← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

المعنى هو الذي يشير إليه قوله تعالى في نفس السياق: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. على أن التفاوت بين الناس ليس منحصرا في الأرزاق وحدها، بل هو موجود حتى في أعمارهم وآجالهم، وما يصاحب ذلك من أعراض الشيخوخة والهرم، ففي نهاية الربع الماضي، وقبل الحديث عن التفاوت في الأرزاق في بداية هذا الربع، سبق قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. فهذه الآية تشير إلى واقع محسوس: أفراد يطول عمرهم حتى يدركهم الهرم، وآخرون يموتون في شرخ الشباب، وأفراد -رغما عن طول عمرهم وهرمهم- يتمتعون بملكاتهم الذهنية إلى آخر رمق، وآخرون يردون إلى " أرذل العمر "، فيفقدون جميع ملكاتهم، أو أكثرها قبل حلول الأجل بزمن طويل، وكما أنه لا سبيل إلى المساواة بين الناس في أعمارهم وآجالهم، فإنه لا سبيل إلى المساواة بينهم في أرزاقهم ومواهبهم، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. وفي هذا السياق ندد كتاب الله بسخافة المشركين وعباد الأصنام والأوثان، فإنهم بدلا من أن يعبدوا خالقهم ورازقهم، ويفردوه بالعبادة والطاعة دون سواه، يتوجهون إلى من لا يملك لهم رزقا، ولا يستطيع لهم ضرا ولا نفعا، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ

стр. 1157

وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾. والمراد " بالعبد " هنا: الصنم والوثن الذي يعبده المشرك، وقد أطلق كتاب الله على الأصنام كلمة (عباد) في آية أخرى؛ إذ قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، قال مجاهد: " هذا المثل "، أي: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾، إلى آخر الآية، مضروب للوثن وللحق ، فهل يستوي هذا وهذا؟ ". وقال ابن كثير: " لما كان الفرق بينهما ظاهرا بينا لا يجهله إلا غبي، جاء التعقيب على ذلك بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى هنا: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، نهي لعباده أن يتقولوا عليه، ويضربوا له الأمثال من عند أنفسهم ووحي خيالهم، إذ ليس لله في الحقيقة مثال، كيفما كان تصور الخيال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. نعم إذا وجدنا في كتاب الله مثلا مضروبا من الذات العلية وقفنا عند حده، ولم نتجاوزه إلى غيره، كما لا نصفه ولا نسميه إلا بالصفات والأسماء الواردة في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه الكريم. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا

стр. 1158

وَجَهْرًا﴾، تنبيه إلى أن " الرزق الحسن " عند الله هو الذي يؤدي العبد حقه دون منّ ولا أذى، فينفق منه في سبل الخير ووجوه البر، الظاهر منها والخفي، معتمدا على وعد الله تعالى في قوله الحق: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وما عدا ذلك فهو رزق، لكنه " رزق سيء "، إذ لا نفع من ورائه للغير، ولا أثر له في إشاعة البر والخير. ونظرا لكون الإسلام يدعو إلى العمل الإيجابي والمساهمة الفعلية في إصلاح المجتمع، فإن كتاب الله يستنكر موقف الشخص الكسول العاجز، المتكل على غيره، الذي لا ينفع نفسه ولا غيره، وينوه بموقف الشخص الشجاع الصريح، الذي ينهى عن الظلم ويأمر بالعدل، والذي يعطي المثل من نفسه لبقية الناس في الهداية وحسن السلوك، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾، وهذه كناية عن عجزه وسلبيته، ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾، أي: عبء ثقيل على غيره، ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وعرض كتاب الله نماذج متنوعة توقظ الإنسان الغافل، وتلفت نظره إلى علم الله المحيط بكل شيء، وقدرته الواسعة، وحكمته الباهرة، وإبداعه الفريد في الأنفس والآفاق، مما لا مثيل له ولا نظير، فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ

стр. 1159

لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وخصَّ كتاب الله بالذكر والامتنان نعمة " الأسرة " التي يطمح إليها كل إنسان عاقل، حتى إنه ليكافح في سبيل الاستمتاع بها والحصول عليها بجميع الوسائل، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، فامتن على الرجال بأن جعل زوجاتهم بشرا من جنسهم، إذ خلق الذكر والأنثى من نفس واحدة، إن اختلفا في وظائفهما العملية والاجتماعية، فإنهما لا يختلفان في خصائصهما النوعية والإنسانية. والحكمة الإلهية في ذلك أن يعاشر الرجل امرأة من جنسه، وأن تعاشر المرأة رجلا من جنسها تتجاوب معه، فتحس نفس الإحساس، وتشعر بنفس الشعور، وتتكلم نفس اللغة، ثم امتن سبحانه على الآباء والأمهات بما يرزقهم من البنين والحفدة، إذ الذرية الصالحة هي أطيب الثمرات لشجرة الزواج المباركة، وهي إحدى حسنات الإنسان التي لا تنقطع بعد الموت. ونبَّه كتاب الله إلى أن الوظيفة الأساسية التي يرمي إليها الإسلام من تأسيس البيوت لإقامة الأسر والعائلات، هي: الحصول على نوع خاص من الحياة يتميز عن كل ما عداه بالسكينة والهدوء والطمأنينة وراحة البال، ولن يؤدي البيت هذه الوظيفة الحيوية إلا إذا كان مستوفيا لشرائط الراحة والانسجام، ماديا وروحيا، وإلا إذا كان أعضاؤه المتساكنون فيه على غاية الوِفاق والوئام، وفي

стр. 1160

مأمن من عوامل الشقاق والخصام، وإلى هذا المعنى الدقيق الرقيق يشير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾، ويزيد هذا المعنى توضيحا وتحليلا، قوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الآية: ٢١]. وفي سياق امتنان الله على عباده بما آتاهم من أسر وبيوت، وبنين وحفدة، عرض كتاب الله جملة من النعم التي هي شرط أساسي لحياة الأسرة وسعادة البيت، مما يتوقف عليه كل إنسان في الحر والقر، في الظعن والإقامة، في السلم والحرب، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾، أي: ظلالا تقيكم حر الشمس. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾، أي: حصونا تأوون إليها وتعتصمون بها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾، أي: كساكم من عرى بملابس وأغطية تدفع عنكم الحر والقر، ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾، أي: دروع الحرب والجهاد، التي يحتاج إليها في ساحات المعارك وما ناسبها من عدة وعتاد، ثم عقب كتاب الله على ذلك كله قائلا: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾، بمعنى أن من فكر في مجموع هذه النعم الإلهية، وقدرها حق قدرها، وتأمل في كرم المنعم بها وفضله، واستحضر في ذهنه ما ينشأ عن فقدها واختلالها أو الحرمان منها، من اختلال في حياة الإنسان،

стр. 1161

ونزول إلى الدرك الأسفل من دركات الحيوان، لا يسعه إلا الاعتراف بجميل مولاه والإذعان والإيمان، لكن المعاندين والجاحدين مصرون على عنادهم وجحودهم رغما من تمتعهم بنعم الله، ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾. وتناول القسم الأخير من هذا الربع بالوصف والتحليل حالة المشركين والكافرين عندما يضع الله الموازين القسط ليوم القيامة، وما يكونون عليه من وجوم ودهشة وارتباك وتردد لهول المفاجأة، وما يرددونه من اعتراف وإقرار، وما يحاولونه من تراجع واعتذار، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، أي: فكذبهم شركاؤهم، ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾، أي: واستسلم الذين أشركوا يومئذ لله مذعنين خاشعين، لكن بعد فوات الوقت. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾. وقوله تعالى هنا: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ يشبه قوله تعالى فيما سبق من سورة النساء: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [الآية: ٤١]. وقد كان عبد الله بن مسعود يقرأ، ورسول الله يسمع، فلما وصل إلى هذه الآية قال رسول الله ﷺ : " حسبك "، فالتفت عبد الله بن مسعود إلى

стр. 1162

رسول الله، فإذا عيناه تذرفان، أي: وجد عينيه الكريمتين تدمعان، تأثرا من استحضار هذا المشهد الرهيب من مشاهد يوم القيامة، نسأل الله أن يستر هذه الأمة بستره الجميل.

стр. 1163

الربع الثالث من الحزب الثامن والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا

стр. 1164

وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ

стр. 1165

مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)

стр. 1166

الربع الثالث من الحزب الثامن والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثالث من الحزب الثامن والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ــ اعتنى كتاب الله في القسم الأول من هذا الربع ببيان الدعائم الأساسية التي يقوم عليها السلوك الإسلامي، فرديا كان أو جماعيا، وهذه الدعائم لا تقوم للمسلمين قائمة بدون مراعاتها والتزامها، فدعا إلى التزام العدل وممارسة الإحسان، وتجنب الظلم وتفادي الطغيان، ودعا إلى الوفاء بالعهد واحترام الأيمان، ونهى عن إشاعة الفواحش وإقرار المنكرات، كما نهى عن رواج سوق المكايد والمساومات بين الأفراد والجماعات. فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾. و " العدل " هو الإنصاف قولا وفعلا، والتسوية بين

