← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

عند تحليله لقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ إذ قال: " لما رفعه إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية تواضعا للألوهية "، وذلك حتى لا يلتبس أحد المقامين بالآخر، كما التبسا في المعتقدات المسيحية. وقوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ بيان لحكمة الله في إسرائه بخاتم أنبيائه ورسله، وقد أعاد كتاب الله الحديث عن هذه الحكمة في سورة النجم فقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [الآية: ١٨] وكم في السماوات وحدها من عجائب وآيات. قال زميلنا المرحوم المفسر الشهيد: " والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة مختارة من اللطيف الخبير، تربط بين عقائد التوحيد الكبرى، من لدن إبراهيم وإسماعيل ﵉ إلى محمد خاتم النبيئين ﷺ ، وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعا، وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير، لمقدسات الرسل قبله، والإشارة إلى اشتمال رسالته على هذه المقدسات، وارتباط رسالته بها جميعا، فهي ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان، وتشمل آمادا وآفاقا أوسع من الزمان والمكان، وتتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تنكشف عنها للنظرة الأولى ". وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن موسى وعن بني إسرائيل. والحديث عن رسالة موسى ﵇، وعما تقلَّب فيه بنو إسرائيل من النِّعَم والنِّقَم -بعد ذكر المسجد الأقصى- مناسب لهذا المقام كل المناسبة، فقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى

стр. 1192

الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي هاديا ومبينا ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي وعد المرة الآخرة ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي ليجعلوا آثار المساءة والكآبة بادية على وجوهكم ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ أي ليبيدوا -مدة علوهم واستيلائهم- كل ما استولوا عليه، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ أي سجنا يحاصرون فيه. وهكذا أشار كتاب الله في إيجاز وإعجاز إلى جوهر الرسالة الموسوية التي جاء بها موسى ﵇ إلى بني إسرائيل، فحرفوها وتنكروا لها، وكان من آثار تمردهم عليها ما توالى عليهم من التشتيت والتفتيت، وأنواع البلاء والجلاء في أطراف الأرض شرقا وغربا. ثم نبه كتاب الله إلى أن بني إسرائيل كلما عادوا إلى الفساد في الأرض والاستعلاء على الخلق عادت إليهم النقم تترى، وأوسعهم الله هزيمة وقهرا، وآتى أعداءهم غلبة ونصرا. وواضح أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ موجه إلى بني إسرائيل، إنذارا لهم بسوء العاقبة وقبح المصير، كما وجه إليهم الخطاب من قبل في قوله تعالى: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي

стр. 1193

الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾، وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخر الآية. فهذا هو ما يقتضيه سياق الآيات المتلاحقة، ويقضي به نظامها العام، وارتباطها التام، قال ابن كثير: " وفيما قص الله علينا في كتابه غنية عما في سواه من بقية الكتب قبله، وقد أخبر الله عن بني إسرائيل أنهم كلما طغوا وبغوا سلط الله عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد ". وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن الميزة الخاصة التي امتاز بها القرآن الكريم، وأنه اشتمل على لب الدين الصحيح وجوهره الكامل، وعلى شريعة الله الفاضلة في أسمى أطوارها، وأنه بعد نزوله لم تبق هناك طريقة أقوم من طريقته، ولا شريعة أفضل من شريعته، فهو الحري والأحق بالإتباع، من جميع الشيع والأتباع، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أي يهدي للعقيدة التي هي أقوم، والشريعة التي هي أقوم، والحياة التي هي أقوم. وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ معناه ألزمنا كل إنسان جزاء عمله، وما يستحقه، بحيث يصبح عمل الأخيار لازما لهم لزوم القلادة للعنق، وعمل الأشرار لازما لهم لزوم الغل للعنق، وواضح أن العنق عضو لا نظير له في جسد الإنسان، فمن ألزم فيه بشيء لم يفك عنه بحال. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ

стр. 1194

فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ إشارة إلى سنة الله التي لا تتخلف، من إرسال الرسل مبشرين ومنذرين، وقيامهم بتبليغ أوامر الله ونواهيه إلى كافة الخلق، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، فإذا امتثلوا أوامر الله كيفما كان موضوع تلك الأوامر - وفي طليعتها أمره بالعدل والإحسان وأداء الأمانات إلى أهلها- أفاض الله عليهم وعلى بلدانهم أصناف النعم، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]، وإذا " فسقوا " وعصوا أوامر الله ولم يجتنبوا نواهيه، وانحرفوا عن الجادة، سلط عليهم وعلى بلدانهم ضروب النقم، وذلك معنى قوله تعالى هنا: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾، وقوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].

