Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾، فالمراد " بالفتيات " هنا الإماء، على حد قوله ﵇: (ليقل أحدكم فتاي وفتاتي، ولا يقل عبدي وأمتي) وإنما قيل " إن أردن تحصنا " تصويرا لحالة الإكراه، حيث إن إكراههن على البغاء لا يتصور إلا عند إرادتهن للتحصن، وليس معنى ذلك إباحة البغاء عند الرغبة فيه وعدم الإكراه عليه، وقوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إشارة إلى الدافع الخسيس الذي كان يدفع بعض مالكي الإماء في الجاهلية إلى استغلالهن في ممارسة البغاء، وقد كان رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول على رأس الذين يتاجرون في عرض إمائه، فوقف الإسلام له ولأمثاله بالمرصاد، وقضى على ما كان سائدا في عهد الجاهلية من الانحراف والفساد. ثم قال تعالى في نفس السياق: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي غفور لهن ما أكرهن عليه، وإثمهن على من أكرههن، وفي الحديث المرفوع عن رسول الله ﷺ أنه قال: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".
وختم هذا الربع بتبيين الحكمة فيما تضمنته هذه السورة المدنية من تشريعات كلها تأسيس وتأصيل، مصحوبة بكثير من البيان والتفصيل، سعيا في هداية الخلق، وتمييزا للطيب من الخبيث والباطل من الحق، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يشير إلى قصة عائشة، المماثلة لقصة مريم وقصة يوسف ﵉ ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
стр. 1542
الربع الثاني من الحزب السادس والثلاثين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ
стр. 1543
يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ
стр. 1544
وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)
стр. 1545
الربع الثاني من الحزب السادس والثلاثين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نعالج تفسير الربع الثاني من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة النور المدنية: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله تعالى في نفس السورة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.
ــ
بعد أن عرض كتاب الله في الآيات السابقة من هذه السورة ما يجب أن يكون عليه نظام الأسرة المسلمة، التي هي الخلية الأولى للمجتمع الإسلامي، وحجر الزاوية في بناء الدولة الإسلامية، وبعد أن رفع الستار عن الحكمة الربانية التي تكمن وراء تلك التشريعات والتوجيهات، إذ قال تعالى في ختام الربع الماضي: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ لفت كتاب الله أنظار البشرية جمعاء، إلى أن الإنسان بالرغم مما رزقه الله من عقل لا يمكن له أن يستغني عن الاستنارة بنور الله في تدبير شؤونه الخاصة والعامة، وكما أن " الطبيعة " إنما تسير بانتظام وفقا للنواميس والسنن التي وضعها الله
стр. 1546
فيها وأودعها إياها، فلا بد للإنسان وهو كائن مخير إذا أراد أن يسير في حياته سيرا متئدا موفقا سعيدا، من التزام الشرائع الإلهية، التي هي بالنسبة إليه مثل النواميس الكونية بالنسبة للطبيعة المسخرة، وقد وصف كتاب الله الهداية الإلهية بكونها نورا يخرج الناس من الظلمات في عدة آيات، منها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد: ٩]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١]، وقوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]. وعلى ضوء هذا المعنى يكون قوله تعالى في بداية هذا الربع: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تعقيبا مناسبا على جميع آيات الأحكام التي سبق تفسيرها من سورة النور المدنية في الربعين الماضيين، ويكون مرتبطا بها كلها في سياق واحد، ومن نسق واحد، وأضيف لفظ (النور) في هذه الآية إلى السماوات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وإنارته، وقوة انتشاره وإضاءته، إذ يستضيء به أهل السماوات والأرض جميعا، فنور الله لازم لتدبير شؤون الإنسان كيفما كان، كما هو لازم لتسخير بقية الأكوان، والعالم كله علويه وسفليه مشحون بالأنوار، ما بين أنوار
стр. 1547
روحية وعقلية، وأنوار مادية وحسية. قال ابن عباس في تفسير هذه الآية ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: " الله هادي السماوات والأرض، فهم بنوره يهتدون، وبهدايته من حيرة الضلالة ينجون ".