стр. 1167

أصحاب الحقوق بإعطاء كل ذي حق حقه دون تحيز ولا هوى. ومن مشمولات العدل: العدل بين الإنسان وربه، بإيثار حق الله على حظ نفسه، والعدل بين الإنسان ونفسه، بمنعها عن كل ما فيه ضررها وهلاكها، وبمنحها كل ما فيه نفعها وصلاحها، والعدل بين الإنسان وأخيه من بقية الناس، بإنصافهم من نفسه، وعدم الإساءة إليهم بقول أو فعل، لا في السر ولا في العلن. و" الإحسان " في هذا المقام، هو التفضل والإنعام، وحسن المعاملة بين الأنام، ومن مشمولاته: صلة الرحم، المعبر عنها هنا: (بإيتاء ذي القربى)، قال أبو بكر (ابن العربي): " وإنما خص ذوي القربى، لأن حقوقهم أوكد، وصلتهم أوجب، لتأكيد حق الرحم، التي اشتق الله اسمها من اسمه، وجعل صلتها من صلته ". ثم قال تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾. و " الفحشاء ": كل قبيح من قول أو فعل أو خلق أو اعتقاد، ومن ذلك أن العرب تسمي البخيل " فاحشا ". و " المنكر ": ما أنكره الشرع بالنهي عنه، وما تستنكره فطرة الإنسان وتأباه، من تصرفات ومعتقدات، و " البغي ": هو تجاوز الحد، والتطاول على الغير بالظلم والتعدي. وقوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، تنبيه إلى أن الحكمة المتوخاة من أوامر الله ونواهيه، هي إرشادنا إلى وجوه الخير حتى نمارسها، لصالح أنفسنا وصالح الناس، وتحذيرنا من ضروب الشر حتى نتجنبها، وقاية لأنفسنا وللناس. قال عبد الله بن

стр. 1168

مسعود ﵁: " هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل، وشر يجتنب ". ثم قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. و " العهد " يطلق في كتاب الله إطلاقات متنوعة، والمراد بعهد الله هنا: ما يعطيه المؤمنون من العهود والمواثيق لبعضهم أو لغيرهم، وما يصحب عهودهم من الأيمان المؤكدة لها، الضامنة لاتزامها ونفاذها، و " توكيد " الأيمان: هو حلف الإنسان في الشيء الواحد يمينا بعد يمين. ونهى كتاب الله أن يسلك المؤمنون في عهودهم المؤكدة بالأيمان مسلك الخداع والتغرير، ضاربا لهم المثل بالمرأة التي تعبت وقضت وقتا طويلا وهي منهمكة في الغزل، ثم نقضت غزلها بعد أن أبرمته وفتلته فتلا شديدا، فضاع مجهودها سدى، محذرا إياهم من اتخاذ هذا المثل أسوة لهم فيما يعقدونه من المواثيق، إذا نقضوها بعدما أبرموها، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾، معناه: لا تكونوا ناكثين للعهود ناقضين لها، متخذين من عهودكم المؤكدة بالأيمان مجرد ستار للخداع والغدر، بحيث تعقدونها وأنتم مبيتون النية مصممون على نقضها وفسخها، لأول ما يرجح ميزان القوة عندكم على غيركم، وهذا معنى قوله تعالى في نهاية هذه الآية: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾.

стр. 1169

وأكد كتاب الله هذا المبدأ الإسلامي الأصيل، مبدأ الوفاء بالعهد ما دام العهد قائما، مبينا هذه المرة العواقب الوخيمة التي تنشأ عن خيانة العهود ونقض المواثيق، فقال تعالى في نفس هذا الربع: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾، أي: لا تتخذوها خديعة ومكرا، ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، إذ إن الغدر والخديعة يؤديان إلى فقد الثقة وإثارة الفتنة فيما بين الأفراد والأمم، ويؤديان إلى أن يتربص المخدوعون بمن خدعوهم الدوائر، فينصرم حبل التعاون فيما بين الطرفين، (ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين). وزاد كتاب الله نفس المبدأ توكيدا وتشديدا، منبها إلى أن المنافع الزائلة والمصالح العابرة، لا ينبغي أن تغري المؤمنين بنقض عهودهم ومواثيقهم؛ لأن منافع الوفاء المتبادل، والثقة المتبادلة، أدوم وأبقى، فقال تعالى في نفس السياق: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ثم حض كتاب الله على ممارسة الخير والعمل الصالح، و " العمل الصالح ": هو العمل المشروع الملائم للتوجيهات الإلهية، والمحقق لمقاصد الشريعة وأهدافها، مبشرا كل من سلك في حياته هذا المسلك من ذكر وأنثى بالحياة الطيبة في الدنيا، والجزاء الحسن في الآخرة، وذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، وهذه