стр. 1195

الربع الثاني من الحزب التاسع والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ

стр. 1196

لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ

стр. 1197

آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤) وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)

стр. 1198

الربع الثاني من الحزب التاسع والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول تفسير الربع الثاني من الحزب التاسع والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ــ في الربع الماضي تولى الحق التنويه بكتابه الحكيم، وأنه الكتاب الوحيد الذي يهدي إلى أقوم العقائد والملل، وأقوم الشرائع والشعائر، والذي يفصل للإنسان كل شيء، فيعرفه طريق الخير ليسلكها، وطريق الشر ليتجنبها، وذلك قوله تعالى فيما سبق: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾. وكنموذج لما يهدي إليه الذكر الحكيم من الطرق القويمة، والتوجيهات السليمة، ولما يفصله بين جنباته لفلاح الإنسان ونجاته، تولى الحق في هذا الربع بيان عدد مهم من الأوامر والنواهي، مما تتوقف عليه سعادة المسلم وسعادة

стр. 1199

المجتمع الإسلامي، فوجه خطابه إلى المكلفين، واحدا واحدا، بالنسبة لما يتعلق بذممهم كأفراد، من الأوامر والنواهي، ووجه خطابه إلى المكلفين، جماعة جماعة، بالنسبة لما يتعلق بهم كجماعات، من الأوامر والنواهي، إذ إن الشريعة تحتوي على تكاليف فردية وتكاليف جماعية، كل منها يكمل الآخر، ويساند الآخر: مثال النوع الأول قوله تعالى في هذا الربع: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ - ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. ومثال النوع الثاني قوله تعالى في هذا الربع: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. وأول ما يستلفت النظر في هذا الربع قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، الذي أتبعه في الحين ودون أي فاصل بقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الآية: ٢٣]، الأمر الذي يوضح أهمية البرور بالوالدين عند الحق ، حتى وصى به وجعله مقارنا لتوحيده وعبادته، والاعتراف بربوبيته، بحيث إذا كان الإيمان بالله يعتبر في الدرجة الأولى، فإن الإحسان إلى الوالدين يعتبر في الدرجة التي تليه مباشرة، على غرار قوله تعالى في آية أخرى تؤكد نفس المعنى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] حيث ربط شكر الإنسان لوالديه بشكره لربه. وهكذا يوجه الإسلام معتنقيه إلى

стр. 1200

وجوب الارتباط الدائم بالله أولا، ثم الارتباط الوثيق بالأسرة ثانيا، إذ الأسرة هي الخلية الأولى للمجتمع، والأمة الإسلامية يجب أن تتألف من مجموعة أسر تتبادل العون والعطف، وتتعاون على البر والتقوى. ثم تكفل كتاب الله بالإرشاد إلى وجوه الإحسان والبرور التي يجب على الأولاد أن يقدموها إلى الوالدين في جميع الظروف، ولاسيما عند كبرهما، وضعفهما، فنهى عن التضجر منهما والتبرم بهما، ودعا إلى حسن الأدب معهما والتواضع لهما، ورعايتهما حق الرعاية بقية حياتهما، كما دعا إلى الترحم عليهما والوفاء لذكراهما بعد انتقالهما إلى رحمة الله، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. وقوله تعالى هنا: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ تصوير الاستثنائية التي يحتاج فيها الوالدان أكثر فأكثر، إلى برور الأولاد، وهي حالة الكبر والهرم، التي يرافقها الضعف والعجز، ففي هذا الطور من العمر الذي يصل إليه الأب، أو تصل إليه الأم، أو يصلان إليه معا، يحتاج الوالدان حاجة ملحة إلى برور أولادهم، ويتطلعان بلهفة وشوق إلى مزيد رعايتهم، إذ تكون الأم ويكون الأب قد استنفذ كل منهما طاقات شبابه، وأفنى كل منهما زهرة حياته في تنشئة الأولاد وتربيتهم، وبذل كل منهما النفس والنفيس في سبيل إسعادهم، دون أدنى