وكما من الله على المؤمنين من عباده بنور من عنده يكون لهم في حياتهم قرينا وخفيرا، إذ قال تعالى في سورة الزمر: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الآية: ٢٢] ضرب كتاب الله هنا أروع الأمثال لذلك النور الإلهي الذي يهتدي به المؤمن في كل حين، فشبه حاله وهو يقتبس من نور الله بالمشكاة، وهي الكوة غير النافذة التي يتوسطها مصباح قوي الضوء، شديد الإنارة، وهذا المصباح من زجاج شفاف في غاية اللمعان، والزيت الذي يوقد منه هذا المصباح أشد الزيوت صفاء وإشراقا، وجلاء وبريقا، حتى أنه ليكاد ينير ما حوله ببريقه وحده دون أن يوقده أحد، لأن الشجرة التي يستخلص منها ذلك الزيت شجرة مباركة، تتلقى من الهواء الذي تنمو فيه ما يساعدها على النضج التام، حتى يكون حملها أجود حمل، ودهنها أصفى دهن. قال ابن عطية " إنها في وسط الشجر لا تصيبها الشمس طالعة ولا غاربة، بل تصيبها بالغداة والعشي ". وهكذا تعاونت المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت، مما ضرب الله به المثل، على تقوية هذا النور أضعافا مضاعفة، وواضح أن المصباح إذا كان في مكان ضيق كالمشكاة الممثل بها هنا كان أضوأ له وأجمع لنوره، بخلاف المكان المتسع، فإن الضوء ينبث فيه وينتشر، فيضعف أثره ويتضاءل، وإلى هذه المعاني مجتمعة يشير قوله
стр. 1548
تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، قال أبي بن كعب في تفسير هذه الآيات مع الاقتصار على أهم الفقرات: " هذا مثل المؤمن، فالمشكاة نفسه، والزجاجة قلبه، والمصباح ما جعله الله فيه من الإيمان والقرآن، ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ هي شجرة الإخلاص لله وحده ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ هي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أي حال كانت، لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك المؤمن يحترس من أن يصيبه شيء من الفتن، وقد يبتلى بها فيثبته الله فيها، فهو بين أربع خلال: " إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل " ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ أي يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يتبين له، لموافقته إياه، وإلى هذا المعنى ينظر قوله ﷺ : (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ فهو يتقلب في خمسة أنوار: قوله نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره يوم القيامة إلى النور، أي مصداقا لقوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الحديد: ١٢]، انتهى ما رواه المفسرون عن أبي بن كعب في تفسير هذه الآيات. والمراد بمدخل المؤمن ومخرجه هنا سره وعلانيته. ثم قال تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي يوفق لإصابة الحق من يشاء من عباده، إما اعتمادا على الذكر الحكيم، أو استنادا إلى العقل السليم، أو استئناسا بالفطرة التي
стр. 1549
فطر الله الناس عليها، فنزلوا عند حكمها مضطرين كلما تحاكموا إليها. ونبه كتاب الله في نهاية هذا السياق إلى أن الغاية من ضرب المثل الذي تضمنته الآيات السابقة هي تصوير الأثر البالغ، الذي يحدثه النور الإلهي، عندما تتخلل أضواؤه زوايا قلب المؤمن، فتنيره من كل جانب، فالأمر يتعلق بتقريب الانفعالات الروحية، والظواهر النفسية، إلى الأفهام العادية، تيسيرا على عامة الناس، وتسهيلا لإدراك الحقائق حتى يزول عنها وعنهم كل التباس، أما الحق فهو غني عن ضرب المثل، لأنه يعلم ما ظهر وما بطن منذ الأزل، وذلك قوله تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وكما فصل كتاب الله في الربع الماضي ما يلزم تطبيقه من الأحكام على بيوت الناس المسكونة وغير المسكونة، مما هو داخل في ملكهم الخاص، تناول في هذا الربع بيوت الله في الأرض، التي هي قطعة من الملأ الأعلى في الملأ الأدنى، وهي بيوت عامة مفتوحة الأبواب في وجوه كافة المؤمنين والمؤمنات، وتصدق على جميع المساجد حيثما كانت وأينما كانت، فقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ والمراد " بالإذن " هنا الأمر، أي أمر الله أن ترفع.
- ورفع بيوت الله يدل على معنيين جليلين:
- المعنى الأول- الأمر بتشييدها وبنائها لتؤدي الرسالة المنوطة بها في الدين على أحسن وجه، فكلمة (رفع) تستعمل بمعنى بنى، كما في قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ
стр. 1550
بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٧، ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] وهذا هو الرفع الحسي.
- المعنى الثاني- الأمر بتعظيمها وتطهيرها من الأنجاس والأقذار، على غرار ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] وهذا هو الرفع المعنوي.
ويندرج تحت المعنى الأول وهو الأمر بتشييدها وبناءها اتخاذ المطاهر حولها، وإجراء المياه بها، حتى يتمكن الوافدون عليها من الطهارة والصلاة، وقد كانت قريبا من مسجد رسول الله آبار يستقون منها، فيشربون ويتطهرون ويتوضأون.
ويندرج تحت المعنى الثاني وهو الأمر بتعظيمها وتطهيرها من الأنجاس تنظيفها وتطييبها وتبخيرها أيام الجمع، كما كان يفعل عمر بن الخطاب كل جمعة في مسجد رسول الله ﷺ ، وتنزيهها عن كل ما فيه رائحة مستكرهة، كالإتيان إليها عقب أكل البصل والثوم، وتفادي كل ما يمكن أن يجلب لها القذارة والنجاسة، فلا يسمح بالبصاق ولا بالتنخم ولا بالتمخط فوق أرضها ولا فوق فرشها، ولا يسمح بدخول المجانين وصغار الأطفال إليها خوفا من تدنيسها، ولا بمرور الحائض أو حامل اللحم النيء بها، خوفا من تلويثها بدم الحيض أو الدم المتقاطر من اللحم، ولا يقام فيها حد ولا قصاص، خوفا مما يمكن أن يرشح من المجلود أو المقطوع، ولا يدخلها أحد وقد أشهر
стр. 1551
سلاحه، تفاديا لما يمكن أن يصيب المصلين من سلاحه إذا غفل عنه، وينبغي البدء بالرجل اليمنى عند دخول أبوابها، والمبادرة بالسلام على روادها، والقيام بصلاة ركعتين تحية للمسجد فور دخولها، كما ينبغي تجنب كل ما فيه أذى لبقية المصلين، فلا يتخطى الداخل إليها رقاب الناس، ولا يضيق على أحد منهم في الصف، ولا يمر بين يدي أحد وهو يصلي، ولا يفرقع أصابعه، ولا يعبث بشيء من جسده، قال القرطبي في كتابه (الجامع لأحكام القرآن): " " إن كل من تأذى به جيرانه في المسجد، بأن يكون ذرب اللسان سفيها عليهم، أو كان ذا رائحة قبيحة لا تريمه (أي لا تفارقه) لسوء صناعته، أو ذا عاهة مؤذية كالجذام وشبهه، وكل ما يتأذى به الناس، كان لهم إخراجه، ما كانت العلة موجودة فيه حتى تزول ". وبهذا البيان الشافي لرفع بيوت الله حسيا ومعنويا يتضح للجميع معنى قوله تعالى هنا: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾.