стр. 1170

الصيغة تتضمن وعدا قاطعا من الله تعالى، وتفيد أنه وعد " نافذ " في نفس هذه الحياة لا مرد له، مما يدل أقوى دلالة على أن آثار الأعمال الصالحة تظهر على أصحابها في دنياهم قبل آخرتهم. وفيما يخص الشق الثاني، قال تعالى في السياق وبنفس التأكيد: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. و" الحياة الطيبة " التي وعد الله بها من التزم العمل الصالح، تشمل جميع وجوه الطمأنينة التي يطمح إليها الإنسان في حياته، وجمعها ابن عباس في كلمة واحدة فقال: " الحياة الطيبة: هي السعادة ". وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، الذي توسط هذه الآية بين العمل الصالح والجزاء عليه، إشارة إلى أن: " الإيمان " أمر أساسي بالنسبة للجزاء الكامل على العمل الصالح؛ لأنه هو الذي يعطي للعمل الصالح طابعه الخاص، وهو الذي يحمل عامله على أن يجعل هدفه الوحيد من عمله ابتغاء مرضاة الله دون سواه، وبدون الإيمان بالله لا يتمحض هذا الغرض، ولا يكون العمل الصالح مظهرا من مظاهر الطاعة والعبادة. وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا). والقسم الأخير من هذا الحديث الشريف ينظر إلى قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].

стр. 1171

وتناولت الآيات الكريمة بعد ذلك الحديث عن القرآن العظيم: عن تنزيله، وعن لسانه، وعن رسالته، وعن آداب تلاوته. فعن حكمة تنزيله قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [الآية: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾.وعن لسان وحيه قال تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. وعن مضمون رسالته قال تعالى: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. وعن آداب تلاوته قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، قال أبو بكر الجصاص: " معناه إذا أردت القراءة فاستعذ، إذ ثبت عن النبي ﷺ وعن السلف الاستعاذة قبل القراءة، والاستعاذة ليست بفرض ". وبنفس هذا الاستعمال ورد قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة. وقال ابن كثير: " هذا أمر من الله لعباده على لسان نبيه ﷺ إذا أرادوا قراءة القرآن، أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، وهذا أمر ندب لا وجوب "، حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة ". والحكمة في تقديم الاستعاذة قبل قراءة القرآن هي التحصن بالله من وساوس الشيطان، ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى

стр. 1172

الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وذلك حتى لا يفسد الشيطان على القارئ قراءته، وحتى يستجمع القارئ لبه وقلبه على التأمل والتدبر، وهما غاية الغايات من تلاوته كتاب الله. وتعرض كتاب الله لحالة استثنائية طالما عرضت للمستضعفين في بداية عهد الإسلام، ممن لم تكن لهم عشيرة تحميهم، ولا عصبية تدافع عنهم، حيث كان المشركون يعذبونهم ويكرهونهم على العودة إلى الشرك، ونبه كتاب الله إلى صورتين اثنتين في هذا المقام: - الصورة الأولى: صورة من ضعف عن احتمال التعذيب، فكفر بالله من بعد إيمانه وعاد إلى الكفر، وهذا له عذاب عظيم، وعليه غضب من الله شديد، وفي شأنه وشأن أمثاله قال تعالى هنا: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وفي أمثاله ورد حديث البخاري في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه). - الصورة الثانية: صورة من أكره على الكفر بعد إيمانه، واستمر قلبه مطمئنا بالإيمان، فهذا لا يؤاخذه الله بما نطق به اللسان، مخالفا لما في الضمير والجنان، من التعريض الذي هو في حكم الهذيان، بل هو معذور في الدنيا، مغفور له في الأخرى، وإلى هذه الحالة يشير قوله تعالى هنا: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، وقوله تعالى في نفس السياق: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 1173

الربع الأخير من الحزب الثامن والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا

стр. 1174

عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ

стр. 1175

لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)

стр. 1176

الربع الأخير من الحزب الثامن والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب الثامن والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾. ــ أول آية في هذا الربع تؤكد عدل الله تعالى المطلق، بالنسبة لجزاء الأبرار والفجار، والأخيار والأشرار، وتنبه إلى أن كل نفس ستكون مسؤولة أمام الله عن عملها، مطالبة بالدفاع عن موقفها، إذ لا تقبل نيابة أحد عن أحد في عرصات يوم القيامة: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، حتى إذا انتهى كل واحد من الدفاع عن نفسه نال جزاءه العادل، لا ينقص شيء من ثوابه إن كان خيرا، ولا يزاد شيء في عقابه إن كان شرا، وذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾، أي: توفى جزاء ما عملت، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وتحدث كتاب الله عما يصيب البشر من ابتلاء وعقاب في

