وأنها بعد ذلك ستعود ثانية فتجري فيها الأنهار وتمتلئ بالمرج
стр. 604
الأخضر الذي يعلو أرضها.
أما الشق الأول: وهو أن أرض العرب كانت تعلوها الخضرة، والمروج، وتسيل فيها الأنهار، فقد أثبتتها دراسات متعددة، وبينت تلك الدراسات أنها كانت كذلك.
وأما الشق الثاني: وهو أنها ستعود ثانية مروجاً تعلوها الخضرة، وتنتشر في أنحائها البساتين، وتفوح في أجوائها عطر الأزاهير، إن هذا الأمر الذي يتحدث به رسول الله ﷺ منذ القرون المتطاولة الممتدة، لا يتصوره الإنسان يحدث في أرض جرداء ممتدة من البحر الأحمر إلى الخليج العربي تعلوها الرمال الكثيفة التي لا تنبت كلاً ولا تمسك ماء" (١)؛ ولكنه يؤمن ويسلم ويصدق بما قاله الرسول ﷺ .
" وأما الأنهار وظهورها، فإننا سنترك ذلك للمستقبل القريب الذي سيطلعنا أو أبناءنا على ذلك، ولعل ما ثبت حديثاً في الدراسات الجيولوجية بأن المياه الجوفية في الأرض تتحرك باتجاه الجزيرة العربية، أقول: لعل ذلك مقدمة لظهور الأنهار في جزيرة العرب، وصدق رسول الله ﷺ " (٢).
ونحن لا نشك بما قاله رسول الله ﷺ وأن جزيرة العرب ستعود جنات وأنهاراً، وأن غداً لناظره قريب (٣).
стр. 605
المطلب السابع: كثرة المطر وقلة النبات
من أشراط الساعة كثرة المطر وقلة النبات، فعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى يمطر الناس مطراً لا تُكِنُّ (١) منه بيوت المدر (٢)، ولا تُكنُّ منه إلا بيوت الشعر " (٣).
وعن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليست السَّنَة (٤) بأن لا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا ولا تنبت الأرض شيئاً " (٥).
فإذا كان المطر سبباً في إنبات الأرض فإن لله تعالى أن يوجد ما يمنع هذا السبب من ترتب المسبب عليه، والله تعالى خالق الأسباب ومسبباتها لا يعجزه شيء (٦).
ومعنى الحديث: "أن القحط الشديد ليس بأن لا يمطر بل بأن يمطر ولا ينبت؛ وذلك لأن حصول الشدة بعد توقع الرخاء وظهور مخائله وأسبابه أفظع مما إذا كان اليأس حاصلاً من أول الأمر والنفس مترقبة لحدوثها" (٧).
أما النظرة العلمية المعاصرة: فقد حذر علماء البيئة من أن التلوث الذي
стр. 606
تشهده الأرض سوف يكون له تأثير على الأمطار، "ويقولون بأن مياه الأمطار كانت نقية قبل عدة قرون، أما هي اليوم فغالباً ما تكون ملوثة بحمض الكبريت، ويسمونها الأمطار الحامضية.
ويقولون إذا زادت نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو عن حدود معينة فإنه سيلوث ماء المطر، وسوف يضر هذا الماء بالتراب، فيكون سبباً في فساد التربة بدلاً من أن يكون غذاء للنباتات والأشجار" (١). والله أعلم.
стр. 607
المبحث الثاني: الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الكبرى
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: ما يكون مع المسيح الدجال بإذن الله.
المطلب الثاني: الخسوفات الثلاثة.
المطلب الثالث: الدخان.
المطلب الرابع: طلوع الشمس من مغربها.
المطلب الخامس: النار التي تحشر الناس.
المطلب السادس: الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين.
стр. 608
المطلب الأول: ما يكون مع المسيح الدجال -بإذن الله -
من أشراط الساعة الكبرى خروج الدجال (١)، وقد ورد أنه يأتي القوم فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، ويأتي القوم فيدعوهم فلا يستجيبون له، فيصبحون ممحلين (٢).
ففي حديث النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ قال: "فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتبنت .. ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة (٣)، فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (٤) " الحديث (٥).
ومما يفتن الدجال به الخلق أن معه ما يشبه الجنة والنار، أو معه ما يشبه نهرا من ماء، ونهرا من نار، وواقع الأمر ليس كذلك، فإن الذي يرونه نارا إنما هو ماء بارد، وحقيقة الذي يرونه ماء باردا نار.