أما قوله تعالى: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ فهو تحديد دقيق لرسالة بيوت الله التي أنيطت بها، وأقيمت من أجلها، بحيث لا يسوغ التخلي عنها بحال، وكل ما يتصل بها يجب استعباده في جميع الأحوال، ولذلك نهي عن التحدث فيها باللغو والرفث والخنى، ونهى عن إنشاد الشعر في جنباتها إذا كان لا يتضمن ثناء على الله ورسوله، ولا يؤدي غرضا شرعيا ملائما لأغراضها، ونهى عن البيع والشراء داخلها، ونهى عن مباشرة الخصومات والمحاكمات والمشاجرات ورفع الأصوات بين جدرانها، ونهى عن
стр. 1552
المبيت والنوم بها إلا عند الضرورة القصوى لغريب أو عابر سبيل، وقد كان عمر ﵁ يفتش المسجد بعد العشاء فلا يترك فيه أحدا، كل ذلك حرصا على أن تظل بيوت الله مقصورة على ما أنشئت من أجله، ألا وهو ذكر الله وتمجيده وتنزيهه، والتعريف بمظاهر قدرته وحكمته، وتبليغ الرسالة الإلهية المتضمنة لهدايته، والدعوة إلى عبادته وطاعته، وتمكين النوع الإنساني من بلوغ سعادته. وواضح أن الأمور التي نهى عنها الشرع في هذا المقام كلها منافية لذكر الله، لأنها تشوش على الذاكرين والذاكرات ذكرهم، فلا يطمئن لهم بال، وتصرف فكرهم عن الاستغراق والتأمل فيما لله من نعوت الجلال والجمال.
وبعد أن وصف كتاب الله في الآيات السابقة نوره الذي أشرقت به السماوات والأرض، وضرب المثل لنوره عندما يغشى قلب المؤمن فيخرجه من الظلمات إلى النور، وبين انه سبحانه يهدي لنوره من يشاء، تناول بالذكر فريقين اثنين لا ثالث لهما: الفريق الأول هم المهتدون الذين ملأ النور الإلهي قلوبهم فقبلوا الهداية الإلهية، والفريق الثاني هم الذين لم يلج ذلك النور قلوبهم فرفضوا هدايته رفضا باتا، فعن فريق المهتدين الذين تعد عمارة بيوت الله من أبرز صفاتهم، دون أن ينسوا نصيبهم من الدنيا، ولا أن تلهيهم دنياهم عن الدين، قال تعالى منوها بهم مبشرا إياهم بالفوز في الدنيا والآخرة: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ *
стр. 1553
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وإطلاق (الرجال) عليهم في هذه الآية لا يعني استثناء النساء المؤمنات من هذا الفضل العظيم، فالنساء شقائق الرجال في كل خير وفضل ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وإنما أنثى عليهم كتاب الله ووصفهم بكونهم " رجالا "، إشعارا بما لهم من عزائم ماضية، وهمم عالية، واستعمل لفظ " الرجال " في هذا المقام كما استعمله في مقامات أخرى مماثلة، عندما قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، وعندما قال تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]. وعن فريق الضالين الذين حبطت أعمالهم فأصبحت هباء منثورا، وخسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى منددا بهم، وضاربا المثل لخسرانهم المبين وخيبتهم المرة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ و " القاع " ما انبسط من الأرض واتسع ولم يكن فيه نبت، وفيه يكون السراب، وجمعه " قيعة " كما قال تعالى هنا: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ ثم عقب كتاب الله على وصفه للفريقين فقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
стр. 1554
وفتح كتاب الله في وجوه الجاحدين والمكذبين مرة أخرى باب الموعظة الحسنة، عسى أن ينظروا ويعتبروا ويرجعوا عن ضلالهم القديم، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ * وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ثم قال تعالى مقيما الحجة عليهم بعد هذا البيان القاطع: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وانتقل كتاب الله إلى تحديد معيار دقيق لا يتخلف يميز المؤمنين من المنافقين، والمهتدين من الضالين، ألا وهو النظر إلى موقف كلا الفريقين من التحاكم إلى الله ورسوله، فمن تقبل حكم الله ورسوله، بالطاعة والإذعان، سواء كان له أو عليه، إيمانا منه بأن الله تعالى هو أحكم الحاكمين، ولا يظلم ربك أحدا، كان مؤمنا حقا وصدقا، ومن رفض حكم الله ورسوله متى كان ذلك الحكم عليه لا له، وإذا كان له لا عليه أظهر الطاعة والإذعان،
стр. 1555
كان منافقا خارجا عن حظيرة الإيمان. وللكشف عن كلتا الحالتين والموقفين يقول الله تعالى في ختام هذا الربع: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.