стр. 1177

الحياة الدنيا قبل الآخرة، جزاء كفرهم بنعمه الوافرة، فكم من مدن وقرى أنعم الله على أهلها بالأمن والطمأنينة ورغد العيش، وسهولة الحصول على الضروريات والحاجيات من كل مكان، فلم يقدروا نعمه حق التقدير، ولم يصدقوا بشارة أي بشير، ولا نذارة أي نذير، فمثل هؤلاء القوم يعاقبهم الله بالسلب بعد العطاء، ويسلط عليهم الخوف والجوع وما يرافقهما من أنواع البلاء، جزاء كفرهم، وعدم شكرهم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. والقرية المشار إليها في هذه الآية على سبيل المثال يظهر أن المراد بها مكة في عهد سيطرة الشرك والمشركين عليها، فقد أصر مشركو قريش في بداية عهد الإسلام على مقاومة الرسالة المحمدية، وبالغوا في إذاية الرسول ﵇ وإذاية المؤمنين، إلى أن اضطر للدعاء عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة واحدة أذهبت لهم كل شيء، وكانت كافية في ردعهم عن طغيانهم نوعا ما، ولم يسعهم بعدما رأوا العذاب، ولمسوا أثر استجابة الله دعاء رسوله، إلا أن يلتجئوا إليه قاصدين بابه، سائلين منه الدعاء لهم باللطف والرفق، فما كان منه ﵇ إلا أن رق لحالهم، ودعا الله فاستجاب الله دعاءه، وكان ذلك الموقف النبوي الكريم من أهم العوامل التي زعزعت ثقتهم بالشرك

стр. 1178

والوثنية، وشرحت صدر كثير منهم للإيمان بالرسالة الإلهية. ثم وجه كتاب الله دعوة كريمة إلى الناس كافة -ولا سيما المؤمنين- فقد دعاهم جميعا إلى الإقبال على مائدة الله التي أنزلها لهم للتمتع بها، والتناول منها، كما دعاهم إلى الاستزادة من خيراتها بالشكر عليها، وذلك رحمة بهم، لإقامة أودهم، واستمرار النوع الإنساني المستخلف في الأرض، وحفظه من الهلاك والبوار، وهذه المائدة الإلهية التي دعاهم إليها كتاب الله تنحصر أنواعها في (الحلال الطيب)، ففي أنواع الحلال ما يكفيهم عن كل حرام، وفي أنواع الطيبات ما يغنيهم عن كل خبيث، وذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. وبمناسبة هذه الدعوة الكريمة نبه كتاب الله إلى جملة من المحرمات والخبائث التي لا يسوغ للإنسان تناولها، لما فيها من ضرر محقق، وأذى بالغ، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقد سبق نفس هذا الموضوع مفسرا في مثل هذه الآية من سورة البقرة. وما دام الحديث جاريا عن الحلال والحرام، والطيب والخبيث، فقد بين كتاب الله أن السلطة الإلهية العليا هي وحدها التي لها صلاحية الحكم بتحليل ما هو حلال وتحريم ما هو حرام، وأن القول الأول والأخير في هذا الشأن، مرجعه إلى الله

стр. 1179

لا إلى هوى الإنسان، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، فليس للناس أن يحلوا ما حرم الله، ولا أن يحرموا ما أحل الله، تبعا لمجرد أهوائهم وشهواتهم. وحذر كتاب الله من الحكم على الأشياء بالتحليل والتحريم دون سند شرعي، واعتبر المغامرين بذلك من عند أنفسهم متطاولين على الشرع ومفترين على الله، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾. ونظرا إلى أن الشهوة الغالبة، والمتعة الزائفة، هما أهم سبب فيما يقدم عليه بعض الناس من تحليل الحرام جاء التعقيب على ذلك بما ينفر من تلك الشهوة وتلك المتعة، فقال تعالى: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وما دام الحق يعلم ضعف الإنسان، وما توحي إليه به نفسه الأمارة بالسوء، وأنه عرضة للتورط في المعصية والإثم، فقد فتح الله سبحانه لعباده باب التوبة على مصراعيه، حتى يمكنهم أن يستأنفوا الطاعة بعد المعصية، والاستقامة بعد الانحراف، وحتى يمارسوا من جديد عمل الحسنات، تكفيرا عما ارتكبوه من السيئات، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾. وقوله تعالى هنا: ﴿لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾، يتضمن