стр. 1201

تحفظ ولا أدنى حساب، وبذلك يَرُدُّ الأولاد لوالديهم وهم كبار، بعض ما أسداه اليهم والدوهم وهم صغار. هذا وينبغي لكل ولد ولد أن لا يغفل عن الخطاب الإلهي الموجه إليه من الحق هنا بشكل مباشر إذ يقول: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ فكلمة ﴿عِنْدَكَ﴾ هنا إنما جاءت لتشير إلى أن الوالدين في حالة شيخوختهما يصبحان غالبا في كنف أولادهما، ويقضيان أيامهما الأخيرة في رعايتهم وعلى مسؤوليتهم، فعلى الأولاد أن يقوموا بحقوق الأبوة على الوجه الأكمل، كما قام الآباء بحقوق البنوة على الوجه الأفضل. وتذكيرا بتضحيات الوالدين في سبيل أولادهما عندما كانوا أفقر خلق الله إليهما، طالب الحق الأولاد بسؤال الرحمة لهما جزاء وفاقا، فقال تعالى مرشدا ومعلما صيغة الدعاء المناسب لهذا المقام: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. ولم يهمل كتاب الله الإشارة إلى ما قد يلحق بعض الأولاد من ضجر أو ملل أو فتور في القيام بحقوق الوالدين، مما قد تثيره بعض تصرفاتهما في حالة الهرم والكبر، فنبه الحق إلى أنه مطلع على سرائر النفوس لا يخفى عليه منها شيء، وأنه إذا فرط من الأولاد شيء من التقصير في حق الوالدين، في حالة غضب أو ضيق صدر، وكانت نيتهم نحو الوالدين لا تزال نية صالحة بريئة من السعي في الأذى والميل إلى العقوق، فإن الله يغفر للأولاد ما فرط منهم إذا ما بادروا للتوبة من تقصيرهم، وتداركوا القيام بحقوق الوالدين، وأنه يعفو عما سلف منهم ولا

стр. 1202

يؤاخذهم عليه، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا مخاطبا الأبناء التائبين من تقصيرهم في حق الآباء: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. وبعدما استوفى كتاب الله الحديث عن حقوق الوالدين في البر والإحسان دعا كل فرد من المسلمين إلى أن يعم بره وإحسانه بعد والديه عشيرته الأقربين، ثم كل محتاج ومسكين، فحق الأخوة العامة في الله بين المسلم وأخيه المسلم لا يقل عن حق القرابة في الدم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. ونظرا لأن الرزق لا يستمر على وتيرة واحدة، بل يتسع أحيانا فيبسط صاحبه يده للبذل والسخاء، ويضيق أحيانا فيقبض صاحبه يده عن العطاء، نبه الحق عباده إلى الأدب الواجب عليهم في مثل هذا الظرف الدقيق، وأنه ينبغي لهم أن يتجنبوا كل ما يلحق الأذى بشعور إخوانهم، أو يحط من كرامتهم، وبدلا من أن يعرضوا عنهم متسترين ينبغي لهم أن يعدوهم وعدا جميلا بالعون إذا ما أيسروا، ويقولوا لهم قولا معروفا إذا أقبلوا أو أدبروا، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى مخاطبا كل فرد من أفراد المسلمين: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. وإزالة لكل التباس يمكن أن يقع فيه الناس اهتم كتاب الله بتوضيح أن الأمر بالبر والإحسان لا يقتضي حتما إنفاق كل ما يملكونه في هذا السبيل، فضلا عن غيره من السبل، تاركين

стр. 1203

أنفسهم وأهليهم عالة يتكففون الناس، فالإسلام ملة وسط، وأمته أمة وسط، وتكليفه تكليف وسط، وهو يكره الإفراط والتفريط في جميع المجالات، ولذلك ندد بالتبذير، كما ندد بالتقتير، ودعا إلى التزام التوسط بين بسط اليد وقبضها، لأن بسط اليد بالمرة يعرض الإنسان للوم الغير، ممن لهم عليه حقوق أصبحت ضائعة كالأهل والأولاد، ويعرضه للحسرة والندامة والهم المقيم، فيما بينه وبين نفسه، والإسلام كما يريد أن يقوي حاسة البر، ويشيع عاطفة الإحسان في المجتمع العام، لا يرضى بإشاعة البؤس والشقاء في المجتمع الخاص، وإنما يحرص كل الحرص على إقامة مجتمع سعيد متكافل ومتوازن من جميع جوانبه، وإلى هذه المعاني يشير قوله تعالى في هذا الربع: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ - ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. ونبه كتاب الله في سياق أوامره ونواهيه الموجهة إلى كل فرد من أفراد المسلمين، إلى أن لا يدعي أحد منهم علم ما لم يعلم، كأن يقول: رأيت، وما رأى، وسمعت، ولم يسمع، وكأن يشهد شهادة الزور، ويحكم بغير دليل ولا مستند في بعض الأمور، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. ونهى كتاب الله كل مسلم عن التكبر والتجبر والتبختر، ودعاه إلى أن يخفف وطأه في المشي على الأرض، إذ مهما تمايل الإنسان وتطاول لن يغير من طبيعته وقدرته شيئا كبيرا،