стр. 1556
الربع الثالث من الحزب السادس والثلاثين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)
стр. 1557
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ
стр. 1558
أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)
стр. 1559
الربع الثالث من الحزب السادس والثلاثين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثالث من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة النور المدنية: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ إلى قوله تعالى في نفس السورة: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
ــ
سبق لنا في الآيات الأخيرة من الربع الماضي أن كتاب الله حدد معيارا دقيقا للتمييز بين المؤمنين الصادقين الذي خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم فاستجابوا لله ورسوله، والمنافقين الذين في قلوبهم مرض، ممن درجوا على المراوغة والكذب والتكذيب، وذلك المعيار هو ما يظهر على هذا الفريق أو ذاك من الرضا أو السخط، ومن الثقة أو الشك، ومن الإقبال أو الإعراض، عندما يدعى للتحاكم إلى الله ورسوله، فلا يكون من الفريق الأول إلا القبول والسمع والطاعة، ولا يكون من الفريق الثاني إلا التحفظ والتردد والتمرد ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ
стр. 1560
يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾.
ومضيا في نفس السياق، واستمرارا في نفس الموضوع، أخبرنا كتاب الله في بداية هذا الربع بالأثر البالغ الذي أحدثته الآيات السابقة في نفوس المنافقين حيث كشفت عنهم الستار، وفضحت ما ينطوون عليه من الجحود والإنكار، فلم يسعهم إلا أن يلجأوا إلى الأيمان المغلظة يقسمون بها، ويكثرون منها، ليؤكدوا إيمانهم وطاعتهم، وليخادعوا الله ورسوله والمؤمنين إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وكان من بين ما أقسموا عليه، للدلالة على إخلاصهم وصدق إيمانهم، أنهم على كامل الاستعداد، لمفارقة المال والأهل والأولاد، والخروج مع رسول الله ﷺ من أجل الجهاد، لكن الوحي الإلهي سجل عليهم مرة أخرى نفاقهم فيما يدلون به من أيمان كاذبة، وعرف رسوله بأن الطاعة التي يعلنونها لا فائدة من ورائها، لأنها مشكوك في أمرها، ومدخولة من أصلها، وأنهم مهما حاولوا إخفاء حقيقتهم، فإن الله تعالى مطلع على سرائرهم، لأنه يعلم السر وأخفى، وإلى ذلك يشير قوله تعالى هنا: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي طاقة ما قدروا أن يحلفوا ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
ثم أعاد كتاب الله الكرة داعيا الناس جميعا إلى طاعة الله وطاعة رسوله، مبينا أن الإعراض عن الدعوة الإلهية، والهداية الربانية، لا يعفي أحدا من مسؤولياته، وكما أن الرسول ﵇ قد حمله الله رسالة لن يستطيع التخلي عنها، ولا بد له من
стр. 1561
تبليغها أحب من أحب وكره من كره فإن كل فرد من أفراد البشر قد حمله الله أمانة الدين الحق، وهي أمانة لا يسوغ له التفريط فيها، ولا يسمح له بخيانتها وتجاهل أمرها، بل هو مسؤول عن صيانتها والحفاظ عليها وممارسة مقتضياتها قولا وعملا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ﴾ أي على الرسول ﴿مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
وليعرف المؤمنون المستقبل المشرق الذي ينتظرهم، ويتصوروا دنيا الإسلام الواسعة التي ستحتضن دينهم وحضارتهم، وما ستكون عليه دار الإسلام رغم سعتها وامتدادها عبر القارات من أمن واستقرار، ورفاهية وازدهار، أكد كتاب الله لهم بأقوى صيغ التأكيد أن ذلك أمر واقع، ليس له من دافع، كأنهم يرونه رأي العين، فقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾. لكن هذا الوعد الإلهي الذي هو حق وصدق وعد مقيد لا مطلق، فهو مرتبط بأمرين اثنين: الأمر الأول الإيمان، والأمر الثاني العمل الصالح. والإيمان يستلزم الإيمان بالله وبوحدانيته، وهي تتضمن وحدة الكون عموما، ووحدة النوع الإنساني خصوصا، ووحدة الرسالة الإلهية بالأخص، والإيمان بالله يستلزم الإيمان بدينه وشريعته، والإيمان بعدله وحكمته، والإيمان
стр. 1562
برقابته والخضوع لمراقبته، والإيمان ببعث ممارسة كل ما فيه خير وبر وصلاح، للفرد والجماعة، ومقاومة كل ما فيه شر وأذى وفساد بالنسبة لهما جميعا.
وقد نصر الله عبده، وأنجز لرسوله وللمؤمنين الصالحين وعده، فقامت لدين الحق دولة كبرى لا تغيب عنها الشمس، وهذا الدين قادر - بما فيه من طاقات كامنة - على أن يقيم اليوم دولة أخرى كما أقامها بالأمس، فالوعد الإلهي مستمر وقائم على الدوام، لكل من آمن بالله ثم استقام، وبقدر ما يتحقق من هذين الشرطين أو من أجزائهما يكون من حق المؤمنين انتظار وعد الله كليا أو جزئيا، لكن بقدر ما يطرأ من إهمالهما يتخلف عنهم وعد الله، فتنحط منزلتهم، بعدما رفعهم الله مكانا عليا.