стр. 609
عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في الدجال: " إن معه ماءً وناراً، فناره ماء بارد، وماؤه نار" (١).
وفي رواية عند مسلم قال رسول الله ﷺ : " لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان: أحدهما: رأي العين، ماء أبيض، والآخر: رأي العين، نار تأجج، فإما أدركن أحد فليأت النهر الذي يراه نارا وليغمض، ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه، فإنه ماء بارد" (٢).
وفي رواية أخرى عن حذيفة ﵁: " إن الدجال يخرج، وإن معه ماء ونارا، فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس نارا، فماء بارد عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارا، فإنه ماء عذب طيب" (٣).
فيتضح من هذه النصوص أن الناس لا يدركون ما مع الدجال حقيقة، وأن ما يرونه لا يمثل الحقيقة بل يخالفها، ولذلك فقد جاء في بعض الأحاديث في صحيح مسلم: "وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول: إنها الجنة هي النار " (٤).
ومن فتنته أنه يقتل ذلك الرجل المؤمن الذي يخرج إليه ويشهد عليه بأنه الدجال، ثم يعجز عن قتله ولا يسلط عليه، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثاً طويلاً عن الدجال، فكان فيما
стр. 610
يحدثنا أنه قال: "يأتي الدجال - وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة - فينزل بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس، أو من خير الناس، فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه، فيقول الدجال، أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله، ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم، فيريد الدجال أن يقتله، فلا يسلط عليه" (١).
وهذه الآية التي أعطاها الله آياها من إحياء الموتى -وهي آية عظيمة من آيات الأنبياء كما حصل لعيسى ﵇ إنما هي على سبيل الفتنة للعباد، وقد بأن لهم بالأدلة أنه المسيح مبطل غير محق في دعواه وأنه أعور، ومكتوب على وجهه كافر يقرؤه كل مسلم. وهذا نقص له في ذاته وقدره.
أما آيات الأنبياء فهي سالمة من المعارضة فلا يوجد تشابه بينهما (٢).
ومن الأمور التي تحصل عند خروج الدجال حبس المطر والنبات، فقبيل خروج الدجال بثلاث سنوات، يأمر الله الأرض في السنة الأولى أن تمسك ثلث نباتها، والسماء أن تمسك ثلث مطرها، وفي السنة الثانية: يأمر الله الأرض أن تمسك ثلثي النبات، والسماء أن تمسك ثلثي المطر، وفي السنة الثالثة: قبل خروجه يأمر الله الأرض فلا تنبت شيئا، ويأمر السماء فلا تمطر شيء، فلا يبقى ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله.
عن أسماء بنت يزيد الأنصارية ﵂؛ قالت: كان رسول الله ﷺ في بيتي، فذكر الدجال، فقال: "إن بين يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي
стр. 611
نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ضرس ولا ذات ظلف من البهائم إلا هلكت ... " (١).
ومن المخالفات العقدية فيما يتعلق بهذا الأمر ما يقع لبعضهم نتيجة محاكمة المستقبل للواقع الحالي أن يتأول تلك النصوص في ضوء ما يعايشه هو، ظناً منه أن الشرط سيكون من جنس ما يراه ويعايشه مع كون النص متضمنا لنقيض هذا، فمن أمثلة هذه التأويلات ما ذكره هشام كمال عبدالحميد في كتابه اقترب خروج المسيخ الدجال، حيث قال
١ - عن القمح الذي مع الدجال:
"بالنسبة لما سيكون مع الدجال من كميات كبيرة من القمح تشبه الجبال، فيمكن تخيله بقيام الشياطين بزراعة مساحات كبيرة من الأراضي الصحراوية تحت الأرض باستخدامهم أساليب زراعية متطورة كالتهجين، وذلك قبل خروج الدجال بعشرات السنوات، ثم تقوم الشياطين بتخزين هذا القمح في صوامع تحت الأرض، وبأسلوب تخزين جيد يحفظها لفترات طويلة حتى يصل حجمها المخزون على مدار عدد من السنوات إلى ما يشبه الجبال، فيخرج الدجال ومعه هذه الكميات التي يغوى بها أهل الأرض" (٢).