стр. 1204

وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في هذا الربع: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾. وكما اتجه كتاب الله بجملة من الأوامر والنواهي إلى مختلف الأفراد فخاطبهم بها فردا فردا، اتجه أيضا بجملة من الأوامر والنواهي ذات الصبغة الجماعية إلى الأمة الإسلامية في مجموعها، وهذه الأوامر والنواهي تتعلق " بالكليات الضرورية " التي تتوقف حياة المجتمع الإسلامي عليها كل التوقف، وبدونها يتعذر العمران، ويفشو الانحلال، ويضيع الأمن ويفسد النظام، فقال تعالى داعيا إلى " حفظ النسل " والإبقاء عليه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾، وقال تعالى داعيا إلى " حفظ العرض " وصيانة النسب: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾،وقال تعالى داعيا إلى " حفظ النفس " وصيانة الأرواح: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾،وقال تعالى داعيا إلى " حفظ المال " وتنميته، والابتعاد في كسبه عن كل غش أو تدليس: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾، وقال تعالى داعيا إلى " حفظ الدين " والتزام ميثاق التوحيد الذي واثق الله به عباده وهم في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ - ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ - ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾.

стр. 1205

وبعدما عرض كتاب الله جملة من النواهي التي يؤدي ارتكابها إلى الشقاء العاجل في الدنيا قبل الشقاء الآجل في الآخرة، عقب عليها تنفيرا منها وتذكيرا بعواقبها، فقال تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾،بينما عقب كتاب الله على الأوامر الإلهية والوصايا الربانية التي فيها صلاح البشرية أفرادا وجماعات، بما يتضمن التنويه بقدرها، والإعلاء من شأنها، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾، مصداقا لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [الآية: ١١٣].

стр. 1206

الربع الثالث من الحزب التاسع والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢) وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ

стр. 1207

يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨) وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩) وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ

стр. 1208

إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥) رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)

стр. 1209

الربع الثالث من الحزب التاسع والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثالث من الحزب التاسع والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾. ــ في نهاية الربع الماضي حكى كتاب الله عن منكري البعث ما يخامرهم من شك وريب في النشأة الآخرة، وكيف يستغربون عودة الحياة إليهم بعد البلى والفناء، وفي بداية هذا الربع رد الله على منكري البعث ردا مفحما قاطعا، مؤكدا إمكان البعث ووقوعه بأمر الله الذي فطر السماوات والأرض، وذلك قوله تعالى حكاية عنهم فيما سبق: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾، وقوله تعالى هنا ردا عليهم: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والآية الكريمة تشير إلى أنه حتى على

стр. 1210

فرض أن الإنسان مكون تكوين الجمادات كالحديد والحجارة، لا تكوين الأحياء الذين تبقى منهم بعد الموت بقايا العظام والرفات، فإن قدرة الله لا تعجز عن نفخ الحياة فيه بعد الموت، كما نفخت فيه الحياة وأوجدته من العدم عند نشأته الأولى، فالقدرة الإلهية متى اتجهت إلى تكوين أي شيء كان حتما ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ونبه كتاب الله إلى أن الإنسان مهما تلكأ وتشكك وطال به الأمد فإنه سيبعث من مرقده لا محالة، وأنه لا مناص له من تلبية النداء الإلهي والاستجابة إليه يوم البعث والجمع للحساب، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقوله تعالى ﴿بِحَمْدِهِ﴾ بعد قوله ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ إشارة إلى أن أشد الناس إنكارا للبعث وإلحادا فيه لا يسعهم إلا أن يستجيبوا لدعوة الله عندما تدق الساعة، راضين غير ساخطين، مطيعين غير متمردين، على خلاف ما كانوا عليه في الدنيا من شك في البعث، وإنكار الحساب. وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن وصية إلهية أخرى تندرج في جملة ما أوحاه الله إلى نبيه من " الحكمة "، فقال تعالى مخاطبا رسوله ليبلغ خطابه إلى المؤمنين: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وهذا نداء موجه من الحق إلى كل من يعتز بالعبودية لله ويتمسك بطاعته، ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي﴾ أي يختاروا الكلمة التي هي أحسن على الكلمة التي هي دونها حسنا، في جميع مخاطباتهم وعلاقاتهم مع الناس، ولو كان المخاطبون