ولتوضيح جملة من مقتضيات الإيمان والعمل الصالح تولى كتاب الله الحديث عنها في نفس السياق فقال: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، ونبه كتاب الله خلال هذه الآية نفسها على أن المؤمنين الذين أنعم الله عليهم، مطالبون بشكر نعمه، وإلى أنهم لا يستحقون وصف الإيمان الكامل إلا إذا استعملوا نعمه فيما منحت لأجله، فلم يكفروا بها ولم يتنكروا لها، ولم يستعملوها في غير وجهها، وإلا انقلب وصفهم بالإيمان والمؤمنين، إلى وصفهم بالفسق والفاسقين، والفاسق من إذا استغنى تجبر وطغى، وإذا تولى سعى
стр. 1563
في الأرض ليفسد فيها وبغى، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. ويلتقي مع هذه الآيات حول نفس المعنى قول الله تعالى في سورة الحج: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الآية: ٤١] فهذه هي الضمانات الكبرى والدائمة، لتمكين المؤمنين في الأرض، طولها والعرض. ثم قال تعالى توكيدا لوعده الذي لا يتخلف ولو بعد حين، وتهوينا لشأن الكفر والكافرين والشرك والمشركين، مما قد يعتبره ضعفاء الإيمان عائقا في طريق المؤمنين، وسدا في وجه ما ينتظرونه من الفتح المبين: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وتتميما لما شرعه كتاب الله في شأن بيوت السكنى الخاصة، والظروف التي يجب فيها الاستئذان لدخولها، أو الانصراف عنها، لما لها من حرمة لا يسوغ التطاول عليها بحال، مما تضمنته الآيات السابقة في الربع الثالث من هذا الحزب، أضاف كتاب الله في هذا الربع الثالث أحكاما أخرى تخص من يعيشون داخل العائلة من الأطفال والخدم، وهذه الأحكام تقتضي إلزام من هم في ملك اليمين من الفتيات والفتيان، وإلزام من هم دون البلوغ من أطفال العائلة بالاستئذان، في ثلاث فترات خلال اليوم والليلة: قبل صلاة الفجر، وعند الظهيرة، وبعد صلاة العشاء. أما قبل صلاة الفجر فلأن الوقت في العادة وقت القيام من المضاجع، وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة، وأما عند الظهيرة فلأنها وقت
стр. 1564
وضع الثياب للقيلولة، وأما بعد صلاة العشاء قبل النوم فلأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم. وقد سمى كتاب الله كل فترة من هذه الفترات " عورة " لأن الشأن في الناس ان يقل تسترهم وتحفظهم فيها، مما قد يؤدي على كشف العورة، فلا بد للطوافين بالبيت من الخدم والأطفال، أن يستأذنوا في هذه الأحوال. أما بعد هذه الفترات الثلاث التي هي وقت التكشف غالبا فيسمح لهم بالدخول من غير استئذان، لضرورة العيش المشترك، والمخالطة والمداخلة في عين المكان، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي أن المنزل الواحد مشترك يطوف فيه البعض على البعض ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
لكن إذا خرج الأطفال من مرحلة الطفولة ودخلوا مرحلة البلوغ أصبح الاستئذان واجبا في كل وقت، لا في تلك الفترات الثلاث وحدها، وطبق عليهم ما يطبق على الكبار من بقية الأولاد والأقارب، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ويشي قوله تعالى في هذه الآية: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى الحكم الذي تضمنه
стр. 1565
قوله تعالى في الربع الأول من هذا الحزب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [الآية: ٢٧] قال عطاء: " واجب على الناس ان يستأذنوا إذا احتملوا، أحرارا أو عبيدا ".
وبمناسبة ما أمر به كتاب الله هنا من التحفظ في الأوقات التي هي مظنة كشف العورة، وهو أمر شامل للرجال والنساء، وبعد أن بين الحكم الأصلي في زينة النساء، بما فيها الزينة الظاهرة والزينة الخفية، وحدد الموقف الذي يجب عليهن اتخاذه بالنسبة للمحارم والأجانب في الربع الأول من هذا الحزب، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ عاد كتاب الله في هذا الربع إلى نفس الموضوع، ليبين الحكم الخاص " بالقواعد " من النساء، وهن اللواتي لم يبق لهن تشوف إلى الزواج لكبر سنهن، وعدم الافتتان بهن، وانصراف الأعين عنهن، لا سيما إذا انقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد، فأباح لهن ما لم يبحه لغيرهن، وأزال عنهن كلفة التحفظ المتعب لهن، وبين أنهن ليس عليهن من الحجر في التستر ما يجب على غيرهن من النساء، وذلك بالنسبة لثيابهن الظاهرة كالجلباب والرداء، لكن بالرغم من هذه الرخصة التي منحها كتاب الله للقواعد من النساء، عندما يحتجن إلى التخفف من ظاهر الثياب، نبههن إلى أن الأولى والأفضل هو ملازمة التستر الكامل كغيرهن من المؤمنات. كما نبههن إلى تفادي كل ما يقصد به التبرج أو يحمل عليه،
стр. 1566
والمراد " بالتبرج " تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من الزينة، بقصد إثارة شهوة الرجال، إذ كم من سيدة بلغت من الكبر عتيا تكون حريصة على التبرج والظهور بمظهر الفتنة والجمال. وإلى هذه المعاني مجتمعة يشير قوله تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وانتقل كتاب الله إلى موضوع له علاقة وثيقة بالحياة الاجتماعية عموما والحياة العائلية خصوصا، ألا وهو موضوع آداب المائدة وحسن الضيافة بالنسبة للأقارب والأصدقاء، ومهد له بالحديث عن ذوي العاهات والأعذار، الذين لا ينبغي ان يكونوا في المجتمع الإسلامي أقل من غيرهم في التقدير والاعتبار، إذ لا يصح عزلهم عن الحياة الاجتماعية بالمرة، لما يجلبه لهم ذلك من الشعور بالغضاضة والمرارة والحسرة، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾، ثم بين البيوت التي تطيب أنفس أهلها بأكل من يدخل عليهم، لزيارتهم، وصلة الرحم معهم، والسؤال عن أحوالهم، لما بينهم من عطف متبادل ودم مشترك، وهي بيوت الأخوات، وبيوت الأمهات، وبيوت الإخوان، وبيوت الأخوات، وبيوت الأعمام، وبيوت العمات، وبيوت الأخوال، وبيوت الخالات، وإلى هذه البيوت أشار قوله تعالى هنا: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ
стр. 1567
أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾، ويضاف إلى الأقرباء الذين تطيب نفوس أقربائهم بضيافتهم والأكل من طعامهم من لهم مع الشخص رابطة عمل وخدمة، أو علاقة نيابة وتكليف، فهؤلاء يجوز لهم ان يأكلوا مما تحت أيديهم، مما هو في ملك مخدوميهم، إذا لم يرتبوا لهم أجرة على عملهم، وختم كتاب الله هذه السلسلة بالأصدقاء الصادقين الذين تعتبر بيوتهم بمنزلة بيوت الأقرباء، فقال تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾. وإذا كانت بيوت الأولاد لم تذكر صراحة في هذه الآية فإن قوله تعالى في بدايتها: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ يتضمنها من باب أولى وأحرى، لأن سبب الرخصة الذي هو القرابة، يتحقق في الولد أكثر من بقية القرابات الأخرى.
ونبه كتاب الله إلى أنه لا حرج على العيال والأقرباء، والضيوف والأصدقاء في أن يأكلوا مجتمعين أو متفرقين حسب الظروف، وإن كان الاجتماع على مائدة واحدة أبرك وآنس، وأجلب للألفة، وذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾، وحض الزائرين على البدء بتحية أهل البيت الذين جاؤوا لزيارتهم والسلام عليهم، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ يعني إخوانكم الذين هم بمنزلة أنفسكم ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾، قال جار الله الزمخشري: " ووصفها بالبركة والطيب، لأنها دعوة مؤمن لمؤمن،
стр. 1568
يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق ".
وفي نهاية هذا الربع شرع الله للمؤمنين أصلا أساسيا وحيويا لتنظيم حياتهم العامة، ففرض عليهم إذا دعاهم رسول الله لجمع خطير بقصد النظر والتشاور في أمر جليل يعم نفعه أو ضرره، سلما أو حربا أن لا ينصرف أحد منهم عن الجمع قبل أن ينفض، إلا بعد استئذانه لرسول الله ﷺ وصدور الإذن له منه بالفعل، على أن يكون ذلك من أجل عذر طارئ مقبول، وإلا لم يفارق الجمع بالمرة، إذ ما دام الغرض من الجمع لم يتم فليس للتفرق معنى، ووكل كتاب الله إلى رسوله تقدير ظروف الراغب في الانصراف بعد الاستئذان، فإن رأى ما يبرر رغبته أذن له، وإلا فلا، وقد كشف كتاب الله الستار عن سلوك المنافقين في هذا المجال، حيث كانوا ينصرفون من الجمع متسللين، فقال تعالى في شأنهم وسيأتي ذلك في بداية الربع القادم ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور: ٦٣] وأمر الله جميعهم بان لا يخرج احد منهم حتى ينفض الجمع الذي دعا إليه رسول الله، عند استنفاد الغرض منه، وبذلك يتبين إيمان المؤمن ونفاق المنافق، وواضح أن هذا الأصل الأصيل الذي شرعه الله لرسوله وطبقه في حياته يسري من بعده على خلفائه الراشدين وأمراء المؤمنين وأئمة المسلمين، وما داموا جميعا مأمورين بممارسة الشورى بمقتضى قوله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] فالمشاورون بدورهم مأمورون بالمشاركة في
стр. 1569
الجمع الذي يدعونه إليه من البداية إلى النهاية، لتقديم ما عندهم من رأي وتجربة، والمساهمة في تقليب كافة وجوه النظر، إلى أن ينجلي للجميع الرأي المعتبر.
وإلى هذا النظام الأساسي الذي وضعه كتاب الله لحياة المسلمين العامة يشير قوله تعالى في الآيات الأخيرة من هذا الربع فيقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
стр. 1570
الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)
٢٥ - سورة الفرقان مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)
стр. 1571
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا
стр. 1572
أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)
стр. 1573
الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
فى حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في ختام سورة النور المدنية: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ إلى قوله تعالى في سورة الفرقان المكية: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾.
ــ
في نهاية الربع الماضي حث كتاب الله السابقين الأولين، الذين نالوا من العناية الإلهية أوفر نصيب، بصحبة خاتم الأنبياء والمرسلين، وكذلك من يأتي بعدهم من كافة المؤمنين، على عدم الانصراف من أي جمع إسلامي عام تعالج فيه الشؤون العامة للمسلمين، إلى أن ينتهي الجمع إلى النتيجة التي التأم من أجلها، وأمرهم بأن لا يفارق أي واحد منهم مقر الجمع، إلا بإذن صريح من رسول الله الذي هو رئيس الجماعة الإسلامية الأول والأصيل، وواضح أن هذا التوجيه الإلهي ينسحب بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى على خلفائه من بعده، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾.