٢ - أمر الدجال السماء أن تمطر:
ويقول: "وبالنسبة لقيام الدجال بأمر السماء أن تمطر فتمطر أمام الناس، فيمكن تخيله بقيام الشياطين بصنع أجهزة علمية للدجال تصنع سحابا صناعيا مزودا بشحنات كهربائية مسجل عليها بصمة صوت الدجال (مثل نظام الخزائن
стр. 612
البنكية التي لا تفتح إلا ببصمة صوت صاحب الخزينة فقط)، فتطلق الشياطين هذه السحابة من الأجهزة المعدة لذلك من مكان بعيد عن المكان الذي يقف فيه الدجال أمام الناس، وعندما تمر السحابة من فوقهم ينادي الدجال بإسقاط مطرها فتصطدم ذبذبات صوته بالذبذبات المسجلة لصوته على السحابة فتحدث شرارة كهربائية أو صاعقة بها وتسقط مطرها، ويمكن تخيل ذلك أيضا بقيام الشياطين بإطلاق السحابة الصناعية في السماء من مكان بعيد، وعندما ينادي عليها الدجال تقوم الشياطين من خلال أجهزة اتصال كاللاسلكي أو من خلال سماع صوته، وهم في مكانهم بالضغط على جهاز مثل الريموت كنترول، فيجعلون السحابة تسقط ما فيها من ماء، ويظن الناس أنها أمطرت بأمر الدجال" (١).
وهذا من الخطأ والضلال البين؛ فإن فيه إنكار لما ثبت في السنة، وقياس للأمور المستقبلية على الأحوال التي يعيشها الإنسان. وهذا من أمور الغيب التي يجب التصديق بها (٢).
стр. 613
المطلب الثاني: الخسوفات الثلاثة
من العلامات الكبرى التي أخبر الرسول ﷺ بحدوثها في آخر الزمان الخسوفات الثلاثة: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ففي حديث حذيفة بن أسيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، وذكر منها ثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك ناراً تخرج من اليمن تطرد الناس إلى المحشر "، وفي رواية "ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس" (١).
فهذه الخسوفات الثلاثة من الأشراط الكبرى التي لا تظهر إلا في آخر الزمان، وهي غير الخسوفات التي وقعت في الماضي وفي أماكن متعددة؛ لأن تلك من أشراط الساعة الصغرى، أما هذه الخسوفات الثلاثة فهي خسوفات عظيمة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرا زائدا على ما وجد، كأن يكون أعظم منه مكانا أو قدراً" (٢).
أما النظرة العلمية المعاصرة عن الخسوفات الثلاثة، فقد اكتشف علماء الجيولوجيا أن عدن فوق فوهة بركان عظيم هائل خامد (٣).
стр. 614
ويقول المهندس: معروف عقبة في بحثه (عدن البعد التاريخي والحضاري): "ومن المعلوم أن البراكين الكبيرة تكون مصحوبة بزلازل بسبب تكسر طبقات القشرة الأرضية جراء اندفاع الحمم البركانية من قاع الأرض إلى الطبقات العليا، مما يسبب انزلاق لطبقات القشرة الأرضية محدثة ما يسمي بالزلزال من قبل خروج الحمم إلى سطح الأرض ثم بعد حدوث الزلزال تكون الحمم البركانية قد ألقت بأثقالها من الحديد المنصهر فوق سطح الأرض" (١).
فهناك علاقة وثيقة بين الزلزال والبركان، فكلاهما يعمل بنفس الآلية، "ويعتبر العلماء اليوم بعض الزلازل مؤشراً على قرب حدوث البركان الذي تقذف فيه الأرض كميات كبيرة من الحمم المنصهرة" (٢)، "ولذا قد ذكر رسول الله ﷺ مع حديث بركان عدن عدة خسوف، وكما هو معلوم"أن الخسف له علاقة بالزلازل أيضاً ويكون الترتيب العلمي الجيولوجي الحدثي مطابق لترتيب حديث رسول الله والآيات التي ذكرناها كالتالي: - زلازل ثم خسوف ثم براكين وأقواها وأولها بركان عدن وبما أن البراكين معظمها تحت البحار فعندئذ سيكون ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (٣) " (٤). والله أعلم.
стр. 615
المطلب الثالث: الدخان
من علامات الساعة وأشراطها العظمى ظهور دخان قبل قيام الساعة، قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ (١).