стр. 1211

مشركين أو كتابيين، فما بالك بإخوانهم المؤمنين. وعرض كتاب الله في هذا السياق مثالا من أمثلة الكلمة التي هي أحسن، لتكون نموذجا للأسوة والإقتداء، وهذا المثال هو قوله تعالى على لسان عباده المؤمنين لمخالفيهم في العقيدة والدين: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ آية معترضة بين قوله " التي هي أحسن " وقوله " ربكم أعلم بكم " جيء بها مبالغة في تحذير المؤمنين من فلتات اللسان، التي تعد من أخطر مصايد الشيطان، لأنها توغر صدر الإنسان على أخيه الإنسان ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. وقوله تعالى هنا: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ يشبه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الآية: ٢٥٣]، والمفاضلة بين الأنبياء والرسل لا تمس جوهر النبوة في حقيقتها، ولا طبيعة الرسالة في حد ذاتها، وإنما تتعلق بجوانب زائدة على ذلك، كالأزمنة التي يظهرون فيها، والأمكنة التي يبعثون بها، والأقوام الذين يبعثون إليهم، ونوع الدعوة المطالب كل منهم بتبليغها، وأسلوب الدعوة المستعمل فيها، ومبلغ النجاح الذي يصادف تلك الدعوة، وعدد الأتباع الذين يؤمنون بها ويكيفون حياتهم بموجبها. وذكر الزبور في قوله تعالى هنا: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ تلميح إلى ما تضمنه

стр. 1212

" الزبور " من التبشير بخاتم الأنبياء والمرسلين، والتبشير بأمته التي هي في عداد الصالحين، مما أشار إليه كتاب الله في آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. وانتقل كتاب الله إلى تسفيه رأي كل من يلجأ إلى غير الله، أو يتعلق بغيره في جلب نفع أو دفع ضر، ناسيا أنه لا ملجأ من الله إلا إليه، وأنه يجيب المضطر إذا دعاه، ولا يخيب من اعتمد عليه، وذلك معنى قوله تعالى هنا: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾. ثم مضى كتاب الله يبين أن أهل المقامات العلية الذين تعقد عليهم الآمال، وتناط بهم الآمال، عند عامة الناس، هم أنفسهم واقفون بباب الله، يتسابقون فيما بينهم إلى طاعة الله، ويلاحق كل منهم الآخر في ابتغاء رضاه، ليكون أقرب إلى مولاه، وقلوبهم جميعا معلقة بين جناحي الخوف والرجاء، في حالتي السراء والضراء، وذلك معنى قوله تعالى هنا في هذا السياق: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي أولئك الذين يتوجه اليهم الناس بالدعاء هم أنفسهم ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾، و " الوسيلة " هنا هي " القربة " كما قال قتادة، واختاره ابن جرير الطبري ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. وإذا كان هذا حال المقربين إلى الله فالأولى والأضمن لغيرهم من بقية الناس أن يتجهوا رأسا إلى الله تعالى لكشف غمتهم، وقضاء حاجتهم، إذ لا حجاب بين الله وبين خلقه ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ

стр. 1213

لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]- ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠]. ووصف كتاب الله في هذا الربع صورة من صور الخلق عندما يركبون البحر ابتغاء التجارة والربح، عن طريق نقل بضائعهم ومحاصيلهم على ظهر الفلك، وما يلحقهم من الجزع ويصيبهم من الفزع عند تغير أحواله، ومفاجأة أهواله، فلا يجدون ملجئا إلا الله، وينسون كل ما سواه، وذلك قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾ أي يسيرها ويجريها ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ أي بدلا من أن يشكر الإنسان نعمة الله عليه، إذ استجاب دعاءه، ولبى نداءه، يكفر حينا بنعمة الله الذي نجاه، وينسى العون الذي قدمه له مولاه، وكان الأولى به والأوفق له أن يقف ببابه، ملازما لأعتابه، في البر والبحر، في الشدة والرخاء، إذ لا مانع يمنع القدرة الإلهية من تسليط العذاب عليه مرة أخرى، برا أو بحرا، ما دام الإنسان قد أمعن في ضلاله وازداد جهلا وكفرا ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ أي ريحا ترميكم بالحصباء من فوق رؤوسكم ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا * أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾ أي أن ترجعوا وتركبوا البحر الذي نجاكم منه أولا ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ أي لا تجدوا علينا أدنى حجة ولا متابعة، فمن كان مصرا على