стр. 1180

إشارة لطيفة إلى أن مرتكب المعصية عندما يهجم على ارتكابها يكون في حالة شبيهة بحالة الإغماء والجنون، بحيث يفقد -تحت ضغط الشهوة- وعيه الديني تقريبا، فينسى حكم الدين، وينسى يوم الدين، حتى إذا ما استرجع وعيه ندم على ما فرط منه، وأخذ يتلمس الأسباب، ويطرق الأبواب، ليريح ضميره من العذاب، فيفتح الحق في وجهه باب التوبة، وما أوسعه من باب، وبذلك يعود المؤمن العاصي إلى أحضان الرشد والصواب، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾، أي: من بعد التوبة، ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ونظرا إلى المقام الكريم الذي يحتله في تاريخ الخليقة خليل الرحمان ونبيه إبراهيم، وادعاء الكثير من أتباع الملل والنحل أنهم معتمدون عليه، وأن مللهم ونحلهم منه وإليه، -ومن بين المدعين لهذه الدعوى مشركو العرب وبنو إسرائيل- فقد تصدى كتاب الله لإبطال دعواهم، مبينا هنا أن إبراهيم ﵇ لم يكن من المشركين، بل كان قانتا لله حنيفا، كما بين كتاب الله في موضع آخر أن إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، وإنما كان حنيفا مسلما، وبهذه المناسبة أثنى كتاب الله على خليله إبراهيم، ونوه بفضائله ومزاياه في الدنيا والآخرة، ودعا خاتم الأنبياء والمرسلين إلى رفع رايته، وإتباع ملته، وإلى هذه المعاني المتعددة يشير قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ

стр. 1181

مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وبمقتضى هذا الأمر الإلهي المطاع أخذ رسول الله ﷺ يتعبد بكل ما أوحي إليه من ملة إبراهيم، وورد قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الآية: ١٦١]. وقوله تعالى في وصف إبراهيم: ﴿كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾، قال ابن مسعود: " الأمة هو الذي يعلم الناس الخير، والقانت هو المطيع ". ويطلق لفظ الأمة أيضا ويراد به الإمام الذي يقتدى به، وقد كان إبراهيم ﵇ في آن واحد: مطيعا لربه، ومعلما للخير، وإماما لأتباع ملة التوحيد على العموم، و (الحنيف) في هذه الآية وما ماثلها معناه المخلص، والمنحرف عن الشرك قصدا إلى التوحيد. قال أبو بكر (ابن العربي): " فعلى كل عبد أن يطيع الله ويعلم الأمة، فيكون في دين إبراهيم على الملة ". وبعدما أمر الحق خاتم الأنبياء والمرسلين باتباع ملة إبراهيم خاطبه موجها ومرشدا، مبينا له نوع الدعوة الموكولة إليه، وأحسن الطرق التي يلزمه سلوكها لتبليغ تلك الدعوة، فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾، والدعوة إلى سبيل الله هي جوهر الدعوة وصميمها، ثم قال تعالى: ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وهذه هي الشروط الأساسية لكل دعوة يكتب لها الانتشار والانتصار، إذ متى كانت الدعوة -من أي نوع- يقود خطواتها داعية غير حكيم ولا متبصر، أو داعية غير مهذب القول ولا مهذب الطبع، أو داعية

стр. 1182

حريص على الجدل مولع بالشغب، إلا وباءت دعوته بالتقهقر السريع، والفشل الذريع. وواضح أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾، وإن كان موجها في البداية إلى الرسول ﷺ ، فهو موجه في النهاية إلى جميع أفراد أمته، ومن بينهم العلماء والحكام، والمعلمون والمعلمات، والآباء والأمهات، فكلهم مطالب بالدعوة إلى ما دعا إليه الرسول بنفس الروح التي دعا بها، وحض كتاب الله عليها، وقد تجدد هذا المعنى في كتاب الله عدة مرات، ومن ذلك قوله تعالى يأمر موسى وهارون عندما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. وقوله تعالى في ختام هذا الربع: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، هذه معية خاصة، كقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]، وكقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. إشارة إلى حديث النبي ﷺ مع أبي بكر الصديق وهما في الغار. وأما المعية العامة بمعنى علم الله المطلق الشامل لما ظهر وما بطن، في السر والعلن، فكقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]، قال ابن كثير:

стр. 1183

" ومعنى ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، أي: تركوا المحرمات وفعلوا الطاعات، فهؤلاء يكون الله معهم بتأييده ونصره، ومعونته وهديه "، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾.