وفي حديث حذيفة ﵁ المتقدم، قال: اطلع علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر الساعة فقال: " ما تذاكرون "؟ قلنا: نذكر الساعة، قال: " إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آَيات فذكر الدخان ... " (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " بادروا بالأعمال ستا: وذكر منها الدخان ... " (٣).
وقد اختلف العلماء حول المراد بالدخان ومتى يحدث؟ على قولين:
١ - فذهب بعضهم إلى أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشا من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النبي ﷺ حين لم يستجيبوا له، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان (٤).
وقد استدل هؤلاء بما جاء في حديث مسروق بن الأجدع (٥) ﵀ قال:
стр. 616
" كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود ﵁ فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصاً يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، فقال عبد الله، وجلس وهو غضبان: يا أيها الناس اتقوا الله، من علم منكم شيئا فليقل بما يعلم، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (١)، إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدبارا قال لهم: " اللهم سبع كسبع يوسف"، قال: فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر إلى السماء أحدهم فيرى كهيئة الدخان" (٢).
٢ - وذهب كثير من العلماء إلى أن الدخان هو من الآيات المنتظرة التي لم تأت بعد، وسيقع قرب يوم القيامة.
وقد رجح الحافظ ابن كثير ﵀ هذا القول مستدلا بالأحاديث التي سبق ذكرها عند الاستدلال على هذه الآية (آية الدخان).
قال ابن كثير ﵀ بعد ذكر الأدلة وقول ابن عباس ﵁ في أن الدخان من الآيات المنتظرة"وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين ﵃، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها التي أوردوها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله ﵎: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ أي بين
стр. 617
واضح، يراه كل أحد، وعلى ما فسر به ابن مسعود ﵁ إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾، وقوله تعالى: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا" (١).
أما النظرة العلمية المعاصرة فيقول الدكتور زغلول النجار -حفظه الله- عن الإشارات العلمية والحقائق التاريخية في سورة الدخان: "الإشارة إلى دخان السماء الذي يصل إلى الأرض في صورة من صور العقاب الإلهي , أو كواحدة من العلامات الكبرى للساعة , ونحن نرى اليوم نجوم السماء تتخلق من دخان السماء , ثم تنفجر بعد انتهاء أجلها لتعود إلى دخان السماء.
وهذه العلامة إشارة إلى بدء انهدام النظام الكوني بتحول النجوم إلى دخان يصل إلى سكان الأرض كنوع من العذاب الأليم الذي توعد الله ـ تعالى ـ به العاصين من عباده" (٢).
وهكذا ذكر، والله أعلم بحقيقة الأمر.
стр. 618
المطلب الرابع: طلوع الشمس من مغربها
طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى كما هو ثابت بالكتاب والسنة (١).
قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن الناس أجمعون، فذلك حيث لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا " (٣).
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" (٤).
وقد ذكر القرطبي ﵀ عدم قبول التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها فقال: "قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوع الشمس من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة
стр. 619
في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحالة لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت" (١).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها ... " الحديث (٢).
وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀: " أن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب" (٣).
أما النظرة العلمية المعاصرة لهذه الآية فقد ذكر الأستاذ خالد بن حمزة مدني تصوراً لطلوع الشمس من مغرب الأرض -والله أعلم بحقيقة ذلك- فقال: "بعد استقرار الشمس المقدر في المكان والزمان، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٤)، يمكن تصور طلوعها من مغرب الأرض دون أن ندخل في التعريف عن الكيفية، بتغيير اتجاه دوران الأرض كأن يكون معاكسًا لدوران كارنجتون R. Carrington.
стр. 620
وهكذا سيكون في المجموع خلال عملية توسع الكون وانكماشه، اتجاهان مختلفان لدوران الأرض: الأول هو الذي نعيشه ونراه حيث تدور الأرض من غربها إلى شرقها لتطلع الشمس من مشرق الأرض، والثاني هو الذي يراه الإنسان قبل قيام الساعة حيث ستطلع الشمس من مغرب الأرض. إنهما عمليتان للشروق والغروب لا تتمان في وقت واحد، ولهذا جاء قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ (١)، والذي يدل على أن الخالق واحد أحد، هو الإله بربوبيته وسلطانه وتوجيهه خلال عملية التوسع والانكماش، ليبقى التعبير واحدًا، فحيثما وجد الشروق والغروب هناك قدرة الله ودقة صُنعه".