стр. 1214

الكفر بالنعمة أصبح أهلا لكل نقمة. وأعاد كتاب الله في هذا الربع الحديث عن قصة آدم وإبليس، ووصف أنواع المغريات التي يغري بها إبليس أتباعه من الناس، تحذيرا للمؤمنين من إبليس، ومغرياته، وتعريفا لهم بعداوته ومؤامراته، حتى لا يقعوا في شباك إبليس، ولا يستسلموا إلى ما يصطنعه من وسائل التزييف والتدليس، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ﴾ أي إبليس مخاطبا الحق : ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي لأستولين عليهم ولأغوينهم، إلا قليلا منهم. وقوله هنا: ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ يؤكد معرفة إبليس بتفضيل الله لآدم وذريته، ويوضح السر في حقده عليه وعداوته، لكنه بالرغم من ذلك سيحاول إيقاع الإنسان في شبكته، وسيحاول الاستيلاء عليه عن طريق شهوته، ولذلك أعلن كتاب الله حكمه القاطع الرادع لمن رضي لنفسه أن يكون من أتباع إبليس ﴿قَالَ﴾ أي الحق ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾. وكشف كتاب الله الستار عن بعض الوسائل التي يتوسل بها إبليس إلى إغواء الخلق، فقال تعالى في صيغة الزجر والتهديد: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾، ويصدق هذا على

стр. 1215

الأغاني المثيرة والمزامير المهيجة، التي تضج بها أندية الليل وأوكار الفساد، كما يصدق على الخطب والتصريحات، التي تثير الفتن بين الأفراد والجماعات، ثم قال: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، ويصدق هذا على الحروب العدوانية، والفتن الداخلية، ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾، قال الزجاج: " كل معصية في مال وولد فإبليس شريكهم فيها ". ويصدق هذا على الأموال والمكاسب المحرمة، والمعاملات الفاسدة، والأموال التي تنفق في اللهو والمجون، والفسوق والفجور، كما يصدق في " الأولاد " على الأولاد الذين يقع إنجابهم بالسبب الحرام، أو يطلب آباؤهم الحصول عليهم عن طريق النذر الحرام، أو يقع استعمالهم في العمل الحرام، ويندرج تحت هذه الآية " أولاد الغير " الذين يقع تبنيهم وإدماجهم في سجل " الحالة المدنية "، فتختلط بسبب تبنيهم الباطل الأنساب والأرحام. وهذه إنما هي أمثلة لبعض ما تصدق عليه الآية الكريمة من فنون الإغواء والإغراء التي يتعرض لها أتباع إبليس، من عشاق الشهوات، وأسراء اللذات. وقوله تعالى هنا: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ يفسره ويؤكده قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. نعم إن لله عبادا " مخلصين " تعهد الحق بحمايتهم من إغواء إبليس، وبحفظهم من إغرائه، وواضح أنهم لم يستحقوا أن

стр. 1216

يضافوا إلى اسمه الأعلى وجنابه الأقدس، إلا بعد أن جاوزوا القنطرة، وفارقوا منطقة الخطر، فقال تعالى في شأنهم وهو أصدق القائلين: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾.

стр. 1217

الربع الأخير من الحزب التاسع والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠) يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢) وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥) وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا

стр. 1218

قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧) أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)

стр. 1219

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)

стр. 1220

الربع الأخير من الحزب التاسع والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب التاسع والعشرين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ونهايته قوله تعالى في شأن منكري البعث والحساب: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾. ــ في الربع الماضي أشار كتاب الله إلى ما لإبليس من حقد دفين على الإنسان، وعقدة نفسية تجاه ما أكرمه الله به من المزايا والخصائص، وحكى عن إبليس قوله مخاطبا الذات العلية، وهو يتحرق غيظا وكمدا من أجل تكريم الله للإنسان: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الآية: ٦٢]. وفي بداية هذا الربع تولى كتاب الله الإعلان عن حقيقة " تكريم الإنسان " بأصرح وأفصح وأقوى بيان، فكان هذا الإعلان الإلهي تحديا صارخا لإبليس وحزبه من طغاة بني الإنسان، الذين استبدوا به واستعبدوه قرونا طوالا. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ

стр. 1221

وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. وتكريم الله للإنسان يتجلى في الهيئة الحسنة التي خلقه عليها، وفي الاستعدادات والملكات التي جهزه بها، وفي المشتهيات واللذائذ التي وضعها على مائدته ليتناول منها، كما يتجلى تكريم الله للإنسان في إمداده بالرسالات الإلهية المتوالية، للاهتداء بها إلى سعادته الدنيوية والأخروية، ويفرض عليه الاستجابة لدعوة الله، وإسلام وجهه إلى الله، وابتغاءه في حركاته وسكناته مرضاة الله، وبذلك يقيم الإنسان الدليل على أنه أهل للتكريم، وجدير بما ادخره له الحق من النعيم المقيم، أما إذا لم يستعمل الإنسان ما أكرمه الله به من الملكات والاستعدادات الاستعمال اللائق، فلم يميز الخير من الشر، ولا الهدى من الضلال، ولا الحق من الباطل، فإنه لا يستحق تكريما ولا تفضيلا، وبعد أن كان في أحسن تقويم يصبح أسفل سافلين مهانا ذليلا، وهذا هو السر في التعقيب على آية التكريم للإنسان، بما يفيد إطلاقها، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. قال القاضي عبد الجبار في كتابه -تنزيه القرآن عن المطاعن- " ومن ذهل عن تمييز الخير والشر في الدنيا فهو بأن يذهل عن