стр. 1574
وفي بداية هذا الربع كشف كتاب الله النقاب عن حقيقة فريق من الناس ضعاف الإيمان لا تهمهم شؤون المسلمين العامة، ولا يحملون لرؤسائهم المسلمين في قلوبهم وقارا، لكن تضطرهم الظروف إلى حضور مثل هذه الجموع كي لا يوصموا بالعار، حتى إذا ما حضروها أحسوا في أنفسهم بالضيق والملل، وحاولوا التسلل منها في خفية عن الأنظار، وإلى هذه الطائفة التي في قلبها مرض، وجه كتاب الله تحذيره الصريح، إذ قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، إشارة إلى أنه إذا غفلت عين الرئيس المسلم الذي يرأس الجمع، أو غفلت أعين المسلمين المجتمعين فيه، عن تسلل أولئك المذبذبين، وخروجهم من الجمع مختفين مستترين، دون اعتذار ولا استئذان، حذرا من الفضيحة والهوان، فإن الله تعالى الذي يعلم السر والنجوى لا يخفى عليه من أمرهم شيء، وسيحاسبهم، بمقتضى علمه، على ما في ضمائرهم حسابا عسيرا. وكلمة (لواذا) في هذه الآية من الملاوذة، وهي أن تستتر بشيء مخافة من يراك، وقد كان المنافقون أول من دشن على عهد الرسالة هذا النوع من الالتواء والمخاتلة، فتركوه سنة لمن بعدهم.
وفي سياق الحديث عن " الأمر الجامع " الذي يدعو الرسول إلى حضوره وتدور حوله المناقشة والحوار نبه كتاب الله إلى أن مخاطبة رسوله الأعظم يجب ان تكون مصحوبة بالأدب اللائق بمقامه الكريم، ويشمل ذلك اللقب الذي يدعى به، واللهجة التي يخاطب بها، فلا يدعى إلا بوصفه " رسول الله " ولا يدعى إلا برفق
стр. 1575
ولين، دون تهجم أو رفع للصوت، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ على غرار قوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الآية: ٢]، وقد استحسن العلماء ملاحظة هذا المعنى في مخاطبة ذوي الخطط والولايات المختلفة، حيث يفضل أن يدعى كل واحد منهم بلقب خطته تكريما له، ومن ذلك الخليفة والأمير والوزير، وهكذا، كما نبه على ذلك القاضي أبو بكر (ابن العربي).
ويمكن أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ هو أن الجمع الذي يوجه الرسول الدعوة لحضوره يجب أن ينال من الاهتمام والاعتبار ما لا تحظى به دعوات غيره من الناس، ولذلك لا يسوغ التخلف عن حضوره إلا لعذر مشروع، ولا تجوز مفارقته إلا بإذن صريح، ويقاس عليه ما يدعو إليه من الاجتماعات المتعلقة بالمصالح العامة أمراء المؤمنين، ورؤساء المسلمين، ولا مانع من أن تحمل هذه الآية على كلا المعنيين، إذ لا تعارض بينهما ولا تناقض، ويكون ذلك من باب الإيجاز والإعجاز.
وبعد ان استوفى كتاب الله في الستين آية التي مضت من سورة النور المدنية جملة الضوابط التي تضبط الحياة الخاصة والحياة العامة للأسرة المسلمة، الصغرى والكبرى، وما يلزم أن تطبقه من التعليمات الدقيقة في علاقاتها الاجتماعية والسياسية،
стр. 1576
سواء فيما بين أفرادها بعضهم مع بعض، أو فيما بين الراعي منهم والرعية، حذر كتاب الله من التمرد على تلك الضوابط والمخالفة لتلك التعليمات، مبينا ما يؤدي إليه عدم اتباعها والخروج عليها والإعراض عنها من أسوأ العواقب، في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لأن اعتقاد ما هو مخالف لقول الله كفر، وفعل ما هو مخالف لأمره معصية. وتصدق هذه الآية الكريمة أيضا على الاجتماعات التي تعقد للنظر في (أمر جامع) تتوقف عليه مصلحة المسلمين العامة، طبقا لأصول الإسلام الثابتة، فلا يسوغ الخروج على مقرراتها، ولا مخالفة توجيهاتها، إذ الغرض الأساسي منها متى دعا إليها الرسول وصالحو المؤمنين هو الحصول على الإجماع والاتفاق، وتفادي الخلاف والشقاق، ومتى وقع الخروج عليها منيت الأمة بالانحلال والفشل، وأصيبت الدولة بمختلف الأدواء والعلل. ومن قوله تعالى هنا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [الآية: ٦٣]، استنبط المحققون من علماء الأصول أن " الأمر " صريح في الاقتضاء والطلب، وأن كونه للوجوب إنما يؤخذ من توجه اللوم والذم، وترتيب العقاب على مخالفته.