ثم قال: "ومن خلال ما أتاح لنا التفسير العلمي، نرى أن هناك مشرقين مختلفين في المكان والزمان: الأول هو الذي نراه الآن الناتج عن عملية الفتق أو الانفجار العظيم وبناء الكون وتوسعه حيث تدور الأرض من غربها إلى شرقها لتطلع الشمس من مشرق الأرض، والآخر هو الذي سيراه الإنسان قبل قيام الساعة أي عند بداية انكماش الكون وعملية طي السماء حيث ستطلع الشمس من مغرب الأرض. والله اعلم، وإنما الموفق من وفقه الله" (٢).
وذكر الأستاذ عبدالكحيل الدائم تفسيراً لطلوع الشمس من مغربها -والله أعلم بحقيقته أيضاً- يقول: "يتحدث العلماء اليوم عن تباطؤ في سرعة دوران الأرض حول نفسها، وهذا التباطؤ سيستمر حتى تتوقف الأرض عن الدوران،
стр. 621
ولكن ماذا يعني ذلك؟ إننا نرى الشمس تطلع من الشرق كل يوم بسبب دوران الأرض حول نفسها، فإذا ما توقفت الأرض فإن ذلك سيؤدي إلى تغير اتجاه دورانها فتظهر الشمس من المغرب، وبذلك يتحقق قول الرسول الكريم ﷺ : " حتى تطلع الشمس من مغربها"" (١).
وذكر الدكتور أحمد عوض عبدالهادي سؤالاً عن طلوع الشمس من مغربها وأجاب عنه فقال: "والسؤال الآن: ما هي المقدمات لطلوع الشمس من المغرب؟ وكيف ستتغير تلك الحركة؟
الجواب: لكي تتغير تلك الحركة تغيراً كلياً لا بد أولا أن تتباطأ حركة الأرض تدريجياً عند دورانها حول نفسها حتى تتوقف توقفا كاملا، ثم تبدأ بالدوران العكسي حول نفسها أيضاً وعندها تطلع الشمس من المغرب، وهذا يعني أنه عند حصول ذلك التباطؤ يرافقه تباطؤ لوقت حصول الليل والنهار بالتأكيد! لأن سبب حصول الليل والنهار كما ذكرنا آنفا هو دوران الأرض حول نفسها خلال أربع وعشرين ساعة بالحساب الزمني الحالي، وعليه سيكون طول الليل والنهار عند حصول التباطؤ أكثر من أربع وعشرين ساعة، وهذا التباطؤ سيكون تدريجيا وبالتالي ستكون زيادة طول الليل والنهار تدريجية أيضا، لأن التوقف لو تم بشكل مفاجئ لدمر وأهلك كل من على الأرض من أحياء بل الأرض كلها.
ويمكننا أن نستأنس بالحديث الذي رواه النواس بن سمعان ﵁ وهو حديث طويل عن الدجال وظهوره آخر الزمان وهو علامة أيضا على قرب الساعة، وجاء في الحديث: "قلنا يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال:
стр. 622
أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم، قلنا يا رسول الله: فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره" (١)، فأصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن لبث الدجال في الأرض عند ظهوره، فكان جوابه ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، أن لبثه أربعون يوما يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا هذه، فيمكننا أن نفهم من هذا الحديث؛ إذا قلنا أن ظهور الدجال سيكون في أيام تباطؤ الأرض جمعا بين حديثي الرسول ﷺ : حديث طلوع الشمس من مغربها، وحديث خروج الدجال، حيث كلا الحديثين لهما علاقة ببعضهما من حيث التغير الزمني والفلكي، فطلوع الشمس من مغربها عبارة عن تغير فلكي وأما ظهور الدجال فيقع وقت ظهوره تغير زمني.
فإذا جاز لنا ذلك، ولا مانع من استشراف المستقبل بما لا يخل بأصل ديني أو اعتقاد ثابت عند المسلمين، أقول إذا جاز لنا ذلك فإن ظهور الدجال سيكون عند توقف الأرض، وليس قبل ذلك لأن أول يوم ذكره نبينا ﷺ وصفه بيوم كسنة، وهو أطول يوم على أهل الأرض قاطبة، فسيكون نهار مدته سنة، لمن هم يواجهون الشمس من أهل الأرض، وسيكون ليل مدته سنة، لمن هم في الاتجاه الآخر من أهل الأرض.