стр. 1222

ذلك في الآخرة أولى، وليس المراد إثبات " العمى " في الحقيقة، بل هو ترغيب في التمسك بالطاعة ". والمراد " بالإمام " هنا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ إما كتاب أعمالهم، بدليل قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] وبه قال ابن عباس ورجحه ابن كثير، وإما كتابهم الذي أنزل على نبيهم، وبه قال ابن زيد واختاره ابن جرير، ويشهد لهذا التفسير قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]. والمراد (بالفتيل) هنا في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ الخيط المستطيل في شق النواة من التمر، مبالغة في معاملتهم بالعدل إلى أقصى الحدود، بحيث لا ينقص من ثوابهم ولو أقل القليل. وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن عصمة الله لرسوله، والألطاف التي حفه بها رغما عن مساومات المشركين، وتثبيته له على الوقوف في وجه كل المحاولات التي حاولوها لتثبيطه عن النهوض بالدعوة وتبليغ الرسالة، وفي هذا السياق نفسه أشار كتاب الله إلى العقاب الإلهي الصارم الذي يعاقب به كل من تخلى عن الله، وركن إلى أعداء الله، تحذيرا للدعاة إلى الله في هذه الأمة المحمدية من التنازل عن دعوتهم والتفريط فيها، عملا بآراء فائلة، أو مقابل مصالح زائلة، فقال تعالى مخاطبا لنبيه: وعن طريقه خاطب كل وارث من ورثته من بعده: ﴿وَإِنْ كَادُوا

стр. 1223

لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾، والمراد " بضعف الحياة " العذاب المعجل في الدنيا، و " بضعف الممات " العذاب المؤخر إلى الآخرة، أي لأذقناك عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات، و " الضعف " بمعنى المضاعف، ومنه قوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ثم أشار كتاب الله إلى تبرم المشركين في مكة بمقام رسول الله بين أظهرهم، ولاسيما بعد أن أسقط في أيديهم وفشلوا فشلا ذريعا في استدراجه إلى مهادنتهم، الأمر الذي جعلهم يفكرون جديا في اتخاذ قرار بنفيه من مسقط رأسه، لكن الله تعالى عصم رسوله منهم فأوحى إليه بالهجرة من مكة إلى المدينة، وحالت الهجرة دون أن يخرج مشروعهم من حيز التفكير إلى حيز التنفيذ، والحكمة في ذلك والله أعلم أن الله تعالى كان قد قدر في سابق علمه وأزله أنهم مهما طال عليهم الأمد فهم لا بد من الشرك خارجون، وفي دين الله داخلون فصرفهم الحق عن إخراج الرسول من أرضه، حفاظا عليهم إلى اليوم الموعود، يوم فتح مكة المشهود، إذ لو أخرجوه فعلا لعاقبهم الله على جريمتهم الشنعاء، بالإبادة والفناء، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في إيجاز وإعجاز، ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا * سُنَّةَ مَنْ

стр. 1224

قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾. وفي هذا الخضم من الصراع بين الحق والباطل وجه الحق إلى نبيه عدة وصايا وتوجيهات، حتى يمضي في طريقه قدما إلى الأمام، دون أدنى تردد ولا إحجام، فقال تعالى مخاطبا لنبيه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا * وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. وفي هذا الخطاب دعوة من الله لنبيه أن يستعين بإقامة الصلاة على تبليغ الرسالة، وأن يستعين بالدعاء الصالح على أداء الأمانة، ملتزما الصدق في الدعوة إلى الله حيثما حل وارتحل، سائلا من الله النصرة والتأييد، لدينه الحق الذي هو دين التوحيد. قال قتادة في تفسير قوله تعالى هنا: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: " إن نبي الله ﷺ علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل قويهم ضعيفهم ". وجاء في الأثر -أن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن- أي يمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام، ما لا يمتنع عنه كثير من الناس، بمجرد موعظة القرآن. وذهب الإمام مالك إلى أن هذه الآية الكريمة: ﴿أَقِمِ