стр. 1184

الربع الأول من الحزب التاسع والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ ١٧ - سورة الإسراء مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا

стр. 1185

فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ

стр. 1186

مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)

стр. 1187

الربع الأول من الحزب التاسع والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأول من الحزب التاسع والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾. ــ هذه السورة الكريمة التي نفتتح بها حديث اليوم سورة مكية، وهي من سور القرآن " العتاق الأول " كما وصفها عبد الله بن مسعود، أحد كبار كتاب الوحي لرسول الله ﷺ ، حسبما روى ذلك البخاري في الصحيح. وسميت " سورة الإسراء " أخذا من قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الآية: ١]. وأول جزء منها يتحدث بإيجاز عن انتقال الرسول ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بواسطة البراق، وهو ما عبر عنه كتاب الله " بالإسراء "، ثم عن الانتقال من المسجد الأقصى في بيت المقدس إلى السماوات العلى حتى سدرة المنتهى، وهو " العروج " الذي تم بواسطة " المعراج ".

стр. 1188

قال القاضي عبد الجبار في كتابه " تنزيه القرآن عن المطاعن ": (ربما قيل: كيف يصح قطع هذه المسافة في هذه الأوقات القصيرة؟ وجوابنا أن ذلك من معجزاته ﷺ ، كما جعل الله تعالى معجزة سليمان " الريح " بقوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]. وقد وردت في شأن الإسراء والمعراج عدة أحاديث، تشتمل على تفاصيل دقيقة لم يتعرض لها كتاب الله، ومن أحسن من جمعها بطرقها المتعددة على اختلاف درجاتها الحافظ ابن كثير، وبعدما أورد نصوصها في عشرين صفحة من تفسيره الشهير، أتى بخلاصة وافية نقتطف منها العناصر الأساسية في الموضوع. وفيما يلي خلاصة الخلاصة لما قاله ابن كثير. قال ﵀: " وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها يحصل مضمون ما اتفقت عليه، وأنه وقع مرة واحدة، والحق أنه ﵇ أسري به يقظة لا مناما، من مكة إلى بيت المقدس، راكبا البراق، وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان، فلما انتهى إلى المسجد الأقصى دخله، فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتي بالمعراج، وهو كالسلم، ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام أي أقلام القدر بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى، ورأى البيت المعمور، والجنة والنار، وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى

стр. 1189

خمس، رحمة منه ولطفا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء، فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ثم خرج من بيت المقدس، فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس، وكان الإسراء قبل الهجرة بسنة ". ثم قال ابن كثير: " والأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناما، ولا ينكرون أن يكون رسول الله ﷺ رأى الإسراء قبل ذلك مناما، ثم رآه بعده يقظة، لأنه كان ﵇ لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ". انتهى ما اقتطفناه من كلام ابن كثير، وعلى القول بأن النبي ﷺ رأى الإسراء رؤيا منام، ثم رآه رؤية يقظة، يكون الأمر فيه مشابها لبدء نزول الوحي من قبل، فقد كان الملَك جاءه في المنام أولا، ثم جاءه بعد ذلك في اليقظة. وشرح القاضي أبو بكر (ابن العربي) الحكمة في هذا التدرج فقال: " وكانت الحكمة في ذلك أن أراه الله في المنام ما أراه، توطيدا وتثبيتا لنفسه، حتى لا يأتيه الحال فجأة، فتقاسي نفسه الكريمة من ذلك شدة، لعجز القوى الآدمية عن مباشرة الهيئة الملكية ". واقتصر كتاب الله من قصة الإسراء على بيان وقته، وبيان المكان الذي أسري منه، وبيان الحكمة المقصودة من الإسراء فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ﴾ علم للتسبيح، ومعناه براءة الله

стр. 1190

من السوء، وتنزيه مقامه عنه. قال ابن كثير: " والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان الإسراء مناما -لا يقظة- لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مستعظما "، إذ " لا فضيلة للحالم، ولا مزية للنائم "، كما قال النسفي، ولما بادر كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم، مما يشير إليه قوله تعالى في مكان آخر من هذه السورة: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ أي رؤيا عين كما قال ابن عباس ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الآية: ٦٠]. ومما يستلفت النظر أن هذا التسبيح الوارد في مطلع السورة يتكرر أثناءها عدة مرات، فمرة يأتي تعقيبا على ما قال به المشركون في حق الله جل وعلا، وذلك قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا * تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، ومرة أخرى يأتي التسبيح تعقيبا على التحديات التي وجهها المشركون إلى رسول الله ﷺ ، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾، ومرة ثالثة يأتي التسبيح في سياق الحديث عن الذين آمنوا بالله ورسوله ودخلوا في الإسلام من أهل الكتاب، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾. ومن لطائف التفسير التي يحسن نقلها في هذا المقام ما ذكره جمال الإسلام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري

стр. 1191

عند تحليله لقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ إذ قال: " لما رفعه إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية تواضعا للألوهية "، وذلك حتى لا يلتبس أحد المقامين بالآخر، كما التبسا في المعتقدات المسيحية. وقوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ بيان لحكمة الله في إسرائه بخاتم أنبيائه ورسله، وقد أعاد كتاب الله الحديث عن هذه الحكمة في سورة النجم فقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [الآية: ١٨] وكم في السماوات وحدها من عجائب وآيات. قال زميلنا المرحوم المفسر الشهيد: " والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة مختارة من اللطيف الخبير، تربط بين عقائد التوحيد الكبرى، من لدن إبراهيم وإسماعيل ﵉ إلى محمد خاتم النبيئين ﷺ ، وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعا، وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير، لمقدسات الرسل قبله، والإشارة إلى اشتمال رسالته على هذه المقدسات، وارتباط رسالته بها جميعا، فهي ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان، وتشمل آمادا وآفاقا أوسع من الزمان والمكان، وتتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تنكشف عنها للنظرة الأولى ". وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن موسى وعن بني إسرائيل. والحديث عن رسالة موسى ﵇، وعما تقلَّب فيه بنو إسرائيل من النِّعَم والنِّقَم -بعد ذكر المسجد الأقصى- مناسب لهذا المقام كل المناسبة، فقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى

стр. 1192

الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي هاديا ومبينا ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي وعد المرة الآخرة ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي ليجعلوا آثار المساءة والكآبة بادية على وجوهكم ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ أي ليبيدوا -مدة علوهم واستيلائهم- كل ما استولوا عليه، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ أي سجنا يحاصرون فيه. وهكذا أشار كتاب الله في إيجاز وإعجاز إلى جوهر الرسالة الموسوية التي جاء بها موسى ﵇ إلى بني إسرائيل، فحرفوها وتنكروا لها، وكان من آثار تمردهم عليها ما توالى عليهم من التشتيت والتفتيت، وأنواع البلاء والجلاء في أطراف الأرض شرقا وغربا. ثم نبه كتاب الله إلى أن بني إسرائيل كلما عادوا إلى الفساد في الأرض والاستعلاء على الخلق عادت إليهم النقم تترى، وأوسعهم الله هزيمة وقهرا، وآتى أعداءهم غلبة ونصرا. وواضح أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ موجه إلى بني إسرائيل، إنذارا لهم بسوء العاقبة وقبح المصير، كما وجه إليهم الخطاب من قبل في قوله تعالى: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي

стр. 1193

الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾، وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخر الآية. فهذا هو ما يقتضيه سياق الآيات المتلاحقة، ويقضي به نظامها العام، وارتباطها التام، قال ابن كثير: " وفيما قص الله علينا في كتابه غنية عما في سواه من بقية الكتب قبله، وقد أخبر الله عن بني إسرائيل أنهم كلما طغوا وبغوا سلط الله عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد ". وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن الميزة الخاصة التي امتاز بها القرآن الكريم، وأنه اشتمل على لب الدين الصحيح وجوهره الكامل، وعلى شريعة الله الفاضلة في أسمى أطوارها، وأنه بعد نزوله لم تبق هناك طريقة أقوم من طريقته، ولا شريعة أفضل من شريعته، فهو الحري والأحق بالإتباع، من جميع الشيع والأتباع، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أي يهدي للعقيدة التي هي أقوم، والشريعة التي هي أقوم، والحياة التي هي أقوم. وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ معناه ألزمنا كل إنسان جزاء عمله، وما يستحقه، بحيث يصبح عمل الأخيار لازما لهم لزوم القلادة للعنق، وعمل الأشرار لازما لهم لزوم الغل للعنق، وواضح أن العنق عضو لا نظير له في جسد الإنسان، فمن ألزم فيه بشيء لم يفك عنه بحال. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ

стр. 1194

فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ إشارة إلى سنة الله التي لا تتخلف، من إرسال الرسل مبشرين ومنذرين، وقيامهم بتبليغ أوامر الله ونواهيه إلى كافة الخلق، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، فإذا امتثلوا أوامر الله كيفما كان موضوع تلك الأوامر - وفي طليعتها أمره بالعدل والإحسان وأداء الأمانات إلى أهلها- أفاض الله عليهم وعلى بلدانهم أصناف النعم، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]، وإذا " فسقوا " وعصوا أوامر الله ولم يجتنبوا نواهيه، وانحرفوا عن الجادة، سلط عليهم وعلى بلدانهم ضروب النقم، وذلك معنى قوله تعالى هنا: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾، وقوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].

стр. 1195

الربع الثاني من الحزب التاسع والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ
следующие страницы →