ثم تبدأ الأرض بالحركة البطيئة بالاتجاه المعاكس للاتجاه الذي هو عليه دورانها اليوم، وبالتالي سيبدأ الليل والنهار بالتناقص تدريجيا بعد ذلك اليوم الطويل، فيتقلص هذا الوقت في اليوم الذي يليه مباشرة فيصير كشهر، ثم يصير اليوم الثالث كجمعة أي كأسبوع، ثم تعود الأيام كأيامنا هذه، وهذا
стр. 623
يعني أن الأرض ستعود تتحرك حركتها الطبيعية بعد ذلك التباطؤ والتوقف" (١).
стр. 624
المطلب الخامس: النار التي تحشر الناس
من الآيات الكبرى والعلامات العظمى لأشراط الساعة والمؤذنة بقيام القيامة خروج نار تحشر الناس إلى محشرهم.
وجاءت الروايات بأن خروج هذه النار يكون من اليمن من قعرة عدن، وجاءت روايات أخرى بأنها تخرج من بحر حضرموت.
عن حذيفة بن أسيد ﵁ في ذكر أشراط الساعة وآخره قوله ﷺ : " وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم "، وفي رواية: " نار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس" (١).
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " ستخرج نار من حضرموت أو من بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس " (٢).
أما النظرية العلمية المعاصرة ففي الدراسات الحديثة عن عدن "وجد أن مدينة عدن يقع معظمها بالبحر المحيط، وهي قد تكونت من بركان عظيم جداً أنفجر من جانب البحر، وأستمر دهراً، ثم بعد خموله وبروده أصبح له فوهة مقعرة ككل البراكين ولكنها كبيرة جداً جداً، وأصبحت فيما بعد هي مدينة عدن التاريخية ... " (٣).
стр. 625
ولقد قدر العلماء قوة هذا البركان بمائة قنبلة هيدروجينية.
ويقول المهندس: معروف عقبة في بحثه (عدن البعد التاريخي والحضاري: "يعتبر بركان عدن أحد المراكز البركانية الستة التي تقع في خط بركاني واحد، وتمتد من باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حتى مدينة عدن، ولقد حدث مؤخراً منذ أيام نشاط أحد هذه المراكز البركانية الستة بجبل الطير قبالة سواحل اليمن بالبحر الأحمر، وأخيراً نستعرض ملخص وجه الإعجاز العلمي والجغرافي والتاريخي والغيبي لحديث رسول الله عن مدينة عدن:
١ - أخبر رسول الله ﷺ أن عدن مدينة مقعرة الشكل فقال "قعرة عدن" وهذا لم يتضح إلا بالتصوير عن بعد بالطيران أو بالأقمار الصناعية.
٢ - أخبر رسول الله ﷺ أن عدن تقوم على بركان خامد , ولكن امتداده بالفعل يصل للب الكرة الأرضية، الذي هو معروف أنه كتلة ضخمة جداً من الحديد والنيكل المنصهر، وقد خرجت الحمم النارية من هذا البركان في ثورة عظيمة في المياه القريبة من الساحل بالبحر المحيط، كون بعدها هذا البركان جبل ضخم فوقه فوهة عظيمة، كانت هي مدينة عدن, وستخرج النار مرة أخرى من نفس المكان , وهذا أمر معتاد في معظم البراكين في العالم, وسيكون الخروج الأخير في صورة أشد وأقوى سيسوق فيها البشر لمكان الحشر بأرض الشام" (١).
وذكر الدكتور زغلول النجار -حفظه الله- أن من آخر المستجدات في
стр. 626
مجال الإعجاز العلمي: "ما أثبته العلم منذ عدة سنوات، هو وجود طفوح بركانية غرب الجزيرة العربية تزيد عن ٩٠.٠٠٠ كيلواً متر ممتدة إلى الجولان هذه الطفوح مليئة بالفوهات البركانية التي لا تزال نشطة إلى يومنا هذا، ومنها حوالي ٧٠٠ فوهة بركانية حول المدينة المنورة، سجلت ما لا يقل عن ٣٠٠ هزة أرضية خلال سنة واحدة، مما يؤكد أنها لا تزال نشطة، وبالتالي فلابد لها من أن تفور في يوم من الأيام وحتمية العلم تؤكد ذلك وستكون فورتها من علامات الساعة" (١).
والله أعلم.