ثم ذكر كتاب الله كل من في قلوبهم مرض، ممن يخيل إليهم أنهم بمنجاة من رقابته وسطوته، أنه لا يخفى عليه من أحوالهم شيء، وإن بالغوا في التستر بها، والتظاهر بغيرها، وأنه سينبئهم بما عملوا ويؤاخذهم عليه، فقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ
стр. 1577
فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، إذ كيف يخفى عليه أمرهم وجميع ما في السماوات والأرض في قبضته، خلقا وملكا وعلما، وواضح أن لفظ (قد) في قوله تعالى هنا: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ لا يعني في هذا السياق إلا توكيد علمه سبحانه بما هم عليه من المخالفة والنفاق، وكما أفاد لفظ (قد) في قوله تعالى من قبل: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ تحقيق علمه سبحانه بهم وتوكيده، أفاد لفظ (قد) هنا نفس المعنى، والمغزى المراد من توكيد العلم في كلتا الآيتين هو توكيد الوعيد الذي تتضمنه الواحدة تلو الأخرى، حسبما نبه على ذلك جار الله الزمخشري.
والآن وقد أشرفنا على نهاية "سورة النور" المدنية ننتقل إلى "سورة الفرقان" المكية، ملتمسين من الله التوفيق والسداد، ومن لطائف التفسير ما يلاحظ من أن فاتحة الفرقان التي نحن بصدد تفسيرها الآن جاء في غاية المناسبة لسورة النور في فاتحتها وخاتمتها معا، فكما قال تعالى في فاتحة سورة النور السابقة: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وفي خاتمتها: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الآية: ٦٤]. قال سبحانه في بداية سورة الفرقان: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الآية: ١] وإنما سمى الله القرآن (فرقانا) لأنه يفرق بين الحلال والحرام، والحق والباطل، والهدى والضلال، والرشد والغي،
стр. 1578
أضف إلى ذلك أن نزول القرآن وضع حدا فاصلا للجاهلية الأولى التي كانت عليها البشرية، وفتح عهدا جديدا من الحضارة والمدنية، فهو فرقان بين عهدين لا يشبه أحدهما الآخر، وهذا هو المعنى المقصود من نذارة رسوله ونذارة كتابه للعالمين.
وعندما نستنطق الآيات الكريمة التي تتضمنها سورة الفرقان نجدها تدور حول محاور أربعة:
- المحور الأول: (القرآن) وما أودع الله فيه من كنوز الحكمة الإلهية.
- المحور الثاني: (الرسالة) والعبء الثقيل الذي ألقته على عاتق الرسول العناية الربانية.
- المحور الثالث: (التوحيد) وتزييف معتقدات الشرك والوثنية.
- المحور الرابع: (المعاد) وما يؤول إليه مصير الكون ومصير الإنسانية.
ويتخلل هذه الموضوعات وصف جملة وافرة من مظاهر الكون وآيات الله في الأنفس والآفاق، ذكرى للمؤمنين، وحجة على الكافرين، وعبرة للمعتبرين، كما يتخللها ذكر عدد من الأنبياء والرسل السابقين، وما تعرض له أقوامهم من العقاب والعذاب، جزاء تحديهم الصارخ وعنادهم البالغ، ووصف المواقف التي تقفها مختلف فئات البشر من حقائق الوحي والرسالة والتوحيد والمعاد، ما بين مؤمن بها ومصدق لها كل
стр. 1579
التصديق، وكافر بها مكذب لها بلغ الغاية في الكفر والعناد، وتوجت هذه السورة الكريمة بخاتمة عظيمة تتضمن وصفا كاشفا " لعباد الرحمن " الذين أكرمهم الله بالإيمان والأمان، فأضافهم إلى نفسه إضافة تفضل وإحسان، وقد جاءت فاتحة سورة الفرقان، لتكون لموضوعاتها الرئيسية أفضل تمهيد وخير عنوان، فقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ يتضمن إثبات الوحي وإثبات الرسالة وتوكيد صدق الرسول، وقوله تعالى على التوالي: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ صريح في إثبات التوحيد، بما يتضمنه من ألوهية وربوبية، ومنافاة تامة للشرك والوثنية، وبديهي أن الإيمان بالوحي يستلزم الإيمان بجميع محتوياته، وفي طليعتها الإيمان بالمعاد، كما أن الاعتراف بقدرة الله البالغة، وبانفراده بالخلق والإبداع في النشأة الأولى، يستلزم الإيمان بقدرته على النشأة الثانية، إذ ليست أشق ولا أصعب من النشأة الأولى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].
وكلمة ﴿تَبَارَكَ﴾ في بداية الآية الأولى من هذه السورة مأخوذة من " البركة " التي هي الزيادة من كل خير، فهي تعبير عما لله من عظمة وجلال، وعطاء متواصل، وإنعام دائم على ممر العصور والأجيال، وقد تكرر ذكرها في هذه السورة وحدها ثلاث مرات، كما وردت فيما سبق عند قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
стр. 1580
[الآية: ٥٤]، وقوله تعالى في سورة المومنون ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [الآية: ١٤]، وسيأتي ذكرها مرات أخرى في سورة غافر [الآية: ٦٤]، وسورة الزخرف [الآية: ٨٥]، وسورة الرحمن [الآية: ٧٨]، وسورة الملك [الآية: ١]، ولا شك أن تنزيل القرآن، من أعظم البركات والخيرات التي أنعم الله بها على الإنسان.
ولنستعرض الآن ما ورد في هذا الربع من الآيات المتعلقة بالموضوعات الأربعة التي تناولتها سورة الفرقان.
- ففي موضوع إنزال القرآن وإبطال الشبهات الموجهة ضد الوحي، جاء في هذا الربع قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
- وفي موضوع إرسال الرسول وتزييف الشبهات الموجهة ضد الرسالة، جاء في هذا الربع قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا * تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
следующие страницы →