стр. 1225

الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ تتضمن الإشارة إلى مواقيت الصلوات الخمس زيادة على ما ثبت في شأنها من السنة النبوية المتواترة، الفعلية والقولية، وبناء على هذا التفسير يكون قوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ متناولا لصلاتي الظهر والعصر، بناء على أن " دلوك الشمس " هو ميلها، وله أول وهو الزوال، وآخر وهو الغروب، ويكون قوله تعالى: ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ متناولا لصلاتي المغرب والعشاء، بناء على أن " غسق الليل " هو ظلمته (ولها ابتداء وانتهاء)، فابتداؤها عند دخول الليل، وانتهاؤها عند غيبوبة الشفق، ويكون قوله تعالى: ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ متناولا لصلاة الصبح. و ﴿الْفَجْرِ﴾ يعني سيلان الضوء وجريان النور في الأفق، من فجر الماء وفجره إذا أنبطه وفتح له طريقا للسيلان والجريان. واكتفى بعض المفسرين في تحديد مواقيت الصلاة بما تواتر في شأنها من السنة، من فعل النبي ﷺ وقوله، وقصر هذه الآية من أولها إلى آخرها على موضوع واحد هو " قيام الليل " الذي فرضه الله على رسوله دون أمته، فكان ﷺ يقوم الليل حتى ترم قدماه، وكان ذلك من جملة خصائصه، وفسر " دلوك الشمس " بغروبها فقط، تبعا لعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وعلي بن أبي طالب، وطبقا لهذا التفسير تكون الآية متعلقة بالتهجد النبوي لا غير. ومعنى " التهجد " ترك الهجود وهو النوم، للقيام بمناجاة الله والخلوة بذكره في هدوء الليل ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أي بالقرآن الكريم ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ أي زيادة لك خاصة بك دون بقية الناس ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ أي افعل ما أمرك به ربك ليقيمك يوم القيامة مقاما

стр. 1226

محمودا تحمدك فيه الخلائق، " فعسى " في هذا السياق تستوجب وقوع ما بعدها، ولا تحتمل الشك مطلقا. وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن الذكر الحكيم، فبين أنه هو محور الرسالة وعليه المدار، وتحدى بمعجزته الخالدة جميع المتشككين من ملاحدة ومشركين وكفار: ووضح أولا أن القرآن الكريم " شفاء " لمن استشفى به من الشاكين، والقلقين المحتارين، و " رحمة " لمن احتمى بحماه من المظلومين، والبؤساء المحرومين، وأنه يحد من طغيان الظالمين، ويعرضهم في الدنيا قبل الآخرة للخسران المبين، إذ قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. وأكد ثانيا أن الإنسان إذا لم تخالط قلبه بشاشة الإيمان، ولم يشف نفسه دواء القرآن، فإن مقاييسه تكون معتلة، وموازينه مختلة، بحيث إذا مسه الخير أصابه الكبر والطغيان، وإذا مسه الشر أصابه اليأس والهوان، إذ قال تعالى في نفس السياق: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾.ثم عقب على الحالتين الناشئتين عن سلوك هاتين الطريقتين المختلفتين، فقال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ أي كل واحد يعمل حسب الطريقة التي تشاكل عقيدته، وتلائم نفسيته، ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾. وكشف كتاب الله الستار -ثالثا- عن طبيعة القرآن، المميزة له عن كل كلام سواه، وأنه روح من أمر الله، أوحاه إلى رسوله

стр. 1227

ليحيي الناس ويزكيهم، وليعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، إذ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي أن القرآن من وحي الله وكلامه، لا من كلام البشر ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي قبل نزول القرآن ﴿إِلَّا قَلِيلًا * وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا * إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾. وتفسير " الروح " في هذه الآية بالقرآن كما أوردناه وارد عن الحسن البصري ﵁، ويشهد له قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. على أن التفسير الشائع عند الجمهور أن المراد بالروح هنا الروح السارية في الأحياء، وأنها مما استأثر الله بعلمه، قال أبو بكر (ابن العربي): " الروح خلق من خلق الله تعالى إذا أراد العبد إنكارها لم يقدر، لظهور آثارها، وإذا أراد معرفتها وهي بين جنبيه لم يستطع، لأنه قصر عنها، وقصر به دونها "، وقال النسفي: " والحكمة في ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له، ليدل على أنه عن إدراك خالقه أعجز ". وتحدى كتاب الله -رابعا- جميع المتشككين في معجزة القرآن، على تعاقب الأزمان، إذ قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.

стр. 1228

الربع الأول من الحزب الثلاثين في المصحف الكريم (ق) ــ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)

стр. 1229

وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١) ١٨ - سورة الكهف مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا

стр. 1230

لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)
следующие страницы →