стр. 627
المطلب السادس: الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين
من علامات الساعة الكبرى الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين، فقد أخبر النبي ﷺ عن ريحٍ طيبةٍ تخرج لقبض أرواح المؤمنين في آخر الزمان، فتهب فلا يبقى على ظهر الأرض من يقول الله إلا وأخذته، فيبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة، وقد جاء في وصفها أنها ألين من الحرير، فقال ﵊ بعد ما ذكر خروج الدجال وقتله، وبعد خروج يأجوج ومأجوج وفنائهم، قال: "فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن، وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر (١)، فعليهم تقوم الساعة" (٢).
وعن عائشة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى"، فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٣) أن ذلك تاما، قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحا طيبة، فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم " (٤).
стр. 628
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله يبعث ريحا من اليمن، ألين من الحرير، فلا تدع أحدا في قلبه مثقال حبة (وفي رواية: مثقال ذرة) من إيمان؛ إلا قبضته" (١).
أما النظرة العلمية المعاصرة فلم أجد من تكلم عنها فيما يتعلق بالإعجاز العلمي -حسب علمي-.
стр. 629
الفصل الثامن الآيات الكونية المتعلقة بيوم القيامة
وفيه تمهيد ومبحثان:
المبحث الأول: الآيات الكونية السماوية.
المبحث الثاني: الآيات الكونية الأرضية.
стр. 630
تمهيد
الآيات الكونية المتعلقة بيوم القيامة منها آيات سماوية -كالسماء والشمس والقمر والنجوم والكوكب-، ومنها آيات أرضية -كالأرض والجبال والبحار-، وأهوال يوم القيامة وما يحدث لهذه الآيات الكونية من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها (١).
وقدم الله مشاهد ما يقع للآيات السماوية على مشاهد ما يقع للآيات الأرضية، فقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (٣)، ، وقال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ (٤).
فيجب التصديق بها وعدم التكلف فيها؛ فإن مثل هذه الأمور لا تدرك إلا بخبر عن الله وعن ونبيه ﷺ .
وقد سبق في المبحث السابق - الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة -
стр. 631
بيان الضوابط في دراسة مثل هذه الأمور وسبب إيراد كلام المعاصرين عن التفسير والإعجاز العلمي (١).
قال الحليمي (٢)
﵀: " وقد أخبر الله على لسان نبيه ﷺ أنه مفني ما على وجه الأرض ومبدل الأرض غير الأرض، وأن الشمس تكور، وأن البحار تسجر، والكواكب تنثر فيذرها قائمة صفصفاً لا ترى فيها عوجا ولا أمتاً، وكل ذلك كائن على ما جاء به الخبر، وعد الله صدق وقوله حق. وأما ما وراء ذلك مما لم يخبر الله عنه بشيء، فأمره إليه وهو أعلم بما هو فاعله.
ولا ينبغي لنا أن نتكلم فيه بشيء لأن القول على كل حال بغير علم حرام، فالاجتراء به على الله جل ثناؤه أشد وأولى بالحرمة، أعني بهذا إن سائل سأل: أن السماء إذا طويت والشمس إذا كورت أو الكواكب إذا انتثرت، أو عن الأرض بعد ركوب الناس الصراط وفراغها منهم، ماذا يكون من أمرها بعد ذلك؟ لم يكن له جواب يمكن القطع به، والأولى بالمسؤول أن يقول: كما قال الرسول ﷺ للذي سأله عن الساعة: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" (٣).
فإن مثل هذا لا يدرك إلا بخبر ولم يأتنا في هذه الأبواب عن الله جل ثناؤه خبر إلا أن في الجملة يخبرنا بانتقاض الأجسام، فإن أراد الله تعالى أفناها
стр. 632
وحبس البقاء عنها، وفعل ذلك بها، وإن أراد غير ذلك فله الخلق والأمر يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو على كل شيء قدير" (١).
" وقد ذكر د. زغلول النجار -حفظه الله-: "من ضوابط التعامل مع قضية الإعجاز العلمي للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ما يلي:
١ - عدم الخوض في القضايا الغيبية غيبة مطلقة، وضرورة التوقف في ذلك عند حدود النصوص الواردة في كتاب الله أو في أحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ ، انطلاقاً من الإيمان الكامل بهما، واعترفا بعجز الإنسان عن الوصول إلى مثل هذه الغيوب المطلقة بغير هداية ربانية.
" ٢ - التأكيد على أن الآخرة بتفاصيلها المختلفة وأحداثها المتتابعة لها من السنن والقوانين ما يغاير سنن الدنيا مغايرة كاملة، وعلى ذلك فإن وقوع الآخرة لا يحتاج إلى أي من سنن الدنيا البطيئة الرتيبة؛ لأن الله تعالى يصف وقوعها بالفجائية الشديدة، وذلك بقوله -عز من قائل- مخاطباً خاتم أنبيائه ورسله ﷺ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
" وعلى ذلك فإن المشتغلين بعلوم الكون إذا استخدموا عدداً من الشواهد الحسية التي أبقاها الله تعالى لنا في صخور الأرض أو في صفحة السماء للتدليل على حتمية الآخرة من أجل البرهنة على تلك الحتمية وعلى ضرورتها، فإن ذلك لا يمكن أن يعني قدرتهم على استشراف زمن وقوعها الذي هو من صميم الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله تعالى" (٣).
стр. 633
" فيوم القيامة من الأمور الغيبية التي لا يصح الكلام فيها إلا بدليل من الكتاب أو السنة ... كما أن الآخرة لا تنطبق عليها نواميس الدنيا ... فلها نواميس مختلفة ... ولذلك لا يصح أن نطبق قوانين الدنيا على الآخرة ... وإنما نصدق بما جاءنا عن رسولنا الكريم ﷺ ... ولا نخوض في أشياء غيبية لا نعرفها ... لأن هذا من القول بغير علم ... وقد قال الله : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١) " (٢).
وقد ذكر ابن القيم ﵀ عن الوفاء ابن عقيل (٣) ﵀ جواباً لمن ذكر لماذا يخرب الله العالم عند يوم القيامة؟ .
قال ابن القيم ﵀: " وقرأ قارئ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، وفي الحاضرين أبو الوفاء ابن عقيل، فقال له قائل: يا سيدي هب أنه أنشر الموتى للبعث والحساب، وزوج النفوس بقرنائها بالثواب والعقاب، فلم هدم الأبنية، وسير الجبال، ودك الأرض، وفرط السماء، ونثر النجوم، وكورت الشمس؟ فقال: إنما بنى لهم الدار للسكنى والتمتع، وجعلها وجعل ما فيها للاعتبار والتفكر والاستدلال عليه لحسن التأمل والتذكر. فلما انقضت مدة السكنى وأجلاهم من الدار خربها لانتقال الساكن منها، فأراد أن يعلمهم بأن الكون كان معموراً
стр. 634
بهم وفي إحالة الأحوال، وإظهار تلك الأهوال، وبيان المقدرة بعد بيان العزة، وتكذيب لأهل الإلحاد، وزنادقة المنجمين، وعباد الكواكب والشمس والقمر والأوثان، فيعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، فإذا رأوا آلهتهم قد انهدمت، وأن معبوداتهم قد انتثرت وانفطرت، ومحالها قد تشققت ظهرت فضائحهم وتبين كذبهم، وظهر أن العالم مربوب محدث مدبر، له رب يصرفه كيف يشاء، تكذيباً لملاحدة الفلاسفة القائلين بالقدم. فكم لله من حكمة في هدم هذه الدار ودلالة على عظيم عزته وقدرته وسلطانه وانفراده بالربوبية، وانقياد المخلوقات بأسرها لقهره، وإذعانها لمشيئته فتبارك الله رب العالمين" (١).
стр. 635
المبحث الأول: الآيات الكونية السماوية
وعد الله بأن يجعل للكون نهاية، كما خلقه سبحانه فإنه سوف ينهيه ويطويه، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (١)، ومن الآيات الكونية السماوية التي وردت في النصوص: السماوات، والشمس، والنجوم، والكواكب.
١ - السماوات:
أخبر الله أن هذه السماوات على ارتفاعها النائي، وسمكها العظيم، وعددها الكثير، وجمالها الباهر، تأتي ساعة من الساعات ويكون في ذلك خرابها وزوالها في يوم القيامة.
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ (٢)، يوم القيامة تتحرك السموات لأمر الله تعالى فيموج بعضها في بعض، ثم تنشق على عظمها وسمكها وارتفاعها، قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (٣).
وهي عندما تنشق يكون لها لون وشكل، قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ (٤)، قال ابن كثير ﵀: " أي تذوب كما يذوب الدردي (٥)، والفضة في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي